الآية (١٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].
* * *
أمَّا التَّقسيمُ الثَّاني فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بيَّنَّا لهم طَريقَ الهُدى.
﴿ثَمُودُ﴾ بِلا تَنوينٍ و (عادٌ) بتَنوينٍ؛ لأنَّ (ثمودَ) مَمْنوعَةٌ مِن الصَّرفِ و (عاد) ليست مَمْنوعَةً مِنَ الصَّرفِ، والصَّرفُ جرُّ ما لا يَنْصرِفُ بالفَتْحةِ أو عَدمُ التَّنوينِ، قال ابنُ مالكٍ (١):
الصَّرفُ تَنوينٌ أتى مُبيِّنًا ... مَعْنى به يكونُ اسمٌ أَمْكَنا
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بَيَّنَّا لهم طَريقَ الهُدَى]، فالهِدايَةُ هنا هِدايَةُ بَيانٍ، يعني بَيَّنَ لهمُ الحَقَّ.
واعلم أنَّ كُلَّ مَن كَفَرَ فإِنَّه كَفَرَ بعدَ أن تَبيَّنَ له الحَقُّ إذا جاءَه الرَّسولُ؛ لأنَّ الرُّسلَ -عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ- يُبَيِّنون الحَقَّ لا يَدَعونَ شيئًا يَحتاجُ إلى بَيانٍ إلَّا بيَّنوه، قال هُنا: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بَيَّنَّا لهم طَريقَ الحقِّ، فالهِدايَةُ هُنا هِدايَةُ بَيانٍ وإِرْشادٍ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ اختاروا الكُفْرَ عَلى الهُدَى]؛ أي:
стр. 107
هِدايَةُ التَّوفيقِ، يَعني على الاهْتِداءِ، استحبُّوا العَمَى الَّذي هو الكُفْرُ على الهُدَى الَّذي هو الإسلامُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧]، أَخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ يَعني عَذابَ الصَّاعقَةِ؛ لأنَّ ثَمودَ صِيحَ بهم ورُجِفَ بهم، فصُعِقوا هَلَكوا هَلَكَةَ رَجلٍ واحدٍ ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] والعِياذُ باللهِ على رُكَبِهِمْ هامِدينَ.
وقولُهُ: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أيِ العَذابُ [المُهينُ] لأنَّ الهونَ هو الإذلالُ.
وقولُهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الباءُ) للسَّببيَّة، و (ما) إمَّا موصولَةٌ، وعليه فيَكونُ عائدُها محذوفًا، التَّقديرُ: بما كانوا يَكسِبونَهُ، وإمَّا أن تَكونَ مَصدريَّةً فلا تَحتاجُ إلى عائدٍ، ويَكونُ التَّقديرُ: بِكَسْبِهِمْ.
مِن فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ اللهَ تعالَى أَبْلغَ رِسالاتِه كُلَّ أحدٍ ولم يَدَعْ أحدًا بلا هِدايةٍ دَلالَةً؛ لقولِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾ وهذه الجُملةُ التَّفصيليَّةُ كما سبق في التَّفسيرِ معطوفةٌ عَلَى ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الهِدايةَ ليست مَقْصورَةً على هِدايةِ التَّوفيقِ، ولكنَّها تُطلَقُ على هِدايةِ الدَّلالَةِ والبَيانِ؛ لقولِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دَلَّلناهُمْ على الحَقِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على الجَبرَّيةِ الَّذين قالوا: إنَّ الإنسانَ مُجْبَرٌ على عَملِهِ، يُؤخَذُ من قَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ لأنَّ استَحبُّوا تَدُلُّ على اخْتيارِهِمْ لهذا الشَّيءِ، وأنَّهمْ آثَروه على الهُدَى.
стр. 108
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ من لم يَتَمَشَّ على هُدَى اللهِ فإنَّه أَعْمى، يُؤخَذُ من قول اللهِ تَعالَى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾، وإذا كانوا مُبْصرينَ بأَعينِهِمْ فهُمْ عُمْيُ البَصائِرِ، إذن نَأخُذُ من ذلك فائدةً، وهي أنَّ العَمى نَوعانِ: عَمَى بَصَرٍ وعَمَى بَصيرَةٍ، وأَشدُّهُما عَمَى البَصيرَةِ، فكم مِن إنسانٍ أَعْمى البَصَرِ، لكنَّه مُبْصِرُ البَصيرَةِ، وكم من إنسانٍ مُبْصِرِ البَصَرِ لكنَّه أَعْمى البَصيرَةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَعجيلُ العُقوبةِ لمَنْ آثَرَ العَمَى على الهُدَى، يُؤخَذُ مِن قولِه تَعالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أنَّ الفاءَ للتَّرتيبِ والتَّعقيبِ هذا وَجْهٌ، ووَجْهٌ آخَرَ أنَّ الفاءَ هنا للسَّببيَّةِ والمُسبَّبُ يَعْقُبُ السَّببَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذيرُ من إيثارِ العَمَى على الهُدَى، وأنَّ الإنسانَ إذا بُيِّنَ له الحقُّ، ولكنَّه عَمِيَ عنْه فإنَّه جَديرٌ بأن يُعاقِبَه اللهُ لأنَّ اللهَ أَخْبرنا بأَخْذِهِمْ لنَحْذَرَ من ذلك، فأَخْبَرنا اللهُ تَعالى بعُقُوبتهمْ حينَ خالفوا لِنَحْذَرَ من ذلك، ودَليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] هذا دَليلٌ، ودَليلٌ آخَرُ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ ثَمودَ أُهلِكوا بِصاعِقَةٍ أي بشيء صُعِقوا به، وهَلَكوا، وقد بَيَّنَ اللهُ في آيَةٍ أُخْرَى أنَّهم أَخَذَتْهمُ الرَّجفَةُ، فيَكونُ أُخِذوا بالرَّجفَةِ، حتَّى صُعِقوا وهَلَكوا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ هؤلاءِ الَّذين غَرَّهم الْكِبْرُ أُهينوا وأُذِلُّوا، نَأْخُذُها مِن قولِه تَعالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ يَعني: عَذاب الذُّلِّ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إِثباتُ الأَسبابِ، لقولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ والباءُ هنا للسَّببيَّةِ.
стр. 109
واعلمْ أنَّ اللهَ تعالى لن يَحكمَ حُكمًا شرعيًّا ولا حُكمًا قَدريًّا ولا حُكمًا جَزائيًّا إلَّا لسببٍ، هذه خُذْها قاعِدَةً لن يَحْكُمَ حُكمًا شرعيًّا كالإيجاب والتَّحريمِ والإباحَةِ، ولا قَدَريًّا كالخَلْقِ والتَّكوينِ، ولا جَزائيًّا إلا لسببٍ نعلمُ ذلك عِلْمَ اليَقينِ، ونَأخُذُه من أنَّ اللهَ تَعالَى حَكيمٌ، والحَكيمُ هو الَّذي يَضَعُ الأشياءَ مَواضعَها لا يُمكنُ أن يَكونَ فعلُ اللهِ فَلتةً ولا صُدفةً ولا لَغوًا ولا لَعِبًا، بل لا بُدَّ له من سَببٍ اقتَضاه، لكن هل كُلُّ سببٍ اقتَضى حُكمَ اللهِ يَكونُ مَعلومًا للخَلقِ؟
الجواب: لا، لأنَّ الخَلقَ أَعجزُ مِن أن يُدْرِكوا حِكمةَ اللهِ وكم من أَحْكامٍ شَرعيَّةٍ وكَونيَّةٍ وجَزائيَّةٍ لا نَعلمُ حِكمتَها؛ لأنَّنا أَقْصرُ من أنْ نُحيطَ بحِكمةِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ أنَّ العَمَلَ كَسْبٌ للإنسانِ؛ لقَولِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
ويَتَفَرَّعُ على هَذِهِ الفائِدَةِ: أنَّه إذا كان العَمَلُ كَسْبًا للإنسانِ، فإنَّه يَجِبُ عليه بمُقْتَضى العَقْلِ كَما هو مُقْتَضى الشَّرعِ أنْ يَسعَى إلى الكَسْبِ المُفيدِ لا إلى الكَسْبِ الضَّارِّ، كما كان يَفعلُ في الدُّنيا، أليس الواحِدُ منَّا في الدُّنيا يَسعَى إلى الكَسْبِ النَّافعِ، بَلَى، إذن يَجِبُ أن تَسعَى إلى الكَسْبِ النَّافعِ في الآخِرَةِ، ولهذا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ في عَقلِه ودينِه مَن احتَجَّ بالقَدَر على مَعاصي اللهِ، ولم يَحتَجَّ بالقَدَر على أُمورِ الدُّنيا، ففي أُمور الدُّنيا يَعمَلُ وَيكْدَحُ ويَسعَى لِما فيه المَنْفَعَةُ والمَصلحَةُ، لكن في أُمورِ الآخِرَةِ يَتكاسلُ، ثُمَّ يَقولُ هذا القَدَرُ، فنَقولُ: قد ضَلَلت، كيف تَحتَجُّ بالقَدَر على كَسْبِ الآخِرَةِ ولا تَحتَجَّ به عَلَى كَسْبِ الدُّنيا.
* * *
стр. 110
الآية (١٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨].
* * *
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَنَجَّيْنَا﴾ منها] أي: من صاعِقَةِ العَذابِ الهونِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٨] نَجَّينا من هذا العَذابِ الَّذين آمَنوا، وكانوا يَتَّقونَ، جَمَعوا بَينَ الإيمانِ والتَّقْوى، وهذا هو سَبَبُ النَّجاةِ.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: عَدْلُ اللهِ يُؤخَذُ من قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فيها إِثباتُ العَدْلِ لله والعَدْلُ مَعناه عَدَمُ الجَوْرِ وعَدَمُ الظُّلمِ، ووَجهُ الدَّلالَةِ في الآيَةِ والَّتي قَبلَها إِثباتُ النَّجاةِ لِلمُؤمِنينَ والعَذابُ لِلمُعرضينَ هذا دَليلٌ على الْعَدْلِ؛ لأنَّه أَعْطى كلَّ إنسانٍ ما يَستحِقُّ، ولا شكَّ أنَّ اللهَ أحكمُ الحاكِمينَ، ومن كونِه أَحكم الحَاكمينَ لازِمٌ أنْ يكونَ أَعْدلَهم؛ لأنَّه كُلَّما كان الحُكْمُ أَعدلَ كان أَحْكمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإيمانَ والتَّقْوى سببٌ للنَّجاةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ومثلُه قولُه تَعالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزُمَر: ٦١].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإيمانَ وَحدَه لا يَكفي بَلْ لا بدَّ من إيمانٍ وتَقْوى؛ لقولِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وووَجْهُ المُقارَنَةِ بَيْنَ هذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قولِه تَعالى:
стр. 111
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] أنَّ الَّذين آمَنوا وكانوا يَتَّقونَ والَّذينَ يُنَجِّيهُمُ اللهُ هم أولياءُ اللهِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يُطابقُ تمامًا هذِهِ الآيَةَ حتَّى في اللَّفظِ هُناكَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وهذه ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَوازُ حَذْفِ ما يُعلمُ، يُؤخَذُ مِن قولِهِ: ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ والمَحذوفُ مَفعولٌ ﴿يَتَّقُونَ﴾؛ أي: وكانوا يَتَّقون اللهَ، وإن شِئتَ فقُلْ: وكانوا يَتَّقونَ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أحيانًا يَقولُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، وأحيانًا يَقولُ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨]، ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فإذا قُلنا: وكانوا يتَّقون ما أُمِروا باتِّقائِه صار ذلك أَعَمَّ، وقد أَمَرنا بتَقْوى اللهِ، وتَقْوى النَّار وتَقْوَى يَومِ القيامَةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فَضيلَةُ الإيمانِ والتَّقوَى وأنَّه سَببٌ للنَّجاةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فإذا قال قائلٌ: ألَيْسَ اللهُ تعالَى يُنزِلُ عُقوبَةً أحيانًا في أَقْوامٍ فيهم المُتَّقي وفيهم غَيْرُ المُتَّقي؟
فالجَوابُ: أنَّ اللهَ تعالى يَأخُذُ المُتَّقيَ بذَنْبِ غير المُتَّقي في الدُّنيا، ففي الدُّنيا يُعذَّبون جَميعًا ويُبْعَثون في الآخِرَةِ على نِيَّاتهم وأعمالِهمْ، دَليلُ هذا قوُله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] يعني: احْذَروا هذه الفِتْنَةَ، وهذا يَعني أَنَّنا نَأْمُرُ بالمَعروفِ ونَنْهى عن المُنْكَرِ لنتَّقِيَ بها ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.
* * *
стр. 112
الآيات (١٩ - ٢٤)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فُصِّلَت: ١٩ - ٢٤].
* * *
قوله تعالى: ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قِراءتانِ: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعَلَى هذه القِراءةِ يَكونُ الفِعلُ مَبنيًّا لِما لَمْ يُسَمَّ فاعلُهُ، ﴿يُحْشَرُ﴾ يَكونُ مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وكلَّما رَأَيتَ فِعلًا مُضارعًا مَضمومَ الأَوَّل مَفتوحَ ما قَبْلَ الآخِرِ فهو مَبنيٌ لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، فإنْ رأيتَه مَضمومَ الأوَّل فقط فلا يَكونُ مبنيًّا لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ؛ لأنَّ المُضارعَ من الرُّباعيِّ يَكونُ مَضمومَ الأوَّل مثل: يُقْدِمُ الرَّجلُ، يُكرِمُ الرَّجلَ وما أَشْبَهَ ذلك.
إذن هذا اللَّفظُ إِحْدى القِراءتَينِ ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيَكونُ ﴿يُحْشَرُ﴾ فِعلًا مُضارعًا مبنيًّا لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ولاحِظْ أنَّ قولَنا لما لَمْ يُسمَّ فاعلُه أولى من قولنا مبنيٌّ للمَجهولِ؛ لأنَّه قد يَكونُ الفاعِلُ معلومًا كقولِه تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ الخالقُ اللهُ، مَعلومٌ مع أنَّ الفِعلَ مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، ولهذا
стр. 113
فالتَّعبيرُ بقولِكَ: (خُلِقَ) فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، أَولَى مِن قولِكَ: (خَلَقَ) فِعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمَجهولِ، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فِعلٌ مُضارعٌ مَبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وقولُهُ: ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائبُ فاعلٍ.
وفيها قِراءةٌ أُخْرى: "ويَومَ نَحشُرُ أَعداءَ اللهِ" أشار إليه المفسِّر ما حاجَةٌ للتَّعليقِ، ويومَ نَحشُرُ أَعداءَ اللهِ، وعلى هذه القِراءةِ تَكونُ (نَحشُرُ) فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعلِ، والفاعلُ هنا مُستتِرٌ وُجوبًا، و (أعداءَ) مَفعولٌ به مَنصوبٌ.
والفاعلُ إذا كان تَقديرُه أنا أو أنت أو نحن فهو مُستتِرٌ وجوبًا؛ وإذا كان تَقديرُه هو أو هي فهو مستتِرٌ جوازًا. مَثَلًا: (أَقُومُ) مُستتِرٌ وجوبًا تَقديرُه: أنا، (تَقُومُ) تُخاطِبُ رجلًا تَقولُ أنت تَقومُ وجوبًا؛ لأنَّ تَقديرَه أنت، (نَقومُ) وجوبًا؛ لأنَّ تَقديرَه: نحن، (قام) جوازًا؛ لأنَّ تَقديرَه: هو، (قامت) جوازًا؛ لأنَّ تَقديرَه هي، (تقوم) إذا كان تَتَحدَّث عن امرأةٍ فقلت: هندُ تَقومُ فهو مستتِرٌ جوازًا؛ لأنَّ التَّقديرَ: هي، وإذا كنت تُخاطِبُ رجلًا فهو مُستتِرٌ وجوبًا؛ لأنَّ التَّقديرَ: أنت، إذن هذا الضَّابطُ ما كان تَقديرُه هو أو نحن أو أنت فهو مستتِرٌ وجوبًا، وما كان تَقديرُه هو أو هي فهو مستتِرٌ جوازًا.
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ (يوم) ظرفٌ، وكُلُّ ظرفٍ لا بدَّ له من مُتعلِّقٍ؛ لأنَّ الظَّرفَ اسمُ مفعولٍ فيه، فلا بدَّ من فِعلٍ، ولهذا قال ناظمُ الجُمَلِ:
لابدَّ للجارِ مِن التَّعلُّق ... بفِعلٍ أو معناه نحو مُرتَقي
والعامِلُ في (يوم) مَحذوفٌ، التَّقديرُ كما قال المفسِّر: [واذكر يومَ يُحشَرُ] ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ و ﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجمَعُ ويُساقُ، وفيها قِراءتانِ: بالياءِ والنُّون المَفتوحَةِ، يَعني يُحشَرُ بالياءِ والنُّونِ المَفتوحَةِ وضَمِّ الشِّينِ. يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [بِالياءِ والنُّون المَفتوحَةِ وضَمِّ الشِّينِ وفَتحِ الهَمْزَةِ].
стр. 114
لم يُكمِلِ المفسِّر في الواقِعِ القِراءةَ الثَّانيةَ، ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قِراءتانِ: الأُولَى ضَمُّ الياءِ وفتحِ الشِّينِ، وعلى هذه القِراءَةِ يَجِبُ أن تَكونَ ﴿أَعْدَاءُ﴾ مَرفوعَةً على أَنَّها نائبُ فاعِلٍ.
القِراءَةُ الثَّانيةُ: بفَتحِ النُّون (نَحشُرُ) وضَمِّ الشِّين وعلى هذِهِ القراءِةِ فيَجِبُ أن تَكونَ (أعداءَ) مَنصوبَةً على أَنَّها مَفعولٌ به، "ويَومَ نَحشُرُ أعداءَ اللهِ".
والقِراءتانِ اللَّتانِ تَكونانِ في القُرآنِ الَّذي بَيْنَ أَيدينا ليس هما الحُروفَ السَّبعةَ، فالحُروفُ السَّبعَةُ الآنَ غَيرُ مَعلومَةٍ؛ لأنَّه قُضِيَ عليها بتَوحيدِ المُصحفِ في عَهدِ عُثمانَ ﵁، لكنَّ القِراءاتِ السَّبعَ المَوجودَةَ في حَرفٍ واحدٍ وهو حَرفُ قُريشٍ الَّذي تَوحَّدت المَصاحِفُ عليه في عَهْدِ عُثمانَ ﵁، ولهذا لا حاجَةَ إلى التَّفتيشِ والتَّنقيبِ عن الحُروفِ السَّبعَةِ في وقتنا هذا؛ لأنَّها انتهت وقُضِيَ عليها.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ يُمكنُ أن نَعرفَهم بمَعرِفَةِ أولياءِ اللهِ، وأَوْلياءُ اللهِ تعالَى قال اللهُ في بَيانِهِمْ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٣]، ضِدُّ الإيمانِ الكُفْرُ، وضِدُّ التَّقوى المَعاصي والفُسوقُ، فأعداءُ اللهِ إذن هُمُ الكُفَّارُ والفَسَقَةُ يُحشَرونَ ﴿إِلَى النَّارِ﴾؛ أي: يُساقونَ إليها ويُجمَعون إليها.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾: يُساقونَ] ولها معنًى آخَرَ أيضًا: يُساقونَ بالتَّوزيعِ، يَعني أنَّهم طَوائِفُ وأُمَمٌ كُلَّما دَخَلت أُمَّهٌ لعنت أُخْتَها، فهم يُوزَعونَ بالسِّياقِ أي يُساقونَ، ويُوزَعونَ أيضًا بالتَّفريقِ، كُلُّ أُمَّةٍ وَحْدَها فهُمْ يُوزَعونَ.
قال اللهُ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلخ [فُصِّلَت: ٢٠].
стр. 115
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ زائدَةٌ] يَعني: كَلِمَةَ ﴿مَا﴾ زائدَةٌ؛ لأنَّها وقعت بَعْدَ ﴿إِذَا﴾، وكُلَّما وقعت (ما) بعدَ (إذا) فهي زائدَةٌ، وعليك بحِفْظِ البيتِ:
يا طالبًا خُذْ فائدَه ... (ما) بَعدَ (إذا) زائدَه
قولُه تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ ﴿جَاءُوهَا﴾ أي وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قَبْلَ أن يَدخُلوها تَستَشْهِدُ عليهم هذه الجوارحُ حتَّى يَدخُلوا وهم موقِنونَ أنَّهم عومِلوا بالعَدْلِ والإنصافِ.
ويَشْهَدُ عليهم سَمْعُهم، فهل يَشْهَدُ بما سَمِعوا مِن اللَّغوِ والكَلامِ المُحرَّمِ، أو يَشهدُ السَّمْعُ بجَميعِ الأعمالِ؟ يَحتَمِلُ وَجْهَينِ: إمَّا أن يَكونَ المَعنَى: شَهِدَ عليهم سَمْعُهم بما سَمِعوا مِنَ الباطِلِ، وأَبصارُهُم بما شاهَدوه مِن الباطلِ، وجُلودُهم بما لمَسوا مِنَ الباطلِ، أو أنَّ هذه الأعضاءَ تَشْهَدُ على كُلِّ عَمَلٍ عَمِلوه، يَحتَمِلُ هذا وهذا، والثَّاني أَعظَمُ، أن يَكونَ السَّمعُ يَشهَدُ بما حَصَلَ عن طَريقِهِ، وبما حَصَلَ عن طَريقِ البَصَرِ، وبما حَصَلَ عن طَريقِ اللَّمْسِ، هذا أعظَمُ مِمَّا لو شَهِدَ بما حَصَلَ منه فقط.
وهَلْ هذا الإِشْهادُ بعد إِنكارٍ أو لِلتَّحقيقِ والتَّوكيدِ؟
الجواب: ليس في الآيَةِ ما يَدُلُّ على ذلك، لكن قيلَ -كما في آيَةٍ أُخْرَى- أنَّ هذا إِنَّما يَكونُ بعدَ إنكارِهِم أن يَكونوا أَشْركوا كما قال تَعالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
وقولُهُ: ﴿وَجُلُودُهُمْ﴾ بما مَسَّت، وهي أَعَمُّ من شَهادَةِ السَّمعِ والبَصَرِ؛ لأنَّه يَدْخُلُ في ذلكَ اليدُ والرِّجلُ والشَّمُّ وغيرُ ذلك، كُلُّ هذا عَن طَريقِ المُلامَسَةِ.
стр. 116
قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ ولم يَقُلْ: لأبصارِهِم؛ لأنَّ شَهادَةَ الجُلودِ أَعْظَمُ وأعَمُّ، ﴿وَقَالُوا﴾ أي: أَعداءَ اللهِ، ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ وهذا الاسْتِفهامُ اسْتِفهامُ إِنكارٍ، كأنَّهم يَقولونَ: نَحنُ نُجادِلُ عنكم فكيفَ تَشهدونَ عَلينا.
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يَعني أنْ شَهِدْنا؛ لأنَّ اللهَ أَنطَقَنا واللهُ بيدِه مَلكوتُ السَّمَواتِ والأَرْضِ يُنْطِقُ كُلَّ شيءٍ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: أراد نُطقَهُ] ولا حاجَةَ إلى هذا القَيدِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى لا يَكرهُه أحدٌ حتَّى نَقولَ إِنَّ هذا الفِعْلَ مُقَيَّدٌ بالإرادَةِ، ونَقولُ: أَنْطقَ كُلَّ شيءٍ ولا نَقولُ أراد نُطْقَه لأنَّه لا يُمكِنُ أن يَنطِقَ الشَّيءُ إلَّا بعدَ إرادَةِ اللهِ، ومثل هذا القَيْدِ غَيرُ مُناسبٍ؛ لأنَّنا لو اعتَبَرناه لقلنا: كُلُّ فِعلٍ ذَكَرَه اللهُ عن نَفْسِه يَجِبُ أن نُقيِّدَه بالإرادَةِ، وهذا أَمْرٌ مُستَكرَهٌ إذ إنَّنا نَعلَمُ أنَّ كلَّ فِعلٍ فَعَلَه اللهُ فإنَّما هو عن إرادةٍ، كما قال تَعالَى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
فاللهُ تعالى أَنْطَقَ كلَّ شيءٍ، أنطَقَ الحَجَرَ والشَّجَرَ، وسُمِعَ تَسبيحُ الحَصا والطَّعامِ بين يَدَيِ النَّبيِّ (١) - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم-، بل قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] كُلُّ شيءٍ يُسبِّحُ اللهَ بلِسانِ المَقالِ إلَّا الكافِرَ فإنَّه لا يُسَبِّحُ اللهَ بلسانِ المَقالِ؛ لأنَّه كافِرٌ يَصِفُ اللهَ تعالى بكُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، وكُلُّ شيءٍ يُسَبِّحُ اللهَ بلِسانِ الحالِ حتَّى الكافِرُ يُسبِّحُ اللهَ بلسانِ الحالِ، بما أودَعَ اللهُ فيه مِنَ الآياتِ في الخِلقَةِ والخَلْقِ وما أَشبَهَ
стр. 117
ذلكَ، كُلُّه يُسبِّحُ اللهَ ؛ أي: يُستَدَلُّ به على تَنزيهِ اللهِ عن كُلِّ نقصٍ وعَيبٍ. فإِنْ قال قائلٌ: هل عُمومُ قولِه تَعالَى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يسبح بين أيديهم ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ بأن يَكونَ سَبَّحَ ولكن لم يَفْقَهوا تَسبيحَه إلَّا بإخبارِ النَّبيِّ ﷺ ، أو أَنَّه سَبَّحَ حَقيقةً يَفهمُه أيُّ أحدٍ.
فالجَوابُ: ظاهرُ النُّصوصِ أنَّه يُسبِّحُ حَقيقَةً، لكنَّ التَّسبيحَ ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتِبارِ المَجموعِ لا بِاعتِبارِ كُلِّ فردٍ، فإنَّ مِنَ الأشياءِ ما نَسمَعُ تَسبيحَه يُسبّحُ تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] فالظَّاهرُ أنَّها تُردِّدُ كما قال تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: ١٠].
فإن قيلَ: هل التَّسبيحُ كما نقولُ نَحنُ أو خاصٌّ بها؟
فالجَوابُ: أنَّه تَقولُ سبحانَ اللهِ.
وإن قيل: هل صوتُ غَديرِ الماءِ هو تَسبيحُهُ؟
فالجَوابُ: لَا، هذا خطأٌ، فخَريرُ الماءِ ليس صوتَ تَسبيحٍ، بل هذا طَبيعيٌّ، فهل نَقولُ حركةُ الإنسانِ بالأرضِ إذا وَطِئت أقَدامُه الأرضَ وسَمِعَ لها الصَّوتَ هذا تَسبيحٌ؟ !
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قيل: هو مِن كلامِ الجلودِ، وقيل هو مِن كَلامِ اللهِ تَعالَى كالَّذي بَعدَهُ، وموقِعُه قَريبٌ مِمَّا قَبلَه، بأنَّ القادِرَ على إِنشائِكم ابتداءً وإِعادَتِكم بعدَ الموتِ أَحياءً قادرٌ على إِنطاقِ جُلودِكم وأَعضائِكم].
стр. 118
وقولُهُ: ﴿خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يَحتَمِلُ أنَّه مِن كَلامِ اللهِ يُخاطِبُ به هَؤلاءِ المكذِّبينَ والأعداءَ، ويَحتَمِلُ أنَّه تَتِمَّةُ كَلامِ الجلودِ، يعني أنَّ الجلودَ تَستدِلُّ على قُدرةِ الله تعالَى على إنطاقِها بأنَّه خَلَقَهم أَوَّل مَرَّة.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀ في بيان ذلك: [قيل: هو مِن كَلامِ الجُلودِ، وقيل: هو مِن كَلامِ اللهِ]، وإذا قال المُؤَلِّفونَ: قيل كذا وقيل كذا، فالخِلافُ هنا مُطلَقٌ لا تَقديمَ فيه ولا تَأخيرَ، وإذا قيل: هو مِن كَلامِ الجُلودِ، وقيل: مِن كَلامِ الله هنا يَكونُ قَدَّمَ الأَوَّلَ، أمَّا إذا قال المُؤَلِّفون: قيل وقيل، فهذا لَيسَ فيه تَقديمٌ، بل هو نَقْلُ خِلافٍ على وَجهِ الإطْلاقِ.
وعلى هذا فالقَولانِ لَدى المفسِّر مُتساويانِ؛ وأَن نَجعلَه من كَلامِ الجُلودِ حتَّى يَتَّصِلَ الكَلامُ بَعضُه ببَعضٍ: أَقْرَبُ من حيثُ اللَّفظِ، أَقْربُ أنَّ الجُلودَ تَقولُ: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتَقولُ لِهؤلاءِ: هو الَّذي خَلَقَكم أَوَّل مَرَّةٍ وإليه تُرجَعونَ.
لكنَّ القَولَ الثَّاني أَقوَمُ للمَعْنى، يَعني: أنَّ اللهَ لمَّا بَيَّنَ أنَّ هؤلاءِ يُعادونَ يومَ القيامَةِ ويُحاسَبونَ وتَشهَدُ عليهمُ السَّمعُ والأبَصارُ والجُلودُ بَيَّنَ أنَّه قادرٌ على الإعادَةِ؛ لأنَّ هؤلاءِ الَّذينَ كَذَّبوا يُنكِرونَ البَعْثَ فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادِرُ على الخَلْقِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قادرٌ على إِعادتِهِ، دَليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] فهو يَقولُ: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادِرُ على ذلك قادِرٌ على الإِعادَةِ.
وقولُهُ: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إِشارَةٌ إلى الحِكْمةِ مِن خَلْقِ الخَلْقِ أنَّهم يُبتَلونَ فيُؤمَرونَ ويُنْهَونَ، ومَآلُهُم إلى اللهِ ، يُجازيهم بِحَسَبِ أعمالهِم الَّتي كَلَّفهم بها.
стр. 119
فإِنْ قال قائلٌ: هَلِ العَذابُ الواقعُ على الأعضاءِ تَأثيرُه في نَفْسِ الأعضاءِ؟
فالجَوابُ: لا، الواقِعُ أنَّ العذابَ على أَهْلِ النَّارِ واقعٌ على كُلِّ البَدَنِ، ولهذا قال اللهُ تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦] لكن هم يتَعَجَّبون، ويُوَبِّخون السَّمعَ والأبصارَ والجُلودَ، لِمَ شَهِدْتُم علينا ونحن نُجادِلُ عنكم.
ثُمَّ قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ .. إلى آخرِهِ، هذا هو معنى قولِ المفَسِّر: [كالَّذي بعده]، وهذا لا شكَّ أنَّه من كَلامِ الله ولَيْسَ من كَلامِ الجُلودِ، وقولُ المفسِّرِ ﵀: [ومَوقعُه قَريبٌ مِمَّا قَبْلَه] يعني: مَوقعُ هذا الكَلامِ ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قَريبٌ مِما قَبلَهُ، يعني: يُبَيِّنُ مُناسَبَةَ هذه الجُملَةِ لِما قَبلَها، وهو أنَّ القادِرَ على إِنشائِكُم ابتداءً وإِعادَتِكم بَعدَ المَوتِ أحياءً قادرٌ على إِنْطاقِ جُلودِكم وأَعْضائِكم.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عنِ ارتِكابِكم الفَواحِشَ من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾]، يعني: ما كُنتُم تَستَخفونَ في مَعاصيكُم وكُفْرِكم، وغَيرُ ذلك مِمَّا يَستَترونَ به خوفًا من: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾، يعني: أنَّ الكُفَّارَ يَستتِرونَ أحيانًا بِالمَعاصي لكن لا يَستَتِرونَ خوفًا مِن أن تَشهَدَ عليهم سَمْعُهم وأبصارُهُم وجُلودُهُم، لأنَّ هذه الأشياءَ لا استِتارَ عنها إطلاقًا إذ إنَّها هي الإنسانُ، ولا يُمكِنُ الاستِتارُ عنها، وأيضًا هُم لا يُؤمنونَ بأنَّها سوف تَشهَدُ عليهم يومًا من الأيَّامِ، فصاروا لا يَستَتِرونَ عن هذه الأشياءِ لوَجهينِ:
الأوَّلُ: أنه لا انفكاكَ عنها، وَجهُه أنَّها هي مُكوِّناتُهم.
الوَجهُ الثَّاني: أنَّه ما كان يَطرأُ على بالهِم يومًا مِن الأيَّام أنَّ هذه سوف تَشهدُ عليهم؛ لأنَّهم يُنكِرونَ البعثَ، وإَنكارُ البَعثْ يَستلزِمُ ألَّا يُؤمنوا بأنَّها تَشهَدُ عليهم.
стр. 120
قولُه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى ﴿تَسْتَتِرُونَ﴾: تستخفون، وقولُهُ: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تَقديرِ محَذوفٍ، التَّقديرُ: خَوفَ أن يَشهَدَ عليكُمْ سَمْعُكم وأَبصارُكم .. إلى آخِرِه.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [لأنَّكم لم توقِنوا بالبَعثِ]، هذا التَّعليلُ أضفنا إليه تعليلًا آخَرَ، وهو عَدَمُ انْفِكاكِ جُلودِهِمْ وسَمْعِهم وأبصارِهِم.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استِتارِكم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾] هذا الَّذي ظَنُّوه باللهِ فظَنُّوا باللهِ تَعالَى ظَنَّ السَّوءِ، وأنَّهم إذا استَتروا عَنِ الخَلْقِ استَتَروا عن اللهِ، ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ والكَثيرُ الثَّاني: ما يَفعَلونه عَلانيَةً ولا يَهتمُّون به.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بَدَلٌ منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نَعتٌ والخَبَرُ ﴿أَرْدَاكُمْ﴾] المفسِّر أعرَبَ الآيَةَ على وَجْهِ التَّفصيلِ.
﴿وَذَلِكُمْ﴾: (ذا) اسْمُ إشارَةٍ و (اللَّام) للبُعْدِ و (الكافُ) حَرفُ خِطابٍ وجاءت بالجمْعِ؛ لأنَّ المُخاطَبَ جَماعَةٌ.
وهنا يَجِبُ أن نَعرِفَ أنَّ اسمَ الإشارَةِ يَعودُ إلى المُشارِ إليه، و (الكافُ) تَعودُ إلى المُخاطَبِ، فإذا خاطبت ذَكرًا تُشيرُ إلى شيءٍ مُذكَّرٍ تَقولُ: ذلك، وإذا أشرت إلى اثنين مخُاطبًا ذَكَرًا تَقولُ: ذانِكَ، وإذا أشرت إلى واحدٍ تُخاطِبُ اثنين تَقولُ: ذلكما، وإذا أشرت إلى واحدٍ تُخاطِبُ جماعَةَ نساءٍ تَقولُ: ذلكن، وإذا أشرت إلى واحدةٍ تُخاطِبُ جماعةَ إناثٍ، تَقولُ: تِلْكُنَّ، وإذا أشرت إلى جَماعَةٍ مخُاطِبًا جماعَةَ ذُكورٍ، تَقولُ: أولئكم، ففي القُرآنِ: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٩١]، وإذا أَشَرت إلى مُؤَنَّثتينِ تُخاطِبُ اثنتَينِ، تَقولُ: تَانِكُما، والأمثِلَةُ كَثيرةٌ، لكنَّ المُهِمَّ ألَّا يَلتَبِسَ المُشارُ
стр. 121
إليه بالمُخاطَبِ، فاسْمُ الإشارَةِ يَكونُ بِحَسَبِ المُشارِ إليه، والكافُ بِحَسَبِ المُخاطَبِ.
وفي (كافِ المُخاطَبِ) في الإشارَةِ أَقوالُ ثَلاثَةٌ وكُلُّها لُغاتٌ:
١ - نُلزِمُها طَريقةً واحدَةً بالإفرادِ والفَتْحِ، فنقول: ذلكَ تانكَ ذانكَ.
٢ - أو نُلزِمُها الإفرادَ مع الفَتْحِ للمُذكَّر والكَسرِ للمُؤَنَّث، هذانِ وَجهانِ.
٣ - أو نَقولُ: هي حَسَبُ المُخاطَبِ المُفرَدِ المُذكَّر له كافٌ مفتوحةٌ والمُفردَةُ المُؤنَّثةُ كافٌ مكسورةٌ، والمُثنَّى كافٌ مَقرونَةٌ بعَلَم التَّثنيَةِ، وجماعَةُ النِّساءِ كافٌ مقرونَةٌ بنونِ النِّسوَةِ، وجماعَةُ الذُّكورِ كافٌ مقرونَةٌ بميمِ الجَمْعِ، الأخيرِ هو الأفصَحُ، لكن يَجوزُ الوَجهانِ الآخَرانِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأٌ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدلٌ منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعتٌ، والخَبَرُ ﴿أَرْدَاكُمْ﴾]، يعني مَعناه أنَّ قولَه: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ وما عُطِفَ عليها أو صار صِفَةً لها في مقامِ المبتَدَأِ، و ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقامِ الخَبَرِ.
ويُمكِنُ احتِمالَ وَجْهٍ آخَرَ أن نَجعلَ (ذا) مُبتدأٌ و ﴿ظَنُّكُمُ﴾ خَبرُهُ، و ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خَبَرٌ ثانٍ، وهذا الوَجهُ أَقْوَى في المعنَى، يعني: ذلكم ظنُّكُم الَّذي ظَنَنتم برَبِّكم -ولم تَظنُّوا به سواه- أنَّه لن يُعيدَكم، ثُمَّ أخَبَرَ عن هذا الظَّنِّ خَبرًا آخَرَ فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أَقْوى من قَولِ المفسِّر رَحِمَه اللهُ تَعالَى.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو اللهُ وأَضافَ الرُّبوبيَّة إليهم؛ لأنَّهم يُقِرُّون برُبوبيَّة اللهِ لا يُنكِرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦] وفي قِراءةٍ أُخْرَى سَبعيَّةٍ: "سيقولون الله".
стр. 122
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ أي [أَهْلَكَكُمْ].
وقولُه تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أي: صِرتُمْ مِن الخاسِرينَ، وهُنا (أَصْبَحَ) لو نَظَرنا إلى مجُرَّدِ لَفْظِها لكانت دَالَّةً على الإِصْباحِ، لكنَّها تُستَعْمَلُ في اللُّغة العربيَّة بمعنى الصَّيرورَةِ، تَقولُ: أصبَحَ لا يَعلَمُ شيئًا أي صار لا يَعلَمُ شيئًا، وهُنا أصبحتم مِنَ الخاسِرينَ ليس المَعْنى دَخَلْتم في الصَّباح خاسِرينَ، ولكنَّ المَعْنَى: صِرتُمْ مِن الخاسِرينَ، والخاسِرُ ضِدُّ الرَّابحِ، وإنَّما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأنَّ هؤلاءِ الَّذين أَنْكَروا البَعثَ خَسِروا الدُّنيا والآخِرَةَ في الواقِعِ، فدُنياهُمْ لم تَنفَعْهم وهُمْ في الآخِرَةِ في النَّار، وهذا غَايةُ الخُسْرانِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العَذابِ ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يَطلُبوا العُتْبَى؛ أَي: الرِّضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ المَرضِيِّين].
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (الفاءُ) رابطَةٌ لجوابِ الشَّرطِ، (ما) نافِيةٌ تَعمَلُ عَمَلَ (ليس)، واسم (ما): (هم) مَبنيٌّ على السُّكونِ، ﴿مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ جارٌّ ومجَرورٌ مُتعلِّقٌ بالمَحذوفِ خبرُ (ما).
وهنا تَتَّفقُ اللُّغتانِ الحِجازِيَّةُ والتَّميمِيَّةُ من حيثُ اللَّفظِ، وتختلفان من حيثُ الإعرابُ، أمَّا في قولِه تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] فلا تَتَّفِقُ اللُّغتانِ، فلُغةُ تميمٍ أن يُقالَ: (ما هذا بَشَرٌ)، لأنَّ (ما) مُهمَلَةٌ عند التَّميميِّينَ، وعامِلَةٌ عَمَلَ (ليس) عند الحِجازيِّينَ، فتَقولُ مَثلًا: (ما زَيدٌ قائمًا)، وإذا كُنْتَ خاطبت إنسانًا وقلت: (ما زَيْدٌ قائمًا) عرفنا أنَّك حِجازِيٌّ، وإذا خاطبت إنسانًا وقلت: (ما زَيْدٌ قائمٌ) عرفنا أنَّكَ تمَيميٌّ؛ ولهذا قال الشَّاعِرُ (١):
стр. 123
ومُهفهَف الأعطافِ قلت له انتسب ... فأجابَ ما قَتْلُ المُحِبِّ حرامٌ
قوله: "انتسب" يعني: مِنْ أين أنت؟ ؛ فأخبَرَه بنَسَبِه أنَّه تَميميٌّ إذ لو كان غَيرَ تمَيميٍّ لقال: (ما قَتْلُ المُحِبِّ حَرامًا).
والاستِعتابُ طَلَبُ العُتْبَى، والعُتْبَى مَعناها قَبولُ العُذْرِ والرِّضا، فالمفسِّر فَسَّرها في النِّهايَةِ بالغايَةِ الَّتي هي الرِّضا؛ لأنَّ الإنسانَ إذا استُعْتِبَ وقُبِلَ عُذْرُه رَضِيَ عنه المُستَعتِبُ.
وهُنا وَعيدٌ شَديدٌ، إن يَصْبِروا فَالنَّارُ مَثوًى لهم، لم يَقُلْ إن يَصْبِروا فلْيَنْتَظِروا الفَرَجَ، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، أي: لَيْسَ لهم إلَّا النَّارُ، وهذا كقولِه تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] فَالعَذابُ سِوَى عَذابِ الآخِرَةِ يُنتَظَرُ الفَرَجُ له؛ لأنَّ دوامَ الحالِ مِنَ المُحالِ، فإذا صَبَرَ الإنسانُ على البَلاءِ فَالنِّهايَةُ الزَّوالُ، لكن في الآخِرَةِ إن يَصبِروا فلن يَسلَموا مِنَ العذابِ ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، وهي مَثوًى لهم قَبْلَ الصَّبرِ وبعد الصَّبرِ، لكنَّ هذا من بابِ التَّيئيسِ لهم، وأنَّ صَبرَهم لا يُفيدُهم شيئًا.
ومُناسَبَةُ جَوابِ الشَّرطِ لفعل الشَّرطِ هنا تَيئيسُ هؤلاءِ مِنَ الفَرَجِ، وقد تخفى مُناسبَتُه إذ إنَّ الإنسانُ يَتوقَّعُ أن يَكونَ الجَوابُ خِلافَ ذلك؛ لأنَّ ظاهِرَ الحالِ أن يَقولَ: فإن يَصبِروا فَالفَرَجُ قَريبٌ مَثلًا، لكنَّه قال: فالنَّارُ مثوًى لهم، أي: فلن يَتخلَّصوا منها.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يَطلُبوا العُتْبى أي: الرِّضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾] لأنَّهم يَسألونَ الله تعالى فيَقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، والجَوابُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، في الدُّنيا لو طالَبوا
стр. 124
العُتْبى وتابوا إلى اللهِ لحَصَلَ لهم ذلك، لكن في الآخِرَةِ قد فات الأَوانُ، وقولُهُ: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكُلُّ إنسانٍ مأواه النَّارُ فلا حَظَّ له في الجَنَّةِ.
مسألة: إِخبارُ الله عن نفسِه في القُرآنِ بصيغَةِ الغائِبِ يَقولُ: قال اللهُ قال اللهُ .. ، أليسَ الأَفْضَلُ في اللُّغةِ الِإخْبارَ بصيغَةِ المُخاطَبِ؟
الجَوابُ: لا هذا له أَحْوالٌ، لكن يَقولُ العُلَماءُ إِنَّ المُتكلِّمَ إذا عَبَّر عن نفسِه بصيغَةِ الغائِبِ، فهذا دَليلٌ على العَظَمَةِ والتَّعظيمِ، ففَرْقٌ بَينَ أن يَقولَ المَلِكُ مَلِكُ الدُّنيا: إنَّ المَلِكَ يَأمُرُكم أن تَفعَلوا كذا، أو يَقولَ: إنِّي آمُرُكم، الأوَّلُ أَعْظَمُ في التَّفخيمِ، وهذا من قَواعِدِ البَلاغَةِ تَعبيرُ المُخاطِبِ عن نفسِه بصيغَةِ الغائِبِ يدُلُّ على التَّعظيمِ لا سِيَّما إذا كان بوَصْفٍ يَقتَضي ذلك.
من فوائدِ الآياتِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِثباتُ حَقيقَةِ النَّارِ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثباتُ أعداءٍ لله كما أنَّ له أَولياءَ، وعَدُوُّ اللهِ مَن كان كافِرًا فاجِرًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ أهلَ النَّارِ والعياذُ باللهِ يُساقونَ إلى النَّارِ أَوْزاعًا؛ أي مُتَفَرِّقينَ أُممًا؛ لقولِهِ: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثباتُ حَقيقَةِ النَّارِ وأنَّ هؤلاءِ يَصِلونَ إليها حَقيقَةً؛ لقولِهِ: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: دُخولُ التَّوكيدِ في كَلامِ اللهِ ؛ لقولِه: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ لأَنَّنا قلنا: (ما) زائدَةٌ لكنَّها للتَّوكيدِ، فإن قال قائِلٌ: كَلامُ اللهِ مُؤكَّدٌ بدونِ أداةِ
стр. 125
تَوكيدٍ، فما الفائدَةُ مِن أنَّ اللهَ تعالَى يأتي كَثيرًا في كلامِه بأدواتِ التَّوكيدِ؟
فالجَوابُ: القُرآنُ لا شكَّ أنَّه مؤكَّدٌ، وأنَّ أخبارَه لا تحتاجُ إلى توكيدٍ، لكنَّ القُرآنَ نَزَلَ بلسانٍ عَربيٍّ مُبينٍ واللِّسانُ العَربيُّ يَقتضي أن يَكونَ الكَلامُ الهامُّ مُؤكَّدًا بأنواعٍ مِنَ التَّأكيداتِ؛ إذن تَأكيدُ ما يُؤَكَّدُ في القُرآنِ دَليلٌ على بُلوغِ القُرآنِ الفَصاحَةُ في أَعلى مَعانيها؛ لأنَّه مُتَمشٍّ على قواعِدَ اللُّغةِ العَربيَّةِ الفُصحى.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إِثباتُ النُّطقِ للسَّمعِ والبَصَرِ والجُلودِ؛ لقولِهِ: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ والشَّهادَةُ تَكونُ بالنُّطقِ، وقد تَكونُ بغَيْرِ النُّطقِ، ولكنَّها في الأَصْلِ بالنُّطقِ، ولذلك قالوا لجُلودِهِمْ ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ أعضاءَ الْإِنسانِ تَكونُ يومَ القيامَةِ خُصومًا لَهُ، وَجهُ ذلك أنَّ هؤلاءِ أَنكَروا على سَمْعِهم وأَبصارِهم وجُلودِهم أن شَهِدوا عليهم.
وما ظنُّك بأعضاءٍ تَكونُ يومَ القيامَةِ خُصومًا لك؛ فيَتَفَرَّعُ على هذه الفائدَةِ أنَّ الواجِبَ على الإنسانِ أنْ يَرعى هذه الأعضاءَ حَقَّ رِعايتِها، وأَلَّا يُورِّطَها فيما تَكونُ خَصمًا له به يَومَ القيامَةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الأعضاءَ مُنْفرِدةٌ تَعرِفُ رَبَّها ؛ لقولهِا: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عُمومُ قُدرَةِ اللهِ تعالى؛ لقَولهِا: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ ابتِداءَ الخَلْقِ مِنَ اللهِ لم يُشْرِكْ أحدٌ رَبَّ العالمَينَ في الخَلْقِ لا أُمٌّ ولا أَبٌ ولا سُلطانٌ ولا رَئيسٌ ولا وَزيرٌ، المُنْفَرِدُ بالخَلْقِ هو اللهُ .
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جَوازُ استعمالِ الأدِلَّةِ العَقليَّةِ، يُؤخَذُ مِن استِدلالِ اللهِ
стр. 126
تَعالى بالمَبْدَأِ على المَعادِ، فَإنَّ هذا دَليلٌ عَقليٌّ.
فإن قال قائلٌ: وهل تُقدَّمُ الأدِلَّةُ العَقليَّةُ على الأدِلَّةِ السَّمعيَّةِ؟
فالجَوابُ: لا؛ لأنَّ العَقلَ قد يُخطِئ، فيَظنُّ الإنسانُ أنَّ هذا عَقلٌ وليس بعَقْلٍ، وأمَّا الأدِلَّةُ السَّمعيَّةُ الثَّابتَةُ عن اللهِ ورَسولِه فهذه لا تُخطِئُ، ولهذا أَخْطَأَ مَن استَعْمَلَ العَقلَ، بل قَدَّمَه على السَّمعِ والنَّقلِ فيما يَتَعلَّقُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وحَكَموا بعُقولِهم القاصِرَةِ على أُمورِ الغَيبِ استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأَعْرَضوا عن نُصوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ومن هؤلاء جَميعُ المُتكلِّمينَ مِنَ الأشاعِرَةِ والمُعتزِلَةِ والجهمِيَّةِ وغيرِهم؛ حيثُ جَعَلوا التَّلَقِّي فيما يَتَعلَّقُ بأسماءِ اللهِ وصِفاتِه على الاعتِمادِ على العَقْلِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ الرُّجوعِ إلى اللهِ ، فاستَعِدَّ لهذا الرُّجوعِ واعْلَمْ أنَّك مُلاقٍ ربَّك، ولكن أَبْشِرْ إن كنتَ مُؤمنًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣] يعني لا يَخافُ المُؤمنُ من هذه المُلاقاةِ، بل له البِشارَةُ في الدُّنيا قَبْلَ الآخِرَةِ، لكنَّ حَقيقَةَ هذه البِشارَةِ لِلْمُؤمنِ خَاصَّةٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ المُجرِمينَ لا يُؤمنونَ بالبَعثِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تمَامُ قُدرَةِ اللهِ وأنَّه قادرٌ على إنطاقِ كُلِّ شيءٍ حيثُ أَنطَقَ السَّمعَ والأبصارَ والجُلودَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ المُجرِمينَ يَظنُّون أنَّ الله لا يَعلَمُ كَثيرًا مِمَّا يَعمَلونَ، وهو الَّذي يُخفونَه، فلهذا كانوا يُخفونَ عن اللهِ ما يَقَعونَ فيه مِنَ الكُفْرِ.
стр. 127
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ مثلَ هذا الظَّنِّ سببٌ لهَلاكِ المَرْءِ -أن يَظُنَّ أنَّه لن يُبْعَثَ- بل هو هَلاكُه حَقيقَةً؛ لأنَّ الَّذي يُنكِرُ البَعثَ كافِرٌ، والكافِرُ لا حظَّ له لا في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر: ١٥].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ هؤلاءِ المُجرِمينَ يظُنُّونَ أنَّهم رَبِحوا المَعرَكَةَ بِاستِخفائِهم، وهذا يَنْطَبِقُ تمامًا على المُنافِقينَ، ولكنَّ حَقيقَةَ الأَمْرِ أنَّهم خَسِروا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أنَّ أهلَ النَّارِ لن يَخرُجوا منها سَواءٌ صَبَروا أم لم يَصْبِروا؛ لقولِه: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وُيبَيِّنُه قولُه تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦] وقولُه تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الإشارَةُ إلى أنَّ النَّار لا تَفنى؛ لقولِهِ: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ وهذا -أعني أنَّ النَّار لا تَفنى- هو قَولُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كما أنَّ الجَنّةَ أيضًا لا تفنى.
وقد زَعَمَ بعضُ العُلماءِ أنَّ النَّارَ تفنى في آخِرِ النِّهايَةِ، لكنَّ هذا الزَّعْمَ باطلٌ، يعني لا يَستَحِقُّ مَنزلَةً أن نَقولَ: إِنَّه ضعيفٌ، بل نَقوُل إنَّه باطلٌ لا يَنْبَغي أن تُسوَّدَ به الصَّحائفُ، وذلك لأنَّ كَلامَ اللهِ الَّذي خَلَقَ النَّارَ، وهو عالمٌ بها وبمَصيرِها فيه التَّصريحُ بالتَّأبيدِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ من كتابِ اللهِ :
المَوضِعُ الأَوَّلُ في سورَةِ النِّساءِ قوُله تعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧].
стр. 128
والمَوضِعُ الثَّاني في سورَةِ الأحزابِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥].
والمَوضِعُ الثَّالثُ في سورَةِ الجِنِّ قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
ولهذا الإنسان يَعجَبُ أن يَقَعَ من بعضِ العُلماءِ القَولُ بأنَّ النَّارَ تفنى مع وُجودِ الآياتِ الثَّلاثِ.
وقولُه: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ قد يَكونُ فيها إشارَةٌ إلى أنَّها ستَبقى أَبَدَ الآبِدينَ لأنَّه لو كان لها مُنتَهى فسوف يَعْتَبون في النِّهايَةِ.
فإِنْ قال قائلٌ: هل يَثبُتُ عن ابنِ القَيِّمِ القَولُ بفَناءِ النَّارِ؟
فالجَوابُ: ابنُ القَيِّمِ ﵀ تَجِدُ كَلامَه في (مِفتاحِ دارِ السَّعادَةِ) وفي (شِفاءُ العَليلِ) (١) تَشَمُّ منه رائحَةَ أنَّه يُرَجِّحُ ذلك بأنَّه ذَكَرَ القَولَينِ وذَكَرَ الأَدِلَّةَ، وهو ﵀ إذا تَكلَّمَ يشفي ويُطيلُ النَّفَسَ، فكَلامُه في هذين الكِتابَينِ تَشَمُّ منه رائحَةَ أنَّه يَميلُ إلى ذلك، لكن له كَلامٌ آخَرُ في (الوابلُ الصَّيِّبُ) (٢) يدُلُّ على أنَّه يَرى أنَّ النَّارَ نارانِ؛ نارُ الكُفَّارِ هذه لا تفنى لأنَّهم خالدين فيها أبدًا، ونارُ العُصاةِ الَّذينَ يُعذَّبونَ بقَدْرِ ذُنوبِهم ثُمَّ يُخرَجون تفنى؛ لأنَّ أهلَها خَرَجوا منها، فإذا خَرَجوا منها ما بَقِيَ لبَقائِها فائدَةٌ.
وهذا التَّقسيمُ مِن النَّاحيَةِ العَقليَّةِ تَقسيمٌ قَوِيٌّ -أن يَميلَ إليه الإنسانُ من النَّاحيةِ العَقليَّةِ-، لكن قد يبقى النَّظَرُ بأَنْ يَقولَ القائِلُ ما الدَّليلُ على أنَّ هناك نارين؟
стр. 129
الجواب: هذا يَحتاجُ إلى دَليلٍ، والَّذي يَظهَرُ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ النَّارَ واحدةٌ، وأنَّ العُصاةَ يُعذَّبونَ بِالنَّارِ الَّتي يُعذَّبُ بها الكُفَّارُ، لكن عقلًا كَلامُه ﵀ هذا التَّفصيليُّ كَلامٌ جَيِّدٌ، حتَّى لو قال قائِلٌ أيضًا: العَقْلُ يَدُلُّ على أنَّه لا بُدَّ أن تَكونَ النَّارُ نارين؛ لأنَّه لا يُمكنُ أن يُعَذَّبَ المُؤمنُ الفاسِقُ بنارٍ شَديدةِ الحَرارَةِ كُلَّما نَضَجَ جِلدُه بُدِّلَ جلدًا آخَرَ كما تَكونُ نارُ الكُفَّارِ مِنَ النَّاحيَةِ العَقليَّةِ يُوافِقُ العَقْلَ تمامًا، فإن كان صوابًا فمِنَ اللهِ وإن كان خطأً فاللهُ يَعفو عنه.
ولا يَجوزُ أبدًا أن نَعرِفَ الحَقَّ بالرِّجالِ، يَجِبُ أن نَعرِفَ الحَقَّ بالدَّليلِ، فما دام بين أيدينا كَلامُ اللهِ كيف نُفَكِّرُ أن نُرَجِّحَ أو أن نَقولَ: قال فُلانٌ أو قال فُلانٌ، لو قال اَكْبَرُ النَّاسِ ما عدا الرَّسولَ ﵊ قلنا: لا سَمْعَ ولا طاعَةَ ولا تَصديقَ ولا إيمانَ، بين أيدينا كَلامُ اللهِ وهو الخالِقُ والعالِمُ بكُلِّ شيءٍ.
الْفَائِدَةُ العِشْرُونَ: إِثباتُ النَّارِ؛ لقولِه: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، وأنَّها هي المَثْوى وليس كما يَزْعُمُ بعضُ الكُتَّابِ اليومَ يَقولون: إنَّ المَيِّتَ إذا مات صار إلى مَثْواه الأخيرِ، وقد بَيَّنَّا أنَّ هذه الكَلِمَةَ كَلِمَةُ كُفْرٍ لو اعتَقَدَ الإنسانُ مَدلولَها، يعني لو اعتَقَدَ أنَّ القَبْرَ هو المَثْوى ولا قِيامَ بَعدَه لكان كافِرًا، فيُقالُ: إنَّ القَبْرَ ليس المَثْوى الأخِيرَ.
* * *
[﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أَمْرِ الدُّنيا واتِّباعِ الشَّهواتِ ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ مِن أمْرِ الآخِرَةِ بقَولِهم: لا بَعْثَ ولا حِسابَ] هؤلاءِ القُرناءُ حَسَّنوا لهم ما بين أيديهم مِنْ أمْرِ الدُّنيا، وقالوا لهم: اتَّبِعوا الشَّهواتِ، كَيِّفوا كما شِئْتُمْ، أتْرِفوا كما شئتم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤٥] ومَنُّوهم وما خَلْفَهم، أي: ما أمامهم؛ لأنَّ الخَلْفَ والوَراءَ قد يُرادُ به الأَمامُ كما في قولِه تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] يعني: أَمامَهم.
إذن: زَيَّنوا لهم الآخِرَةَ أيضًا بأنْ مَنُّوهم بأَحَدِ أَمْرينِ: إمَّا بالنَّجاةِ منَ العَذابِ في قولهِم: لا بَعْثَ ولا حِسابَ، وإمَّا أن يَنْتَقِلوا إلى خَيرٍ من ذَلِكَ، ويقولوا: إِنَّ الَّذي أَتْرَفَنا في الدنيا سوف يُتْرِفُنا في الآخِرَةِ، كقول بعضهم: ﴿هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فُصِّلَت: ٥٠]، وكقولِ صاحِبِ الجَنَّتينِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، فهكذا يُمَنِّي الشَّيطانُ أولياءَه يَقولُ: انبَسِطوا بالدُّنيا أَتْرِفوا أنفُسَكم، وفي الآخِرَةِ سوف تَنْتَقِلونَ إلى ما هو أَفْضَلُ، زَيَّنوا لهم ما بين أيديهم وما خَلْفَهم ومَنَّوا لهمُ الأمانِيَّ.
قال تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٥]، حقَّ عليهم أي: وَجَبَ القولُ، قَولُ اللهِ ﵎، والقَولُ الَّذي حَقٌّ فَسَّرَه المفَسِّرُ ﵀ بقوله: [وهو ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ السجدة: ١٣]. وقيل: القَولُ: هو قولُه تَعالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
ونَقولُ -كما أَسْلَفنا في القاعِدَةِ في التَّفسيرِ- أنَّ الآيَةَ إذا كانت تَحتَمِلُ مَعنيينِ لا مُرَجِّحَ لأَحَدِهِما على الآخَرِ، ولا مُنافاةَ بينهما، فإنَّها تُحمَلُ على المَعنَيينِ جميعًا،
стр. 132
نَقولُ: حقَّ عليهم قَولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وهذا في الدُّنيا، يعني: مهما عالجتَ الإنسانَ الَّذي حَقَّت عليه كَلِمَةُ اللهِ، فلن يَهتَديَ، وحَقَّت عليهم كَلِمَةُ اللهِ في الآخِرَةِ وهي: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، إذن لا فائِدَةَ.
إنَّ أَبْرَزَ مَثَلٍ لنا في هذا ما حَصَلَ للنَّبيِّ ﷺ مع عَمِّه أبي طالِبٍ الَّذي كان -أعني: عَمَّه- يُدافِعُ عنه أَشَدَّ المُدافَعَةِ ويُؤويه وَينْصُرُه وَيشْهَدُ أنَّه حقٌّ، لكنَّه لم يَنقاد لذلك ولم يَتَّبعْ، فما أَغْنَى عنه مِنَ اللهِ شيئًا، عند موتِه يَقولُ: "يا عَمِّ، قل: لا إلَهَ إلَّا اللهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لك بها عِنْدَ اللهِ" (١)، ولم يَنْفَعْه ذلك كان آخِرَ ما قال: أنَّه على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِبِ؛ لأنَّ أبا طالِبٍ عِندَ مَوتِه حَضَرَه النَّبيُّ ﵊ وحَضَرَه رجُلانِ من كِبارِ قُريشٍ، فكان الرَّسوُل يَقوُلُ: "يا عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إلَّا اللهُ وهما يقولانِ له: أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلبِ يَعني عن مِلَّةِ الكُفْرِ"، فآخِرُ ما قال هو على مِلَّةِ عَبدِ المُطَّلِب، وأبى أن يَقولَ: لا إِلَهَ إلَّا اللهُ مع العِلْمِ بأنَّه يُقِرُّ وَيعترِفُ بأنَّ الرَّسولَ حَقٌّ، يَقوُل (٢):
ولقد عَلِمْتُ بأنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ ... مِن خَيرِ أَديانِ البَرِيَّةِ دِينًا
ويقولُ في لامِيَّتِه المَشهورةِ (٣):
لقد عَلِموا أنَّ ابْنَنا لا مُكَذَّب ... لَدَينا ولا يُعنى بقَولِ الأباطِلِ
стр. 133
أي: بقولِ السَّحَرَةِ، يعني: ليس بِساحِرٍ، ومع ذلك فقد حَقَّتْ عليه الكَلِمَةُ نَسألُ اللهَ العافِيَةَ، وأن يُحسِنَ لنا ولكم الخاتِمَةَ، حَقَّت عليه الكَلِمَةُ فلم يُؤمِنْ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿فِي﴾ جُمْلَةِ ﴿أُمَمٍ﴾] يَعني في جُمْلتِها، واحتَجْنا إلى قَولٍ في جُمْلَةٍ، يعني: إِدخالَ جُمْلَةٍ مع أنَّها مَعروفَةٌ في السِّياقِ؛ لأنَّه لو قال: في أُمَمٍ، لكان هؤلاءِ مُشارِكينَ لكُلِّ الأُمَمِ الماضيةِ والمُستَقْبَلَةِ مع أنَّهم في أُمَّتِهم وَحدَهم، فيكونُ المعنى: ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أيْ [﴿فِي﴾ جُمْلَةَ ﴿أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ﴾ هَلَكَتْ ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ .. إلخ].
قولُه تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: قَبْلَ هؤلاءِ المُكذِّبينَ، ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، الجِنُّ هم عالَمٌ غَيبيٌّ خَلَقَهمُ اللهُ تعالى من نارٍ؛ لأنَّ أباهم إبليسَ كان مِن نارٍ، ولهذا كان شأنُهم، أو كانت حالهُم الطَّيشَ والسُّرعَةَ والِانْدِفاعَ كالنَّارِ في لَهَبِها، فهم خُلِقوا مِنَ النَّارِ، وهم مُكلَّفون بالإيمانِ باللهِ ومَلائِكتِه وكُتُبِه ورُسُلِه واليومِ الآخِرِ، ولكن هل الأعمالُ الَّتي كُلِّفوا بها، هَلْ هي الأَعْمالُ الَّتي كُلِّفتْ بها الإنسُ أو غَيرُهَا؟
إن نَظَرنا إلى عُموماتِ الأدِلَّةِ قُلنا: إنَّ الجِنَّ مُكلَّفَةٌ بما كُلِّفَ به الإنسُ، لأنَّ الشَّريعَةَ الَّتي بين أيدينا لم تأتِ بشَريعَةٍ للجِنِّ، بَلِ الشَّريعَةُ واحدَةٌ والرَّسولُ واحدٌ، فهم مُكلَّفون مَثلًا بصَلاةٍ كصَلاتِنا ووُضوءٍ كوُضوئِنا وحَجٍّ كحَجِّنا وصَومٍ كَصَومِنا وصَدَقَةٍ كصَدَقَتِنا، كُلُّ ما نَحنُ مُكلَّفون به فَهُمْ مُكلَّفون به، إذ إِنَّنا لا نَرى في الشَّريعَةِ الَّتي بينَ أيدينا تَشريعاتٍ لِلجِنِّ هذا إذا نظرنا إلى عُمومِ الأدِلَّةِ.
وإذا نَظَرنا إلى حِكْمَةِ اللهِ تعالى في شرْعِه قُلنا: إنَّهم مُكلَّفون بِشَريعَةٍ تَليقُ بهم، فكما أنَّ الإنسَ إذا اختَلَفوا يُجعَلُ لكُلِّ صِنفٍ ما يَلِيقُ به فكذلك الجِنُّ، والجِنُّ مُخالِفونَ تمَامًا للإنسِ في الحَدِّ والحَقيقَةِ، فتكونُ شَريعَتُهُمْ خَاصَّةً تَلِيقُ بهم، لكنَّ
стр. 134
تَحريمَ الشِّركِ والظُّلمِ والعُدوانِ وما أَشْبَهَ ذلك هذا عامٌّ على الجِنِّ والإنسِ، إنَّما أُريدَ التَّكليفاتُ البَدَنيَّةُ كالصَّلاةِ مثلًا، هل صَلاتُهُمْ كصَلاتِنا أو صِيامُهم كصِيامِنا، هذا هو مَحَلُّ الخِلافِ بينَ العُلَماءِ.
فمنهم مَنْ يَقولُ: إنَّ الجِنَّ مُكلَّفونَ كما كُلِّف الإنسُ تمامًا، وحُجَّةُ هَؤلاءِ عُمومُ الأَدِلَّةِ الَّتي بين أَيدينا الَّتي أُرسِلَ بها الرَّسولُ ﵊ لا نَجِدُ فيها أحكامًا تَخُصُّ الجِنَّ، فالأصلُ العُمومُ، وَالأصلُ أنَّ كُلَّ ما كُلِّفَ بهِ الإنسُ هو ما كُلِّفَ به الجِنُّ.
فإِنْ قال قائلٌ: حُجَّتُهم أنَّهم خَلْقٌ من خَلْقِ اللهِ! قلنا: تَرِدُ عليه المَلائِكَةُ.
القَولُ الثَّاني: أنَّ الجِنَّ يَختَلِفونَ عن الإنسِ في العِبادَةِ وما كُلِّفوا به، ووَجهُ ذلك أَنَّنا نَجِدُ مِن حِكمَة اللهِ أنَّ التَّشريعاتِ مُناسِبَةٌ للمُكَلَّف بها، فالمَريضُ يُصلِّي قاعدًا، والمُسافِرُ يُؤخِّرُ الصَّومَ، والَّذي لا يَستطيعُ الرُّكوبَ على الرَّحلِ لا يَحُجُّ، فإذا كانت هذه الِاختِلافاتُ تَكونُ بين الإنسِ لاختلافِ أحوالهِم، فما بين الإنسِ والجِنِّ من باب أَوْلَى.
لكنَّ هُناك أشياءَ لا إِشكالَ فيها وهي: تَحريمُ الشِّركِ والظُّلمِ والعُدوانِ وما أَشْبَهَ ذلك؛ ولذلك نَجِدُ كَثيرًا مِنَ العُلماءِ الَّذين يَقْرَؤونَ على مَنْ مَسَّهم الشَّيطانُ يُذَكِّرونهم بتَحريمِ الظُّلمِ، وأنَّه حَرامٌ، وأنَّهم مُعتَدونَ، وما أَشْبَهَ ذلك ممَّا يدُلُّ على أَنَّهم مُلتَزِمون بهذا.
فإِنْ قال قائلٌ: مِنَ المَعلومِ أنَّ العِباداتِ تَوقِيفِيَّةٌ فكيفَ سيَعْبُدون اللهَ إذن؟
стр. 135
فالجَوابُ: يَعْبُدونَه بشَريعَةٍ مِنَ اللهِ يَكونُ الرَّسولُ ﷺ قد عَلَّمَهُمْ؛ لأنَّهُ اجتَمَعَ بهم وعَلَّمَهم ما يَلْزَمُهم.
يَقولُ اللهُ تَعالَى: ﴿مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، إذن الجِنُّ عالَمٌ غَيبيٌّ، خُلِقوا مِن نارٍ، مُكلَّفون بشَريعَةِ النَّبيِّ ﷺ إلزامًا؛ لأنَّه مُرسَلٌ إلى الجِنِّ والإنسِ، لكنَّ غَيْرَ الرَّسولِ لا نَعلَمُ هل هُمْ مُلْزَمونَ بذلك أو لا، لكنَّهم مَأذونٌ لهم أن يَعْمَلوا بها كما قال تَعالَى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٠] ممَّا يدُلُّ على أنَّهم انْتَفَعوا بكِتابِ موسى: ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، فهم مُلْزَمون بالعَمَلِ بِشَريعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قُلنا: إنَّهم عالَمٌ غَيبيٌّ، لكن رُبَّما يَبْرُزونَ لبَعضِ النَّاسِ يَتَلَوَّنونَ، فقد يَتَراءىَ الجِنُّ للإنسيِّ بصورَةِ إنسانٍ فَخْمٍ كَبيرٍ عَظيمٍ، أو بصورَةِ هيكلٍ له قُرونٌ وله آذانٌ وله أَرْجُلٌ طَويلَةٌ وما أشبه ذلك، وأمَّا ما زَعَمَ بَعضُ النَّاسِ أنَّهم أَجسادٌ ليس فيها عِظامٌ، وأنَّهم إذا لمَسْتَه وَجَدتَه رَقيقًا جدًّا، وأنَّ أعينَهم مَشقوقَةٌ طولًا هكذا، فهذا لا أَصْلَ له.
إذن؛ نَقولُ: هُمْ عالَمٌ غَيبيٌّ، وَيدُلُّ لذلك المادَّةُ الَّتي يوصَفونَ بها يعني: الجِنَّ؛ لأنَّ الجيمَ والنُّونَ تَدُلُّ على الِاستِتارِ والخَفاءِ، أرأيتم الجَنَّةَ، الجَنَّةُ: هي البُستانُ الكَثيرُ الأشجارِ، والجِنَّةُ: الجِنُّ، والجُنَّةُ: ما يَتَّخِذُه المُقاتِلُ لحمايَةِ نَفسِه مِنَ السِّهامِ يَستَتِرُ به.
فإِنْ قال قائِلٌ: الجِنُّ هل فيهم رَسولٌ؟
فالجَوابُ: يَقولُ اللهُ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٣] وقال العُلماءُ: إنَّ الرِّجالَ لا يَكونونَ مِنَ الجِنِّ، لكن في هذا التَّعليلِ نَظَرٌ؛
стр. 136
لأنَّ اللهَ يَقولُ في سورَةِ الجِنِّ: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ٦]، قالوا: الآيَةُ الأُخرى: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، فيُقالُ: الجِنُّ أيضًا من أَهْلِ القُرى، لكنَّ الأحقَّ بالأرضِ الإنسُ لا شكَّ، ولهذا لو اعتَدى أحدٌ مِنَ الجِنِّ ونزل بَيتَكَ فلك أن تُخرِجَهُ، والدَّليلُ هو أنَّ الرَّسولَ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم- جَعَلَ الأرضَ لمالكِها: "مَنِ اقتَطَع شِبرًا مِنَ الأرضِ ظُلمًا طَوَّقَه اللهُ بها يَومَ القِيامَةِ من سَبع أَرَضِينَ" (١).
فأنا أَستطيعُ أن أَحْرُثَ في الأَرْضِ وأَزرَعَ وأَبني وأَعْمَلَ ما شِئتُ ولا مُعارِضَ لي، ولكن: كيف لو جاءوا واعتدوا على بَيتِك وحَفَروا فيه وأصبحت، وإذا السَّطْحُ مَملوءٌ مِنَ الزَّرعِ والمَجالِسُ مملوءةٌ مِنَ النَّخيلِ!
قال اللهُ تعالَى: ﴿وَالْإِنْسِ﴾ هُم هَؤلاءِ البَشَرِ مِن بَني آدَمَ وسُمُّوا إنسًا؛ لأنَّ بَعضَهم يأنسُ ببَعضٍ، ولهذا قيل: إنَّ الإنسانَ مَدنيٌّ بالطَّبْعِ.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ﴾، أيِ الَّذين حَقَّ عليهم القَولُ ﴿كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ كانوا في عِلمِ اللهِ وليس يَومَ القيامَةِ؛ لأنَّه لو كان كذلك لقال: يَكونون، لكن ﴿كَانُوا﴾ في عِلمِ اللهِ وتَقديرُهُ: ﴿خَاسِرِينَ﴾.
فإِنْ قال قائِلٌ: ألا يَجوزُ أن يَكونَ قولُه : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ على أنَّه يومُ القيامَةِ من باب قولِهِ تَعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]؟
فالجَوابُ: لا، ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لولا أنَّهُ قال: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ لكان على ظاهِرِه.
стр. 137
ولكن اعْلَموا بارَكَ اللهُ فيكم أنَّه لا يُمكِنُ لأحدٍ أن يَضِلَّ إلَّا وهو السَّببُ في ضلالِ نفسِه، لَدينا آيَةٌ من كِتابِ اللهِ حاكِمَةٌ على كُلِّ ذلك، على كُلِّ مَن يَتوهَّمُ أنَّ الضَّلالَ مُقَدَّرٌ من عِندِ اللهِ تَعالَى ابتلاءً وامتحانًا، وإن كان الأَمْرُ كذلك، لكان سَببُ ضَلالِ الإنسانِ هو نَفسُهُ، قال اللهُ ﵎: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، وقال تَعالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦]، فماذا نَفعَلُ إذا كان هو الَّذي أَخلَدَ إلى الأَرضِ واتَّبَعَ هَواهُ فماذا نَفعلُ؟
فاعْلَمْ أنَّ كُلَّ شيءٍ مِنَ المَعاصي فأنت سَببُه، وإن شِئتَ فاقْرَأْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩] يا لها من مَوعِظَةٍ في هذه الآيَةِ، أنَّك إذا تَوَلَّيت عن أَمْرِ اللهِ فاعْلَمْ أنَّ ذلك مِن ذَنبِك، فاعْلَمْ أنَّ اللهَ إنَّما يُريدُ أن يُصيبَهم ببَعْضِ ذُنوبِهم، فصار الإِعْراضُ عُقوبَةً، وهذا أَمْرٌ قد لا يَتَفَطَّنُ له بَعضُ النَّاسِ، إِعراضُك عَنِ اللهِ وعن دينِ اللهِ هو عُقوبَةٌ منَ اللهِ لقولِهِ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩].
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ عَظمَةِ اللهِ لقوله: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾، لأنَّ (نا) تُفيدُ العَظَمَةَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الرَّدُّ على المُعتَزِلَةِ الَّذين يَقولون: إنَّ الإنسانَ مُستَقِلٌّ بعَمَلِه، وأنَّه لا عِلاقَةَ للهِ تَعالَى به.
والنَّاسُ في هذا البابِ على ثَلاثَةِ أقسامٍ:
القِسْمُ الأَوَّلُ: مَن قال: إِنَّ الإنسانَ مجُبَرٌ على عَمَلِه وليس له إِرادَةٌ ولا اختيارٌ،
стр. 138
وأنَّ فِعلَه الاختِياريَّ كفِعْلِه الاضْطِراريِّ، فالَّذي يَذهَبُ ويَجيءُ باختِيارِهِ كالَّذي يَرتَعِشُ أو يَمْشي مجَنونًا في الأرضِ، وهذا مَذهبُ الجَبْريَّةِ وزَعيمُهم الجَهْمُ بنُ صَفوانَ الَّذي تَتَلمَذَ على الجَعْدِ بنِ دِرهَمٍ.
القِسْمُ الثَّاني: مَن قال: إنَّ العَبدَ مُستقِلٌّ بعَمَلِه وليس للهِ فيه عَلاقَةٌ، فالإنسانُ مُريدٌ مخُتارٌ ولا لأَحدٍ عليه سُلطَةٌ، وهذا مَذهَبُ القَدريَّةِ وهم المُعتَزِلَةُ، والقَدَرَّيةُ يُسَمَّونَ مَجوسَ هذه الأُمَّةِ؛ لأنَّهم ادَّعَوْا أنَّ للحَوادثِ خَالِقَينِ، فالحَوادثُ الَّتي هي من فِعْلِ اللهِ هي مِن فِعلِهِ، والحوادثُ الَّتي هي مِن فِعلِ العَبدِ هي مِن فِعلِه استقلالًا، وهؤلاء هُمُ المُعتزِلَةُ ومَن ظاهَرَهم، وزُعماؤُهم عَمْرُو بنُ عُبَيْدٍ وواصِلُ بنُ عَطاءٍ.
القِسم الثَّالثُ: مَن قالوا: إنَّ العَبدَ له إِرادةٌ واختيارٌ، ولكنَّ إرادتَه واختيارَهُ تَابعَةٌ لإِرادَةِ اللهِ تَعالَى ومَشيئتِهِ، وهَؤلاءِ هُمُ السَّلَفُ الصَّالحُ أَهلُ السُّنَّةِ والجَماعةِ، فقالوا: إنَّ العَبدَ هو الصَّائمُ القائمُ الرَّاكعُ السَّاجدُ الذَّاهبُ الجَائي هو العَبدُ وليس اللهُ، وقالوا: إنَّ هذه الأفعالَ تُنسَبُ إليه، وما أَكثرَ ما في القُرآنِ: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: ١٤]، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]، وما أَشبَهَ ذلك؛ ولكنَّها لم تَقعْ خارجَةً عن قُدرةِ اللهِ تعالى ومَشيئتِهِ، بل هي تَحتَ قُدرَةِ اللهِ تعالى ومَشيئتِه، وفائِدَةُ ذلك أنَّه إذا وَقَعَ الفِعلُ مِنَّا عَلِمْنا أنَّ اللهَ قد شاءَه وأَرادَه، ولسنا مُستقِلِّين به.
وهذه الآيةُ: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ تَرُدُّ على الطَّائفَتَينِ جميعًا. ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ تَرُدُّ على القَدَريَّةِ، و ﴿فَزَيَّنُوا﴾ نَسَبَت الفِعلَ إليهم تَرُدُّ على الجبرَّيةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحَذَرُ مِنَ الوَساوسِ الَّتي يُلقيها الشَّيطانُ لفاعلِ المَعصيَةِ وُيزيِّنُها له، ويَقولُ: هذه سَهلَةٌ، اللهُ غَفورٌ رَحيمٌ، افعَلْ هذا ثُمَّ تُبْ وما أَشْبَهَ ذلك، احذَرْ من هذا، فإنَّ هذا وَعدُ الشَّيطانِ، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء: ١٢٠].
стр. 139
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ هؤلاءِ الَّذين تابَعوا القُرناءَ قد خَسِروا؛ لقولِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاءِ الَّذين استَحْسَنوا ما زَيَّنَّه لهمُ القُرناءُ حَقَّ عليهم القَولُ، وسَبَقَ أنَّ القَولَ على رَأي المفسِّر هو: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]، وهو على ما ذَكَرْناه هو قَولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦]، ولا يَبعُدُ أن يَكونَ المُرادُ به بذلك الأَمْرانِ جميعًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: كَثرةُ الضَّالِّينَ مِن هؤلاء القُرَناءِ؛ لقولِه: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾.
* * *
стр. 140
الآية (٢٦)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].
* * *
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عِندَ قِراءَةِ النَّبيِّ ﷺ ، يعني: للقُرآنِ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ يعني: أنَّ بَعضَهم يوصي بَعضًا يَقولُ: لا تَسْمَعوا لهذا القُرآنِ، أي: لا تُنْصِتوا له ولا تَستَمِعوا إليه، وابتَعِدوا عنه؛ وذلك لأنَّ القُرآنَ يُؤثِّرُ في قَلبِ مَنْ يَسمعُه، حتَّى إنَّ بَعضَ المُشرِكينَ مِن كُبَرائِهم يَأتونَ إلى النَّبيِّ ﷺ يَستَمِعون قِراءَتَه اختِفاءً في اللَّيلِ لئلَّا يَطَّلِع عليهم؛ لأنَّهم يَسمَعون قَولًا يَسلُبُ العُقولَ ويَأخُذُ بالنُّفوسِ، فهُم يوصي بَعضُهم بعضًا يَقولُ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾.
و﴿الْقُرْآنِ﴾ هو كَلامُ اللهِ وهو على وَزنِ فَعلانَ، وفَعْلانُ مَصدَرٌ كالغُفْرانِ والشُّكرانِ.
وهل هو مِنْ قَرَأَ أو مِن قَرَى أو منهما جَميعًا؟ نَقولُ: هو صالِحٌ للجَميعِ، فإنْ كان مِن (قَرَأَ) فهو مِنَ القِراءةِ وهي التِّلاوَةُ، وإن كان مِنْ (قَرَى) يَقري بمعنى جَمَعَ، ومنه القَرْيَةُ لأنَّها تَجمَعُ أقوامًا، فالقُرآنُ جامِعٌ.
ثُمَّ هل هو فاعِلٌ أو مَفعولٌ؟ نَقولُ: إذا كان مِنْ (قَرَأَ) فهو مَفعولٌ؛ لأنَّه قُرآنٌ مَقروءٌ، فهو مَصدرٌ بمعنى مَفعولٍ، وإن كان مِن (قَرَى) فهو بمَعنى فاعِلٍ وبمعنى
стр. 141
مَفعولٍ؛ أي: إِنَّه مُشتَرِكٌ بين فاعِلٍ ومَفعولٍ، فهو جامِعٌ وهو مَجموعٌ؛ لأنَّه يُكتَبُ وتُجمَعُ حُروفُه بَعضُها إلى بَعضٍ، والمُرادُ به ما نَزَلَ على محُمَّدٍ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم-.
﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ﴿لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، المُرادُ بالإِشارَةِ هنا التَّحقيرُ يعني: هذا لا يُساوي شيئًا لا تَسمَعوا إليه، ويُشْبِهُ هذا مِن بَعضِ الوُجوهِ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] احتِقارٌ، يعني: أهذا الَّذي يَسُبُّها مَنْ هو، ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، وهذا للاحتِقارِ لكنَّه مُستَفادٌ مِنْ الاستِفهامِ. أمَّا هُنا فهو مُستَفادٌ مِنَ الإِشارَةِ الدَّالَّةِ على التَّحقيرِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ائتوا باللَّغَطِ ونَحْوِه وصيحوا في زَمَنِ قِراءتِه].
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ يعني: عِندَما تَسمَعون رَسولَ اللهِ ﷺ يَقرأُ صَوِّتوا وتَصايَحوا؛ لأَجْلِ أن تَخْلِطوا عليه قِراءَتَه وتَحولوا بينَهُ وبين السَّماعِ.
يَعني: فَهُمْ يَفْعَلون ذلك لأَمْرينِ:
الأَوَّلُ: التَّخليطُ على النَّبيِّ ﷺ في قِراءتِهِ.
والثَّاني: ألَّا يَسمَعَ أحدٌ قِراءتَه من أَجْلِ الضَّوضاءِ واللَّغَطِ.
﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٦] (لعلَّ) للتَّعليلِ، وتَأتي لِلإشفاقِ، وللتَّرَجِّي، وللتَّمَنِّي. كُلُّ هذه المَعانِي تَختَلِفُ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ لأنَّ السِّياقَ هو الَّذي يُعَيِّنُ مَعاني الكَلِماتِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فيَسكُتُ عنِ القِراءةِ]؛ لأنَّه إذا سَمِعَ
стр. 142
الأصواتَ والضَّجَّةَ والضَّوضاءَ واختَلَطَت عليه قِراءَتُهُ، فإنَّه لا يَرى فائدَةً مِنَ القِراءَةِ، وحينَئذٍ يَسكُتُ هذا ما يَفعَلُه هَؤلاءِ المُشركونَ.
فإِنْ قال قائلٌ: إنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ يَشغَلونَ القُرآنَ في المَنازِلِ والمَتاجِرِ، ولم يَعتادوا اللَّغَطَ والسَّبَّ والشَّتمَ، لكن رُبَّما حَدَّثوا أَحاديثَ جانِبيَّةً كأن يَكونَ في المَطبَخِ مثلًا أو ما أشبه ذلك.
ثُمَّ إنَّ القُرآنَ على إِذاعَةِ القُرآنِ الَّتي يَأتي مَرَّةً حَديثٌ ومرةً قرآنٌ، وهم يُحبُّون القُرآنَ وَيأنَسونَ به ويَستفيدونَ فوائِدَ كَثيرةً، وَيقولون: إذا لم نُشَغِّلِ القُرآنَ تَأتي هَواجِسُ؟
فالجَوابُ: المَحظورُ اللَّغو فقط، أمَّا إن كانوا لا يَنْتَبِهون أحيانًا فإنَّ الإنسانَ الَّذي يَقرأُ والمُصحَفُ بين يديه أحيانًا يَقْرَأُ بفَمِه وقَلْبِه ليس بِقارِئٍ، فالمَحظورُ مثلًا أنَّ ناسًا مَشغُولونَ بدُنياهم والقُرآنُ يُقْرَأُ، أمَّا مثلًا امْرأةٌ تطْبُخُ أو تَغسِلُ ثِيابَها وتَستَمِعُ لِلقُرآنِ، فهذا لا يوجِبُ التَّلَهِّي عنه.
فإِنْ قال قائِلٌ: ما حُكْمُ مَن يُشَغِّلُ القُرآنَ في المُسَجِّلِ ويُرَدِّدُ معه للتَّحَفُّظِ وتَحسينِ النُّطْقِ؟
فالجَوابُ: لا بَأسَ به، ليس هناك مانِعٌ.
فإِنْ قال قائِلٌ: بالنِّسبَةِ لمَنْ يَقرأُ القُرآنَ في غَيرِ الصَّلاةِ، هل يَجِبُ الاستِماعُ إليه أم لا؟
فالجَوابُ: لا، الصَّحيحُ لا يَجِبُ الاستِماعُ، لكن لا يَجوزُ اللَّغَطُ، ولهذا قال الإِمامُ أَحْمَدُ في قولِهِ تَعالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
стр. 143
[الأعراف: ٢٠٤] قال: أَجْمَعوا على أنَّ هذه في الصَّلاةِ، أمَّا غَيرُ الصَّلاةِ فلا يَجِبُ أن نَستَمِعَ، لأنَّنا لو قُلنا بِوجوبِ الِاستِماعِ لقُلنا: إذا شَرَعَ قَارئٌ يَقرَأُ وأنت إلى جَنْبِه حَرُمَ عليك أن تَقومَ؛ لِوجوبِ الِاستِماعِ، وهذا ما أَظُنُّ أحدًا مِنَ العُلماءِ يَقولُ به، المَمنوعُ اللَّغو واللَّغَطُ.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: خَوفُ المُشركِينَ وانزِعاجُهم مِن تَأثيرِ قِراءَةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم-، وَجهُ ذلك أنَّ بَعضَهم يوصي بَعضًا أن لا يَسمَعوا لهذا القُرآنِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قُوَّةُ تَأثيرِ القُرآنِ على سامِعِه، وهذا هو الواقِعُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، لكنَّ القُرآنَ إنَّما يُؤَثِّرُ على مَن يَفهمُ اللُّغةَ العَربيَّةَ ومَعاني الكَلِماتِ، وأمَّا الأَعْجَميُّ حَقيقَةً أو حُكْمًا فإنَّه لا يَتَأَثَّرُ بها، ثانيًا: إنَّما يُؤَثِّرُ القُرآنُ وهو كَمالُ التَّأثيرِ على المُؤمنِ به، أمَّا المُكَذِّبُ المُستكْبِرُ فلا، حتَّى إنَّه يَقولُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه لا يَجوزُ اللَّغطُ والضَّوضاءُ حينَ قِراءَةِ القُرآنِ، فإمَّا أن تَستَمِعَ إليه وإمَّا أن تَقومَ، أمَّا أن تَجلِسَ إلى قارِئِ القُرآنِ وتُثيرُ الأصواتَ واللَّغَطَ والضَّوضاءَ، فهذا أَقَلُّ ما فيه أنَّه شَبيهٌ بصَنيعِ المُشرِكينَ، يعني: لو قَدَّرنا أنَّ هَؤلاءِ القَومَ الَّذين عِندَهم اللَّغَطُ والضَّوضاءُ لا يُريدونَ أن يُشَوِّشوا على القارئِ، ولا يُريدون ألَّا يَسمَعَ قِراءتَه أحدٌ، لكن نقول: أدنى ما فيه أنَّه مُشابِهٌ لعَمَلِ المُشرِكينَ.
ويَتَفَرَّعُ على ذلك: ما يَفعَلُه بعضُ النَّاسِ في مَتاجِرِهم ومَساكِنِهم، حيث يَفتحونَ القُرآنَ على المُسَجِّلِ ويَجعَلونَه يَقرَأُ وتَجِدُهم في ضَوضاءَ وفي كَلامٍ قبيحٍ وفي كَذِبٍ، وهذا إِهانَةٌ للقُرآنِ.
стр. 144
فنَقولُ: إمَّا أن تَستَمِعَ إلى كَلامِ اللهِ، وإمَّا أن تَغلِقَه أمَّا أن يَبْقى يَقرَأُ وهذا يَشْتُمُ وهذا يَلعَنُ وهذا يَغِشُّ، فهذا في غايَةِ الامتِهانِ لكَلامِ اللهِ وإن لم يُرِدِ الإنسانُ، فإنَّ صورَتَه صورَةُ الامتِهانِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ التَّشويشَ على الدَّاعيَةِ قد يَظُنُّ فاعلُهُ أنَّه يَغلِبُ، وَيصلُ إلى مَقصودِهِ، ولكن ليس الأمرُ كذلك، وَجهُ الدَّلالَةِ مِنْ هذا أنَّ هؤلاء المشُرِكينَ لم يَحصُلْ لهم مَطلوبُهم مِنَ الغَلَبَةِ.
* * *
стр. 145
الآية (٢٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٧].
* * *
﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾، الجُملَةُ هذه مُؤكَّدَةٌ بثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ: القَسَمُ المُقَدَّرُ، ويَدُلُّنا على القَسَمِ تَوكيدُ الفِعلِ واللَّامُ أيضًا، والثَّاني: اللَّامُ، والثَّالثُ: النُّونُ.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لَنُعذِّبَنَّهم عَذابًا يَذوقونَ أَلمَه، وهو كِنايَةٌ عن شِدَّةِ هذا العَذابِ الَّذي يَصِلُ إلى مَذاقِهم حتَّى كأنَّه شَيءٌ مَحسوسٌ يَتَذَوَّقونَه بأَفواهِهم.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، المُرادُ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَن سَبَقَ، وهُم الَّذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، وحينَئذٍ قد يَقولُ قائل: لماذا لم يُضْمِرْ فيقول: "فلَنُذيقَنَّهم"، نَقولُ: هُنا إِظهارٌ في مَوضِعِ الإضمارِ، والإظهارُ في مَوضِعِ الإضْمارِ له فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: تَنبيهُ المُخاطَبِ؛ لأنَّه جَرَت العادَةُ أنَّ الكَلامَ إذا كان السِّياقُ يَقتَضي الإضمارَ، فإنَّه يَأتي الإِضْمارُ، فإذا جاء الإِظْهارُ صار هذا على خِلافِ العادَةِ، فَالعادَةُ أنَّ الكَلامَ إذا كان في سياقِ الإِضْمارِ، فإنَّ الَّذي يَأتي هو الإِضْمارُ، يَعني: الضَّميرُ، فإذا جاء الظَّاهِرُ مَوضِعَ الضَّميرِ فسوف يَتَوقَّفُ الإنسانُ، لماذا جاء الظَّاهرُ مَوضِعَ الضَّميرِ؟ فيكون في ذلك انتباهٌ له هذه فائدَةٌ.