← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

فإن قال قائِل: ما رأيُكم فيما ذهَب إليه شيخُ الإسلام؟ فالجوابُ: هذا رَأْي قُوِيٌّ لا شَكَّ، يَعنِي: ما ذهَب إليه شيخ الإسلام مُؤيَّد بالحديث "أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الْأَرْضِ" (١) وإذا كانَتِ الأُمَّة - أو غالب الأُمَّة - أَجمَعوا على ذلك، فهو كافٍ، لولا أنه يُخشَى من مسألة، وهو أنه يَأتينا أهل الفِرَق الضالَّة وَيقولون: نحنُ مجُمِعون على الشَّهادة لفُلان بكذا وكذا. وهو رَأْس بِدْعة، وهم يَدَّعون أنهم أَهْل حَقٍّ، لكن يُمكِن الانفِكاك عن هذا الإيرادِ، بأن نَقول: هَؤلاءِ لا تُقبَل شهادَتُهم؛ لأنَّهم على باطِل وعلى ضَلال، والمُراد شَهادة أهل الحَقِّ. فـ"كلُّ الصَّحابة في الجنَّة" على سَبيل العُموم، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]. مسألة: إذا قال قائل: إذا قُتِل المُسلِم في المَعرَكة قُلْنا: إنَّنا نَحسَبه شَهيدًا ولا نُزكِّي على الله أحَدًا؟ فالجَوابُ: لا تَقُل: أَحسَبه شَهيدًا. قُلْ: مَن قُتِل في سبيل الله فهو شَهيد، كما قال عُمرُ ﵁، عُمرُ خطَب الناس قال: إنَّكم تَقولون: فُلان شَهيدٌ، وفُلان شَهيدٌ. ورُبَّما يَكون فعَل كذا وكذا، ولكن قولوا: مَن قُتِل - أو مات - في سَبيل الله فهو شَهيد (٢).

стр. 352

الآيتان (٤٩، ٥٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٤٩ - ٥٠]. * * * قال المفَسِّر ﵀: [أي: قَدْر يَوْم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾]، استَمِعْ إلى هذا النِّداءِ الدالِّ على البُؤْس واليَأْس: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ جَمْع خازِن، وهمُ الذين قاموا على خِزانتها وحِمايتها وحِفْظها؛ لأن النار لها خزَنة، وكذلِك الجَنَّة لها خزَنة، وكل أَمْر محُكَم، ويُؤتَى بجَهنَّمَ يوم القِيامة تُقاد بسَبعينَ ألفَ زِمامٍ، كل زِمامٍ يَقودُه سَبعون ألفَ ملَكٍ، وما أَدراكَ ما الملائِكة وما قُوَّتهم، فهذه النارُ محُكَمة لها خزَنة، ولها قُوَّاد يَقودونها يوم القِيامة. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ وجَهنَّمُ اسمٌ من أسماء النار، قيل: إنها عرَبية. وقيل: إنها عجَمية. فعلى القَوْل بأنها عرَبية تَكون مَأخوذة من الجهمة وهي الظُّلْمة؛ لأن النار سَوداءُ مُظلِمة - أَعاذَنا الله وإيَّاكم منها - وعلى القول بأنها أَعجَميَّة يُقال بأن أَصلَها: كَهَنَّام، ولكِنَّها عُرِّبت حتى صارَت: جَهنَّم، وهي من أسماء النار. يَقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ وَيقولون هذا - واللهُ أعلَمُ -

стр. 353

حين يَقولون لرَبِّهم : ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٧ - ١٠٨] حينَئِذٍ يَتوسَّلون بغَيْرهم أن يُكلِّموا الله، يَقولون: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ ولم يَقولوا: ادْعُوا ربَّنا؛ لأنهم قد كُسِروا من جِهة ربِّهم، قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ لكِن تَوسَّلوا بعد ذلك بدُعاء بطلَب من المَلائِكة أن يَدْعوا الله لهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. قوله: ﴿يُخَفِّفْ﴾ بالجزْم جَوابًا للأَمْر وهو قوله: ﴿ادْعُوا﴾ وأَقول: للأَمْر باعتِبار صِيغته، وإلَّا فهو في الحقيقة دُعاءٌ وسُؤال ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ طلَبوا تَخفيفًا لا رَفْعًا، وطلَبوا يومًا لا دوامًا؛ لأنهم آيِسون، لكن قال: لعَلَّ المَسأَلة تَنفَع ولو بتَخفيف يوم من العَذاب، نَسأَل الله العافِيةَ. ومُقتَضى هذا أنَّهم في أشَدِّ ما يَكون من العَذاب، وأنهم طلَبوا أن يَستَريحوا ولو يومًا. قوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ قال: المفَسِّر ﵀: [أي: قَدْر يَوْم] وإنَّما قال [قَدْر يَوْم من العَذاب]؛ لأنه في يوم القِيامة ليس هناك يوم ولا ليل، الشمس والقمَر مُكوَّران في نار جَهنَّمَ وكل شيء من أُمور الدنيا مُنتَهٍ ليس هناك إلَّا أَمْر الآخرة، سُبحانَ الله! . ﴿قَالُوا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أيِ: الخَزَنة تَهكُّمًا] هكذا قال المفَسِّر [تَهكُّمًا] ويُحتَمَل أنهم قالوا ذلك تَقريعًا وتَوْبيخًا وتَنديمًا، ليس تَهكُّمًا؛ لأن الأمر واقِع فهم يُقرِّرونهم بشيء حاصِل تَنديمًا لهم؛ ليَزدادوا حُزنًا. فإن قال قائِلٌ: ما الفَرْق بين التَّوْبيخ والتَّقْريع؟

стр. 354

فالجَوابُ: لا أَعرِفُ بينهما فَرْقًا، اللَّهُمَّ إلا أن يَكون فَرْقًا قليلًا، أو يُقال: التَّوْبيخ على أَمْر مَضَى، والتَّقريع هو التَّنديم هو على أَمْر حاضِرٍ. ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٥٠] قال المفَسِّر ﵀: [بالمُعجِزات الظاهِرات] لَيْتَه قال: "بالآيات الظاهِرات"؛ لأن الرسُل جاؤُوا بالآيات لا بالمُعجِزات، لكِنَّ الآياتِ أَمْر خارِق للعادة، فهي مُعجِزة، وقد بيَّنَّا في كرامات الأَوْلياء في التَّوْحيد أن الأَوْلى أن يُسمَّى ما جاءَت به الرُّسُل من الدَّلالة على وَصْف رِسالتهم آيات. قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: فكَفَروا بهم] ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا التَّهكُّمُ. قوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ مثل هذا التَّعبيرِ يَقَع كثيرًا في القُرآن؛ أي أن الهَمْزة تَأتِي ثُم يَأتِي بعدها حرف عطف، مثل ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ وما أَشبَهَ ذلك، فكَيْف نَقول: في إعرابها؟ نَقول: في إعرابها وَجْهان للنَّحوِيِّين: الوَجهُ الأوَّل: أن الجُملة مَعطوفة على ما سبَق، وأن الواو مُقدَّمة على محَلِّها، وأن التَّقدير في ﴿أَوَلَمْ تَكُ﴾: وأَلَمْ تَكُ، وهذا الوَجهُ ليس فيه إلَّا دعوى التَّقديم والتَّأخير، لكنه سَهْل يَعنِي: يَسهُل أن تَقول: هذا مَعطوف على ما سبَقَ. وقال بعضُهم: إن الهَمْزة داخِلة على جُملة مَحذوفة، فالجُمْلة مُستَأنَفة هذه الجُملةُ يَكون تَقديرها بحَسب السِّياق، ففي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [الروم: ٩]، التَّقدير: أَغفَلوا ولم يَسيروا، وهذا من حيثُ القَواعِد أَقعَدُ، ولكن تواجهك أحيانًا

стр. 355

آيات لا تَستَطيع أن تَعرِف ما هو المُقدَّر، فصار هذا أَقعَدَ، وذاك أَسهَلَ. وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الاستِفْهام هنا للتَّقرير، ويُقال: كلَّما دخَل الاستِفْهام على نَفيٍ فهو للتَّقرير، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزُّمَر: ٣٧] وما أَشبَه ذلك، يَقولون: كلَّما دخَل الاستِفْهام على النَّفيِ فهو للتَّقرير، إِذَنْ نحن نَقول: للتَّقرير، لكن هل يَخرُج عن مَعنى التَّقرير، أو يَضُمُّ إلى مَعنَى التَّقرير مَعنًى آخَرَ بحَسب السِّياق؟ الجوابُ: نعَمْ، ففي قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ هو للتَّقرير؛ إظهارًا لمِنَّة الله عليه، وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ﴾ [غافر: ٥٠] للتَّقرير تَوْبيخًا وتَنْديمًا. قوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ جَوابُ الاستِفْهام المَقرون بالنَّفيِ، الإثبات بـ (بَلى) وجَوابُ الاستِفْهام غير المَقرون بالنَّفيِ الإثبات بنَعَمْ، وجوابُ الاستِفْهام المَقرون بالنَّفيِ في حال النَّفيِ نعَمْ، وجَواب الاستِفْهام المَقرون بالإثبات في حال النَّفيِ لا، اعرِفوا الفَرْق يُقال: إن ابن عبَّاس ﷺ وعن أبيه قال في قول الله ﵎: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] قال: لو قالوا: نعَمْ. لكَفَروا. قال الفُقَهاء: لو قيل للرجُل: أَلسْت قد طلَّقْتَ امرَأَتَك؟ قال: نعَمْ. لم تُطلَّق، وإن قال: بلَى. طُلِّقت. فقول ابن عباس: لو قالوا: نعَمْ. لكَفَروا، وهذا مُسلَّمٌ فيما إذا كان الإنسان يَعرِف اللُّغة العرَبية جيدًا، وأمَّا العامِّيُّ فعِنده (نعَمْ) و (بَلَى) سَواءُ؛ ولهذا لو قيل للعامِّي: ألَسْت طلَّقْت امرأَتَك؟ قال: نعَمْ. فعلى القول الصَّحيح تُطلَّق، فالعِبْرة

стр. 356

بالمَعاني على أنه جاءَ في اللُّغة العرَبية جواب هذا بـ (نعَمْ)، ومنه قول العاشِق: أَليْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أَمَّ عَمْرٍو ... وَإِيَّانَا فَذَاكَ لنَا تَدَانِي نَعَمْ وَتَرَى الهِلَالَ كَمَا أَرَاهُ ... وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي (١) فقال: نعَمْ، لكن هذا الرجُل قَنوع، اكتَفى أن يَجمَعه الليل مع مَعشوقته ولو كانت في المَشرِق وهو بالمَغرِب، وكذلك النهار، وتَرَى الهِلال كما يَراه، هي في المَشرِق تَرَى الهِلال، وهو في المَغرِب يَرَى الهِلال. فجوابُ الاستِفْهام المَقرون بالنَّفيِ إثباتًا (بَلَى) ونَفيًا (نعَمْ)، والاستِفْهام مَقرون بالإِثْبات إثباتًا (نَعَمْ) ونَفيًا (لا)، بارَك الله فيكُم. فإن قال قائِل: هل يُوجَد حديث يَدُلُّ على ما جاء به البَيْت هذا من الشِّعْر على أن (نعَمْ) تَكون في مَكان (بَلى)؟ فالجوابُ: هل يُطلَب الحديث دَليلًا على إثبات مَسأَلة لُغوِيَّة؟ فإن قيل: نعَمْ؛ لأن خَيْر مَن تَكلَّم بالفُصحى الرسول ﷺ . قيل: إذا جاء عن العرَب فلا يَحتاج دَليلًا؛ لأن قول العرَب هو الدَّليل، ألَمْ تَعلَم أن بعض النَّحويِّين يَقول: لا نَستَدِلُّ بالحديث على اللُّغة العرَبية. إِذَنْ: قال بعض النَّحويِّين: إنه لا يَستَدِلُّ بالحديث النَّبويِّ على اللُّغة العرَبية؛ لأن الرُّواة يُجوِّزون رِواية الحديث بالمَعنَى، ومن المَعلوم أن من بين الرُّواة مَن تَغيَّرت لُغَته، الإمامُ أحمدُ قديم ومن أئِمَّة الحَديث وسمِعْتُموه - وفي قواعِد اللُّغَة العرَبية -

стр. 357

يَقول في أي شيء: نعَمْ. وهكذا الرُّواة ربَّما نقَلوا بالمعنَى على لُغَتهم التي يَتكلَّمون بها، فحصَل خطَأ، أمَّا القُرآن فنَعَمْ؛ لأنه مُتواتِر مَنقول بالتَّواتُر، لكن كثيرًا من عُلَماء النَّحْو يَقولون: إنه يُحتَجُّ بالأحاديث على اللُّغة العرَبية؛ لأن الأصل عدَمُ التَّغيير. وقوله: ﴿قَالُوا بَلَى﴾ بلى يَعنِي: قد آشْنا، ولكِنَّهم -والعِياذُ بالله- كفَروا ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا الأَمْرُ للتَّهَكُّم؛ لأن المَلائِكة تَعلَم أنه لا يُقبَل منهم، فقوله: ادْعُوا تَهكُّم بهم، والتَّهكُّم هو الذي يُسمَّى عِندنا في العامِّيَّة "الهكَّ"، "هكَكْت عليه" يَعنِي: لعِبَت بعَقْله. فهنا ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ تَهكُّمًا بهم؛ لأن المَلائِكة تَعلَم أنهم لن يُجابوا ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ أنتُمْ فإنَّا لا نَشفَع للكافِرين؛ لأن الشَّفاعة للكافِرين مَضيَعة وَقْت، إذ إن الكافِر لا تَنفَع فيه الشَّفاعة، إلَّا كافِرًا واحِدًا نفَعَت فيه الشفاعة بالتَّخفيف عنه، وهو أبو طالِبٍ نفَعت شَفاعة الرسول ﵊ فيه فقط، لو جاء أبو بَكْر أو عُمرُ يَشفَع في أبي طالب رُدَّ، لكِن النَّبيَّ ﷺ قُبِلت شَفاعته في عمِّه أبي طالِب فخُفِّف عنه العَذاب (١)؛ لأن أبا طالِب حصَل منه خيرٌ كثير للرسول ﷺ ، وحصَل منه ما يُسمَّى بالدِّعاية العَظيمة له حتى قال: وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا (٢) هذا قاله في الدِّين. وقال في الرَّسول ﷺ :

стр. 358

لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ (١) ودافَعَ عنه، وحُوصِر معه في الشِّعْب؛ فلِذلِك قبِل الله شَفاعة الرسول ﷺ فيه أن يُخفَّف عنه. أمَّا شَفاعة الرسول ﷺ في أُمِّه فمَنَعه الله في أُمِّه (٢)، وهي أَقرَبُ من عمِّه، لمَّا استَأْذَن الله أن يَستَغفِر لها قال: لا. ولمَّا استَأْذَنه أن يَزور قَبْرها أذِنَ له فزار النَّبيُّ ﷺ قَبْر أُمِّه، ووقَفَ عليه وجعَل يَبكِي، لكن لا يَدعو لها، وأَبكَى مَن معَه. فالكُفَّار لا تَنفَع فيهم الشَّفاعة؛ لأن الشَّفاعة مَضيَعة بلا فائِدةٍ، ثُم هي لم يُؤذَن فيها من قِبَل الله، ولا يُمكِن أبدًا شَفاعة بدون إِذْن الله. قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤] ﴿وَمَا دُعَاءُ﴾ (ما) نافِية، و ﴿دُعَاءُ﴾ اسمُها، و (ما) هنا ليسَتْ حِجازيةً؛ لاتِّفاق اللُّغَتَين لُغة التَّميميِّين ولُغة الحِجازِيِّين فيها، وأنها لا تَعمَل في هذا الحالِ. قوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: وما طلَبُ الكافِرين ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: في ضَياع، وقول المفَسِّر ﵀: [انعِدام] فيه نظَر، فالضَّلال الضَّياع وعدَم الاهتِداء، فـ ﴿مَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾، فلا تُقبَل دعوة الكافِر أبَدًا إلَّا في حالَيْن: الحال الأُولى: إذا كان مُضطَرًّا؛ لقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان: ٣٢]، وإنَّما أُجيبَت دَعْوة المُضطَرِّ لصِدْق

стр. 359

لجُوئه إلى الله، لأن المُضْطَرَّ صادِق اللُّجوء إلى الله. الحال الثانية: إذا كان مَظلومًا فإنها تُقبَل دَعْوته على ظالمِه، لقول الرسول ﷺ : "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّها لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ" (١)، وهذا وإن كان يُخاطِبه في قوم أَسلَموا لكنها عامَّة، وإنما أُجِيبت دَعوة الكافِر إذا كان مَظلومًا؛ إقامة للعَدْل؛ لأن الله لم يُجِبِ الكافِر مَحبَّة له، ولكِن إقامة للعَدْل؛ لأنه الآنَ هُناكَ خَصْمان مَظلوم وظالِمٌ، فلإقامة العَدْل يَستَجيب الله تعالى لدَعْوة الكافِر. من فوائِدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيان شِدَّة حَسْرة أهل النار؛ لقوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن أهل النار يَتَحاجُّون ويُحاجُّون أيضًا، يَتَحاجُّون فيما سبَقَ فيما بينهم، وكذلك يُحاجُّون غيرهم، أو يَسأَلون غيرهم؛ لقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ إحكام الله لمَخْلوقاته كما أَحكَم مَشروعاتِه، حيث جعَل للنار خزَنة يَحفَظونها وَيقومون عليها. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: شِدَّة خجَل أهل النار من مخُاطَبة الله ؛ لأنَّهم تَوسَّلوا بقول الخزَنة أن يَدْعوا ربَّهم ولم يَقولوا: ادْعُوا ربَّنا. هذا يَدُلُّ على أن هذا بعدَ أن قال الله لهم: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾.

стр. 360

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أهل النار في أشَدِّ ما يَكون من العَذاب، يُؤخَذ من قوله: ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ فهو يَدُل على أن عليهم شِدَّةً، وأنهم يَتَمنَّون يَومًا واحِدًا فقَطْ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أهل النار يُعذَّبون عَذابًا بدَنيًّا وعَذابًا قلبيًّا، يُؤخَذ من التَّقريع والتَّوْبيخ لهم: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فهذا يَكون أشَدَّ عليهم من عَذاب البدَن؛ ولهذا يَقولون كما في سورة تَبارَك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]، قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ [المُلك: ١١]. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن لكُل أُمَّة من أَهْل النار رسولًا؛ لقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا﴾، فكل أُمَّة لها رَسولٌ. الْفَائِدَةُ الثامِنةُ: أن الله تعالى لم يُرسِل رسولًا إلَّا بآيات تَدُلُّ على أنه رسول الله حقًّا؛ لقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾. الْفَائِدَةُ التَاسِعَةُ: أن الاهتِمام بالوَصْف أَشَدُّ من الاهتِمام من بالأَصْل؛ لأن الوَصْف هو الذي يُبيِّن الأشياء، يُؤخَذ من قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ حيث أَتَى بالوَصْف وطوَى ذِكْر المَوْصوف؛ لأن المُهِمَّ هو الوَصْف. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: تَهكُّم الرُّسُل بهَؤلاء -أي: بأَهْل النار- يُؤخَذ من قوله: ﴿قَالُوا فَادْعُوا﴾ هذا من باب التَّهكُّم منهم؛ لأن المَلائِكة يَعرِفون أنهم لن يُجابوا. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنه لا قَبولَ لدُعاء الكافِرين؛ لقوله: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ وذلك يَشمَل دُعاء المَسأَلة ودُعاء العِبادة، والذي يُستَثنَى من دُعاء المَسأَلة في إجابة الكافِر المُضطَرِّ والمظلوم، والدَّليل على استِثْناء المُضطَرِّ أنه

стр. 361

يُجاب ولو كان كافِرًا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ والحِكْمة من إجابة الكافِر في حال الضَّرورة أنه في هذه الحال يَكون مخُلِصًا لله في الدُّعاء مُظهِرًا للافتِقار إليه فيُجيبه الله. أمَّا الدليل على أنه يُجيب دَعْوة الكافِر المَظلوم أن مُعاذَ بنَ جبَل ﵁ لمَّا بعَثَه النبيُّ ﷺ لأَهْل اليَمَن ... الحديثَ، قال له: "وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ" (١). وَالحكْمَةُ مِن إجابة دَعْوة المَظلوم الكافِر طالب: لإقامة العَدْل.

стр. 362

الآية (٥١) * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]. * * * ثُم قال الله ﵎: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ إلى آخِره الجُمْلة هذه مُؤكَّدة بمُؤكِّدين أحدُهما (إنَّ) والثاني اللَّام، وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾ أَتَى بصيغة التَّعظيم؛ لأن المَقام يَقتَضيه إِذْ إن النَّصْر لا بُدَّ أن يَكون من قويٍّ، ولم يَقُل جلَاّ وَعَلَا: أنا أَنصُر. قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾؛ لأن المَقام يَقتَضي العظَمة والقُدْرة والقُوَّة ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: ٥١] رُسُلنا جمع رَسول، وهم كل الرُّسُل؛ لأن (رُسُل) جَمْع مُضاف، وجمع المُضاف يَكون للعُموم. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَعطوف على ﴿رُسُلَنَا﴾ أي: ونَنصُر الذين آمَنوا بما يَجِب الإيمان به، والإيمان هو الإقرار المُستَلزِم للقَبول والإِذْعان. فمَن أنكَر فليس بمُؤمِن، ومَن أَقَرَّ ولم يَقبَل فليس بمُؤمِن، ومَن أَقَرَّ ولم يذعِن فليس بمُؤمِن، فأبو طالِب مثَلًا مُقِرٌّ برِسالة الرسول ﵊، ولكنه لم يَقبَل ولم يُذعِن فلا يَكون مُؤمِنًا، فالذين آمَنوا همُ الذين أَقَرُّوا بقُلوبهم وأَذعَنوا واستَسْلَموا بجَوارِحهم وقبِلوا ما أَخبَرَت به الرُّسُل، هؤلاءِ هُمُ المُؤمِنون. وقوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ مُتعَلِّق بـ (نَنصُر) أي: نَنصُرهم في الحياة الدنيا.

стр. 363

﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ ﴿وَيَوْمَ﴾ هذه مَعطوفة على ما سبَقَ وهي مُتعَلِّقة بـ (نَنصُر) أي: ونَنصُرهم يوم يَقوم الأَشْهاد وذلك يوم القِيامة. قال المفَسِّر ﵀: [﴿الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهِد، وهُمُ المَلائِكة يَشهَدون للرُّسُل بالبَلاع وعلى الكُفَّار بالتَّكذيب]، هكذا قال المفَسِّر ﵀ خَصَّها بالمَلائِكة، والصحيح أنها أَعَمُّ من المَلائِكة، فالمَلائِكة يَشهَدون وهذه الأُمَّةُ تَشهَد على مَن سَبَق، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والجُلود تَشهَد، والجَوارِح تَشهَد، فكلُّ ما ثَبَتَت شَهادته فإنه داخِل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ وذلِك يوم القِيامة. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَأكيد نَصْر الله للرُّسُل والذين آمَنوا؛ لقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾. وفي هَذه الآيةِ شُبْهة استَدَلَّ بها النَّصْرانيُّ يَقول: إن الله ثالِث ثَلاثة. ولي علَيْكم دَليل وهو قوله: ﴿إِنَّا﴾ وقوله: ﴿نَحنُ﴾ وقوله: ﴿نُرِيهِم﴾، وما أَشبَهَها، مِمَّا يَدُلُّ على الجَمْع، فإِذَن أنا أَقولُ: يَقولُ النَّصرانيُّ: إن الله ثالِث ثَلاثة ولِي حُجَّة. فنُجيبه بقولنا: إنَّك مِمَّن زاغَ قَلْبه؛ لأنك اتَّبَعْت المُتَشابِه، والله يَقولُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧] وترَكْت المُحكَم المُؤكِّد بأن الله واحِد لا شَريكَ له، مِثْل قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ومثْل قوله في تَكذيب هَؤلاءِ النَّصارَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣].

стр. 364

فهذا النَّصرانيُّ اتَّبَع المُتَشابِه، وكذلك كل مُبطِل يَحتَجُّ بآية فإنه يَكون مِمَّن اتَّبَع المتشابِه، والله حَكيم جعَل في آياته الشَّرْعية وآياته الكَوْنية أيضًا ما يَكون مُتَشابِهًا؛ ابتِلاءً وامتِحانًا للذين آمَنوا والذين في قُلوبهم زَيْغ، الآنَ انظُرْ إلى القُرآن وانظُر إلى السُّنَّة تَجِد في بعض الأحاديث، وفي بعض الآيات ما ظاهِرُه التَّعارُض، أو في بعض الأحاديث أو في بعض الآيات ما ظاهِرُه باطِل مثَلًا، هذا إن سلَّمْنا، وأن ليس في القُرآن ولا في السُّنَّة الصحيحة ما ظاهِرُه باطِل إطلاقًا، لكن هذا من باب التَّنزُّل مع الخَصْم، نَقول هذا من بابِ الابتِلاء والامتِحان. كذلك في الآياتِ الكَوْنية نَجِد أن الله تعالى يُصيب الناس بكَوارِثَ عَظيمةٍ تمَوت بها الأَنفُس، تُدمَّر بها البِلاد يُفسَد بها الحرْث والنَّسْل؛ حتى يَبلوَ العِباد ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد: ٣١]، وانتَبِهْ لهذه النُّقْطةِ، وهي امتِحان الله تعالى للعِباد بما يَأتِي من الآيات الشَّرْعية والآيات الكَوْنية، إِذَنْ ردَدْنا على النَّصرانيِّ الذي ادَّعَى تَعدُّد الآلهة محُتَجًّا بمِثْل قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا ... ﴾ إلى آخِره. وفي الآية إِشْكال، وهو أن الله تعالى ذَكَر أن من الناس مَن يَقتُلون الأنبياء بغَيْر حقٍّ، فأين النَّصْر في الحياة الدنيا لمَن قُتِل؟ والجوابُ من أَحَد وَجْهين: أ- إمَّا أن يَكون المُراد بالنَّصْر نَصْر ما جاؤُوا به من الشَّرْع، وبيان أنه حَقٌّ، وهذا ثابِت لكل رَسول، وتَأْييد ما جاء به الرَّسولُ لا شَكَّ أنه نَصْر له، وحينَئِذٍ لا يُستَثْنى من الرُّسُل أحَدٌ إذا قُلْنا: إن المُراد بالنَّصْر نَصْر ما جاؤُوا به من الحقِّ. ب- وإمَّا أن يُراد بـ ﴿رُسُلَنَا﴾ الذين أُمِروا بالجِهاد؛ لأن النَّصْر يَقتَضِي أن يَكون هناك جِهاد يَنتَصِر فيه أحَدُ الطرَفَيْن على الآخَر، فيَكون المُراد بالرُّسُل هنا

стр. 365

ليس جَميع الرُّسُل، بل مَن أُمِروا بالجِهاد. وحِينَئِذٍ يَزول الإشكال، هذا باعتِبار النَّصْر في الحياة الدنيا، أمَّا باعتِبار النَّصْر يوم يَقومُ الأَشهاد، فلا يُستَثْنى أحَدٌ ولا إشكالَ فيه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نَصْر الله العَبْدَ في الدنيا نِعْمة، يَعنِي: للإنسان أن يَفرَح بما أَعطاه الله تعالى من النَّصْر، سواء نَصْرًا فِعْليَّا أو قَوليًّا. المُهِمُّ: أن الإنسان إذا نصَره الله على مَن ناوَأَه يُعتبَر هذا نِعْمة ومِنَّة من الله ؛ فلْيَفرَح به الإنسان لقَوْل الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الأَشْهاد يوم القِيامة، لقوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحْذير من مخُالَفة الرُّسُل من ذلك اليومِ الذي يَقوم فيه الأَشْهاد؛ لأن في ذلك اليومِ لا يَستَطيع أحَدٌ أن يَكذِب. يَعنِيْ لو أن الإنسان أَنكَر وكذَّب فستَشهَد عليه جَوارِحه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، يَقولون هذا؛ لأنَّهم يُشاهِدون المُخلِصين يُنصَرون يومَ القِيامة، فيَقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ رجاءَ أن ينجوا معهم، يَقول الله : ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٤]، هم كذَبوا على أَنفُسهم؛ لأنهم يَقولون: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وهُم مُشرِكون، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]. الآنَ استَدْرَكْنا على المفَسِّر ﵀ قَصْره: ﴿الْأَشْهَادُ﴾ على المَلائِكة، وقُلْنا: إنها أعَمُّ.

стр. 366

[الآية (٥٢)] * قَالَ اللهُ : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢]. * * * ثُمَّ قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بالياء والتاء] بالياء ﴿يَنْفَعُ﴾ بالتاء "تَنْفَعُ"، إِذَنْ هُما قِراءَتان سَبْعِيَّتان؛ لأن المفَسِّر إذا أَتَى بصيغة القِراءة على هذا الوَجهِ فمَعناه أنهما قِراءتان سَبْعيَّتان، أمَّا إذا قال: وقُرِئَ. فهو للشاذِّ قِراءة شاذَّة، بالتاء لأن (مَعذِرة) مُؤنَّث، فالفِعْل يَكون معها مُؤنَّثًا، لكن بالياء نَقول أوَّلًا: إنه فَصْل بين الفِعْل والفاعِل، وثانيًا أن التَّأْنيث هنا ليس حَقيقيًّا. وابنُ مالِكٍ يَقول: وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتِ حِرِ (١) قوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ المُراد بالظالمِين هنا الكافِرون، قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. وقوله: ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ يَعنِي: عُذْرهم، قال المفَسِّر ﵀: [عُذْرهم لوِ اعتَذَروا] يَعنِي: عُذْرهم فيما سبَقَ، أو اعتِذارُهم فيما لحَق في ذلك اليومِ، هم يَعتَذِرون لكن لا يُقبَل، لا يُؤذَن لهم فيَعتَذِرون.

стр. 367

وقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أيِ: البُعْد من الرَّحْمة] ولهم سُوء الدار، لهُمُ اللَّعْنة، كيف قال: لهُمُ اللَّعْنة. هل اللَّعْنة مَطلوبة حتى تَأتِي باللَّام؟ قيل: إن اللَّام هنا بمَعنَى (على) كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١] عليهم فاللَّام هنا بمَعنَى (على)، والصَّواب أن اللَّام على بابها، وأنها ليسَتْ بمَعنَى (على)، بل هي بمَعنَى الاستِحْقاق، يَعنِي: أنهم يُلعَنون لَعْنًا يَستَحِقُّونه، فهي أَبلَغُ من قوله: علَيْهم. من وَجْه، وتلْك أَبلَغُ من وَجهٍ آخَرَ. المُهِمُّ: أن اللَّام هنا بمَعنَى (على) مَعناها الأَصْل الاستِحْقاق. وهنا نَقول لكم: إذا ورَد تَفْسيران في كِتاب الله العزيز أَحَدهما يُؤيِّده اللَّفْظ والثاني لا يُؤيِّده اللَّفْظ فنَأخُذ بالأوَّل، وإن كان كلٌّ من المَعنيَيْن مُكتَمِلًا، ولكن ما يُوافِق ظاهِر اللَّفْظ هو الأَوْلى. قوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ أي: البُعْد عن الرحمة، وقوله: اللَّعْنة. لم يُبيِّن مِمَّن فتَعُمُّ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، وفي آية أُخرَى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فكُلُّ شيء يَلعَنهم نَسأَل الله العافِيةَ. قوله: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [الآخِرة؛ أي: شدَّة عَذابها] ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ يُحتَمَل أن تَكون من باب إضافة الصِّفة إلى المَوْصوف؛ أي: الدار السُّوء، ويُحتَمَل أن يَكون على بابها، والمَعنَى: لهم سُوء الدار؛ أي: السَّيِّئ في الدار. وعلى كل حال: المُراد بسُوء الدار؛ يَقول المفَسِّر: شدَّة عَذابها، ولكن لو قيل: إن سُوء الدار ما يَسوء من العَذاب الشديد وغير الشديد لكان أعَمَّ.

стр. 368

ثُمَّ ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] إلى آخره، موضع ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ﴾ مِمَّا قَبْلُ نَقول: هي بَيان يَعنِي: عَطْف بَيان من قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الظالمِين لا يَنفَعُهم العُذْر ولا الاعتِذار يوم يَقوم الأَشْهاد؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الكافِرين ظلَمةٌ، وهو كذلك، والشِّرْك بالله أَظلَمُ الظُّلْم، كما قال النبيُّ ﵊ حين سُئِل أيُّ الذَّنْب أَعظَمُ؟ قال: "أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ" (١)؛ وهذا حقٌّ، فالذي خَلَقك وأَعَدَّك وأَمدَّك ثُم تُشرِك به، هذا أَظلَمُ ظُلْم، إن الإنسان لو أَهدَى إليه شَخْص عشَرة ريالاتٍ لاستَحْيَى أن يَناله بسوء، فكيف بمَن أَهدَى إليك حياتَك كلَّها، كيف تُشرِك به وتَكفُر به؟ ! إِذَنْ هو -أَعنِي: الشِّرْك- أَظلَمُ الظُّلْم. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الكافِرين يوم القِيامة يَعتَذِرون، ولكن لا يُقبَل؛ لقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾. فإن قال قائِل: كيف الجَمْع بين هذه الآيةِ وبين قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥ - ٣٦]؟

стр. 369

فالجَوابُ بصِفة عامَّة: أن ما ورَد عليك مِمَّا يَكون يوم القِيامة، أو من أَوْصاف يوم القِيامة مِمَّا ظاهِرُه التَّعارُض فاعلَمْ أنه لا تَعارُضَ فيه، سواءٌ كان ذلك في وَصْف اليوم، أو في وَصْف المَحشورين، أو في وَصْف العَذاب؛ فإنه لا يُمكِن أن يَكون فيه التَّعارُض أبَدًا؛ لأن اليوم طَويل مِقدارُه خَمْسون ألفَ سَنَةٍ، فيُمكِن أن تَتغيَّر فيه الأحوال، يَكون أوَّله للناس حالًا وآخِره للناس حالًا، وما أَشبَه ذلك. فمَثَلًا قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾، هذا يَدُلُّ على أنهم في ذلك اليومِ سُكوت لا يُؤذَن لهم بأيِّ كلام فيَنتَهِزوا الفُرْصة بالاعتِذار، لكن في مَوقِف آخَرَ يَعتَذِرون ولكن لا يَنفَعهم الاعتِذار، وهذا أَوْلى من قول بعض العُلماء: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لوِ اعتَذَروا؛ لأنه على هذا التَّقديرِ يَكون الكلام كلامًا فَرضيًّا لا واقِعيًّا لا يَنفَعهم لوِ اعتَذَروا. فأيُّهما أَوْلى أن نَحمِل الكلام على أنه واقِع، أو على أنه مَفروض؟ الأوَّل؛ على أنه واقِع نحن نَقول: يَعتَذِرون في وَقْت ولا يَعتَذِرون في وَقْت آخَرَ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الكافِرين مُستَحِقُّون للَعْنة الله، فهل يَعنِي: ذلك أنه يَجوز أن نَلعَن الكافِرين؟ الجَوابُ: أمَّا على سَبيل العُموم فنعَمْ لنا أن نَقولَ: لَعْنة الله على كل كافِر، وكان من قُنوت أبي هُرَيْرةَ ﵁ أنه يَلعَن الكَفَرة في قُنوت الوَتْر (١): اللَّهُمَّ الْعَنِ الكَفَرَةَ الَّذِينَ كَذَّبُوكَ وَكَذَّبُوا رَسُولَكَ. هذا لا بأسَ به، وهل نَلعَن نوعًا مُعيَّنًا من الكفَرة، كاليَهود والنَّصارى؟ نَقولُ: اللَّهُمَّ الْعَنِ اليَهُودَ، اللَّهُمَّ الْعَنِ النَّصَارَى؟

стр. 370

قال ﷺ : "لَعْنَةُ الله عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أنبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (١). لكن قال بعض الناس - إمَّا اجتِهادًا وإمَّا محُاباةً لليَهود والنَّصارى -، قال: إن الرسول دعا عليهم باللَّعْنة في حال مُعيَّنة، حين اتَّخَذوا قبور أنبيائِهم مَساجِدَ لَعَنَهم، كأنه يَقول: لأنَّهم اتَّخَذوا. فيُقال: التَّعليل لا يَقتَضي تَخْصيص المَعلول، العِلَّة لا تَقتَضي التَّخصيص، هُم لُعِنوا من أَجْل هذا ومن أَجْل غيرِه أيضًا. فالصحيحُ أنه يَجوز أن نَلعَن اليَهود والنَّصارى على سبيل التَّخْصيص، فنَقول: لَعْنةُ الله على اليَهود والنَّصارَى. سواءٌ قرَنَّا ذلك بفِعْل من أفعالهم يَقتَضي اللَّعْن أو لا. إِذَنْ: لنا أن نَلعَن الكُفَّار على سبيل العُموم. وهل نَلعَنُهم على سبيل التَّعيِين؟ الجَوابُ: إن كان حَيًّا فلا يَجوز، لا يَجوز أن أَلعَن شخصًا مُعيَّنًا، ولو كان أكثَرَ الكُفَّار ما دام حيًّا، والدليل أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا صار يَقول: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا" (٢) مِمَّن عيَّنهم من أئِمَّة الكُفْر، قال الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨] فنَهاه وقال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وإذا كان رَسول الله ﷺ ليس له من الأَمْر شيء فما بالُك بمَن دُونَه؟ ! وأمَّا التَّعليل فإننا نَقول: لا تَلعَنه، ادْعُ الله له بالهِداية؛ لأنَّك لا تَدرِي ربَّما

стр. 371

يَكون هذا العَدوُّ للإسلام اليومَ هو وليَّ الإسلام في يومٍ آخَرَ، ألَمْ يَكُن عُمُرُ من أعداء الإسلام؟ ألَمْ يَكُن خالِدُ بنُ الوَليد وعِكْرمةُ بنُ أبي جَهْل مِمَّن اقتَحَموا الجبَل في أُحُد ليَقتُلوا الرسول وأصحابَه؟ ثم كانوا من قُوَّاد المُسلِمين، وكان عُمُرُ خليفةَ الخَليفةِ الثاني في هذه الأُمَّةِ. إِذَنْ: يا أخي لا تَدعُ على شخص مُعيَّن من الكُفَّار باللَّعْنة، لكن هل يَجوز أن أَدعُوَ الله له بالهِداية؟ الجَوابُ: يَجوز، يَدعو لفُلان وفُلان، لا نُريد أن نُعيِّن أن الله يَهدِيه. إِذَنِ: الهِداية لا بأسَ بها، أمَّا اللَّعْن فلا. فإن قال قائِل: قلنا: إن الكافِر لا يُدعَى عليه إذا كان حيًّا. فما القولُ إن كان مَيِّتًا؟ فالجَوابُ: إذا كان ميتًا فإنه يُنظَر هل في ذلك مَصلَحة، إن كان فيه مَصلَحة فلا بأسَ. يَعنِي: إذا كان فيه مَصلَحة وأنك ستُغيظ أَتباعَه فلا بأسَ، وإلَّا فقَدْ قال: النبيُّ ﷺ : "لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" (١). فإن قال قائِلٌ: هل يَجوز الدُّعاء على الكافِرين بالهَلاك؟ فالجوابُ: الآنَ دُعاء بالهَلاك، ودُعاء باللَّعْنة، ودُعاء بالهِداية، وأَحسَنهم الهِداية، والإنسان الذي يَقول: اللَّهُمَّ أَهلِكه. بدَل: اللَّهُمْ اهْدِ. لا يَقوله إلَّا من شِدَّة الغَيْرة أو الغَضَب عليه، ونحن نَقولُ له: اهْدَأْ! .

стр. 372

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الظالمين - وهُمُ الكافِرون - لهم سُوء الدار يوم القِيامة، وهي جَهنَّمُ -والعِياذُ بالله -، لقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن هذا العَذابَ -أي: هذا اللَّعْنَ وهذا السُّوءَ - كان هَؤلاءِ مُستَحِقِّين له، لقوله: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ واللهُ أَعلَمُ.

стр. 373

[الآيتان (٥٣، ٥٤)] * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ غافر: ٥٣ - ٥٤]. * * * قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾؛ هَذه الجُملةُ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ مُؤكَّدة بثَلاثة مُؤكِّدات: الأوَّل: القِسْم الَّذي دلَّتْ عليه اللَّام. والثاني: اللَّام. والثالِث: قَدْ. وهذه الصِّيغة تَأتِي في القُرآن كثيرًا. وقوله: ﴿آتَيْنَا﴾ بمَعنَى: أَعطَيْنا، يُقال: أَتَيْنا. ويُقال: آتَيْنا. أَتَيْنا بمَعنى: جِئْنا، وآتَيْنا بمَعنَى: أَعطَيْنا، وهي تَنصِب مَفعولين ليس أَصلُهما المُبتَدَأَ والخَبَرَ، المَفعول الأوَّل هنا موسى، والثاني الهُدَى، موسى هو ابنُ عِمرانَ أحَدُ أُولى العَزْم الخَمْسة، وهم: محُمَّد، وإبراهيمُ، وموسى، ونوحٌ، وعِيسى. وقوله: ﴿الْهُدَى﴾؛ أي: ما به الهُدى، وهذا يَشمَل الهُدى الذي أُوتِيَه حتى اهتَدَى، والهُدَى الذي يَهتَدِي به الناس فيَكون موسى ﵊ هادِيًا مَهدِيًّا. قال المفَسِّر ﵀: [التَّوْراة والمُعجِزات]، أمَّا التَّوْراة فظاهِر أنه هُدًى؛ لأنها كِتاب شَرعيٌّ فيه الهُدَى، وأمَّا المُعجِزات - والصواب أن يُقال: البَيِّنات أو الآيات - فإنها هُدًى؛ لأنه يَهتَدِي به الناس، إذ إن الناس إذا رَأَوُا الآياتِ اهتَدَوْا.

стр. 374

وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: جعَلْناهم وارِثين. وَيقول المفَسِّر ﵀: [أي: من بَعْد مُوسَى] ويُمكِن أن نَقول: أَوْرَثْناه من بعد مُوسى ومن بعد فِرعونَ، فيَكون الله تعالى أَورَثَ بني إسرائيلَ الكِتاب من بعد نَبيِّهم ومن بعد فِرعونَ، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]. ﴿الْكِتَابَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [التوراة] وسُمِّيت كِتابًا؛ لأنها مَكتوبة، وعلى هذا يَكون كِتاب بمعنى: مَكتوب، وهذه الصِّيغةُ -أَعنِي: فعالًا - تَأتِي في اللُّغة العرَبية بمَعنَى: مَفعول في مَواضِعَ كَثيرةٍ، مِثل بِناء بمَعنَى: مَبنيٍّ، وغِراس بمَعنى: مَغروسٍ، وفِراش بمَعنَى: مَفروشٍ، وهلُمَّ جرًّا. ﴿هُدًى﴾ يُحتَمَل أن تَكون كما قال المفَسِّر مَصدَرًا بمَعنى اسم فاعِل مَنصوبًا على الحال؛ حيث قدَّرها بقوله: [هادِيًا]، ويُحتَمَل أن تَكون مَفْعولًا من أَجْله، أي: من أَجْل ﴿هُدًى﴾ أي: من أَجْل اهتِداء الناس. قال المفَسِّر ﵀: [﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ تَذكِرة لأَصْحاب العُقول] فهي هُدًى، وهى تَذكِرة، هُدًى يَهتَدِي بها الناس، وتَذكِرة يَتذَكَّر بها، ولكن لا يَتذَكَّر بها إلَّا أُولو الألباب، فأُولو الأَلْباب، يَعنِي: أصحاب العُقول، وسُمِّيَ العَقْل لُبًّا بمَنزِلة اللُّبِّ من الحَبِّ؛ لأنه هو المَقصود، وهو رُوح الإنسان. وقوله: ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ اجْمَعْها إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] يَتبَيَّن لك أن الذين يَنتَفِعون بالآيات الكونية كخَلْق السَّموات والأرض والآيات الشَّرْعية هم أَصْحاب العُقول؛ لأنهم يَنظُرون، ويَتفَكَّرون، وَيقيسون الأشياءَ حتى يَهتَدوا.

стр. 375

من فوائدِ الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَةُ الأُولَى: مِنَّة الله على موسى ﷺ ؛ حيثُ آتاه الهُدَى، وهذه أَعظَمُ مِنَّة يَمُنُّ الله بها على العَبْد أن يُعطِيَه الهُدَى يَهتَدِي به بنَفْسه ويَهدِي به غيره. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَأكيد رِسالة مُوسى من قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾ وعلى هذا فيَجِب علينا أن نُؤمِن بأن مُوسى رسول الله ﷺ ، لكن إلى قَوْمه كما قال النَّبيُّ: "وَكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً" (١) لكن نُؤمِن بأنه رسول حقٍّ، وأنه جاء بالهُدَى والنُّور. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مِنَّة الله على بني إسرائيلَ؛ حيث قال: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾، ولكن هل هَؤلاءِ الَّذين أُورِثوا الكِتاب قاموا به؟ الجَوابُ: لا، لم يَقوموا به، بل كانوا عُتاةً ظلَمة، حتى في عَهْد نَبيِّهم لم يَقوموا به، لمَّا قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢١] ماذا قالوا؟ ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] إلى أن قالوا: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾ [المائدة: ٢٤]، أمَّا نحن فإنَّا قاعِدون، مع أنه وَعَدهم بها، قال الأرض التي كتَب الله لكم، لكِنَّهم كذَّبوا الخَبَر واستكْبَروا عن الأَمْر، فهم -أَعنِي: بني إسرائيلَ، ولا سِيَّما اليَهود منهم- أَخبَثُ أهل الأرض، وأَعتَى أهل الكُفْر، لم يَشكُروا نِعْمة الله عليهم بهذه النِّعْمةِ، أمَّا هذه الأُمَّةُ فقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهُم هذه الأُمَّةُ

стр. 376

﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن التَّوْراة مَكتوبة؛ لقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾؛ كيف كِتابتها؟ اقرَأْ قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن التَّوْراة ذِكْرى، لكن ليس لكل أَحَد، بل لأُولِي الأَلْباب. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه لا يَتذَكَّر بالآيات الشرعية إلَّا أُولو الأَلْباب وكذلك الآيات الكَوْنية. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الثَّناء على العَقْل؛ لأن أَهلَه أهل تَذكُّر الذين يَنتَفِعون بما سمِعوا، والمُراد بالعَقْل هنا هل هو عَقْل الإدراك أو عَقْل الرُّشْد؟ الثاني عَقْل الرُّشْد، أمَّا عَقْل الإدراك فهو الذي يُناط به التَّكليف الذي تَجِدونه في كتُب الفُقَهاء من شُروط الطَّهارة العَقْل هذا عَقْل الإدراك الذي يُناط به التَّكْليف، أمَّا عَقْل الرُّشْد الذي به الاهتِداء فقَلَّ مَن يَحصُل عليه. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن كل مَن لم يَتَذكَّر بآيات الله فإنه ليس ذا عَقْل. فإن قال قائِل: يَرِد عليكم أنَّا نَجِد في أئِمَّة الكُفْر مَن هو على جانِب كبير من الدَّهاء والذَّكاء. فالجَوابُ: أن هناك فَرْقًا بين العَقْل والذَّكاء؛ لأن العَقْل يَعقِل صاحِبه عمَّا يَضُرُّه؛ ولهذا سُمِّيَ بمَنزِلة العِقال للبَعير، لكِن الذَّكاء ليس كذلك، فالذَّكاء غَريزة، أو كَسْب يَجعَله الله تعالى في الإنسان، وربَّما يَكون بعض الحيَوانات أَذكَى من

стр. 377

الإنسان، فالغُراب مثَلًا أَذكَى من ابنِ آدَمَ الذي قتَلَ أَخاه؛ لأنه علَّمَه كيف يُوارِي سَوءَة أَخيه، في الحَيوانات ما هو أَذكَى من بني آدَمَ، النَّمْل هذا الذي تُشاهِدون من أذكى امحيوانات إذا كان في أيَّام ثِمار الحُبوب حَفَرَت لها جُحورًا وأَوْدَعت فيها الحُبوب، ولكِنَّها لا تُودِع الحَبَّة على ما هو عليه، بل تَأكُل رأس الحَبَّة؛ لئَلَّا تَنبُت؛ لأنها تَعرِف إذا بَقِيَت الحبَّة على ما هي عليه نَبَتَت وخَرِبت على نَفْسها فتَأكُل رأسَها حتى لا تَنبُت، فإذا قدَّر الله ونزَل المَطَر وخافَت أن يُعفِّن وَيفسُد أَخرَجَتْه إلى الشمس حتى يَيْبَس ويَجِفَّ، ثُم أَدخَلَتْه، وأَشياءُ تُذكَر عن بعض الحَيَوانات غَريبة. إِذَنِ: الذَّكاء شيء والعَقْل شيء آخَرُ، وكم من ذَكيٍّ قادَه الذَّكاء إلى النار - والعِياذ بالله - وهذا شيء مُشاهَد، الذَّكاء إذا لم يَكُن مُقتَرِنًا بعَقْل وإيمان، فالغالِب أن صاحِبه يُدمَّر ويَهلِك، وكم من أُناسٍ كانوا أَذكياءَ وتَوقَّع فيهم بعض العُلَماء أن هؤلاءِ سَوْف يَنحَرِفون فصار الأَمْر كذلك. إِذَنْ: لا يَرِد علينا أننا نَجِد من أئِمَّة الكُفْر مَن هو على جانِب كبير من الذَّكاء والدَّهاء؛ لأن الذَّكاء شيءٌ والعَقْل شيءٌ آخَرُ، قال العُلَماء: ولذلك لا يَجوز أن تَقول: إن الله عاقِلٌ؛ لأن العَقْل يَحجِز صاحِبَه عمَّا يَضُرُّه، والربُّ لا يُمكِن أن يَضُرَّه شيء، ولا يُمكِن أن يَنقُصه شيء. ومِن ثَمَّ ذهَب بعض النَّحوِيِّين إلى التَّعبير بقولهم: (مَن) للعالِم و (مَا) لغير العالِم. قال: لا يُمكِن أن تَقول: للعاقِل؛ لأنها تَأتِي عائِدةً إلى الله فقُلْ: (مَنْ) للعالِم، و (ما) لغَيْر العالِم. وقد يُناقَش في هذه المَسأَلةِ، ولكِنِّي قُلْت لكم هذا لتَعلَموا أنه لا يَجوز أن يُوصَف الله بأنه العاقِل؛ لأن العَقْل يَحجِز صاحِبه عمَّا يَضُرُّه والله لا يَضُرُّه شيء.

стр. 378

[الآية (٥٥)] * قَالَ اللهُ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [غافر: ٥٥]. * * * ثُم قال الله ﵎: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ (اصْبِر) الخِطاب للرَّسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ اصْبِرْ على أيِّ شيء، اصْبِرْ على حُكْم الله الكَونيِّ والشَّرْعيِّ؛ لأن الله ﵎ قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [الإنسان: ٢٣ - ٢٤] وتَأمَّلوا لمَّا مَنَّ الله عليه بأنه نزَّلَ عليه الكِتاب تَنزيلًا هل قال: فاشْكُرْ نِعْمة ربِّك؟ بل قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾. ومَعناه أنك كُلِّفْت أمرًا عظيمًا يَحتاج إلى صَبْر، اصبِرْ لحُكْم ربِّك الشَّرعيِّ، والثاني الكَونيِّ، وقد لَقِيَ النَّبيُّ ﷺ العَناء الكبير من الصَّبْر على أذى قَوْمه. وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هنا في الآية حَذْف. والمَحذوف تُفسِّره الآياتُ الأُخرى ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الكَوْنيِّ والشَّرْعيِّ، ولا نَجِد أحَدًا أَصبَرَ من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ على حُكْم الله، يُوعَك - يَعنِي: يُمرَض - كما يُمرَض الرَّجُلان منَّا، يشُدَّد عليه، شُدِّد عليه عند الموت وهو يُحتَضَر، شُدِّد عليه، كما قالت ذلك عائِشةُ أُمُّ المُؤمِنين ﵂: لَمْ يُشَدَّدْ على أَحَدٍ (١).

стр. 379

أُوذِيَ في الله فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وقِصَّة إيذاء المُشرِكين له في مكَّةَ وغير مكَّةَ أَمْر مَشهور عِندكم ومَعلوم ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] أي: والله ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ هذه الجُملةُ خبَرية مُؤكَّدة بـ (أن) وَعْد الله حَقُّ، وَعَد الله بنَصْر أَوْليائه وخَذْل أَعدائِه. فإن قال قائِلٌ: قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم: ٦٠] بعضُهم يَقولون: إن الإيذاء والبَلاء في دِين الله دَلالة على أن هذا الدِّينَ باطِل. كيفَ نَرُدُّ عليهم؟ فالجَوابُ: لا، فهذه غَيْرُ، فالرَّسول لولا أن دِينَه حَقٌّ ما أُوذِيَ عليه، لولا أن دِينَه حقٌّ ما أُوذِيَ عليه، لو تَبع ما عليه قومُه ما أُوذِيَ؛ ولهذا كان من حِكْمة الله أن أعمام الرسول ﵊ أربَعة الذين أَدرَكوا زَمانَه أربعة: اثنانِ كافِران أَحَدُهما أَذاه والثاني ساعَدَه وآواه، واثنان أَسلَما أحدُهما تَقدَّم إسلامه وله مَقام صِدْق، وكان شهيدًا، والثاني بالعَكْس تَأخَّر إسلامه، لكن لا شَكَّ أن له مَقامَ صِدْق. الذي كَفَر وآذاه أبو لَهَبٍ، والَّذي كفَر وآواه أبو طالِب، والذي له مَقامُ صِدْق وسَبْق حَمزَةُ، والرابع العَبَّاس بنُ عبدِ المُطَّلِب، فالله حَكِيمٌ . وقوله: ﴿حَقٌّ﴾ والحَقُّ هو الشيء الثابِت الذي لا يَتَغيَّر. قال المفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنَصْر أَوْليائه ﴿حَقٌّ﴾، وأنت ومَن تَبِعَك مِنْهم] نعَمْ هم على قِمَّة الأَوْلياء، محُمَّد رسول الله والذين معَه قِمَّة الأَوْلياء وَصَفَهم الله بأنهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ انظُرْ كيفَ مُعامَلة بعضِهم مع بعضٍ، ومُعامَلتهم مع الله . وقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [لِيُسْتَنَّ بِكَ] "استَغفِرْ

стр. 380

لذَنْبِك" أيِ: اطلُبْ من الله المَغفِرة للذَّنْب وهو الإِثْم أو المَعصِية، استَغفِرِ: اطلُبِ المَغفِرة. والمَغفِرة مُشتَقَّة من المِغفَر، وهو الذي يُوضَع على الرأس أثناء القِتال، ليَتَّقيَ به المُقاتِل سِهام المُقاتِلين، هذا هو المِغفَر. إِذَنْ: فالمَغفِرة سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه، ليس مجُرَّد السَّتْر، وَيدُلُّ لهَذا قولُه إذا حاسَب عبدَه المُؤمِن: "قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ" (١). وقوله ﵀: [لِيُسْتَنَّ بِكَ] إشارة إلى أنه لا ذَنْبَ للرسول، لكن أُمِر بالاستِغْفار لتَستَنَّ به الأُمَّة فتَستَغفِر لذنوبها، وهذا بِناءً على أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ لا يُذنِب وكذلك الرُّسُل، ولكِنْ في هذا نظَرٌ، هذا من الغُلوِّ بالنِّسْبة للرسول ﵊ ورُبَّ مُذنِبٍ تابَ من ذَنْبه فكان خيرًا منه قبل الذَّنْب. آدَمُ ﵊ عَصَى ربَّه وغَوَى، ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، قبل ذلك هل حصَل له الاجتِباء؟ لا، فصار بعد التَّوْبة من الذَّنْب خيرًا منه قَبْل الذَّنْب، والذَّنْب لا يَخدِش في الإنسان، الذَّنْب إذا عرَف الإنسان نَفْسه وعرَف قَدْر ربِّه ثُم رجَع إلى الله وتابَ وندِمَ يَجِد في قلبه إيمانًا لم يَكُن من قبلُ، يَكون عنده حَياءٌ من الله وخَجَل، ولهذا جاء في الحَديث الصَّحيح الذي

стр. 381

أَخرَجه مُسلِم: "لَوْلَا أَنْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ وَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ الله وَيَغْفِرُ لهُمْ" (١). وعلى هذا فنَقولُ للمُؤلِّف: عفا الله عَنْك؛ حيث ادَّعَيْت ما ليس بصَحيح إذا كان الله يَقول للرسول ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢] كيف نَقول: إنه أَمَره بالاستِغْفار من أَجْل أن يُستَنَّ به، لا من أَجْل أن له ذَنْبًا والله يَقول صراحةً: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ويَقول : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩]؟ ! ليس له ذَنْب، لكن استَغفِرْ؛ ليُسْتَنَّ به، كيف يَقول: الله : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفَرَ الله لكَ ذلكَ، كيف يَقول الله : ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣]؟ ! كل هذا يَدُلُّ على أن مِثْل هذه الأُمورِ تَقَع على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، لكن لا شَكَّ أن ما يُخِلُّ بالأَخْلاق أو يُخِلُّ بالرِّسالة لا يُمكِن أن يَقَع منه، هذا شيء مَعلوم، لا يُمكِن أن يَقَع منه فاحِشة، ولا يَقَع منه خِيانة، ولا يَقَع منه كذِب، هذا مُستَحيل؛ لأن هذا يُخِلُّ بالشَّرَف ويُخِلُّ بمَقام النُّبوَّة، أمَّا المَعاصِي البَعيدة عن هذا فتَقَع، ألَيْس مُوسى ﷺ قتَل نَفْسًا لم يُؤمَر بقَتْلها وهو من أُولي العَزْم؟

стр. 382

فالحاصِلُ: أن قول المفَسِّر: [لِيُسْتَنَّ بِكَ] خطَأ، ولكن "استَغفِرْ لذَنْبك" لأن لك ذنبًا لكنه مَغفور، ومن أَسباب مَغفِرة ذَنْبك أن تَستَغفِر، فالاستِغْفار من أسباب المَغفِرة، والطاعات من أَسباب المَغفِرة، تَغلِب الطاعات على المَعاصِي وغير ذلك. قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ ﴿وَسَبِّحْ﴾ يَقول: المفَسِّر ﵀: [صَلِّ] ولا شَكَّ أن الصلاة تُسمَّى تَسبيحًا، ومنه حديثُ: صلَّى النبيُّ ﷺ في بَيْته سُبْحة الضُّحى (١). ومنه قولُ ابنِ عُمرَ: "لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأَتْمَمْتُ" (٢) يَعنِي: مُصلِّيًا نافِلًا لَأَتَمَمْت. فلا شَكَّ أن الصلاة تُسمَّى تَسبيحًا. ومن الأدِلَّة على ذلك سابِقًا ما ذُكِر - لكِن أخَّرْناه تَرتيبًا أو نِسيانًا - قولُه : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] حيث قال بعضُ العُلَماء: إن هذه إشارةٌ إلى أَوْقات الصلَوات الخَمْس. لكن هل يَتَعيَّن أن يَكون التَّسبيح في كل مَكان بمَعنَى الصلاة؟ لا؛ ولهذا نرَى أن قوله تعالى هنا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أَشمَلُ وأَعمُّ من إرادة الصلاة، يَقول: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: تَسبيحًا مَقرونًا بالحَمْد، فالتَّسبيح زوال الصِّفات التي لا تَليق بالله، وفي الحمد إثبات صِفات الكَمال لله، فيَكون ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ جامِعًا بين التَّنزيه والإِثْبات، تَنزيه الله عمَّا لا يَليق به، وإثبات ما هو أَهله من الكَمال في صِفاته وأَفْعاله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ العَشيِّ ما بعد الزَّوال، ومنه حديثُ أبي هُرَيْرةَ في قِصَّة ذي اليَدَيْن:

стр. 383

"صلَّى بِنا رَسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ إِحْدى صَلاتَيِ العَشِيِّ" (١)؛ فالعَشيُّ ما بعد الزَّوال، والإِبْكار ما قبل الزَّوال. قال المفَسِّر ﵀: [الصَّلَوات الخَمْس]؛ لأن العَشيَّ يَشمَل الظُّهْر والعَصْر والمَغرِب والعِشاء، والإبكار الفَجْر ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ والصَّواب ما قُلنا: أن المُراد بالتَّسبيح هنا ما هو أَعَمُّ من الصلَوات. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: الأَمْر بالصَّبْر، وهو هنا للوُجوب، والصَّبْر ثلاثة أنواع - كما قالَه العُلَماء ﵏: صَبْر على طاعة الله، وصَبْر عن مَعْصية الله، وصَبْر على أقدار الله المُؤلمِة؛ والأوَّل هو الأكمَلُ، ثُم الثاني، ثُم الثالِث. فالصَّبْر على طاعة الله أن يَفعَل الإنسان الطاعة على الوَجْه الذي شرَعه الله بدون تَضجُّر وبدون تَكرُّهٍ، بل ومُستَسْلِم لها غاية الاستِسْلام، هذا الصَّبْرُ على طاعة الله. أمَّا الصَّبْر عن مَعصية الله أن يَحبِس نفسَه عن مُباشَرة المَعاصِي فلا يَفعَلها، بل يَصبِر ولو شَقَّ عليه ذلك. والثالث الصَّبْر على أَقْدار الله، يَعنِي: على ما يُقدِّره الله عليه من البَلاء في بدَنه، أو عَقْله، أو فِكْره، أو أَهْله، أو ماله، أو مجُتَمَعه يَصبِر ويَحبِس نَفْسه عن التَّسخُّط بالقَوْل، عن التَّسخُّط بالأَرْكان أو اللِّسان أو بالجَنان، التَّسخُّط بالجنان أن يَكون

стр. 384

في قَلْبه نوع اعتِراض على الله : لماذا قدَّر علَيَّ كذا ولم يُقدِّر على فُلان؟ ! ولماذا ابتَلاني الله؟ ! ثُم بعد ذلك ربما يَكفُر، نَسأَل الله العافِيةَ. كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١]، التَّسخُّط باللِّسان أن يَدعوَ بالوَيل والثُّبور، وما أَشبَهَ ذلك من دَعوى الجاهِلية، والتَّسخُّط بالأركان بضَرْب الخُدود وشَقِّ الجُيوب، وما أَشبَه ذلك؛ فصار الصَّبْر على أقدار الله يَتَضمَّن حَبْس القَلْب واللِّسان والجَوارِح. فإن قال قائِل: إن التَّسخُّط القَلبيَّ من أشَدِّ الأمور، يَقول بعضُهم: إن هذا أَمْر خارِج عن طاقَتي، أنا أَكرَه هذا لكن أَجِده في نَفْسي وأُدافِعه وأَجِده وأَجِده؟ ! فالجَوابُ: هناك فَرْق بين كراهة المَقدور وكَراهة التَّقدير، كَراهة المَقدور من طَبيعة الإنسان، كلٌّ يَكرَه أن يُصاب بأذًى، لكن كَراهة التَّقدير هذا هو المُراد، أن تَكرَه تقدير الله من حيثُ هو فِعْل الله، فيُولِّد لك ذلك أنك رُبَّما تُبغِض الله أَعوذُ بالله - ربَّما تُبغِض الله، كيف يُقدِّر علَيَّ هذا الربُّ هذا التَّقديرَ؟ ! أمَّا كراهة المَقدور فلا بُدَّ منها، كل إنسان يُصاب بما لا يُلائِم طَبْعه سوف يَكرَه هذا الشيءَ. فإن قال قائِلٌ: هذه الكَراهةُ تَقَع في القَلْب مع كَراهة الإنسان ظاهِرَّاَ لها، هو يُدافِعها لكن يَجِدها في قَلْبه. فالجَوابُ: لا أَظُنُّ، لا يُوجَد إنسان مُؤمِن يَكرَه ما قدَّر الله من حيثُ هو تَقديرٌ لله، أَبَدًا، وماذا يَكرَه؟ ! أنت مَملوك لله، كيف تَكرَه هذا الشيءَ؟ هل أنت تَذبَح بَعيرَك لتَأكُله والبَعير يَكرَه هذا الشيءَ؟ ! هو مِلْكك، فالله احذَرْ أن تَكرَه تَقديرَه

стр. 385

من حيثُ هو تَقديرٌ، أمَّا من حيثُ هو مَقدور - كما قُلْت لك - شيءٌ لا بُدَّ منه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَسلية النَّبيِّ ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحذير المُعارِضين له؛ لأن الله وعَدَه بالنَّصْر وخِذلان أَعدائِه ومُعارِضيه، فقوله: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ كما أن فيه تَسليةً له فيه أيضًا تَحذير لأَعْدائه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن وَعْد الله لا بُدَّ أن يَقَع؛ لقَوْله: ﴿حَقٌّ﴾ والحَقُّ هو الثابِت الواقِع، وَيدُلُّ لهَذا قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وذلِكَ لتَمام قُدْرته وصِدْق وَعْده لا يُخلِف الميعاد؛ لأن إخلاف الوَعْد ناشِئٌ عن كذِب الواعِد، أو عن عَجْزه عن الوفاء به، وكل ذلك محُال في حَقِّ الله . الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وُجوبُ الاستِغْفار؛ لقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوازُ الذُّنوب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿لِذَنْبِكَ﴾ والخِطاب للرسول صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وإذا جاز الذَّنْب على الرسول وهو أَشرَف الرُّسُل فعَلَى غيرِه من بابِ أَوْلى. فإن قال قائِلٌ: أَليْس الأنبياء مَعصومِين عن الذُّنُوب؟ فالجَوابُ: هذه الآيةُ وأَمثالها تَدُلُّ على أن الجَواب بالنَّفْي، لكنهم يُفارِقون غيرَهُم في ذلك في وَجْهَيْن: الوجهُ الأَوَّلُ: أنهم مَعْصومون من الكَذِب والخِيانة، وما أَشبَهَ ذلك مِمَّا يُؤثِّر على الرِّسالة. والثاني: أنَّهم مَعْصومون عن كل ذَنْب يُخِلُّ بالشَّرَف.

стр. 386

الثالث: أنهم مَعصومون من الإِقْرار عن الذُّنوب، لا بُدَّ أن يُنبَّهوا عليها حتى يُوفَّقوا للتَّوْبة منها. فهذه فُروق ثَلاثة بينهم وبين غيرِهم من الناس، أمَّا غيرُهم من الناس فإنَّهم ليسوا مَعصومين مِمَّا يُخِلُّ بالشَّرَف، وما يُخِلُّ بالأمانة، وليسوا مَعصومين عن الإصرار على المَعاصِي. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الأَمْر بالتَّسْبيح بحَمْد الله صَباحًا ومَساءً؛ لقوله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، فإن كان المُراد بذلِك الصَّلواتِ الخَمْسَ فالأَمْر هنا للوُجوب، وإن كان المُراد به التَّسبيحَ الذي هو الذِّكْر المَعروف، فإن الأَمْر هنا للاسْتِحباب.

стр. 387

[الآية (٥٦)] * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. * * * ثُم قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ هذه (إِنَّ) واسمُها وخبَرُها قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾؛ أي: ما في صُدورهم إلَّا كِبْر. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ المُجادَلة: المُخاصَمة، وسُمِّيَت المُخاصَمة مجُادَلة؛ لأن كُل خَصْمٍ يَجدُل الحُجَّة؛ ليَغلِب صاحِبه كجَدْل الحَبْل وهو شَدُّه، كل واحِد من الخَصْمين يَجدُل الحُجَّة لنَفْسه ليُفحِم خَصْمه. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ﴾ المُفاعَلة تَأتِي في الغالِب بين اثنَيْن، وقد تَأتِي (فاعَلَ) بدون مُشارِك مثل سافَرَ، سافَرَ على وَزْن فاعَلَ، على وَزْن جادَلَ، لكنها ليسَت بين اثنَيْن، لكن الغالِب أن (فاعَلَ) يَعنِي: المُفاعَلة تَأتِي مِنِ اثنَيْن ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ يُجادِلون أهل الحقِّ ويُناظِرونهم، ولقد علِمْتم المُناظَرة التي وقَعَت بين إبراهيمَ وقَوْمه ووقَعَت بين إبراهيمَ والذي حاجَّهُ في رَبِّه، ومجُادَلات كثيرة في القُرآن وفي السُّنَّة، وإلى يومِنا هذا.

стр. 388

قوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [القُرآن]، وهذا التَّفسيرُ قاصِر؛ لأن آياتِ الله تَشمَل الكَوْنية والشَّرْعية، ثُم تَشمَل أيضًا مَن يُجادِل في هذه الأُمَّةِ، ومَن يُجادِل فيمَن سَبَق، والذين يُجادِلون فيمَن سَبَق لا يُجادِلون في القُرآن، فالأَوْلى أن نَجعَل الآية على العُموم، يُجادِلون في آيات الله الكَوْنية والشَّرْعية إن كانوا في هذه الأُمَّةِ، فالشَّرْعية هي القُرآن والسُّنَّة أيضًا، وإن كانوا من قَبْل الأُمَّة فالمُجادَلة في التَّوْراة من قوم مُوسى، وهكذا. إِذَنْ: تَفسير المفَسِّر ﵀ قاصِر؛ لأنه لم يُحِط بالمَعنَى، بل قصَره على بعضه، لكن لو ادَّعى مُدَّعٍ أن المفَسِّر ذكَر القُرآن من باب التَّمثيل، لوِ ادَّعى مُدَّعٍ ذلك لقُلْنا: هذا مُمكِن محُتَمَل، لكنه أَخطَأ في التَّعبير، إذ إن المُراد يُقال: آياته الشرعية كالقُرآن، حتى يَكون الأمر واضِحًا. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾، المُجادَلة في الآيات الشَّرْعية، منها اتِّباع المُتَشابِه، فيَأتِي مثَلًا بآية من القُرآن فيها اشتِباه تَحتَمِل مَعنًى حقًّا، ومَعنًى باطِلًا، وهي في الحقِّ أَظهَرُ كما هو مَعلوم، فيُريد أن يَحمِلها على المعنى الباطِل المَرجوح، يَأتِي بآيات من القُرآن ظاهِرها التَّعارُض يَقول: القُرآن مُتناقِض كيف يَقول: كذا، ثُم يَقول: كذا. فمثَلًا يَقول: إن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] يَوَدُّن ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وفي آية أُخرَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فكتَموا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كانوا في الأوَّل مُقرِّين تمامًا، فيَأتِي يَقول: هذا القُرآنُ مُتَناقِض، كيف يُثبِت في مَكان أنهم لا يَكتُمون الله حديثًا وفي مَكان

стр. 389

أنهم يُنكِرون؟ فيُجادِل بمِثْل هذا، إذا لم يَكُن لدَى الإنسان سَيْف يَقطَع حُجَّة هذا، بَقِيَ الإنسان مُرتَبِكًا، فما هو السَّيْف الذي يَقطَع حُجَّته؟ أن نَقول: إن يوم القِيامة ليس ساعة من زمَن مِقداره خَمْسون أَلفَ سَنَة، فأَقَرُّوا بالأوَّل، ولمَّا رأَوْا أن المُؤمِنين يَنْجون قالوا: نَكتُم لعَلَّنا نَنْتَفِع. أو أنهم كتَموا في الأوَّل، ثُم لمَّا رأَوْا جَوارِحهم تَشهَد عليهم أَقَرُّوا واعتَرَفوا. وأنا أَقولُ: المُجادَلة في الآيات في القُرآن منها اتِّباع المُتَشابِه، هذه المُجادَلةُ لا شَكَّ. وكذلِكَ أيضًا المُجادَلة في الآيات الكَوْنية، يَأتِي مثَلًا بأشياءَ من مخَلوقات الله فتقول: لماذا خلَقَ الله هذا الشيءَ؟ لماذا خلَق الله العَقْرب؟ لماذا خلَقَ الله الحَيَّة؟ لماذا خلَقَ الله الأسَدَ؟ وما أَشبَهَ ذلك، إِذَنْ ما أَراد الله إلَّا إضرار الخَلْق وإيذاء الخَلْق، انتَبِهْ عندما يُورَد هذا السُّؤالُ على عامِّيّ ماذا يَقول؟ يَقول: والله ما يَدرِي يُمكِن، فيُجادِل مع أننا نَعلَم أن خَلْق هذه المَخلوقاتِ من مَصلَحة العِباد، وقد ذكَرْنا في مَجالِسَ سبَقَت أن في خَلْق هذه المُؤْذِيات ثَمانِ فَوائِدَ تَظهَر للمُتأمِّل، وبذلك نَعرِف المُجادَلة في الآيات تَكون في الآيات الكونية والآيات الشَّرْعية وذكَرْنا مِثالَيْن على ذلك. يَقول الله : ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بُرْهان] ﴿أَتَاهُمْ﴾ هذه صِفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾ والسُّلْطان يَقول المفَسِّر ﵀: هُو البُرْهان. وذكَرْنا فيما سَبَق أن السُّلْطان ما يَكون به سُلْطة، سواءٌ كان دَليلًا إذا كانت

стр. 390

المَسأَلة تَحتاج إلى دَليل، أو سُلْطة تَدْبير كالسُّلْطان الأَعظَم، وما أَشبَه ذلك، أو قوَّة وقُدْرة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. المُهِمُّ: أن السُّلْطان ما يَكون به السُّلْطة للإنسان، وفسَّرَه في كل مَكان بحَسبه. وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ هل يَعنِي: أنه لا يُمكِن أن نُجادِل الإنسان بالباطِل بسُلْطان. إِذَنْ: هذا القَيْدُ بَيان للواقِع، وليس قيدًا احتِرازِيًّا، بل هو قَيْد مُبيِّن للواقِع أن كل مَن جادَل في آيات الله، فإنه مجُادِل بغَيْر سُلْطان ولا يُمكِن أن يَأتِيَه سُلْطان بذلك. وقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ (إِنْ) يَقول المفَسِّر ﵀: [ما] يَعنِي: أنها نافِية، وذلك أن (إِنْ) في اللُّغة العرَبية مُشتَرَكة بين عِدَّة مَعانٍ، وما أكثَرَ الكلِماتِ التي يَكون لها عِدَّة مَعانٍ، ولكن الذي يُعيِّن المَعنَى السِّياق وقَرائِنُ الأَحْوال، ومن ذلك: أنَّك متى وجَدْت إثباتًا بعد (إِنْ) فهِيَ نافِية ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ , ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ وهلُمَّ جرًّا، فمتى وجَدْت الإثبات في سِياق (إن) فاعْلَمْ أنها نافِية، ويَأتِي - إن شاءَ الله - الكَلامُ على بقِيَّة مَعانِيها، لكن هنا يَقول: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ قال: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾، والذي في الصُّدور هو القَلْب، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وإذا تَكبَّر القلب -والعِياذُ بالله- تَكبَّر البَدَن، وإذا ذُلَّ القلب لله ذُلَّ البَدَن، قال النَّبيُّ ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا
следующие страницы →