﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] وما أَشْبهَ ذلك؛ حيثُ يُفسِّر أعلمَ بعالمٍ - كالجلالَين رَحِمَهُمَا اللهُ- هذا خَطأٌ عَظيمٌ وتَحريفٌ لِلقُرآنِ، أَعْلَمُ أَبلغُ من عالمٍ؛ لأنَّ أَعْلمَ يَمنعُ المُشاركَةَ، وعالمِ لا يَمنعُ المُشاركةَ، تَقولُ: فُلانٌ عالمٌ، وفُلانٌ عَالمٌ، وفُلانٌ عالمٌ، لكن إذا قُلتَ: فُلانٌ أَعلمُ، معناها أنَّه لا يُساويه أحدٌ في دَرجتِه، فتَفسيرُ أَعلم بعالمٍ لا شكَّ أنَّه تَحريفٌ للقُرآنِ وقُصورٌ عَظيمٌ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ أنَّ هؤلاءِ المُكذِّبين لهُودَ ﷺ وهم عادٌ جَمَعوا بينَ الأمرَينِ، جَمَعوا بين الاستِكبارِ وبَينَ التَّكذيبِ، الاسْتِكْبارُ في قولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [فُصِّلَت: ١٥]، والتَّكذيبُ في قولِه: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٥]. الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: أنَّ اللهَ أَرسَلَ الرُّسلَ بالآياتِ وأَقامَ البَيِّناتِ والبَراهينَ على أنَّه الحقُّ، وأنًّ رَسولَه حقٌّ؛ لقولِهِ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الرِّياحَ تَجري بأَمْرِ اللهِ؛ لقولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [فُصِّلَت: ١٦]، ولا شكَّ أنَّ كلَّ شَيءٍ يَجري بأمْرِ اللهِ، حتَّى أَفْعالُ البَشرِ تَكونُ بأَمْر اللهِ كما هو مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فكُلُّ شيءٍ يَسيرُ بأَمْرِ اللهِ الرِّياحُ السَّحابُ البِحارُ الأنْهارُ، كُلُّها تَجْري بأمرِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيانُ حال هذه الرِّيحِ الَّتي أَهلكَ اللهُ بها عادًا، وأنَّها ريحٌ صَرْصَرٌ شَديدةٌ، وفي آياتٍ أُخرَى ما يَدُلُّ على أنَّها ليس فيها مَطَرٌ وليس فيها خَيرٌ، بل هي عَقيمَةٌ مِن الخَيرِ كُلِّه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: حِكمَةُ اللهِ في مجُازاةِ مَن يستَحِقُّ الجَزاءَ؛ حيثُ يُجازَى بمِثلِ عَملِهِ، ولهذا يَقولُ العُلماءُ: الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ، ووَجهُ ذلك أنَّ اللهَ
стр. 101
أَرسلَ على هَؤلاءِ المستكبِرين الَّذين يَقولون مَن أَشَدُّ منَّا قُوَّةً الرِّيحَ اللَّيِّنةَ الهَيِّنةَ، ومن حِكمةِ اللهَ في هذا العَذابِ أنَّها لم تَكُنْ تَجرُفُهم في آنٍ واحدٍ، بل سُلِّطت عليهم سبعَ لَيالٍ وثَمانيَةَ أيَّامٍ، ليَكونَ هذا أَشَدَّ في استِمْرارِ العُقوبَةِ؛ لأنَّ الإنْسانَ المُعاقَبَ لو عوقِبَ بما يُهلِكُه فورًا لكان ينتهي من العُقوبَةِ، لَكِنْ إذا كانت العُقوبَةُ تأتي عليه في ساعاتٍ أو أيَّامٍ صار هذا أَشَدَّ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ أنَّ أفعالَ اللهِ تَعالَى مَقرونَةٌ بالحِكمةِ؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ [فُصِّلَت: ١٦]، وهذا مَذهبُ أهلِ السُّنَّة والجماعَةِ: أنَّ أفعَالَ اللهِ تَعالَى مَقرونَةٌ بالحِكمةِ، وأنَّ شرعَه مَقرونٌ بالحِكمةِ، فكُلُّ ما شَرَعه أو قدَّرَه، فإنَّه لحِكمةٍ، منها ما هو مَعلومٌ، ومنها ما ليس بمَعلومٍ، مِثْلَ: الصَّلواتِ الخَمسِ ما نعلمُ الحِكمَةَ في أنَّها خَمسٌ؛ لأنَّ عُقولَنا قاصِرةٌ، لكنَّنا نعلمُ أنَّ اللهَ لا يَفعلُ شيئًا إلَّا لحِكمةٍ، ولهذا كان جَوابُ عائِشَةَ ﵂ لمُعاذَةَ أن قالت: "كان يُصيبُنا ذلك فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ" (١) يعني: وإذا كان الأَمرُ كذلك نُؤمَرُ بقَضاءِ هذا دون هذا فهذا لا بُدَّ أن يَكونَ لحِكْمةٍ.
ومن عُلماءِ الأُمَّة وفِرَقِها مَن يَقولُ: إنَّ أفعالَ اللهِ لا تُعَلَّلُ، ليس لها حِكمةٌ، وشَرْعَه ليس له حِكمَةٌ، يُفعلُ لمجرَّدِ المَشيئَةِ، يُحكَمُ بالشَّرعِ لمُجرَّد المَشيئَةِ، وهؤلاء لا شكَّ أنَّهم وَصَفوا اللهَ بالنَّقصِ والسَّفَهِ، وقد أَنكَرَ اللهُ على ذلك بقولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ
стр. 102
أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، والآياتُ في هذا كَثيرةٌ، وكُلُّ آيةٍ فيها لامُ التَّعليلِ فإنَّها تَدُلُّ على الحِكمةِ.
وآخَرونَ عَكَسوا وقالوا: إنَّ أفعالَ اللهِ مُعلَّلةٌ بحِكمةٍ، وأنَّه يَجبُ عليه أن يَفعلَ ما تَقتَضيه الحِكمةُ، وأن يُشرِّعَ ما تَقتَضيه الحِكمَةُ، وهؤلاء أصابوا مِن وَجهٍ وأَخطَؤوا مِن وَجهٍ، فإنْ أَرادوا بذلك أنَّنا نُوجبُ على اللهِ أن يَفعلَ ما تَقتَضي عُقولُنا أنَّه الحِكمةُ فهذا غَلطٌ، وإنْ أرادوا أنَّ اللهَ أَوجَبَ على نَفسِه أن يَفعلَ ما بِه الحِكمةُ؛ لأنَّه حَكيمٌ، فهذا صَحيحٌ.
ونحنُ لا نشكُّ أنَّ الحكمَةَ هي مُرادُ اللهِ وأنَّه لا يَفعلُ شيئًا ولا يَحكُمُ شيئًا إلَّا لحِكمَةٍ، لكن هل نحنُ الَّذين نُقدِّر الحكمةَ ثمَّ نُوجبُ على اللهِ أن يَفعلَ؟ هذا هو الخَطأُ.
فالثَّاني هذا مَذهَبُ المُعتزِلَةِ، والأَوَّل مَذهبُ الأشاعِرَةِ وأَتْباعِهم.
والصَّوابُ الوَسَطُ، ودائمًا خيرُ الأُمورِ الوَسَطُ، وهو أنَّ اللهَ يَجِبُ عليه أن يَفعلَ لإيجابِه على نفسِه الحِكمَةَ؛ لأنَّه نفى أن يَكونَ فعلُه عبثًا أو لَعِبًا أو باطلًا، وهذا يَقتَضي أنَّه يَفعلُ الأَشْياءَ لحِكمَةٍ، لكنَّنا لَسنا نَحنُ الَّذينَ نوجبُها على اللهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ عذابَ الآخِرَةِ أَشدُّ من عَذابِ الدُّنيا؛ لقولِهِ: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ بالعُقوبتَينِ: عُقوبَةِ الدُّنيا وعُقوبَةِ الآخِرَةِ؛ لقولِه: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾. أَمَّا المُؤمنُ فإنَّ اللهَ تَعالَى لا يَجمعُ عليه عُقوبتَينِ، إذا عوقِبَ بالذَّنبِ في الدُّنيا لم يُعاقَبْ به في الْآخرَةِ؛
стр. 103
لقولِه ﵎: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]؛ ولأنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِه وسلَّم- "أَخبَرَ أنَّ مَن أتى شيئًا مِن هذه القَاذوراتِ -يَعني المَعاصي-، فعوقِبَ به في الدُّنيا لَمْ يُعذَّبْ به في الْآخرَةِ" (١)، فالمُؤمنُ إذا عوقِبَ في الدُّنيا عَلى عَمَلِه لَمْ يُعاقَبْ في الآخِرَةِ، والكافر يُعاقَبُ بهذا وهذا.
وانظُرْ إلى قولِه تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] حيثُ قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ فإمَّا أنْ يَكونَ المُرادُ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أَشدُّ فيَكونُ بالنِّسبَةِ لشِدَّتِه مُضاعفًا، وإمَّا أنْ يَكونَ هو الجَمعُ له بَينَ عَذابِ الدُّنيا وعَذابِ الآخِرَةِ.
وقولُنا: "إنَّه يَجمعُ له بَينَ عَذابينِ" ليس مَعْناه أنَّه حتميٌّ، لكن نَقولُ: إنَّه إذا عُذِّب بذَنْبِه في الدُّنيا لم يَسلَمْ من تَعذيبِه به في الآخِرَةِ، حتَّى لا يَرِدُ علينا أنَّ الكُفَّار الآنَ يَموتون وهم في غايةِ ما يَكونُ من السُّرورِ والعافيةِ والأَمْوالِ والأَولادِ ولم يَجِدوا عَذابًا، والمَعْنى أنَّهم لم يَجِدوا عَذابًا يُشاهدُ لكنَّ العَذابَ القَلبيَّ عندهُمْ لا شكَّ أنَّه مَوجودٌ، فأَشَدُّ النَّاس عذابًا قَلبيًّا وقلقًا هم الكُفَّار، وكلَّما كان الإنسانُ أَعْصى لربِّه كان أَشدَّ قلقًا وأقلَّ راحةً، وكُلَّما كان أَشدَّ إيمانًا وعملًا صالِحًا كان أَشدَّ طُمأنينَةً.
واستمعْ إلى قَولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ولم يَقُلْ :
стр. 104
لنُعطينَّهم مالًا كثيرًا، لا لنُحيينَّه حياةً طيِّبةً ولو كان فقيرًا، فتَجِدُ حياتَه طيِّبةً مُطمئِنَّ البالِ مستريحًا لا يَهتمُّ بشيءٍ إلَّا بما يُرضي اللهَ .
فإِنْ قال قائِلٌ: هل مُعاقَبَةُ المُؤمنِ على الذَّنْبِ في الدُّنيا دون الآخِرَةِ يَشملُ حتَّى ولو لم يَتُبْ فعوقِبَ وهو مُصِرٌّ على ذَنْبِه كالزَّاني مَثلًا؟
فالجَوابُ: نَعَمْ، لأَنَّه إذا تاب فلا يُعاقَبُ لا في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ.
وإن قيل: أليس التَّائبُ مِن الذَّنْب كمَنْ لا ذَنْبَ له، عَكْسُها أنَّه كَمَنْ عليه ذَنْبٌ، يعني ما استفاد مِن هذه العُقوبَةِ وما ارتدع؟
فالجَوابُ: أنَّه إذا عوقِبَ مُحِيَ عنه إِثْمُ ما سَبَقَ؛ لأنَّه أَخَذَ جزاءَه وانتهى، لكن قد يُؤخَّرُ له العَذابُ إلى يوم القيامة، ولهذا إذا أَحَبَّ اللهُ قومًا عجَّل لهم العُقوبَةَ في الدُّنيا حتَّى لا يُخزَونَ بها يومَ القيامَةِ.
وإن قيل: لو عوقب الآنَ ثُمَّ مات مُباشرةً قبل أن يَفعلَ الذَّنبَ الآخَرَ هل يُعاقبُ بنِيَّةِ عدمِ التَّوبَةِ؟
فالجَوابُ: إنِ استمرَّت النِّيَّةُ بعدَ العُقوبَةِ، فهذا رُبَّما يُعاقَبُ على نِيَّتِه لا على فعله.
وإن قيل: الَّذي يُعاقَبُ في نيَّتِه هل يُعاقَبُ إذا لم يُباشِرِ الفِعلَ؟
فالجَوابُ: لا، العِقابُ على النِّيَّة إذا نوى الإنسانُ فِعْلَ المَعصيَةِ، إمَّا أن يُدافِعَ هذهِ النِّيَّةَ ويَدَعُ المَعصيَةَ لله فهذا يُثابُ، وإمَّا أن يستمرَّ على نِيَّتِه وَيعزِمُ ولكنَّه يَعجَزُ فهذا يُعاقَبُ على نِيَّتهِ.
وإِنْ قال قائلٌ: هل عَذابُ القبرِ مُتَّصِلٌ إلى يومِ الْقيامَةِ؟
стр. 105
فالجَوابُ: عَذابُ القَبرِ بالنِّسبَةِ للمُؤمنِ قد يَنقطِعُ، فيُعذَّبُ بقَدْرِ ذُنوبِه ثُمَّ يَنقطِعُ، وبالنِّسبَةِ للكافِرِ فإِنَّ الظَّاهرَ استمرارُهُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّه لا ناصِرَ للمُعذَّبين يومَ القيامَةِ؛ لقولِه: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وهذه لها شواهِدُ، ومنها قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠]، وكذلك هم يُقِرُّون: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، ثم قال: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾.
* * *
стр. 106
الآية (١٧)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧].
* * *
أمَّا التَّقسيمُ الثَّاني فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بيَّنَّا لهم طَريقَ الهُدى.
﴿ثَمُودُ﴾ بِلا تَنوينٍ و (عادٌ) بتَنوينٍ؛ لأنَّ (ثمودَ) مَمْنوعَةٌ مِن الصَّرفِ و (عاد) ليست مَمْنوعَةً مِنَ الصَّرفِ، والصَّرفُ جرُّ ما لا يَنْصرِفُ بالفَتْحةِ أو عَدمُ التَّنوينِ، قال ابنُ مالكٍ (١):
الصَّرفُ تَنوينٌ أتى مُبيِّنًا ... مَعْنى به يكونُ اسمٌ أَمْكَنا
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بَيَّنَّا لهم طَريقَ الهُدَى]، فالهِدايَةُ هنا هِدايَةُ بَيانٍ، يعني بَيَّنَ لهمُ الحَقَّ.
واعلم أنَّ كُلَّ مَن كَفَرَ فإِنَّه كَفَرَ بعدَ أن تَبيَّنَ له الحَقُّ إذا جاءَه الرَّسولُ؛ لأنَّ الرُّسلَ -عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ- يُبَيِّنون الحَقَّ لا يَدَعونَ شيئًا يَحتاجُ إلى بَيانٍ إلَّا بيَّنوه، قال هُنا: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بَيَّنَّا لهم طَريقَ الحقِّ، فالهِدايَةُ هُنا هِدايَةُ بَيانٍ وإِرْشادٍ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ اختاروا الكُفْرَ عَلى الهُدَى]؛ أي:
стр. 107
هِدايَةُ التَّوفيقِ، يَعني على الاهْتِداءِ، استحبُّوا العَمَى الَّذي هو الكُفْرُ على الهُدَى الَّذي هو الإسلامُ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧]، أَخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ يَعني عَذابَ الصَّاعقَةِ؛ لأنَّ ثَمودَ صِيحَ بهم ورُجِفَ بهم، فصُعِقوا هَلَكوا هَلَكَةَ رَجلٍ واحدٍ ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] والعِياذُ باللهِ على رُكَبِهِمْ هامِدينَ.
وقولُهُ: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أيِ العَذابُ [المُهينُ] لأنَّ الهونَ هو الإذلالُ.
وقولُهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الباءُ) للسَّببيَّة، و (ما) إمَّا موصولَةٌ، وعليه فيَكونُ عائدُها محذوفًا، التَّقديرُ: بما كانوا يَكسِبونَهُ، وإمَّا أن تَكونَ مَصدريَّةً فلا تَحتاجُ إلى عائدٍ، ويَكونُ التَّقديرُ: بِكَسْبِهِمْ.
مِن فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ اللهَ تعالَى أَبْلغَ رِسالاتِه كُلَّ أحدٍ ولم يَدَعْ أحدًا بلا هِدايةٍ دَلالَةً؛ لقولِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾ وهذه الجُملةُ التَّفصيليَّةُ كما سبق في التَّفسيرِ معطوفةٌ عَلَى ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الهِدايةَ ليست مَقْصورَةً على هِدايةِ التَّوفيقِ، ولكنَّها تُطلَقُ على هِدايةِ الدَّلالَةِ والبَيانِ؛ لقولِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دَلَّلناهُمْ على الحَقِّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على الجَبرَّيةِ الَّذين قالوا: إنَّ الإنسانَ مُجْبَرٌ على عَملِهِ، يُؤخَذُ من قَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ لأنَّ استَحبُّوا تَدُلُّ على اخْتيارِهِمْ لهذا الشَّيءِ، وأنَّهمْ آثَروه على الهُدَى.
стр. 108
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ من لم يَتَمَشَّ على هُدَى اللهِ فإنَّه أَعْمى، يُؤخَذُ من قول اللهِ تَعالَى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾، وإذا كانوا مُبْصرينَ بأَعينِهِمْ فهُمْ عُمْيُ البَصائِرِ، إذن نَأخُذُ من ذلك فائدةً، وهي أنَّ العَمى نَوعانِ: عَمَى بَصَرٍ وعَمَى بَصيرَةٍ، وأَشدُّهُما عَمَى البَصيرَةِ، فكم مِن إنسانٍ أَعْمى البَصَرِ، لكنَّه مُبْصِرُ البَصيرَةِ، وكم من إنسانٍ مُبْصِرِ البَصَرِ لكنَّه أَعْمى البَصيرَةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَعجيلُ العُقوبةِ لمَنْ آثَرَ العَمَى على الهُدَى، يُؤخَذُ مِن قولِه تَعالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أنَّ الفاءَ للتَّرتيبِ والتَّعقيبِ هذا وَجْهٌ، ووَجْهٌ آخَرَ أنَّ الفاءَ هنا للسَّببيَّةِ والمُسبَّبُ يَعْقُبُ السَّببَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذيرُ من إيثارِ العَمَى على الهُدَى، وأنَّ الإنسانَ إذا بُيِّنَ له الحقُّ، ولكنَّه عَمِيَ عنْه فإنَّه جَديرٌ بأن يُعاقِبَه اللهُ لأنَّ اللهَ أَخْبرنا بأَخْذِهِمْ لنَحْذَرَ من ذلك، فأَخْبَرنا اللهُ تَعالى بعُقُوبتهمْ حينَ خالفوا لِنَحْذَرَ من ذلك، ودَليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] هذا دَليلٌ، ودَليلٌ آخَرُ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ ثَمودَ أُهلِكوا بِصاعِقَةٍ أي بشيء صُعِقوا به، وهَلَكوا، وقد بَيَّنَ اللهُ في آيَةٍ أُخْرَى أنَّهم أَخَذَتْهمُ الرَّجفَةُ، فيَكونُ أُخِذوا بالرَّجفَةِ، حتَّى صُعِقوا وهَلَكوا.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ هؤلاءِ الَّذين غَرَّهم الْكِبْرُ أُهينوا وأُذِلُّوا، نَأْخُذُها مِن قولِه تَعالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ يَعني: عَذاب الذُّلِّ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إِثباتُ الأَسبابِ، لقولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ والباءُ هنا للسَّببيَّةِ.
стр. 109
واعلمْ أنَّ اللهَ تعالى لن يَحكمَ حُكمًا شرعيًّا ولا حُكمًا قَدريًّا ولا حُكمًا جَزائيًّا إلَّا لسببٍ، هذه خُذْها قاعِدَةً لن يَحْكُمَ حُكمًا شرعيًّا كالإيجاب والتَّحريمِ والإباحَةِ، ولا قَدَريًّا كالخَلْقِ والتَّكوينِ، ولا جَزائيًّا إلا لسببٍ نعلمُ ذلك عِلْمَ اليَقينِ، ونَأخُذُه من أنَّ اللهَ تَعالَى حَكيمٌ، والحَكيمُ هو الَّذي يَضَعُ الأشياءَ مَواضعَها لا يُمكنُ أن يَكونَ فعلُ اللهِ فَلتةً ولا صُدفةً ولا لَغوًا ولا لَعِبًا، بل لا بُدَّ له من سَببٍ اقتَضاه، لكن هل كُلُّ سببٍ اقتَضى حُكمَ اللهِ يَكونُ مَعلومًا للخَلقِ؟
الجواب: لا، لأنَّ الخَلقَ أَعجزُ مِن أن يُدْرِكوا حِكمةَ اللهِ وكم من أَحْكامٍ شَرعيَّةٍ وكَونيَّةٍ وجَزائيَّةٍ لا نَعلمُ حِكمتَها؛ لأنَّنا أَقْصرُ من أنْ نُحيطَ بحِكمةِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ أنَّ العَمَلَ كَسْبٌ للإنسانِ؛ لقَولِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
ويَتَفَرَّعُ على هَذِهِ الفائِدَةِ: أنَّه إذا كان العَمَلُ كَسْبًا للإنسانِ، فإنَّه يَجِبُ عليه بمُقْتَضى العَقْلِ كَما هو مُقْتَضى الشَّرعِ أنْ يَسعَى إلى الكَسْبِ المُفيدِ لا إلى الكَسْبِ الضَّارِّ، كما كان يَفعلُ في الدُّنيا، أليس الواحِدُ منَّا في الدُّنيا يَسعَى إلى الكَسْبِ النَّافعِ، بَلَى، إذن يَجِبُ أن تَسعَى إلى الكَسْبِ النَّافعِ في الآخِرَةِ، ولهذا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ في عَقلِه ودينِه مَن احتَجَّ بالقَدَر على مَعاصي اللهِ، ولم يَحتَجَّ بالقَدَر على أُمورِ الدُّنيا، ففي أُمور الدُّنيا يَعمَلُ وَيكْدَحُ ويَسعَى لِما فيه المَنْفَعَةُ والمَصلحَةُ، لكن في أُمورِ الآخِرَةِ يَتكاسلُ، ثُمَّ يَقولُ هذا القَدَرُ، فنَقولُ: قد ضَلَلت، كيف تَحتَجُّ بالقَدَر على كَسْبِ الآخِرَةِ ولا تَحتَجَّ به عَلَى كَسْبِ الدُّنيا.
* * *
стр. 110
الآية (١٨)
* * *
* قالَ اللهُ : ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨].
* * *
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَنَجَّيْنَا﴾ منها] أي: من صاعِقَةِ العَذابِ الهونِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٨] نَجَّينا من هذا العَذابِ الَّذين آمَنوا، وكانوا يَتَّقونَ، جَمَعوا بَينَ الإيمانِ والتَّقْوى، وهذا هو سَبَبُ النَّجاةِ.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: عَدْلُ اللهِ يُؤخَذُ من قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فيها إِثباتُ العَدْلِ لله والعَدْلُ مَعناه عَدَمُ الجَوْرِ وعَدَمُ الظُّلمِ، ووَجهُ الدَّلالَةِ في الآيَةِ والَّتي قَبلَها إِثباتُ النَّجاةِ لِلمُؤمِنينَ والعَذابُ لِلمُعرضينَ هذا دَليلٌ على الْعَدْلِ؛ لأنَّه أَعْطى كلَّ إنسانٍ ما يَستحِقُّ، ولا شكَّ أنَّ اللهَ أحكمُ الحاكِمينَ، ومن كونِه أَحكم الحَاكمينَ لازِمٌ أنْ يكونَ أَعْدلَهم؛ لأنَّه كُلَّما كان الحُكْمُ أَعدلَ كان أَحْكمَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإيمانَ والتَّقْوى سببٌ للنَّجاةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ومثلُه قولُه تَعالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزُمَر: ٦١].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإيمانَ وَحدَه لا يَكفي بَلْ لا بدَّ من إيمانٍ وتَقْوى؛ لقولِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وووَجْهُ المُقارَنَةِ بَيْنَ هذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قولِه تَعالى: