مَفعولٍ؛ أي: إِنَّه مُشتَرِكٌ بين فاعِلٍ ومَفعولٍ، فهو جامِعٌ وهو مَجموعٌ؛ لأنَّه يُكتَبُ وتُجمَعُ حُروفُه بَعضُها إلى بَعضٍ، والمُرادُ به ما نَزَلَ على محُمَّدٍ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّم-.
﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ﴿لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، المُرادُ بالإِشارَةِ هنا التَّحقيرُ يعني: هذا لا يُساوي شيئًا لا تَسمَعوا إليه، ويُشْبِهُ هذا مِن بَعضِ الوُجوهِ: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] احتِقارٌ، يعني: أهذا الَّذي يَسُبُّها مَنْ هو، ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، وهذا للاحتِقارِ لكنَّه مُستَفادٌ مِنْ الاستِفهامِ. أمَّا هُنا فهو مُستَفادٌ مِنَ الإِشارَةِ الدَّالَّةِ على التَّحقيرِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ ائتوا باللَّغَطِ ونَحْوِه وصيحوا في زَمَنِ قِراءتِه].
﴿وَالْغَوْا فِيهِ﴾ يعني: عِندَما تَسمَعون رَسولَ اللهِ ﷺ يَقرأُ صَوِّتوا وتَصايَحوا؛ لأَجْلِ أن تَخْلِطوا عليه قِراءَتَه وتَحولوا بينَهُ وبين السَّماعِ.
يَعني: فَهُمْ يَفْعَلون ذلك لأَمْرينِ:
الأَوَّلُ: التَّخليطُ على النَّبيِّ ﷺ في قِراءتِهِ.
والثَّاني: ألَّا يَسمَعَ أحدٌ قِراءتَه من أَجْلِ الضَّوضاءِ واللَّغَطِ.
﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٦] (لعلَّ) للتَّعليلِ، وتَأتي لِلإشفاقِ، وللتَّرَجِّي، وللتَّمَنِّي. كُلُّ هذه المَعانِي تَختَلِفُ بِحَسَبِ السِّياقِ؛ لأنَّ السِّياقَ هو الَّذي يُعَيِّنُ مَعاني الكَلِماتِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فيَسكُتُ عنِ القِراءةِ]؛ لأنَّه إذا سَمِعَ
стр. 142
الأصواتَ والضَّجَّةَ والضَّوضاءَ واختَلَطَت عليه قِراءَتُهُ، فإنَّه لا يَرى فائدَةً مِنَ القِراءَةِ، وحينَئذٍ يَسكُتُ هذا ما يَفعَلُه هَؤلاءِ المُشركونَ.
فإِنْ قال قائلٌ: إنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ يَشغَلونَ القُرآنَ في المَنازِلِ والمَتاجِرِ، ولم يَعتادوا اللَّغَطَ والسَّبَّ والشَّتمَ، لكن رُبَّما حَدَّثوا أَحاديثَ جانِبيَّةً كأن يَكونَ في المَطبَخِ مثلًا أو ما أشبه ذلك.
ثُمَّ إنَّ القُرآنَ على إِذاعَةِ القُرآنِ الَّتي يَأتي مَرَّةً حَديثٌ ومرةً قرآنٌ، وهم يُحبُّون القُرآنَ وَيأنَسونَ به ويَستفيدونَ فوائِدَ كَثيرةً، وَيقولون: إذا لم نُشَغِّلِ القُرآنَ تَأتي هَواجِسُ؟
فالجَوابُ: المَحظورُ اللَّغو فقط، أمَّا إن كانوا لا يَنْتَبِهون أحيانًا فإنَّ الإنسانَ الَّذي يَقرأُ والمُصحَفُ بين يديه أحيانًا يَقْرَأُ بفَمِه وقَلْبِه ليس بِقارِئٍ، فالمَحظورُ مثلًا أنَّ ناسًا مَشغُولونَ بدُنياهم والقُرآنُ يُقْرَأُ، أمَّا مثلًا امْرأةٌ تطْبُخُ أو تَغسِلُ ثِيابَها وتَستَمِعُ لِلقُرآنِ، فهذا لا يوجِبُ التَّلَهِّي عنه.
فإِنْ قال قائِلٌ: ما حُكْمُ مَن يُشَغِّلُ القُرآنَ في المُسَجِّلِ ويُرَدِّدُ معه للتَّحَفُّظِ وتَحسينِ النُّطْقِ؟
فالجَوابُ: لا بَأسَ به، ليس هناك مانِعٌ.
فإِنْ قال قائِلٌ: بالنِّسبَةِ لمَنْ يَقرأُ القُرآنَ في غَيرِ الصَّلاةِ، هل يَجِبُ الاستِماعُ إليه أم لا؟
فالجَوابُ: لا، الصَّحيحُ لا يَجِبُ الاستِماعُ، لكن لا يَجوزُ اللَّغَطُ، ولهذا قال الإِمامُ أَحْمَدُ في قولِهِ تَعالَى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
стр. 143
[الأعراف: ٢٠٤] قال: أَجْمَعوا على أنَّ هذه في الصَّلاةِ، أمَّا غَيرُ الصَّلاةِ فلا يَجِبُ أن نَستَمِعَ، لأنَّنا لو قُلنا بِوجوبِ الِاستِماعِ لقُلنا: إذا شَرَعَ قَارئٌ يَقرَأُ وأنت إلى جَنْبِه حَرُمَ عليك أن تَقومَ؛ لِوجوبِ الِاستِماعِ، وهذا ما أَظُنُّ أحدًا مِنَ العُلماءِ يَقولُ به، المَمنوعُ اللَّغو واللَّغَطُ.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: خَوفُ المُشركِينَ وانزِعاجُهم مِن تَأثيرِ قِراءَةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم-، وَجهُ ذلك أنَّ بَعضَهم يوصي بَعضًا أن لا يَسمَعوا لهذا القُرآنِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قُوَّةُ تَأثيرِ القُرآنِ على سامِعِه، وهذا هو الواقِعُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، لكنَّ القُرآنَ إنَّما يُؤَثِّرُ على مَن يَفهمُ اللُّغةَ العَربيَّةَ ومَعاني الكَلِماتِ، وأمَّا الأَعْجَميُّ حَقيقَةً أو حُكْمًا فإنَّه لا يَتَأَثَّرُ بها، ثانيًا: إنَّما يُؤَثِّرُ القُرآنُ وهو كَمالُ التَّأثيرِ على المُؤمنِ به، أمَّا المُكَذِّبُ المُستكْبِرُ فلا، حتَّى إنَّه يَقولُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه لا يَجوزُ اللَّغطُ والضَّوضاءُ حينَ قِراءَةِ القُرآنِ، فإمَّا أن تَستَمِعَ إليه وإمَّا أن تَقومَ، أمَّا أن تَجلِسَ إلى قارِئِ القُرآنِ وتُثيرُ الأصواتَ واللَّغَطَ والضَّوضاءَ، فهذا أَقَلُّ ما فيه أنَّه شَبيهٌ بصَنيعِ المُشرِكينَ، يعني: لو قَدَّرنا أنَّ هَؤلاءِ القَومَ الَّذين عِندَهم اللَّغَطُ والضَّوضاءُ لا يُريدونَ أن يُشَوِّشوا على القارئِ، ولا يُريدون ألَّا يَسمَعَ قِراءتَه أحدٌ، لكن نقول: أدنى ما فيه أنَّه مُشابِهٌ لعَمَلِ المُشرِكينَ.
ويَتَفَرَّعُ على ذلك: ما يَفعَلُه بعضُ النَّاسِ في مَتاجِرِهم ومَساكِنِهم، حيث يَفتحونَ القُرآنَ على المُسَجِّلِ ويَجعَلونَه يَقرَأُ وتَجِدُهم في ضَوضاءَ وفي كَلامٍ قبيحٍ وفي كَذِبٍ، وهذا إِهانَةٌ للقُرآنِ.
стр. 144
فنَقولُ: إمَّا أن تَستَمِعَ إلى كَلامِ اللهِ، وإمَّا أن تَغلِقَه أمَّا أن يَبْقى يَقرَأُ وهذا يَشْتُمُ وهذا يَلعَنُ وهذا يَغِشُّ، فهذا في غايَةِ الامتِهانِ لكَلامِ اللهِ وإن لم يُرِدِ الإنسانُ، فإنَّ صورَتَه صورَةُ الامتِهانِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ التَّشويشَ على الدَّاعيَةِ قد يَظُنُّ فاعلُهُ أنَّه يَغلِبُ، وَيصلُ إلى مَقصودِهِ، ولكن ليس الأمرُ كذلك، وَجهُ الدَّلالَةِ مِنْ هذا أنَّ هؤلاء المشُرِكينَ لم يَحصُلْ لهم مَطلوبُهم مِنَ الغَلَبَةِ.
* * *
стр. 145
الآية (٢٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فُصِّلَت: ٢٧].
* * *
﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾، الجُملَةُ هذه مُؤكَّدَةٌ بثَلاثَةِ مُؤَكِّداتٍ: القَسَمُ المُقَدَّرُ، ويَدُلُّنا على القَسَمِ تَوكيدُ الفِعلِ واللَّامُ أيضًا، والثَّاني: اللَّامُ، والثَّالثُ: النُّونُ.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لَنُعذِّبَنَّهم عَذابًا يَذوقونَ أَلمَه، وهو كِنايَةٌ عن شِدَّةِ هذا العَذابِ الَّذي يَصِلُ إلى مَذاقِهم حتَّى كأنَّه شَيءٌ مَحسوسٌ يَتَذَوَّقونَه بأَفواهِهم.
﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، المُرادُ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مَن سَبَقَ، وهُم الَّذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، وحينَئذٍ قد يَقولُ قائل: لماذا لم يُضْمِرْ فيقول: "فلَنُذيقَنَّهم"، نَقولُ: هُنا إِظهارٌ في مَوضِعِ الإضمارِ، والإظهارُ في مَوضِعِ الإضْمارِ له فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: تَنبيهُ المُخاطَبِ؛ لأنَّه جَرَت العادَةُ أنَّ الكَلامَ إذا كان السِّياقُ يَقتَضي الإضمارَ، فإنَّه يَأتي الإِضْمارُ، فإذا جاء الإِظْهارُ صار هذا على خِلافِ العادَةِ، فَالعادَةُ أنَّ الكَلامَ إذا كان في سياقِ الإِضْمارِ، فإنَّ الَّذي يَأتي هو الإِضْمارُ، يَعني: الضَّميرُ، فإذا جاء الظَّاهِرُ مَوضِعَ الضَّميرِ فسوف يَتَوقَّفُ الإنسانُ، لماذا جاء الظَّاهرُ مَوضِعَ الضَّميرِ؟ فيكون في ذلك انتباهٌ له هذه فائدَةٌ.
стр. 146
الفائدَةُ الثَّانيَةُ: الحُكْمُ على مَرجِعِ الضَّميرِ بمُقْتَضى هذا الاسمِ الظَّاهرِ، ففي الآيَةِ الَّتي معنا: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، إذن تَكونُ الفائِدَةُ الحُكمَ عليهم بالكُفْرِ، وهكذا كُلَّما جاء الإِظْهارُ في مَوضِعِ الإِضمارِ فاحكُمْ عليه بهذه الفائِدَةِ.
الفائدَةُ الثَّالثَةُ: العُمومُ لو قال: فلَنُذيقَنَّهم، صار هذا الوَعيدُ خاصًّا بالَّذين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، فإذا قال: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صار عامًّا لهم ولغيرهم.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هنا ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ مَنصوبٌ نَصَبَهُ ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾ وهي تَنْصِبُ مَفعولَينِ؛ لأنَّ لَدينا قاعِدَةً: أنَّ الفِعلَ إذا تَعَدَّى لواحدٍ فأُدخلت عليه هَمْزَةُ التَّعدِيَةِ تَعَدَّى لاثنَينِ، وإذا كان يَتَعَدَّى لاثنينِ فأُدْخِلت عليه الهَمْزَةُ تَعَدَّى إلى ثَلاثَةٍ، مِثالُ ذلك مثلًا (ذاق) تَتَعَدَّى إلى واحدٍ، (ذاقَ طَعمَ الإيمانِ ورَضِيَ باللهِ ربًّا)، فإذا أُدخِلت عليها الهَمْزَةُ تَعَدَّت إلى مَفعولَينِ.
و(رأى) تَقولُ: (رَأيتُ الرَّجُلَ قائمًا) تَنْصِبُ مَفعولَينِ، فإذا أُدْخِلت عليه الهَمْزَةُ تَعَدَّت إلى ثَلاثَةٍ، تَقولُ: (أَريتُ زيدًا لرَّجُلَ قائمًا). هذه قاعِدَةٌ عَربيَّةٌ مُطَّرِدَةٌ، أنَّ الفِعلَ إذا كان لازمًا فدَخَلَت عليه الهَمْزَةُ تَعَدَّى لواحِدٍ، وإذا كان مُتَعَدِّيًا لواحدٍ فدَخَلَت عليه الهَمْزَةُ تَعَدَّى لاثنينِ، وإذا كان متعدِّيًا لاثنينِ فدَخَلت عليه الهَمْزَةُ تَعَدَّى لثَلاثَةٍ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾، ﴿عَذَابًا﴾ أي: عُقوبَةً، ﴿شَدِيدًا﴾: قويًّا.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ معطوفَةٌ على ﴿فَلَنُذِيقَنَّ﴾، ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ هذه تَنْصِبُ مَفعولَينِ؛ الأَوَّلُ الهاءُ والثَّاني ﴿أَسْوَأَ﴾.
стр. 147
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أَقْبَحَ جَزاءِ عَمَلِهم].
فهم يُجزَونَ الجَزاءَ، أَمَّا العَمَلُ منهم فليسوا مَجْزِيِّين به، هُمُ الَّذين عَمِلوا، فإذا قال: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ صار المُرادُ بذلك: أَسوَأَ الجَزاءِ، وليس المُرادُ: أَسوَأَ العَمَلِ؛ لأنَّ العَمَلَ فِعْلُ العَبدِ، والجَزاءُ فِعلُ اللهِ بهم، والمُرادُ هنا فِعلُ اللهِ بهم، ولهذا قال: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾.
فإذا قال قائلٌ: لماذا عَبَّرَ بالعَمَلِ عن جَزائِهم؟
نَقولُ: إشارَةٌ إلى أَنَّ الجزاءَ بِقَدْرِ العَمَلِ، ولهذا قالَ العُلماءُ: "الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ"، لكنَّه بالنِّسبَةِ للسَّيِّئاتِ عَدْلٌ، وبالنِّسبَةِ للحَسَناتِ فَضْلُ الحَسَنَةِ بعَشْرِ أَمثالهِا إلى سَبعِ مئَةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كَثيرةٍ، والسَّيِّئةُ بمِثلِها.
وقولُهُ: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ اللهَ يَجزيهم أَسوَأَ أعَمالهِم، وغَيرُ الأَسوَأِ ما دون الأَسْوأِ، يَعني: السَّيِّئَ، فهل يُجازَى الكافِرُ بأَقْبَحِ أعمالِه أو بِكُلِّ أعمالِهِ؟ هذا يَنْبَني على: هلِ الكافِرُ مخُاطَبٌ بالفُروعِ أو لا؟ يعني: مثلًا الكافِرُ هل هو مخُاطَبٌ بِصِلَةِ الرَّحمِ؟ هل هو مخُاطَبٌ بالصِّدْقِ؟ هل هو مخُاطَبٌ بالصَّلاةِ؟ هل هو مخُاطَبٌ بالزَّكاةِ؟ وما أَشبَهَ ذلك، في هذا خِلافٌ بينَ العُلماءِ، والصَّحيحُ أنَّه مخُاطَبٌ، مخُاطَبٌ بِفُروعِ الأعمالِ؛ لأنَّه إذا كان المُسلِمُ مُخاطَبًا بها، فالكَافِرُ من باب أَوْلى، كيف نَقولُ: إنَّ المُسلِمَ يُجازَى ويُعاقَبُ على عُقوقِ الوالِدينِ والكَافِرُ لا يُعاقَبُ، لا يُمكِنُ هذا، فالصَّوابُ أنَّهم مُخاطَبونَ بِفُروعِ الشَّريعَةِ، لكنَّهم غَيرُ مُخاطَبينَ بفِعلِها. يَعني لا يُقالُ للكافِرِ مثلًا: لماذا تَشرَبُ الدُّخانَ؟ حَرامٌ عليكَ، هذا غَيرُ لائِقٍ، هذا كافِرٌ، ادعُه أَوَّلًا للإسلامِ ثُمَّ كَلِّمْهُ.
стр. 148
إذن يُخاطَبُ بفُروعِ الشَّريعَةِ ليس مَعناها أنَّه يُؤمَرُ بفِعلِها، ولا يَعني أنَّه يَقضيها إذا أَسلَمَ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
إذن ما الفائِدَةُ؟ قال العُلماءُ الفائِدَةُ بقولنا: إنَّ الكافِرَ مُخاطَبٌ بفُروعِ الشَّريعَةِ هو زيادَةُ عُقوبَتِهم في الآخِرَةِ أنَّهم يُعاقَبونَ عَليها، وهذا حَقٌّ، أصحابُ اليَمينِ يَتَساءلونَ عَنِ المُجرِمينَ: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدَّثر: ٤٢] يعني: ما الَّذي أَدْخلَكم في النَّارِ؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]، فذَكَروا الصَّلاةَ وإطعامَ المِسكينِ، وهما مِن فُروعِ الشَّريعَةِ، فعلى القَولِ بأنَّهم لا يُجازَونَ بفُروعِ الشَّريعَةِ نَقولُ: نعم، يَومَ القِيامَةِ لا يُجازَون إلَّا على أَسوَأِ أَعمالِهم وهو الكُفْرُ، ولكن على القَولِ الرَّاجحِ أنَّهم يُخاطَبون بفُروعِ الشَّريعَةِ ويُعاقَبونَ عليها، ويَكونُ هنا ذِكْرُ الأَسوَأِ؛ لأنَّه هو الأَشَدُّ، والمَقصودُ هُنا التَّهديدُ، وهل الإنسانُ يُهَدَّدُ بالأَشَدِّ، هذا هو الظَّاهِرُ واللهُ أعلَمُ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: أَقبَحُ جَزاءِ عَمَلِهم].
في الآية الكَريمَةِ هُنا وَعيدٌ لهؤلاءِ الكُفَّارِ بالعَذابِ الشَّديدِ، وهذا مِن أَساليبِ القُرآنِ، أنَّ اللهَ تعالى يُهَدِّدُ الكافِرَ والمُجرِمَ وغَيرِهما مِمَّن أَساؤوا، وفيه دَليلٌ على أنَّه ليس مِنَ القَدْحِ أنْ يَقومَ الإنسانُ بطاعَةِ اللهِ خوفًا من عَذابِ اللهِ، أنَّه لا حَرَجَ، وليس مِنَ القَدْحِ أن يَتَجَنَّبَ الإنسانُ مَعصيَةَ اللهِ خوفًا من عِقابِهِ، خِلافًا لمَن قال: أَعبُدُ اللهَ لا طَمَعًا في ثَوابِهِ ولا خوفًا من عِقابِهِ، وهَؤلاءِ تَرُدُّ عليهم النُّصوصُ كُلُّها، بل إِنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ عُقوبَةَ الدُّنيا سَببًا للرَّدعِ عَنِ المَعاصي، قال اللهُ تعالَى في قَضيَّةِ السَّارقِ
стр. 149
﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، فلم يُشَرِّعِ اللهَ الحُدودَ إلَّا من أَجْلِ أن يَخافَ النَّاسُ منها ويَجتَنِبوا المَعاصي، والقَريَةُ الَّتي دَمَّرت قَريَةَ بَني إِسرائيلَ حتَّى صار أَهْلُها قِرَدَةً خاسِئينَ لمِاذا: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦].
فالحاصِلُ: أنَّه لا حَرَجَ على الإنسانِ أن يَدَعَ المَعاصيَ خوفًا مِن عُقوبَةِ اللهِ الدُّنيويَّةِ والأُخْرويَّةِ، ولا يُعَدُّ ذلك قَدْحًا في سُلوكِهِ ومَنهجِهِ.
من فوائِدِ الآيةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِثباتُ العَذابِ، وَيكونُ في الدُّنيا وفي القبرِ وفي الآخرَةِ، في الجَميعِ قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة: ٢١]، وهو عَذابُ الدُّنيا: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وهذا يَتَعَيَّنُ أن يَكونُ المُرادُ بـ ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾، ليس عَذابُ القَبْرِ كما قيل، بل هُو عَذابُ الدُّنيا؛ لأنَّ عَذابَ القَبرِ لا يُمْكنُ فيه الرُّجوعُ، فإذن: ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ هو عَذابُ الدُّنيا و ﴿الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ، ولهذا جاء في الحَديثِ حَديثِ المُتَلاعِنينِ أنَّ الرَّسولَ قال: "عَذابُ الدُّنيا أَهونُ من عَذابِ الآخِرَةِ" (١).
فإِنْ قال قَائلٌ: بَعضُ أَهلِ العِلمِ استَدَلَّ بقولِهِ تَعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ [السجدة: ٢١] على عَذابِ القَبرِ، ما وَجهُ استِدْلالهِم؟
فالجَوابُ: ظَنُّهم أنَّ العَذابَ هُنا عَذابُ عُقوبَةِ الآخِرَةِ وقالوا: إنَّ عُقوبَةَ القَبرِ قَبْلَ عُقوبَةِ يومِ القِيامَةِ.
стр. 150
وإن قيل: فكيف يُوجِّهون قولَهُ تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
فالجَوابُ: يُمكنُ أن يُوجِّهوها بأن يُحَرِّفوها عن ظاهِرِها، يَقولون: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعني: أَخْبَرْناهم بذلك لعلَّهم يَرجِعون، لكنَّ هذا خِلافُ ظاهِرِ اللَّفظِ.
فإن قيل: إذا قُلنا إنَّ هذا عَذابُ الدُّنيا، كيف نُثْبِتُ أنَّ القُرآنَ أَثْبَتَ عَذابَ القَبرِ؟
فالجَوابُ: كَثيرٌ في القُرآنِ، قولُهُ تَعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] , وقولُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠]، وقولُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
فإن قيل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ البَعضُ يَستدِلُّ بهذه الآيَةِ على عَذابِ القَبرِ يَقولُ: إنَّ ﴿الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ هو عَذابُ الدُّنيا، ولكن ﴿مِنَ﴾ في الآيَةِ للتَّبعيضِ، فهل تَبقَى لهم بَقِيَّةٌ من هذا العَذابِ يُعذَّبونَ بها في القَبرِ؟
فالجَوابُ: لا، ﴿مِنَ﴾ للبَيانِ، مِن بَيانِيَّةٌ، هذا هو الأقرَبُ، ويَجوزُ أن تَكونَ للتَّبعيضِ ولنُذيقَنَّهم بعضَ العَذابِ الأَدْنَى، ولا حاجَةَ له، فإِثباتُ عَذابِ القَبرِ - والحمدُ لله - جاء في آياتٍ صَريحَةٍ ما يَحتاجُ أن نَأتيَ إليه بآياتٍ تَحتَمِلُ هذا وهذا، وهي في غَيرِهِ أَرْجَحُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثباتُ الجَزاءِ بالأَسْوَإِ، لقولِه: ﴿أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
стр. 151
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الجَزاءَ من جِنسِ العَمَلِ، فالجَزاءُ الصَّالحُ للعَمَلِ الصَّالحِ والجَزاءُ السَّيِّئُ للعَمَلِ السَّيِّئِ، وهذا - سُبحانَ اللهِ - حتَّى في مجُازاةِ الدُّنيا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، فإذا أساء إليك إنسانٌ بسيِّئَةٍ فلَكَ أن تُقابِلَه بمِثلِها، وإِنْ عَفوتَ وأَصلحتَ فأَجرُك على اللهِ.
فإِنْ قال قائلٌ: أمَا يُمكِنُ أن نَأخُذَ من قَولِهِ تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أنَّهُ يُجازيهم أَسوَأَ عَمَلِهم هذا، وهُو اللَّغو بألَّا يَهتَدوا إلى مَعانيهِ الَّتي تَهديهِمْ إلى الخَيرِ فتكونُ مُجازاتُهم مِن جِنسِ عَمَلِهم كذلك؟
فالجَوابُ: لا؛ لأنَّ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ هذا في الآخِرَةِ، الوَعيدُ هُنا في الآخِرَةِ.
* * *
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿النَّارُ﴾ عَطفُ بَيانٍ للجَزاءِ المُخبَر به عن ذلك: ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾] يعني: أنَّ كَلمةَ ﴿النَّار﴾ بَدَلُ عَطْفِ بَيانٍ لِلجَزاءِ المُخبَرِ به عن ذلك.
فأَفادَنا أنَّ (ذا) مُبتدأٌ، و ﴿جَزَاءُ﴾ خَبَرُ المُبتدإِ، و ﴿النَّارُ﴾ عَطفُ بَيانٍ له ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾، كأنَّ الكَلامَ على إعرابِ المفسِّر انتهى، ثُمَّ قال: ﴿النَّارُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لهذا الجَزاءِ، ويَحتَمِلُ أن تَكونَ ﴿ذَلِكَ﴾ مُبتدَأٌ و ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ عَطفُ بَيانٍ له, لكن ما مَشي عليه المفسِّر أَقربُ للقَواعِدِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ أي إِقامَةٍ لا انتقالَ منها]، ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ أَضافَ الدَّار للخُلْدِ من بابِ إضافَةِ المَوصوفِ إلى صِفتِهِ يعني: دارَ الخُلودِ الَّتي ليسَ فيها انتِقالٌ، ويَجوزُ أن تَكونَ من بابِ إضافَةِ الشَّيءِ إلى نَوعِهِ؛ لأنَّ الدُّورَ تَنقَسِمُ إلى أَقسامٍ، دُورٌ هي دُورُ انتقالٍ ودُورٌ هي دارُ خُلدٍ، فيَدورُ الانتقالُ الأوَّلُ بَطنُ الأُمِّ والثَّاني الحَياةُ الدُّنيا والثَّالثُ البَرزخُ، ودارُ الخُلدِ هي الأخيرَةُ، ويُذكَرُ أنَّ أعرابيًّا سَمِعَ قارئًا يَقرأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فقال: واللهِ ما الزَّائرُ بمُقيمٍ، وإنَّ هناك دارًا أُخْرى، وهذا لا شَكَّ أنَّه من قُوَّة الاستِنباطِ والفَهمِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿جَزَاءً﴾ مَنصوبٌ على المَصدرِ بفِعلِهِ المُقدَّر]، والمَصدَرُ لا بُدَّ له مِن عاملٍ، والعامِلُ تارَّةً يَكونُ من لفظِ المَصدرِ، وتارَّةً يَكونُ من مَعناه، فإذا قلت: قُمتُ وقوفًا، فالعامِلُ مِن معناه، وإذا قلتَ: وقفتُ وقوفًا، فالعاملُ مِن لَفظِه المُقَدَّرِ، ويُقدَّرُ مِن لَفظِه، ولا يُقدَّرُ من مَعناه؛ لأنَّنا لا نَلجأُ إلى تَقديرِ المَعنى إلَّا إذا وُجِدَ أَمامَنا ما يَختَلِفُ في لَفظِه، وأمَّا إذا لم نَجِدْ فيُقَدَّر مِنَ اللَّفظِ، وعلى هذا فيَكونُ التَّقديرُ يُجْزَونَ جَزاءً.
قال اللهُ تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ أي: بِكونِهم يَجحَدون، وعلى هذا فـ (ما)
стр. 154
هُنا مَصدَرِيَّةٌ، ولا تَصِحُّ أن تَكونَ مَوصولَةً.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ القُرآنُ ﴿يَجْحَدُونَ﴾]، أي يُكذِّبون، وإنَّما قدَّرنا يُكذِّبون من أَجْلِ تَعدِّيها بالباءِ، لأنَّ جَحَدَ تَتَعَدَّى بنَفسِها، فيُقالُ: جَحَدتُ الشَّيءَ يعني: أَنْكرتُه، لكن إذا عُدِّيَ المَعمولُ بالباءِ صار الجَحدُ مُضمَّنَ معنى التَّكذيبِ؛ أي: بما كانوا يَكذِبون بآياتِنا.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ جزاءَ أعداءِ اللهِ هي النَّارُ ولا بدَّ، ولذلك قال: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ هذا الجزاءَ هو النَّارُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ خُلدِ أهلِ النَّارِ فيها؛ لقَولِه: ﴿دَارُ الْخُلْدِ﴾ وهلِ التَّخليدُ مُؤبَّدٌ أو مُؤَقَّتٌ؟ المَقطوعُ به أنَّه مُؤبَّدٌ، لأنَّ اللهَ تعالى صَرَّحَ به في آياتٍ ثلاثةٍ؛ في النِّساءِ وفي الأحزابِ وفي الجِنِّ.
ففي النِّساءِ قال اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩]، وفي سورَةِ الأحزابِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٥]، وفي سورَةِ الجِنِّ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِثباتُ عَدلِ اللهِ وأنَّه لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بذَنبٍ، لقَولِه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثباتُ الأَسبابِ يُستفادُ من قَولِه: ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، لأنَّ الباءَ هنا للسَّببيَّةِ.
стр. 155
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ التَّكذيبَ بآياتِ اللهِ رِدَّةٌ؛ لأنَّ اللهَ وَصَفَ المُكذِّبين بأنَّهم أعداءٌ وأنَّ جَزاءَهم دارُ الخُلدِ، وهذا أَمْرٌ مُتَّفقٌ عليه، أنَّ مَن كَذَّبَ اللهَ ورَسولَه فإنَّه مُرتدٌّ كافِرٌ يُستَتابُ، فإن تاب وأَقَرَّ وإلَّا قُتِلَ.
فإن قال قائلٌ: مِن المَعلومِ أنَّ مَن كذَّب شيئًا مِن القُرآنِ فهو مُرتدٌّ؛ لأنَّ القُرآنَ ثَبتَ بالتَّواتُرِ، فهل مَن كذَّب بشيءٍ مِنَ السُّنَّةِ يكونُ كذلك؟
قُلنا: إذا صَحَّت السُّنَّةُ وقال القائلُ: أنا أَعلَمُ أنَّ هذا من كَلامِ الرَّسولِ لكنَّه ليس بصَحيحٍ، فهذا مُرتدٌّ؛ لأَنَّه أقرَّ بصِحَّةِ نِسبتِه إلى الرَّسولِ ثُمَّ كَذَّبه، أمَّا لو كَذَّبه بِناءً على استِبعادِ أن يَكونَ صَدَرَ مِن الرَّسولِ ﷺ فهذا لا يُكفَّرُ؛ لأَنَّه متأوِّلٌ، لكنَّه يَجِبُ عليه أن يَنظُرَ مرَّةً بعد أخرى حتَّى يتبيَّنَ له الأمرُ.
إذن مَن كذَّب شيئًا مِن القُرآنِ فهو كافِرٌ بدونِ تَفصيلٍ لثُبوتِ القُرآنِ ثُبوتًا مُتواترًا لا تَواتُرَ مثلَه في أيِّ كتابٍ مِن الكُتبِ، ومَن كذَّب شيئًا مِن سُنَّةِ الرَّسولِ ﷺ فهو كافِرٌ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ آياتِ اللهِ بَيِّنةٌ ظاهرةٌ لا يُمكنُ أن يُكذِّبَ بها أحدٌ؛ لقَولِه: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وتَخصيصُ المفسِّر ﵀ ذلك بالقُرآنِ فيه شَيءٌ من النَّظرِ، بل يُقالُ: إنَّه أعَمُّ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إِثباتُ عَظمَةِ اللهِ حيثُ أَتى بضَميرِ الجَمعِ، ولم يَقُلْ: بآياتي، بل قال: ﴿بِآيَاتِنَا﴾، ولا شكَّ أنَّ اللهَ تعالى له العَظَمةُ المُطلَقَةُ من كُلِّ وجهٍ.
* * *
стр. 156
الآية (٢٩)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا﴾ كَفروا باللهِ بسببِ إضلالِ الشَّيطانِ منَ الجِنِّ والإنسِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في النَّارِ: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾]، قَولُه: في النَّارِ، هذا قَيدٌ لا يَدُلُّ عليه القُرآنُ، فإنَّه يَحتمِلُ أنَّهم يَقولونَ ذلك في النَّارِ أو في عَرَصاتِ القِيامَةِ - اللهُ أعلمُ -، لكنَّهم لا بدَّ أن يَقولوا هذا القَولَ: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾.
قَولُه تعالى: ﴿أَرِنَا﴾ أي: اجعَلنا نَرى، و ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، ﴿اللَّذَيْنِ﴾ اسمٌ موصولٌ مُثنَّى، والمُرادُ الجِنسُ لا الواحِدُ.
وقَولُه: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ بَيانٌ للَّذي قال المُفسِّرُ ﵀: [أي إِبليسُ وقَابيلُ سنَّا الكُفْرَ والقَتْلَ]، يعني: مَعناها أنَّ المفسِّر ﵀ حَمَلَ هذا العُمومَ على التَّعيينِ، فقال: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ مُثَنَّى اثنينِ، أحدُهما إِبليسُ سَنَّ الكُفْرَ، هو أوَّلُ مَن كَفَرَ، والثَّاني قَابيلُ سَنَّ القَتْلَ، فالأَوَّلُ عُدوانٌ في حقِّ اللهِ، والثَّاني عُدوانٌ في حَقِّ عِبادِ اللهِ.
стр. 157
أمَّا إبليسُ فأَوَّلُ مَن سَنَّ الكُفْرَ؛ لأنَّ اللهَ أَمَرَه أن يَسجُدَ لآدَمَ فأبى واستكبَرَ وكان مِن الكافِرينَ، وأمَّا قَابيلُ فأَوَّلُ مَن سَنَّ القَتلَ بِغيرِ حَقٍّ؛ لأَنَّه قَتَل أخاه حَسدًا وبَغيًا، قَرَّبا قُربانًا فتُقُبِّلَ من أحدِهما ولم يُتَقَبَّلْ مِن الآخرِ، وكيف عَلِما أنَّه تُقُبِّلَ من أَحدِهما دون الآخَرِ؟ اللهُ أعلمُ، إمَّا أن يَكونَ بنارٍ نَزَلَت فأَكَلَت ما تُقُبِّلَ كما يَكونُ ذلك في الغَنائمِ سابقًا، وإمَّا بغَيرِ ذلك مِن العَلاماتِ. المُهمُّ أنَّ أحدَهما تُقُبِّل منه والثَّاني لم يُتَقَبَّلْ منه، الَّذي تُقُبِّل منه هو هابيلُ، والثَّاني قابيلُ لم يُتَقَبَّلْ منه فحَسَدَه وقال: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ لماذا؟ حَسدًا؛ لأنَّ اللهَ تَقبَّل منه، فقال له أخوه هابيلُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] كأنَّه يَقولُ له: اتَّقِ اللهَ فيَتقبَّل منك، ثُمَّ قال لَهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] يَعني: أنَّك إن أَردتَ أن تَقتُلَني ما أَنا بباسِطٍ يدي لأَقتلَك لأنِّي أَخافُ اللهَ.
ولعلَّ هذا كان في شَريعَةِ مَن سَبَقَ أنَّه لا يَجوزُ للإنسانِ أن يُدافِعَ عن نفسِهِ، أو أنَّه خاف مِن مَفسدَةٍ أَكبَرُ، ومَعلومٌ أنَّ دَفْعَ المَفسدَةِ الكُبرى أَمْرٌ واجِبٌ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٩ - ٣٠] فكان قابيلُ أَوَّلَ مَن سَنَّ القَتلَ بغَيرِ حَقٍّ، وصارت كُلُّ نفسٍ تُقتَلُ بغيرِ حَقٍّ فعلى قابيلَ شيءٌ مِن وِزرِها والعِياذُ باللهِ، لأنَّهُ أوَّلُ مَن سنَّ القَتلَ، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فعليه وِزرُها ووِزرُ مَن عَمِلَ بها إلى يومِ القِيامَةِ.
فإِنْ قال قائلٌ: قَوُل اللهِ حكايةً عن ابنِ آدمَ الأَوَّلِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ هل يَكونُ هذا في شَرعِنا فيما يَخُصُّ الفِتَنَ؟
فالجَوابُ: بلى، هذا في الفِتنَةِ لكن في مَسألَةِ قابيلَ وهابيلَ ليس فيها فِتنَةٌ،
стр. 158
ولهذا أَمَرَ الرَّسولُ عند الفِتنَةِ أن يَكونَ الإنسانُ كخيرِ ابنَيْ آدمَ، كما فَعلَ عُثمانُ ﵁ حينَ ثارَ عليه الثُّوَّارُ، وأراد الصَّحابَةُ أن يُدافِعوا عنه، أَمَر بالإمساكِ.
لكن هل الأمرُ كما قال المفسِّر: إنَّه الشَّيطانُ، يعني: إِبليسُ الَّذي أبى واستكبرَ عنِ السُّجودِ لآدمَ أوِ المُرادُ الجِنسُ؟ الصَّوابُ الثَّاني بِلا شَكٍّ؛ لأنَّ كَثيرًا مِن الكافِرينَ لا يَخطُرُ ببالهِم أنَّهم كَفَروا تَأسِّيًا بالشَّيطانِ الَّذي أبى واستَكْبَرَ، وكَثيرٌ منَ القَتَلَةِ لا يَتَأَتَّى ببالِه أنَّه فَعَلَ ذلك تَأَسِّيًا بقابيلَ.
فإذا كانت الآيَةُ تَدُلُّ بلَفظِها على العُمومِ والمَعنى يَقتَضي ذلك، فإنَّه لا وَجهَ لكونِنا نَخُصُّها بمُعَيَّنٍ. وهذه قاعِدَةٌ يَجِبُ أن نَفهَمَها من قَواعدِ التَّفسيرِ: أنَّ اللَّفظَ العامَّ لا يَجوزُ أن يَقتصِرَ فيه على بعضِ أفرادِه إلَّا بدَليلٍ، فإن لم يَكُن دَليلٌ فالواجِبُ العُمومُ.
هُنا نَقولُ الواجِبُ العُمومُ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ ولأنَّ المَعنى يَقتَضيه؛ لأنَّ كُلَّ إنسانٍ كافِرٍ قد لا يَخطُرُ ببَالِه أنَّه مُتَأسٍّ بالشَّيطانِ بإبْليسَ، كُلُّ إنسانٍ يَقتُلُ عمدًا بِلا حقٍّ لا يخطُرُ ببالِه أنَّه قَتَل تأسِّيًا بقابيلَ، وحينَئِذٍ فاللَّفظُ والمَعنى لا يُساعدانِ على التَّخصيصِ بإبْليسَ وقابيلَ.
وقولُهُ: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، ﴿الْجِنِّ﴾ على كَلامِ المفسِّر هو إِبليسُ: ﴿وَالْإِنْسِ﴾ قابيلُ، والصَّوابُ العُمومُ.
فإن قال قائِلٌ: نَحنُ نَعلمُ أنَّ الإنسانَ يُضِلُّه البَشَر يَأتي إنسانٌ سَيِّئٌ ويُضِلُّه، لكن كيف يَكونُ مِنَ الجِنِّ؟
قُلنا: لأنَّ الجِنَّ وعلى رَأسِهم الشَّيطانُ يَأمرُ الإنسانَ بالفَحشاءِ، وَيأمُرُه بالمُنكَرِ،
стр. 159
ويَأمُرُه بالكُفرِ، فيَكونُ بذلك مُضلًّا له، أرأيتم ما حَصَلَ من آدَمَ وزَوجِه ألم يَكُنِ الشَّيطانُ قد أَضَلَّهما؟ بلى، قد أَضَلَّهما، نَهاهما اللهُ عن الأَكلِ مِنَ الشَّجرَةِ، فجاء لَهما الشَّيطانُ بغُرورٍ، وجعل يُقسِمُ لهما أنَّه ناصحٌ، ووَسوسَ إليهما حتَّى أَكَلا مِنَ الشَّجَرةِ.
فإِنْ قال قائِلٌ: هلِ الجِنُّ المُضِلُّ للإنسِ يَكونُ مِن جَميعِ الجِنِّ أم مِن جِنسٍ خاصٍّ؟
فالجَوابُ: مِن المَعلومِ أنَّ الجِنَّ فيهم الصَّالحونَ وفيهم دونَ ذلك، وفيهم المُسلِمونَ وفِيهم الكُفَّارُ، فالَّذي يُضِلُّ إنَّما هو الكافِرُ، أمَّا الجِنِّيُّ المُؤمنُ فلا يُضِلُّ.
وإن قيل: هل جَميعُ كُفَّارِ الجِنِّ مَكَّنَهم اللهُ من إغواءِ الإنسِ؟
فالجَوابُ: لا، لكن أَصلُ كُفرِ الإنسانِ منَ الشَّيطانِ والنَّفسِ، والشَّيطانُ منَ الجِنِّ لا شكَّ في هذا: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
قال اللهُ تعالى: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾، ﴿نَجْعَلْهُمَا﴾ بالجَزمِ جَوابُ الأمرِ في قَولِه: ﴿أَرِنَا﴾ يعني: إن أَريتَنا إيَّاهما: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾، يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [في النَّارِ]، ولا شكَّ أنَّ الَّذي يَجعَلَه الإنسانُ تحتَ قدمِه قد أذلَّه أعظَمَ الإذلالِ، ولهذا مِن الأمثالِ السَّائرَةِ أنَّ الإنسانَ إذا أرادَ إعزازَ شَخصٍ قال: أنت مِنِّي على الرَّأسِ، وإذا أَرادَ إذلالَه قال: أنت تَحتَ قَدَمي.
فهم يَقولونَ: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: أَشَدَّ عذابًا منَّا] كما كانا عالِيَينِ علينا مِن قَبلُ فلْنَجْعَلْهما نحنُ الآنَ تَحتَ أقدامِنا؛ ليَكونا مِن الأسفَلينَ.
فإِنْ قال قائلٌ: الدُّعاءُ في قولِهِ تعالَى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾، هل هو خاصٌّ
стр. 160
بكَفَرَةِ الإنسِ أم شاملٌ لكَفَرَةِ الإنسِ والجِنِّ؟
فالجَوابُ: يَشملُ هذا وهذا؛ لأنَّ الجِنَّ يَدخلُ كافِرُهم النَّارَ بالإجماعِ.
وإِنْ قِيل: لماذا أتتِ الآيَةُ بصيغَةِ الماضي؟
فالجَوابُ: أنَّ هذا القَولُ لم يَحصُلْ لكنَّه على حِكايةِ الحالِ، أو يُقالُ: إنَّه لمَّا تَحقَّقَ وُقوعُه صار بمَنزِلةِ الماضي كقَولِه تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، فإنَّ أمْرَ اللهِ لم يأتِ بَعدُ بدليلِ قولِهِ: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
فإِنْ قال قائلٌ: ألا يُمكنُ أن يُقالَ: إنَّ قَولَ الكافِرينَ: ﴿أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ كذلك في النَّارِ بدَليلٍ قولهِم بعدَ ذلك: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾؟
فالجَوابُ: لا يدُلُّ عليه؛ لأنَّه يُمكنُ أن يَجعَلونهم تَحتَ أقدامِهم وهم في عَرَصاتِ القِيامَةِ لا يَلزَمُ أن يَكونَ هذا في النَّارِ.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِقرارِ الكُفَّارِ برُبوبيَّةِ اللهِ، وأنَّه المُجيبُ للدُّعاءِ؛ لقولهِم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ وهذا كَلامُ الكُفَّارِ.
فإِنْ قال قائلٌ: قَولهُم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ﴾ أليس فيه إقرار بالأُلوهِيَّةِ وتَوحيدِ العِبادَةِ؟
فالجَوابُ: لا، دُعاءُ اللهِ تعالَى يَكونُ بالدُّنيا لكنَّهم يَدعونَ اللهَ تعالَى بالضَّرَّاءِ ويَنسونَه في السَّرَّاءِ، وهُناكَ أيضًا في الآخِرَةِ رُبَّما يُقِرُّونَ بأنَّه حقٌّ، لا إِلَهَ إلَّا اللهُ، لكن لا يَنفَعُهم هذا الإِقْرارُ.
стр. 161
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسانَ يَنبَغي له أن يَبتَعِدَ، بل يَجِبُ عليه أن يَبتَعِدَ عن قُرناءِ السُّوءِ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقد حَذَّرَ النَّبيُّ ﷺ مِن جَليسِ السُّوءِ فقال: "المَرءُ على دينِ خَليلِه فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُم مَنْ يُخالِلْ" (١) أي: على دينِ صَديقِه ومُحِبِّه فَلْيَنْظُرْ أحدُكم مَن يُخالِلُ، وقال ﵊: "مَثَلُ الجَليسِ السُّوءِ كنافِخِ الكيرِ، إمَّا أن يَحرِقَ ثيابَك وإمَّا أن تَجِدَ منه رائِحةً خَبيثَةً" (٢)، فاحذَرْ قَرينَ السُّوءِ لا تَجتمِعْ به، لا تُصادِقْه، لا تَستأمِنْه على أيِّ شيءٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَبَرُّؤ التَّابعينَ مِن المَتبوعينَ يومَ القيامَةِ، وَيشهَدُ على ذلك قولُهُ: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، فالمَتبوعون في آيَةِ البقرَةِ يَتبرَّؤونَ مِنَ التَّابعينَ، كما أنَّ التَّابعينَ أيضًا يَتبرَّؤون مِنَ المَتبوعينَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الإضلالَ يَكونُ مِنَ الجِنِّ والإنسِ؛ لقولِه: ﴿أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ فمُصاحبَةُ الإنسيِّ للإنسيِّ واضحَةٌ، مُصاحبَةُ الجِنِّيِّ للإنسيِّ أيضًا مُستفادَةٌ من قولِه تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: شِدَّةُ حَنْقِ هؤلاءِ الضَّالينَ على المُضلِّينَ؛ لقولِه: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾.
* * *
стр. 162
الآيات (٣٠ - ٣٢)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
* * *
قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، قالوا بألْسِنَتِهم وقُلوبِهم، ولا يَكفي مجُرَّدُ القَولِ باللِّسانِ؛ لأنَّ القَولَ باللِّسانِ يَقعُ مِن المُنافقِ ومِنَ المُخلصِ، لكنَّ المُرادَ: القَولُ باللِّسانِ والقَلبِ.
﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وهذا القَولُ الَّذي قالوه ليس مجُرَّدَ قَولٍ باللِّسانِ أو اعتِقادٍ بالجَنانِ، بل هو مُستلزِمٌ لطاعَةِ اللهِ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أي: استَقاموا على طاعَةِ اللهِ، في الإيمانِ في القَلبِ والاستِقامَةِ في الجَوارحِ، فلم يَكتَفِ اللهُ بالثَّناءِ عليهم وبَيانِ جَزائِهم على الإيمانِ بالقَلبِ، بل لا بدَّ مِنْ الاستِقامَةِ، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وقول المُفسِّرُ ﵀: [على التَّوحيدِ وغَيرِه ممَّا وَجبَ عليهم] صَحيحٌ، يعني: استَقاموا على التَّوحيدِ فلا إِشْراكَ، استَقاموا على الِاتِّباعِ فَلا بِدعةَ، استَقاموا على الطَّاعَةِ فلا مَعصيَةَ، استَقاموا على الخَيرِ فلا شَرَّ، وهَلُمَّ جرًّا.
وتَأمَّلْ قولَه: ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ أتى بـ ﴿ثُمَّ﴾ الدَّالَّةِ على التَّرتيبِ بمُهلَةٍ يعني:
стр. 163
أنَّ إيمانَهم لم يَكنْ إيمانًا خاطِفًا، آمَنَ ثُمَّ زال، بل إيمانٌ مُستقِرٌّ؛ لأنَّهم استَقاموا على دينِ اللهِ ، وقد سُئلَ النَّبيُّ ﷺ سأله رَجلٌ فقال: "يا رَسولَ اللهِ، قُل لي في الإسلامِ قولًا لا أَسألُ عنه أحدًا غَيرَك - يعني: قَولًا فَصلًا -، فقال لَه: قُل آمَنتُ باللهِ ثُمَّ استَقِمْ" (١) وهو مَأخوذٌ من هذه الآيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾.
وقولُه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾، ﴿تَتَنَزَّلُ﴾ مَدلولهُا يُخالِفُ مَدلولَ تَنَزَّلُ؛ لأنَّ ﴿تَتَنَزَّلُ﴾ فيها زِيادَةُ (التَّاء)، فهذه الزِّيادَةُ تَقتَضي مَعنيينِ: المَعنى الأَوَّلُ أنَّ تَنزُّلَهم يَكونُ شيئًا فشيئًا. ﴿تَتَنَزَّلُ﴾ لا تَنزَّلُ دُفعةً واحدَةً، والثَّاني: أنَّ التَّنزُّلَ أو النُّزولَ مُتكرِّرٌ، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾، يعني: كُلَّما دَعت حالهُم إلى تَنزُّلِ المَلائِكةِ عليهم تَنزَّلت عليهم، فصار الفَرقُ الآنَ بين تَنزَّلُ ﴿تَتَنَزَّلُ﴾ من وجهين:
الوَجهُ الأوَّلُ: أنَّ تَنزَّلُ تَعني النُّزولَ مَرَّةً واحدةً.
والوَجهُ الثَّاني: دُفعَةً واحدةً.
و﴿تَتَنَزَّلُ﴾ تَقتَضي تَكرارَ النُّزولِ، وأنَّه يَكونُ شيئًا فشيئًا.
قولُه تعالَى: ﴿عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ سَبَقَ الكَلامُ على ذِكرِ المَلائِكَةِ، وقَول المُفسِّرِ ﵀: [عندَ المَوتِ] فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى لم يُقيِّدْ ذلك، فالظَّاهرُ أنَّ المَلائكَةَ تَتَنزَّلُ عليهم كُلَّما دعت الحالُ إلى النُّزولِ عندَ المَوتِ وعِندَ الخَوفِ وعندَ المَعارِكِ، وفي كُلِّ حالٍ تَقتَضي أن تَنزِلَ المَلائكةُ عليهم؛ لأنَّ اللهَ أَطلقَ: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ﴾، ويَشهَدُ لهذا قولُه تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢].
стр. 164
فإِنْ قال قائلٌ: قولُنا نَستفيدُ نُزولَ المَلائكَةِ في الآخِرَةِ عندَ المَوتِ مِن قَصْر الآيةِ، هل يَصدُرُ هذا عن قولِ اللهِ : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، يعني أنَّ أكثرَ المُفسِّرينَ على أنَّها في القَبرِ في الآخِرَةِ وهُنا الآيَةُ عامَّةٌ؟
فالجَوابُ: وهو كذلك الآيَةُ عامَّةٌ، ويدُلُّ لعُمومِها قولُه تَعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] , فإنَّ مَفهومَها أنَّ مَن لم يَتَّصِفْ بذلك فَليسَ لَه حَياةٌ طَيِّبةٌ.
فإن قيل: فما الَّذي حَمَلَهم - على كَثرَتِهم - على هذا؟
فالجَوابُ: لعلَّهم فَهِموا أنَّ السِّياقَ يدُلُّ على هذا، فهُنا مثلًا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ البِشارَةُ بالجنَّةِ حَقيقَةً إنَّما تَكونُ عندَ المَوتِ، فلعلَّه السِّياقُ ظَنُّوا أنَّه يَقتَضي التَّخصيصَ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿أَ﴾ بأنْ لا ﴿تَخَافُوا﴾ مِن المَوتِ وما بَعدَهُ ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ على ما خَلَّفتم من أهلٍ وولدٍ، فنحن نَخلُفُكم فيهم].
نحن نَقولُ: ألَّا تَخافوا مِن مُستَقْبَلِكم ولا تَحزنوا على ماضيكم؛ لأنَّ الإنسانَ عندَ الخوفِ إمَّا أن يَخافَ من المُستقبَلِ أو يَحزنَ على ما مَضى فيَقولُ: لو أنِّي فَعلتُ كذا لكان كذا، لم يَحدُثْ لي الخَوفُ مثلًا، فالمَلائِكةُ تَتَنزَّلُ عليهم فتَقولُ: لا تَخافوا مِنَ المُستقبَلِ ولا تَحزَنوا مِنَ الماضي، وقَدَّمَ الخَوفَ مِنَ المُستقبَلِ؛ لأنَّه أَهمُّ مِن الحُزنِ على ما مضى؛ لأنَّ مُستقبَلَ الإنسانِ هو الَّذي يَجعَلُه يَسيرُ أو يَتوقَّفُ؛ فلهذا بَدَأَ به قَبْلَ ذِكرِ الحُزنِ.
وإذا جعلناها مَثلًا ممَّا يَدعو إلى التَّنزُّلِ حالَ المَوتِ، فالإنسانُ عندَ المَوتِ حالُه
стр. 165
يَقتَضي أن يَزدادَ قُوَّةً ونشاطًا على الإيمانِ والتَّوحيدِ، فتَتنزَّلُ عليهمُ المَلائِكَةُ عندَ المَوتِ أيضًا وتُبَشِّرُهم بها: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وهي مِن البِشارَةِ، والبِشارَةُ هي الإخبارُ بما يَسُرُّ، وسُمِّيت بِشارَةً؛ لأنَّه إذا سُرَّ الإنسانُ ظَهَرت عَلامَةُ السُّرورِ على وَجهِه فتَغيَّرت بِشرَةُ الوَجهِ.
وقد تُطلَقُ البِشارَةُ على الإِخْبارِ بما يَسوءُ من بابِ التَّهكُّمِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٣٨]، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، مع أنَّ هذا مِمَّا يَسوءُ، لكنَّه على سَبيلِ التَّهَكُّمِ بهم كما تَقولُ أنت لِلعاصي: أَبشِرْ بِسوءِ العاقِبةِ أبشِرْ بالنَّارِ وما أَشْبَهَ ذلك ممَّا يَكونُ تَهكُّمًا به، ومثلُ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٨ - ٤٩].
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الجَنَّةُ هي الدَّارُ الَّتي أعدَّها اللهُ لأوليائِه، وفيها كما في القُراَنِ الكريمِ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، وفيها كما جاءَ في الحديثِ القُدسيِّ: "ما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سَمِعت، ولا خَطَرَ على قَلبِ بشرٍ" (١).
﴿بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وعَدَهم بها اللهُ قال اللهُ تَعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢].
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾] أي: نَحفَظُكم فيها ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ أي: نَكونُ معكم فيها حتَّى تَدخلوا الجَنَّةَ ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي
стр. 166
أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ تَطْلُبون].
تَقولُ لهم المَلائِكَةُ: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: أنَّ المَلائكَةَ تَتولَّى المُؤمنينَ، تَحثُّهم على الخَيرِ، وتُحذِّرُهم منَ الشَّرِّ، وقد قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم-: أنَّ "للمُلكِ في قَلبِ ابنِ آدمَ لَمَّةً وللشَّيطانِ لَمَّةً، فلَمَّةُ المُلكِ إِيعادٌ بالخَيرِ وحثٌّ على الطَّاعَةِ، ولَمَّةُ الشَّيطانِ بالعَكسِ" (١).
فإِنْ قال قائلٌ: هل تَرِدُ اللَّمَّتانِ في آنٍ واحدٍ؟
فالجَوابُ: نعم، قد تَرِدُ اللَّمَّتانِ في آنٍ واحدٍ فيَهوى الإنسانُ الخَيرَ وإذا بالشَّيطانِ يَصُدُّه عنه، وقد يَكونُ لم يَطرأْ على بالِه فِعلُ الخَيرِ، والشَّيطانُ قد وَسوسَ له بالشَّرِّ.
وقولُه: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: نَحفَظُكم فيها؛ وذلك أنَّ الإنسانَ إذا كانت المَلائِكَةُ معه فإنَّها تُسدِّدُه وتَدُلُّه على الخَيرِ وتَحثُّه عليه، ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يَتَولَّونَهم أيضًا، فإنَّ المَلائِكَةَ تَتلقَّاهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٣] , وفي الجَنَّةِ تَدخُلُ عليهم المَلائِكةُ من كُلِّ بابٍ ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٤]، فهُمْ أولياءُ المُؤمنينَ في الدُّنيا وفي الآخِرَةِ، جَعلَنا اللهُ منهم وإيَّاكم.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الآخِرَةِ ﴿مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ كُلُّ ما اشتَهاهُ الإنسانُ وإن لم يَطلُبْه فإنَّه يَحصُلُ بين يَديه، وكذلك أيضًا كُلُّ ما طَلَبَه فإنَّه يَحضُرُ بين يَديه.
في الدُّنيا لا يَتسَنَّى للإنسانِ ما يَطلُبُه حتَّى لو طَلَبَ وكرَّرَ الطَّلبَ فإنَّه قد
стр. 167
لا يَأتيه، لكن في الآخِرَةِ مجُرَّدُ ما يَقعُ في قَلبِ الإنسانِ أنَّه يَشتَهي كذا يحضُرُ، كذلك أيضًا ما يَطلُبون يَحضُرُ أيضًا، ويَأتيهم أيضًا ما لا يَخطُرُ على بالهِم كما قال تَعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] يَعني يَأتيك منَ النَّعيمِ ما لم تَطلُبْه وما لم تَشتَهِه نفسُك وما لم يخطُرْ على بالِك.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿نُزُلًا﴾] رِزقًا مُهَيَّأً منصوبٌ بجُعِلَ مُقَدَّرًا]؛ أي: جُعِل نُزلًا [﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ أي اللهِ] ؛ لأنَّهم لم يَصِلوا إلى الجَنَّةِ إلَّا بمغفِرتِه ورَحمتِه.
يعني على تَقديرِ المفسِّر: أنَّ ﴿نُزُلًا﴾ مفعولٌ ثانٍ لجُعِلَ المَحذوفِ، أي: جُعِل ﴿نُزُلًا﴾ ومَفعولهُا الأوَّلُ هو نَائبُ الفاعِلِ؛ لأنَّ نائبَ الفاعِلِ يَنوبُ عن المَفعولِ به. يَقولُ: ﴿نُزُلًا﴾، أي: جُعِلَ ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ وهو اللهُ وذَكَرَ المغفرةَ والرَّحمةَ؛ لأنَّهم بمَغفِرَةِ اللهِ ورحمتِهِ وصَلوا إلى هذا، فبِمَغفِرتِه للذُّنوبِ نقُّوا منها وبرحمَةِ اللهِ تَعالى صاروا أهلًا لدُخولِ الجَنَّةِ.
من فوائدِ الآياتِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مجُرَّدَ العَقيدَةِ لا يُغني شيئًا حتَّى يَكونَ معه عَملٌ؛ لقولِه تَعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وما يَقولُه كَثيرٌ منَ النَّاسِ: نحن على العَقيدَةِ هذا حَقٌّ ولا شكَّ، ويَمدَحونَ عليه لكن لا بُدَّ مِن أن يُقالَ: نحن على العَقيدَةِ والعَملِ الصَّالحِ، إذ لا بُدَّ منَ العملِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحثُّ على الاستقامَةِ، والاستقامَةُ على دينِ اللهِ أن يَثبُتَ عليه، ويَستَقيمَ عليه ولا يَتغيَّرُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِثباتُ المَلائكَةِ؟ ؛ لقولِه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾.
стр. 168
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعالى سَخَّرَ المَلائكَةَ لبَني آدَمَ في مَواطنَ كَثيرةٍ كما في هذه الآيَةِ، وكما في قولِهِ تَعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤]، وكما سَخَّرهم اللهُ تَعالى يَجلِسونَ على أَبوابِ المَساجِدِ يومَ الجُمُعةِ يَكتُبونَ الأَوَّلَ فالأَوَّلَ، إلى غَيرِ ذلك مِنَ المَواطنِ الَّتي جاءت في الكِتابِ والسُّنَّةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ المَلائكَةَ الَّتي تَتنزَّلُ على هَؤلاءِ المُؤمنينَ المُستَقيمينَ تُبشِّرُهم بثَلاثَةِ أُمورٍ: أَوَّلًا: أنَّه لا خَوفَ عليهم، والثَّاني: أنَّهم لا يَحزنونَ، والثَّالثُ: أنَّ الجَنَّةَ مَأواهم، وقد سَبَقَ الفَرْقُ بين الخَوفِ والحُزنِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَحقيقُ البُشرى بما يُؤيِّدُها، يعني: لا يَكفي أن تَقولَ: يا فُلانُ أَبشِرْ بالخَيرِ حتَّى تُبَيِّنَ ما يُؤيِّدُ هذه البُشْرى، يُؤخَذُ من هذه الآيَةِ وهي قولُه: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وذلك لِعِلمِهم بأنَّ وعدَ اللهِ لا يُخلَفُ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ المَلائكَةَ أَولياءُ لمَن آمَنَ واستقامَ في الحَياةِ الدُّنيا وفي الآخِرَةِ.
أمَّا في الحياةِ الدُّنيا فهِيَ حِفظُهم مِنَ المَعاصي والزَّللِ وتَهيئَتُهم للعَملِ الصَّالحِ ومَعونَتُهم على ذلك وتَثْبيتُهم عليه.
وأمَّا في الآخِرَةِ فلا تَسألْ، فإنَّ المَلائكَةَ تَتلقَّاهم، وكذلك أيضًا يَدخُلونَ عليهم مِن كُلِّ بابٍ في الجَنَّةِ إلى غيرِ ذلك ممَّا ذَكَرَ اللهُ .
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ للَّذين آمَنوا باللهِ واستَقاموا في الجَنَّةِ ما تَشتَهيهِ الأنفُسُ، وفي آيَهٍ أُخْرى: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] فيَكونُ لأهلِ الجَنَّةِ فيها مُتعَتانِ؛ المُتعَةُ الأُولى بالذَّوقِ والطَّعمِ، والمُتعَةُ الثَّانيةُ بالرُّؤَيةِ والنَّظرِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ في الجَنَّةِ كُلَّ شيءٍ يَطلُبُ؛ لقولِه: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾،
стр. 169
فكُلُّ ما يَطلُبون فإنَّه مَوجودٌ في الجَنَّةِ، نَسألُ اللهَ أن يَجعلَني وإيَّاكم من أَهلِها.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّهم يُؤتَونَ هذا الرِّزقَ في الجَنَّةِ على أنَّه إِكرامٌ وكَرامةٌ؛ لقولِهِ: ﴿نُزُلًا﴾، وأصلُ النُّزُلِ ما يُقدَّمُ للضَّيفِ مِنَ الكَرامَةِ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّهم إنَّما وَصَلوا إلى ذلك بمَغفِرةِ اللهِ ورَحمَتِه؛ لقولِه: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾، ولولا ذلك ما وَصَلوا إلى ما وَصَلوا إليه، ولهذا أَخْبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه "لن يَدخُلَ الجَنَّةَ أحدٌ بعَمَلِه"، قالوا: ولا أنت يا رَسولَ اللهِ؟ قال: "ولا أنا؛ إلَّا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ برَحمَتِه" (١)، فالإنسانُ لا يَصِلُ إلى الجَنَّةِ بالعَمَلِ، ووَجهُ ذلك أنَّه لو قوبِلَ العَمَلُ بالنِّعمَةِ الَّتي أَنعَمَ اللهُ بها على الإنسانِ لم يَكُنْ شيئًا، إذ إنَّ نِعَمَ اللهِ لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ.
بل قال بَعضُ أهلِ العِلمِ: إِنَّ شُكرَ نِعمَةِ اللهِ على النِّعمَةِ هو نِعمَةٌ يَحتاجُ إلى شُكرٍ ثانٍ، والشُّكرُ الثَّاني نِعمَةٌ يَحتاجُ إلى شُكرٍ ثَالثٍ وهَلُمَّ جرًّا، وعليه يَقولُ الشَّاعرُ (٢):
إذا كان شُكْري نِعمَةَ اللهِ نِعمَةً ... عَلَيَّ له في مِثلِها يَجبُ الشُّكرُ
فكيف بُلوغُ الشُّكرِ إلَّا بفَضلِه ... وإن طالت الأيَّامُ واتَّصلَ العُمرُ
فإِنْ قالَ قائِلٌ: في الحَدِيثِ: "لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن كان في قَلْبه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن
стр. 170
كِبْرٍ" (١). هَلْ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ دُخُولًا أوَّليًّا، أمْ لا يَدخُلُ الجَنَّةَ أبَدًا؟
فالجَوابُ: هَذا فِيه تَفصِيلٌ؛ إنْ كان الكِبْرُ كُفرًا فَلا يَدخُل الجَنَّة أبَدًا، وإنْ كان كِبْرٌ مَعَ الإيمانِ فَإنَّه لا يَدخُلُها الدُّخُولَ المُطلَقَ الَّذي لمْ يُسبَق بعَذابٍ، وهَذا أيْضًا مِن آيات الوَعِيدِ، إذا شاء اللهُ تَعالَى عَفا عَنْه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثباتُ اسمَينِ مِن أَسماءِ اللهِ وهُما الغَفورُ الرَّحيمُ.
وهُنا قاعدَةٌ مُفيدَةٌ في الأسماءِ الحُسنى: الأَسْماءُ الحُسنى تَدُلُّ على الذَّاتِ والصِّفاتِ دَلالَةً مُطابقَةً وتَضمَنُ ودَلالَةَ التِزامٍ، فغَفور يَدُلُّ على أنَّ هُناك غافرًا وهو اللهُ، ويدُلُّ على صِفةِ المَغفرَةِ له إذ لا يُمكِنُ أن يُوجَدَ اسمٌ مُشتقٌّ لا يوجَدُ في مَوصوفِه أَصلُ الاشتِقاقِ، ولهذا لا تَقولُ للأعمى أنَّه بَصيرٌ ولا الأَصَمِّ أنَّه سَميعٌ.
فلا بدَّ إذن مِن إثباتِ الذَّاتِ المُتَّصِفَةِ بما دلَّ عليه الِاسمُ، ولا بدَّ مِن إثباتِ الصِّفَةِ الَّتي اشتُقَّ منها الِاسمُ، ولا بُدَّ أيضًا مِن إثباتِ لازمِ تلك الصِّفةِ، مِثالُ ذلك قال اللهُ ﵎: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
فأَخبَرَ أنَّه خَلَقَ وبَيَّنَ أنَّه أخبَرنا بذلك لنَعلمَ أنَّه على كُلِّ شيءٍ قدير، وأنَّ اللهَ قد أَحاطَ بكُلِّ شيءٍ عِلمًا، فكيف دَلَّت صِفةُ الخَلقِ على العِلمِ والقُدرَةِ؛ لأنَّه لا يُمكنُ أن يَخلُقَ إلا بِعلمٍ، فهو يَعلمُ كيف يَخلُقُ، ولا يُمكنُ أن يَخلُقَ إلَّا بقُدرَةٍ؛ ولهذا مَن لا عِلمَ له لا يُمكنُ أن يَخلُقَ، ومَن عِندَه عِلمٌ ولكنَّه عاجِزٌ لا يُمكِنُ أن يَخلُقَ،
стр. 171
أرأيتَ لو أنَّ شخصًا أرادَ أن يُلحَ مُسَجِّلًا، هل يُمكنُ أن يُصلحَه إلَّا بعِلمِ كيف يُصلحُه؟ لا يُمكنُ، وهل يُمكنُ أن يُصلحَه وهو عاجِزٌ أَشَلُّ؟ لا يُمكنُ.
إذن الخالِقُ مِن أسماءِ اللهِ تَتضَمَّنُ الدَّلالَةَ على الذَّاتِ وهو اللهُ، وعلى صِفَةِ الخَلقِ، وعلى صِفةِ العِلمِ، وعلى صِفةِ القُدرَةِ، فتَدُلُّ على صِفةِ الخالِقِ الَّذي هو ذاتُ اللهِ وعلى صِفةِ الخَلقِ بالتَّضمُّنِ والمُطابَقةِ، فإذا أُخِذَ اللَّفظُ بكامِلِ معناه سُمِّيتِ الدَّلالَةُ مُطابِقةً، وإذا أُخِذَ ببَعضِ معناه صارت الدَّلالَةُ تَضَمُّنًا، وإذا أُخِذَ بما يَلزَمُ على ذلك صارت الدَّلالَةُ التِزامًا، فدَلالَةُ الخالِقِ على الذَّاتِ وصِفةِ الخَلقِ مُطابِقَةٌ، ودَلالَتُها على الذَّاتِ وحدَها تَضَمُّنٌ، وعلى الخَلْقِ وحدَه تَضَمُّنٌ، وعلى العِلمِ والقُدرَةِ التِزامٌ.
نَضرِبُ مَثلًا في المَحسوساتِ تَقولُ مَثلًا: (لي دارٌ) الدَّارُ كما نَعلَمُ تَتضَمَّنُ غُرَفًا وحُجَرًا وساحاتٍ وأبوابًا وشَبابيكَ وما إلى ذلك، دَلالَةُ هذه الكَلِمَةِ (دار) على مَجموع هذا دَلالَةٌ مُطابِقَةٌ، ودَلالَتُها على كُلِّ حُجرَةٍ وغُرفَةٍ وشَبَّاكٍ تَضَمُّنٌ، ودَلالَتُها على أنَّ لهذا البَيتِ بانيًا التِزامٌ, وأسماءُ اللهِ تَعالى تَجرِي على هذا.
وكذلك أيضًا: يَقولون إذا كانَ الاسمُ مُتعدِّيًا فلا بدَّ منَ الإيمانِ به اسمًا من أسماءِ اللهِ، والإيمانُ بما دَلَّ عليه من صِفَةٍ، والإيمانُ بما يَترتَّبُ على تلك الصِّفَةِ من أفعالٍ.
فالغَفورُ لا يَتِمُّ الإيمانُ به حتَّى تُؤمِنَ بأنَّ اللهَ تعالى تَسمَّى بهذا الاسمِ، فتُؤمِنُ بأنَّ الغَفورَ اسمٌ من أسماءِ اللهِ، ولا بدَّ أن تُؤمِنَ بما تَضَمَّنه من صِفَةِ المَغفرَةِ، ولا بدَّ أن تُؤمنَ بأنَّ اللهَ يَغفِرُ، يَغفِرُ بمُقتَضى هذا الاسمِ، ويَغفِرُ لمَنْ يَشاءُ ويُعذِّبُ مَن يَشاءُ.
стр. 172
فهُنا قاعِدَتانِ:
١ - الدَّلالَةُ دَلالَةُ الاسمِ على المَعنى تَتضَمَّنُ ثَلاثَةَ دَلالاتٍ: مُطابِقةٍ، تَضمُّنٍ، التِزامٍ.
٢ - ثُمَّ الاسمُ من أسماءِ اللهِ إذا كان مُتعدِّيًا فلا يَتِمُّ الإيمانُ به إلَّا بثَلاثَةِ أُمورٍ: أن تُؤمنَ بأنَّه اسمٌ من أسماءِ اللهِ، أن تُؤمِنَ بما دَلَّ عليه مِن صِفةٍ، أن تُؤمِنَ بما يَترتَّبُ عليه مِن أَثَرٍ، فإذا كانَ الاسمُ غيرَ مُتَعَدٍّ فلا بُدَّ مِن الإيمانِ بأنَّه اسمٌ من أسماءِ اللهِ وبما تَضَمَّنه مِن صِفَةٍ، وليس له أَثَرٌ؛ لأنَّه غَيرُ مُتعَدٍّ.
فالحَيُّ مثلًا، الحَيُّ اسمٌ من أسماءِ اللهِ لا يَتِمُّ الإيمانُ به حتَّى تُؤمِنَ بأنَّه اسمٌ من أسماءِ اللهِ وبأنَّ اللهَ مُتَّصِفٌ بما دَلَّ عليه من صفة وهي الحَياةُ، ولا أَثَرَ لها؛ لأنَّ الحَياةَ صِفةٌ لازمَةٌ لا تَتعَدَّى، لكنَّ السَّميعَ مُتعدٍّ، السَّميعُ ذو سَمْعٍ يَسمَعُ به، والبَصيرُ ذو بَصَرٍ يُبصِرُ به.
* * *
стр. 173
الآية (٣٣)
* * *
* قال اللهُ : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
* * *
هذه ثَلاثةُ أوصافٍ إذا اتَّصَفَ بها الإنسانُ، فلا أَحسَنَ من قولِهِ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾ أي: لا أَحَدَ أَحسنُ قَولًا] تَفسيرُ المفسِّر بهذه الجُملَةِ يُفيدُ أنَّ (مَن) اسمُ استفهامٍ، لكنَّها بمَعنى النَّفيِ (من أحسن) يعني: لا أحَدَ أحسنُ.
وإذا جاء الاستِفهامُ بمَعنى النَّفيِ فإنَّه مُشْرَبٌ معنى التَّحدِّي، أيُّهما أَبلغُ: أن تَقولَ لا أحدَ أحسنُ قولًا ممَّن دعا إلى اللهِ، أو أن تَقولَ: مَن أحسنُ؟ الثَّاني أَبلغُ؛ لأنَّ الثَّاني يَتضمَّنُ النَّفيَ ويَتضمَّنُ التَّحدِّي كأنَّه يَقولُ: ائتني ببيِّنَةٍ على أنَّ هُناك أحدًا أَحسنَ مِمَّن دعا إلى اللهِ، فكُلُّ استِفهامٍ جاء بمَعنى النَّفيِ فإنَّه مُشرَبٌ مَعنى التَّحدِّي؛ لأنَّك إذا قُلت: مَن كذا؟ يَعني: مَعناها أتَحدَّاك أن تَأتيَ لي بشَيءٍ سِوى ذلك.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾ أَشَدُّ نفيًّا مِن قولِ: لا أَحَدَ أحسنُ، وذلك لأنَّها جُملَةٌ استِفهاميَّةٌ مُشرَبةٌ مَعنى التَّحدِّي.
﴿أَحْسَنُ﴾ هذه خَبرُ مُبتدإٍ، و (مَن) هو المُبتَدَأُ و ﴿قَوْلًا﴾ تَمييزٌ؛ لأنَّه كُلَّما جاءَك اسمٌ مَنصوبٌ بَعدَ اسمِ التَّفضيلِ فإنَّه تَمييزٌ له.
стр. 174
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتَّوحيدِ]. وهذا لا شَكَّ حَسَنٌ، لكنَّ الآيَةَ أشمَلُ مِنَ التَّوحيدِ، ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتَّوحيدِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وغَيرِ ذلك مِمَّا يُجعلُ إلى اللهِ، وقولُه: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ يَعني: إلى دينِ اللهِ، ودينُ اللهِ يَتضمَّنُ التَّوحيدَ والأعمالَ الصَّالحةَ.
ثانيًا: قال: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فبَدَأَ بإصلاحِ الغَيرِ ثُمَّ ثَنَّى بإصلاحِ النَّفْسِ مع أنَّ مَن دعا إلى اللهِ فهو مُصلِحٌ أيضًا.
قَولُه تعالى: ﴿صَالِحًا﴾ صِفةٌ لمَوصوفٍ محَذوفٍ، التَّقديرُ: وعَمِلَ عملًا صالِحًا، ولا يَكونُ العَمَلُ صالِحًا إلا بشَرْطينِ هما: الإخْلاصُ للهِ, والمُتابَعةُ لرَسولِ اللهِ ﷺ .
فعَمَلُ المُرائي فَقَدَ الإخلاصَ، وعَمَلُ المُبتَدِعِ فَقَدَ المُتابعةَ، وحينَئِذٍ نَقولُ لهؤلاء المُبتَدِعينَ الَّذين عِندَهم منَ الإخلاصِ للهِ ما عِندَهم: إنَّ عَمَلَكم حابِطٌ، قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم-: "مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أَمرُنا فهو رَدٌّ" (١).
ثُمَّ نَقولُ: حَقيقَةُ الإخلاصِ تَستلزِمُ ألَّا تَعبُدَ اللهَ إلَّا بما شَرَعَ لا تَعبُدُه بهَواكَ؛ لأنَّك إذا عَبدتَ اللهَ بهَواكَ بالبِدعَةِ فأنت غَيرُ مخُلِصٍ، المُخلِصُ لا بدَّ أن يَعبُدَ اللهَ بما شَرَعَ، فصار العَمَلُ الصَّالحُ ما تَركَّبَ من شَيئينِ: الأَوَّلُ: الإخلاصُ، والثَّاني: المُتابَعةُ لرَسولِ اللهِ ﷺ .
فإِنْ قال قائلٌ: كيف نَجمَعُ بين هذا وبينَ حَديثِ الرَّسولِ ﷺ : "أنَّه يَخرُجُ مِنَ النَّارِ أُناسٌ لم يَعمَلوا خَيرًا قط" (٢)؟
стр. 175
فالجَوابُ: أنَّ هذا عُذِّبَ على ما تَرَكَ، وما تَنزَّلت عليه المَلائِكةُ، ثُمَّ لا بدَّ أن يَكونَ عِندَ الإنسانِ عَقيدَةٌ إِيمانيَّةٌ وإِلَّا لقُلنا: إِنَّ النَّصارى أيضًا يَخرُجون مِنَ النَّارِ بعَقيدتِهم.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ قال باللِّسانِ والقَلبِ بهما جَميعًا.
فإن قال قائِلٌ: قولُهُ: إنِّي مِنَ المُسلمينَ هو مِنَ العَمَلِ الصَّالحِ لا شكَّ، فما الفائِدَةُ من ذلك؟
قُلنا: الفائِدَةُ أنَّه يُعلنُ هذا القَولَ ولا يُبالي بمَنْ خالَفَهُ؛ لأنَّ مِن النَّاسِ مَن يَعمَلُ صالحًا لكن تَجِدُه مُتَستِّرًا ليس عِندَه الشَّجاعَةُ الَّتي تَجعَلُه يُعلِنُ ذلك.
أمَّا هذا فإنَّه يُعلِنُ ويَقولُ بلِسانِ المَقالِ غَيرَ مُبالٍ: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، والجُملَةُ ﴿إِنَّنِي﴾ مُؤَكَّدةٌ بأنَّ.
ذَكَرَ بعضُ أهلِ العِلمِ أنَّ المُرادَ بذلك المُؤذِّنُ؛ لأنَّ المُؤذِّنَ يَدعو إلى اللهِ يَقولُ للنَّاسِ: حَيَّ على الصَّلاةِ حَيَّ على الفَلاحِ، ولأنَّه مُؤمنٌ عاملٌ صالِحًا، ولأنَّه يَقولُ: أشهدُ أن لا إِلهَ إلَّا اللهُ، يُعلِنُها وأَشهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسولُ اللهِ، وهذا معنى قولِه: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
لكنَّ الصَّحيحَ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ تَشمَلُ المُؤَذِّنَ وغَيرَ المُؤذِّنِ، الخَطيبُ على المِنبرِ يَدخُلُ في الآيَةِ، المُعلِّمُ في حَلْقةِ تَعليمِه يَدخُلُ في ذلك، فالآيَةُ أَعمُّ مِمَّا ذُكِرَ.
ولكنِ اعلَمْ أنَّ بعضَ السَّلَفِ يَذكُرُ للآيَةِ مَعنًى خاصًّا لا يُريدُ حَصرَها في هذا المَعنى، وإنَّما يُريدُ التَّمثيلَ، وهذه مَسألَةٌ قد تَفوتُ على بَعضِ النَّاسِ، دائمًا نَنظُرُ في تَفسيرِ ابنِ كثيرٍ أو ابنِ جَريرٍ أنَّه قال فُلانٌ كذا لجُزءِ المَعنى، فهم لا يُريدون أن
стр. 176
يَقْصُروا العامَّ على الخاصِّ؛ لأنَّهم أَعلمُ مِن أن يَقتَصِروا على بَعضِ أفرادِ العامِّ مثلًا، لكنَّهم يُريدونَ التَّمثيلَ.
مِثالُ ذلك: قال بَعضُ العُلماءِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قال: الظَّالمُ لنَفسِه الَّذي يُؤخِّرُ الصَّلاةَ عن وقتِها، المُقتَصِدُ الَّذي يُصلِّيها في آخِرِ الوقتِ، السَّابقُ بالخَيراتِ الَّذي يُصلِّيها في أَوَّلِ الوقتِ.
هذا لا شكَّ أنَّه حَصرٌ بل لا شكَّ أنَّه تَخصيصٌ لعامٍّ، فنَقولُ: أَرادوا بذلك التَّمثيلَ.
ويَرِدُ علينا كَثيرًا سُؤالُ: هل الأفْضلُ طَلبُ العِلمِ أو الِاشتِغالُ بالدَّعوةِ؟
والواقعُ أنَّه سُؤالٌ غَيرُ محُرَّرٍ:
أوَّلًا: أنَّه يُمكنُ الجَمعُ بين هذا وهذا، ونحن نَعلَمُ أنَّ الدَّاعيَةَ ليس يَشغَلُ وقتَه من صَلاةِ الفَجرِ إلى ما بعدَ صَلاةِ العِشاءِ وهو يَدعو أبدًا، هل أَحَدٌ مِنَ الدُّعاةِ يَفعلُ هكذا، يَدعو نِصفَ ساعَةٍ هُنا ويصفَ ساعَةٍ هُناك، وأمَّا أن يَبقى لا يَسكُتُ من صَلاةِ الفَجرِ إلى أن يُصلِّيَ العِشاءَ، لا يُمكنُ لا بدَّ مِن فَتراتٍ، فلا يَتعذَّرُ الجمعُ بينَ الدَّعوَةِ إلى اللهِ وطَلبِ العِلمِ، يَطلُبُ العِلمَ ساعةً أو ساعَتين، ثُمَّ يَدعو نِصفَ ساعةٍ مثلًا فلا منافاةَ، هذه واحدةٌ.
ثانيًا: أنَّه لا يُمكنُ الدَّعوَةُ إلى اللهِ بلا عِلمٍ والدَّعوةُ إلى اللهِ عن جَهلٍ قد يكونُ فيها مِنَ الضَّررِ أَكثَرُ من عَدمِ الدَّعوةِ، فكَثيرٌ مِنَ الدُّعاةِ، يَكونُ عندَه غَيْرَةٌ ومَحبَّةٌ للخَيرِ فتَجِدُه يُحرِّمُ الحَلالَ أو يوجِبُ ما ليس بواجبٍ بِناءً على ما عِندَه مِنَ الغَيرَةِ،
стр. 177
ولو كان ذا عِلمٍ لحَصَلَ له الثَّباتُ، ولا يَخفى ما جَرى من عُمَرَ ﵁ في صُلحِ الحُديبيَّةِ صار يُعارضُ الصُّلحَ (١)، ويَأتي للرَّسولِ ﵊ يُريدُ أن يَحِلَّ عُقدةَ الصُّلحِ، لكنَّ الثَّباتَ كَثباتِ أبي بكرٍ تَبيَّنَ بحَقٍّ، فلا يُمكنُ أن يَكونَ داعِيةً يَدعو إلى اللهِ بِلا عِلمٍ، هذا إذا أَردْنا العِلمَ بما يَدعو إليه، ولسنا نُريدُ أنَّه لا يُمكنُ أن يَدعوَ إلى اللهِ إلَّا مَن كان مُتبحِّرًا بالعُلومِ، لا، لو قُلنا هكذا ما صحَّ قَولُ الرَّسولِ: "بَلِّغوا عنِّي ولو آيَةً" (٢).
فالجَوابُ إذن مِن وَجهينِ:
الوَجهُ الأَوَّلُ: أنَّه لا مُنافاةَ بين العِلمِ والدَّعوةِ.
الوَجهُ الثَّاني: أنَّه لا تمُكنُ الدَّعوةُ إلَّا بعِلمٍ بما يَدعو عليه.
بَقِيَ علينا وَسائلُ الدَّعوةِ، ووَسائلُ الدَّعوةِ كَثيرةٌ يَعني: ليس الدَّعوَةُ مخُتَصَّةً بَأن يَقومَ الإنسانُ يَتكَلَّمُ، بل الدَّعوَةُ تَكونُ بالقَولِ وتَكونُ بالكِتابَةِ وتَكونُ بنَفْسِ الفِعلِ، الإنسانُ الَّذي تَثِقُ منه تَجِدُ أنَّك تَنظُرُ ماذا يَصنَعُ وتَفعَلُ مِثلَه، هذه دَعوَةٌ، هذا نَوعٌ مِنَ الدَّعوَةِ، بل قد تَكونُ الدَّعوَةُ بالفِعلِ والعَملِ أَقوَى تَأثيرًا مِنَ الدَّعوَةِ باللِّسانِ.
فإن قيل: طالِبُ العِلمِ الَّذي يُريدُ الدَّعوَةَ ولا سِيَّما الدَّعوةُ في الحاراتِ؛ لأنَّه يوجَدُ في الحاراتِ مُنكرٌ كَثير كتَركِ الصَّلاةِ وَيعرِفُ فُلانًا وفُلانًا وتَرْكَهم الصَّلاةَ،
стр. 178
فإن مَشَى إليهم ضاعَ وَقتُه، فهل يَترُكُهم؛ لأنَّ الوَقتَ قَليلٌ؟ وهل يُعذَرُ الإنسانُ إذا غَلَبَ على ظَنِّه أنَّ هذا الشَّخصَ بَعيدُ الاستِجابَةِ أو بَعيدٌ أن يَقبَلَ منه، ولا يَجِدُ الوَقتَ المُناسبَ له؟
فالجَوابُ: هذه في الواقِعِ مَوعِظةٌ أو أمْرٌ، فالدَّعوَةُ تَكونُ بصِفةٍ عامَّةٍ، أمَّا أن تَذهَبَ إلى فُلانٍ وتَنصَحُه فهذا في الحَقيقَةِ مَوعِظةٌ، وإن كان لك سُلطَةٌ فهو أمرٌ، أمرٌ بالمَعروفِ، وهذا كما نَعرِفُ له أَحوالٌ، لا يَجِبُ على الإنسانِ أن يَترُكَ ما يَهُمُّه في دينِه ودُنياهُ من أجلِ أن يَذهبَ إلى النَّاسِ وَيقرَعَ أبوابَهم ليَأمُرَهم أو يَعِظَهم، هذا ليس بواجبٍ.
فإن قيل: قولُهُ ﷺ : "مَن رأى مِنكم مُنكرًا فَلْيُغيِّرْه" (١)؟
فالجواب: نعم في: (مَن رَأى)، لكنَّ الرَّسولَ ﷺ ما ذَهبَ وما قال: تطلَّبوا رُؤيَةَ المُنكَرِ، وهذا الَّذي لا يُصلِّي يُمكنُ أن أَعِظَه في السُّوقِ أو في المَسجدِ؛ ولهذا نَجِدُ النَّاسَ الآنَ يَستثقِلونَ أن يَقرعَ عليهِمُ البابَ أحدٌ فيَعِظَهم أو يَأمُرَهم، ورُبَّما حَصَلَ من ذلك ما يُسَمَّى برَدِّ الفِعلِ.
من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَفاضُلُ الأعمالِ؛ لقَولِه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾، وأحسنُ اسمُ تَفضيلٍ، ولا شكَّ أنَّ الأعمالَ تَتَفاضَلُ بثَلاثِ اعتِباراتٍ: باعتِبارِ الجِنسِ، وباعتِبارِ النُّوعِ، وباعتِبارِ الهَيئَةِ والكَيفيَّةِ.
стр. 179
تَتفاضَلُ باعتِبارِ الجِنسِ: فمَثلًا الصَّلاةُ أفضَلُ مِنَ الزَّكاةِ، الزَّكاةُ أفضَلُ مِنَ الصَّومِ، الصَّومُ أفضَلُ مِنَ الحَجِّ، هذا باعتِبارِ الجِنسِ، وتَتَفاضَلُ أيضًا مِن وَجهٍ آخَرَ؛ واجِبُ العِبادَةِ أفضلُ مِن نَفلِها، فصَلاةُ الظُّهرِ مَثلًا أفضَلُ مِن قيامِ اللَّيلِ، هذا تَفاضُلٌ باعتِبارِ الجِنسِ لكنَّه من وَجهٍ آخَرَ، ودَليلُ ذلك أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم- قال عن اللهِ: "وما تَقرَّب عَبدي بشَيءٍ أحبُّ إِلَيّ ممَّا افتَرضتُ عليه" (١).
وتَتفاضَلُ باعتِبارِ النُّوعِ: مِثلَ: الوِترُ أفضلُ من مُطلَقِ التَّهجُّدِ، والرَّواتبُ أفضَلُ مِنَ النَّفلِ المُطلَقِ، هذا باعتِبارِ النُّوعِ، وإن شِئتَ فاجعَلْ تَفاضُلَها باعتِبارِ الوُجوبِ والنَّدبِ من هذا النَّوعِ.
والثَّالثُ باعتِبارِ الهَيئَةِ: صَلاةٌ يَخشعُ فيها الإنسانُ ويَتدبَّرُ ما يَقولُ وما يَفعَلُ ويَطمَئِنُّ، وصَلاةٌ أخرى يَقتَصِرُ على الواجبِ وبدون خُشوعِ قَلبٍ مثلًا فالأُولَى أفضَلُ.
والمُهِمُّ أنَّنا نُؤمِنُ بأنَّ الأعمالَ تَتفاضَلُ وأنَّ بعضَها أَحبُّ إلى اللهِ من بعضٍ، لكن يَبقى النَّظرُ: هل يَلزَمُ مِن تَفاضُلِ العَملِ تَفاضُلُ العامِلِ؟ نَعَمْ، وعلى هذا فالعامِلُ أيضًا يَختلِفُ ويَتفاضَلُ، قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم -: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالَّذي نَفسي بِيدِهِ لو أَنفَقَ أحدُكم مِثلَ أُحُدٍ ذَهبًا ما بَلَغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه" (٢). العَملُ واحدٌ لكنَّ العامِلَ مخُتلِفٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَةُ الدَّعوةِ إلى اللهِ في قولِه: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾.
стр. 180
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارَةُ إلى الإِخلاصِ في الدَّعوَةِ نَأخُذُها من قولِه: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأنَّ الدَّاعيَ رُبَّما يَدعو وَيقومُ للنَّاسِ ويُذكِّرُهم وَيعِظُهم ويَحُثُّهم على الخَيرِ ويُحذِّرُهم مِنَ الشَّرِّ، لكن يُريدُ أن يَكونَ مَرموقًا بينهم، هذا دعا إلى نَفسِه، فلا بدَّ إذن مِنَ الإخلاصِ، فلو قال قائلٌ: هل يُسلَبُ الإخلاصُ ما لو أَرادَ بالدَّعوَةِ إِصلاحَ النَّاسِ؟ الجَوابُ: لا، لا يُسلَبُه؛ لأنَّ الأصلَ دَعوتُهُ من أجلِ إصلاحِ النَّاسِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فَضيلَةُ العَمَلِ الصَّالحِ الَّذي جَمَعَ بينَ أمرَينِ: الإِخلاصِ والمُتابَعَةِ؛ لقَولِه: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وُجوبُ العِلمِ، نَأخُذُه مِن قَولِه: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أن تَعرِفَ أنَّ العَمَلَ مُوافِقٌ للشَّرعِ أو غَيرُ مُوافقٍ إِلَّا بالعِلمِ، وهذا واضِحٌ، فيَكونُ في الآيَةِ دَليلٌ على وُجوبِ العِلمِ؛ لأنَّه إذا كان العَمَلُ الصَّالحُ مِنَ الواجِباتِ فلا بُدَّ أن تَعلَمَهُ بالشَّرعِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه يَنبَغي للمُسلمِ أن يَكونَ عَزيزًا بِدِينِه وأن يُعلِنَ به وأن يَقولَ: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وألَّا يَستحيَ إذا قيل له أنَّه مُسلِمٌ؛ لقَولِهِ: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإِشارَةُ إلى تَجنُّبِ التَّزكيةِ الذَّاتيَّةِ؛ لأنَّه قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولم يَقُلْ: وقال إنَّني مُسلِمٌ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَعتزُّ بقَولِه: إِنَّني مُسلمٌ ويَفخَرُ أَكثرَ ممَّا يَكونُ ذلك فيما لو قال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الإِشارَةُ إلى المُؤاخاةِ بينَ المُسلمينَ؛ لقَولِه: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّني كواحدٍ من هَؤلاءِ، لا افْتِراقَ عنهم.
* * *