← Тафсир

Тафсир · id 151162

تفسير العثيمين: فصلت

ابن عثيمين

Полный текст (338 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الأرْضُ؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] فَكَان قَبْل خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ ماءٌ فوْقه عرْشُ الرَّحمَنِ ثمَّ خُلِقتِ الأرْضُ، وقدِ انْدَفعَ مِن هَذا الماءِ بُخارٌ مُتصاعِدٌ كَثِيفٌ صار مِثلَ الدُّخانِ. وقولُه: [﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ إلَى مُرادي مِنكُما ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ في مَوضِعِ الحالِ أيْ: طائِعتَيْن أو مُكرَهتيْن ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمَن فِينا ﴿طَائِعِينَ﴾، إلَى آخِرِه. قوْله: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ هَذا الأمْرُ هَل هُو أمْرُ تَكوِينٍ أو أمْرُ تَكلِيفٍ؟ الجَوابُ: إنْ قُلْنا: إنَّه تكلِيفٌ، لَم يَكُن هُناكَ فرْق بيْن أنْ يكُونَا طائِعتَيْنِ أو مُكرهتَيْن؛ وظاهِرٌ أَنَّه أمْرُ تكلِيفٍ؛ ولِهَذا قال: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. وإنْ قُلنا: إنَّه أمْرُ تَكوِينٍ فإنَّه لا يسْتَقيمُ أنْ يكُونَ طوْعًا أو كرْهًا؛ لأنَّ أمْرَ التَكوينِ كائِن لا مَحالةَ. فالظاهرُ - واللهُ أعلم - أَنَّه أمْرُ تكلِيفٍ، وللهِ تَعالَى أنْ يُكلِّفَ ما شاء مِن خلْقِه. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمَن فِينا ﴿طَائِعِينَ﴾]، احْتاجَ المُفسِّرُ إلَى أنْ يُقدِّرَ "بمَن فِينا" لِوَجْهيْن: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ ﴿طَائِعِينَ﴾ جمْعٌ، ﴿قَالَتَا﴾ مُثنَّى، ولا مُطابَقةَ بيْن المُثنَّى والجَمْعِ، ولَو أرادَ المُطابَقةَ لقال: "قالَتا أتيْنا طائِعتيْن". الوَجْهُ الثَّاني: أَنَّه جمَعَه بالمُذكَّرِ العاقِلِ، فكان لا بُدَّ أنْ يُقدَّرَ بـ "مَن فِينا" لِيَدخُلَ فِيهِ العُقَلاءُ، وَيكونُ هَذا مِن بابِ التَّغلِيبِ. وقولُه ﵀: [فِيه تَغلِيبُ المُذكَّرِ العاقِلِ] ذَكَرْنا فِيما سبَقَ أنَّه غلَّبَ المُذكَّرَ

стр. 72

لشَرَفِه، أو لكَثْرَتِه إذا قُلْنا: إنَّ العاقِلَ أكْثر. وقَولُه ﵀: [أوْ أنزَلَتا لخِطابهِما مَنْزِلَتَه] يَعنِي: أن المَسْألةَ فِيها إمَّا تَغلِيبُ، وإِمَّا أنَّ الأرْضَ والسَّماءَ أُنْزِلَتا مَنزِلةَ العاقِلِ لخِطابِهما؛ أي: لِكَونِهما خُوطِبا، ولا يُخاطَبُ غالِبًا إلا العاقِلُ. مِنَ فوائِدِ الآيَةِ الكرِيمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ السَّماءَ كانَتْ قبْلَ أنْ تُخلَقَ دُخانًا، ثمَّ حَوَّل اللهُ هَذا الدُّخانَ إلَى سَمواتٍ، لِقَوْلِه تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثْباتُ علُوِّ اللهِ على أحَدِ القَوْلَين في تَفسِيرِ "اسْتَوى"، وهُما قصَدَ أو ارتَفَعَ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ قابِلٌ لمُخاطَبةِ اللهِ أيْ: قابِلٌ أنَّ اللهَ يُخاطِبُه، لأنَّ اللهَ خاطَبَ السَّماءَ والأرْضَ - وهِي جَماد - فقالَ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، لكِنَّنا لَو خاطَبْنا الجَمادَ لَعُدَّ ذلِك سَفَها ونَوعًا مِن الجُنونِ؛ أمَّا الرَّبُّ فإنَّه يُخاطِبُ ما شاءَ مِن عِبادِه مِن عاقِل وغَيره وجَمادٍ وغَيرِه، لأنَّ كلَّ مَن خاطَبه اللهُ فإنَّه يَفْهمُ خِطابَ اللهِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ كلَّ شَيْءٍ خاضِعٌ للهِ سَواءٌ كَرِهَ أمْ رَضِيَ، لِقَولِه تَعالى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: كَمالُ خُضُوعِ الأرْضِ والسَّمواتِ للهِ حَيثُ قالَتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّهُ يصِحُّ أنْ يُعبِّرَ عَن غيْرِ العاقِلِ بما يُعبَّرُ به عَن العاقِلِ،

стр. 73

إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلةَ العاقِلِ لِقَولِه: ﴿طَائِعِينَ﴾، فإنَّ هَذا الجَمْعَ جمْعُ المُذكَّرِ السَّالِمِ لا يَصْدُرُ إلَّا مِنَ العاقِلِ وغيْرِه، يُقالُ: "طائِعاتٍ"، وما أشْبَهَ هَذا، لَكِنْ إذا نُزِّلَ غيْرُ العاقِلِ مَنزِلتَه بالخِطابِ صحَّ أنْ يُعامَلَ مُعامَلةَ العاقِلِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثْباتُ الطَّواعِيةِ والكراهيَةِ لغيْرِ العاقِلِ؛ لقَولِه تَعالَى: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾، فهَلْ هَذا يَعنِي أنَّ لغَيْرِ العاقِلِ إرادَةٌ؟ الجوابُ: نعَمْ؛ لأنَّ الطَّائِعَ لَه إرادَةٌ، ومَنْ يُتَصوَّرُ إكْراهُه فلَه إرادَةٌ أيْضًا، وإرادَةُ كلِّ شيْءٍ بحَسَبِه، وقَد ورَدَ أنَّ الحَصىَ تَسبِّحُ بيْنَ يدَيِ الرَّسُولِ ﵊ ولا تسْبِيحَ إلَّا بَعْدَ إرادَةِ، وثبُتَ عَنِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أَنَّه قالَ في أُحُدٍ: "يُحِبُّنا ونُحِبُّه" (١)، والمَحبَّةُ أخَصُّ مِنَ الإرِادَةِ؛ وعلَى هذا: فهَذه الجَماداتُ الَّتي نحْن لا نفْقَه تسْبِيحَها لها إرادَة، وتسَبِّحُ اللهَ . * * *

стр. 74

الآية (١٢) * * * قالَ اللهُ : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢]. * * * قولُه: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ يقول المُفسِّرُ ﵀: [الضَّميرُ يَرجِعُ إلَى السَّماءِ؛ لأنَّها في معنَى الجمعِ الآيلَةِ إلَيْه؛ أي صيَّرَها ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾]؛ قولُه: [﴿فَقَضَاهُنَّ﴾، الضَّمير يَرجِع إلَى السَّماءِ، حِينَئذٍ يرِدُ إشْكالٌ، فإِنَّ السَّماءَ مُفرَدٌ و"قَضاهُنَّ"، الضَّميرُ جمْعٌ، فكيْف كان الأمْرُ كذَلِك؟ يَقولُ ﵀: [يَرجِعُ إلَى السَّماءِ؛ لأنَّها في معنَى الجمْعِ الآيلِةِ إلَيه]؛ لأنَّ هَذه السَّماءَ المُفرَدَ يَؤُولُ إلَى جمْعٍ، ومِقدارُه: سبْعُ سَمواتٍ، فكأنَّه عبَّرَ عَنِ السَّماءِ بِاعْتِبارِ مَآلِها أنَّها سَتكونُ سبع سَمواتِ. وقوْلُه: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ أيْ صيَّرهُنَّ، وعلَى هَذا فيَكونُ الضَّمِيرُ في "قَضاهُنَّ" المَفْعُولُ الأوَّلُ، و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ المَفْعُولُ الثَّاني، ويَحتَمِلُ أنْ تَكونَ "قَضاهُنَّ" بمَعنَى: فَرَغَ مِنْهُنَّ، وعلَى هَذا فيَكونُ الضَّمِيرُ الأوَّلُ مَفعُولًا بِه و ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتِ﴾ حالًا؛ أيْ: حالَ كَونِها سبع سَمواتٍ. وعلَى كلٍّ: فَإنَّ السَّمواتِ كانتْ سَبْعًا. وقَولُه: ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ قال المُفسِّرُ: [الخميسُ والجُمُعةُ فُرغَ مِنها في آخِرِ ساعةٍ

стр. 75

مِنه، وفِيها خُلِقَ آدَمُ؛ ولذلِك لمْ يَقُلْ هُنا: "سَواءٌ"، ووافَقَ ما هُنا آياتُ خَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ في سِتَّةِ أَيَّامٍ]؛ أيْ: قَضاهُنَّ سَبْع سَمواتٍ في يَومَيْنِ، و"فِي" للظَّرفِيَّةِ، والظَّرْفُ يَكونُ أوْسَعَ مِنَ المَظْرُوفِ، فيَحتَملُ أَنَّه قضاهُنَّ في يَومَيْن مِن أوَّلِ اليَومَيْنِ إلَى آخِرِهُما، ويَحتَمِلُ أَنَّه قَضاهُنَّ في يَومَيْن؛ أي: في هَذا الظَّرْفِ، وإنْ كانَ القَضاءُ لَم يَستوعبْ هَذا الظَّرْفَ، وهَذا هُو الَّذي مَشى علَيه المُفسِّرُ، وسيَتبيَن ما فِيه إنْ شاءَ اللهُ. وقَولُه ﵀: [فُرِغَ مِنها في آخِر ساعَةٍ مِنه، وفِيها - أيْ في آخِرِ ساعَةٍ خُلِق آدَمُ - ولذلِك لمْ يَقُلْ سَواءً"، بَينَما قال في خَلْقِ الأرْضِ: ﴿فِىَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً﴾، وهُنا لمْ يَقُلْ: "في يَومَيْن سَواءً"؛ لِأنَّ بَعْضَ اليَومَيْنِ خُلِقَ فِيه آدَمُ، هَذا ما ذَهَب إلَيْه المُفسِّرُ، وفِيه نَظَر ظاهِر؛ لِأنَّ هَذا يَقتَضِي أنَّ آدَمَ خُلِقَ حِينَ خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ، يَعنِي في الأيَّام السَّتَّة الَّتي خُلِقتْ فِيها السَّمواتُ والأرْضُ، وهَذا لا شكَّ أَنَّه خَطَأٌ، بلْ إنَّه خُلِقَ بَعد ذلِك، لا أقُول: بمَلايِينَ، بَلْ بِمِئاتِ السِّنِين؛ لأنَّ آدَمَ ﵇ كَما هُو مَعلُومٌ - جَعلَه اللهُ تَعالَى خَلِيفَةً لأُناسٍ قَبْلَه أَو لِلجِنِّ الَّذِين سَكَنُوا الأرْضَ قَبْلَه، ولِهَذا لَمَّا قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قالَتِ المَلائِكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] إلَى آخِرِه. فدَعْوَى المُفسِّرِ ﵀ أنَّ آدَمَ خُلِقَ في آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمُعةِ الَّتي تمَّ فِيها خَلْقُ السَّمواتِ والأرْضِ غيْرُ صَحِيحٍ. نَعم؛ خُلِقَ آدَمُ يوْمَ الجُمُعةِ لا شكَّ في هَذا، كَما ثبُتَ عَنِ النَّبيِّ (١) ﵊ لكِنَّها ليْسَتِ الجُمُعة الَّتي تمَّ بها خلْقُ السَّمواتِ والأرْضِ؛ إذَنْ: خلَقَهنَّ في يومَيْن؛ يقُولُ المُفسِّرُ: [وَوافَقَ هُنا آياتُ خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ في ستَّةِ أَيَّامٍ] لأنَّ أرْبَعةَ

стр. 76

أَيَّامٍ كانَتْ لخِلْقِ الأرْضِ، ويَومَيْن كانَتْ لخَلْقِ السَّماء، فيَكونُ المَجمُوعُ ستَّة أيَّامٍ، وهَذا أمْرٌ مُتَّفقٌ علَيه بيْن المُسلِمين أنَّ خلْقَ السَّمواتِ والأرْضِ في ستَّةِ أيَّامٍ. وفِي بعْضِ الآياتِ يَقولُ: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ لِأنَّ بيْن السَّمواتِ والأرْضِ مِنَ الآياتِ العَظِيمةِ ما اسْتَحقَّ أنْ يَكونَ قَسِيما لِخَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ، قال تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؛ وقَد كُنَّا نَقولُ: كَيْف يَكونُ خَلْقُ ما بيْن السَّماءِ والأرْضِ قَسِيمًا لخَلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ مَع أَنَّه في نَظَرِنا لا يُساوي شَيئًا بالنِّسبَةِ إلَى خلْقِ السَّمواتِ والأرْضِ، إذْ كُنَّا لا نَعْلَمُ إلَّا أنَّ الَّذي بيْن السَّماءِ والأرْضِ هُو الغُيُومُ والهَواءُ فقَطْ، وكُنَّا نَقولُ: إنَّ القَمَرَ والنُّجُومَ والشَّمسَ كانَت في السَّماءِ. وكُنَّا نَقولُ: القَمَرُ في السَّماءِ الدَّنيا، والشَّمْسُ في السَّماءِ الرَّابعةِ وزُحَلُ في السَّماءِ السَّابعةِ، وكُنَّا نُنْشِدُ قوْلَ الشَّاعِرِ (١): زُحلُ شَرَى مِرِّيخَه مِن شَمْسِه ... فَتَزاهَرَت بِعُطارِد الأقْمارُ هَذه الكَواكِبُ السَّبْعةُ؛ والمَعنَى: مِن أعْلى إلَى أسْفَل، فـ "زُحَل" هَذا أعْلاها، "شَرى" المُشْتَرى، "مِرِّيخَه" المِرِّيخ، "مِن شَمسِه" الشَّمسُ، "فتَزاهَرت" الزّهرة، "بِعُطارد" عُطارد، "الأقْمار" القَمَر هُو الأخِيرُ، وعَلى هذا فتكونُ الشَّمْسُ في السَّماءِ الرَّابعةِ، وكُنَّا نَظُنُّ أنَّ هَذه مُرَصَّعةً بالسَّماءِ كَما يُرصَّعُ المِسْمارُ على الخَشَبةِ! لكِن تَبيَّنَ الآنَ أنَّ هَذه في أجْواءٍ بيْن السَّماءِ والأرْضِ ولَيْست مُرَصَّعةً في السَّمواتِ والأرْضِ، وأنَّ السَّماءَ مِن فَوقِها بأمَدٍ بَعِيدٍ، وحِينَئِذٍ تَبِين الحِكْمَةُ مِن كَوْنِ اللهِ يَجْعَلُ خَلْقَ ما بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ عَدِيلًا لِخَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ.

стр. 77

ثمَّ قال ﵀: [﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الَّذي أمَر به مَن فِيها مِن الطَّاعةِ والعِبادةِ] "أوْحَى في كلِّ سَماءٍ أمْرَها"، يَعنِي: قدَّرَ بِما أوحاه في كلِّ سماءٍ أمْرَها، فكُلُّ سَماء لَها مَلائِكةٌ خاصَّةٌ، وعِباداتٌ خاصَّةٌ، وأجْواءٌ خاصَّةٌ، وكُلُّ سَماءٍ تَختَلِفُ عَنِ السَّماءِ الأُخْرَى، حتَّى إنَّ بَعْضَهم يَقولُ - وَهُو مِن الإسْرائِيلِيَّاتِ الَّتي لا تُصَدَّقُ وَلا تُكَّذَّبُ -: إنَّ جِرْمَ السَّماءِ الدَّنيا يَخْتَلِفُ عَن جِرْمِ السَّماءِ الثَّانيَةِ، والثَّانيةُ عَنِ الثَّالِثةِ، كُلُّ واحِدةٍ مِن مادَّةٍ أُخرَى غَيرِ مادَّةِ السَّماءِ الأُخْرَى، والله أعْلَمُ. وقَولُه: ﴿أَمْرَهَا﴾ مُفْرَدٌ مُضافٌ فيَعُمُّ جَمِيعَ الأُمُورِ، فجمِيعُ ما يَتعلَّق بكُلِّ سماءٍ قَد أوْحاه اللهُ بِها. وَقَولُه ﵀ [﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ الَّذي أَمَرَ بِه مَن فِيها مِنَ الطَّاعَةِ والعِبادَةِ، صَرَفَ المُفسِّرُ ﵀ الأمْرَ هُنا إلَى الأمْرِ الشَّرْعيِّ لا الأمْرَ الكَوْنيَّ؛ ولذلِكَ قال: [﴿أَمْرَهَا﴾ الَّذي أمَرَ بِه مَن فِيها مِنَ الطَّاعَةِ والعِبادَةِ] ويَحتَملُ أنْ يَكونَ المُرادُ بِالأمْرِ هُنا الشَّأنُ، أيْ أوْحَى في كُلِّ سماءٍ شَأنَها، فيَشْمَلُ أحْوالَ السَّماءِ وأحْوالَ مَن فِيها، وهَذا أعَمُّ مِمَّا ذَكَرَه المُفسِّر ﵀ وإنَّنا نُقرِّرُ قاعِدة في التَّفسِيرِ: إذا ورَدَ تَفْسِيرانِ في الآيَةِ أحَدُهما أعمُّ أخَذْنا بالأعمِّ، لأنَّ الأعمَّ يدْخُلُ فِيه الأخصُّ ولَا عَكْسَ، فَإذا قُلْنا: "شَأنُها" صارَ أعمَّ مِن أنْ نَقُولَ: "إنَّه أمْرُها الشَّرْعيُّ"، لأنَّ هَذا أخصُّ، فالحَمْلُ على الأعمِّ أوْلَى. وقَولُه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ انْظُرْ إلَى خَصائِصِ السَّماءِ الدَّنْيا ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [بنُجُوم﴾ ﴿وَحِفْظًا﴾ أمَنْصُوبٌ بِفِعلِه المُقدَّرِ، أي: حَفِظْناها مِنِ استِراقِ الشَّياطِين السَّمْعَ بالشُّهُبِ، "زيَّنَّا السَّماءَ الدَّنيا"، "الدُّنيا" يَعنِي: القُربَى، وسُمِّيَتْ دُنيا لأنَّها قَريبَةٌ مِنَ الأرْضِ، فهِي أقْرَبُ السَّمواتِ، زَّينَها بمَصابِيحَ،

стр. 78

والمَصابِيحُ هِي النَّجُومُ، وسُمِّيتْ مَصابِيحَ؛ لأنَّها بمَنزِلةِ القَنادِيلِ المُعلَّقةِ بالسَّقْفِ، فإنْ قال قائِلٌ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّ هَذه المَصابِيحَ مُرصَّعةٌ بالسَّماءِ! قُلْنا: إنْ كان هَذا ظاهِرُها فالواقِعُ خِلافُ ذلِك؛ ولا مانِعَ مِن أنْ تُزيَّنَ بمَصابِيحَ وإنْ لمْ تَكُنْ مُلتَصِقةً بها، أرَأيْتَ لَو أَنَّك دَلَّيْتَ مَصابِيحَ مِن سَقْفٍ عالٍ، ثُمَّ كُنْت تَحْت هَذه المَصابِيحِ، أفَلا تَكونُ هَذه المَصابِيحُ زِينَةً لِلسَّقْفِ، وإنْ كانتْ غيْرَ لاصِقَةٍ به، بَل جِهتَها - أي جِهةَ هَذا السَّقف - مُزيَّنةً بِهَذه المَصابِيحِ، فلا يَلزَمُ مِن قوْلِه: "زَّينَّا السَّماءَ الدَّنْيا بمَصابِيحَ" أنْ تكونَ مُرصَّعةً بالسَّماءِ، بلْ نَقولُ: هِي مُزيَّنةٌ بِها وإنْ كان بَينَها وبيْن السَّماءِ مَسافةٌ. وقَولُه: ﴿وَحِفْظًا﴾ أي: حَفِظْناها حِفْظًا، فالسَّماءُ مَحفُوظَةٌ، كما قال تَعالَى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، ولِهَذا لمْ يَستَطِعْ جِبريلُ أنْ يَدْخُلَ مِن السَّمواتِ مَع أَنَّه نِازِلٌ مِنها حِين كان مَعه محُمَّدٌ ﷺ حتَّى استَأذَن له، ففي حدِيثِ المِعْراج (١): "إنَّ جِبرِيلَ لمَّا وصَل بالنَّبيِّ ﷺ إلَى السَّماءِ الدُّنيا اسْتَفتَح؛ فقِيل: مَن هذا؟ قال: جِبرِيلُ، قِيل ومَن مَعَك؟ قال: مُحمَّد، فقِيل لَه: هَل أُوحِي إلَيْه؟ قال: نَعَم، ففُتِح لَه"؛ لِأنَّ السَّماءَ محَفُوظةٌ، لا يُمكِن أنْ يَدخُل أحَدٌ فيها إلَّا بِإذْنٍ الله؛ فإنَّ جِبْريلَ قال: "مَعِي مُحمَّدٌ، فقِيلَ: له: وقَد أُرسِلَ إلَيه؟ قال: نعَم، قالوا: مَرْحبًا بِه؛ فنِعْم المَجِيءُ جاء"، ثمَّ فتحوا لَه، فدَخَل السَّماءَ الدَّنيا ثمَّ الثَّانيَةَ والثَّالِثةَ ... ، وهكَذا، ممَّا يدُلُّ على إتْقانِ حِفْظِ اللهِ للسَّمواتِ، وأنَّها مُتقَنةٌ، علَيْها مَلائِكةٌ لا يُمكِنُ أنْ يَتَجاوَزها أحَدٌ.

стр. 79

وقَولُه ﵀: ﴿وَحِفْظًا﴾ مَنْصُوبٌ بفِعلِه المُقدَّرِ؛ أي: حَفِظناها حِفْظًا مِنِ اسْتِراقِ الشَّياطِين السَّمْعَ بالشُّهُبِ ... ] إلَى آخِرِه؛ فقَوْله: ﴿وَحِفْظًا﴾ مَصْدرٌ عامِلُه محَذُوفٌ، والتَّقدِيرُ: حَفِظْناها حِفْظًا؛ ومن أيِّ شَيْءٍ حَفِظْناها؛ قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٦، ١٧]، فَيَكونُ المُرادُ بالحِفْظِ حَفِظُها مِنَ الشَّياطِين؛ لِأنَّ القُرْآنَ يُفسِّرُ بَعضُه بَعضًا. وأمَّا شَأنُ الشَّياطِين بالنِّسْبةِ للسَّمْعِ فإنَّها تَصْعَدُ فيَرْكَبُ بعضُها بعْضًا، إلَى أنْ تَصِلَ إلَى السَّماءِ، فتَستَمِعُ إلَى أخْبارِ السَّماءِ، وما تَتحدَّثُ به المَلائِكةُ، ثمَّ تنْزِلُ بِه إلَى الأرْضِ، وتُلقِيه إلَى الكُهَّانِ الَّذين لكُلِّ واحِدٌ مِنهُم رُئِيَّ مِن الجِنِّ، والكاهِنُ يأخُذُ هَذا الجبرَ ويُضِيفُ إلَيهِ أخْبارًا أُخرَى، ثمَّ يحدِّثُ النَّاسَ بذلِك؛ ومن المَعلُومِ أنَّ ما سُمِعَ في السَّماءِ لا بُدَّ أنْ يَكونَ، فتكونُ هَذه الكَلِمةُ الواحِدة - التي هي صدق - مَثارًا لإعْجابِ النَّاسِ بالكُهَّانِ والرُّجوعِ إليهم؛ ولهِذا كانُوا بالجاهلِيَّةِ يَتَحاكَمُون إلَى الكُهَّان؛ فهَذه هِي قَضِيَّةُ استِراقِ السَّمْعِ. ثمَّ إنَّ اللهَ تَعالَى حَفِظ السَّماءَ وقْتَ بَعثَةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - وصارَتِ الشَّياطِينُ إذا حاولَت الاستِماعَ أرْسَلَ اللهُ تعالى عليها شهابًا يحرقُها وتهلِكُ. وهَل بَقِي هَذا الحِفْظُ بعْد موْتِ الرَّسُولِ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أو لا؟ الجَوابُ أنْ يُقالَ: اللهُ أعْلَمُ، وَلا نَدرِي، لكِنَّها حُفِظتْ في عَهْدِ النُّبوَّةِ مِنِ اسْتِراقِ السَّمْعِ، أمَّا الآنَ فاللهُ أعْلَمُ فقَدْ يَكونُ ذلِك وقَد لا يَكونُ؛ لأنَّه ليْس هُناك نبِيٌّ حتَّى يَختَلِطَ المَسمُوعُ المُستَرَقُ بالوَحْيِ الصَّحِيحِ.

стр. 80

وقَولُه تَعالَى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المُشارُ إلَيْه ما سَبَق مِن قَولِه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ إلى آخره؛ قَولُه: ﴿تَقْدِيرُ﴾ أيْ مُقدَّرٌ ﴿الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، أو ﴿تَقْدِيرُ﴾ مَصدَرٌ على بابِه، وَيكونُ المُشارُ إلَيْه فِعْلُ اللهِ لهَذا الشَّيْءِ، فعِندَنا الآن كَلِمةُ ﴿تَقْدِيرُ﴾ مَصْدَرٌ، يَجُوزُ أنْ تَكونَ بمَعنَى اسْمِ المَفعُولِ، ويَكونُ المَعنَى: ذلِك مُقدَّرُ العَزِيزِ، ويجوزُ أنْ تَكونَ مَصْدرًا وهُو فِعْلُ اللهِ ويَكونُ هَذا أيْضًّا مَعنًى صَحيحًا وكِلاهما مُتلازِمان؛ لِأنَّه إذا كان هَذا الشَّيْءَ مُقدَّرُ اللهِ فَهُو مِن تَقدِيرِه يَعنِي ناتِجٌ عَن تَقدِيرِه. فقَولُه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي: الَّذي قَدَّره ﴿الْعَزِيزِ﴾ ﴿الْعَلِيمِ﴾، و ﴿الْعَزِيزِ﴾ هُنا مُناسَبَتُها، أنَّ المَسْأَلةَ تَحتاجُ إلَى عِزَّةٍ وقُوَّةٍ. والعِزَّةُ؛ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿الْعَزِيزِ﴾ في مُلْكه] يَعنِي الَّذي لَه العِزَّةُ التَّامَّةُ في مُلْكه، وفِيه شَيْء مِن القُصُورِ، فلَم يُبيِّن لنا ما هِي العِزَّةُ، والعِزَّةُ قال العُلَماءُ ﵏: إنَّها تَنْقسِمُ إلَى ثَلاثَةٍ أقْسامٍ: عِزَّةُ القَدْرِ، وعِزَّةُ القَهْرِ، وعِزَّة الِامْتِناعِ؛ ثَلاثَة مَعانٍ. ١ - أمَّا عِزَّةُ القَدْرِ فمَعناها الشَّرفُ، يَعنِي: أَنَّه ذُو قَدْرٍ عَظيمٍ بالِغِ العِظَمِ. ٢ - وعِزّةُ القَهْرِ يَعنِي: أَنَّه قاهِرٌ ولا يُغلَبُ. ٣ - وعِزَّةُ الِامْتِناعِ؛ أيْ يَمتَنِعَ أنْ ينالَه سُوءٌ جَلَّ وَعَلَا بأيّ حالٍ مِن الأحْوالِ. ولِمُلاحَظةِ هَذا المَعنَى الثَّالِثِ نَقولُ: إنَّه مُشتَقٌّ مِن قَولِه: أرْضٌ عَزازٌ، عَزازٌ يَعنِي: قَوِيَّةٌ صُلْبَةٌ، ونَحْن نُسمِّيها باللُّغَةِ العامِّيَّةِ: "الأرْض عزا"، يَعنِي: صُلْبَةٌ لَيْسَت لَيِّنةً كالرَّمْلِ والرَّوْضِ، ولكِنَّها صُلْبةٌ. أمَّا ﴿الْعَلِيمِ﴾ فهِي صِفَةٌ مُشَبَّهةٌ، ويجوزُ أنْ تَكونَ مِن بابِ المُبالَغةِ؛ لِأنَّ فَعِيلٌ

стр. 81

يَصِحُّ أنْ تَكونَ صِفَةً مُشبَّهةً، ويَصِحُّ أنْ تَكونَ صِيغَةَ مُبالَغةٍ، ومَعناها ذُو العِلْمِ، فهُو ذُو العِلمِ، وعِلْمُ اللهِ ﵎ واسِعٌ؛ قال اللهُ تَعالَى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢]، فعِلْمُه تَعالَى واسِعٌ شامِلٌ لكُلِّ شَيْءٍ، يَعلَمُ ما كان فَلا يَنْساهُ، وَيعلَمُ ما يَكون فَلا يَجْهلُه، وَيعْلم مَا لم يَكُن لو كانَ كيفَ كانَ يكُونُ، يَعنِي لَيس يَعلَمُ أنَّ هَذا الشَّيءَ يَقَعُ فقَطْ، بلْ يَعلَمُ أَنَّه يَقَعُ ومَتَى يَقَعُ وكَيف يَقَعُ وأينَ يَقَعُ، مِن كلِّ جِهَةٍ. وقَد فصَّل اللهُ تَعالَى دَقائِقَ العِلْمِ في قَولِه تَعالَى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. وعِلْمُنا بأنَّه عَلِيمٌ يَستَوجِبُ مِنَ النَّاحِيةِ المَسلَكِيَّةِ بالنِّسبَةِ للْعَبدِ: أَنَّه إذا علِم أنَّ اللهَ بكُلِّ شَيْءٍ علِيم: أنْ يَخافَ اللهَ وأنْ يَقومَ بِطاعَتِه وأنْ يَدَعَ مَعصِيَتَه؛ لأنَّه يعْلَمُ أنَّ اللهَ تَعالَى عالِمٌ بِه، حتَّى وإنْ خَفِيتَ على النَّاسِ؛ فإنَّك لَن تَخفَى على اللهِ، بَلْ إنَّ اللهَ يَعلَمُ مِنْ نَفْسِك ما لا تَعْلمُه أنْت، فأَنْت تَعْلَم مِن نَفسِك ما يُمكِنُ أنْ تُحِيطَ به، لكِنَّ اللهَ يَعلَمُ مِن نَفسِك ما لا تُحِيط بِه، فيَعلَم مُستَقبَلَك ومَآلَك وحالَك وأنْت لا تَعلَمُ، وهَذا يُوجِبُ لِلعَبدِ المُؤمِنِ بذلِك: أنْ يَخافَ ربَّه في السِّرِّ والعَلَنِ، حتَّى لَو كُنْت بِحُجرَةٍ مُظلِمةٍ لَيس عِندَك أحَدٌ، وأرَدْتَ أنْ تُغضِبَ اللهَ، فاعلَم أنَّ اللهَ تَعالَى يَراك. مِن فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مُدَّةَ خَلْقِ السَّمواتِ أقلُّ مِن مُدَّةِ خلْقِ الأرْضِ مَع أنَّ السَّمواتِ أعظَمُ، لكِن لمَّا كانَت الأرْضُ مَوضُوعةً لِلأنامِ - كَما قال تَعالَى: ﴿وَالْأَرْضَ

стр. 82

وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ [الرحمن: ١٠]- كان خَلْقُها أَكثَرَ مُدَّةً؛ لبَيانِ عِنايَةِ اللهِ تَعالَى بِهَذه الأرْضِ الَّتي وضَعَها لِلأنامِ، وليعلَمَ الأنامُ الَّذِين على الأرْضِ أنَّ العِبرَةَ بالإِتْقانِ لا بِالسُّرْعةِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ اللهَ أتمَّ خَلْقَ السَّمواتِ حِين أوْحَى في كلِّ سَماءٍ أمْرَها، ورتَّبَها التَّرتِيبَ المُحكَمَ المُتقَنَ. الْفَائِدَةُ الثالِثَةُ: أنَّ اللهَ تَعالَى خَلَقَ هَذه النُّجومَ لثَلاثِ فوائدَ: الفائِدةُ الأُولَى: زِينَةُ السَّماءِ. والفائِدةُ الثَّانيَةِ: حِفْظُ السَّمواتِ مِنَ الشَّياطِينِ. والفائِدةُ الثالِثة: ذَكَرَها اللهُ تَعالَى في سُورَةِ النَّحْلِ في قَولِه تَعالَى ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦]؛ ولهَذا قال قَتادةُ - وهُو مِن أئِمَّةِ التَّابِعِين ﵏: خَلَق الله هَذه النُجُومَ لِثَلاثٍ؛ زِينَةً لِلسَّماءِ، ورُجوما لِلشَّياطِينِ، وعَلاماتٍ يُهتَدى بِها (١). الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: كَمالُ إتْقانِ اللهِ لمِخْلُوقاتِه؛ لِقَولِه: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾، وَهَذا التًّقْدِيرُ لا شكَّ أَنَّه تَقْدِير محُكَم مُتْقَن مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثْباتُ اسمَيْن مِن أسْماءِ اللهِ وهُما "العَزِيزُ، العَلِيمُ"، وهَذان الاسْمَان يَتَضمَّنان صِفتَيْن، هُما العِزَّةُ والعِلْمُ. وهَلْ في "العَزِيزِ" ما يُسمَّى بالحُكْمِ أوْ بِالأَثَرِ؟ الجَوابُ: نَعَم، بِناءً على أنَّ مِن مَعناه عِزَّةِ القَهْرِ، والقاهِرُ لا بُدَّ مِن شَيْءٍ مَقْهُورٍ

стр. 83

حتَّى يتِمَّ بِه القَهْرُ، فعلى هَذا يَكونُ الإيمانُ بهَذَين الِاسْمَيْن يَتَضَمَّنُ ثلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: الإيْمانُ بِالِاسْمِ اسْمًا للهِ. والثَّاني: الإيمَانُ بِالصِّفَةِ. والثَّالِثُ: الإيمانُ بِالأثَرِ، وإنْ شِئْتَ فَقُلْ: بِالحُكْمِ. * * *

стр. 84

الآيتان (١٣، ١٤) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: ١٣، ١٤]. * * * قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ أيْ كُفَّارُ مَكَّةَ]، ومَعلُومٌ أنَّ الآيَةَ لمْ تَنُصَّ على كُفَّارِ مَكَّةَ، لكِنَّ السِّياقَ يدُلُّ على ذلِك، حيْثُ قال: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾، أي: كُفَّارُ مَكَّةَ عَن الإيْمانِ بعْد هَذا البَيانِ ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خَوَّفْتكم ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، أيْ: عَذابًا يُهلِكُكم مِثْلَ الَّذي أهْلَكَهم]. قَولُه تَعالَى: ﴿أَنْذَرْتُكُمْ﴾ الإنْذارُ فَسَّره المُفسِّرُ بأَنَّه [التَّخوِيفُ]، وهُو كذَلِك، لِأنَّ المُنْذِرَ هُو مَن تَكلَّم بِكلامٍ يُخوِّفُ به غَيْرَه؛ ولِهَذا قِيل: إنَّ الإنْذارَ هُو الإعْلامُ المُتضَمِّنُ للتَّخوِيفِ. وقَولُه: ﴿صَاعِقَةً﴾ الصَّاعِقةُ ما يَصْعَقُ المَرْءَ، أي: يُهلِكُه ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾. والمِثْلِيَّةُ هُنا لا تَقتَضي - واللهُ أعْلَمُ - المُماثَلةَ مِن كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ مِثْلِيَّة في أصْلِ الإِهْلاكِ، أو في مَآلِ العَذابِ، ويَحتَمِلُ أنَّ اللهَ تَعالَى أنْذَرَهم مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ. وصاعِقَةُ عادِ وثَمُودَ نَوعان، الرَّجْفَةُ، والرِّيحُ الشَّدِيدةُ، الَّذِين أُهلِكوا بالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ هُم عادٌ، والَّذِين أُهلِكوا بالرَّجْفَةِ والصَّيحَةِ هُم ثَمُودٌ، وإنَّما ذَكرَ اللهُ عادًا

стр. 85

وَثَمُودَ لِأنَّ العَرَبَ يَعرِفُونَهما، فَهُم يَمُرُّون بدِيارِ ثَمودَ إذا ذَهَبوا إلَى الشَّامِ، وهُم كذَلِك يَعرِفون مَحلَّ عادٍ بِالأحْقافِ، وَيذْكُرون وَيتَناقَلون ما جَرى لَهم مِن العَذابِ، وإلَّا فَهُناك أُناسٌ أيضًا أهلَكهم اللهُ ولَكِن لمَّا كان هؤلاءِ القَومُ - أعْنِي: عادًا وَثَمُودَ - هُم الَّذِين تَعرِفُهم العَرَبُ؛ أي: كُفَّارُ مكَّةَ، نَصَّ علَيْهم. قَولُه: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾، عادٌ هُم قَومُ هُودٍ، وثَمُودُ هُم قَومُ صالِحٍ؛ فَأُهلِكتْ عادٌ؛ بالرِّيحِ. والحِكْمَةُ مِن ذلِك أنْ يُريَهم اللهُ ضَعْفَهم، وكانُوا قَد افْتَخَروا بِقُوَّتهم فَقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، فَقالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾. وَأمَّا ثَمُودُ فأهْلَكَهم اللهُ بِرَجْفَةٍ وصَيحَةٍ، صِيحَ بِهِم ورَجَفَتْ بِهم الأرْضُ فهَلَكوا. قَولُه: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت: ١٤]، إلَى آخِرِه، ﴿إِذْ﴾ هَذه ظَرْف للتَّعلِيل، يَعنِي أنَّ تَعلِيلَ الصَّاعِقةِ الَّتي، أهْلَكَتْهم سَببُ ذلِك أنَّ الرُّسُلَ جاءَتْهم مِن بَيْن أَيدِيهِم ومن خَلْفِهم، قال المُفَسِّرُ: [أيْ مُقبِلين علَيْهم ومُدبِرين عَنْهم فَكَفَروا - كَما سيَأتِي - والإِهْلاكُ في زَمَنِه فَقَط]. وقَولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ: [أيْ مُقبِلِين علَيْهم ومُدبِرين عَنْهم، يَعنِي: تارَةً يُقبِلُون فيَدعُون وتارَةً يُدبِرون فيُهدِّدون إذا لمْ يُؤمِنوا، ويَحتَمِلُ أنْ يَكونَ المُرادُ: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾؛ أي: أَتَوْهُم بِالآياتِ الماضِيةِ والآياتِ المُستَقبَلةِ، فلمْ يُقَصِّروا في بَيانِ الحَقِّ، بلْ جاؤُوا بِبَيانِ الحَقِّ مِن كُلِّ وجْهٍ. وقَولُه ﵀: [فكَفَروا] هَذا هُو المَقْصُودُ مِنَ الإنْذارِ، أنَّهم كَفَروا فَأُهلِكوا؛ ولِهَذا قال: [والإِهْلاكُ في زَمَنِه فقَط]؛ أيْ: في زَمَنِ الكُفْرِ ولَيْس في زَمَنِ المَجِيءِ، لِأنَّ الرُّسُلَ جاءَتْ أوَّلًا ثُمَّ دَعَتْ ودَعَتْ، فلَمّا أصَرُّوا على كُفرِهم أُهلِكُوا.

стр. 86

وقَولُه ﵀: [أيْ بِأنْ لا ﴿تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا﴾، أفادَنا المُفسِّرُ ﵀ أنَّ (أنْ) هُنا مَصْدَريَّة، والتَّقدِيرُ: أنْاَ تَعبُدوا، أي: جاءَتْهم بِعَدمِ عِبادةِ غيرِ اللهِ. ويَحتَمِلُ أنْ تَكُونَ (أنْ) تَفسِيريَّةً؛ لأنَّه سَبَقها مَعنَى القَولِ دُون حُرُوفِه؛ لِأنَّ الرُّسُلَ جاؤُوا بِكَلامٍ وَوَحْيٍ يَتكلَّمون به، ففِيه مَعنَى القَولِ دُون حُرُوفِه، وكُلَّما جاءَتْ (أنْ) بَعْد ما فِيه مَعنَى القَولِ دُون حُرُوفِه، فَإنَّهم يُسمُّونَها تَفْسِيريَّةً، مِثْل قَولِه تَعالَى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، أَوْحَينا أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي﴾ [النحل: ٦٨] فـ (أَنْ) هُنا تَفْسِيرَّية، فكُلَّما جاءَتْ بَعد ما تَضمَّن مَعنَى القَوْلِ دُون حُروفِه؛ فإنَّها تَكونُ تَفسِيريَّةً. إذَنْ: (أنْ) هُنا يَحتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَصدَريَّةً كَما مَشَى عَلَيها المُفسِّرُ، وأنْ تَكونَ تَفسِيريَّةً، يَنبَنِي على هَذا الخِلافِ كَيف نُعرِبُ (لا)، إنْ أعْرَبْنا (أن) مَصدَرِّيةً ف (لا) نافِيةٌ والفِعْلُ مَنصُوبٌ بأنْ، وإنْ أعَرَبْناها تَفسِيريَّةً ف (لا) ناهِية، والفِعْلُ مجَزُومٌ ب (لا)، فإِعْرابُ (تَعْبُد) إذَن يَتَنزَّلُ على الخلافِ في (أنْ)، إذا جَعلْناها تَفسِيريَّةً يَكونُ الفِعلُ مجَزُومًا ب (لا) النَّاهيَةِ، وإذا أعرَبْنا (أنْ) مَصدرِيَّةً ف (تَعْبُد) مَنصُوبة ب (أنْ)، وتَكونُ على هَذا (لا) نافِيةً بالفِعْلِ، وعلى الأوَّلِ تَكونُ ناهِيةً. قال اللهُ تَعالَى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا﴾ إلَى آخِرِه، لا تَعبُدوا إلَّا اللهَ هُو مَعنَى قَولِ: لا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ لِأنَّ (لا إِلَه) بمَعنَى لا مَعبُودَ حَقّ إلَّا اللهُ، وهَؤُلاء يَقولُونَ: لا تَعبُدوا إلَّا اللهَ فهِي بمَعنَى لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وهِي بمَعنَى قَولِه تَعالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، ومتَى حقَّقَ الإنْسانُ هَذه الكَلِمةَ؛ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، فلا بُدَّ أنْ يَقومَ بطاعَةِ اللهِ، لا بُدَّ، ما دُمْتَ تَشْهدُ بأَنَّه لا إلَهَ إلَّا اللهُ فَلا بُدَّ أنْ تَتَّخِذَ الوَسائِلَ الَّتي تُوصِلُكَ إلَى هَذا الإلَه الَّذي شَهِدْتَ أَنَّه لا إلَهَ سِواه.

стр. 87

قال اللهُ تَعالَى: ﴿قَالُوْا﴾ الفاعِلُ قَومُ عادٍ وثَمُودَ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ﴾ علَيْنا ﴿مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ علَى زَعمِكم ﴿كَافِرُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٤]]، هَذا الجَوابُ جَوابٌ غايَةٌ في السُّقُوطِ، لَو شاءَ رَبُّنا أنْ نَهتَدِيَ وألَّا نَعبُدَ إلَّا اللهَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً، وعلَى هَذا التَّقدِيرِ الَّذي قُلْتُ لكُم يَكونُ مَفعُولُ شاء مَحْذُوفًا؛ أيْ: لَو شاءَ ربُّنا ألَّا نَعْبُدَ إلَّا إيَّاه لَأَنزَلَ مَلائِكَةً. ف ﴿لَوْ﴾ شَرْطِيَّةٌ، و ﴿شَاءَ﴾ فِعْلُ الشَّرْطِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، ومَفعُولُ شاء مَحذُوفٌ، التَّقْدِيرُ: لَو شاءَ ألَّا نَعبُدَ إلَّا إيَّاهُ لَأنْزَلَ مَلائِكةً، هَذه الحُجَّةُ حُجَّةٌ باطِلةٌ؛ لِأنَّ المُرسَلَ إلَيْهم بَشَرٌ فكَيف يُنزِلُ اللهُ مَلائِكةً على بَشَرٍ؟ ! ثُمَّ إنَّ اللهَ قالَ في جَوابِ هَذا: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]، يَعنِي بِصُورَة رَجُلٍ، فَلا يُمكِنُ أنْ نُنزِّل مَلَكًا بِصُور المَلَك على بَشَرٍ، ولَو فُرِضَ أنَّ اللهَ أنْزَلَ مَلَكًا لجَعلَه بصُور البَشَرِ، وحِينَئِذٍ تَعُودُ الشُّبْهةُ ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، أرَأيْتُم لَو أَرْسَلَ الله إلَى بَنِي آدَمَ جِبرِيلُ ولَه لِستُّ مِائةِ جَناحٍ قَدْ سدَّ الأفقَ، أَيَتَطابَقُ هَذا مَع النَّاسِ؟ أَبَدًا، بلْ يَهرَبون مِنه ولا يَقِفون أمامَه، فَإِذا كان كذَلِك بَطَلَتْ هَذه الحُجَّةُ؛ لأَنَّنَا نَقولُ لِهَؤُلاء ولَمِن قال مِثلَ قَولهِم: لَو أنْزَل اللهُ مَلَكًا لجَعَلَه رجُلًا، وحِينَئذٍ تَعودُ الشُّبهَةُ، إذَن الحُجَّةُ باطِلةٌ. وقَولُه: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ الفاءُ هُنا للتَّفريعِ؛ أيْ: فبِناءً على أَنَّه لمْ يُنزِلْ مَلائِكةً إنَّا بما أُرسِلْتم به كافِرون - نَسْألُ اللهَ العافِيةَ! - أكَّدُوا كُفرَهم وقالُوا: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، فقَدَّم المَفعُولَ؛ لأنَّ ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ مُتعلِّقٌ بـ ﴿كَافِرُونَ﴾، وقُدَّمَ علَيه؛ لِوجهَيْن: الوَجْهُ الأوَّلُ: مُراعاةُ فَواصِلِ الآياتِ؛ فلَو قال: فإنَّا كافِرُون بما أُرسِلْتم بِه

стр. 88

لمْ تَتناسَبِ الفَواصِلَ، ولمَّا قال: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ تَناسَبتِ الفَواصِلُ، ومُراعاةُ المُناسَبةِ أمْر ثابِتٌ؛ أرَأيتُم مُوسَى وهارُون؟ الأفْضَلُ مُوسَى ﵊ وهُو الَّذي يُقدَّمُ في القرآن إلَّا في آيَةٍ واحِدةٍ مِن أجْلِ التَّناسُبِ في سُورةِ طه، ذَكَرَ اللهُ عَن السَّحَرةِ أنَّهم قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، مَع أنَّهم كَانوا قالوا: "آمَنَّا برَبِّ مُوسى وهارُون"، هَذا قَولُ السَّحَرةِ، لكِن لمَّا نقَلَه اللهُ عَنْهم في سُورَةِ طه، قَدَّم ذِكْرَ هارُون لِتَناسُبِ الآياتِ مَع أنَّ مُوسى أفْضَلُ، ومُوسَى هُو الَّذي نَطَقَ بتَقدِيمِه السَّحَرةُ، كَما في آياتٍ عدَّةٍ، لكِن الله نَقَل كَلامَهم في سُور طه مُقدِّمًا هارُون على مُوسى لِتَناسُب الفَواصِلِ هُنا. الوَجْهُ الثَّاني: الحَصْرُ، كَأنَّ هؤُلاء المُكذِّبين المُعانِدين قالُوا: لَو أَنَّا آمنَّا بكُلِّ شَيءٍ لكَفَرنا بما أُرسِلتُم به، فكَأنَّهم يَقولُون: لا نَكفُرُ بأيِّ شَيْءٍ إلَّا بِما أُرسِلتُم به، وتَقدِيمُ ما حقُّه التَّأخِيرُ يُفيدُ الحَصْرَ، انْظُر إلَى العِنادِ، قالُوا: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ كَأنَّهم قالُوا: لا نَكَفُر إلَّا بما أُرسِلتُم به، هَذا مَعنَى الحَصْر، فيَكونُ هَذا أبْلَغُ في العِنادِ، كأنَّهم يَقولُون: لو آمنَّا بكلِّ شَيْءٍ، فلَن نُؤمِن بِما أُرْسِلتم به. ثُمَّ إنَّ قَولَه: ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾، قالُوه على سَبِيل التَّنزُّلِ؛ ولِهَذا قال المُفَسِّرُ: [على زَعمِكُم]، وإنَّما قُلْنا: إنَّهم قالُوه على سَبِيلِ التَّنزُّلِ؛ لأنَّهم لَو قالُوه على سَبيلِ الإقْرارِ لكانُوا مُؤمِنين. في هَذه الآيَةِ أُمِرَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ علَيهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أنْ يُنذِرَ هَؤلاء المُكذِّبين بِعذابِ مَن قَبْلِهم لِقَولِه: ﴿فَقُل أَنْذَرْتُكُمْ﴾ [فصلت: ١٣]. فإِنْ قالَ قائِلٌ: كَلامُ الله عَنْ قَومِ عادٍ وثَمُودَ ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾؛ هَل هُو اللَّفْظُ الَّذي قالَه القَومُ أمْ أنَّ هذا لِسانُ حالِهم؟

стр. 89

فالجَوابُ: لا، قالُوه هُم ولُغَتُهم غَيرُ عَربِيَّةٍ، لكِنَّ اللهَ يَنقُلُ عَنهم بالمَعنَى. وقَولُهم هَذا كما يُقالُ: تَصوُّرُ هَذا القَولِ كافٍ في ردِّه وإبْطالِه، يَعنِي حتَّى كُفَّارُ قُريشٍ قالُوا هَكذا في سُورةِ الأنْعامِ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٨ - ١٠]. مِنْ فَوائِدِ الآيَتين الكَريِمَتَين: الْفَائِدَة الأُولَى: إثْباتُ القِياسِ؛ لِأنَّ إنْذارَ المُكذِّبين إذا لمْ يَكُنِ المُرادُ بذَلِك قِياسُ حالِ المُكذِّبين للرَّسُولِ ﷺ على حالِ المُكذِّبين لِهُودٍ وصالِحٍ لم يَكُنِ لِهَذا الإنْذارِ فائِدةٌ، لَولا القِياسِ ما كان لهِذا الإنْذارِ فائِدةٌ. إذَن ففِيه جَوازُ القِياسِ والِاعتِبارِ بالنَّظِيرِ والمُماثِلِ، ولقَد قال اللهُ تَعالَى في آية أُخرَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١]، وإثْباتُ القِياسِ دَليلًا، مِن مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ؛ لِأنَّ إثْباتَ القِياسِ دَليلًا، هُو مُقتَضى العَقلِ السَّلِيمِ إذْ إنَّ العَقْلَ لا يُمكِنُ أبدًا أنْ يُفرِّقَ بيْن مُتَماثلَيْن، وعلَى هَذا، فالَّذِين أنْكَروا القِياسَ وقالوا: لا قِياسَ في الشَّرِيعةِ خالَفوا الدَّلِيلَ السَّمعِيَّ والدَّلِيلَ العَقلي. وسُبحان اللهِ! القُرآنُ كلُّه يُشِيرُ إلَى هَذا، كُلُّ الأمْثالَ المَضْرُوبةُ في القُرْآنِ كُلُّها دَلِيلٌ على القِياسِ لا شكَّ، وإلَّا لمْ تَكُنْ فائِدةٌ في المَثَلِ، السُّنة أيضًا أَتَتْ بالقِياسِ: "أرَأيْتَ لَو كان على أمُّك دَيْن أَكنتِ قاضِيتِه؟ ... اقضُوا اللهَ فاللهُ أحَقُّ بالْوَفاءِ" (١).

стр. 90

هُم أيْضًا مخُالِفون لِلعَقلِ؛ لِأنَّه لَولا ثُبُوتُ القِياسِ لَكانتِ الشَّرِيعةُ ناقِصةً، حَيْث لَم تَجمَعْ بيْن المُتماثِلين. إذَن في الآيَةِ إثْبات القِياسِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الرُّسُلَ أَتَوا قَومَهم مِن كُلِّ جانِبٍ، مُقبِلِين ومُدبِرين، يُرونَهم الآياتِ الماضِيةِ والآياتِ المُستَقبَلةِ، ولكِن لا فائِدةَ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الرُّسُلَ صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه علَيْهم أَتَوا بتَحقِيقِ التَّوحِيدِ لِقَولِه: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، وهَذِه هِي الأصْلُ الأصِيلُ الَّذي دَعَت إلَيْه الرُّسُلُ جَمِيعًا، والدَّلِيلُ على ذَلِك ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وآيَةٌ أصْرَح مِنْها: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ أهْلَ الباطِلِ يُشبِّهون بما لَيس لَه حَقِيقةٌ، وذَلِك حِين رَدُّوا دَعْوةَ الرُّسُلِ بما لا يَصِحُّ أنْ يَكونَ رَدًّا، ف ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، فَهَذه الشُّبهَةُ لَيْست بِحُجَّةٍ، بِدَلِيلٍ أنَّ اللهَ يَقولُ في آيَةٍ أُخرَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩]، وحِينَئذٍ لَو أنْزَلَ اللهُ مَلَكًا لجَعلَه رَجُلًا ولَعادَتِ الشُّبْهةُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: شِدَّةُ عِنادِ المُكذِّبين لِصالِحِ وعادٍ وهُودٍ، ووَجْهُه: أنَّهم حتَّى مَع إثْباتِ الرِّسالةِ لهم، فهُم مُصِرُّون على عِنادِهم، وعَدَم إِيمانِهم بهَؤُلاء الرُّسُلِ، ووَجْهٌ آخَرَ كَأنَّهم يَقولون لِعِنادِهم: لَو آمَنَّا بكُلِّ شَيءٍ، لمْ نُؤمِن بما أُرسِلْتم بِه، يَعنِي: بما أُرسِلتُم به خاصَّة، ووَجْه الخُصُوصِيَّةِ تَقدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ على مُتعَلِّقه، وأيْضًا مِن مَظاهِر العِنادِ لهِؤُلاء أنَّهم أكَّدُوا كُفْرَهم بـ "إنَّ" ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، فَصارَ

стр. 91

تَأكِيدُهم لِكُفرِهم وعِنادِهم مِن عِدَّة أوجُهٍ: أوَّلًا: التَّاكِيدُ بـ "إنَّ". وثانيًا: الحَصْرُ، وذَلِك بتقديمِ ما حقُّه التَّأخيرُ؛ أي: بتقديمِ الجارِّ والمجرورِ على متعلِّقه. وثالثًا: أنَّهُم أَتَوا بِه بالجُملَةِ الاسْمِيَّةِ الدَّالَّةِ على الثُّبوتِ والِاستِمرارِ، بِخِلافِ الفِعلِيَّةِ؛ فهِي دالَّةٌ على الحُدُوثِ وعَدَمِ الِاستِمرارِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المُكذِّبين للرُّسُلِ - وهُم كُفَّارٌ - يُؤمِنون بالمَلائِكةِ، لِقولِه: ﴿لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾. الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: أنَّ المُقرَّ بالرُّبوبيَّةِ لا يُعتَبَر مُؤمِنًا حتَّى يُقِرَّ بالأُلوهيَّةِ؛ لِقَولهِم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾، وهَكَذا الكُفَّارُ الَّذِين بُعِثَ فِيهم الرَّسُولُ ﵊ كانوا مُقِرِّين بالرُّبوبيَّةِ ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ [الزخرف: ٨٧]. ولكِنَّ الإيمانَ بالرُّبُوبيَّةِ لا يكفِي في كَوْنِ الإنسانِ مُسلمًا، لا بُدَّ مِنَ الإيمانِ بالْألُوهِيَّةِ إضافَةً إلَى الإيْمانِ بالرُّبوبيَّةِ، فهُما مُستَلْزِمٌ أحَدُهُما للآخَرِ ومُتضمِّنٌ، المُستَلزِمُ للآخَرِ مَن آمَنَ بالرُّبُوبيَّةِ لَزِمَه أنْ يُؤمِنَ بالألوهيَّةِ، إذَن المُستَلْزَمُ هُو الرَّبُوبيَّةُ، ومَن آمَنَ بالألوهيَّةِ فقَد تضَمَّنَ إيمانُه بالألُوهيَّةِ الإيمانَ بالرُّبُوبيَّةِ، فأحَدُهما مُتضَمِّن للآخَرِ، والثَّاني مُستلزِمٌ للآخَرِ. فَإِنْ قالَ قائِلٌ: هَلْ قَولُه: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، يَدُلُّ على أنَّ الكُفَّارَ كانُوا يُوقِّرُون اللهَ في الأسْماءِ والصِّفاتِ؟

стр. 92

فالجَوابُ: لا، قَد يَكونُ ذَلِك، وقَد يَكونُون أقرُّوا ببَعضِ الأسْماءِ والصِّفاتِ، وهُم يُنكِرُون الرَّحْمَنَ، أيْ: أنَّ البَعْضَ يُثبِتُونها لا شكَّ. * * *

стр. 93

الآيتان (١٥، ١٦) * * * * قالَ اللهُ : ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥، ١٦]. * * * لمَّا ذَكَرَ اللهُ ﵎ أمْرَ النَّبيِّ ﵊ أنْ يُنذِرَ قُريشا بِصاعِقةٍ مِثل صاعِقةِ عادٍ وثَمُودَ، بَيَّن ماذا كان مِن عادٍ، وماذا كان مِن ثَمُودَ، قال جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. (أمَّا) أداةُ شَرْطٍ وتَفصِيلٍ؛ أمَّا كَونُها أداةَ شَرْطٍ؛ فَلأنَّ لها شَرْطًا وجَزاءً؛ ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾، وأمَّا كَونُها أداةَ تَفصِيلٍ؛ فلأنَّها تَأتِي كذَلِك في التَّفصِيلِ؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦]، ﴿(٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٨، ٩]. فَهِي إذَنْ حَرْفُ شَرْطٍ وتَفصِيلٍ. قَولُه تَعالَى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ اسْتكبَروا أيْ أصابَهم الكِبْرُ، وإنَّما أَنْتِ السِّينُ والتَّاءُ لِلمُبالَغةِ؛ أيْ: تَكبَّروا تَكبُّرًا عَظِيمًا. وقَولُه: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ هَذه لَيْستْ صِفةً مُقيَّدةً، ولَكِنَّها صِفةٌ كاشِفةٌ؛ لأنَّ كُلَّ استِكْبارٍ في الأرْضِ فإنَّه بغَيْرِ الْحَقَّ، فالِاستِكبارُ لا يَنقَسِمُ إلَى قِسمَين، بل هُو قِسْمٌ

стр. 94

واحِدٌ، فكُلُّ استِكبارٍ فإنَّه بغَيْرِ حقٍّ، ويُسمَّى مِثْلُ هَذا القَيْدِ صِفةٌ كاشِفةً؛ أيْ: تَكشِفُ ما سَبَقَ وتُبيِّنُ حقَيقَتَه. فإِنْ قالَ قائِلٌ: هَل مِثلُه قَولُه تَعالَى: ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ فالجَوابُ: نَعَم مِثلُها، فهِي صِفَةٌ كاشِفَةٌ. إذَن: فحَقِيقَةُ الِاستِكبارِ أَنَّه بغَيْرِ حقٍّ، والحقُّ ضِدُّ الباطِلِ، والباطِلُ إمَّا أنْ يَكونَ في الخَبَرِ، وإمَّا أنْ يَكونَ في الطَّلَبِ. فأمَّا الباطِلُ في الخبرِ فَأنْ يَكونَ كَذِبًا، وأمَّا الباطِلُ في الحُكم فَأنْ يَكونَ جَوْرًا، وقَولُه تَعالَى: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، يَشمَلُ الأمْرَيْن؛ يَشْمَلُ دَعْواهم أنَّ هَذه آلهِةٌ وهَذه دَعوَى كاذِبَةٌ، ويَشمَلُ عَمَلَهم لهِذِه الآلِهَةِ، وهُو جَورٌ وظُلمٌ، حَيثُ يَعدِلون المَخلُوقَ بالخالِقِ. وقولُه: ﴿وَقَالُواْ﴾ يَعنِي: مِن جُملَةِ ما اسْتَكبَروا بِه؛ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَقَالُواْ﴾ لمَّا خُوِّفُوا بالعَذابِ ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، أي: لا أحَد]، و ﴿مَنْ﴾ هُنا استِفْهامٌ بمَعنَى النَّفْي والإنْكارِ. وقَدْ كرَّرْنا مِرارًا أنَّ الِاسْتِفهامَ إذا كان بمَعنَى الإنْكارِ والنَّفي صارَ أبْلَغَ مِن النَّفيِ المُجرَّدِ؛ لأنَّه يَتَضمَّنُ التَّحدَيَ. ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ ﴿مَنْ﴾ اسْمُ استِفْهامٍ مُبتَدأٌ، و ﴿أَشَدُّ﴾ خَبَرُ مُبتَدأٍ، و ﴿قُوَّهً﴾ تمَيِيزٌ لـ ﴿أَشَدُّ﴾، ومنَ الضَّوابِطِ الغالِبةِ: أَنَّه إذا أَتَى الِاسْمُ مَنصُوبًا بَعْدَ اسْمِ التَّفضِيلِ كان تمَيِيزًا. يَقولُ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾؛ أي: لا أحَدَ، ، ثُمَّ ذَكَرَ المُفَسِّرُ نَمُوذَجًا مِن قُوَّتِهم، فقال: [كان واحِدُهم يَقلَعُ الصَّخْرةَ العَظِيمةَ مِن الجَبَلِ يَجعَلُها حَيثُ

стр. 95

يَشاءُ]، وهَذا المِثالُ قَد يكونُ حَقًّا وقَد يَكونُ إسرائِيليًّا؛ لأنَّه مِنَ المَعْرُوفِ أنَّ عادًا كانُوا يَعمَلُون بالنَّحت، وإذا ثَبَتَ فيمكِن أنْ يَحمِلُوا الجَبَلَ؛ ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١]، والمَعرُوف أنَّ الأحْقافَ كُلُّها جِبالٌ رَملِيَّةٌ. لَكِن سَواءٌ صَحَّ هَذا المِثالُ أوْ لَم يَصِحَّ، فإنَّهم كانوا - بلا شكَّ - أقوِياءَ أشِدَّاءَ. ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال اللهُ ﵎ رادًّا عَلَيهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، يَقولُ المُفَسِّرُ ﵀: أيْ: [يَعلَموا ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾]، وَهَذا تَقرِير لِكَونِ اللهِ تَعالَى هُو أشَدَّ مِنْهُم قُوَّةً. قال تَعالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ وَلمْ يَقُلْ: (إنَّ اللهَ أشَدُّ)، بلْ قالَ: ﴿خَلَقَهُمْ﴾؛ لِيُبيِّن ضَعفَهم، وأنَّهم مَخلُوقُون، وأنَّ الخالِقَ سَوفَ يَكونُ أقْوى مِنهم، فالَّذِي خَلَقهم أشَدُّ مِنْهُم قُوَّةً؛ لِأَنَّه هُو الَّذي أعْطاهم القُوَّةَ، ومُعْطِي الكَمالَ أوْلَى به، وهَذه هِي الحِكمَةُ مِن كَونِه تَعالَى قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾، ولَم يَقُل: أوَلَم يَعلَموا أنَّ الله الَّذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرْضَ، أوْ أنَّ الله هُو أشَدُّ مِنْهم قُوَّةً لِيُبيِّن ضَعفَهم وأنَّهم مَخْلُوقُون ضُعفاءُ. قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾، قَولُه: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ مَعطُوفةٌ على قَولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿بِآيَاتِنَا﴾ المُعجِزات ﴿يَجْحَدُونَ﴾]، يَعنِي يُكذِّبون؛ لأنَّ الجَحْدَ هُو التَّكذِيبُ والإنْكارُ، لا سيَّما وهُو مُعدًّى بالباءِ الدَّالَّةِ على ذلِك. وقَولُ المُفسِّرِ: [﴿بِآيَاتِنَا﴾ المُعجِزات] فِيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الآياتِ هِي العَلاماتُ والدَّلالاتُ على الخالِق ولَيْست مُعجِزاتٍ.

стр. 96

وقَد ذَكَرنا أنَّ المُعجِزاتِ تَأتِي آيات، وتَأتِي مِن الشَّياطِينِ بِواسِطةِ السَّحَرةِ وغَيْرِ ذلِك، لكِن إذا قُلْنا: "آياتٍ" صار مَعناها عَلاماتٌ دالَّةٌ على الحَقِّ. يَقولُ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، بارِدةٌ شَديدَةُ الصَّوْتِ بِلا مَطَرٍ]. قَولُه تَعالَى: ﴿رِيحًا صَرْصَرًا﴾، ﴿رِيحًا﴾ هُنا نَكِرَةٌ يُرادُ بِها التَّعظِيمُ؛ أيْ: رِيحٌ عَظِيمةٌ صَرْصرٌ شَدِيدَةُ الصَّوْتِ، تَسْمَعُ لها صَوتًا كالرَّعدِ مْن شِدَّتِها وشِدَّةِ اصْطِدامِها بالهَواءِ والأشْجارِ والأحْجارِ والبُيوتِ. وقَولُ المُفَسِّرِ: [بِلا مَطَرٍ] الظَّاهِرُ أنَّها لا يَدُلُّ علَيْها السِّياقُ المَوجُودُ الآنَ، المَوجُودُ في هَذه الآيَةِ لا يدُلُّ على أنَّها بِلا مَطَرٍ - فِيما ظَهَر لِي - لَكِنَّه قَدْ دَلَّ علَيْه قَولُه تَعالَى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، يَعنِي: الَّتي لَيسَ فيها مَطَرٌ؛ لأنَّ المَطَرَ مِن أسْبابِ الرِّياحِ، يُرسِلُها اللهُ تَعالَى ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [الروم: ٤٨]، لَكِنَّ رِيحَ عادٍ لَيسَ فِيها ذَلِك. يَقولُ المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ بِكَسر الحاءِ وسُكُونِها، مَشؤُوماتٌ عَلَيهِم]. قَولُه تَعالَى: ﴿فِي أَيَّامٍ﴾ هَذِه الأيَّامُ بيَّن اللهُ قَدْرَها في آياتٍ أُخرَى في قَولِه: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٧]، ابْتدَأت بِالفَجْرِ، وانْتَهت بِه أو بِالغُرُوبِ. ابْتدَأتْ بِالفَجْرِ، فانْظُرْ: الأوَّلُ والثَّاني والثَّالثُ والرَّابعُ والخامِسُ والسَّادِسُ والسَّاجُ، سَبع لَيالٍ وثَمانيةُ أَيَّامٍ تَنتَهي بالغُرُوبِ، وسَبْعُ لَيالٍ؛ لِأنَّ اللَّيلَةَ الأُولَى حُذِفَتْ.

стр. 97

فإِنْ قالَ قائِل: قَولُ اللهِ : ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ فِيه إضافَةُ النَّحْسِ إلَى الأيَّامِ؟ فالجَوابُ: لا بَأْس بِه، كَما قال لُوطٌ ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]، وَهَذا إذا كان المُرادُ بِه مجُرَّدُ الخَبَرِ، كَما هُنا، وأمَّا إذا كان المُرادُ بِه العَيْبَ والسَّبَّ فإنَّه لا يجوزُ. فَإذَن يَكونُ هَذا السَّبُّ أوِ العَيْبُ إمَّا أنْ يَكونَ على سَبِيلِ الإِخْبارِ أو على سَبِيلِ السَّبِّ، على الأوَّلِ جائِزٌ وعلى الثَّاني غَيْرُ جائِزٍ. نَظِيرُ ذلِك: إخْبارُ المَرِيضِ بما يَجِدُ، فأحْيانًا يَسْألُه الصَّاحِبُ: كَيف أَنْتَ البارِحةَ؟ فَيَتَشكى ويَقولُ: واللهِ ما نِمْتُ البارِحةَ؛ آلامٌ في الرَّأسِ، في الرَّقبةِ، في الظَّهْرِ، في البَطْنِ، في الرِّجلَيْن، هَذا إذا قالَه على سَبِيلِ التَّشَكِّي فَلا يَجُوزُ؛ لأنَّه يُنافي الصَّبْرَ، وإذا قالَه على سَبيلِ الإخْبارِ فَلا بَأسَ بِه؛ ولِهَذا بَعْضُ المَرضَى يُقدمُ فَتقولُ إخْبارًا لا شَكوى: حَصَل لِي كَذا وكَذا. يَقولُ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ والذَّلُّ ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾]، اللَّام لِلعاقِبةِ، ويَحتَمِلُ أنْ تَكون للتَّعلِيلِ وكِلاهُما صَحِيح، فإنَّ اللهَ تَعالى أرْسَل علَيْهمُ الرِّيحَ العَقِيمَ لهَذا الغَرَضِ، أوْ أرْسَلَ علَيهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ حتَّى كانَتْ عاقِبتُهم أنْ ذاقُوا ﴿عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ يَعنِي: هَذه الحَياةُ الَّتي نَحياها، وسُمِّيَتْ دُنيا لِوَجهَيْن: الوَجْهُ الأوَّل: لدَناءَتِها وحَقارَتها بالنِّسْبَةِ للآخِرَةِ؛ لأنَّ مَوضِعَ سَوْطِ الإنْسانِ في الجنَّةِ خيْرٌ مِن الدُّنْيا وما فِيها؛ ولأنَّها أيْضًا دُنْيا مُنَغِّصةٌ لا تَكادُ يَمُرُّ بِكَ الشَّهْرُ إلَّا وقَد وَجَدتَ تَنْغِيصًا، بَلْ أقَلَّ مِن ذَلِك، كَما قال الشَّاعِر (١):

стр. 98

فَيَومٌ عَلَينا ويَوْمٌ لَنا ... ويَوْم نُساءُ ويَوْم نُسَرُّ الوَجْهُ الثَّاني: لدُنُوِّها لأنَّها سابِقَة للآخِرَةِ فهِي أدْنَى إلَى المَخْلُوقاتِ مِن الآخِرَةِ، كما قال تَعالَى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ٢٣]؛ أي قَريبَةٌ. يَقولُ المُفَسِّرُ ﵀: [﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أشَدّ ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾، بمَنْعه عَنْهم]، اللَّام في قَولِه: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ يُسمُّونها لامَ الابْتِداءِ وهِي للتَّوكِيدِ؛ ولِذلِك إذا جاءَتْ (إنَّ) تُزَحْلِقُ اللَّامَ فتُؤَخَّرُ عَن مَكانِها وتَكونُ في المُتَأخِّرِ مِن اسْمِ (إنَّ) أوْ لِخَبَرِها، وإنَّما زَحلَقْناها لِئَلَّا يَجتَمِعَ في أوَّلِ الكَلامِ مُؤكِّدان مُتَوالِيان؛ ولِهَذا نَقولُ: إنَّ اللامَ في قَولِه: ﴿وَلَعَذَابُ﴾ هِي لامُ الِابْتِداءِ وتُفِيدُ التَّوكِيدَ، ويَدُلُّ هَذا على أنَّها مَع (إنَّ) تُزَحْلَق حتَّى تَبْعُد عَنْها. قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ يَعنِي: أشَدَّ خِزْيًا والعِياذُ باللهِ؛ لِأنَّ عَذابَ الدُّنْيا لا يَسْمَعُ به مَن سَبَقَ، ولا يَراه مَن لَحِقَ، لا يَسْمَعُ بِه مَن سَبَقَ؛ لِأنَّه جاء بَعْدَهم، فالقَوْمُ الَّذِين قَبْلَ عادٍ ما عَلِموا بذَلِك، والقَوْم الَّذِين بَعْدَهم ما رَأوْه، سَمِعوا بِه ولَم يَرَوه، لَكِن في الآخِرَةِ سَماعٌ ورُؤيَةٌ والعِياذُ باللهِ، الَّذي يُعَذَّب في الآخِرَةِ سَماعًا ورُؤيَةً يَسمَعُه كُلُّ أحَدٍ؛ السَّابِقُ واللَّاحِقُ، ولِهَذا قال: ﴿أَخْزَى﴾، ثُمَّ هُو أيْضًا ﴿أَشَدُّ﴾ كَما قال تَعالَى في آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٢٧] أشَدُّ وأعْظَمُ مِن عَذابِ النَّارِ، أعاذَنا اللهُ وَإيَّاكم مِنْها. قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾، هَذِه استِئْنافِيَّةٌ يَعنِي: إنَّهم في الآخِرَةِ لا أحَدَ يَنْصُرُهم، ففِي الدُّنيا رُبَّما يُنصَرُ الإنْسانُ مِن العَذابِ بِدَفْعِه قَبْل وُقُوعِه أوْ رَفْعِه بَعْد وُقُوعِه، لَكِن في الآخِرَةِ لا ناصِرَ.

стр. 99

مِنْ فَوائِدِ الآيَتين الكَرِيمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ عِظَمِ استِكْبارِ هَؤلاء المُكذِّبين لنَبِيِّهم، أعْنِي: عادًا؛ لِقَولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بَيانُ طُغيانِ الإنْسانِ وأنَّ الإنْسانَ لا حَدَّ لِطُغيانِه؛ لأنَّ وُصُولَه إلَى هَذِه الدَّرَجةِ ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ يَدُلُّ على الطُّغيانِ العَظِيمِ والكِبْرِياءِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حِكْمَةُ اللهِ بِأخْذِهم بِالعَذابِ؛ حَيْثُ أُخِذوا بِما هُو ألْطَفُ الأشْياءِ وَهُو الرِّيحُ، الرِّيحُ اللَّطِيفةُ الَّتي يَكونُ بِها إنْعاشُ البَدَنِ وتَقْوِيَتُه ونَشاطُه، هِي الَّتي أُهْلَك بِها عادًا؛ لِأنَّهم قالُوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، وانْظُر إلَى فِرعَونَ حِينَ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزُّخرُف: ٥١ - ٥٢]، عُذِّبَ بِالماءِ الَّذي كان بالأمْسِ يَفْتَخِرُ به. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَلاغَةُ القُرآنِ في الإقْناعِ وإقامَةِ الحُجَّةِ؛ لقَوْلِه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، وجْهُ ذلِك أنَّه قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جَوازُ عَقْدِ المُفاضَلَةِ بَيْن الخالِقِ والمَخْلوقِ؛ لِقَولِه: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ مَع أنَّه أشَدُّ مِن كُلِّ أحَدٍ، لَكِن المَقامَ مَقامُ محُاجَّةٍ، ومَقامُ المُحاجَّةِ لا بَأس أنْ تُذْكرَ فِيه المُفاضَلةُ بيْن المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيه، ونَظِيرُ هَذا -بلْ أبْلَغ مِنْه- قَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، لَيْس في أصْنامِهم خَيرٌ، لَكِنَّ هَذا مِن بابِ المُحاجَّةِ، وأنَّ الإنْسانَ يُحاجُّ الخَصْمَ بِما يُقِرُّ بِه. يَتفَرَّعُ على هذا مِن الفوائدِ: خطأُ مَن يُفسِّرُ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ٥٥]

стр. 100

﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥] وما أَشْبهَ ذلك؛ حيثُ يُفسِّر أعلمَ بعالمٍ - كالجلالَين رَحِمَهُمَا اللهُ- هذا خَطأٌ عَظيمٌ وتَحريفٌ لِلقُرآنِ، أَعْلَمُ أَبلغُ من عالمٍ؛ لأنَّ أَعْلمَ يَمنعُ المُشاركَةَ، وعالمِ لا يَمنعُ المُشاركةَ، تَقولُ: فُلانٌ عالمٌ، وفُلانٌ عَالمٌ، وفُلانٌ عالمٌ، لكن إذا قُلتَ: فُلانٌ أَعلمُ، معناها أنَّه لا يُساويه أحدٌ في دَرجتِه، فتَفسيرُ أَعلم بعالمٍ لا شكَّ أنَّه تَحريفٌ للقُرآنِ وقُصورٌ عَظيمٌ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيانُ أنَّ هؤلاءِ المُكذِّبين لهُودَ ﷺ وهم عادٌ جَمَعوا بينَ الأمرَينِ، جَمَعوا بين الاستِكبارِ وبَينَ التَّكذيبِ، الاسْتِكْبارُ في قولِه: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [فُصِّلَت: ١٥]، والتَّكذيبُ في قولِه: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٥]. الْفَائِدَةُ السَّابعَةُ: أنَّ اللهَ أَرسَلَ الرُّسلَ بالآياتِ وأَقامَ البَيِّناتِ والبَراهينَ على أنَّه الحقُّ، وأنًّ رَسولَه حقٌّ؛ لقولِهِ: ﴿بِآيَاتِنَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الرِّياحَ تَجري بأَمْرِ اللهِ؛ لقولِه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ [فُصِّلَت: ١٦]، ولا شكَّ أنَّ كلَّ شَيءٍ يَجري بأمْرِ اللهِ، حتَّى أَفْعالُ البَشرِ تَكونُ بأَمْر اللهِ كما هو مَذهَبُ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، فكُلُّ شيءٍ يَسيرُ بأَمْرِ اللهِ الرِّياحُ السَّحابُ البِحارُ الأنْهارُ، كُلُّها تَجْري بأمرِ اللهِ . الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: بَيانُ حال هذه الرِّيحِ الَّتي أَهلكَ اللهُ بها عادًا، وأنَّها ريحٌ صَرْصَرٌ شَديدةٌ، وفي آياتٍ أُخرَى ما يَدُلُّ على أنَّها ليس فيها مَطَرٌ وليس فيها خَيرٌ، بل هي عَقيمَةٌ مِن الخَيرِ كُلِّه. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: حِكمَةُ اللهِ في مجُازاةِ مَن يستَحِقُّ الجَزاءَ؛ حيثُ يُجازَى بمِثلِ عَملِهِ، ولهذا يَقولُ العُلماءُ: الجَزاءُ مِن جِنسِ العَمَلِ، ووَجهُ ذلك أنَّ اللهَ

стр. 101

أَرسلَ على هَؤلاءِ المستكبِرين الَّذين يَقولون مَن أَشَدُّ منَّا قُوَّةً الرِّيحَ اللَّيِّنةَ الهَيِّنةَ، ومن حِكمةِ اللهَ في هذا العَذابِ أنَّها لم تَكُنْ تَجرُفُهم في آنٍ واحدٍ، بل سُلِّطت عليهم سبعَ لَيالٍ وثَمانيَةَ أيَّامٍ، ليَكونَ هذا أَشَدَّ في استِمْرارِ العُقوبَةِ؛ لأنَّ الإنْسانَ المُعاقَبَ لو عوقِبَ بما يُهلِكُه فورًا لكان ينتهي من العُقوبَةِ، لَكِنْ إذا كانت العُقوبَةُ تأتي عليه في ساعاتٍ أو أيَّامٍ صار هذا أَشَدَّ. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ أنَّ أفعالَ اللهِ تَعالَى مَقرونَةٌ بالحِكمةِ؛ لقوله: ﴿لِنُذِيقَهُمْ﴾ [فُصِّلَت: ١٦]، وهذا مَذهبُ أهلِ السُّنَّة والجماعَةِ: أنَّ أفعَالَ اللهِ تَعالَى مَقرونَةٌ بالحِكمةِ، وأنَّ شرعَه مَقرونٌ بالحِكمةِ، فكُلُّ ما شَرَعه أو قدَّرَه، فإنَّه لحِكمةٍ، منها ما هو مَعلومٌ، ومنها ما ليس بمَعلومٍ، مِثْلَ: الصَّلواتِ الخَمسِ ما نعلمُ الحِكمَةَ في أنَّها خَمسٌ؛ لأنَّ عُقولَنا قاصِرةٌ، لكنَّنا نعلمُ أنَّ اللهَ لا يَفعلُ شيئًا إلَّا لحِكمةٍ، ولهذا كان جَوابُ عائِشَةَ ﵂ لمُعاذَةَ أن قالت: "كان يُصيبُنا ذلك فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ" (١) يعني: وإذا كان الأَمرُ كذلك نُؤمَرُ بقَضاءِ هذا دون هذا فهذا لا بُدَّ أن يَكونَ لحِكْمةٍ. ومن عُلماءِ الأُمَّة وفِرَقِها مَن يَقولُ: إنَّ أفعالَ اللهِ لا تُعَلَّلُ، ليس لها حِكمةٌ، وشَرْعَه ليس له حِكمَةٌ، يُفعلُ لمجرَّدِ المَشيئَةِ، يُحكَمُ بالشَّرعِ لمُجرَّد المَشيئَةِ، وهؤلاء لا شكَّ أنَّهم وَصَفوا اللهَ بالنَّقصِ والسَّفَهِ، وقد أَنكَرَ اللهُ على ذلك بقولِه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ

стр. 102

أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، والآياتُ في هذا كَثيرةٌ، وكُلُّ آيةٍ فيها لامُ التَّعليلِ فإنَّها تَدُلُّ على الحِكمةِ. وآخَرونَ عَكَسوا وقالوا: إنَّ أفعالَ اللهِ مُعلَّلةٌ بحِكمةٍ، وأنَّه يَجبُ عليه أن يَفعلَ ما تَقتَضيه الحِكمةُ، وأن يُشرِّعَ ما تَقتَضيه الحِكمَةُ، وهؤلاء أصابوا مِن وَجهٍ وأَخطَؤوا مِن وَجهٍ، فإنْ أَرادوا بذلك أنَّنا نُوجبُ على اللهِ أن يَفعلَ ما تَقتَضي عُقولُنا أنَّه الحِكمةُ فهذا غَلطٌ، وإنْ أرادوا أنَّ اللهَ أَوجَبَ على نَفسِه أن يَفعلَ ما بِه الحِكمةُ؛ لأنَّه حَكيمٌ، فهذا صَحيحٌ. ونحنُ لا نشكُّ أنَّ الحكمَةَ هي مُرادُ اللهِ وأنَّه لا يَفعلُ شيئًا ولا يَحكُمُ شيئًا إلَّا لحِكمَةٍ، لكن هل نحنُ الَّذين نُقدِّر الحكمةَ ثمَّ نُوجبُ على اللهِ أن يَفعلَ؟ هذا هو الخَطأُ. فالثَّاني هذا مَذهَبُ المُعتزِلَةِ، والأَوَّل مَذهبُ الأشاعِرَةِ وأَتْباعِهم. والصَّوابُ الوَسَطُ، ودائمًا خيرُ الأُمورِ الوَسَطُ، وهو أنَّ اللهَ يَجِبُ عليه أن يَفعلَ لإيجابِه على نفسِه الحِكمَةَ؛ لأنَّه نفى أن يَكونَ فعلُه عبثًا أو لَعِبًا أو باطلًا، وهذا يَقتَضي أنَّه يَفعلُ الأَشْياءَ لحِكمَةٍ، لكنَّنا لَسنا نَحنُ الَّذينَ نوجبُها على اللهِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ عذابَ الآخِرَةِ أَشدُّ من عَذابِ الدُّنيا؛ لقولِهِ: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ بالعُقوبتَينِ: عُقوبَةِ الدُّنيا وعُقوبَةِ الآخِرَةِ؛ لقولِه: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾. أَمَّا المُؤمنُ فإنَّ اللهَ تَعالَى لا يَجمعُ عليه عُقوبتَينِ، إذا عوقِبَ بالذَّنبِ في الدُّنيا لم يُعاقَبْ به في الْآخرَةِ؛

стр. 103

لقولِه ﵎: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]؛ ولأنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِه وسلَّم- "أَخبَرَ أنَّ مَن أتى شيئًا مِن هذه القَاذوراتِ -يَعني المَعاصي-، فعوقِبَ به في الدُّنيا لَمْ يُعذَّبْ به في الْآخرَةِ" (١)، فالمُؤمنُ إذا عوقِبَ في الدُّنيا عَلى عَمَلِه لَمْ يُعاقَبْ في الآخِرَةِ، والكافر يُعاقَبُ بهذا وهذا. وانظُرْ إلى قولِه تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٦٩] حيثُ قال: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ فإمَّا أنْ يَكونَ المُرادُ أنَّ عَذابَ الآخِرَةِ أَشدُّ فيَكونُ بالنِّسبَةِ لشِدَّتِه مُضاعفًا، وإمَّا أنْ يَكونَ هو الجَمعُ له بَينَ عَذابِ الدُّنيا وعَذابِ الآخِرَةِ. وقولُنا: "إنَّه يَجمعُ له بَينَ عَذابينِ" ليس مَعْناه أنَّه حتميٌّ، لكن نَقولُ: إنَّه إذا عُذِّب بذَنْبِه في الدُّنيا لم يَسلَمْ من تَعذيبِه به في الآخِرَةِ، حتَّى لا يَرِدُ علينا أنَّ الكُفَّار الآنَ يَموتون وهم في غايةِ ما يَكونُ من السُّرورِ والعافيةِ والأَمْوالِ والأَولادِ ولم يَجِدوا عَذابًا، والمَعْنى أنَّهم لم يَجِدوا عَذابًا يُشاهدُ لكنَّ العَذابَ القَلبيَّ عندهُمْ لا شكَّ أنَّه مَوجودٌ، فأَشَدُّ النَّاس عذابًا قَلبيًّا وقلقًا هم الكُفَّار، وكلَّما كان الإنسانُ أَعْصى لربِّه كان أَشدَّ قلقًا وأقلَّ راحةً، وكُلَّما كان أَشدَّ إيمانًا وعملًا صالِحًا كان أَشدَّ طُمأنينَةً. واستمعْ إلى قَولِه تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] ولم يَقُلْ :

стр. 104

لنُعطينَّهم مالًا كثيرًا، لا لنُحيينَّه حياةً طيِّبةً ولو كان فقيرًا، فتَجِدُ حياتَه طيِّبةً مُطمئِنَّ البالِ مستريحًا لا يَهتمُّ بشيءٍ إلَّا بما يُرضي اللهَ . فإِنْ قال قائِلٌ: هل مُعاقَبَةُ المُؤمنِ على الذَّنْبِ في الدُّنيا دون الآخِرَةِ يَشملُ حتَّى ولو لم يَتُبْ فعوقِبَ وهو مُصِرٌّ على ذَنْبِه كالزَّاني مَثلًا؟ فالجَوابُ: نَعَمْ، لأَنَّه إذا تاب فلا يُعاقَبُ لا في الدُّنيا ولا في الآخِرَةِ. وإن قيل: أليس التَّائبُ مِن الذَّنْب كمَنْ لا ذَنْبَ له، عَكْسُها أنَّه كَمَنْ عليه ذَنْبٌ، يعني ما استفاد مِن هذه العُقوبَةِ وما ارتدع؟ فالجَوابُ: أنَّه إذا عوقِبَ مُحِيَ عنه إِثْمُ ما سَبَقَ؛ لأنَّه أَخَذَ جزاءَه وانتهى، لكن قد يُؤخَّرُ له العَذابُ إلى يوم القيامة، ولهذا إذا أَحَبَّ اللهُ قومًا عجَّل لهم العُقوبَةَ في الدُّنيا حتَّى لا يُخزَونَ بها يومَ القيامَةِ. وإن قيل: لو عوقب الآنَ ثُمَّ مات مُباشرةً قبل أن يَفعلَ الذَّنبَ الآخَرَ هل يُعاقبُ بنِيَّةِ عدمِ التَّوبَةِ؟ فالجَوابُ: إنِ استمرَّت النِّيَّةُ بعدَ العُقوبَةِ، فهذا رُبَّما يُعاقَبُ على نِيَّتِه لا على فعله. وإن قيل: الَّذي يُعاقَبُ في نيَّتِه هل يُعاقَبُ إذا لم يُباشِرِ الفِعلَ؟ فالجَوابُ: لا، العِقابُ على النِّيَّة إذا نوى الإنسانُ فِعْلَ المَعصيَةِ، إمَّا أن يُدافِعَ هذهِ النِّيَّةَ ويَدَعُ المَعصيَةَ لله فهذا يُثابُ، وإمَّا أن يستمرَّ على نِيَّتِه وَيعزِمُ ولكنَّه يَعجَزُ فهذا يُعاقَبُ على نِيَّتهِ. وإِنْ قال قائلٌ: هل عَذابُ القبرِ مُتَّصِلٌ إلى يومِ الْقيامَةِ؟

стр. 105

فالجَوابُ: عَذابُ القَبرِ بالنِّسبَةِ للمُؤمنِ قد يَنقطِعُ، فيُعذَّبُ بقَدْرِ ذُنوبِه ثُمَّ يَنقطِعُ، وبالنِّسبَةِ للكافِرِ فإِنَّ الظَّاهرَ استمرارُهُ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّه لا ناصِرَ للمُعذَّبين يومَ القيامَةِ؛ لقولِه: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ وهذه لها شواهِدُ، ومنها قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ٩ - ١٠]، وكذلك هم يُقِرُّون: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١]، ثم قال: ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. * * *

стр. 106

الآية (١٧) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت: ١٧]. * * * أمَّا التَّقسيمُ الثَّاني فقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بيَّنَّا لهم طَريقَ الهُدى. ﴿ثَمُودُ﴾ بِلا تَنوينٍ و (عادٌ) بتَنوينٍ؛ لأنَّ (ثمودَ) مَمْنوعَةٌ مِن الصَّرفِ و (عاد) ليست مَمْنوعَةً مِنَ الصَّرفِ، والصَّرفُ جرُّ ما لا يَنْصرِفُ بالفَتْحةِ أو عَدمُ التَّنوينِ، قال ابنُ مالكٍ (١): الصَّرفُ تَنوينٌ أتى مُبيِّنًا ... مَعْنى به يكونُ اسمٌ أَمْكَنا يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بَيَّنَّا لهم طَريقَ الهُدَى]، فالهِدايَةُ هنا هِدايَةُ بَيانٍ، يعني بَيَّنَ لهمُ الحَقَّ. واعلم أنَّ كُلَّ مَن كَفَرَ فإِنَّه كَفَرَ بعدَ أن تَبيَّنَ له الحَقُّ إذا جاءَه الرَّسولُ؛ لأنَّ الرُّسلَ -عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ- يُبَيِّنون الحَقَّ لا يَدَعونَ شيئًا يَحتاجُ إلى بَيانٍ إلَّا بيَّنوه، قال هُنا: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: بَيَّنَّا لهم طَريقَ الحقِّ، فالهِدايَةُ هُنا هِدايَةُ بَيانٍ وإِرْشادٍ. يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ اختاروا الكُفْرَ عَلى الهُدَى]؛ أي:

стр. 107

هِدايَةُ التَّوفيقِ، يَعني على الاهْتِداءِ، استحبُّوا العَمَى الَّذي هو الكُفْرُ على الهُدَى الَّذي هو الإسلامُ. قال اللهُ تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٧]، أَخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ يَعني عَذابَ الصَّاعقَةِ؛ لأنَّ ثَمودَ صِيحَ بهم ورُجِفَ بهم، فصُعِقوا هَلَكوا هَلَكَةَ رَجلٍ واحدٍ ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] والعِياذُ باللهِ على رُكَبِهِمْ هامِدينَ. وقولُهُ: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ أيِ العَذابُ [المُهينُ] لأنَّ الهونَ هو الإذلالُ. وقولُهُ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الباءُ) للسَّببيَّة، و (ما) إمَّا موصولَةٌ، وعليه فيَكونُ عائدُها محذوفًا، التَّقديرُ: بما كانوا يَكسِبونَهُ، وإمَّا أن تَكونَ مَصدريَّةً فلا تَحتاجُ إلى عائدٍ، ويَكونُ التَّقديرُ: بِكَسْبِهِمْ. مِن فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ اللهَ تعالَى أَبْلغَ رِسالاتِه كُلَّ أحدٍ ولم يَدَعْ أحدًا بلا هِدايةٍ دَلالَةً؛ لقولِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ﴾ وهذه الجُملةُ التَّفصيليَّةُ كما سبق في التَّفسيرِ معطوفةٌ عَلَى ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الهِدايةَ ليست مَقْصورَةً على هِدايةِ التَّوفيقِ، ولكنَّها تُطلَقُ على هِدايةِ الدَّلالَةِ والبَيانِ؛ لقولِهِ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي: دَلَّلناهُمْ على الحَقِّ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على الجَبرَّيةِ الَّذين قالوا: إنَّ الإنسانَ مُجْبَرٌ على عَملِهِ، يُؤخَذُ من قَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ لأنَّ استَحبُّوا تَدُلُّ على اخْتيارِهِمْ لهذا الشَّيءِ، وأنَّهمْ آثَروه على الهُدَى.

стр. 108

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ من لم يَتَمَشَّ على هُدَى اللهِ فإنَّه أَعْمى، يُؤخَذُ من قول اللهِ تَعالَى: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾، وإذا كانوا مُبْصرينَ بأَعينِهِمْ فهُمْ عُمْيُ البَصائِرِ، إذن نَأخُذُ من ذلك فائدةً، وهي أنَّ العَمى نَوعانِ: عَمَى بَصَرٍ وعَمَى بَصيرَةٍ، وأَشدُّهُما عَمَى البَصيرَةِ، فكم مِن إنسانٍ أَعْمى البَصَرِ، لكنَّه مُبْصِرُ البَصيرَةِ، وكم من إنسانٍ مُبْصِرِ البَصَرِ لكنَّه أَعْمى البَصيرَةِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَعجيلُ العُقوبةِ لمَنْ آثَرَ العَمَى على الهُدَى، يُؤخَذُ مِن قولِه تَعالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أنَّ الفاءَ للتَّرتيبِ والتَّعقيبِ هذا وَجْهٌ، ووَجْهٌ آخَرَ أنَّ الفاءَ هنا للسَّببيَّةِ والمُسبَّبُ يَعْقُبُ السَّببَ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التَّحذيرُ من إيثارِ العَمَى على الهُدَى، وأنَّ الإنسانَ إذا بُيِّنَ له الحقُّ، ولكنَّه عَمِيَ عنْه فإنَّه جَديرٌ بأن يُعاقِبَه اللهُ لأنَّ اللهَ أَخْبرنا بأَخْذِهِمْ لنَحْذَرَ من ذلك، فأَخْبَرنا اللهُ تَعالى بعُقُوبتهمْ حينَ خالفوا لِنَحْذَرَ من ذلك، ودَليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١] هذا دَليلٌ، ودَليلٌ آخَرُ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: ١٠]. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ ثَمودَ أُهلِكوا بِصاعِقَةٍ أي بشيء صُعِقوا به، وهَلَكوا، وقد بَيَّنَ اللهُ في آيَةٍ أُخْرَى أنَّهم أَخَذَتْهمُ الرَّجفَةُ، فيَكونُ أُخِذوا بالرَّجفَةِ، حتَّى صُعِقوا وهَلَكوا. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ هؤلاءِ الَّذين غَرَّهم الْكِبْرُ أُهينوا وأُذِلُّوا، نَأْخُذُها مِن قولِه تَعالَى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ يَعني: عَذاب الذُّلِّ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إِثباتُ الأَسبابِ، لقولِه: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ والباءُ هنا للسَّببيَّةِ.

стр. 109

واعلمْ أنَّ اللهَ تعالى لن يَحكمَ حُكمًا شرعيًّا ولا حُكمًا قَدريًّا ولا حُكمًا جَزائيًّا إلَّا لسببٍ، هذه خُذْها قاعِدَةً لن يَحْكُمَ حُكمًا شرعيًّا كالإيجاب والتَّحريمِ والإباحَةِ، ولا قَدَريًّا كالخَلْقِ والتَّكوينِ، ولا جَزائيًّا إلا لسببٍ نعلمُ ذلك عِلْمَ اليَقينِ، ونَأخُذُه من أنَّ اللهَ تَعالَى حَكيمٌ، والحَكيمُ هو الَّذي يَضَعُ الأشياءَ مَواضعَها لا يُمكنُ أن يَكونَ فعلُ اللهِ فَلتةً ولا صُدفةً ولا لَغوًا ولا لَعِبًا، بل لا بُدَّ له من سَببٍ اقتَضاه، لكن هل كُلُّ سببٍ اقتَضى حُكمَ اللهِ يَكونُ مَعلومًا للخَلقِ؟ الجواب: لا، لأنَّ الخَلقَ أَعجزُ مِن أن يُدْرِكوا حِكمةَ اللهِ وكم من أَحْكامٍ شَرعيَّةٍ وكَونيَّةٍ وجَزائيَّةٍ لا نَعلمُ حِكمتَها؛ لأنَّنا أَقْصرُ من أنْ نُحيطَ بحِكمةِ اللهِ . الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ أنَّ العَمَلَ كَسْبٌ للإنسانِ؛ لقَولِهِ: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. ويَتَفَرَّعُ على هَذِهِ الفائِدَةِ: أنَّه إذا كان العَمَلُ كَسْبًا للإنسانِ، فإنَّه يَجِبُ عليه بمُقْتَضى العَقْلِ كَما هو مُقْتَضى الشَّرعِ أنْ يَسعَى إلى الكَسْبِ المُفيدِ لا إلى الكَسْبِ الضَّارِّ، كما كان يَفعلُ في الدُّنيا، أليس الواحِدُ منَّا في الدُّنيا يَسعَى إلى الكَسْبِ النَّافعِ، بَلَى، إذن يَجِبُ أن تَسعَى إلى الكَسْبِ النَّافعِ في الآخِرَةِ، ولهذا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ في عَقلِه ودينِه مَن احتَجَّ بالقَدَر على مَعاصي اللهِ، ولم يَحتَجَّ بالقَدَر على أُمورِ الدُّنيا، ففي أُمور الدُّنيا يَعمَلُ وَيكْدَحُ ويَسعَى لِما فيه المَنْفَعَةُ والمَصلحَةُ، لكن في أُمورِ الآخِرَةِ يَتكاسلُ، ثُمَّ يَقولُ هذا القَدَرُ، فنَقولُ: قد ضَلَلت، كيف تَحتَجُّ بالقَدَر على كَسْبِ الآخِرَةِ ولا تَحتَجَّ به عَلَى كَسْبِ الدُّنيا. * * *

стр. 110

الآية (١٨) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت: ١٨]. * * * يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَنَجَّيْنَا﴾ منها] أي: من صاعِقَةِ العَذابِ الهونِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فُصِّلَت: ١٨] نَجَّينا من هذا العَذابِ الَّذين آمَنوا، وكانوا يَتَّقونَ، جَمَعوا بَينَ الإيمانِ والتَّقْوى، وهذا هو سَبَبُ النَّجاةِ. من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: عَدْلُ اللهِ يُؤخَذُ من قولِه: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فيها إِثباتُ العَدْلِ لله والعَدْلُ مَعناه عَدَمُ الجَوْرِ وعَدَمُ الظُّلمِ، ووَجهُ الدَّلالَةِ في الآيَةِ والَّتي قَبلَها إِثباتُ النَّجاةِ لِلمُؤمِنينَ والعَذابُ لِلمُعرضينَ هذا دَليلٌ على الْعَدْلِ؛ لأنَّه أَعْطى كلَّ إنسانٍ ما يَستحِقُّ، ولا شكَّ أنَّ اللهَ أحكمُ الحاكِمينَ، ومن كونِه أَحكم الحَاكمينَ لازِمٌ أنْ يكونَ أَعْدلَهم؛ لأنَّه كُلَّما كان الحُكْمُ أَعدلَ كان أَحْكمَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإيمانَ والتَّقْوى سببٌ للنَّجاةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ومثلُه قولُه تَعالَى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ [الزُمَر: ٦١]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الإيمانَ وَحدَه لا يَكفي بَلْ لا بدَّ من إيمانٍ وتَقْوى؛ لقولِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وووَجْهُ المُقارَنَةِ بَيْنَ هذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قولِه تَعالى:
следующие страницы →