للعِباد لا يُمكِن لأحَد أن يُغيّرَه إطلاقًا. ثُم إذا نظَرنا أيضًا إلى هذا الليلِ والنَّهار وتُعاقِبه ووُلوجه بعضه ببعض فهو آية أخرى، أحيائا يَزيد الليل، وأحيانًا يَزيد النهار، مَن يَستَطيع أن يَفعَل ذلك إلَّا الله .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَعليل أحكام الله القَدَرية، كما هو ثابِت في الأحكام الشرعية يَعنِي: أن أحكام الله الكَوْنية لا يُمكِن أن تَكون إلَّا لحِكْمة، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ واللَّام قُلت لكم: إنها للتَّعليل. إِذَنْ جعَل الله ذلك لنَسكُن.
ذكَرْنا أن أحكام الله الكونية مُعلَّلة كأحكامه الشرعية، لكن هل يَلزَم من تَعليلها أن نَعلَم بالعِلَّة؟ لا يَلزَم، إن فتَح الله علينا ما فتَحَ من ذلك فهذا خَيْر منه وفَضْل، وإن حُرِمنا ذلك بذُنوبنا فنحن المُخطِئُون، وما من شيء إلَّا وله حِكْمة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان مِنَّة الله بالليل والنهار؛ حيث جعَل الليل سكَنًا وجعَل النهار مُبصِرًا، يُؤخَذ من قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ لولا هذا ما سكَن الناس، ولهذا تَجِد الإنسان بطَبيعته إذا جاء الليل أَحَبَّ السُّكون، ولولا أنه في عَصْرنا هذا شاعَت الأنوار، وشاعَت الأضواء، وصار الليل كالنهار لوجَدْت لليل لذَّة عَظيمة، ونحن أَدْرَكنا ذلك، تَجِد لذَّة ومحَبَّة للسُّكون وسُكون قَلْب وسُكون بدَن وسُكون نَفْس، ثُم إذا طلَع الفجر وإذا هو كالرُّطَب يَأتِي بعدَ التَّمْر نَفرَح به، جاءَ النهار.
الآنَ ما كأنَّ هناك ليلًا ولا نهارًا، ولذلك لا نَجِد اللَّذَّة التي كُنَّا نَعرِفها من قبلُ، ولعل منكم مَن أَدرَك ذلك، واخرُجوا إلى البادِية، وخُذوا لكم أُسبوعًا، ابعُدوا عن الأنوار تَجِدوا هذا، وهذا من فَضْل الله أن جعَل الليل للسكَن والنهار للعمَل.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إن الله ذو فَضْل على الناس، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ
стр. 422
لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ وفي آية أُخرى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، فكَيْف نَجمَع بين التَّعميم والتَّخصيص؟
الجَوابُ: أن نَقول: الفَضْل نَوْعان؛ عامٌّ وخاصٌّ، فالعامُّ لجميع الناس والخاصُّ للمُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أكثَرَ عِباد الله لا يَشكُرون الله؛ لقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذير من قِياس الأحكام الشرعية بأعمال العِباد؛ بمَعنَى: أننا إذا قُلْنا لشخص: هذا حَرام. قال: كل الناس يَفعَلونه. فيَجعَل المِعيار أعمال الناس، وهذا خطَأ كل الناس يَعمَلونه، ليسَتْ حُجَّة، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، الحُجَّة فيما قال الله ورسوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، سواءٌ كان الطائِفة الأخرى أكثَرَ من التي قبلَها أو العكس.
إِذَنْ: لا يَجوز أن نَجعَل أعمال الله مِعيارًا للأَحْكام الشرعية.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: وجوبُ شُكْر الله والإشارة إلى أن يَكون هذا الشُّكرُ من جِنْس الفَضْل، الشُّكْر يَكون من جِنْس الفضل، فشُكْر صاحِب المال أن يُنفِقَه في سبيل الله، وشُكْر العِلْم نَشْره وتعليمه للجاهِلين، وشُكْر مَن أَعطاه الله شجاعة وقوَّة بدَنية والجِهاد قائِم أن يُجاهِد في سبيل الله.
إِذَنِ: الشُّكْر من جِنْس النِّعَم؛ لأنه قال: ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠].
стр. 423
الآيتان (٦٢، ٦٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٢ - ٦٣].
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذه الجُمْلة نُريد أن نُعرِبها أوَّلًا (ذا) لا شَكَّ أنها مُبتَدَأ، واللَّام للبُعد، والكاف للخِطاب، والميم للجَمْع. ﴿اللهُ﴾ هل نَقول: إنها بَدَل، أو عَطْف بَيان من اسم إشارة، أو أنها خَبَر؟ الظاهِر أنها الأوَّل ﴿رَبُّكُمْ﴾ خبَر المُبتَدَأ، و ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خبَر آخَرُ؛ لأن الخبَر يَتَعدَّد؛ إذ إن الخبَر وَصْف للمُخبَر عنه، وإذا كان وَصْفًا له فالأَوْصاف يَجوز أن تَتَعدَّد، قال الله : ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٤ - ١٦] خمسة أَخبار، فالخَبَر يَتَعدَّد؛ لأن الخبَر وَصْف للمُخبَر عنه، فإذا قلت: زَيْد قائِمٌ. مَعناه وَصْف القِيام، والأَوْصاف يَجوز أن تَتَعدَّد على مَوْصوف واحِد.
إِذَنْ نَقول: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ خبَر ثانٍ ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ لا يَشِذُّ عن هذه الجُملةِ شيء أبَدًا، كُلِّية عامة خالِق كل شيء من العَيان والأَوْصاف والأحوال، كل شيء فالله خالِقه من الأعيان والأَوْصاف والأَحْوال، العبد مَخلوق، أحوال العَبْد من مرَض وصِحَّة ومرَض وجُنون، وما أَشبَه ذلك مَخلوقة، أَفعاله
стр. 424
مَخلوقة، كل شيء فإنه مَخلوق لله لا يَشِذُّ عنه -عن هذه الجُملةِ- شيء أبَدًا حتى العَجْز والكَيْس، وهو من الأَوْصاف، العَجْز يَعنِي: أن الإنسان يَكون غير حازِم، والكَيْس أن يَكون حازِمًا.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لمَّا بيَّن أنه خالِق كل شيء، وأنه لا خالِقَ معه بِناءً على هذه الجُملةِ الكُلِّية بيَّن أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؛ أي: لا مَعبودَ حَقٌّ إلَّا الله كما أنه مُنفَرِد في الخَلْق، فيَجِب أن يُفرَد بالعِبادة.
"إلهٌ" بمَعنَى: مَألوءهٍ، وفِعال تَأتِي بمَعنَى: مَفعول في اللُّغة العرَبية كثيرًا، ومنه غِراس بنِاء فِراش كِتاب لِباس، وَعُدَّ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
إذا قال قائِل: كيف تَصِحُّ هذه الجُمْلةُ مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، وقوله: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾ [هود: ١٠١]، فأَثبَت آلِهَة دون الله؟
الجَوابُ: تَصِحُّ هذه العِبارةُ إذا عرَفنا الخبَر المُقدَّر، وهو: لا إلهَ حَقٌّ إلا الله، دليل هذا ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢]، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢] الاستِفْهام هنا للتَّعجُّب والإنكار.
قال المفَسِّر ﵀: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تُصرَفون عن الإيمان مع قِيام البُرْهان].
ثُم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ﴾ هذا التَّكييف يَأتِي كثيرًا في القُرآن الكريم، وقد تقدم كيف نُعرِبه، وقُلنا: إن الكاف اسمٌ بمَعنى: مِثْل، وهو مَفعول مُطلَق
стр. 425
للعامِل بعدَه؛ أي: مِثْل ذلك الإِثْم يُؤفَك، والإِفْك بمَعنى: الصَّرْف، كذلك، أي: مثل ذلك الإِفْكِ -وهو الإشراك بالله وعدَم شُكْر النِّعَم- يُؤفَك.
قال المفَسِّر ﵀: [أي: مِثْل إِفْك هَؤلاءِ إِفْك].
وقوله: ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ إعرابها على أنها نائِب فاعِل ﴿الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أي: كانوا يَكفُرون بآيات الله. أي: يَكفُرون. والجَحْد هنا بمَعنى الكُفْر، بدليل أنه تَعدَّى بالباء، وقول المفَسِّر: [﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ مُعجِزاته] هذا لا شَكَّ أنه خطَأ، بل نَقول: ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ دَلالاته التي تَدُلُّ على كَماله واستِحْقاقه للعُبودية، فهي آيات وليسَت مُعجِزاتٍ ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾؛ أي: بالدَّلالات التي تَدُلُّ على كَماله وعلى استِحْقاقه للعُبودية وحدَه، وآيات الله نَوْعان: كونية وشرعية، فالمَخلوقات كلُّها كَوْنية آياتٌ تَدُلُّ على كَماله:
وَفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (١)
فكل ما في الكَوْن فإنه شاهِد بكَمال الله وقُدْرته وعِزَّته وسُلطانه وغير ذلك.
المُهِمُّ: أن جميع المخلوقات آياتٌ كَوْنية تَدُلُّ على خالِقها وحِكْمته ورحمته، وغير ذلك من كمال الصِّفات.
وآيات شرعية وهي ما جاءَت به الرُّسُل من أحكام عادِلة، وأخبار صادِقة وقِصص نادِرة. هذه آيات شَرْعية التَّكليفات والأوامِر والنواهِي كلُّها عادِلة،
стр. 426
الأَخْبار كلُّها صادِقة ليس فيها شيء كذِب، القِصَص كلُّها نافِعة ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [يوسف: ٣].
من فوائِد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات الرُّبوبية لله على كل شيء، أنه رَبُّ كل شيء؛ لقَوْله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإشارة إلى وُجوب طاعته وعِبادته؛ لقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ وإذا كان هو الربَّ فهو السَّيِّد، وإذا كان هو الربَّ فهو الذي له السُّلْطان، وإذا كان هو الربَّ فهو الذي له الحَقُّ أن يُعبَد، كل ما يُثبِت الرُّبوبية فهو دَليل على وُجوب الأُلوهية؛ ولهذا يُستَدَلُّ الله على المُشرِكين بكَوْنهم يُثبِتون الربوبية ويُنكِرون الأُلوهية، فكُلُّ مَن أَثبَت الرُّبوبية لزِمه أن يُثبِت الأُلوهية.
إذن: تَوْحيد الرُّبوبية مُستَلزِم لتَوْحيد الأُلوهية، وتَوْحيد الأُلوهية مُتضَمِّن لتَوْحيد الربوبية، إذ لا يُمكِن لأحَدٍ أن يَعبُد الله إلَّا وهو يَعلَم أنه ربٌّ أَهْل للعِبادة؛ ولهذا لو قال لك قائِل: هل التَّوْحيدان مُتَلازِمان؟ فقلْ أمَّا توحيد الرُّبوبية فمُستَلزِم لتَوْحيد الأُلوهية، وأمَّا تَوْحيد الأُلوهية فمُتضَمِّن لتَوْحيد الربوبية.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات خَلْق الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فلو قال قائِل: استَثْنى العَقْل نفسه فليس خالِقًا لها، فلا يَصِحُّ هذا القولُ؛ لأن نفسه لم تَدخُل أصلًا؛ لأن هناك فاعِلًا ومَفعولًا، والفاعِل لا يُمكِن أن يَدخُل في المَفعول حتى يُستَثْنى منه، فنحن نَقول: الرب لم يَدخُل في قوله: ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ أصلًا في هذه الآيةِ؛ لأن الخَلْق، أو إن شِئْت فقُلْ: لأن المخلوق
стр. 427
بائِنٌ من الخالِق، فلا يُمكِن أن يَدخُل الخالِق في المَخلوق حتى نَقول: استَثْنى العَقْل، والاستِثْناء إخراج الشيء من الشيء، وهنا لم يَدخُل أصلًا.
وفي هذه الآية: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هل نَقول: إلَّا ذاته بدليل العَقْل؟ نَقول: لا؛ لأن الأصل لم يَدخُل، فهو خالِق كل شيء، هو فاعِل وغيره مَفعول، فهو لم يَدخُل أصلًا حتى نَقول: أَخرَج ما يَستَثْنيه العقل في هذا البابِ، وقد استَدَلَّ الجهْمية والمُعتَزِلة بأن كلام الله مخَلوق لأن كَلام الله شيء، فيَكون داخِلًا في العُموم، ونَقول: إِذَنْ يَلزَمكم أن تَقولوا: إن الله مَخلوق؛ لأن الله شيء ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾.
إِذَنْ قولوا: إن الله مَخلوق أيضًا. فإن قالوا: لا يُمكِن أن نَقول؛ لأن الفاعِل غير المَفعول، قُلْنا: وصِفات الفاعِل كالفاعِل، الصِّفات يُحذَى بها حَذوَ الذات، فإذا كان الربُّ خالِقًا وغيرَ مَخلوق، فصِفاته أيضًا غيرُ مخَلوقة، فالقُرآن ليس بمَخلوق؛ لأنه كلام الله، وكلام الله من صِفاته، وصِفات الله كلها غير مخَلوقة.
فإن قال قائِل: إن الخَلْق ثابِت للعَبْد، قال الله ﵎: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فأَثبَت أن هُناك خالِقِين، وقال الرسول ﷺ في المُصوِّرين: "أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" (١) فأَثبَتَ أنهم خالِقون.
فالجَوابُ: أن الخَلْق الثابِت لله ليس كالخَلْق الذي أُثبِت للمَخلوق، خَلْق المخلوق للشيء تَحويله من حال إلى حال، وليس إيجادَه، فالنَّجَّار إذا صنَع
стр. 428
الخَشَبة بابًا هل يُقال: إنه خلَق الخَشَبة؟ حوَّلها من خشَبة إلى باب، ولم يَخلُقْها، حتى لو قُلنا: إن صُنْعه هذا خَلْق. فهو في الحقيقة بمَعنَى: تَغيير وتَحويل، وليس بمَعنى: الإيجاد.
وقد تَحدَّى الله الأصنام التي تُعبَد من دون الله والذي يُدَّعى أنها آلِهة قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بِناءُ تَوْحيد الأُلوهية على تَوْحيد الرُّبوبية، لقوله بعد: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: لا مَعبودَ إلَّا هو، أي: لا تَعبُدوا إلَّا إيَّاه، لقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإنكارُ والتَّعجُّب على أولئك الذين صُرِفوا عن الحَقِّ مع وُضوحه وبَيانه، لقوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن المُكذِّبين بآيات الله يَصدُر منهم ما يُقضَى به العَجَب؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر: ٦٣].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الذُّنوب تَحول بين الإنسان وبين رُؤْية الحَقِّ، لأن هؤلاءِ لمَّا جحَدوا بآيات الله صُرِفوا عنها وهذا واقِع، الذُّنوب تَحول بين الإنسان وبين رُؤْية الحَقِّ، قال الله : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣]، هل أَحَدٌ يُمكِن أن يَقول: هذا القُرآنُ العَظيم أساطيرُ الأوَّلين، يَقول الله : ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] من الأعمال السَّيِّئة، حتى رأَوْا هذا الحقَّ المُنير فجعَلوه أساطيرَ؛ ولهذا يَجِب أن نُعالِج أَنفُسنا إذا رأَيْنا أننا نَقرَأ القُرآن وكأنه حُروف تُتلى، نَرجو برَكَتها وثوابها، إذا لم تُؤثِّر على القَلْب
стр. 429
باللِّين والخُشوع، والرُّجوع إلى الله فإن ذلك دَليل على مرَض القَلْب، وربما نَقول: على موت القَلْب. نَسأَل الله العافيةَ، ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ نَسأَل الله أن يَجعَلنا وإيَّاكم من المُؤمِنين بآياته المُتَّبِعين لمَرْضاته.
стр. 430
الآية (٦٤)
* قَالِ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٤].
قال الله ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الجُمْلة ﴿اللهُ﴾ مُبتَدَأ، و ﴿الَّذِي﴾ خبَرُه يَعنِي: الله هو الذي ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ إلى آخِرِه ﴿جَعَلَ لَكُمُ﴾ هذه من أفعال التَّصْيير؛ أي: صيَّر لكم، و ﴿قَرَارًا﴾ بمَعنَى: ذات قَرار؛ أي: مُستَقَرٍّ و ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾؛ أي: فوقُ، وقد بيَّن الله تعالى في آية أخرى أنه سَقْف، فالله جعَل الأرض قَرارًا، أي: مُستَقرَّة.
وهل مَعنَى هذا القَرارِ أنها لا تَتحرَّك أو أنها لا تَميد بنا؟
يُقال: القُرآن يُفسِّر بعضُه بعضا فقد قال الله : ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا﴾ [النحل: ١٥]، فبيَّن أن المُراد بالقَرار أنها لا تمَيد بساكِينها؛ أي: لا تَضطَرِب، وليس المَعنَى أنها قارَّة لا تَتَحرَّك، كما سيَأتِي -إن شاءَ الله- في الفَوائِد.
وقوله : ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾؛ أي: سقفًا عالِيًا، والمُراد بالسَّماء هنا أي: السمَوات ذات الأجرام، وذلك؛ لأن السماء يُطلَق على مَعنيَيْن، المعنى الأوَّل العُلوُّ،
стр. 431
والمَعنَى الثاني السماء السَّقْف، والذي يُعيِّن أحد المَعنيَيْن هو السياق.
فقول الله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧] المُراد بالسَّماء هنا العُلوُّ، لأن المطَر ليس يَنزِل من ذات السَّماء السَّقْف، بل يَنزِل من العُلوِّ، ويَدُلُّ لذلِك قولُه : ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فالسَّماء هنا بمَعنى ذات السَّقْف، والمطَر يَنزِل من السَّحاب، فإذا كان مُسخَّرًا بين السماء والأرض اقتَضى ذلك ألَّا يَكون المطَر يَنزِل من السماء ذات السَّقف، ولكنه يَنزِل من السماء التي بمَعنى العُلوِّ، والذي معَنا هنا ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ المُراد به السَّماء ذات السَّقْف ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾؛ أي: جعَلَكم على صورة مُعيَّنة، والصورة هي الشَّكْل، فشَكْل الآدَميِّ هو أَحسَنُ شَكْل في المخلوقات، وأَحسَنُه وأَقوَمُه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، فلا صورةَ أحسَنُ من صورة الآدَميِّ، ولا شَكلَ أحسَنُ من شَكْله؛ ولهذا قال: ﴿فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ فبيَّن الله في هذه الآيةِ أربعةَ أشياءَ، الأرض التي هي محَلُّ السُّكنى، والسماء التي هي محَلُّ الظِّل، والتَّصوير الذي هو الهَيْكل الإنساني، والإمداد لهذا الهَيْكلِ وهو قوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾.
وقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ﴾؛ أي: أَعطاكم و ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ هنا ما طاب ولَذَّ، واعلَمْ أن الطيِّب تارةً يُراد به الحَلالُ، وتارةً يُراد به الحَسَن، وتارةً يُراد به اللذيذ، ويُعيِّن ذلك السِّياقُ، فقول الله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ المُراد بـ ﴿الطَّيِّبِ﴾ هنا الحسَن، والمُراد بـ ﴿الْخَبِيثَ﴾ الرَّديءُ، والمُراد بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ المُراد بها الحلال؛ لقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾؛ لأنه لو قِيل: المُرادُ اللَّذيذ لكان قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ لا مَعنَى له، ولا يُمكِن إقامة الشُّكْر إلَّا إذا تَناوَل الإنسان
стр. 432
الشيء الحَلال، والمُرادُ بقوله هنا: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ المُراد بها ما طاب ولَذَّ، وإنما قُلْنا بذلك؛ لأن رِزْق الله بالمَعنَى العامِّ يَشمَل الحلال والحَرام؛ ولهذا نَقول: إن الإنسان إذا اكتَسَب مالًا محُرَّمًا عن طريق الرِّبا مثَلًا فإنه مَرزوق لا شَكَّ، لكنه رِزْق فيه التَّبِعَة.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ اسم الإشارة مُبتَدَأ، وما بعدَه عَطْف بَيان أو نَعْت، و (رب) خبَر المُبتَدَأ يَعنِي: هذا الذي أَمَدَّكم بهذه الأشياءِ الأربَعِ هو الله لا أَحَدَ غيرُه، وقوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ يَعنِي: جل وعلا ربُّ عِباده الذي هو الخالِق المالِك المُدبِّر؛ لأن الربَّ يَجمَع ثلاثة أَوْصاف: الخَلْق، والمِلْك، والتَّدبير.
وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿فَتَبَارَكَ﴾ قيل: مَعناه:
تَعالى وتَعاظَم، وهذا المَعنَى قَريب، ولكن فيه أن (تَبارَك) أَخصُّ من ذلك، ومَعنَى (تَبارَك)؛ أي: أنه ذو البرَكة العظيمة الثابتة؛ ولهذا لا يُطلَق على غير الله بهذا المَعنَى أي: بمَعنى أنه ذو البَرَكة العَظيمة الثابِتة؛ لأن هذا الوَصفَ لا يَليق إلَّا بالله ، وأمَّا ما يَقوله بعض الناس -كما سيَأْتي إن شاءَ الله في الفَوائِد- فسنَتكلَّم عليه.
وقوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿رَبُّ﴾ هذه عَطْف بَيان أو صِفة للَفْظ الجلالة، والعالمَون كلُّ مَن سِوى الله، كل الخَلْق عالمَون، وسُمُّوا بذلك؛ لأنهم عالَم على خالِقهم، ففي كلِّ الخَلْق آية من آيات الله، كما قيل:
وِفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ... تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَاحِدُ (١)
والربوبية هنا الربوبية العامَّة؛ لأنه أَضافها إلى العالمَين، فهي عامَّة شامِلة.
стр. 433
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الله تعالى هو خالِق الأرض؛ لقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: نِعْمة الله علينا؛ لكون الأرض ذاتَ قَرار؛ أي: مُستَقِرَّة لا تَميد.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الأرض لا تَتحرَّك؛ لقوله: ﴿قَرَارًا﴾، هكذا قال بعضُ العُلَماء، ولكن إذا قارَنَّا هذه الآيةَ بقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥] تَبيَّن أن الاستِدْلال بهذه الآيةِ على أن الأرض لا تَتَحرَّك فيه نظَر فيُقال: إِذَنْ من فَوائِد هذه الآيةِ أن نِعْمة الله علينا بكَوْن الأرض لا تَميد بنا ولا تَضطَرِب بنا.
ومن ثَمَّ نَعرِف الحُكْم على اختِلاف الناس اليوم ما بين مُؤيِّد ومُفنِّد، هل الأرض تَتحرَّك أو لا تَتحرَّك، فمن المَعروف عند عُلَماء الفَلَك أنها تَتحرَّك، وهذا عِندهم بمَنزِلة الأمور البَدَهيات اليَقينِيَّات التي لا تَقبَل الجدَل، يَقولون: إن الأرض تَتَحرَّك وتَدور بذاتها دَوَرانًا يَختَلِف به الليل والنهار، وتَدور دَوَرانًا محِوَريًّا، به تَختَلِف الفُصول، وليس عندهم في ذلك شَكٌّ، ولا يُجادِلون في هذا، ومن العُلَماء مَن قال: لا، إنها لا تَدور، بل هي ساكِنة قارَّة، وإن اختِلاف الليل والنهار إنما يَكون بسبب دوران الشَّمْس على الأرض لا بسبَب دَوَران الأرض.
والذي يَظهَر لي أن القُرآن الكريم ليس فيه شيءٌ صَريح بأنها تَدور أو لا تَدور، وهو إلى كونها تَدور أقرَبُ من كونها لا تَدور؛ لأن نفَي الأخصَّ في قوله: ﴿أَنْ
стр. 434
تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يَقتَضي وجود الأعَمِّ، كما قُلنا في قوله : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: إن هذه الآيةَ تَدُلُّ على ثُبوت رُؤية الله ؛ لأن نَفيَ الإدراك يَدُلُّ على ثُبوت أصل الرؤية، نَفي المَيَدان يَدُلُّ على وجود أصل الحرَكة.
لكن الأمر خَطير فيما أَرَى، هل الشمس هي التي تَدور على الأرض عند الطُّلوع والغُروب أو لا؟ نحن نَعتَقِد أنها هي التي تَدور، ولا مانِعَ من أن يَكون هُناك دَوَران للأرض ودَوَران للشمس؛ لأن ظواهِر الكِتاب والسُّنَّة كلها تَدُلُّ على أن الشمس هي التي تَطلُع وتَغرُب وتَميل وتَزول وتَزيغ، وما أَشبَهَ ذلك، فقد قال الله : ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٧] فهذه أربعة أَفْعال كلُّها أُضيفَت إلى الشمس، والأصل أن ما أُضيف إلى الشيء فهو فِعْله، وقال الله ﵎ في سورة (ص): ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقال تعالى في سورة الكَهْف: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٨٦]. وقال النبيُّ ﷺ لأبي ذَرٍّ حين غرَبت الشمس قال: "أَتَدْرِي أَيْنَ ذَهَبَتْ؟ " قال: الله ورسوله أعلَمُ (١).
فكُلُّ هذه الأفعالِ مُضافة إلى الشمس نَفْسها، فكيف نَعدِل عن ظاهِر هذا اللَّفْظ إلى مَعنًى آخَرَ بدون أَمْر قَطعيٍّ يَكون لنا حُجَّة عند الله أن نُخالِف ظاهِر كلامه.
لكن مَن تَبيَّن له الأمر تَبيُّنًا واضِحًا ورأَى أنه أَمْر قَطعيٌّ يَقينيٌّ بدَهيٌّ كما يَقولون؛ فإنه يُمكِن أن تُؤوَّل الآيات بأن نِسبة الطلوع إلى الشمس والغُروب
стр. 435
والذَّهاب باعتِبار رَأْي العَيْن، لا باعتِبار الواقِع، لكنِّي إلى الآنَ لم يَتبَيَّن لي أن اختِلاف الليل والنهار يَكون بدوَران الأرض، بل هو يَكون بدوَران الشَّمْس، والله على كل شيء قَديرٌ.
فإن قال قائِل: ما الجَمْع بين قول النبيِّ ﷺ : "بِأَنَّ الشَّمْسَ تَسْجُدُ كُلَّ غُرُوبٍ عِنْدَ الْعَرْشِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَسْتَأْذِنُ رَبَّهَا فِي أَنْ تُشْرِقَ فَيَأْذَنَ لهَا" (١)، ومِمَّا قرَّره العِلْم الحديث أن الشمس لا يُمكِن أن تَغرُب أبَدًا، فهي كل لحظة إمَّا أن تُشرِق على ناس، أو تَغرُب على آخَرين، وأن في شَمال الكُرَة الأرضية الشمس سِتة أَشهُر كامِلة لا تَغرُب، وسِتة أَشهُر كامِلة غير مَوْجودة.
فالجَوابُ: نحن ذكَرْنا قاعِدة، أن الأمور الغَيْبية التي لا يُدرِكها الحِسُّ تَبقَى على ظاهِرها، ولا يُقال: كيف نَجمَع؛ لأن هذا أمر لا نُدرِكه حتى نَجمَع، فنَقول كما قال الرسول ﷺ : "أَنّهَا إِذَا غَرَبَتْ تَسْجُدُ"، ولم يَقُل الرسول كلَّما غرَبَت في أي مَكان، قد يَكون سُجودها إذا غرَبَت عن هذا الوجهِ -وجهِ الأَرْض- الذي فيه الحِرمان، بخِلاف ما إذا غابت على وَجْهٍ آخَرَ، لا نَدرِي، فنحن نَقول كما قال الرسول ﷺ ، ونُقيِّد الزمَن بما قيَّده الرسول، يَعنِي: إذا غابَت عن المَدينة حصَل هذا، وهذا أَمْر مُمكِن محُتَمَل؛ لأن أَفضَلَ وجه الأرض هو هذا الوَجهُ الذي فيه المَسجِد الحرام، والمَسجِد النبويُّ، والمَسجِد الأقصى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن السماء مَبنيّة؛ لقوله : ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وهو كذلك قال الله : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ
стр. 436
بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] إِذَنْ فهِي أَجرامٌ، ولا شكَّ في هذا، وهي أجرام مَحفوظة لا يُمكِن الوُلوج إليها إلَّا بعد إِذْن، وَيدُلُّ لهذا أن أَفضَل الرُّسُل البشَرية محُمَّدًا ﷺ ، وأَفضَلَ الرُّسُل الملَكية جِبريلَ؛ كِلاهُما لم يَدخُل السماء الدنيا وما بعدَها إلَّا بعد استِئْذان، مِمَّا يَدُلُّ على كَمال حِفْظها.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: مِنَّة الله تعالى علينا نحن البَشَر أن صوَّرنا هذا التَّصويرَ البَديع الذي هو أحسَن الصُّوَر فقال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحريم التصوير، نَقول: إن مَن صوَّر فقد نازَع الله تعالى فيما هو من اختِصاصه وهو الخَلْق، ولهذا جاء في الحديثِ: "يُقَالُ لِلْمُصَوِّرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ" (١) وهذا هو الصحيح أن التَّصوير حرام، بل هو من كَبائِر الذُّنوب؛ لأن النبيَّ ﷺ لعَنَ فاعِله (٢).
ولكن هنا ثلاثة أُمور:
الأمر الأول: الصُّورة التِّمثالية بمَعنى أن يَخلُق الإنسان من الطين، أو الخشَب، أو الحديد شيئًا على شَكْل صورة، هذه لا شَكَّ في تَحريمها، ولهذا قال في حديث عليِّ بنِ أبي طالب الذي رواه مُسلِم أنه قال: لأبي الهياجِ: "أَلَا أَبعَثُكَ على ما بعَثَني عليه رسول الله ﷺ ؟ أن لا تَدَع قَبْرًا مُشرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ، ولا تِمْثالًا إلَّا طَمَسْتَه" (٣)
стр. 437
ولا أَعلَمُ نِزاعًا بين العلماء في تحريم ذلك.
الثاني: ما كان بالرقْم -أي: التصوير بالرقْم- بمَعنى أن الإنسان يُصوِّر بيَدِه صُورة، فهذه اختَلَف فيها السلَف والخلَف، فمِنهم مَن قال: إنها لا تَحرُم؛ لقوله في الحديث الصحيح الذي رواه البُخاريُّ: "إِلَّا رَقْمًا فِي ثَوْبٍ" (١) وهذا رقْم في ثوب، فلا يَحرُم؛ ولأن هذا ليس شَيْئًا مجُسَّمًا حتى يُطابِق ما خلَق الله ، إنَّما هو شَكْل فقَطْ، والصورة التي صوَّرها الله هي جِسْم مَحسوس مَلموس يُشاهَد بالعين، وأمَّا هذا فهو مجُرَّد تَلوين، فلا يَدخُل في الحديث، ولكن الجُمهور على أنه داخِل في الحديث، بدليل حَديث النُّمرُقة حديث عائِشةَ ﵂: أن الرسول ﷺ جاءَ إلى بَيْتِه فلم يَدخُل من أَجْل صورة كانت في نُمرَقة جعَلَتها للنبيِّ ﷺ (٢).
وهذا هو الصَّحيح أن التَّصوير برَسْم اليد حرام، وداخِل في اللَّعْن، ولا يَحِلُّ لأحَد أن يَقوم به.
الثالث: ما كان تَصويرًا بالالتِقاط، وليس باليد، وذلك ما يُعرَف بالتصوير الفُوتوغرافيِّ الذي ليس للإنسان فيه أي عمَل، بل هو شيء يَتمثَّل أمام هذا الضوءِ المُعيَّن فيَنطَبع، وليس للإنسان فيه أيُّ عمَل سِوى تحريك الآلة التي تَقوم بالْتِقاط هذه الصُّورةِ، فهذا مُختَلَف فيه اختِلافًا كبيرًا بين المُتأخِّرين؛ لأنه لم يَظهَر إلَّا أخيرًا، فاختَلَفوا فيه، والذي يَتبيَّن لي أنه لا يَدخُل في التصوير؛ لأن هذا لم يَخلُق بيَده كما
стр. 438
خلَق الله لم يُشكِّل العَيْن، ولا الأَنْف، ولا الَفمَ، ولا الشَّفَة، ولا أي شيء، غاية ما هنالك أن هذا الضوءَ انعكَس على هذه الصورةِ، فانطَبَعت فهو بمَنزِلة ما لو شاهَدْت المِرآة فرأَيْت صورتَك فيها، إلَّا أن الفَرْق أن هذا يَثبُت، وما في المِرآة يَزول بزوالِكَ، ولهذا نُسمِّي صورة الناظِر في المِرآة نُسمِّيها صورة، وهي بالاتِّفاق لا تَدخُل في التصوير المَنهيِّ عنه، لكن يَبقَى النَّظَر لماذا صوَّر هذه الصورةَ؟
إِذَنِ الآنَ: تَقرَّر عندي هذا التَّصويرُ مُباح.
لكن لماذا صوَّر؟ نَقول: نُجرِي على هذا ما نُجرِيه على سائِر المُباحات، وهو أنه إذا كان لغرَض مَقصود فهو مُباح، وإذا كان لغرَض محُرَّم فهو حرام، فلو أن إنسانًا صوَّر صورة امرَأة أَجنَبِيَّة من أَجْل أن يَتلَذَّذ برؤيتها كلَّما سنَحَت له الفُرصة؛ لقُلنا: هذا حرام لا شَكَّ. ولو أَراد أن يُصوِّر صورة عَظيم ليُعلِّقها في بيته؛ قلنا: هذا حرام. ولو أَراد أن يُصوِّر صورة أبيه أو أخيه أو عمِّه أو صديقه من أَجْل أن يَتَسلَّى به عند المَصائِب؛ قلنا: هذا حرام. فيَكون هذا المُباحُ حُكْمُه حُكْم الغرَض الذي من أَجْله صُوِّر، هذا ما يَظهَر لي حول هذه المَسأَلةِ، والناس فيها بين مُتهاوِن وبين مُتَشدِّد، والذي يَظهَر -والله أَعلَمُ- هو هذا.
فإن قال قائِل: أحيانًا لا يَتمكَّن الخاطِب من رُؤْية مَخطوبته، وفي الغالِب صورة لها فهل تقوم مقام النظر؟
فالجَوابُ: من السُّنَّة أن يَنظُر الخاطِب إلى مخَطوبته بالشُّروط المَرعيَّة المَعروفة عند العُلَماء، والصورة لا تَقوم مَقام النظَر، ولا فائِدةَ منها؛ أوَّلًا لأنك كثيرًا ما ترَى صورة شخص ما في مجَلَّة أو صَحيفة، ثُم إذا رأَيْت الرجُل نفسه وجَدْته يَختلِف، وهذا شيء مجُرَّب ومُشاهَد، هذه واحِدة.
стр. 439
الشيء الثاني: ربما تَكون هذه المَرأةُ عند التِقاط الصُّورة لها على أحسَن تَجميل بمكياج وكُحْل، وما أَشبَه ذلك، فتُصوَّر على هذا الوجهِ وتُعطَى الخاطِب، فإذا نظَرها على الطبيعة -كما يَقولون- وجَد خِلاف ذلك، وجَد أن لا عينَ ولا وجهَ، وحينَئِذٍ يَحصُل البَلاء، فالذي نرى أنه يَحرُم أن يَتَبادَل الخَطيبان الصوَر، ثُم إن هذه الصورةَ قد تَبقَى عند الخاطِب أو عند المخطوبة أيضًا، ولو بعد إطلاق الخِطبة، يَتمتَّع بالنظَر إليها متى شاء، وهي أيضًا تَتَمتَّع بالنظَر إليه متى شاءَتْ.
مسألة: بالنسبة لحَبْس الضوء في الكاميرا، هناك عمَلية تُسمَّى بالرتوش، وهذه العمَلية يَدخُل فيها المُصوِّر بقلَم رَصاص يُغيِّر في الصورة إذا أَراد؛ فما حكمها؟
فالجَوابُ: الظاهِر أن هذه تَدخُل في التَّحريم؛ لأن له عمَلًا في شَكْل الصورة.
فإن قال قائِل: بعض صِغار السِّنِّ يَعنِي: غير المُكلَّفين يَرسُمون رُسوماتٍ للناس، هل لنا أن نُحرِّم هذا عليهم كما يَحرُم على الكِبار، على القاعِدة المُطَّرِدة؟
فالجوابُ: أي نعَمْ، فما يَحرُم على الكِبار يَحرُم على الصِّغار، لكن الصغير لا يُؤاخَذ عليه، وإنما يُؤاخَذ عليه وليُّه؛ حيث لم يَمنَعه منه، ثُم هناك أشياءُ يُمكِن أن يَتَسلَّى بها الإنسان غير صوَر الحيوان: شجَر، جِبال، نُجوم، شمس، أنهار، بِناء، مُمكِن، لكن الشَّيْطان زَيَّن للناس سوء العمَل، أمَرَهم أن يَصنَعوا هذا الشيءَ المُشتَبِه، أو الذي هو محُرَّم بالاشتِباه، وَيعدِلوا عن شيء مُباح.
الآنَ في بعض المَصنوعات ما هو جميل، والإنسان يَتَمتَّع بالنظَر إليه وهو مَصنوع: سيَّارة، قلَم، ساعة، وغير ذلك، فلماذا نَعدِل إلى الشيء الذي فيه اشتِباهٌ، أو إلى شَيءٍ محُرَّم لا اشتِباهَ فيه عن شيء مُباح؟ !
стр. 440
تنبيه: نحن نَتكلَّم عن التصوير من حيثُ هو تَصويرٌ، لا عن المُصوِّر، المُصوِّر هو ونِيَّته، إذا كانت نِيَّته سَيِّئة فهو حرام وإذا كانت غير سَيِّئة فهو حلال.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: مِنَّة الله علَيْنا برِزْقه إيَّانا من الطَّيِّبات؛ لقوله: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ ذكَرْنا أن المُراد بـ ﴿الطَّيِّبَاتِ﴾ هنا اللَّذائِذ؛ ليَشمَل الرِّزْق العامَّ والخاصَّ، وليُعلَم أن الرِّزق يَنقَسِم إلى قِسْمين: رِزْق عامٍّ، ورِزْق خاصٍّ. فالعامُّ كل ما يَنتَفِع به الإنسان فهو رِزْق، كما قال السَّفَّارينيُّ ﵀:
والرِّزْق ما يَنفَع من حَلال ... أَوْ ضِده. . . (١)
وهو الحَرام، هذا رِزْق عامٌّ يَستَوي فيه المُؤمِن والكافِر، والبَرُّ والفاجِر، والمُكتَسَب عن طريق حلال والمُكتَسَب عن طريق الحَرام، كل هذا رِزْق، وعلى هذا فالمَسروق بالنِّسبة للسارِق رِزْق، لكنه رِزْق، وإن تَمتَّع به في الدنيا فسيَكون عليه وَبالًا في الآخِرة.
أمَّا النوع الثاني من الرِّزْق فهو الرِّزْق الطَّيِّب الحَلال، وهذا هو الرِّزْق الخاصُّ، وهو الطَّيِّب الحلال، وهو خاصٌّ بالمُؤمِن، وعلى هذا فالكافِر ليس له رِزْق خاصٌّ إطلاقًا حتى لو اكتَسَبه عن طريق الحلال، فليس رِزْقًا خاصًّا، بل هو داخِل في العُموم؛ لقول الله ﵎: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ولغير الَّذين آمَنوا ليسَتْ لهم؛ ولهذا نَقول: الكافِرُ يُحاسَب على كل لُقْمة وكل شَرْبة، كل لُقْمة أَكَلها وكل شَرْبة شَرِبها يُحاسَب عليه يوم القِيامة، بل إن مِن الخطَر أن يُحاسَب
стр. 441
المُؤمِن على الطَّيِّبات إلَّا بالشُّروط التي ذكَرَ الله ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، شُروط ثَقيلة بِحِلِّ الرِّزْق، مع أنه طَيِّبٌ، نَسأَل الله أن يُعينَنا على تَحقيق هذه الشُّروطِ.
إِذَنِ: الكافِرُ لا يُمكِن أن يَكون في حَقِّه رِزْق خاصٌّ، كل الرِّزْق وإن كان طيِّبًا فهو عامٌّ بالنِّسبة له؛ لأنه يُحاسَب عليه، أمَّا المُؤمِن فيَنقَسِم الرِّزْق في حَقِّه إلى خاصٍّ وعامٍّ، فما أَثِمَ به فهو من العامِّ، وما لم يَأثَم به فهو من الخاصِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: بَيان أن رُبوبية الله مَبنيَّة على الرحمة؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾؛ أي: الذي أَعطاكُم هذه الأشياءَ الأَرْبعة ﴿اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ فرُبوبية الله مَبنيَّة على الرحمة، وَيدُلُّ على ذلك قولُه في سورة الفاتِحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣]، فرُبوبية الله مَبنيَّة على الرحمة والرَّأْفة.
فإن قال قائِلٌ: يَنتَقِض عليكم هذا بما يَحصُل في الحياة الدنيا من المُنغِّصات التي تُؤذِي الإنسان، وربَّما تَضُرُّه؟ !
قلنا: هذه بالنِّسْبة للمُؤمِن رَحمة؛ لأنها مُكفِّرة للذُّنوب، لَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ شَيْءٌ مِنْ هَمٍّ أَوْ غَمٍّ أَوْ أَذًى إِلَّا كَفَّرَ الله بِهِ عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِذَنْ هي رحمة؛ لأنها تُكفِّر السَّيِّئات، ومع احتِساب الأَجْر مع الله تَكون حسَنات؛ لأن تَرقُّب ثواب الله، واحتِساب الأَجْر على الله عمَل صالِح يُثاب عليه المَرْء، وهذا الأذى، أو هذا الضرَرُ الذي يَنال العَبد عرَض يَزول، ولهذا لو رجَعْت إلى الوَراء في تَفكيرك لوَجَدْت أنه مَرَّ بك أشياءُ كَثيرة من الأَذى، وأَشياءُ كثيرة من الضرَر، فزالَت وكأنها لم تَكُن.
стр. 442
إِذَنِ: الثَّواب الذي حصَل وتَكفير السَّيِّئات الذي حصَل هو خَيْر من هذه الأَذايا وهذه الأَضرارِ، فتكون بذلك رَحْمة، فلا تَخرُج عن نِطاق الرَّحمة والرُّبوبية.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بيان عظَمة الله في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقدِ استَنْبط بعض العُلَماء من هذا أن اسمَ الله تُنال به البرَكة واستَشهَد لذلك بقوله: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ بِبِاسْمِ الله فَهُوَ أَبْتَرُ" (١) وهذا ليس ببَعيد، وإن كان فيه شَيءٌ من الرَّكاكة.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عُموم رُبوبية الله ؛ لقوله: ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
ويَتَفرَّع على ذلك: أنه يَجِب أن يَقوَى اعتِماد الإنسان على الله في جَلْب المَنافِع، ودَفْع المَضارِّ؛ لأنه إذا كان ربَّ العالمَين ، فهو مُسيطِر على كل العالمَين، وله السُّلْطان على كل العالمَين.
ويَتَفرَّع على ذلك أيضًا مَسأَلة أُخرى، وهي: اللُّجوء إلى الله عند حُصول المُضايَقات من بني آدَمَ أو غير بني آدَمَ؛ لأنه سبحانه رب العالمَين بيَدِه الأَمْر، فهو القادِر على أن يَعصم الإنسان من الأسَد الضارِي المُهاجِم، وإن كان الإنسان لا يَستَطيع بمُجرَّد قُدْرته، لكن الله تعالى قد يَصرِفه عنه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات رُبوبية العامة؛ لقوله : ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وهناك رُبوبية خاصَّة، ورُبوبية أخصُّ، وقدِ اجتَمَع النوعان في قوله تعالى عن سحَرة آل فِرعونَ: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢].
стр. 443
إِذَنْ: رُبوبية الله العامَّة شامِلة للمُؤمِن والكافِر، والبَرِّ والفاجِر، الرُّبوبية الخاصَّة للمُؤمِنين، الرُّبوبية التي هي أخصُّ للرُّسُل وللأَنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ ولهذا نَعرِف أن من صِفات الله ما يَكون عامًّا، وخاصًّا، وأخصَّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن كل المَخلوقات آيَة على الله؛ لقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وقد قُلْنا: إنهم سُمُّوا بذلك لأنهم علَمٌ على خالِقهم جَلَّ وَعَلَا، والله أَعلَمُ.
стр. 444
الآية (٦٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٥].
قال الله ﵎: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ جملة خبَرية تُفيد الحَصْر وهذا الحَصرُ حَصر إضافيٌّ؛ لأن المُرادَ بـ ﴿الْحَيُّ﴾ هنا الحيُّ حياةً كامِلةً، أمَّا مُطلَق الحياة فيَكون فيه وفي غيره؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] أمَّا الحَياة الكامِلة فهي لله .
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (لا) نافية للجِنْس، و (لا) النافِية للجِنْس نصٌّ في العُموم، و ﴿إِلَهَ﴾ بمَعنى: مَأْلوهٍ؛ لأن فِعالًا يَأتِي بمَعنَى: مَفعول في اللُّغة العرَبية، وله شَواهِدُ كثيرة: مثل: غِراس، وبِناء، وفِراش، وما أَشبَهها.
إِذَنْ: ﴿إِلَهَ﴾ بمَعنَى: مَألوِهٍ، والمَأْلوه مَعناه: الذي تَألَهُه القُلوب مَحبَّةً وتَعظيمًا؛ أي: تَهواه وتمَيل إليه؛ مَحبَّة له وتعظيمًا لَه، فبالمَحبَّة يَكون فِعْل المأمور، وبالتَّعْظيم يَكون تَرْك المَحظور.
وقوله : ﴿إِلَّا هُوَ﴾ (إلَّا) أداة حَصْر، والحَصْر إثبات الحُكْم في المحصور فيه، ونَفيُه عمَّا سِواه، وإذا كان الأمر كذلك بَقِيَ فيه إشكال؛ أنك إذا قلتَ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقلت: إن ذلك للحَصْر، ورَدَ على قَلْبِك، أو أُورِد عليه أن هُناك آلهةً
стр. 445
دون الله بنَصِّ القُرآن، كما قال تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [هود: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨].
والجوابُ عن ذلك أن يُقال: إن خبَرَ (لا) مَحذوف، وتَقديرُه (حَقٌّ)، أي: لا إلهَ حقٌّ إلَّا الله، وإذا كان هذا هو التَّقديرَ لم يَرِد الإشكال الذي ذكَرْنا؛ لأن الآلِهة التي سِوى الله كلُّها باطِلة، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
وما قرَّرْناه هنا في هذه الكلِمةِ -كلِمة الإخلاص- هو الذي تَطمَئِنُّ إليه النَّفْس، وإلَّا قد اختَلَف فيه العُلَماء -عُلَماء العرَبية، وعُلَماء التوحيد- على أقوال مُتعدِّدة تَبلُغ نحو سِتَّة أقوال، ومِمَّا ذُكِر أن الخبر مَحذوف تَقديره مَوجودٌ، لا إلهَ مَوجودٌ، وهذا لا شَكَّ أنه باطِل؛ لأنك إذا قلتَ: لا إلهَ مَوْجودٌ إلَّا الله. لزِمَ من ذلك أن تَكون الآلِهة التي تُعبَد من دون الله هي الله، وأن تَكون عِبادتها حَقًّا، وأُلوهيَّتها حقًّا.
إِذَنِ: المُتعيِّن ما دَلَّ عليه القُرآن أن الخبَر مَحذوف تقديرُه (حَقٌّ)؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾.
قال : ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ٦٥].
قال المفَسِّر ﵀: [﴿فَادْعُوهُ﴾ اعبُدُوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾]، وهذا التَّفسيرُ يُعتبر قاصِرًا؛ لأن المُراد بالدُّعاء هنا دُعاء العِبادة ودُعاء المَسأَلة، فالذي يُدعَى دُعاءَ مَسأَلة هو الله، والذي يُدعَى دُعاءَ عِبادة هو الله.
كأن المفَسِّر ﵀ اقتَصَر على العِبادة، لقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ لأن
стр. 446
الدِّين هو العمَل، ولكن يُقال: إن الدُّعاء من العمَل، ولا بُدَّ فيه من إخلاص، فالصواب أن قوله: ﴿فَادْعُوهُ﴾؛ أي: اعبُدوه واسأَلوه، فهو دُعاء عِبادة ودُعاء مَسأَلة.
إذا قال قائِل: دُعاء المَسأَلة واضِح أنه دُعاء، تَقول مثلًا: يا ربِّ اغفِرْ لي، يا
ربِّ يَسِّرْ أَمري وإخواني المُسلِمين؛ لكن كيف كانت العِبادة دُعاء؟ .
فالجَوابُ: العابِد يَدعو الله بلِسان الحال؛ لأنَّك لو سأَلته لماذا عبَدْتَ الله لقال: أَرجو ثَوابه، وأَخشَى عِقابه. إِذَنْ فهو داعٍ بلِسان الحال، ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ اسم فاعِل، وفِعْله: أَخلَص، ومَعنَى أَخلَص، أي: نَقَّى الشيء من غيره، أَخلَصه يَعنِي: جعَله خالِصًا لا شائِبةَ فيه، إِذَنْ فمَعنَى مخُلِصين؛ أي: مُنقِّين العِبادة والدعوة له وحدَه.
فإن قال قائِل: التَّفريق بين دُعاء المَسأَلة ودعاء العِبادة، أليس جميع الدُّعاء يُعتبر من العِبادة؟
فالجَوابُ: بلى، لكن فَرْق بين أن أَقوم أُصلِّي، أو أَقول: يا ربِّ اغفِرْ لي، الثاني سُؤال صريح.
والعِبادة سُمِّيت دُعاءً؛ لأن العابِد يُريد الثواب والنَّجاة من العِقاب، فهو داعٍ بلِسان الحال. أمَّا الدُّعاء الصريح فهو بلِسان المَقال: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي وارحَمْني، وما أَشبَهَ ذلك.
والكل يُطلَق على العِبادة، لكن هذا عِبادة، والدُّعاء عِبادة؛ لأنك تَتعبَّد لله، وتَتذلَّل له بالسُّؤال، والعِبادة مَعروفة، وكلُّها أيضًا يُسمَّى مَسأَلة؛ لأن العابِد سائِل.
стр. 447
قوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾، الدِّين يُطلَق في القُرآن الكريم على مَعنيَيْن: المَعنَى الأوَّل العمَل، والمعنى الثاني الجزاء، فمن الأوَّل قوله : ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]؛ لأن يوم القِيامة لا عمَلَ فيه، فيَوْم الدِّين يَعنِي: يوم الجزاء، والمُراد به هنا ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ العمَل ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أي: مخُلِصين له عمَلَكم، وهو الدُّعاء.
وقول المفَسِّر ﵀: [من الشِّرْك] مُتعلِّق بـ ﴿مُخْلِصِينَ﴾؛ أي: مُنقِّين له من الشِّرْك؛ بحيث لا يَكون في عمَلكم إشراك.
وقوله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه جُملة تَتَضمَّن الثناء على الله بعُموم رُبوبيته، والحمد مَصدَر حمِد يَحمَد حَمْدًا، وهو -أَعنِي: الحمدَ- وَصْف المَحمود بالكَمال على وجه المَحبَّة والتَّعظيم.
فقولنا: "وَصْف المَحمود بالكَمال" خرَج به القَدْح؛ لأن القَدْح وَصْف المَوْصوف بالنَّقْص.
وقولنا: "على وجهِ المَحبَّة والتَّعْظيم خرَج به المَدْح"؛ لأن المَدْح المُجرَّد قد لا يَكون للمَحبَّة ولا للتَّعْظيم، قد يَكون للخَوْف، فربَّما يَمدَح الرجُل سُلطانًا جائِرًا لا لمَحبَّته ولا لتَعظيمه، ولكن للخَوْف منه، أمَّا الحمد فلا يَصدُر إلَّا عن مَحبَّةٍ وتَعظيم.
وقوله ﷺ : "لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ المَدْحُ مِنَ الله" (١) المُراد بالمَدْح هنا الحمْد.
стр. 448
وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ اللَّام هنا للاختِصاص والاستِحْقاق، للاختِصاص لأن الحمد المُطلَق لا يَصِحُّ إلَّا لله وحدَه، والاستِحْقاق لأن المُستَحِقَّ للحمد حَقيقة هو الله ، المخلوق وإن استَحَقَّ الحمد لكنه ليس استِحْقاقًا حَقيقيًّا؛ لأن كلَّ شيء يَأتيك من المَخلوق، أو كلَّ كَمال في المخلوق فمِن الله، فأنا أَحمَد المَخلوق عندما يُحسِن إليَّ، أو عندما أَرَى فيه صِفاتِ كَمال أَحمَدُه، لا لأنه هو المُستَقِلُّ بذلك ولكن لأنه السبَب.
إِذَنِ: اللَّام هنا ﴿لِلَّهِ﴾ للاستِحْقاق والاختِصاص.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرَّبُّ هو الخالِق المالِك المُدبِّر، يَعنِي: كلِمة (رب) المُضافة إلى الله أو التي وُصِف بها الله تَتَضمَّن ثلاثة مَعانٍ: الخَلْق، والمُلْك، والتَّدْبير، فالله هو الخالِق لكل شيء، وهو المالِك لكل شيء، وهو المُدبِّر لكل شيء، حتى المُشرِكون يُقِرُّون بهذا ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ﴾ [يونس: ٣١].
وقوله: ﴿الْعَالَمِينَ﴾ قال العُلَماء: العالَم كلُّ مَن سِوى الله، وسُمُّوا عالمًا؛ لأنهم علَم على خالِقهم جَلَّ وَعَلَا، إِذْ إن في كل شيء من هذه المَخلوقاتِ آيَة تَدُلُّ على عظَمة الربِّ وقدرته، وغير ذلك ممَّا تَقتَضيه مَعانِي الرُّبوبية.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: ثُبوت الحَياة المُطلَقة لله ؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾، وحَياة الله كامِلة من كل الوُجوه، فهي كامِلة؛ لأنها لم يَسبِقْها عدَم، كامِلة
стр. 449
لأنها لا يَلحَقها فَناءٌ، كامِلة لأنها مُتضَمِّنة لجميع أوصاف الكَمال، كامِلة لأنها مُنزَّهة عن كل صِفات النَّقْص، فكَمالها من وُجوه أربَعة: من جهة أنه ليست تُسبَق بعدَم، ومن جهة أنه لا يَعتَريها الفَناء، ومن جهة أنها كامِلة مُتضمِّنة لجميع أَوْصاف الكَمال، ومن جهة رابِعة مُنزَّهة عن كل نَقْص، كما قال تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، انظُرِ ﴿الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ صِفة كَمال، ونَفيُ نَقْص.
فإن قال قائِل: الحيُّ من الأسماء اللازِمة أو المُتَعدِّية؟
فالجوابُ: من الأسماء اللازِمة، وقد ذكَر العُلَماء في كتُب التَّوْحيد أن أسماء الله إن كانت مُتَعدِّية فإنه لا يَتِمُّ الإيمان بها إلَّا بأمور ثلاثة: إثباتها اسم لله، وإثبات ما دلَّتْ عليه من الصِّفات، وإثبات ما يَترتَّب على هذه الصِّفاتِ.
وأمَّا إذا كان الاسم لازِمًا فإنه يَتَضمَّن شَيْئَيْن: إثبات ذلك الاسمِ لله ، والثاني إثباتُ ما دلَّ عليه من الصِّفات فقَطْ.
مسألة: هناك قاعِدة عِلْمية أن المادَّة لا تَفنَى ولا تُستَحْدَث من العدَم، ورأيُنا أن الذي يَعتَقِد مَدلولها فهذا كُفْر، كلُّ شيء فانٍ إلَّا وجهَ الله، كل شيء هالِك إلَّا وجهَه، ومَعنَى هالِك: قابِل للهَلاك، وقد يَجعَله الله مُؤبَّدًا كالجَنَّة والنار، لكن الذي أَوجَد قادِر على الإعدام، والإعدام أهوَنُ من الإيجاد، وقولهم أيضًا: لا تُستَحْدَث، مَعناه: حكَموا بأنها أزَليَّة، أزَليَّة أبَدية، لا يَقول هذا مُؤمِن.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: انتِفاء الأُلوهية عَمّا سِوى الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهي تَألُّه العبد لله مَحبَّةً وتعظيمًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وُجوب الإخلاص لله في العِبادة والدُّعاء؛ لقوله:
стр. 450
﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات كَمال الله في ذاته وفي إنعامه؛ لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالله أَثنَى على نَفْسه بذلك لكَمال صفاته.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عُموم رُبوبية الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن المُستَحِقَّ للحَمْد هو الله ، والمُختَصَّ بالحَمْد المُطلَق هو الله .
стр. 451
الآية (٦٦)
قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦].
ثُم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٦٦] إلى آخِره.
﴿قُلْ﴾ الخِطاب للنَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، يُخاطِب المُشرِكين، أُمِر أن يُخاطِب المُشرِكين فتقول: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿إِنِّي نُهِيتُ﴾ الجُملة هنا مُؤكَّدة بـ (إنَّ)، و ﴿نُهِيتُ﴾ فِعْل ماضٍ مَبنيٌّ لما لَمْ يُسمَّ فاعِله، وحُذِف الفاعِل للعِلْم به، كما قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، حُذِف الفاعِل للعِلْم به، لأنه لا أحَدَ يُنازع في أن الخالِق هو الله.
وهنا المَسأَلة مَسأَلة شَرْعية نَهيٌ، فلا نِزاعَ في أن الذي له الأمر والنَّهيُ هو الله، كما أنه الذي له الخَلْق. إِذَنْ يَكون الناهِي هو الله ، والنَّهيُ: طلَب الكفِّ على وجهِ الاستِعْلاء بصيغة المُضارع المَقرون بـ (لا) الناهِيةِ، هذا تَعريف النَّهيِ في أُصول الفِقْه.
فقَوْلنا: "طلَب الكفِّ" خرَج به الأَمْر، وخرَج به المُباح.
وقولنا: "على وَجْه الاستِعْلاء" خرَج به الدُّعاء، مثل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾؛
стр. 452
لأنَّنا لا نَدعو الله على وجه الاستِعْلاء، بل على وَجهِ الاستِضْعاف، نَستَضْعِف أنفسنا أمام الله .
وخرَج بقولنا: "بصِيغة المُضارع المَقرون بـ (لا) الناهِيةِ" خرَج به نحوُ قولِك: انتَهِ عن كذا، اجتَنِبْ كذا، هذا نَهيٌ لكِنه ليس نَهيًا اصطِلاحيًّا، بل هو أَمْر بالاجتِناب.
فلو قال لك قائِل: اجتَنِبِ الرِّجْس من الأوثان. فهذا أَمَر باجتِنابه الرِّجْس من الأوثان، لكن إذا قلت: لا تَقرَبِ الرِّجْس من الأوثان. صار نَهيًا.
فائدة: النهيُ المَعنويُّ غير النَّهيِ الاصطِلاحيِّ، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] هذا ليس نهيًا اصطِلاحيًّا، فالنَّهيُ في الاصطِلاح هو طلَب الكفِّ على وَجْه الاستِعْلاء بصيغة المُضارع المَقرون بـ (لا) الناهِية، هذا تَعريفه عِند العُلَماء، أمَّا النَّهيُ بمَعنى العامِّ فهو ما دلَّ على نَهيٍ، حتى الاستِفْهام بمَعنى الإِنْكار يَدُلُّ على النهيِ، حتى لو قلت لواحِد فعَل شيئًا غيرَ مَرغوب فيه: أَتَفْعَل هذا؟ مع أنك مُستَفهِم الآنَ، لكنه مُتضَمِّن للنَّهيِ، نحن لا نَتكلَّم عن الاصطِلاح، تَعريفه اصطِلاحًا وارِد، ولَسْنا نَتَكلَّم عمَّا يُفيد النهيَ، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ لو قُلت: إن هذا نهيٌ. قلنا: غلَط، بل نَقول: هذا أَمْر بالاجتِناب.
فقوله: ﴿نُهِيتُ﴾ هذه صِيغة فِعْل ماضٍ، لكن ليسَت صِيغة نهيٍ، إخبار بأنه نُهي، فما صِيغة النَّهيِ؟ ! فالنهيُ بالصِّيغة المُصطَلَح عليه هو طلَب الكفِّ على وَجْه الاستِعْلاء بصيغة المُضارع المَقرون بـ (لا) الناهيةِ، هذا النهيُ، وأمَّا ما دلَّ على النهيِ بغير هذه الصِّيغةِ فهو لا يُسمَّى نَهيًا اصطِلاحًا، وإن كان نهيًا بالمَعنَى، ولكن ليس نَهيًا بالاصطِلاح.
وقوله : ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ العِبادة
стр. 453
هي التَّذلُّل للمَعبود مَحبَّة وتَعظيمًا.
وقوله: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
قال المفَسِّر ﵀: [تَعبُدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾]، وهذا أيضًا فيه شيء من القُصور، والصَّواب أن المُراد تَدْعون؛ أي: تَعبُدون وتَسأَلون؛ لأن من المُشرِكين مَن يَسأَلون أصنامَهم، وَيتَذلَّلون لها بالسُّؤال، فهي أعَمُّ مِمَّا ذكَره المفَسِّر ﵀: ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ أي: مِن سِوى الله.
وقوله: ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ ﴿لَمَّا﴾ ظَرْف زَمان بمَعنَى: حين، و (لمَّا) تَأتِي في اللُّغة العرَبية على أربعة أَوْجهٍ:
الوجه الأوَّل: أن تَكون بمَعنى (حين) كما في هذه الآيةِ.
والوجه الثاني: أن تَكون بمَعنَى (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، مَعنَى ﴿لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: إلَّا علَيْها حافِظ.
الوجه الثالِث: أن تَكون أداة جَزْم كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: ٨] أي: بَلْ لم يَذوقوا عَذابي، ولكنه قَريب.
الوجه الرابع: أن تَكون حَرْف وجود لوجود؛ كقولك: لمَّا جاءَ زيد جاء عَمرٌو.
وقوله : ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾ أي: حين جاءَني، والبَيِّنات صِفة لمَوْصوف مَحذوف للعِلْم به، والتَّقدير: الآياتُ البَيِّنات.
قال المفَسِّر ﵀: [دَلائِل التَّوْحيد] والمَعنَى أعَمُّ مِمَّا قال ﵀، بل هي دَلائِل التوحيد، ودَلائِل القُدْرة، ودَلائِل السَّمْع والبصَر، وغير ذلك.
стр. 454
المُهِمُّ: أنه جاءَه البَيِّنات من الله وأنتم تَرَوْن في القُرآن العزيز كلِمة البَيِّنات دائِمًا محَذوف مَوْصوفها، وذلك للعِلْم به، والشيء المَعلوم يَجوز حَذْفه كما قال ابنُ مالِكٍ في الألفية:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ ....................... (١)
وهذه قاعِدة عامَّة في كل شيء، ليس في المُبتَدَأ والخبَر فقَطْ، بل في كل شيء.
وقوله: ﴿مِنْ رَبِّي﴾ مُتعَلِّق بـ (جاءَ) أي: جاءَني من الله ، ولكنه ذكَره باسمِ رُبوبية؛ لأن هذه رُبوبية خاصَّة يُربِّي بها الله أنبياءَه ورُسُله.
﴿وَأُمِرْتُ﴾ مُقابِل: ﴿نُهِيتُ﴾، ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآمِر الله، والأَمْر طلَب الفِعْل على وجه الاستِعْلاء بصيغة الأَمْر، أو غيرها مِمَّا يَدُلُّ على الأَمْر.
وقوله: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ ﴿وأَنْ﴾ مَصدَرية، و ﴿أُسْلِمَ﴾ فِعْل مُضارع مَنصوب بها، ومَعنى ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾: أَستَسْلِم لربِّ العالمَين، والمُراد بالإسلام هنا الإسلام الشرعيُّ؛ لأنه هو الذي بِطاقتنا، وهو الذي يُمكِن أن نَفعَله أو لا نَفعَله، وهو الذي لا يَكون إلَّا من المُؤمِن.
أمَّا الإسلام الكَونيُّ فليس بطاقَتِنا ولا يُمكِنُنا أن نُدافِعه، ويَكون من المُؤمِن والكافِر.
إِذَنْ: يَتبيَّن لنا أن الإسلام يَأتِي على وَجْهين أو له مَعنَيَان:
المعنى الأَوَّل: الإسلام الكَونيُّ.
стр. 455
والثاني: الإسلام الشرعيُّ، فالإسلام الكونيُّ القَدريُّ، والثاني الإسلام الشرعيُّ الدِّينيُّ.
فمِن الأوَّل قوله : ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] الإسلام هنا كَونيٌّ؛ لأنه قال: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ والإسلام الشرعيُّ لا يَكون بالإكراه، والإسلام الشرعيُّ لا يَكون عامًّا لكل شيء، فالإِسْلام هنا كَوْنيٌّ قَدَريٌّ، وهنا قوله: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾ المُراد به الإسلام الشرعيُّ الدِّينيُّ، يَعنِي: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾؛ أي: أَستَسْلِم تَعبُّدًا وتَذلُّلًا لله .
وقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نَقول فيها ما قُلْنا في مِثل الآيات السابِقة، لكن لو قال قائِل: لماذا لم يَقُل: أن أُسلِمَ لله؟ قُلنا: ليَكون ذلك دليلًا على وجهِ الإِسلام يَعنِي: لماذا أَسلَمْت؟ لأن الله ربُّ العالمَين، وربُّ العالمَين أحَقُّ أن يُسلَم له، وأن يُتعَبَّد له ، فهو كالدليل للحُكْم السابِق الذي هو الإسلام.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن النبيَّ ﷺ عَبْد مَأْمور مَنهيٌّ، يُؤخَذ ذلك من قوله: ﴿أَنْ أُسْلِمَ﴾.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: بُطلان دَعْوى مَن يَقول: إن النبيَّ ﷺ له الأَمْر والنَّهيُ في السمَوات والأرض؛ لأنه لا يُمكِن أن يَكون كذلك وهو مَأمور مَنهيٌّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وجوب الإِخْلاص لله ؛ لقوله: ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ وهذا حَقيقة الإِخْلاص.
стр. 456
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارة إلى القاعِدة المَشهورة، وهي أن التَّخلِية قبلَ التَّحلِية، ليسَت تَحلية الماء، التَّحلية يَعنِي: التَّزيين، التَّخْلية قبل التَّحْلية، تُؤخَذ من قوله: ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ فهذه تَخْلية، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ هذه تَحلِية، ووجهُ كون التَّخْلية قبل التَّحْلية أن التَّحْلية إذا ورَدَت على مَحلٍّ غيرِ نَظيف صارَت ناقِصة مُتلوِّثة، فأنت طهِّر المَحلَّ أوَّلًا ثُم حَلِّهِ ثانيًا. وهكذا كلِمة الإخلاص (لا إلهَ) نَفيٌ (إلَّا الله) إثباتٌ، الأوَّل تَخلية والثاني تَحلِية.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بُطلان عِبادة ما سِوى الله؛ لأن النهيَ يَقتَفِي البُطلان والفَساد، فلمَّا نُهينا عن عِبادة ما سِوى الله دلَّ ذلك على أنها باطِلة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كغَيْره يَحتاج إلى العِلْم؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾.
فإن قال قائِل: في هذا إشكال كبير، وهو كيف يَكون الرسول ﵊ لم يَعلَم ببُطْلان هذه الآلهةِ إلَّا حين جاءَه النَّهيُ، مع أن بُطلان هذه الآلهِةِ مَركوز في الفِطَر والعُقول؛ أمَّا كونه مَركوز في الفِطَر فلِقوله ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الفِطْرَةِ" (١)، والفِطْرة هي عِبادة الله وحدَه؛ وأمَّا العَقْل فلأنَّ إبراهيمَ ﵊ استَدَلَّ على بُطلان الآلِهة بدَليل عَقْليٍّ، حين قال لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]؟
قُلنا: إن الرسول ﷺ يَعلَم هذه الآلهِةَ، لكنه أَسنَد هذا العِلْم إلى
стр. 457
الآيات البَيِّنات؛ لإثبات الرِّسالة، فتَكون الرِّسالة مُؤيِّدة لما تَقتَضيه الفِطْرة، ويَدُلُّ عليه العَقْل.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن ما جاء به الرسولُ ﵊ فهو آياتٌ بيِّناتٌ ليس فيها خَفاءٌ؛ لقوله: ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾، والعجَب أن المُشرِكين كانوا يَتَردَّدون إلى مَنزِل الرسول ﵊ خِفْية يَستَمِعون القُرآن؛ لأنه أَخَذ بألبابهم وعُقولهم، لكِنهم -والعِياذ بالله- يُنكِرون استِكْبارًا ومُكابَرة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّحذيرُ من خَفاء ما جاء به الرسول ﵊، بمعنى أن الذي لا يَرَى ما جاء به الرسولُ مُتضَمِّن للآيات البيِّنات فلْيَعلَم أن على قَلْبه غِشاوة؛ لأن القَلْب النَّظيف النَّزيهَ لا بُدَّ أن يَعرِف أن ما جاء به الرسول حقٌّ بيِّن، لكن قد تَتَراكَم الذُّنوب -والعِياذ بالله- على القُلوب، فلا تَعرِف الحقَّ، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٣ - ١٤]، فصاروا يَرَوْن هذا القُرآنَ الكَريمَ يَرَوْنه أساطيرَ الأوَّلين، نَسأَل الله أن لا يُعمِيَ قُلوبَنا وقلوبَكم، فالمَسأَلة خطيرة، إذا لم تَجِد قلبَك مُستَنيرًا بهذا القُرآنِ، أو بعِبارة أعمَّ بما جاء به الرسولُ، فاعلَمْ أن في القَلْب بَلاءً، فداوِ القَلْب ما دام في أوَّل المرَض، حتى لا يَستَشرِيَ المرَض فتقضِي على القَلْب، فلا تَتَمكَّن من إصلاحه بعدُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: عِناية الله تعالى برسوله محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وذلك في إثبات رُبوبيته الخاصَّة في قوله: ﴿مِنْ رَبِّي﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجوب الإسلام لله ؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإشارة إلى أنه لا بُدَّ للقَلْب من حرَكة، فإمَّا إلى باطِل وإمَّا
стр. 458
إلى حَقٍّ؛ لقوله: ﴿نُهِيتُ﴾، وهذا تَفريغ، فهذا الفَراغ لا بُدَّ أن يَكون له ما يَملَؤُه وهو الإسلام؛ لأن كل شيء إذا لم يَكُن له بَديل سيَبقَى الأمر خاوِيًا، فإذا خَلا المَكان من الباطِل وجَبَ أن يُملَأ بالحَقِّ، وهكذا أيضًا إذا تَأمَّلت وجَدْت كل شيء باطِلًا، إذا لم يَخلُفه حقٌّ بَقِيَ الأمر خاوِيًا فيتَذبذب الإنسان، لمَّا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ماذا قال؟ ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] فلا بُدَّ من قول، فإذا أُبطِل الباطِل فلا بُدَّ أن يَخلُفه حقٌّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما سِوى الله لا يَستَحِقُّ أن يُسلَم له؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فمَن كان ربَّ العالمَين فهو الأحَقُّ بالإسلام له، ولا يُوصَف بربِّ العالمَين إلَّا الله .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات عُموم الرُّبوبية لله؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مُراعاة الوَصْف المُناسِب وإن كان فيه عُدول عن الأشهَرِ؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عُدولًا عن (لله) مع أن الله هو الأَشهَر، لكن اعتِبار الوَصْف المُناسِب أَوْلى، والله أَعلَمُ.
стр. 459
الآية (٦٧)
قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]
قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخِره ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: ابتَدَأ خَلْقَكم، والخَلْق بمعنَى: الإيجاد مع التَّقدير، قال الشاعِرُ:
فَلَأَنْتَ تَخْلُقُ مَا تَقُولُ وَبَعْضُ ... النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي (١)
فهو إيجاد بتَقدير.
﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ قال المفَسّر ﵀: [بخَلْق أبيكُم آدَمَ مِنه]، فالأصل أنَّنا من تُراب من هذه الأَرْضِ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، فالأَرْض هي الأوَّل والآخِر بالنِّسبة لبني آدَمَ إلى يوم البَعْث.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مَنِيٍّ]، وهذا باعتِبار نَسْل آدمَ ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ هذا الطورُ الثالِثُ، والثاني باعتِبار نَسْل آدَمَ، والعلَقة قال المفَسِّر ﵀: [دَمٌ غَليظ]، مثل الخَيْط ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، وطوَى الله تعالى ذكَر المُضْغة،
стр. 460
وإنشاء الخَلْق الآخَر إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾؛ قال المفَسِّر ﵀: [بمَعنَى: أطفالًا]، وإنَّما قال: [بمَعنى: أَطْفالًا]؛ لأنها حال من الكاف في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ وهي جَمْع، وطِفْل مُفرَد، وعلى هذا فيَتعيَّن أن يَكون (طِفل) بمَعنَى: (أطفالًا)، وقيل: إن ﴿طِفْلًا﴾ بمَعنَى المُفرَد، وأن المعنى: ثُم يَخرُج كل واحِد مِنكم طِفْلًا. فيَكون ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ جَمعًا باعتِبار المَجموع؛ أي: أن كل واحِد منَّا يَخرُج طِفلًا، وعلى هذا فلا حاجةَ إلى تَأْويل طِفل بمَعنَى: أطفال.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [ثُم يُبقِيكم لتَبلُغوا] وإنَّما قدَّر ذلك؛ لأن اللَّام تَحتاج إلى مُتعلَّق، وعلى هذا فمُتَعلَّقها محَذوف، والتَّقدير: ثُم يُبقِيكم ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال المفَسّر ﵀: [تَتَكامَل قُوَّتُكم من الثلاثين سَنَةً إلى الأَرْبَعين]، هذا بُلوغ الأشَدِّ، أَقْوى ما يَكون الإنسان من ثلاثينَ سَنَةً إلى أَربَعين، ثُم يَبدَأ بالانحِدار شيئًا فشيئًا، ولكن قد يَكون هناك عوامِلُ تُوجِب أن تَبقَى قوَّته مُدَّة من الزمَن أكثَرَ، وقد تَكون هناك عوامِلُ تُوجِب أن تَنهَدِم قوَّته قبل تمَام الأربَعين، لكن في الأصل أنه إذا تَمَّ الإنسان أربَعين سَنَة بَدَأَ بالضَّعْف.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: كامِل قُوَّتكم، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بضَمِّ الشين وكَسْرها] يَعنِي: ﴿شُيُوخًا﴾ و"شِيُوخًا" والقِراءتان سَبْعيَّتان. وهذه طريق المفَسِّر إذا ذكَر الوَجْهين جميعًا فمَعناه أن القِراءتَيْن سَبْعيَّتان.
﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ يَعنِي: كبارًا. يَعني: تَبلُغوا سِنَّ الشَّيْخوخة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾. قال المفَسِّر ﵀: [أي: قبلَ الأَشدِّ والشَّيخوخة، فَعَل ذلك بكم لتَعيشوا ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾]. والمفَسِّر ﵀ يُقدِّر ذلك لوُجود حَرْف العَطْف، وهو قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾، ولعلَّ ﴿أَجَلًا مُسَمًّى﴾ قال المفَسِّر: [وَقْتًا