الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارة إلى القاعِدة المَشهورة، وهي أن التَّخلِية قبلَ التَّحلِية، ليسَت تَحلية الماء، التَّحلية يَعنِي: التَّزيين، التَّخْلية قبل التَّحْلية، تُؤخَذ من قوله: ﴿نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ﴾ فهذه تَخْلية، ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾ هذه تَحلِية، ووجهُ كون التَّخْلية قبل التَّحْلية أن التَّحْلية إذا ورَدَت على مَحلٍّ غيرِ نَظيف صارَت ناقِصة مُتلوِّثة، فأنت طهِّر المَحلَّ أوَّلًا ثُم حَلِّهِ ثانيًا. وهكذا كلِمة الإخلاص (لا إلهَ) نَفيٌ (إلَّا الله) إثباتٌ، الأوَّل تَخلية والثاني تَحلِية.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بُطلان عِبادة ما سِوى الله؛ لأن النهيَ يَقتَفِي البُطلان والفَساد، فلمَّا نُهينا عن عِبادة ما سِوى الله دلَّ ذلك على أنها باطِلة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ كغَيْره يَحتاج إلى العِلْم؛ لقوله: ﴿لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي﴾.
فإن قال قائِل: في هذا إشكال كبير، وهو كيف يَكون الرسول ﵊ لم يَعلَم ببُطْلان هذه الآلهةِ إلَّا حين جاءَه النَّهيُ، مع أن بُطلان هذه الآلهِةِ مَركوز في الفِطَر والعُقول؛ أمَّا كونه مَركوز في الفِطَر فلِقوله ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا عَلَى الفِطْرَةِ" (١)، والفِطْرة هي عِبادة الله وحدَه؛ وأمَّا العَقْل فلأنَّ إبراهيمَ ﵊ استَدَلَّ على بُطلان الآلِهة بدَليل عَقْليٍّ، حين قال لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]؟
قُلنا: إن الرسول ﷺ يَعلَم هذه الآلهِةَ، لكنه أَسنَد هذا العِلْم إلى
стр. 457
الآيات البَيِّنات؛ لإثبات الرِّسالة، فتَكون الرِّسالة مُؤيِّدة لما تَقتَضيه الفِطْرة، ويَدُلُّ عليه العَقْل.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن ما جاء به الرسولُ ﵊ فهو آياتٌ بيِّناتٌ ليس فيها خَفاءٌ؛ لقوله: ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾، والعجَب أن المُشرِكين كانوا يَتَردَّدون إلى مَنزِل الرسول ﵊ خِفْية يَستَمِعون القُرآن؛ لأنه أَخَذ بألبابهم وعُقولهم، لكِنهم -والعِياذ بالله- يُنكِرون استِكْبارًا ومُكابَرة.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: التَّحذيرُ من خَفاء ما جاء به الرسول ﵊، بمعنى أن الذي لا يَرَى ما جاء به الرسولُ مُتضَمِّن للآيات البيِّنات فلْيَعلَم أن على قَلْبه غِشاوة؛ لأن القَلْب النَّظيف النَّزيهَ لا بُدَّ أن يَعرِف أن ما جاء به الرسول حقٌّ بيِّن، لكن قد تَتَراكَم الذُّنوب -والعِياذ بالله- على القُلوب، فلا تَعرِف الحقَّ، قال الله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٣ - ١٤]، فصاروا يَرَوْن هذا القُرآنَ الكَريمَ يَرَوْنه أساطيرَ الأوَّلين، نَسأَل الله أن لا يُعمِيَ قُلوبَنا وقلوبَكم، فالمَسأَلة خطيرة، إذا لم تَجِد قلبَك مُستَنيرًا بهذا القُرآنِ، أو بعِبارة أعمَّ بما جاء به الرسولُ، فاعلَمْ أن في القَلْب بَلاءً، فداوِ القَلْب ما دام في أوَّل المرَض، حتى لا يَستَشرِيَ المرَض فتقضِي على القَلْب، فلا تَتَمكَّن من إصلاحه بعدُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: عِناية الله تعالى برسوله محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وذلك في إثبات رُبوبيته الخاصَّة في قوله: ﴿مِنْ رَبِّي﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وُجوب الإسلام لله ؛ لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الإشارة إلى أنه لا بُدَّ للقَلْب من حرَكة، فإمَّا إلى باطِل وإمَّا
стр. 458
إلى حَقٍّ؛ لقوله: ﴿نُهِيتُ﴾، وهذا تَفريغ، فهذا الفَراغ لا بُدَّ أن يَكون له ما يَملَؤُه وهو الإسلام؛ لأن كل شيء إذا لم يَكُن له بَديل سيَبقَى الأمر خاوِيًا، فإذا خَلا المَكان من الباطِل وجَبَ أن يُملَأ بالحَقِّ، وهكذا أيضًا إذا تَأمَّلت وجَدْت كل شيء باطِلًا، إذا لم يَخلُفه حقٌّ بَقِيَ الأمر خاوِيًا فيتَذبذب الإنسان، لمَّا قال الله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ ماذا قال؟ ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] فلا بُدَّ من قول، فإذا أُبطِل الباطِل فلا بُدَّ أن يَخلُفه حقٌّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما سِوى الله لا يَستَحِقُّ أن يُسلَم له؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فمَن كان ربَّ العالمَين فهو الأحَقُّ بالإسلام له، ولا يُوصَف بربِّ العالمَين إلَّا الله .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات عُموم الرُّبوبية لله؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مُراعاة الوَصْف المُناسِب وإن كان فيه عُدول عن الأشهَرِ؛ لقوله: ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عُدولًا عن (لله) مع أن الله هو الأَشهَر، لكن اعتِبار الوَصْف المُناسِب أَوْلى، والله أَعلَمُ.
стр. 459
الآية (٦٧)
قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]
قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ إلى آخِره ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أي: ابتَدَأ خَلْقَكم، والخَلْق بمعنَى: الإيجاد مع التَّقدير، قال الشاعِرُ:
فَلَأَنْتَ تَخْلُقُ مَا تَقُولُ وَبَعْضُ ... النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي (١)
فهو إيجاد بتَقدير.
﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ قال المفَسّر ﵀: [بخَلْق أبيكُم آدَمَ مِنه]، فالأصل أنَّنا من تُراب من هذه الأَرْضِ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، فالأَرْض هي الأوَّل والآخِر بالنِّسبة لبني آدَمَ إلى يوم البَعْث.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [مَنِيٍّ]، وهذا باعتِبار نَسْل آدمَ ﵇ ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ هذا الطورُ الثالِثُ، والثاني باعتِبار نَسْل آدَمَ، والعلَقة قال المفَسِّر ﵀: [دَمٌ غَليظ]، مثل الخَيْط ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، وطوَى الله تعالى ذكَر المُضْغة،
стр. 460
وإنشاء الخَلْق الآخَر إلى قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾؛ قال المفَسِّر ﵀: [بمَعنَى: أطفالًا]، وإنَّما قال: [بمَعنى: أَطْفالًا]؛ لأنها حال من الكاف في ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ وهي جَمْع، وطِفْل مُفرَد، وعلى هذا فيَتعيَّن أن يَكون (طِفل) بمَعنَى: (أطفالًا)، وقيل: إن ﴿طِفْلًا﴾ بمَعنَى المُفرَد، وأن المعنى: ثُم يَخرُج كل واحِد مِنكم طِفْلًا. فيَكون ﴿يُخْرِجُكُمْ﴾ جَمعًا باعتِبار المَجموع؛ أي: أن كل واحِد منَّا يَخرُج طِفلًا، وعلى هذا فلا حاجةَ إلى تَأْويل طِفل بمَعنَى: أطفال.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [ثُم يُبقِيكم لتَبلُغوا] وإنَّما قدَّر ذلك؛ لأن اللَّام تَحتاج إلى مُتعلَّق، وعلى هذا فمُتَعلَّقها محَذوف، والتَّقدير: ثُم يُبقِيكم ﴿لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ قال المفَسّر ﵀: [تَتَكامَل قُوَّتُكم من الثلاثين سَنَةً إلى الأَرْبَعين]، هذا بُلوغ الأشَدِّ، أَقْوى ما يَكون الإنسان من ثلاثينَ سَنَةً إلى أَربَعين، ثُم يَبدَأ بالانحِدار شيئًا فشيئًا، ولكن قد يَكون هناك عوامِلُ تُوجِب أن تَبقَى قوَّته مُدَّة من الزمَن أكثَرَ، وقد تَكون هناك عوامِلُ تُوجِب أن تَنهَدِم قوَّته قبل تمَام الأربَعين، لكن في الأصل أنه إذا تَمَّ الإنسان أربَعين سَنَة بَدَأَ بالضَّعْف.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: كامِل قُوَّتكم، ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [بضَمِّ الشين وكَسْرها] يَعنِي: ﴿شُيُوخًا﴾ و"شِيُوخًا" والقِراءتان سَبْعيَّتان. وهذه طريق المفَسِّر إذا ذكَر الوَجْهين جميعًا فمَعناه أن القِراءتَيْن سَبْعيَّتان.
﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ يَعنِي: كبارًا. يَعني: تَبلُغوا سِنَّ الشَّيْخوخة، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾. قال المفَسِّر ﵀: [أي: قبلَ الأَشدِّ والشَّيخوخة، فَعَل ذلك بكم لتَعيشوا ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾]. والمفَسِّر ﵀ يُقدِّر ذلك لوُجود حَرْف العَطْف، وهو قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾، ولعلَّ ﴿أَجَلًا مُسَمًّى﴾ قال المفَسِّر: [وَقْتًا
стр. 461
مَحدودًا]، والمُسمَّى بمَعنى: المُعيَّن، وهو بمَعنَى: المَحدود ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؛ أي: تَكونوا من ذَوِي العُقول، وتَفهَموا حِكْمة الله في تَقديره وتشَريعه.
فأَنْتُم تَرَوْن الآنَ أن القَدَر يَكون فيه المُقدَّر شيئًا فشيئًا حتى يَكمُل، وهكذا الشَّرْع تَكون فيه الشرائِع شيئًا فشيئًا حتى تَكمُل، وهذه من سُنَّة الله تعالى الكونية وسُنَّته الشرعية؛ أن الأُمور لا تَأتِي دَفْعة واحِدة، بل تَتَطوَّر حتى تَبلُغ الكَمال، وهذا من حِكْمته البالِغة.
وقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ليس المُراد بذلك عَقْل الإدراك، بلِ المُراد بذلك عَقْل التَّدبير والرُّشْد، لأن العَقْل عَقْلان: عَقْل إدراك تَتَوقَّف عليه التَّكاليف الشَّرْعية؛ ولهذا يُقال: من شُروط صِحَّة الصلاة العَقْل، والمُراد به عَقْل الإدراك، وعَقْل التَّدْبير والرُّشْد، وهو حُسْن التَّصرُّف؛ ولهذا نَقول: إن الكُفَّار لا يَعقِلون، مع أنهم بالنِّسبة لعَقْل الإدراك أقوياءُ أشِدَّاءُ أذكياءُ، لكن عَقْل التدبير والتَّصرُّف هم خالون منه.
قوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ في هَذه الآياتِ بيَّن الله مَنشَأ بني آدَمَ، وغاية بني آدَمَ.
من فوائد الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ أن الله هو الذي خلَقَنا وحدَه، وأنه لا خالِقَ إلَّا الله، وقد قال الله في سورة الطُّور: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] جوابُنا أنه لم يَخلُق من غير شيء، وليس هُمُ الخالِقين، إِذَنْ فلَهُم خالِق.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيان أن أصل بني آدَمَ هو التُّراب، لقوله: ﴿مِنْ تُرَابٍ﴾ والتُّراب
стр. 462
مَعروف أنه يَختَلِف، ومن ثَم اختَلَفَت طبائِعُ بني آدَمَ، واختَلَفت ألوان بني آدَمَ، واختَلَفَت أَلْسِنة بني آدَمَ كما اختَلَف أَصْلُهم، فالتُّراب منه الرَّمْل والطين والسِّباخ، وغير ذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: انتِقال هذا الأصلِ إلى أصل آخَرَ، وهو الماء النُّطْفة المَنيُّ؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧]، وفي آيةٍ أُخرى: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ويَعنِي: غَليظ، لا يَندَفِع ولا يَجرِي؛ لأنه غير سائِل ليس كالماء المائِع الذي يَسيل، بل هو ﴿مَاءٍ مَهِينٍ﴾ أي: ضَعيف لا يَتحرَّك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَطوُّر خَلْق الإنسان في بطن أُمِّه، وهنا لم يَذكُر الله إلَّا النُّطْفة والعلَقة؛ لأن النُّطْفة هي الأصل والعلَقة هي الأصل، والعَلَقة هي أصل مادَّة الحَياة، إِذْ إن الحَياة لا تَكون إلَّا بالدَّمِ، وهو أصل المادَّة، ولهذا لو تَفرَّغ دمُ الإنسان لهلَكَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ قُدرة الله أنه بعد هذا الجَنينِ، أو بعد هذه الحالِ في بَطْن أُمِّه يَخرُج طِفلًا مُتكامِلًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الله تعالى قَسَم الناس بعد خُروجهم أطفالًا إلى أقسام:
القِسْم الأوَّل: أن يَبلُغ الإنسان أَشُدَّه ثُم يَموت.
والثاني: أن يَبلُغ الشيخوخة.
والثالث: أن يَموت قبل ذلك؛ أي: قبل أن يَبلُغ وقبل الشيخوخة، وعلى أيِّ أَساس يَكون هذا؟ نَقول: هذا مَحْض مَشيئة الله ، ليس له أساس مَعلوم، لكنه محَضُ المَشيئة، لكن مع كونه مَحْض المَشيئة قد يُقدِّر الله تعالى أسبابًا كونية
стр. 463
وأسبابًا شرعية بها يَطول العُمر، وتَبقَى الصِّحَّة، وقد يُقدِّر الله أسبابًا على العكس من ذلك.
فمن أَسْباب الشَّرْعية ما ذكَرَه النبيُّ ﵊ في قوله: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، وَيُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (١) فهذا دليل على أن صِلة الرحِم من أسباب سَعة الرِّزْق، وطول العُمر، فيُيسِّر الله تعالى لهذا العبدِ أن يَصِل رحمه فيَطول عُمره، وهذا شيء مَكتوب، ولكنَّنا لا عِلمَ لنا به، فحثَّنا النبيُّ ﷺ عليه بهذه الطَّريقةِ.
وأمَّا الأسباب الكونية فهو تَوقِّي الأسباب الضارَّة في الصِّحَّة، وهذا شيء لا نِهايةَ له، وهو أَمْر مَعلوم وأكثَرُ مَن يَعرِفه الأطِبَّاء، فيُيسِّر الله تعالى للإنسان من أسباب الصِّحَّة من دواء وغِذاء وهواء ما يَكون به طول العُمر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الأَجَل مَهما طال بالإنسان فإنه محَدود، له غاية مع أن الإنسان في نَفْسه يَمُدّ أمَلًا بعيدًا جدًّا، يَظُنُّ أنه سيَبقَى عشَرات المِئات، ولكنه في الواقِع مَهما بلَغ فإن الأجَل مَحدود، والشيء المَحدود المعدود غايَتُه النِّهاية؛ لأن كل يوم يَمضِي يَنقُص العُمر، قال الشاعِرُ:
وَالمَرْءُ يَفْرَحُ بِالْأَيَّامِ يَقْطَعُهَا ... وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَ الْأَجَلِ (٢)
стр. 464
وهذا صَحيح، فالمَرْء يَفرَح بالأيام يَقطَعها، يَقول: ما شاء الله عُمري طويل، ومُتِّعْت كثيرًا. لكن كل يوم يَمضِي وكل يوم مضَى يُدنِي من الأَجَل، إِذَنْ يَطول من وَجْه ويَقصُر من وجهٍ آخَرَ، ثُم عند انتِهاء الأجَلِ ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦].
وقِسْ ما يُستَقبَل بما مَضَى الآنَ، مِنَّا مَن عُمِّر سِتِّين سَنَةً، أو خَمسين، أو عِشرين سَنَةً، أو ما أَشبَه ذلك، هذه الأيامُ التي مضَت كأنها ساعة. يَعنِي: أنت اليوم كأَنْت بالأَمْس، وأنت بالأَمْس كأَنْت قبل أَمْسِ، كأنها ساعة، كأنها أحلام؛ ولذلك ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بَيانُ نِعْمة الله علينا بالعِلْم والبَيان؛ لأن ذلك سبَب لبُلوغ الغاية في العَقْل، وذلك لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات تَعليل أَحْكام الله؛ أي: أن أحكام الله تعالى مُعلَّلة بحِكْمة، وهل هذا مُقتَصِر على الأحكام الشرعية، أو على الأحكام الشَّرْعية والكَوْنية؟
الجوابُ: الثاني، فكُلُّ أحكام الله الكَوْنية والشَّرْعية كلُّها مُعلَّلة، كلُّها لحِكْمة، لكِنَّ هذه الحِكْمةَ قد تَكون مَعلومة لنا، والناس يَختَلِفون في هذا اختِلافًا عَظيمًا مُتبايِنًا، مِنهم مَن يُطلِعه الله على أسرار خَلْقه وأسرار شَرْعه، ومنهم مَن لا يُطلِعه، ومِنهم مَن بَيْنَ ذلك.
وكذلك أحكام الله الشَّرْعيةُ كلّها لحِكْمة، كلّها مُعلَّلة، وما يَذكُره الفُقَهاء من أن هذا الحُكمَ تَعبّديٌّ لا يَعنُون بذلك أنه ليس له عِلَّة، وإنما يَعنون بذلك أن عِلَّته غير مَعلومة لنا، فنحن ليس لنا إلَّا مجُرَّد التَّعبّد؛ ولهذا لمَّا سأَلَتِ المرأة أُمَّ المُؤمِنين عائِشةَ ﵂ قالت: ما بَالُ الحائِضِ تَقفِي الصَّوْمَ ولا تَقْضِي الصَّلاةَ؟ قالَتْ:
стр. 465
كانَ يُصيبُنا ذَلِكَ فنُؤْمَرُ بِقَضاءِ الصَّوْمِ ولا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ (١). هذه الحِكْمةُ، إِذَنِ الحِكْمة شَرْع الله، شَرْع الله كلُّه حِكْمة، لكن لو أَراد إنسان أن يَلتَمِس لذلك حِكْمة مَعقولة فلا حرَجَ عليه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الثَّناء على أهل العَقْل؛ أي: على العُقَلاء؛ لأن الله تعالى جعَله غاية فقال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ذكَرْنا الآنَ أن أحكام الله الكَوْنية والشَّرْعية لها حِكمة.
فإن قال قائِل: ماذا تُجيبون عن قوله : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؟
الجَوابُ: إنه لا مُنافاةَ؛ لأن الله لم يَقُل: لا حِكمةَ لما يَفعَل. بل قال: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾؛ لأن كل ما يَفعَله فهو حِكْمة لا يُسأَل عنه، نَعلَم أنه ما فعَله إلَّا لحِكْمة فلا يُسأَل عنه.
стр. 466
الآية (٦٨)
* قَالَ اللهُ : ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر: ٦٨].
ثُم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ هذا كالأوَّلِ جُملة استِئْنافية تُبيِّن كَمال قُدْرة الله ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾؛ أي: يَجعَل الحياة في الميت، والموت في الحيِّ، هو الذي يُحيِي وُيميت وحدَه، لا أحَدَ يُحيِى وُيميت؛ ولهذا قال إبراهيمُ ﵊ للَّذي حاجَّه في ربِّه: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
فلا يُمكِن أن يُحيِيَ أحَدٌ ميتًا، ولا أن يُميت حيًّا، فإن قيل: ألَيْس عِيسى ابنُ مَريمَ يُحيِي الموتى؟ قُلنا: بلى، ولكن بإِذْنِ الله بنَفْس الآية يُحيِي المَوْتى بإِذْن الله، فإن قيل: أَلَيْس الرجُل يَقتُل الآخَر وهو حيٌّ فيَموت؟ قلنا: بلى، لكن ما فعَله فهو سبَب الموت، وليس هو الإِماتة، وكثيرًا ما تُقطَع أوداجُ الإنسان ويُشَقُّ بَطْنه ثُم يَبقَى حيًّا ويَحيا.
فالحاصِلُ: أن الإِحياء والإماتة بيَدِ الله ، فإذا قضَى أَمْرًا أَراد إيجاد شيء فيَقول له: كُنْ. فيَكونُ، أمرًا هنا بمَعنى: شَأْن؛ أي: فهو واحِد الأمور، وليس
стр. 467
واحِد الأَوامِر أي: إذا قضَى شَأْنًا من الشُّؤون فقَدَّره فإنه لا يُعجِزه أن يُوجِده.
ونُجيبُه بالكلِمة: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾؛ ولهذا فعِيسى يُوصَف بأنه كلِمة الله؛ أي: كان بكَلِمَته.
فالحاصِلُ: أنه إذا أَراد شيئًا، إذا قضَى أمرًا وقدَّره قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهل المُراد المَوْجوداتُ أو المَعْدوماتُ أو الكُلُّ؟
الجَوابُ: الكل حتى لو أَراد إعدامَ شيءٍ قال له: ﴿كُنْ﴾ فيَنعَدِم، فقول المفَسِّر ﵀: [إيجاد شَيْءٍ] لو زادها: "أو إعدامه" لكان خَيْرًا؛ لأنه إذا قضَى أمرًا من إيجاد أو إعدام قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.
أمَّا غَير الله فلو أَرَدْت أن تَهدِم بيتًا تَبقَى أيامًا وأنت تَهدِمه، لكن الله إذا أَراد أن يُهدَم هذا البَيْتُ أو القَريةُ كلُّها بكامِلها ماذا يَقول: كُنْ. فيَكون تَنهَدِم، تَكون هَباءً.
فإِذَنْ نَقول: إذا قضَى أمرًا بإيجاد شيءٍ أو إِعْدامه، ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، قال الله : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] كلُّ شيء بقَدَر، الصغير والكبير، المُتعَلِّق بأفعاله وأفعال عِباده، كلُّ شيء خلَقه فهو بقَدَر ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ ويَتأخَّر المأمور؟
الجواب: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ لمْح البَصَر ليس شيءٌ أسرَعَ منه واحِدة بدون تَكرار.
﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ الفاء للتَّعقيب، وقال تعالى في بَعْث الناس: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ
стр. 468
وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٣ - ١٤] سُبحانَ الله! ما أَعظَمَ قُدرةَ الله! كلِمة واحِدة بها تَكون الأشياءُ كلُّها، كما أَراد الله تَكون كما أَراد الله، وليُنتَبه للنُّقْطة الأخيرة: "تَكون كما أَراد الله" وإن كان هذا المَأمورُ لا يَعلَم به لكِن لا بُدَّ أن يَكون كما أَراد الله؛ فلمَّا قال القلَمُ: ربِّي ماذا أَكتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كائِنٌ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ، وماذا فعَل؟ كتَبَ ما هو كائِن إلى يوم القِيامة، لأنه لا يَعلَم، لكن أُمِر فلا بُدَّ أن يَمتَثِل، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، لا إكراهَ، بل طَوْع.
إِذَنْ نَقول: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي: بإيجاد شيء، أو إِعْدام شيء ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الفاء في قول: ﴿فَإِنَّمَا﴾ رابِطة للجَواب -جَواب إذا- وهي تَدُلُّ على التَّعقيب، وقوله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ بدون تَأْخير؛ لأن الفاء هنا للتَّعْقيب، قال المفَسِّر ﵀: [بضَمِّ النُّون وفَتْحها بتَقْدير (أَنْ)].
إِذَنْ فيها قِراءَتان: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ "كُن فَيَكُونَ" فعَلى القِراءة الأُولى تَكون الفاء للاستِئْناف، وعلى الثاني تَكون الفاء فاءَ السَّبَبية التي يَنتَصِب بعدها الفِعْل، وهي مَعروفة في عِلْم النَّحْو، قال المفَسِّر ﵀: [بتَقْدير (أن) أي: يُوجَد عَقِب الإرادة التي هي مَعنَى القَوْل المَذكور]، اللَّهُمَّ اعفُ عن هذا المفَسِّر، يَقول: عقِب الإرادة التي هي بمَعنَى القول المَذكور، يُريد أن يَنفيَ بذلك القولَ يَعنِي: أن قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ إِنَّما يُريد أن يَقول؛ لأنه عفا الله عنه. يُريد أن يَنفِيَ قول الله فإن مَذهَبه مَذهَبُ الأشاعِرة الذين يَقولون: إن الكلام هو المَعنَى القائِم بالنَّفْس، وليس شيئًا يُسمَع، وليس تَوجيهًا يُصدَر إلى المُوجَّه إليه، مع أن الآية صَريحة ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ﴾ قول صَريح مَصدَر، نعَمْ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ نَقول: مَعنَى
стр. 469
﴿يَقُولُ لَهُ﴾ على كلامِه. أي: يُريد أن يَكون فكان، ولا شَكَّ أن هذا تَحريف للكلِمِ عن مَواضِعه، نَسأَل الله تعالى أن يَعفُوَ عمَّن حرَّفه بحُسْن نِيَّة، والمفَسِّر لا نَعتَقِد فيه -إن شاءَ الله- إلَّا الخيرَ، لكنه أَخطَأ في هذا، والصواب أنه يَقول قولًا مَسموعًا يَسمَعه المُوجَّهُ إليه، فيَمتَثِل أَمْر الله .
فإن قال قائِل: البعض يَقول: سُبحانَ مَن أَمْره بين الكاف والنون، فهل هذا صحيح؟ .
فالجوابُ: ليس بصحيح، فأَمْره بعد الكاف والنون ﴿كُنْ﴾ فهو يَكون بعد الكاف والنون. يَعنِي: أَمْره هنا بمعنى: مَأمور، فإن كان الأَمْر هو الفِعْل فهو قبل الكاف والنون، وإن كان الأَمْر هو مَأموره فهو بعد الكاف والنون.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ أن الله هو الذي يُحيِي ويُميت، وهذا من تمَام رُبوبيته.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإحياء والإماتة ليسَتْ صَعْبة عليه، لقوله: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على مُنكِري البَعْث الذين قالوا: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وجهُه أنه إذا قَضَى البَعْث يَقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولهذا قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس: ٧٧ - ٨٠]،
стр. 470
إلى أن قال: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.
ولنَأتِ على بَيان الأدِلَّة الدالَّة على قُدْرة الله على إحياء المَوْتى في هذه الآياتِ، لقَد ذكَر الله تعالى ثَمانية أَوْجُه على قُدْرته على إحياء المَوْتى:
الدليلُ الأوَّل: قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وجهُ الدَّلالة على قُدْرته على إِحياء المَوْتى من هذه الجُملةِ؛ لأن الذي قدَرَ على إِنْشائها أوَّلَ مرَّة قادِر على إعادتها؛ لأن الإعادة أَهوَنُ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧].
الدليلُ الثاني: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ وجهُ الدَّلالة: الذي يَخلُق المَخلوقاتِ عالِمٌ بما خلَقَ. يَعنِي: هو لا يَخفَى عليه الخَلْق، فإذا كان لا يَخفَى عليه الخَلْق فما الذي يُعجِزه وهو على كل شيء قَديرٌ.
الدليل الثالث: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ وجهُ دَلالة هذه الجُمْلةِ على قُدْرة الله على إِحياء الموتى أنه يُوجَد شجَر مَعروف في الحِجاز إذا ضرَبْته بالقَدَح هكذا اشتَعَل نارًا فخرَجَت النار من ضِدِّها، فالذي أَخرَج الضِّدَّ من ضِدِّه قادِر على أن يُحيِيَ الموتى، فالشجَر الأخضَر فيه الرُّطوبة والبُرودة، والنار فيها اليُبوسة والحرارة، فيُخرِج هذه المادَّةَ الحارَّة اليابِسة من مادة رَطْبة بارِدة، وهذا من تمَام القُدْرة، وقوله: ﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ هذا للتَّأْكيد، لتأكيد أنه خرج هذا وأَوْقَدْتُموه.
الدليل الرابع: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى﴾ الذي خلَق السمَواتِ والأرضَ يَقدِر على إحياء المَوْتى، وجهُ الدَّلالة كما أنه خلَق السمواتِ والأرضَ على عظَمَتها فخَلْق الإنسانِ من بابِ أَوْلى أو إعادته؛
стр. 471
لأن خَلْق السمَواتِ والأرضِ أكبَرُ من خَلْق الناس، فالقادِر على الأكبَرَ قادِرٌ على ما دونَه.
الدليل الخامس: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ فإذا كان الخَلَّاق العليم فهو قادِرٌ على أن يَخلُق كلَّ شيء، ومنه إعادة الموتى.
الدليل السادس: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وجهُ الدَّلالة أن (شيئًا) نكِرَة في سِياق الشَّرْط فتَعُمُّ كل شيء حتَّى إحياء الموتى، أن يَقول له: كُنْ. فيَكون لا يَحتاج إلى أعوان، ولا إلى تَردُّد.
الدليل السابع: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ هذه الجُملةُ، وجهُ الدَّلالة منها:
الوجهُ الأوَّلُ: إذا كان مالِكًا لكل شيء -من عُموم ﴿كُلِّ﴾ -، فإنه إذا كان مالِكًا لكل شيء فالبَعْث يَدخُل ضِمْن العُموم.
الوجهُ الثاني: (سُبحان) تَنزيهُ الله عن النَّقائِص.
الوجهُ الثالِثُ: كون الله تعالى مالِك كل شيء هو خالِقه، خالِق كل شيء، وخالِق الشيءِ مالِكٌ له.
الدليل الثامن: قوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وجهُ الدَّلالة فيه: لولا هذا الرُّجوعُ لكان الخَلْق عبَثًا، فكونُنا لا بُدَّ أن نَرجِع إلى الله، إِذَنْ فلا بُدَّ من الإحياء، وإلَّا لكانت الحياة كلُّها عبَثًا، فانظُرْ إلى تَقرير الله الإحياءَ بعد الموت؛ لأنه يَنبَني عليه العمَل، لو أن أحَدًا لا يُؤمِن بيَوْم الحِساب لم يَعمَل، ما دام ليس في إلَّا الحياة الدنيا نَموت ونَحيا فلأيِّ شيءٍ يَعمَل، إِذَنْ إنسان يَعمَل في الدنيا يَنهَب، ويَسرِق، ويَزنِي،
стр. 472
ويَشرَب الخَمْر، ويَعمَل كل شيء؛ لأنه ليس وراءَ هذه الدُّنيا شيء.
فلا يُمكِن أن نَستَقيم إلَّا بالإيمان باليومِ الآخِر؛ ولهذا تَجِدون الله يَقرُن الإيمان باليوم الآخِر بالإيمان به في مَواضِعَ كَثير، ربما لو أَحصَيْناها لوجَدْناها أكثَرَ من الإيمان به وبالرُّسُل؛ لأن الإيمان باليومِ الآخِرِ عليه أساس العمَل، ونحن لولا أننا نَعتَقِد ونُؤمِن بأن أعمالنا أمامَنا يوم القِيامة، ما حرَصْنا على العمَل الصالِح؛ لأنه يَذهَب هَباءً؛ فلهذا الإيمانُ باليوم الآخِر من أعظَمِ البواعِث على الاستِقْرار، أمَّا مَن لا يُؤمِن باليَوْم الآخِر -والعِياذ بالله- ولا بالبَعْث، فهذا سيَكون عمَله كلُّه هَباءً.
стр. 473
الآية (٦٩)
* قَالَ اللهُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر: ٦٩].
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا الاستِفْهامُ للتَّقْرير؛ لأن هَمْزة الاستِفْهام إذا دخَلَت على النَّفيِ صارَت مُقرِّرة له، فمَعنَى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: رأَيْت، والخِطاب إمَّا للرسول صَلىَّ اللَّهُ عَليهَ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، أو لكُلِّ مَن يَصِحُّ أن يَتوَجَّه إليه الخِطاب، وهذا الخِطاب يَرِد كثيرًا في القُرآن.
وقد بيَّنَّا أن الخِطاب المُوجَّه إلى الرسول ﵊ أو الذي ظاهِره أنه مُوجَّه إلى الرسول ﵊ يَنقَسِم إلى ثلاثة أقسامٍ:
القِسْم الأوَّل: ما هو مُختَصٌّ به قطعًا.
القِسْم الثاني: ما هو عامٌّ له وللأُمَّة قطعًا.
والقِسْم الثالِث: ما لا يَتَبيَّن فيه هذا ولا هذا.
أمَّا الأوَّل: وهو الخاصُّ بالرَّسول قَطعًا، فهو خاصٌّ به، ولا إشكالَ في ذلك مِثْل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٢]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦ - ٧]، وما أَشبَهها، الخِطاب هنا للرَّسول ﵊ خاصَّةً ولا يَشمَل الأُمَّة.
стр. 474
وأمَّا الذي له ولغَيْره قَطْعًا، فمِثْل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ لم يَقُل: إذا طلَّقْتَ النِّساء. فدَلَّ هذا على أن الخِطاب الخاصَّ به له وللأُمَّة؛ لأنه خاطَبه أوَّلًا بالنِّداء، ثُم وجَّه الخِطاب إلى الأُمَّة عُمومًا فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فدَلَّ هذا على أن الخِطاب الخاصَّ به بالنِّداء ليس خاصًّا به، بل هو له وللأُمَّة.
وأمَّا ما ليس كذلك -يَعنِي: ما ليس هذا ولا هذا- فقد اختَلَف فيه العُلَماء ﵏ هل هو خِطاب خاصٌّ بالرَّسول ﵊، ولا يَشمَل الأُمَّة إلَّا حُكْمًا على سَبيل التَّأسِّي به، أو أنه عام للرَّسول ﷺ ولغَيْره، ويَكون الخِطاب فيه لمَن يَصِحُّ خِطابه، والخِلاف في مِثْل هذا يَكاد يَكون لَفْظيًّا؛ لأن الجميع مُتَّفِقون على أن هذا الحُكْم ثابِت للرسول ولغيره، لكن إذا قُلْنا: إنه خاصٌّ. به صار بالنِّسبة لغَيْره عامًّا على وجهِ التَّأسِّي والقُدْوة، لكن الحُكْم لا يَختَلِف في الواقِع؛ لأنه إن لم يَشمَل الأُمَّة لفظًا فقد شمِلها حُكْمًا؛ للأَمْر بالتَّأسِّي به صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فهُنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ مِمَّا يَدخُله الاحتِمال أنه خاصٌّ بالرَّسول ﵊، أو عامٌّ لكل مَن يَتَوجَّه إليه الخِطاب.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [القُرآن] وهذا التَّفسيرُ يُعتَبر قاصِرًا؛ لأن آياتِ الله أَعظَمُ من كونِها كَوْنية أو شَرْعية، وأعظَمُ من كونها في القُرآن، أو التَّوْراة، أو الإنجيل، أو غيرها من الكُتُب المُنزَّلة على الرُّسُل، فالصواب أن نَقول: في آيات الله الكَوْنية والشَّرْعية، وأَوْلَى ما يَدخُل فيها القُرآن.
والمُجادَلة هي المُنازَعة مع الخَصْم من أَجْل صَرْفه عمَّا كان عليه من المُجادَلة، مَأخوذة من الجدَل، وهو فَتْل الحَبْل حتى يَحتَكم ويَكون قويًّا، هؤلاء الذين يُجادِلون
стр. 475
في آيات الله يُجادِلون الرُّسُل وأَتْباعَهم، فالمُجادَلة بين الرُّسُل وأتباعهم كانت مُنذُ أن أُرسِل الرُّسُل إلى يَوْمنا هذا، ولا تَستَغرِب أن يُوجَد مَن يُجادِل في آيات الله في هذا الزمَنِ؛ لأن هذا سُنَّة الله مُنذُ أَرسَلَ الرُّسُل؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]، ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾، وإذا كان له عَدوٌّ من المُجرِمين فلا بُدَّ أن يُجادِل، وبالتالي أن يُجالِد بالسُّيوف، المُجادَلة في آيات الله الكَوْنية أن يُنكِر أن يَقول: الله هو الخالِق. وقد وُجِد هذا فِعلًا، وُجِد مَن يَنسُب ما يَحدُث للكَوْن إلى الأمور الطَّبيعية دون أن يَكون لها مُدبِّر وقال: هذه طَبيعةٌ تَتَفاعَل ويَنتُج منها ما يُشاهَد.
ويُوجَد مَن يُجادِل في آيات الله الكونية بالأمور التي دون ذلك مِثْل أن يُثبِت شيئًا من الأَسْباب لم يَجعَله الله سببًا؛ كما يَحدُث لأهل الجاهِلية من التَّشاؤُم بالطيور والأماكن والأزمان، وما أَشبَه ذلك، فهُمْ يَتَشاءَمون في الأزمان بشَهْر صفَر، يَقولون: إن هذا الشَّهرَ شَهْر شَرٍّ. يَتَشاءَمون أيضًا بالطَّيْر: بنوع الطير، أو بكَيْفية طَيَرانه، أو باتِّجاهه، أو ما أَشبَه ذلك، يَتَشاءَمون أيضًا بالأشخاص، يَرَى الإنسان الرجُلَ أوَّل ما يَرَى فيَتَشاءَم به؛ حتى كان هذا مَوْجودًا إلى قريب عَصْرنا فيما يَظهَر؛ بعض الناس في جِهة ما من المَمْلكة إذا أَتَى ليَفتَح دُكَّانه ثُم قابَلَه شَخْص قبيحُ المَنظَر مثَلًا قال: اليَوْم شُؤْم ليس هناك بَيْع ولا شِرَاء، هذا تَشاؤُم بالأَشْخاص. هذا أيضًا من المُجادَلة في آيات الله الكَوْنية.
أمَّا المُجادَلة في آيات الشَّرْعية فحدِّثْ ولا حرَجَ، يُكذِّبون بآيات الله الشرعية، يُنكِرونها، يُجادِلون في بعض الأُمور فيها يَقولون: فيها تَناقُض، وفيها كذا، وفيها كذا. وأنواع الجَدَل كَثيرةٌ.
стр. 476
يَقول: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [﴿أَنَّى﴾ كيفَ ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عن الإِيمان] يَعنِي: كأن هذا استِفْهام تَعجُّب وإنكارٍ، كيف يُصرَفون عن الإيمان مع أنه واضِحٌ بين، فهُمْ يُصرَفون عنه، ويُجادِلون فيه.
стр. 477
الآيات (٧٠ - ٧٢)
قَالَ اللهُ : ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢].
ثُم قال : ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ هذا بدَل من قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أو عَطْف بَيان، والفَرْق بينهما أن عَطْف البَيان يُشبِه الصِّفة في بَيان المُبدَل منه، وأمَّا البدَل فقد يَكون بدَلًا مجُرَّدًا عن الصِّفة، فمثَلًا إذا قُلْت: جاء زَيْد أَخوك. أخوك هنا بدَل لم يَستَفِد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عَطْف البيان مِثْل هذه الآيةِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ فقَدِ استَفَدْنا منها مَعنًى هو إلى الصِّفة أَقرَبُ منه إلى البدَلية؛ فلهذا يُسمُّونه عطْفَ بَيان ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾؛ أي: قالوا إنَّه كذِبٌ. والكِتاب هنا محُلًّى بـ (أل)، فهل هي للعَهْد، أو للاستِقْرار، أو للجِنْس؟ أَقرَبُ شيء أنها للجِنْس، والمفَسِّر ﵀ جعَلها للعَهْد فقال: [القُرآن] ولا شَكَّ أنه لا يَجوز العُدول عن الجِنْس أو بَيان الحَقيقة، لا يَجوز العُدول عن ذلك إلَّا بدَليل.
فما هو الأصل في (أل) أن تَكون لبَيان الحَقيقة أو لبيان الجِنْس أو للعَهْد؟
الجواب: لبَيان الجِنْس؛ لأن بيان الجِنْس يَعنِي: الاستِغْراق، وهذا هو الأصل،
стр. 478
فإذا جعَلْتها للعهد فقَدْ عدَلْت بمَعناها العامِّ إلى مَعنًى خاصٍّ، وكذلك إذا جعَلْتها للحَقيقة، ونحن نَضرِب ثلاثة أمثِلة؛ ليَتبيَّن الأمر، إذا قلت: الرجُل خَيْر من المرأة. فهي ليسَتْ للعُموم؛ لأن من النِّساء من هو خَيْر من الرِّجال؛ إِذَنْ: هذا لبَيان الحَقيقة.
فإذا أَورَد عليك مُورِد ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ أيِّ شيءٍ هذا؟ للجِنْس -يَعنِي: للعُموم، يَعنِي: خُلِق كلُّ إنسان ضَعيفًا-.
وإذا أَورَد عليك قولَ الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦] فهي للعَهْد الذِّكريِّ.
قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هذا أيضًا للعَهْد؛ أي: العَهْد الذِّهنيِّ.
هنا قال المفَسِّر ﵀: حمَل قولَه: "الكِتاب" على العَهْد الذِّهنيِّ، وقال: إنَّه [القُرآن]، والصَّواب أنه عامٌّ، وأن المُراد به جِنْس الكِتاب، وذلك لأن التَّوراة كَذَّبت بها أُناسٌ، والإِنْجيل كذَّب به أُناس، وكذلك الزَّبور وبَقيَّة الكُتُب، وآخِرُها القُرآن.
﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قل المفَسِّر ﵀: [مِن التَّوْحيد والبَعْث وهُمْ كُفَّارُ مكَّةَ ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾].
قوله : ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ عَطَفها على قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ بإِعادة العامِل؛ لأن العَطْف يَكون بإعادة العامِل وبغَيْر إعادة العامِل، فتَقول: مرَرْت بزَيدٍ وعَمرٍو. هذا عَطْف بدون إعادة العامِل، مرَرْت بزَيْد وبعَمْرٍو هذا عَطْف
стр. 479
بإعادة العامِل، ويُفيد إعادة العامِل استِقْلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابِعًا له من كل وَجْه بدليل إعادة العامِل، فقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يَدُلُّ على أن ما أُرسِلَت به الرُّسُل كأنه مُستَقِلٌّ عن الكِتاب؛ ولهذا كانَتِ السُّنَّة بمَثابة الكِتاب في الدَّلالة بوُجوب العَمَل بها.
وقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قال المفَسِّر ﵀: [من التَّوْحيد والبَعْث وهُمْ كُفَّار مكَّةَ] التَّوْحيد يَعنِي: تَوْحيد الله بما يَستَحِقُّ من الأسماء والصِّفات والعِبادة والربوبية، وأمَّا البَعْث فهو إخراج الناس من قُبورهم يومَ القِيامة.
وقوله: [وهُمْ كُفَّارُ مكَّةَ] هذا لا وَجهَ له؛ لأن هذا الوَصفَ التَّكذيب بالكِتاب، وبما أُرسِل به الرُّسُل لا يَختَصُّ بأَهْل مكَّةَ هم وغيرهم، فالأَوْلى أن يُجعَل هذا عامًّا في كل مَن كذَّب بمُحمَّد ﷺ ، بل قُلْ: عامًّا لكل مَن كذَّب الرُّسُل انتَبِهْ.
لكن إذا قال قائِلٌ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أَلَا تَدُلُّ بذلك على أن المُراد بذلِكَ الكُفَّار الذين كذَّبوا محُمَّدًا ﷺ ؟
الجَوابُ: لا؛ لأن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تَهديد بما سيَكون في الدُّنيا، وما سيَكون في الآخِرة بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ والأغلال لا تَكون في الأَعْناق إلَّا يوم القِيامة.
قال المفَسِّر: [﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عُقوبةَ تَكذيبِهم ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ ﴿إِذِ﴾ بمَعنَى: إذا، ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عَطْف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾ فتكون في الأَعْناق، أو مُبتَدَأ خبَرُه مَحذوف؛ أي: في أَرجُلِهم، أو خبَرُه ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي: يُجَرُّون بها].
قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هو تَهديد بلا شَكٍّ؛ كقوله : ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، فقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ
стр. 480
أَعْنَاقِهِمْ﴾ فيَقول المفَسِّر ﵀: إن [﴿إِذِ﴾ بمَعنَى: إذا]، ومن المعلوم أن (إِذْ) تَأتِي للحاضِر وتَأتِي للماضِي، و (إذا) تَكون للمُستَقبَل، فما الذي جعَل المفَسِّر ﵀ يَصرِف مَعناها إلى المُستَقبَل؟
الذي جعَله يَصرِف ذلك إلى المُستَقبَل أن الأَغلال لا تَكون إلَّا يوم القِيامة، وهو مُستَقبَل.
ولكنَّنا نَقول: لا حاجةَ إلى ذلك، بل هي (إِذْ) على بابها، ولكنَّها حِكاية حال، وحِكاية الحال هي التي تَجعَل المُستَقبَل كأنه حاضِر، وهذا أَبلَغُ في التَّهديد. يَعنِي: كأن الأَغْلال الآنَ حاضِرة؛ لأنها أمر مُؤكَّد، ولا بُدَّ أن تَكون الأَغْلال في الأَيْدي، كما قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]، والسلاسل تَكون في الأَرجُل، كما قال الله ﵎: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٤٩ - ٥٠]، لكن هنا يَقول: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ تَقتَفِي أن يَكون ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ في الأعناق في محَلِّ الأَغْلال، ولكن في احتِمال آخَرَ بيَّنه ﵀ بقَوْله: [عَطْف على ﴿الْأَغْلَالُ﴾ تَكون في الأعناقِ] أي: مُبتَدَأ خبَرُه مَحذوف؛ أي: في أَرجُلهم، وإذا كانت مُبتَدَأ نَقول: الواو للاستِئْناف، و (السلاسل): مُبتَدَأ وخبَرُه مَحذوف؛ أي: في أَرجُلهم، أو خبره ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ويَكون العائِد مَحذوفًا، والتَّقديرُ: يُسحَبون بها ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ بها، فهُنا صار في إعراب (السَّلاسِل) ثَلاثةُ أَوْجُهٍ:
الوجه الأوَّلُ: أنها مَعطوفة على ﴿الْأَغْلَالُ﴾ فتكون والسلاسِل في الأعناق يَعنِي: مَعناه: تُغَلُّ أيديهم إلى أَعْناقهم بسَلاسِلَ.
والثاني: أن تَكون السلاسِل بالأَرْجُل، والخبَر مَحذوف؛ أي: في أَرجُلهم.
стр. 481
والثالِث: أن تَكون السلاسِل في الأَرجُل، والخَبَر قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، والمَعنَى: أنهم يُسحَبون بهذه السلاسِلِ، وهذا المَعنَى هو أقرَبُها لظاهِر القُرآن كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر: ٤٨]، فهُمْ إذا سُحِبوا على وُجوههم فتَكون السلاسِلُ في الأَرجُل، فهذا أَقرَبُ الاحتِمالات التي ذكَرَها المفَسِّر ﵀.
وقال المفَسِّر ﵀: [﴿فِي الْحَمِيمِ﴾؛ أي: جَهَنَّمَ] ووُصِفَت بذلك لأنَّها شَديدةُ الحَرارة، [﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يُوقَدون]؛ لأن النار وَقودُها الناسُ والحِجارةُ.
من فوائدِ الآياتِ الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: العَجَب من حال هَؤلاءِ المُكذِّبين بالكِتاب وبما جاءَت به الرُّسُل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ وهُمْ -واللهِ- عجَب؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥].
وإن قال قائِلٌ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ فسَّرْتم الاستِفْهام أنه استِفْهام تَقريريٌّ، ثُم قُلْتم: من فَوائِده التَّعجُّب، فهل هذا التَّعجُّبُ ليس استِفْهامًا؟
فالجَوابُ: من قوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾، فقَوْله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ استِفْهام.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإنسان يُصرَف عن الحَقِّ مع بَيانه ووُضوحه، وهذا يُؤدِّي إلى فائِدة أُخرى، وهي خَوْف الإنسان من أن يُصرَف عن الحَقِّ، ويَنتُج عن ذلك فائِدة ثالِثة، وهي سُؤال الإنسان ربَّه دائِمًا أن يُثبِّتَه؛ ولهذا كان من دُعاء المُؤمِنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، فيَنبَغي للإِنْسان أن يَكون دائِمًا على خَوْف وأن يَسأَل الله الثَّباتَ دائمًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَهديد هَؤلاءِ المُكذِّبين بهذه العُقوبةِ، أن تُغَلَّ أيديهم يوم القِيامة،
стр. 482
وأن تُسلسَل أَرجُلهم، وأن يُسحَبوا في النار على وُجوههم، وكل هذا يُوجِب للإنسان أن يُصدِّق بالكُتُب وبما جاءَتْ به الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإنسان لا يَعلَم عِلْم اليَقين حتى يُشاهِد ما أَخبَرَت به الرُّسُل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ﴾ وفي ذلك الوقتِ يُقِرُّون بالحقِّ وَيقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، لكن هذا لا يُمكِنهم ولا يُمهَل لهم في ذلك، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات النار، وأنها في أشَدُّ ما يَكون من الحرارة؛ لقوله: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ هذا العَذابُ لا يَخفَى علينا جميعًا أنه عَذاب بدَنيٌّ جسَديٌّ.
стр. 483
الآيتان (٧٢، ٧٤)
* قَالَ اللهُ : ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ غافر: ٧٣ - ٧٤].
هناك عَذاب قَلبيٌّ بيَّنه في قوله ﵀: [﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ تَبكيتًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معه وهي الأَصْنام]، والاستِفْهام هنا لا شكَّ أنه للتَّوْبيخ والتَّنْديم والتَّعْجيز، كلُّها يَتضَمَّنها هذا الاستِفْهامُ وهذا ألَمٌ قَلبيٌّ؛ لأن الإنسان يَندَم أشَدَّ الندَم إذا كانت هذه الأصنامُ التي كان يَعبُدها لتُقرِّبه إلى الله كما يَدَّعي، ثُم تَضِلّ عنها الآنَ ولا تُوجَد، كما لو أَمسَكْت عبدًا الآنَ وعذَّبْته وقلت: أين سيِّدُك الذي تَدَّعي أنه يَحميك؟ هذا يَكون أشَدَّ ندَمًا له.
إِذَنْ: هَؤلاء يَندَمون هذا التَّنديمَ فيُقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله وهي الأصنامُ، وحينَئذٍ يَتحَسَّرون حسرةً ليس فوقَها حَسْرة؛ ولهذا يَقولون إقرارًا، إقرار المُكرَه في الواقِع: [﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلا نَراهُم]، إِذَنْ عرَفوا أنها لن تَنفَعهم وأنها غابت عنهم في أشَدِّ ما يَحتاجون إليها فيه، بل قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ سُبحانَ الله! يَعنِي: أَنكَروا أن يَكونوا أَشرَكوا؛ كما قال تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤].
стр. 484
فالحاصِلُ: أنهم يَندَمون هذا الندَمَ العَظيم ثُم يُنكِرون يَقول : ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ﴿نَدْعُو﴾ بمَعنى نَعبُد؛ لأن الدُّعاء يَنقَسِم إلى قِسْمَين: دُعاء مَسألة، ودُعاء عِبادة، وكِلاهما مُتلازِمان فدُعاء المَسأَلة عِبادة، كما جاء في الحديث: "الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ" (١) ودُعاءُ العِبادة دُعاء مَسأَلة؛ لأنك لو سأَلْت العابِد لماذا عبَدْت الله؟ لقال: رجاءَ ثَوابِه وخوفَ عِقابه. فهو داعٍ بلِسان الحال؛ ولذلك صار الدُّعاء بمَعنَى العِبادة، والعِبادة بمَعنى الدُّعاء، وانظُرْ إلى ذلك في قوله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
لكن دُعاء المَسأَلة دُعاء صَريح في السُّؤال يَقول القائِل: ربِّ اغفِرْ لي وارْحَمْني .. إلى آخِره، ودُعاء العِبادة دُعاء باللَّازِم؛ لأن الإنسان إنما يَعبُد الله خوفًا من عِقابه ورجاءً لثَوابه.
ودُعاء المَسأَلة عِبادة باللَّازِم؛ لأن السائِل مُتذَلِّل للمَسؤول، فهو مُتعَبِّد له.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أَنكَروا عِبادتهم إيَّاها ثُم أُحضِرت، فقال الله : ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ أي: وَقودها].
وتمَام الآية: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٩]، فهَؤلاءِ أَنكَروا، كذَبوا على أَنفُسهم، ظَنُّوا أن
стр. 485
هذا سيَنفَعُهم، كما لو أن الجانِيَ في الدنيا أَنكَر جِنايته ربما يَنفَعه ذلك، لكن في الآخِرة لا يَنفَع، حتى إنهم إذا أَنكَروا خُتِم على أَفْواهِهم، فتَتَكلَّم الأيدي والأَرجُل والجُلود والأَلْسُن بما تَعمَل، وحينئذٍ ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾.
قال : ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف حَرْف، لكنها اسمٌ في الواقِع، فهي مَفعول مُطلَق، وتَقديرُ الكَلام: مثل ذلك الإِضلالِ يُضِلُّ الله الكافِرين، فهي حَرْف صورةً، لكِنَّها بالمَعنى اسمٌ، هذا الاسمُ مَحلُّه من الإعراب مَفعول مُطلَق للفِعْل الآتِي بعده، ومثْل هذا التَّعبيرِ يَأتِي كثيرًا في القُرآن، وإعرابه كما سمِعْتم أن الكاف حَرْفٌ بمَعنَى (مِثْل)، وأن إعرابها مَفعول مُطلَق للفِعْل الذي بعدَها، والتَّقدير في كل سِياق بحَسبه، لكن في الآية التي معَنا: مثل ذلك الإِضلالِ يُضِلُّ الله الكافِرين.
وقوله: [﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾؛ أي: يَجعَلهم في ضَلال يَقول المفَسِّر ﵀: [﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مِثل إِضْلال هَؤلاءِ المُكذِّبين ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾].
من فوائِدِ الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن هَؤلاءِ المُكذِّبين بالكِتاب وبما أَرسَل الله به الرُّسُل يُعذَّبون عذابًا جَسَديًّا بالسلاسل والأغلال والسَّحْب في النار، وُيعذَّبون عذابًا قَلْبيًّا بالتَّوْبيخ والتَّقْريع والتَّنْديم، فيُقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
مسألة: إثبات القَوْل لله هل يُمكِن أن يُؤخَذ من الآية؟
الجَوابُ: الآية لا تَدُلُّ على هذا؛ لأن القائِل لم يُبيِّن، بل قيل لهم، ولكِنها في آية أُخرَى تَدُلُّ على أن الله يَقول لهم ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ
стр. 486
تَزْعُمُونَ﴾ الذي يُنادِيهم الله؛ لأنه قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ويُمكِن أن يُقال: إنهم يُنادَوْن من قِبَل الله، ويُنادَوْن أيضًا من قِبَل الملائِكة الذين وكَّلَهم الله . أو يُقال: إن المَلائِكة تُناديهم، ولكن مُناداتهم أُضيفَت إلى الله؛ لأنه الآمِر بها كما أَضاف الله الوَفاةَ إليه؛ مع أن التي تَتَوفَّى الأَنفُس مُباشَرةً هي الرُّسُل، ولكن نَقول: هذه احتِمالات لا نُورِدها مع وجود الظاهِر؛ لأن الكلام يُحمَل على ظاهِره حتى يَقوم دَليلٌ على صَرْفه عن الظاهِر، فإذا كان الله يَقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ صَريح بأن المُنادِيَ هو الله، وَيبقَى على ما هو عليه، ويُحمَل ما كان مَبنيًّا للمَفعول على أن المُنادِيَ هو الله .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الله تعالى يُضِلُّ الكافِر لكُفْره، وجهُ الدَّلالة: أن الحُكْم إذا عُلِّق على وَصْف كان ذلك الوصفُ عِلَّةً له، فما الذي عُلِّق على الكُفْر هُنا؟ الإضلالُ.
إِدنْ: الكُفْر سبَب الإضلال، ويُؤيِّد هذا قولُ الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥].
يَتَفرَّع على ذلك: أن الضالَّ إذا ضلَّ فإنه هو السبَب في ضَلاله؛ لأن الله تعالى لو عَلِم فيه خيرًا لأَسمَعه؛ ولهذا يَقول : ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وهذه الآيةُ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ تَعنِي أن الله أَعلَمُ حيث تَكون الرِّسالة في شخص مُعيَّن، وكذلك حيث يَكون أثَرُ الرِّسالة في شخص مُعيَّن، وأَثَر الرِّسالة الهِداية.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على القدَرية: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ وجهُ ذلك: أن القَدَرية يَقولون: إن أَفعال العِباد ليسَت مخَلوقة لله ، ولا عَلاقةَ لله به، لكنَّ الآيةَ تَدُلُّ على أن الله هو الذي يُضِلُّهم، فيَكون في ذلك رَدٌّ على القَدَرية.
стр. 487
يَنبَغي بهذه المُناسَبة أن نَقول: إن الناس انقَسَموا في هذا البابِ إلى طرَفَيْن ووسط، -أي: في أَفْعال العِباد-:
فمِنهم مَن يَقول: إن أَفْعال العِباد مَخلوقة لله، والعَبْد مَجبور عليها وليس له إرادة؛ لأن الله خالِقُ كل شيء، وإذا كان الله هو الخالِقَ فالإنسان ليس له تَدْبير.
ومنهم مَن قال بالعَكس: إن الإنسان فاعِل باختِياره وليس لله عَلاقةٌ به. هذان طرَفان.
ومِنهم مَن قال: إن الإنسان فاعِل باختِياره لكن فِعْله مَقرون بمَشيئة الله، وهذا هو الوَسَط.
واعلَموا أن أسباب الضَّلال في مِثْل هذه الأُمورِ أن من الناس مَن يَنظُر إلى النُّصوص من زاوِية واحِدة، بمَعنى أنه يَأخُذ نَصًّا ويَدَع نصًّا:
فالجَبْرية رأَوْا عُموم مَشيئة الله وعُموم خَلْق الله، وأن الإنسان فَقير إلى الله، وما أَشبَه ذلك فقالوا: إِذَنْ الإنسان ليس له إرادة ولا اختِيار، وفِعْله على وَجْه الإجبار.
والقدَرية رأَوْا أن الإنسان يَفعَل ولا يُحِسُّ أن أحَدًا مُكرِهٌ له، والله تعالى قد أَضاف الفِعْل إليه فقال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ وما أَشبَهَ ذلك، فإِذَنْ هو مُستَقِلٌّ بعمَله ليس لله فيه عَلاقة، فأَخَذوا من جانَب وتَرَكوا من جانبٍ آخَرَ.
وهكذا جميع خِلاف العُلَماء إذا رأَيْت العُلَماء مُختَلِفين على طرَفَيْن ووسَط، فاعلَمْ أن الطَّرَفين كل واحد مِنهما أَخَذ بجانِب من الأدِلَّة وترَك جانِبًا آخَرَ.
стр. 488
الآية (٧٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥].
قال ﵀: [ويُقال لهم أيضًا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ العَذاب ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾] ﴿ذَلِكُمْ﴾ المُشار إليه العَذاب، والمُخاطَب أُولئِك الكافِرون؛ ولهذا جاءَتِ الكاف بضَمير للجَماعة، وجاءَتِ اسمَ إشارة بالإشارة لمُفرَد مُذكَّر؛ لأن العَذاب مُفرَد مُذكَّر، واعلَمْ أن اسمَ الإِشارة وكاف الخِطاب تارةً يَتَّفقان وتارةً يَخْتَلِفان، فاسمُ الإشارة يَكون بحَسب المُشار إليه، وكاف الخِطاب بحَسب المُخاطَب، وليُنتَبه للقاعدة.
فإذا قيل لك: أَشِرْ إلى مُفرَد مُذكَّر مخُاطِبًا جماعةَ نِساءٍ. تَقول: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾، وإذا قيل: أَشِرْ إلى مُثنًّى مُذكَّر مُخاطِبًا مُثنًّى مُؤنَّثًا تَقول: ذانِكما. وإذا قيل: أَشِرْ إلى مُفرَدة مُؤنَّثة مُخاطِبًا جماعةَ ذُكور. تقول كما في القُرآن: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
المُهِمُّ هذه القاعِدةُ: اسمُ الإشارة بحَسب المُشار إليه وكاف الخِطاب بحَسب المُخاطَب قد يَتَّفِقان وقد يختَلِفان.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء للسَّبَبية، و (ما) مَصدَرية، وعَلامة (ما) المَصدَرية
стр. 489
أن يَصِحَّ تَحويلُ ما بَعدها إلى مَصدَر، فمثَلًا قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ إذا حوَّلْنا ما بعدَها إلى مَصدَر يَكون التقدير: ذلِكُم بكَوْنِكم تَفرَحون في الأرض بغير الحقّ. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ مَعلوم أن (كان) هذه للماضِي أي: قبل المَوْت ﴿كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تَفرَحون بالباطِل؛ وذلك لأنهم يَفرَحون بالشِّرْك والكُفْر، وكلُّ مَن شارَكهم في إثمهم فإنَّهم يَفرَحون به.
وقوله ﵀: [﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مِن الإِشْراك وإنكار البَعْث]، وهذا في الواقِع قُصور، إلَّا إذا كان يُريد به التَّمثيل، وإلَّا فإن قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أعَمُّ من الشِّرْك وإنكار البَعْث، فهم يَفرَحون في الأرض بغير الحَقِّ من الشِّرْك وإنكار البَعْث، والعُدوان، وتَحليل الحَرام، وتَحريم الحَلال، كالسائِبة، والوَصيلة، والحامِي، وما أَشبَه ذلك.
المُهِمُّ: أن قول المُفَسِّر ﵀: [بالإِشراكِ وإنكار البَعْث] هذا قُصور ما لم يُرِدِ التَّمثيل، فإن أَراد التَّمثيل فإن التَّمثيل لا يُفيد الحَصْر.
قال المفَسِّر ﵀: [﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تَتَوسَّعون في الفَرَح]، الواو حرف عَطْف والباء للسبَبية، وهذه الجُملةُ مَعطوفة على ما قَبلَها بإعادة العامِل الذي هو الباء، والعَطْف بإعادة العامِل يَعنِي: أن الثانيَ مُستَقِلٌّ عن الأوَّل، فهُمْ يُعذَّبون بالأمرَيْن جميعًا: يُعذَّبون عَذابًا خاصًّا بالفرَح، وعذابًا خاصًّا بالمرَح، والباء للسبَبية ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تَتَوسَّعون في الفرَح.
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات الأَسْباب، يُؤخَذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسبَبِية.
стр. 490
واعلَمْ أيضًا أن الناس اختَلَفوا في الأسباب على ثلاثة أقوال: طرَفان ووسَط، طرَف من الناس أَثبَتَ الأسباب، وأنها فاعِلة بنَفْسها يَعنِي: أنه إذا وُجِد السبَب لزِمَ وُجود المُسبَّب ولا بُدَّ، وطائِفة أُخرى أَنكَرت تَأثير الأسباب وقالوا: الأَسْباب لا تُؤثِّر؛ لأنك لو جعَلْت هذا مُتأثِّرًا بسبب لأَثبَتَّ لله شريكًا في الإيجاد، وهذا شِرْك.
الطائِفة الثالِثة: قالتِ: الأسباب مُؤثِّرة بلا شَكٍّ، لكن لا بنَفْسها، بل بما أَودعَ الله فيها من القُوَّة التي صارت بها مُؤثِّرة، ما هي بنَفْسها غير مُؤثِّرة، لكن الله تعالى أَودَع فيها قُوًى تُؤثِّر، ولو شاء الله تعالى لسلَب تِلْك القُوَى فلم تُؤثِّر.
وهذا قَوْل وسَط، وهو مَذهَب أهل السُّنَّة والجَماعة، وهو الذي يُوافِق السَّمْع والعَقْل.
وأَضرِب لك مثَلًا: رجُل رَمَى زُجاجة بحجَر فانكَسَرَت، مُثبِتو الأسبابِ يَقولون: الذي كسَرها الحجَرُ بذاته. ونافو الأَسبابِ يَقولون: الحَجَر لم يَكسِر الزُّجاجةَ، لكِن انكَسَرَت الزُّجاجة عند رَمْيها بالحجَر، وليس بالحجَر، وإنما الحَجَر أَمارة فقَطْ، أَمارة حصَل الشيء عِندها، وكَذلِك بَقيَّة الأسباب. والوسَط يَقولون: الحجَر كَسَر الزُّجاجة، فهو السبَب بما جعَلَ الله تعالى في الحجَر من قُوَّة، وبما جعَل في الزُّجاجة من قابِلية تَقبَل الانكِسار، وهذا هو الحَقُّ.
ثُم إذَا أَلقَيْنا في النار ورَقة فاحتَرَقَت، مُثبِتو الأسباب الذين يَقولون: إن الأسباب تُؤثِّر بنَفْسها. يَقولون: النار أَحرَقَت الورَقة، ولا بُدَّ. ونافو الأسبابِ يَقولون: إن النار لم تُحرِق الورَقَ ولكِن احتَرَقَت الورَقة عند إلقائِها في النار لا بالنار. والوَسَط يَقولون: احتَرَقَت الورَقة بالنار بما جعَل الله تعالى في النار من قُوَّة الإِحْراق،
стр. 491
وبما جعَلَ في الورَق من قابِلية ذلك.
ولهذا يُوجَد الآنَ مَوادُّ تُضادُّ النار، تُلقَى في النار ولا تَحتَرِق؛ لأن هُناك مانِعًا يَمنَع من تأثير السبَب، وهذا القولُ هو الراجِح، ألَمْ تَرَوْا أن إبراهيمَ ﵊ أُلقِيَ في النار العَظيمة التي لم يَستَطِع مُلقوه أن يَقرَبوا منها حتى أَلقَوْه في المَنجَنيق ورمَوْه فيها رَمْيًا؛ لم يَحتَرِق مع أن النار سبَب للإِحْراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ فكانت بَرْدًا وسَلامًا عليه، قال العُلَماء: لو قال الله كوني بَرْدًا، ولم يَقُل: كُوني سَلامًا. لكانت بَرْدًا مُهلِكًا، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بَرْدًا وسَلامًا وكأنه لم يَكُن في نار.
إِذَنْ نَقول: الأصَحُّ من أقوال العُلَماء في تأثير الأسباب أنها مُؤثِّرة لا لذاتها، ولكن بما جعَل الله فيها من القُوى المُؤثِّرة في المَحلَّات القابِلة.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الفرَح بغير الحَقِّ سبَب للعَذاب والإِضلال، يُؤخَذ من قوله: ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الفرَح بالحَقِّ مَحمود؛ ولهذا جاء في الحَديث عن النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ المُؤْمِنُ" (١)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]، فالفرَح بالحَقِّ مَحمود، والفَرَح بغير الحَقِّ مَذموم، والفرَح بما ليس حَقًّا ولا باطِلًا ليس محَمودًا ولا مَذمومًا؛ لأنه من اللَّغْو، ولكن عِباد الرحمن إذا مَرُّوا باللَّغْو مَرُّوا كِرامًا.
ثُم اعلَمْ أن الفرَح يَكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أَتاه ما يَسُرُّه لا بُدَّ أن يَفرَح
стр. 492
يَنفعِل بدون إرادة، ومَعلوم أن هذا لا يُؤاخَذ به الإنسان إلَّا إذا كانَت طَبيعته مُنحَرِفة بحيث يَفرَح بالسُّوء دون الخَيْر.
فإن قال قائِل: قُلنا: الفرَح بالحَقِّ مَمدوح، فما ضابِط الحَقِّ الذي يُفرَح به؟
فالجوابُ: إذا فعَل الإنسان خيرًا فهذا حَقٌّ، فإذا فرِح بذلك فهو حَقٌّ، إذا فرِح بالمَطَر فهذا حقٌّ، إذا فرِحَ بأن الله أيَّدَه بشيء فهذا حقٌّ؛ ولهذا فرِحَ ابنُ عباس ﵄ حين أَفتَى الرجُلَ بالتَّمتُّع في الحَجِّ فرأَى في مَنامه رجُلًا يَقول له: عُمْرة مُتَقبَّلة وحَجٌّ مَبرور. فأَخبَر بذلك ابنَ عبَّاس ففَرِح بها، وقال: انتَظِرْ حتَّى نُعطِيَك مِن العَطاءِ (١) أو كلِمة نَحوَها.
فإن قال قائِل: فَرَح قارونَ الذي ذُمَّ عليه، هل هو بالبَغيِ أو بالمال الذي أُوتِيَ؟
فالجوابُ: بكِلا الأَمْرَيْن
فإن قال قائِل: لكن الفرَح بالمال ذاته ليس مَذمومًا.
فالجَوابُ: لا، قد يَكون مَذمومًا وقد يَكون مَمدوحًا، إذا فرِح بالمال ليَستَعين به على حَقٍّ، يَعنِي: إنسان يُريد أن يَشتَريَ كُتُبًا وليس عنده مال فرَزَقه الله المال فيَفرَح ليَشتَريَ الكُتُب، لكن إنسان يُريد أن يَشتَرِيَ آلةَ لَهْوٍ وليس عِنده مال فرَزَقه الله المالَ فاشتَرَى به آلةَ لَهْوٍ، فالفرَح هنا مَذموم.
فإن قال قائِل: هل يُثاب الإنسان على الفَرَح؟
стр. 493
فالجوابُ: أي نعَمْ؛ لأنه يَدُلُّ على حُسْن نِيَّة وقَصْد، إذا فرِح بالحَقِّ فإنه يُثاب على ذلك؛ لأنه يَدُلُّ على أنه يُريد الحَقَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الأسباب تَتَوارَد، بمَعنى أنه قد يَرِد على الشيء سببٌ، يُؤخَذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾، والمَرَح أشَدُّ الفَرَح، وهكذا الأسبابُ الشَّرعية تَتَوارَد، بمَعنَى أنه قد يَكون في الإنسان سَبَبان، واحِد مِنهما يُوجِب الحُكْم، فإذا اجتَمَعا صار كل واحِد يُقوِّي الآخَرَ.
فإِنِ اختَلَف مُوجِب السبَبَيْن فهل نَقول: إننا نَأخُذ بأَحَد السبَبَيْن دون الآخِر، أو نَأخُذ بالسبَبَيْن ونَعمَل بمُوجبهما؟
الجوابُ: الثاني ما لم يَكُن أحدُهما أقوى فيَندَرِج به الأصغَرُ، فإذا اجتَمَع سببان واختَلَف مُوجبهما، أَخَذْنا بمُوجب كل منهما ما لم يَكُن أحدُهما أقوى فيُؤخَذ بالأَقْوى.
مثال ذلك: ابنُ عَمٍّ هو زَوْج ماتت امرَأَتُه، هنا اجتَمَع في حقِّ هذا الزَّوْجِ جِهة فَرْض وجِهة تَعصيب، فهل يَرِث بالفَرْض أو بالتَّعصيب أو بهما؟
الجَوابُ: بِهما، فنَقول: هذا الزَّوجُ له النِّصْف فَرْضًا، والباقِي تعصيبًا، فهُنا وَرِث بالفَرْض وبالتَّعصيب.
ورجُل ملَكَ أَمَةً ثُمَّ تَزوَّجها فهل يَصِحُّ هذا الزواجُ ليَملِك بُضْعها أو لا يَصِحُّ؟
الجوابُ: لا يَصِحُّ؛ لأن المِلْك أَقوى؛ ولهذا لا يَصِحُّ على السَّيِّد أن يَعقِد النِّكاح على أَمَته، لكن يَستَمتِع بها بمِلْك اليمين.
ورجُل بالَ وتَغوَّطَ، هنا سبَبان مُوجِبان للوُضوء هل نَأخُذ بكُلِّ واحِد منهما؟
الجَوابُ: هنا لم يَختَلِف المُوجِب هنا؛ لأن المُوجِب هو الوضوء فلا يَختَلِف،
стр. 494
لكن يَقوَى المُوجِب بتَعدُّد المُوجَب، لكن لمَّا لم يَختَلِف فنَقول: نَأخُذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائِدةَ من ذلك.
إِذَنْ: إذا اجتَمَع مُوجِبان فإذا اتَّحَد مُوجِبهما أَخَذْنا بواحِد وكفَى، وإن اختَلَف المُوجِب أخَذْنا بهما ما لم يَكُن أحدُهما أقوى، فيُؤخَذ بالأقوى ويُترَك الأَضْعَف.
стр. 495
الآية (٧٦)
قَالَ اللهُ : ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. [غافر: ٧٦].
قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿ادْخُلُوا﴾ فِعْل أَمْر، والآمِر هُمُ المَلائِكة، والأَمْر يُراد به لإهانة، ليس أَمْر إكرام، ولكِنه أَمْر إهانة وإِلْزام؛ لأنه لا بُدَّ أن يَدخُل. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جَمعْ، وعدَد أبواب جَهنَّمَ سَبْعة كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر: ٤٤]، ﴿جَهَنَّمَ﴾ اسمٌ من أَسْماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذاتُ جُهْمة، إذا قُلْنا: إن جَهنَّمَ اسمٌ عرَبيٌّ زِيدت فيه النون. وإن قُلنا: إنه اسمٌ غيرُ عرَبيٍّ ولكنه عُرِّب، فلا حاجةَ أن نَقول: إنه مُشتَقٌّ من الجُهمة التي هي الظُّلْمة أو القَعْر، وأيًّا كان فهو اسم من أَسْماء النار، أَعاذَنا الله وإيَّاكم منها.
فإن قال قائِل: قُلْتم: إن العدَدَ لا مَفهومَ له في قوله ﷺ : "إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ" (١) قُلْتم: هذا العدَدُ لا يَدُلُّ على الحَصْر، وإن لله أَسماءَ أُخرى فلِماذا نَقولُ بالحَصْر، أو بإفادة العدَد الحَصْر في أبواب جَهنَّمَ وأبواب الجَنَّة؟