← Тафсир

Тафсир · id 151161

تفسير العثيمين: غافر

ابن عثيمين

Полный текст (554 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

الثالث: أنهم مَعصومون من الإِقْرار عن الذُّنوب، لا بُدَّ أن يُنبَّهوا عليها حتى يُوفَّقوا للتَّوْبة منها. فهذه فُروق ثَلاثة بينهم وبين غيرِهم من الناس، أمَّا غيرُهم من الناس فإنَّهم ليسوا مَعصومين مِمَّا يُخِلُّ بالشَّرَف، وما يُخِلُّ بالأمانة، وليسوا مَعصومين عن الإصرار على المَعاصِي. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الأَمْر بالتَّسْبيح بحَمْد الله صَباحًا ومَساءً؛ لقوله ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، فإن كان المُراد بذلِك الصَّلواتِ الخَمْسَ فالأَمْر هنا للوُجوب، وإن كان المُراد به التَّسبيحَ الذي هو الذِّكْر المَعروف، فإن الأَمْر هنا للاسْتِحباب.

стр. 387

[الآية (٥٦)] * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٥٦]. * * * ثُم قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ هذه (إِنَّ) واسمُها وخبَرُها قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾؛ أي: ما في صُدورهم إلَّا كِبْر. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ المُجادَلة: المُخاصَمة، وسُمِّيَت المُخاصَمة مجُادَلة؛ لأن كُل خَصْمٍ يَجدُل الحُجَّة؛ ليَغلِب صاحِبه كجَدْل الحَبْل وهو شَدُّه، كل واحِد من الخَصْمين يَجدُل الحُجَّة لنَفْسه ليُفحِم خَصْمه. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ﴾ المُفاعَلة تَأتِي في الغالِب بين اثنَيْن، وقد تَأتِي (فاعَلَ) بدون مُشارِك مثل سافَرَ، سافَرَ على وَزْن فاعَلَ، على وَزْن جادَلَ، لكنها ليسَت بين اثنَيْن، لكن الغالِب أن (فاعَلَ) يَعنِي: المُفاعَلة تَأتِي مِنِ اثنَيْن ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ يُجادِلون أهل الحقِّ ويُناظِرونهم، ولقد علِمْتم المُناظَرة التي وقَعَت بين إبراهيمَ وقَوْمه ووقَعَت بين إبراهيمَ والذي حاجَّهُ في رَبِّه، ومجُادَلات كثيرة في القُرآن وفي السُّنَّة، وإلى يومِنا هذا.

стр. 388

قوله: ﴿فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [القُرآن]، وهذا التَّفسيرُ قاصِر؛ لأن آياتِ الله تَشمَل الكَوْنية والشَّرْعية، ثُم تَشمَل أيضًا مَن يُجادِل في هذه الأُمَّةِ، ومَن يُجادِل فيمَن سَبَق، والذين يُجادِلون فيمَن سَبَق لا يُجادِلون في القُرآن، فالأَوْلى أن نَجعَل الآية على العُموم، يُجادِلون في آيات الله الكَوْنية والشَّرْعية إن كانوا في هذه الأُمَّةِ، فالشَّرْعية هي القُرآن والسُّنَّة أيضًا، وإن كانوا من قَبْل الأُمَّة فالمُجادَلة في التَّوْراة من قوم مُوسى، وهكذا. إِذَنْ: تَفسير المفَسِّر ﵀ قاصِر؛ لأنه لم يُحِط بالمَعنَى، بل قصَره على بعضه، لكن لو ادَّعى مُدَّعٍ أن المفَسِّر ذكَر القُرآن من باب التَّمثيل، لوِ ادَّعى مُدَّعٍ ذلك لقُلْنا: هذا مُمكِن محُتَمَل، لكنه أَخطَأ في التَّعبير، إذ إن المُراد يُقال: آياته الشرعية كالقُرآن، حتى يَكون الأمر واضِحًا. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾، المُجادَلة في الآيات الشَّرْعية، منها اتِّباع المُتَشابِه، فيَأتِي مثَلًا بآية من القُرآن فيها اشتِباه تَحتَمِل مَعنًى حقًّا، ومَعنًى باطِلًا، وهي في الحقِّ أَظهَرُ كما هو مَعلوم، فيُريد أن يَحمِلها على المعنى الباطِل المَرجوح، يَأتِي بآيات من القُرآن ظاهِرها التَّعارُض يَقول: القُرآن مُتناقِض كيف يَقول: كذا، ثُم يَقول: كذا. فمثَلًا يَقول: إن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] يَوَدُّن ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وفي آية أُخرَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فكتَموا، قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ كانوا في الأوَّل مُقرِّين تمامًا، فيَأتِي يَقول: هذا القُرآنُ مُتَناقِض، كيف يُثبِت في مَكان أنهم لا يَكتُمون الله حديثًا وفي مَكان

стр. 389

أنهم يُنكِرون؟ فيُجادِل بمِثْل هذا، إذا لم يَكُن لدَى الإنسان سَيْف يَقطَع حُجَّة هذا، بَقِيَ الإنسان مُرتَبِكًا، فما هو السَّيْف الذي يَقطَع حُجَّته؟ أن نَقول: إن يوم القِيامة ليس ساعة من زمَن مِقداره خَمْسون أَلفَ سَنَة، فأَقَرُّوا بالأوَّل، ولمَّا رأَوْا أن المُؤمِنين يَنْجون قالوا: نَكتُم لعَلَّنا نَنْتَفِع. أو أنهم كتَموا في الأوَّل، ثُم لمَّا رأَوْا جَوارِحهم تَشهَد عليهم أَقَرُّوا واعتَرَفوا. وأنا أَقولُ: المُجادَلة في الآيات في القُرآن منها اتِّباع المُتَشابِه، هذه المُجادَلةُ لا شَكَّ. وكذلِكَ أيضًا المُجادَلة في الآيات الكَوْنية، يَأتِي مثَلًا بأشياءَ من مخَلوقات الله فتقول: لماذا خلَقَ الله هذا الشيءَ؟ لماذا خلَق الله العَقْرب؟ لماذا خلَقَ الله الحَيَّة؟ لماذا خلَقَ الله الأسَدَ؟ وما أَشبَهَ ذلك، إِذَنْ ما أَراد الله إلَّا إضرار الخَلْق وإيذاء الخَلْق، انتَبِهْ عندما يُورَد هذا السُّؤالُ على عامِّيّ ماذا يَقول؟ يَقول: والله ما يَدرِي يُمكِن، فيُجادِل مع أننا نَعلَم أن خَلْق هذه المَخلوقاتِ من مَصلَحة العِباد، وقد ذكَرْنا في مَجالِسَ سبَقَت أن في خَلْق هذه المُؤْذِيات ثَمانِ فَوائِدَ تَظهَر للمُتأمِّل، وبذلك نَعرِف المُجادَلة في الآيات تَكون في الآيات الكونية والآيات الشَّرْعية وذكَرْنا مِثالَيْن على ذلك. يَقول الله : ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بُرْهان] ﴿أَتَاهُمْ﴾ هذه صِفة لـ ﴿سُلْطَانٍ﴾ والسُّلْطان يَقول المفَسِّر ﵀: هُو البُرْهان. وذكَرْنا فيما سَبَق أن السُّلْطان ما يَكون به سُلْطة، سواءٌ كان دَليلًا إذا كانت

стр. 390

المَسأَلة تَحتاج إلى دَليل، أو سُلْطة تَدْبير كالسُّلْطان الأَعظَم، وما أَشبَه ذلك، أو قوَّة وقُدْرة، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. المُهِمُّ: أن السُّلْطان ما يَكون به السُّلْطة للإنسان، وفسَّرَه في كل مَكان بحَسبه. وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ هل يَعنِي: أنه لا يُمكِن أن نُجادِل الإنسان بالباطِل بسُلْطان. إِذَنْ: هذا القَيْدُ بَيان للواقِع، وليس قيدًا احتِرازِيًّا، بل هو قَيْد مُبيِّن للواقِع أن كل مَن جادَل في آيات الله، فإنه مجُادِل بغَيْر سُلْطان ولا يُمكِن أن يَأتِيَه سُلْطان بذلك. وقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ (إِنْ) يَقول المفَسِّر ﵀: [ما] يَعنِي: أنها نافِية، وذلك أن (إِنْ) في اللُّغة العرَبية مُشتَرَكة بين عِدَّة مَعانٍ، وما أكثَرَ الكلِماتِ التي يَكون لها عِدَّة مَعانٍ، ولكن الذي يُعيِّن المَعنَى السِّياق وقَرائِنُ الأَحْوال، ومن ذلك: أنَّك متى وجَدْت إثباتًا بعد (إِنْ) فهِيَ نافِية ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ , ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ وهلُمَّ جرًّا، فمتى وجَدْت الإثبات في سِياق (إن) فاعْلَمْ أنها نافِية، ويَأتِي - إن شاءَ الله - الكَلامُ على بقِيَّة مَعانِيها، لكن هنا يَقول: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ قال: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾، والذي في الصُّدور هو القَلْب، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]. وإذا تَكبَّر القلب -والعِياذُ بالله- تَكبَّر البَدَن، وإذا ذُلَّ القلب لله ذُلَّ البَدَن، قال النَّبيُّ ﷺ : "أَلا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا

стр. 391

فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ؛ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (١) وصدَق الرسول ﵊، ومثَّل أبو هُرَيْرةَ ذلك بالمَلِك له جُنود يَأمُر الجُنود فيَأتَمِرون (٢)، ولكن شيخ الإسلام ابن تَيمِيَّةَ (٣) قال: إن تَمْثيل الرسول ﷺ أَبلَغُ؛ لأن المَلِك قد يَتمَرَّد عليه الجُنودُ؛ لكن القَلْب هل يُمكِن تَتَمرَّد عليه الجَوارِحُ، أبَدًا لا يُمكِن، فجعَل الكِبْر في الصُّدور؛ أي: في القُلوب؛ لأن الصُّدور محَلُّها. قال المفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا كِبْرٌ﴾ تَكبُّر وطمَع أن يَعلوا عليكَ]. ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ جُمْلة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ الظاهِر أنها مُستَأنَفة، وليست صِفة لـ ﴿كِبْرٌ﴾ ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾؛ ولِهَذا نَقول: إذا قرَأْت فقُلْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ هذا المَوْقِفُ الصحيح، ولا تَقِفْ على قوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ لا تَقِفْ عليه؛ لأنَّك إذا وقَفْت على ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ فمَعناه أنك وقَفْت على الكلام قبل التَّمام، ولكن قُلْ: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾، ثُم قِفْ وقُلْ: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾؛ لأنك إذا وصَلْت ﴿إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ صارَت جُمْلة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ حَسب القِراءة صِفة لكِبْر، وليس الأَمْر كذلك، بل هي جُمْلة مُستَأنَفة من الله يَقول: إنهم لن يَبلُغوا ما في صُدورهم من التَكبُّر عليك والعُلوِّ عليك، وقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ أَصْله ببالِغِينَه، لكن أين ذهَبَتِ النون؟

стр. 392

حُذِفَت النُّون للإضافة؛ لأن النون والتَّنوين لا يَجتَمِعان مع الإضافة؛ ولهذا قال أحَدُ الناس يَصِف تَباعُدَه مع صاحِبه: كَأَنِّيَ تَنْوِينٌ وَأَنْتَ إِضَافَةٌ ... فَأَيْنَ تَرَانِي لَا تَحِلُّ مَكَانِي (١) والنُّون كالتَّنوين تُحذَف مع الإضافة ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَاسْتَعِذْ﴾ من شَرِّهم ﴿بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأَقْوالهم ﴿الْبَصِيرُ﴾ لأَحْوالهم]، ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (استَعِذْ) بمَعنَى: استَجِرْ به واعتَصِمْ به فإنه جَلَّ وَعَلَا نِعْمَ المَعاذُ؛ ولهذا لمَّا دخَل النَّبيُّ ﷺ على امرأةٍ تَزوَّجها فقالت: أَعوذُ بالله مِنْك. قال: "لَقَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ الحقِي بِأَهْلِكِ" (٢) وَترَكها مع أنه تَزوَّجها راغِبًا فيها، لكنَّها استَعاذَت بمَن لا يُمكِن أن يُخفَر جِوارُه أبَدًا، قال: "الحقِي بِأَهْلِكِ". فاستَعِذْ بالله؛ مِن أيِّ شيء؟ يَقول المفَسِّر ﵀: [مِن شَرِّهِم] والأَوْلى أن يَكون الأمر أعَمَّ. أي: استَعِذ بالله من كل مَكروهٍ، فلا مَلجَأَ للإنسان إلَّا إلى الله ولا عِياذَ إلَّا به، ولا لِياذَ إلَّا به أيضًا، فهو نفَرَ منه إليه. وقوله: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ختَمَ الآية بالسَّمْع والبصَر؛ لأن ما يُؤذون به النَّبيَّ ﷺ إمَّا قول فيُدرَك بالسَّمْع، أو فِعْل فيُدرَك بالبصَر. يَعنِي: آذَوْك بالقول فنَحن نَسمَع، بالفِعْل فنحن نُبصِر، وهذا فيه من تَطمين الرَّسول ﷺ ما يُعلَم - إن شاءَ الله - في ذِكْر الفَوائِد والله أَعلَمُ.

стр. 393

فإن قال قائِل: صحيح ما ذهَب إليه بعض المفَسِّرين في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ما تَقدَّم قبلَ الرِّسالة، وأمَّا المُتأخِّر هو تَرْك الأَوْلى من الرسول؟ فالجوابُ: هذا غيرُ صَحيح، الرسول ﵊ فعَل أَشياءَ عاتَبَه الله فيها بعدَ الرِّسالة ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]. فلا نُنزِّهُ الرسول إلَّا عمَّا نزَّهَهُ الله عنه، ثُم قُلتُ قبلَ قليل: قد يَكون الإنسان بعد التَّوْبة من المَعصِية خيرًا منه قَبْلها وضرَبْنا لكم مثَلًا بقِصَّة آدَمَ، فدعُوا النُّصوص على ما هي عليه، والله لا يَظلِم أحَدًا أبَدًا. فلمَّا قالوا: إن قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: ١٨٩ - ١٩٠] قالوا: إن هَذِه الآيةَ نزَلَت في آدَمَ وحَوَّاءَ أنها حمَلَت فجاءَها الشَّيْطان فقال: سَمِّيَا ولَدَكما عبدَ الحارِث. فأَبَيا أن يُطيعاه فخَرَج مَيْتًا، ثُمَّ حمَلَت ثانيةً فجاءَهُما وقال: لَتُطيعانِّي أو لأَجْعَلنَّ له قرنَيْ أيل - والأيل نوع من الغُزلان قَرُنه قويٌّ كالحربة - فيَخرُج من بَطنك فيَشُقُّك، فأَدرَكَهما حُبُّ الولَد فسَمَّياه عبدَ الحارِث (١) عبَّداه لغَيْر الله، لا يُمكِن أن يَقَع هذا من آدَمَ ﷺ .

стр. 394

ثُم لو فُرِض أنه وقَعَ هل يُمكِن أن يَذكُر الله السُّوءَ ولا يَذكُر التَّوْبة منه؛ لأنَّا نَقول: إذا وقَعَ فإمَّا أن يَكون قد تاب منه أو لم يَتُب، فإن لم يَتُب فقد مات على الشِّرْك، فإن تاب فلَيْس من عَدْل الله أن يَذكُر السُّوء ولا يَذكُر الخَلاص مِنه. فنحن نَقولُ: بعضُ العُلَماء - عفا الله عنَّا وعَنْهم - يَتَحايَلون أو يَتَمحَّلون على العِبارة الصحيحة، يَتَمحَّلون في تَنزيه الرسُل عمَّا وصَفَهم الله به، لكن نحن نُؤمِن بأن الرسول يَختَلِف مع غيره في مَسأَلتَيْن: المَسأَلة الأُولى: أنه لا يُمكِن أن يَفعَل ما يُخِلُّ بالرِّسالة أو بالشَّرَف. المَسأَلة الثانِية: إذا فعَل مَعصية فلا يُمكِن إلَّا أن يَتوب منها، لا يُقِرُّه الله على مَعصية، نحن الآنَ جائِز على بني آدَمَ أن يَفعَلوا ما يُخِلُّ بالشَّرَف، يَأتون الفاحِشة، يَزنون، جائِزٌ عليهم أيضًا إذا فعَلوا أن لا يَتوب، فالرُّسُل يَختَلِفون عن غيرهم بهذَيْن الأَمْرين. فالخُلاصةُ: أن بعض العُلَماء ﵏ يَتَمحَّلون بالنِّسبة للرُّسُل عليهم الصلاة والسلام ونحن نَقول: لا نَتَعدَّى القُرآن والحديث أبَدًا: "نبيٌّ مِن الأَنْبِياءِ قَرَصَتْه نَمْلةٌ - النَّمْلة مَعروف - فأَحرَق قَرْيَة النَّمْل كُلَّها - شبَّ عليها نارًا - فأَوْحى الله إليه هَلَّا نَمْلة واحِدة، تَقرُصُك نَمْلة وتَروح إلى كل القَرْية فتُحرِقَها بسبَبِ ذَنْب واحِدٍ" (١)؟ وهذا إشارة إلى أن الإنسان يَجِب عليه أن يَتحَرَّى، ثُم هذا النَّملُ لا يُمكِن أن يَتأدَّب، هل تَظُنُّون أن إذا سمِعَت النَّمْلة الأُخرى بهذه القِصَّةِ أن تَتُوبَ عن قَرْص

стр. 395

الناس؟ لا، وأَقول لكم هذا، لِئَلَّا تُورِدوا على أن الله تعالى قد يُهلِك الطائِعِين بذَنْب العُصاة ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]؛ لأن هَؤلاءِ الطائِعين مُكلَّفون بإنكار المُنكَر، ثُم إذا أُهلِكوا تَأدَّب بِهِم مَن سِواهم بخِلاف مَسأَلة قرية النَّمْل. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيان حال الذين يُجادِلون في آيات الله، وأنه ليس لهُمْ دَليل فيما يُجادِلون به، ثُم إن الجِدال في آيات الله يَنقَسِم إلى قِسْمين: جِدال لإثبات الحَقِّ وإبطال الباطِل وهذا مَأْمور به؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. وجِدالٌ بالعَكْس لإثبات الباطِل وإبطال الحَقِّ، وهذا هو المَذْموم، وعليه تَتَنزَّل مِثْل هذه الآياتِ الكَريمةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ آيات الله وهي كما قُلْنا في التَّفْسير شَرْعية وكَوْنية. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الحامِلَ لهؤلاءِ المُجادِلين هو الكِبْر والتَّعالِي؛ لقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَؤلاءِ لم يَبلُغوا مُرادَهم بما يُجادِلون به؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقد أَشارَ الله إلى هذا في قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، فتَأمَّل هذه العِباراتِ القَوِيَّةَ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ قَذْف وهو الرَّميُ بشِدَّة ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾؛ أي: يَصِل إلى أُمِّ دِماغه فإذا هو زاهِق فيَموت في الحال؛ لأن (إذا) فُجائِيَّة، و (إذا) الفُجائِيَّة

стр. 396

تَدُلُّ على مُفاجأة الشَّيْء. وهذا يَدُلُّ على أن الحَقَّ غالِب للباطِل ولا مَحالةَ. فإن قيل: إنَّنا نَجِد المُجادَلة من الكُفَّار أحيانًا لا تُدفَع، يَعجِز الإنسان عن دَفْعها. فالجواب: نعَمْ هذا ربما يَكون، لكن ليسَتِ العِلَّة من الحُجَّة، بل مِن المُحتَجِّ، فالعِلَّة ليست من الحُجَّة، الحُجَّة قائِمة والحقُّ غالِب، لكن العِلَّة من المُحتَجِّ قد يَكون قليلَ العِلْم؛ ولهَذا لا يَنبَغي أن تَدخُل في مُجادَلة غيرك إلَّا ومعَك عِلْم، وقد يَكون قاصِرَ الفَهْم لا يَفهَم، هو عِنده عِلْم لكن لا يَفهَم، وقد يَكون سَيِّئَ القَصْد يُريد الغلَبة فقَط انتِصارًا لقوله، لا انتِصارًا للحَقِّ، وهذا يَخذُل، وقد يَكون لِعِيِّه، ومَعنى العِيِّ أنه ليس عِنده من البَيان والفَصاحة ما يُؤدِّي إلى الغَلَبة؛ لأن البَيان والفَصاحة لَهُما تَأثير كبير في إثبات الحَقِّ، بل قد قال النَّبيُّ ﵊: "إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرَّا" (١). فهَذه الأُمورُ الأَربَعة هي الَّتي قد تَجعَل الباطِل يَعلُو ظاهِرًا على الحَقِّ والأربَعة هي واحِد. أمَّا قِلَّة العِلْم هذه فهي الجَهْل، أو عِيِّه عن التَّعبير عَمَّا في نَفْسه، سُوء القَصْد، الراج قُصور فَهْمه. هذه الأَرْبعة هي التي تَجعَل من الباطِل مَنارًا يَعلو ظاهِرًا على الحقِّ، وأمَّا الحَقُّ نَفْسه فلا يُمكِن إطلاقًا أن يَغلِبه الباطِلُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الكِبْر سبَب لكُلِّ شَرٍّ؛ ولهذا لا يَدخُل الجَنَّة مَن في قَلْبه

стр. 397

مِثقال حَبَّة خَردَلٍ من كِبْر، ونوع هذا الكِبْرِ الذي في هَؤلاءِ المُجادِلين هل هو بطَر الحَقِّ وغَمْط الناس، هذا الكِبرُ -والعِياذُ بالله- جمَعَ نوعَيِ الكِبْر، وهو غَمْط الحَقِّ ورَدُّه، والثاني ازدِراء الناس بطَر الحَقِّ وغَمْط الناس. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَثبيت النَّبيِّ ﷺ ؛ لقوله: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَيْئيس هَؤلاءِ المُجادِلين بأنهم لن يَبلُغوا مُرادَهم. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الاسْتِعاذة بالله في مَقام المُجادَلة مَشروعة؛ لقوله : ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وذلك أن المُجادِل سيُورِد من الشُّبَه ما يُخشَى أن تُؤثِّر عليه، فإذا استَعاذ بالله واعتَصَم به أَنجاهُ الله من ذلك؛ ولهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في المُجادَلة أَمَر بالاستِعاذة بالله، وعِند الحُكْم أَمَر بالاستِغْفار ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٠٦]، وذلك لأن الذُّنوب تَحول بين الإنسان وبين تَبيُّن الحَقِّ، وأمَّا في مَقام المُجادَلة فالإنسان محُتاج إلى مَن يَلتَجِئ إليه وَيعتَصِم به؛ فلهذا قال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات السَّمْع لله ؛ لقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ وإثبات البصَر؛ لقوله : ﴿الْبَصِيرُ﴾ والسَّمْع ذكَرَ العُلَماء ﵀ أنه يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن: الأَوَّل: إدراك المَسموع، والثاني: الاستِجابة. فأمَّا إدراك المَسموع فيَرِد لمَعانٍ مُتَعدِّدة: أوَّلًا: بَيانُ سَعة سَمْع الله ، مِثاله قول الله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١]؛

стр. 398

ولهذا قالَتْ عائِشةُ: "الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْواتَ" (١). الثاني: التَّهديد كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠]. الثالِث: التَّأيِيد كقوله تعالى لمُوسى وهارونَ: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]. أمَّا السَّمْع الذي بمَعنى الاستِجابة فكَقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]، أي: مجُيبُه، وكقول المُصلِّي: سمِعَ الله لمَن حَمِدَه. أي: استَجاب لمَنْ حَمِده، وأمَّا البَصيرُ فلها مَعنَيان: المَعنَى الأوَّل: المُدرِك ببَصَره كلَّ شيء فيَكون بمَعنَى الرُّؤْية، والثاني: العِلْم، يَعنِي: أنه عليم بكُلِّ شَيْء. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثبات السَّمْع والبصَر مَعًا، وهو أدَلُّ على الكَمال من انفِراد أحدِهما، وذلك لأن المُجادِل قد يَقول وقد يَفعَل، فهدَّده الله بهذا ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ لأن المُستَعيذ بالله إمَّا أن يَستَعيذ من أَقوال، وإمَّا أن يَستَعيذ من أَفْعال.

стр. 399

الآية (٥٧) * قَالَ اللهُ : ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]. ثُم قال الله ﵎: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ اللَّام هنا لامُ الابتِداء، وتُفيد التَّوْكيد، و ﴿لَخَلْقُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿أَكْبَرُ﴾ خبَر المُبتَدَأ، ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ هي السَّبْع الطِّباق ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هي الأَرْض التي نحن عليها، وقد جاءَتِ السُّنَّة بأنها سَبْع تصريحًا، كما في قول النَّبيِّ ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلما طَوَّقَهُ الله بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" (١) وأَوْمَأ القُرآن إلى ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]؛ لأن المُماثَلة هنا لا يُمكِن أن تَكون في الصِّفة؛ لظُهور المُماثَلة في السَّموات والأرض، لكنها مِثْلها في العدَد. وقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ خبَرُ المُبتَدَأ؛ أي: ﴿أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ يَعنِي: من إيجاد الناس ابتِداء، أو إعادة ابتِداء، وإعادة إيجاد السَّموات والأرض أَكبَرُ من إيجاد الناس ابتِداء وإعادة. يَقولُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يَقول المفَسِّر ﵀: [ونزَلَ في

стр. 400

مُنكِرِي البَعْث: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتِداءً ﴿أَكْبَرُ﴾ من خَلْق الناس مرَّة ثانِيةً] فقَيَّد خَلْق الناس بالمرَّة الثانية [وهي الإِعادة] بِناءً على أن الآية نزَلَت في مُنكِري البَعْث، والصَّواب أن الآية نزَلَت فيما هو أَعَمُّ، نزَلَت في مُنكِرِي البَعْث وفي بَيان قُدْرة الله . وعلى هذا فنَقول: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتِداءً ﴿أَكْبَرُ﴾ من خَلْق الناس ابتِداءً وإعادةً ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [أي: كُفَّار مَكَّةَ، ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ وفي هذا التَّفسيرِ قُصور؛ لأن أكثَرَ الناس أعَمُّ من كونهم من مكَّةَ أو غيرهم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لأنهم لا يَتَفَكَّرون في خَلْق السَّمَوات والأرض فهُمْ جاهِلون لا يَعلَمون. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: في هذا إثبات أن السَّمواتِ والأَرْضَ أَعظَمُ من البَشَر وهذا واضِحٌ، بل إن البَشَر جُزْء من الأرض؛ لأنهم خُلِقوا من طين. الْفَائِدَةُ الثانِيَةُ: إقامة الحُجَّة على مُنكِر البَعْث بأنكم إذا أَقرَرْتم بأن الله خالِق السَّمَوات والأرض؛ لزِمَكم أن تُقِرُّوا بأنه قادِر على خَلْق الناس، لأن مَن قَدَر على الأَعْظم فهو على ما دونَه أقدَرُ، وقد أَقام الله أيضًا أدِلَّة كَثيرةً على إثبات البَعْث منها هذه الآيةُ، وهي الاستِدْلال بالأَعظَم على الأدنى، ومنها قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، ﴿وَهُوَ﴾ الضمير يَعود على الإعادة ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ من الابتِداء وهذا شيء مَعلوم بالحِسِّ وبالعَقْل. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات البَعْث، وجهُ الدَّلالة قولُه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأن المَقْصود من الآية تَقرير البَعْث.

стр. 401

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أَكثَر الناس في غَفْلة وجَهْل؛ لقوله : ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يُشبِه قوله : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: ١١٦]، فاحْرِصْ على ألَّا تَكون من هَؤلاءِ الذين لا يَعلَمون. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن العِلْم في الناس قَليلٌ؛ لأنه إذا كان أَكثَرُهم لا يَعلَم، لزِمَ أن يَكون الذي يَعلَم هو الأقَلَّ. فإن قال قائِلٌ: هل المُراد نَفْيُ العِلْم أو نَفيُ فائِدة العِلْم؟ فالجَوابُ: المُرادُ الأَمْران فأكثَرُ الناس في جَهْل وأَكثر الناس أيضًا، وعِندهم عِلْم لم يَنتَفِعوا بعِلْمهم، ولم يَستَفيدوا منه.

стр. 402

الآية (٥٨) * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر: ٥٨]. قال تعالى: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ هذان المَثَلان بيّنهما الله : الأوَّل: الأَعْمى والبَصير لا يَستَوِيان، ولا أَحَدَ من الناس يَقول: إنَّهما يَستَويان، ولا الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحِاتِ ولا المُسيءُ. يَعنِي: إذا تَقرَّر أنه لا يَستَوِي الأعمى والبَصيرُ، فكذلِكَ لا يَستَوِي الَّذين آمَنوا وعمِلوا الصالحاتِ والمُسِيءُ، لا يُمكِن. تنبيه: ليس المُرادُ ذمُّ الأَعْمى والبَصير حتى يُقال: إنَّهما ليس لهما إِرادة، المُرادُ بَيان حالهِم أنهما لا يَستَوِيان بالاتِّفاق. قال المفَسِّر ﵀: [فهُمْ] أي: الَّذين لا يَهتَدون [كالأَعْمى ومَن يعلمه كالبَصير] جاء بذلِك المفَسِّر تَوطِئةً لبيان مُناسَبة الآية لما قَبْلها، ولكن قد يُقال: إنها استِئْناف، بيَّن الله بها أنه لا يَستَوِي هَؤلاءِ وهَؤلاءِ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾؛ أي: لا يَتَساوَيان ﴿الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [وهُوَ المُحسِن ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ فيه زِيادة اللَّام]، وكأن التَّقدير على كَلام المفَسِّر: ولا الَّذين آمَنوا وعمِلوا الصالحِات والمُسيء، وهذا المَعنَى واضِح، لكن قوله:

стр. 403

[وهُوَ المُحسِن] يَعنِي: أن الذي آمَن وعمِل الصالحِاتِ محُسِن؛ لقوله ﷺ : "الْإحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ الله كَأنَّكَ ترَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ترَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (١). وقوله : ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿آمَنُوا﴾ بالقَلْب ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بالجَوارِح، وذلك أن الإيمان مَتى وقَر في القَلْب صدَّقَتْه الأَعْمال، وقوله: ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ وَصْف لمَوْصوف مَحذوف، والتَّقدير: الأَعْمال الصالحِات، والعمَل الصالِح ما اجتَمَع فيه أَمْران: الأوَّل: الإِخْلاص لله . والثاني: المُتابَعة لرسول الله ﷺ . فبفَقْد الأَوَّل يَكون الشِّرْك، وبفَقْد الثاني تَكون البِدْعة، والله لا يَقبَل عَمَلًا أُشرِك فيه معَه غيرُه، ولا يَقبَل بِدْعة ابتَدَعها أَحَد في دِينه. قال الله ﵎ في الحَديث القُدسيِّ: "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" (٢) وقال النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٣). إِذَنْ: فلا بُدَّ من إخلاص لا شِرْكَ معه، ومُتابَعةٍ لا ابتِداعَ معَها، وبذلِك يَكون العمَل صالِحًا.

стр. 404

وقوله: ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ يَعنِي: فاعِل السَّيِّئات، والسَّيِّئات هي إمَّا تَفريط أو إفراط؛ أي: إمَّا تَفريط بالنَّقْص والقُصور وإمَّا إفراط بالزِّيادة، وكِلاهما إساءة. ثُم قال : ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [يَتَّعِظون؛ بالياء والتاء؛ أي: تَذكُّرُهم قليلٌ جِدًّا] قوله: ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أي: يَتَّعِظون وفيها قِراءَتان: "يَتَذَكَّرُونَ" و ﴿تَتَذَكَّرُونَ﴾، وكِلاهما صَحيحتان سَبْعيتان. ثُمَّ أَشار المفَسِّر إلى إعراب هذا التَّرْكيبِ، وهو كَثير في القُرآن، فقال ﵀: [أي: تَذكُّرهم قَليلٌ جِدًّا] وعلى هذا تَكون (ما) مَصدَرية، أي: تَذكُّرهم تَذكُّرٌ قَليلٌ، ولكن الذي يَظهَر أن ﴿قَلِيلًا﴾ صِفة لمَوْصوف محَذوف مَفعول مُطلَق؛ أي: يَتَذكَّرون تَذكُّرًا قليلًا و ﴿مَا﴾ هذه زائِدة للتَّوْكيد، تَوْكيد القِلَّة؛ يَعنِي: قَليلًا قَليلًا، وعلى هذا فتكون الجُمْلة مُركَّبة من فِعْل وفاعِل ومن مَفعول مُطلَق الذي هو (قَليلًا)؛ لأنه صِفة لمَصدَر مَحذوف، ومن (ما) الزائِدةِ للتَّوْكيد. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: ضَرْب الأَمْثال، وهو إلحاق المَعقول بالمَحْسوس، وجهُ ذلك أن انتِفاء الاستِواء في الأعمى والبصير أَمْر مَعلوم بالحِسِّ، وانتِفاء استِواء الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحِاتِ والمُسيءِ أَمْر مَعلوم بالعَقْل. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَنبَغي لمُعلِّم الناس أن يَربِط المَعقولات بالمَحْسوسات؛ لأن ذلك أَقرَبُ إلى الفَهْم وأَدعَى إلى التَّصديق؛ إذ إن المَحسوس لا يُنكَر، لكن المَعقول قد يُكابِر فيه مَن يُكابِر ويُنكِره. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: نَفيُ المُساواة بين الأمور المُختَلِفة وهذا من قَواعِد الشريعة أنها

стр. 405

لا تُساوِي بين مخُتَلِفين، ولا تَجمَع بين مُفتَرِقين. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن من الناس مَن يُطَنْطِن ويَقول: إن الدِّين الإسلاميَّ دِين المُساواة، وهذا خطَأ، الدِّين الإسلاميُّ دِين العَدْل وليس دِين المُساواة، الذين يَقولون: إنه دِين المُساواة يُريدون أن يَتَحوَّلوا من هذا إلى التَّسوية بين الرجُل والمرأة، وبين الشَّريف والوَضيع، وهذا خطَأ، فإن الله تعالى جعَل لكل إنسان ما يَليق به شَرْعًا وقَدَرًا؛ ولهذا لم يَأتِ حَرْف واحِد في القُرآن فيه أن الناس سواءٌ أبَدًا، أكثَرُ ما يُوجَد في القرآن نفيُ الاستِواء أي: نَفيُ المُساواة، لكن العَدْل جاء في القُرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، إلى غير ذلك من الآيات. وذلك لأن العَدْل يَعنِي: أن نُنزِل كل إنسان مَنزِلته فإذا استَوَى إنسانان في مَنزِلة سَوَّيْناهما في الحُكْم، أو ساوَيْنا بينهما في الحُكْم، وإذا اختَلَفا فرَّقْنا بينهما. والعجَبُ أن كثيرًا من كُتُب المُتأخِّرين يَقولون بذلك، وهذا أَمْر قد يَدعو أيضًا إلى التَّسوية بين المُسلِم والكافِر؛ لأن كُلًّا منهما إنسان بشَر، لكن إذا قُلْنا: العَدْل صار الكافِر لا يُمكِن أن يَلحَق بالمُسلِم؛ لأن ذلك جَوْر وظُلْم في حَقِّ المُسلِم، وغُلوٌّ وإفراط في حقِّ الكافِر. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فضيلة الإيمان والعمَل الصالِح وسُوء العمَل السَّيِّئ؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن كثيرًا من الناس لا يَتَذكَّرون إلَّا قليلًا؛ لقوله : ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾.

стр. 406

الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن في هذه الآية شاهِدًا؛ لقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].

стр. 407

الآية (٥٩) * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: ٥٩]. ثُم قال الله ﵎: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ هذه الجُملةُ مُؤكَّدة بمُؤكِّدين هما: (إنَّ) واللَّام، ثُم أَكَّد هذا التَّأكيد وهو تَأكيد مَعنَويٌّ، والأوَّل تَأكيد لَفْظيٌّ ﴿لَا رَيْبَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [شَكَّ] ﴿فِيهَا﴾ أي: في إتيانها ووقوعها، والمُراد بالساعة اليوم الذي يُبعَث فيه الناس، وسُمِّيَ ساعة، لأن الناس يُطلِقون الساعة على الأَمْر الذي يَدهى الناس ويَفجَعهم حتى لا يَشعُرون به. والرَّيْب فسَّره المفَسِّر بالشَّكِّ، وهو تَفسير قريب، لكن تَجِد فَرْقًا يَسيرًا لطيفًا بينهما؛ أي: بين الرَّيْب والشكِّ، وهو أن الرَّيْب شكٌّ بافتِراض وتَردُّد، فقول القائِلِ: ارْتَاب ليس بالتَّحديد كقوله: شكَّ، بل الِارْتياب يَحمِل قلَقًا واضطِرابًا، فهو إِذَنْ أَخصُّ من الشكِّ، فكُلُّ رَيْب شكٌّ، وليس كل شَكٍّ رَيبًا، لكن العُلماء ﵏ يُفسِّرون الشيء بمُقارِبه. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يُؤمِن بإتيان الساعة؛ ولهذا أكَّد لهم إتيانها، ولمَّا كان أَكثَر الناس لا يُؤمِنون بها كان أكثر الناس كافِرين، لأن الإيمان بالساعة له أثَرٌ عَظيم في تَحقيق الإيمان، فإن مَن لا يُؤمِن بالساعة لا يَعمَل،

стр. 408

لأيِّ شيء يَعمَل وهو لا يُؤمِن بيوم الحِساب؟ ومَن آمَن بيَوْم الحِساب كان حَريصًا على أن يَنْجوَ من وَبال هذا اليَوْمِ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: ثُبوت قيام الساعة ثُبوتًا مُؤكَّدًا؛ لقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحذير من إهمال هذه الساعةِ وعدَم العمَل لها؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وُجوبُ الإيمان بالبَعْث؛ لأنه خبَر من الله مُؤكَّد، وكل أخبار الله تعالى صِدْق، وكلُّ وَعْد الله حقٌّ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: النَّهيُ عن الارْتياب في هذه الساعةِ؛ لأن قوله: ﴿لَا رَيْبَ﴾ فيها يُحتَمَل أن يَكون خبَرًا مجُرَّدًا للتأكيد، ويُحتَمَل أن يَكون خبرًا بمَعنى الأَمْر؛ أي: فلا تَرْتابوا فيها، ويُحتَمَل أن يَكون خبَرًا بمَعنَى النَّهيِ؛ أي: فلا تَرْتابوا فيها، ونَظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] فإن فيه تَفسيرين: الأوَّل: أنه خبَرٌ مَحْض، والثاني: أنه خبَر بمَعنى النَّهيِ؛ أي: لا تَرْتابوا فيه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أكثَر الناس لا يُؤمِنون بهذه الساعةِ ويُنكِرونها، يَقولون: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرَّدُّ على كلِمة مَشهورة، بل إبطال الكلِمة المَشهورة، وهي أن الإنسان إذا مات قالوا: عاد إلى مَثواهُ الأَخيرِ. فإن هذه الجُملةَ باطِلة؛ لأن القَبْر

стр. 409

ليس المَثوَى الأخيرَ، المَثوَى الأخيرُ هو الجَنَّة والنار، أمَّا القَبْر فإنه زِيارة مَعبَر كما أن الدنيا مَعبَر كذلك القبر مَعبَر؛ ولهذا سَمِع أعرابيٌّ قارِئًا يَقرَأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١ - ٢]، فقال الإعرابيُّ: (واللهِ ما الزائِرُ بمُقيمٍ، وإن هُناكَ شَيْئًا وراءَ القُبورِ)، يُستَنبَط من قوله: ﴿زُرْتُمُ﴾، فالزائِرُ يَبقَي مُدَّة، ثُم يَرتَحِل. إِذَنْ: إذا سمِعنا مَن يَقول: إن هذا دُفِن في مَثواهُ الأَخيرِ. أو ما أَشبَه ذلك، فإننا نُنكِر عليه ونَقول: اعدِلْ عن هذه الكلِمةِ؛ لأنها كلِمة مَضمونها لو اعتَقَده القائِل لكان كافِرًا.

стр. 410

الآية (٦٠) * قَالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ لمَّا ذكَر الساعة ذكَر ما يَكون به الوِقاية من وَبالهِا، وهو دُعاء الله، فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ وأَتَى بجُملة بصيغة الغَيْبة تَعظيمًا له ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾ ولم يَقُل: أَقولُ، أو قُلْنا. أو ما أَشبَهَ ذلك تَعظيمًا لله. وقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ﴿ادْعُونِي﴾ أَمْر، و ﴿أَسْتَجِبْ﴾ جوابُه جَواب الطلَب، والدَّعْوة هنا تَشمَل دُعاء المَسأَلة ودُعاء العِبادة، فدُعاء المَسأَلة أن يَقول الإنسان: يا رَبِّ اغفِرْ لي. ودُعاء العِبادة أن يَتَعبَّد لله بما شرَع، وإنما كانَتِ العِبادة دُعاءً؛ لأنها مُتضَمِّنةٌ لطلَب الإنسان النَّجاة من النار ودُخول الجنَّة، لو سألت كلَّ عابِد: لِمَ تَدعُو الله؟ قال: أُريد أن أَنجوَ من النار وأَدخُل في رحمة الله، إِذَنْ فهو مُتضمِّن للدُّعاء بلِسان الحال. وقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ نُفسِّرها في مُقابِل دُعاء المَسأَلة بإعطائكم ما سأَلْتم، ونُفسِّرها بدُعاء العِبادة بالقَبول. يَعنِي: أَتقَبَّل منكم. فاستِجابة الله تعالى لدُعاء المَسأَلة أن يُعطِيَ السائِل ما سأَل، واستِجابته لدُعاء العِبادة أن يَتَقبَّل من العابِد.

стр. 411

قال المفَسِّر ﵀: [أي: ادْعُوني أُثِبْكم بقَرينة ما بعدَه، وهذا التَّفسيرُ بِناءً على تقدَّم يُعتبر تَفسيرًا قاصِرًا، وأمَّا ما بعده فليس قَرينة لتَخصيص هذا، بل نَقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِيَ﴾ تَدُلُّ على أن الدُّعاء عِبادة؛ لأنه قال: ﴿ادْعُونِي﴾، ثُمَّ قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ولا شَكَّ أن الذي يَستكبِر عن دُعاء الله ويَرَى أنه غَنيٌّ عن الله وليس محُتاجًا إليه لا شَكَّ أنه مُستَحِقٌّ لهذا الوَعيدِ، وهو أنه سيَدخُل جَهنَّمَ صاغِرًا. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ هذا من جُملة المَقول ﴿سَيَدْخُلُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بفَتْح الياء وضَمِّ الخاء وبالعَكْس] "يُدخَلون" وهُما قِراءَتان سَبْعيتان صَحيحتان. ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمٌ للنار، وهو اسمٌ مُعرَب وأَصلُه -على ما قيل- كهَنَّام، وقيل: بل هو عرَبيٌّ، والنون فيه زائِدة وأَصلُه من الجهمة يَعنِي: الظُّلْمة، وأيًّا كان فهو علَمٌ على النار، أَجارَنا الله وإيَّاكُم منها. وقوله: ﴿دَاخِرِينَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [صاغِرين] الداخِر: الصاغِر. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثباتُ القَوْل لله ، وهذا القولُ هل هو قولٌ نَفسيٌّ لا يَظهَر أو هو قَوْل ظاهِر؟ الثاني قول ظاهِر؛ لأن القولَ النَّفسيَّ إذا أُريد قُيِّد كما في قوله ﵎: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٥٤]، فإذا أُطلِق القولُ صار المُراد به الكَلامَ المَسموعَ، وهذا

стр. 412

قول السلَف، وأَئِمَّة الخلَف أن الله يَتكَلَّم، ويَقول بقَوْل مَسموع وبحَرْف: أنك إذا ادْعُوني سأَستَجِب لكم؛ وهذه كلِماتٌ مُركَّبة من حروف، إِذَنْ يَتكَلَّم بحرف وصوت . وقول مَن قال: إن كَلام الله هو المَعنَى القائِم بالنَّفْس، وإن ما يُسمَع عِبارة عن كلام الله، خلَقه الله ليَسمَعه الناس، وإلَّا فإن كلامه في نَفْسه فقَطْ، باطِل؛ أي: هذا قول باطِل؛ لأنَّنا إذا فسَّرْنا القول بهذا صار مَعناه العِلْم وليس القول. والآنَ نُريد أن نُقارِن بين قولَيْن، قول يَقول: الذي في المُصحَف فهو كَلام الله مخَلوق. وقول آخَرُ يَقول: الذي في المُصحَف فهو عِبارة عن كلام الله مخَلوق. أيُّهما أقرَبُ إلى الصَواب؟ الجوابُ: الأوَّل، الأوَّل قول الجَهمية والمُعتَزِلة، والثاني قول الأشاعِرة، فتَبيَّن الآنَ أن قول المُعتَزِلة والجهْمية في كلام الله خير من قول الأشاعِرة، مع أنهم يَدَّعون؛ أي: الأشاعِرة أنهم من أهل السُّنَّة والجَماعة، وكيف يَكون هذا؟ ! إِذَنْ: نُثبِت من هذه الآيةِ القولَ لله تعالى، والقول لا يَكون إلَّا بنُطْق مَسموع وبحُروف. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيان عظَمة الربِّ وتَعاظُمه من قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ﴾، فإن هذا الصِّيغةَ تَدُلُّ على عظَمة القائِل . الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الرُّبوبية لله، وهي تَنقَسِم إلى قِسْمَيْن عامَّة وخاصَّة، فالعامَّة: الشامِلة للخَلْق، وهي تربية الخَلْق بالنِّعَم وتَغذيتهم بالنِّعَم، والخاصَّة: هي تربية عِباد الله المُؤمِنين؛ حيث ربَّاهم الله على ما يُحِبُّ، وقدِ اجتَمَع النَّوْعان

стр. 413

في قوله تعالى عن السَّحَرة آل فِرعونَ: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] فالعامَّة ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، والخاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوب دُعاء الله تعالى، تُؤخَذ من قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؛ لأنها تَتضَمَّن: لا تَدعوا غَيري. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الله تَكفَّل ووعَد الداعِيَ بأنه يُجاب؛ لقوله: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾. فإن قال قائِلٌ: نَدعو كثيرًا ولا نرى إجابةً ونَعمَل كثيرًا، ولا نُحِسُّ بقَبول، فما الجَوابُ؟ الجوابُ أن نَقول: الأسباب لا تُؤثِّر إلَّا إذا وَجَدت مَحَلًّا قابِلًا، أَرَأَيْتم السِّكِّين إذا قَدَدْت بها اللَّحْم فإنه يَنقَطِع، وإذا قدَدْت بها الحَديد لا يَنقَطِع مع أنها في اللَّحْم بتَّارة، وفي الحَديد لا تَعمَل شيئًا، فالسبَب لا بُدَّ أن يَكون له مَحَلٌّ قابِل، وإلَّا فلا أثَرَ له. ففي العِبادة يَعبُد الإنسان ربَّه ولا يَشعُر بقَبول؛ لوجود سبَب يَمنَع ذلك، إمَّا فواتُ شَرْط أو رُكْن أو واجِب، أو حُدوث مُفسِد، وإلَّا لو أنَّا أَقَمْنا العِباداتِ على ما طُلِب منا لوجَدْنا لها أثرًا، قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] مَن مِنَّا يَشعُر إذا صلَّى بكَراهة الفَحشاء والمُنكَر؟ والصلاة تَنهَى عن الفَحْشاء، فلِماذا لا نَشعُر بهذا؟ الجواب: لأنَّنا مُقصِّرون. ففي الدُّعاء دائِمًا نَدعو الله ولا نَرَى إجابة؛ فنَقول فيها كما قُلْنا

стр. 414

في الأوَّل-: أن السَّبب لا بُدَّ له من محَلٍّ قابِل، فإذا دعا الإنسانُ ربَّه لكن قد فاتَه شيء من آداب الدُّعاء الواجِبة أو المُستَحبَّة، أو وُجِد مانِع يَمنَع من قَبول الدُّعاء، فليس الخلَل في الدُّعاء، بل الخلَل في الداعِي والمَحَلِّ. ولْنَضرِب مثَلًا بإنسان دعا وهو لا يَشعُر بالافتِقار إلى الله ولا يَشعُر بالفِرار إلى الله، فهذا دُعاؤُه ناقِص جِدًّا، إذا قلت: رَبِّ اغفِرْ لي. مثَلًا لا بُدَّ أن تَشعُر أن هُناك ذُنوبًا تَحتاج إلى المَغفِرة، وأنك في أشَدِّ ما يَكون من الضَّرورة إلى مَغفِرة هذه الذُّنوبِ؛ لأن هذه الذُّنوبَ إذا لم تُغفَر فيا وَيلَكَ! ذَنْب مع ذَنْب يَكون كبيرة؛ ولهذا نَهَى الرَّسول ﷺ عن محُقَّرات الذُّنوب، وقال: "إِنَّ مَثَلَهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضًا، فَأتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعُودٍ فَجَمَعُوا حَطَبًا كَثِيرًا وَأَضْرَمُوا نَارًا كَبِيرَةً" (١) مع أن الواحِد منهم أتَى بعُود واحِد. فالمُهِمُّ: أنك لا بُدَّ أن تَشعُر حين الدُّعاء أنك في غاية الضَّرورة إلى الله . ثانيًا: من الآداب التي فَقْدُها سببٌ لمَنْع الإجابة أن يَكون عندك شَكٌّ في قَبول الله لدُعائك، أو في استِجابة الله لدُعائِك، مِثْل أن تَستَعظِم المَدعوَّ به، تَقول: هذا لا يَحصُل. هذا غلَط هذا مِمَّا يَمنَع الإجابة، ولهذا نَهَى النبيُّ ﷺ عن قول القائِل: اللهُمَّ اغفِرْ لي إِنْ شِئْتَ. وقال: "لِيَعْزِمِ المَسْألةَ وَلْيُعْظِمِ الرَّغْبَةَ، فَإنَّ الله لَا يَتَعَاظَمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَعْطَاهُ" (٢).

стр. 415

كذلك أيضًا من أَسْباب مَنْع الإجابة أن يَدعوَ الإنسان بإثمٍ أو قَطيعة رَحِم، فيَدعو بإِثْم، مثل أن يَدعوَ على شخص لا يَستَحقُّ الدُّعاء عليه، فهذا إِثْم، كأَنْ يَدعوَ على ولِيِّ أَمْر أَساء في مَسأَلة من المَسائِل فتقول: اللَّهُمَّ لا تُوفِّقْه. وما أَشبَه ذلك اعتِداء في الدُّعاء، إذا رأَيْت ولِيَّ أَمْر صغيرًا كان أم كبيرًا أَخطَأ فليس عِلاجه: اللَّهُمَّ لا تُوفِّقْه. عِلاجه أن تَقول: اللَّهُمَّ وَفِّقْه. يُصلِح ويُصلِح الله به، هذا من الاعتِداء في الدُّعاء الذي لا يُقبَل. من الاعتِداء في الدعاء قَطيعة الرحِم أن تَدعوَ بقَطيعة الرحِم أيضًا لا يُقبَل. دُعاء الظالِمِ على مَظلومه لا يُقبَل؛ لأنه إِثْم. ومثال الاعتداء في الدعاء: لو قال: اللَّهُمَّ إني أَسأَلُك أن تَجعَلني من الرُّسُل الكرام. هذا مُعتَدٍ في الدعاء، اللَّهُمَّ اجعَلني لا أُذنِبُ ذنبًا. عُدوان في الدُّعاء، أما أن يقول: اللَّهُم إني أَسأَلُك أن تَقلِب هذا المَسجِدَ من ذهَب وزُمُرُّد. فهذا الله على كل شيء قديرٌ: كُنْ فيَكون، لكن هذا خِلاف العادة، وهو أيضًا في الغالِب لا فائِدةَ منه. وممَّا هُو مُمكِن لا شيءَ فيه: الله يَجعَلُك كسِيبَوَيْهِ في النَّحْو، وكابن تَيميَّةَ في العِلْم، يقولون: إنه سُمِع واحِد يَطوف في الكعبة فسمِعه شخص وهو يَقول: اللهُمِّ إني أَسأَلُك نَحوًا كنَحْو ابن هِشام، وفِقهًا كفِقْه شيخ الإسلام. فالله على كل شيء قَديرٌ لعله يُعلِّمك. رابِعًا: أَكْل الحرام من مَوانِع القَبول؛ لأن النَّبيَّ ﷺ ذكَر الرجُل يُطيل السفَر أَشعَثَ أَغبَرَ يَمُدُّ يَدَيْه إلى السَّماء يا ربِّ يا ربِّ. كلُّ هذه الوجوهِ الأَرْبعة من أسباب إجابة الدُّعاء ومَطعَمه حرام ومَلبَسه حَرام وغُذِّيَ بالحرام قال النَّبيُّ

стр. 416

- ﷺ : "فَأنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ" (١) هذه كلُّها تَمنَع، أو تَحول بين الإنسان وبين قَبول دُعائه واستِجابة الله له، فإذا لم يُوجَد المَوانِع، وكان المَحلُّ صالِحًا وقابِلًا بَقِيَ، لكن بَقِيَ شيء وراءَ ذلك، وهو مَشيئة الله قد يَدفَع الله عن الإنسان من الشَّرِّ ما هو أَعظَمُ مِمَّا طلَب، وقد يُجيب ما طلَب، وقد يَدَّخِر ذلك له أَجْرًا يوم القيامة كما جاء في الحديث، وإلَّا فنحن واثِقون غاية الثِّقة من صِدق قوله تعالى: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وأنه لا بُدَّ أن يَكون. فإن قال قائِلٌ: هل ما يَقول به بالقَلْب أو بالنَّفْس يُسمَّى قولًا؟ فالجَوابُ: لا، إلَّا إذا قُيِّد. فإن قال قائِل: إذا نطَقْنا به؟ فالجَوابُ: لا، إلَّا إذا قُيِّد فقيل: قال في نَفْسه ما حَدَّثت به أَنفُسنا. فإن قال قائِل: قول الأشاعِرة: ما يَقول بالنَّفس. هل هذا صَحيح؟ فالجوابُ: لا، ليس صحيحًا، هذا كلام باطِل؛ ولهذا الآنَ وازَنَّا بين قولهم وبين قول المُعتَزِلة فصار قول المُعتَزِلة أقرَبَ إلى الصواب منهم؛ لأنهم يَقولون: هذا الذي في المُصحَف كلام الله مخَلوق، وهو كَلام الله حَقيقةً، ولكنه مَخلوق، وأُولَئِك يَقولون: مخَلوق وعِبارة عن كلام الله. فإن قال قائِل: قول عُمرَ بنِ الخَطَّاب ﵁: لا أَحمِل هَمَّ الإجابة، ولكن أَحمِل هَمَّ الدُّعاء (٢) هل يَقصِد أن الإنسان قد لا تَتَوفَّر له أسباب القَبول؟

стр. 417

فالجوابُ: نعَمْ؛ يَقصِد أن الإنسان قد لا تَتَوفَّر له أسباب القَبول، وأنتم الآنَ حاسِبوا أَنفُسكم هل أنت إذا كنت في الصلاة وقُلت: ربِّ اغفِرْ لي وارْحَمْني بين السَّجْدتَيْن، هل تَشعُر بأن هناك ذُنوبًا ثَقيلة تَسأَل الله الخَلاصَ منها، أو أنها كلِمة تَقولُها لتَأتِيَ بالواجِب؟ الواقِع أننا إذا حاسَبْنا أنفُسنا وجَدْنا عِندنا نقصًا عظيمًا، الإنسان إذا دعا الله بمُجرَّد دعاء الله يَستَنير قلبه؛ لأن الدُّعاء عِبادة، ولكن نَسأَل الله أن يُعينَنا وإيَّاكم على ذِكْره وشُكْره وحُسْن عِبادته. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الذين يَستكبِرون عن عِبادة الله سيَدخُلون جَهنَّمَ على وجهِ الذُّلِّ والصَّغار؛ لقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الجَزاء من جِنْس العمَل يَعنِي: العُقوبة تُقابِل الجُرْم؛ لأنهم لمَّا استكْبروا في الدنيا أُدخِلوا النار صاغِرين، وفي الآخِرة سيَدخُلون جَهنَّمَ داخِرين. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات النار؛ لقوله: ﴿جَهَنَّمَ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الدُّعاء من العِبادة؛ لقوله: ﴿ادْعُونِي﴾، ثُم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾.

стр. 418

الآية (٦١) * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]. ثُم قال الله تعالى مُبيِّنًا نِعمَته على عِباده: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ ﴿اللهُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبَرُه، و ﴿جَعَلَ﴾ بمَعنى: صيَّر، ونَصَبت مَفعولَيْن الأوَّل: ﴿اللَّيْلَ﴾، والثاني: ﴿لَكُمُ﴾، والجعْل هنا جَعْل قدَريٌّ وليس جَعْلًا شَرعيًّا ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ اللَّام هنا للتَّعدِية مع التعليل، وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ اللَّام للتَّعليل والسكون ضِدُّ الحرَكة وضِدُّ العمَل، وهو شامِل لسُكون الجَوارِح، وسُكون القَلْب، وسُكون النَّفْس؛ ولهذا يَجِد الإنسان إذا تَعِب ثُم نام يَجِد أن نَشاطه يَستَجدُّ ويَزداد. وقوله: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يَعنِي: وجعَل النهار مُبصِرًا، هذه مَعطوفة على ﴿اللَّيْلَ﴾؛ أي: جعَل النَهار مُبصِرًا، وإسناد الإبصار إلى النهار؛ لأنه مَوْضِعه؛ أي: مَوضِع إبصار الناس؛ ولهذا قال المفَسِّر ﵀: [إسناد الإِبْصار إليه مجَازِيٌّ؛ لأنه يُبصَر فيه] فهو زمَن الإِبْصار ﴿وَالنَّهَارَ﴾ محَلُّ عمَل وبصَرها. ثُم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ أكَّد الله كونَه ذا

стр. 419

فَضْل على الناس بـ ﴿إِنَّ﴾ واللَّام، و (ذو) بمَعنَى: صاحِب، ﴿لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ ﴿فَضْلٍ﴾ بمَعنَى: إفضال، فالله هو المُتفَضِّل على العِباد، ومنه أي: من فَضْله جعَل الليل سكَنًا والنهار مُبصِرًا. وقوله: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ عامَّة تَشمَل المُؤمِن والكافِر، وهذا هو الواقِعُ؛ لأن الليل سكَن للمُؤمِنين والكافِرين، والنهار مُبصِر للمُؤمِنين والكافِرين ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ يَعنِي: مع كون الله ذا فَضْل على الناس أَكثَرهم لا يَشكُر -والعِياذ بالله- أَكثَرُهم كافِر. ولهذه الآيةِ نَظائِرُ منها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]، وجاءَت السُّنَّة بمِثْل ذلك؛ حيث أَخبَر النبيُّ ﷺ أن الله يُنادِي يوم القِيامة: "يَا آدَمُ أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. فَيُخْرِجُ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتسْعَةً وَتسْعِينَ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ" (١) من الألْف واحِد يَنجو. والشُّكْر هو الاعتِراف للمُنعِم بالنِّعمة بالقَلْب واللِّسان والجَوارِح، الاعتِراف بالشُّكْر، والاعتِراف للمُنعِم بالنِّعْمة بالقَلْب واللِّسان والجَوارِح، قال الشاعِر: أَفادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ... يَدِي وَلسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (٢) "أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً"؛ يَعنِي: أنَّكم ملَكْتم مِنِّي ثلاثة بسبب نَعمائِكم، يَدي ولِسانِي والضَّمير المُحَجَّبَ.

стр. 420

أمَّا الشُّكْر بالقَلْب فهو أن تَعتَرِف بقلبك أن كل نِعْمة بك فإنها من الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ [النحل: ٥٣]، وأكبَرُ النِّعَم نِعَم الدِّين، ثُم العقل، ثُم تَتلوها النِّعَم شيئًا فشيئًا بحَسب حاجتها والضرورة إليها. وأمَّا باليد يَعنِي: بالجَوارِح اليد أو الرِّجْل أو السَّمْع أو البصَر، فاستِعْمال هذه في طاعة الله، شُكْر الجوارِح أن تَستَعمِلها لطاعة الله، اللِّسان كذلك، شُكْر الله باللِّسان أن تَعتَرِف بلِسانك بأن ما بك من نِعْمة فمن الله، وأن تُحدِّث بنِعْمته عليك، لا فخرًا واختِيالًا، ولكن افتِقارًا إلى الله واعتِرافًا بفَضْله ، لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، ثُم تَستَعمِل هذا اللسانَ لطاعة المُنعِم. إِذَنْ: صار الشُّكْر حقيقةً هو الدِّين كله: القَلْب، واللِّسان، والجوارح، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ ثُم إن الشُّكْر يَتبَعَّض، قد يَشكُر الإنسان ربَّه على نِعْمة من النِّعَم دون نِعْمة أخرى، قد يُنعِم الله عليه بالمال فيَشكُر، ويُنفِق في سبيل الله، ويُنعِم الله عليه بالعِلْم فيَكتُم، وقد يُنعِم الله عليه بالعِلْم فيَنشُر العِلْم، وبالمال فيَبخَل، فالشُّكْر يَتَنوَّع كما أن الكُفْر يَتَنوَّع. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَةُ الأُولَى: كَمال قُدْرة الله بإيجاد اللَّيْل والنهار، فإن هذا من عَظيم قُدْرته جَلَّ وَعَلَا، هل يَستَطيع البشَر إذا طلَعَت الشَّمْس أن يَرُدُّوها فتَغرُب، وإذا غابت أن يُرجِعوها فتَرجِع؟ أبَدًا، ولِهَذا قال الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ فأَقوُل: الليل والنَّهار الذي جعَله الله

стр. 421

للعِباد لا يُمكِن لأحَد أن يُغيّرَه إطلاقًا. ثُم إذا نظَرنا أيضًا إلى هذا الليلِ والنَّهار وتُعاقِبه ووُلوجه بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيائا يَزيد الليل، وأحيانًا يَزيد النهار، مَن يَستَطيع أن يَفعَل ذلك إلَّا الله . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَعليل أحكام الله القَدَرية، كما هو ثابِت في الأحكام الشرعية يَعنِي: أن أحكام الله الكَوْنية لا يُمكِن أن تَكون إلَّا لحِكْمة، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ واللَّام قُلت لكم: إنها للتَّعليل. إِذَنْ جعَل الله ذلك لنَسكُن. ذكَرْنا أن أحكام الله الكونية مُعلَّلة كأحكامه الشرعية، لكن هل يَلزَم من تَعليلها أن نَعلَم بالعِلَّة؟ لا يَلزَم، إن فتَح الله علينا ما فتَحَ من ذلك فهذا خَيْر منه وفَضْل، وإن حُرِمنا ذلك بذُنوبنا فنحن المُخطِئُون، وما من شيء إلَّا وله حِكْمة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان مِنَّة الله بالليل والنهار؛ حيث جعَل الليل سكَنًا وجعَل النهار مُبصِرًا، يُؤخَذ من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لولا هذا ما سكَن الناس، ولهذا تَجِد الإنسان بطَبيعته إذا جاء الليل أَحَبَّ السُّكون، ولولا أنه في عَصْرنا هذا شاعَت الأنوار، وشاعَت الأضواء، وصار الليل كالنهار لوجَدْت لليل لذَّة عَظيمة، ونحن أَدْرَكنا ذلك، تَجِد لذَّة ومحَبَّة للسُّكون وسُكون قَلْب وسُكون بدَن وسُكون نَفْس، ثُم إذا طلَع الفجر وإذا هو كالرُّطَب يَأتِي بعدَ التَّمْر نَفرَح به، جاءَ النهار. الآنَ ما كأنَّ هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نَجِد اللَّذَّة التي كُنَّا نَعرِفها من قبلُ، ولعل منكم مَن أَدرَك ذلك، واخرُجوا إلى البادِية، وخُذوا لكم أُسبوعًا، ابعُدوا عن الأنوار تَجِدوا هذا، وهذا من فَضْل الله أن جعَل الليل للسكَن والنهار للعمَل. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إن الله ذو فَضْل على الناس، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ

стр. 422

لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ وفي آية أُخرى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، فكَيْف نَجمَع بين التَّعميم والتَّخصيص؟ الجَوابُ: أن نَقول: الفَضْل نَوْعان؛ عامٌّ وخاصٌّ، فالعامُّ لجميع الناس والخاصُّ للمُؤمِنين. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أكثَرَ عِباد الله لا يَشكُرون الله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذير من قِياس الأحكام الشرعية بأعمال العِباد؛ بمَعنَى: أننا إذا قُلْنا لشخص: هذا حَرام. قال: كل الناس يَفعَلونه. فيَجعَل المِعيار أعمال الناس، وهذا خطَأ كل الناس يَعمَلونه، ليسَتْ حُجَّة، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، الحُجَّة فيما قال الله ورسوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، سواءٌ كان الطائِفة الأخرى أكثَرَ من التي قبلَها أو العكس. إِذَنْ: لا يَجوز أن نَجعَل أعمال الله مِعيارًا للأَحْكام الشرعية. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وجوبُ شُكْر الله والإشارة إلى أن يَكون هذا الشُّكرُ من جِنْس الفَضْل، الشُّكْر يَكون من جِنْس الفضل، فشُكْر صاحِب المال أن يُنفِقَه في سبيل الله، وشُكْر العِلْم نَشْره وتعليمه للجاهِلين، وشُكْر مَن أَعطاه الله شجاعة وقوَّة بدَنية والجِهاد قائِم أن يُجاهِد في سبيل الله. إِذَنِ: الشُّكْر من جِنْس النِّعَم؛ لأنه قال: ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠].

стр. 423

الآيتان (٦٢، ٦٣) * قَالَ اللهُ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢ - ٦٣]. وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذه الجُمْلة نُريد أن نُعرِبها أوَّلًا (ذا) لا شَكَّ أنها مُبتَدَأ، واللَّام للبُعد، والكاف للخِطاب، والميم للجَمْع. ﴿اللهُ﴾ هل نَقول: إنها بَدَل، أو عَطْف بَيان من اسم إشارة، أو أنها خَبَر؟ الظاهِر أنها الأوَّل ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبَر المُبتَدَأ، و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خبَر آخَرُ؛ لأن الخبَر يَتَعدَّد؛ إذ إن الخبَر وَصْف للمُخبَر عنه، وإذا كان وَصْفًا له فالأَوْصاف يَجوز أن تَتَعدَّد، قال الله : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] خمسة أَخبار، فالخَبَر يَتَعدَّد؛ لأن الخبَر وَصْف للمُخبَر عنه، فإذا قلت: زَيْد قائِمٌ. مَعناه وَصْف القِيام، والأَوْصاف يَجوز أن تَتَعدَّد على مَوْصوف واحِد. إِذَنْ نَقول: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خبَر ثانٍ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يَشِذُّ عن هذه الجُملةِ شيء أبَدًا، كُلِّية عامة خالِق كل شيء من العَيان والأَوْصاف والأحوال، كل شيء فالله خالِقه من الأعيان والأَوْصاف والأَحْوال، العبد مَخلوق، أحوال العَبْد من مرَض وصِحَّة ومرَض وجُنون، وما أَشبَه ذلك مَخلوقة، أَفعاله

стр. 424

مَخلوقة، كل شيء فإنه مَخلوق لله لا يَشِذُّ عنه -عن هذه الجُملةِ- شيء أبَدًا حتى العَجْز والكَيْس، وهو من الأَوْصاف، العَجْز يَعنِي: أن الإنسان يَكون غير حازِم، والكَيْس أن يَكون حازِمًا. وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لمَّا بيَّن أنه خالِق كل شيء، وأنه لا خالِقَ معه بِناءً على هذه الجُملةِ الكُلِّية بيَّن أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: لا مَعبودَ حَقٌّ إلَّا الله كما أنه مُنفَرِد في الخَلْق، فيَجِب أن يُفرَد بالعِبادة. "إلهٌ" بمَعنَى: مَألوءهٍ، وفِعال تَأتِي بمَعنَى: مَفعول في اللُّغة العرَبية كثيرًا، ومنه غِراس بنِاء فِراش كِتاب لِباس، وَعُدَّ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. إذا قال قائِل: كيف تَصِحُّ هذه الجُمْلةُ مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١]، فأَثبَت آلِهَة دون الله؟ الجَوابُ: تَصِحُّ هذه العِبارةُ إذا عرَفنا الخبَر المُقدَّر، وهو: لا إلهَ حَقٌّ إلا الله، دليل هذا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] الاستِفْهام هنا للتَّعجُّب والإنكار. قال المفَسِّر ﵀: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تُصرَفون عن الإيمان مع قِيام البُرْهان]. ثُم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ هذا التَّكييف يَأتِي كثيرًا في القُرآن الكريم، وقد تقدم كيف نُعرِبه، وقُلنا: إن الكاف اسمٌ بمَعنى: مِثْل، وهو مَفعول مُطلَق

стр. 425

للعامِل بعدَه؛ أي: مِثْل ذلك الإِثْم يُؤفَك، والإِفْك بمَعنى: الصَّرْف، كذلك، أي: مثل ذلك الإِفْكِ -وهو الإشراك بالله وعدَم شُكْر النِّعَم- يُؤفَك. قال المفَسِّر ﵀: [أي: مِثْل إِفْك هَؤلاءِ إِفْك]. وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ إعرابها على أنها نائِب فاعِل ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: كانوا يَكفُرون بآيات الله. أي: يَكفُرون. والجَحْد هنا بمَعنى الكُفْر، بدليل أنه تَعدَّى بالباء، وقول المفَسِّر: [﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ مُعجِزاته] هذا لا شَكَّ أنه خطَأ، بل نَقول: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ دَلالاته التي تَدُلُّ على كَماله واستِحْقاقه للعُبودية، فهي آيات وليسَت مُعجِزاتٍ ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بالدَّلالات التي تَدُلُّ على كَماله وعلى استِحْقاقه للعُبودية وحدَه، وآيات الله نَوْعان: كونية وشرعية، فالمَخلوقات كلُّها كَوْنية آياتٌ تَدُلُّ على كَماله: وَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (١) فكل ما في الكَوْن فإنه شاهِد بكَمال الله وقُدْرته وعِزَّته وسُلطانه وغير ذلك. المُهِمُّ: أن جميع المخلوقات آياتٌ كَوْنية تَدُلُّ على خالِقها وحِكْمته ورحمته، وغير ذلك من كمال الصِّفات. وآيات شرعية وهي ما جاءَت به الرُّسُل من أحكام عادِلة، وأخبار صادِقة وقِصص نادِرة. هذه آيات شَرْعية التَّكليفات والأوامِر والنواهِي كلُّها عادِلة،
следующие страницы →