← Тафсир

Тафсир · id 151162

تفسير العثيمين: فصلت

ابن عثيمين

Полный текст (338 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

يَقْصُروا العامَّ على الخاصِّ؛ لأنَّهم أَعلمُ مِن أن يَقتَصِروا على بَعضِ أفرادِ العامِّ مثلًا، لكنَّهم يُريدونَ التَّمثيلَ. مِثالُ ذلك: قال بَعضُ العُلماءِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قال: الظَّالمُ لنَفسِه الَّذي يُؤخِّرُ الصَّلاةَ عن وقتِها، المُقتَصِدُ الَّذي يُصلِّيها في آخِرِ الوقتِ، السَّابقُ بالخَيراتِ الَّذي يُصلِّيها في أَوَّلِ الوقتِ. هذا لا شكَّ أنَّه حَصرٌ بل لا شكَّ أنَّه تَخصيصٌ لعامٍّ، فنَقولُ: أَرادوا بذلك التَّمثيلَ. ويَرِدُ علينا كَثيرًا سُؤالُ: هل الأفْضلُ طَلبُ العِلمِ أو الِاشتِغالُ بالدَّعوةِ؟ والواقعُ أنَّه سُؤالٌ غَيرُ محُرَّرٍ: أوَّلًا: أنَّه يُمكنُ الجَمعُ بين هذا وهذا، ونحن نَعلَمُ أنَّ الدَّاعيَةَ ليس يَشغَلُ وقتَه من صَلاةِ الفَجرِ إلى ما بعدَ صَلاةِ العِشاءِ وهو يَدعو أبدًا، هل أَحَدٌ مِنَ الدُّعاةِ يَفعلُ هكذا، يَدعو نِصفَ ساعَةٍ هُنا ويصفَ ساعَةٍ هُناك، وأمَّا أن يَبقى لا يَسكُتُ من صَلاةِ الفَجرِ إلى أن يُصلِّيَ العِشاءَ، لا يُمكنُ لا بدَّ مِن فَتراتٍ، فلا يَتعذَّرُ الجمعُ بينَ الدَّعوَةِ إلى اللهِ وطَلبِ العِلمِ، يَطلُبُ العِلمَ ساعةً أو ساعَتين، ثُمَّ يَدعو نِصفَ ساعةٍ مثلًا فلا منافاةَ، هذه واحدةٌ. ثانيًا: أنَّه لا يُمكنُ الدَّعوَةُ إلى اللهِ بلا عِلمٍ والدَّعوةُ إلى اللهِ عن جَهلٍ قد يكونُ فيها مِنَ الضَّررِ أَكثَرُ من عَدمِ الدَّعوةِ، فكَثيرٌ مِنَ الدُّعاةِ، يَكونُ عندَه غَيْرَةٌ ومَحبَّةٌ للخَيرِ فتَجِدُه يُحرِّمُ الحَلالَ أو يوجِبُ ما ليس بواجبٍ بِناءً على ما عِندَه مِنَ الغَيرَةِ،

стр. 177

ولو كان ذا عِلمٍ لحَصَلَ له الثَّباتُ، ولا يَخفى ما جَرى من عُمَرَ ﵁ في صُلحِ الحُديبيَّةِ صار يُعارضُ الصُّلحَ (١)، ويَأتي للرَّسولِ ﵊ يُريدُ أن يَحِلَّ عُقدةَ الصُّلحِ، لكنَّ الثَّباتَ كَثباتِ أبي بكرٍ تَبيَّنَ بحَقٍّ، فلا يُمكنُ أن يَكونَ داعِيةً يَدعو إلى اللهِ بِلا عِلمٍ، هذا إذا أَردْنا العِلمَ بما يَدعو إليه، ولسنا نُريدُ أنَّه لا يُمكنُ أن يَدعوَ إلى اللهِ إلَّا مَن كان مُتبحِّرًا بالعُلومِ، لا، لو قُلنا هكذا ما صحَّ قَولُ الرَّسولِ: "بَلِّغوا عنِّي ولو آيَةً" (٢). فالجَوابُ إذن مِن وَجهينِ: الوَجهُ الأَوَّلُ: أنَّه لا مُنافاةَ بين العِلمِ والدَّعوةِ. الوَجهُ الثَّاني: أنَّه لا تمُكنُ الدَّعوةُ إلَّا بعِلمٍ بما يَدعو عليه. بَقِيَ علينا وَسائلُ الدَّعوةِ، ووَسائلُ الدَّعوةِ كَثيرةٌ يَعني: ليس الدَّعوَةُ مخُتَصَّةً بَأن يَقومَ الإنسانُ يَتكَلَّمُ، بل الدَّعوَةُ تَكونُ بالقَولِ وتَكونُ بالكِتابَةِ وتَكونُ بنَفْسِ الفِعلِ، الإنسانُ الَّذي تَثِقُ منه تَجِدُ أنَّك تَنظُرُ ماذا يَصنَعُ وتَفعَلُ مِثلَه، هذه دَعوَةٌ، هذا نَوعٌ مِنَ الدَّعوَةِ، بل قد تَكونُ الدَّعوَةُ بالفِعلِ والعَملِ أَقوَى تَأثيرًا مِنَ الدَّعوَةِ باللِّسانِ. فإن قيل: طالِبُ العِلمِ الَّذي يُريدُ الدَّعوَةَ ولا سِيَّما الدَّعوةُ في الحاراتِ؛ لأنَّه يوجَدُ في الحاراتِ مُنكرٌ كَثير كتَركِ الصَّلاةِ وَيعرِفُ فُلانًا وفُلانًا وتَرْكَهم الصَّلاةَ،

стр. 178

فإن مَشَى إليهم ضاعَ وَقتُه، فهل يَترُكُهم؛ لأنَّ الوَقتَ قَليلٌ؟ وهل يُعذَرُ الإنسانُ إذا غَلَبَ على ظَنِّه أنَّ هذا الشَّخصَ بَعيدُ الاستِجابَةِ أو بَعيدٌ أن يَقبَلَ منه، ولا يَجِدُ الوَقتَ المُناسبَ له؟ فالجَوابُ: هذه في الواقِعِ مَوعِظةٌ أو أمْرٌ، فالدَّعوَةُ تَكونُ بصِفةٍ عامَّةٍ، أمَّا أن تَذهَبَ إلى فُلانٍ وتَنصَحُه فهذا في الحَقيقَةِ مَوعِظةٌ، وإن كان لك سُلطَةٌ فهو أمرٌ، أمرٌ بالمَعروفِ، وهذا كما نَعرِفُ له أَحوالٌ، لا يَجِبُ على الإنسانِ أن يَترُكَ ما يَهُمُّه في دينِه ودُنياهُ من أجلِ أن يَذهبَ إلى النَّاسِ وَيقرَعَ أبوابَهم ليَأمُرَهم أو يَعِظَهم، هذا ليس بواجبٍ. فإن قيل: قولُهُ ﷺ : "مَن رأى مِنكم مُنكرًا فَلْيُغيِّرْه" (١)؟ فالجواب: نعم في: (مَن رَأى)، لكنَّ الرَّسولَ ﷺ ما ذَهبَ وما قال: تطلَّبوا رُؤيَةَ المُنكَرِ، وهذا الَّذي لا يُصلِّي يُمكنُ أن أَعِظَه في السُّوقِ أو في المَسجدِ؛ ولهذا نَجِدُ النَّاسَ الآنَ يَستثقِلونَ أن يَقرعَ عليهِمُ البابَ أحدٌ فيَعِظَهم أو يَأمُرَهم، ورُبَّما حَصَلَ من ذلك ما يُسَمَّى برَدِّ الفِعلِ. من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: تَفاضُلُ الأعمالِ؛ لقَولِه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا﴾، وأحسنُ اسمُ تَفضيلٍ، ولا شكَّ أنَّ الأعمالَ تَتَفاضَلُ بثَلاثِ اعتِباراتٍ: باعتِبارِ الجِنسِ، وباعتِبارِ النُّوعِ، وباعتِبارِ الهَيئَةِ والكَيفيَّةِ.

стр. 179

تَتفاضَلُ باعتِبارِ الجِنسِ: فمَثلًا الصَّلاةُ أفضَلُ مِنَ الزَّكاةِ، الزَّكاةُ أفضَلُ مِنَ الصَّومِ، الصَّومُ أفضَلُ مِنَ الحَجِّ، هذا باعتِبارِ الجِنسِ، وتَتَفاضَلُ أيضًا مِن وَجهٍ آخَرَ؛ واجِبُ العِبادَةِ أفضلُ مِن نَفلِها، فصَلاةُ الظُّهرِ مَثلًا أفضَلُ مِن قيامِ اللَّيلِ، هذا تَفاضُلٌ باعتِبارِ الجِنسِ لكنَّه من وَجهٍ آخَرَ، ودَليلُ ذلك أنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم- قال عن اللهِ: "وما تَقرَّب عَبدي بشَيءٍ أحبُّ إِلَيّ ممَّا افتَرضتُ عليه" (١). وتَتفاضَلُ باعتِبارِ النُّوعِ: مِثلَ: الوِترُ أفضلُ من مُطلَقِ التَّهجُّدِ، والرَّواتبُ أفضَلُ مِنَ النَّفلِ المُطلَقِ، هذا باعتِبارِ النُّوعِ، وإن شِئتَ فاجعَلْ تَفاضُلَها باعتِبارِ الوُجوبِ والنَّدبِ من هذا النَّوعِ. والثَّالثُ باعتِبارِ الهَيئَةِ: صَلاةٌ يَخشعُ فيها الإنسانُ ويَتدبَّرُ ما يَقولُ وما يَفعَلُ ويَطمَئِنُّ، وصَلاةٌ أخرى يَقتَصِرُ على الواجبِ وبدون خُشوعِ قَلبٍ مثلًا فالأُولَى أفضَلُ. والمُهِمُّ أنَّنا نُؤمِنُ بأنَّ الأعمالَ تَتفاضَلُ وأنَّ بعضَها أَحبُّ إلى اللهِ من بعضٍ، لكن يَبقى النَّظرُ: هل يَلزَمُ مِن تَفاضُلِ العَملِ تَفاضُلُ العامِلِ؟ نَعَمْ، وعلى هذا فالعامِلُ أيضًا يَختلِفُ ويَتفاضَلُ، قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم -: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالَّذي نَفسي بِيدِهِ لو أَنفَقَ أحدُكم مِثلَ أُحُدٍ ذَهبًا ما بَلَغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصيفَه" (٢). العَملُ واحدٌ لكنَّ العامِلَ مخُتلِفٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلَةُ الدَّعوةِ إلى اللهِ في قولِه: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾.

стр. 180

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارَةُ إلى الإِخلاصِ في الدَّعوَةِ نَأخُذُها من قولِه: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾؛ لأنَّ الدَّاعيَ رُبَّما يَدعو وَيقومُ للنَّاسِ ويُذكِّرُهم وَيعِظُهم ويَحُثُّهم على الخَيرِ ويُحذِّرُهم مِنَ الشَّرِّ، لكن يُريدُ أن يَكونَ مَرموقًا بينهم، هذا دعا إلى نَفسِه، فلا بدَّ إذن مِنَ الإخلاصِ، فلو قال قائلٌ: هل يُسلَبُ الإخلاصُ ما لو أَرادَ بالدَّعوَةِ إِصلاحَ النَّاسِ؟ الجَوابُ: لا، لا يُسلَبُه؛ لأنَّ الأصلَ دَعوتُهُ من أجلِ إصلاحِ النَّاسِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فَضيلَةُ العَمَلِ الصَّالحِ الَّذي جَمَعَ بينَ أمرَينِ: الإِخلاصِ والمُتابَعَةِ؛ لقَولِه: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وُجوبُ العِلمِ، نَأخُذُه مِن قَولِه: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾؛ لأنَّه لا يُمكِنُ أن تَعرِفَ أنَّ العَمَلَ مُوافِقٌ للشَّرعِ أو غَيرُ مُوافقٍ إِلَّا بالعِلمِ، وهذا واضِحٌ، فيَكونُ في الآيَةِ دَليلٌ على وُجوبِ العِلمِ؛ لأنَّه إذا كان العَمَلُ الصَّالحُ مِنَ الواجِباتِ فلا بُدَّ أن تَعلَمَهُ بالشَّرعِ، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به فهو واجِبٌ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه يَنبَغي للمُسلمِ أن يَكونَ عَزيزًا بِدِينِه وأن يُعلِنَ به وأن يَقولَ: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وألَّا يَستحيَ إذا قيل له أنَّه مُسلِمٌ؛ لقَولِهِ: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الإِشارَةُ إلى تَجنُّبِ التَّزكيةِ الذَّاتيَّةِ؛ لأنَّه قال: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، ولم يَقُلْ: وقال إنَّني مُسلِمٌ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يَعتزُّ بقَولِه: إِنَّني مُسلمٌ ويَفخَرُ أَكثرَ ممَّا يَكونُ ذلك فيما لو قال: ﴿إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الإِشارَةُ إلى المُؤاخاةِ بينَ المُسلمينَ؛ لقَولِه: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّني كواحدٍ من هَؤلاءِ، لا افْتِراقَ عنهم. * * *

стр. 181

الآيات (٣٤ - ٣٦) * * * * قالَ اللهُ : ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. [فصلت: ٣٤ - ٣٦]. * * * يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ في جُزئِيَّاتهما؛ لأنَّ بعضَهما فَوقَ بَعضٍ]. قَولُه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فَسَّرها المفسِّر بأنَّ المَعنى: لا تَستَوي الحَسناتُ بعضُها مع بعضٍ، ولا السَّيِّئاتُ بعضُها مع بَعضٍ، وعلى هذا التَّفسيرِ تَكونُ (لا) غَيرَ زائدَةٍ يمونُ أَصلِيَّةً، وَيكونُ المُرادُ بالآيَةِ انتِفاءَ تَساوي الحَسناتِ وانْتِفاءَ تَساوي السَّيِّئاتِ. وهذا أمرٌ لا إِشكالَ فيه أنَّ الحَسناتِ بَعضُها أَحسَنُ مِن بَعضٍ وأَفضلُ مِن بعضٍ وأَوكَدُ مِن بَعضٍ، وكذلك السَّيِّئاتُ بَعضُها أَسوَأُ مِن بَعضٍ وأَشَدُّ، لكنَّ هناك تفسيرًا آخَرَ، وهو أنَّ المَعنى أنَّ الحَسناتِ والسَّيِّئاتِ لا تَتَساوى بدَليلِ قَولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلخ؛ وبِناءً على ذلك تَكونُ (لا) زائدَةً للتَّوكيدِ كما هي في قَولِه تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فإنَّ (لا) هُنا زائدَةٌ

стр. 182

للتَّوكيدِ، ولهذا لو قُلتَ في غَيرِ القُرآنِ العَزيزِ لو قُلتَ: غَيرَ المَغضوبِ عليهم الضَّالينَ، لاستَقامَ الكَلامَ، فإذا قال قائِلٌ: هل هُناكَ تَرجيحٌ؟ قُلنا: المفسِّر رَجَّح المَعنى الأَوَّلَ وهو: أنَّ الحَسناتِ لا تَتَساوى والسَّيِّئاتِ لا تَتَساوى. وبَعضُهُم رَجَّحَ الثَّانيَ؛ لأنَّه قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾ إلخ. ولو قيل بالمَعنيينِ جَميعًا لم يَكُنْ هُناكَ بَأسٌ، وذلك أنَّ الآيَةَ إذا كانت تَحتمِلُ مَعنَيينِ على السَّواءِ وهما لا يَتَنافيانِ، فإنَّها تُحمَلُ عليهما جَميعًا، هذه قاعِدَةٌ في أُصولِ التَّفسيرِ. ﴿الْحَسَنَةُ﴾ هي ما يَحسُنُ ذِكرُهُ ﴿السَّيِّئَةُ﴾ هي ما يَسوءُ ذِكرُه، هذا التَّفسيرُ العَامُّ للحَسَنَةِ وللسَّيِّئةِ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿ادْفَعْ﴾ السَّيِّئَةَ ﴿بِالَّتِي﴾ أي بالخِصلَةِ الَّتي ﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾] إلى آخِرِه. الغَريبُ أنَّ كَلامَ المفسِّر في: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يَقتَضي أنَّ مَعنى الجُملَةِ قَبلَها: لا تَستَوي الحَسَنةُ مع السَّيِّئَةِ، ﴿ادْفَعْ﴾ السَّيِّئَةَ ﴿بِالَّتِي﴾ أي: بالخِصلَةِ الَّتي هِي أحسَنُ. أفادَنا ﵀ أنَّ (الَّتي) صِفةٌ لمَوصوفٍ محَذوفٍ؛ أي: بالخِصلَةِ الَّتي هي أَحسَنُ مِنَ السَّيِّئَةِ، فإذا قال قائِلٌ: السَّيِّئَةُ ليس فيها حُسنٌ، فكيف يَقولُ: أَحسَنَ مِنَ السَّيِّئَةِ؟ قُلنا: إِنَّ اسمَ التَّفضيلِ قد يَأتي وليس في الطَّرَفِ الآخَرِ منه شَيءٌ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أنَّ أصحابَ النَّارِ ليس في مُستقَرِّهم خَيرٌ ولا في مَقيلِهم خَيرٌ.

стр. 183

ويَكونُ معنى الآيَةِ أنَّه لمَّا كان مِن المُعتادِ أنَّ الإنسانَ لا يَدفَعُ السَّيِّئَةً بالَّتي هي أَحسَنُ أَمَرَه اللهُ أن يَدفَعَ بالَّتي هي أحسنُ وذلك، لأنَّ مُدافعَةَ السَّيِّئةِ تَكونُ من ثَلاثةِ وجوهٍ: الوَجهُ الأَوَّلُ: أن يَدفَعَ سَيِّئةً بمِثلِها وهذا جائِزٌ، يَقولُ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. والثَّانيَةُ: أن يَدفعَ السَّيِّئَةَ بحَسَنَةٍ - لكنَّ هناك شَيئًا أَحسنَ منها - وهذا أيضًا جائِزٌ وهو أَعَلى مِنَ الأَوَّلِ. الثَّالثُ: أن يَدفَعَ السَّيِّئَةَ ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ يعني: بأَحسَنِ ما يَدفَعُها به، وهذا أَفضَلُ وأَطيَبُ، وهو الَّذي أَمَرَ اللهُ به. يَعني: إذا أَساءَ إليكَ إِنسانٌ فلا تُقابلْه بإِساءَةٍ ولا تُقابلْه بحَسنَةٍ أيضًا، بل قابِلْه بما هو أَحسَنُ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀ مُمَثِّلًا: [كالغَضبِ بالصَّبرِ، والجَهلِ بالحِلمِ، والإِساءَةِ بالعَفوِ]، هذه أَمثلَةُ الغَضبِ بالصَّبرِ يعني: إذا غَضِبَ عليك إِنسانٌ فاصبِرْ وتَحمَّلْ، والجَهلِ بالحِلمِ إذا جَهِلَ عليكَ إنسان بالإِساءةِ فقَابلْه بالحِلمِ. فإذا قال إِنسانٌ: الجَهلُ هل هو يُقابِلُ الحِلمَ أو يُقابِلُ العِلمَ؟ قُلنا: أمَّا الجَهلُ الَّذي هو عَدمُ العِلمِ فيُقابَلُ بالعِلمِ، وأمَّا الجَهلُ الَّذي هو ضِدُّ الحِلمِ بمَعنى أن يَكونَ الإنسانُ ذا عُدوانٍ على الغَيرِ فهذا يُقابَلُ بالحِلمِ، قال الشَّاعرُ العَربيُّ (١): ألا لا يَجهَلَنْ أحدٌ علينا ... فنَجهلُ فوقَ جَهلِ الجاهِلينا

стр. 184

وكذلك الإِساءَةُ بالعَفوِ، إذا أَساءَ إليكَ إِنسانٌ فاعفُ عنه، وقد سَبَقَ مِرارًا ونُكرِّرُه تِكرارًا: أنَّ العَفوَ إنَّما يَندُبُ إليه إذا كان فيه إِصلاحٌ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]. فإِنْ قال قائلٌ: الَّذي لا يَقدِرُ على رَدِّ السَّيِّئةِ بمِثلِها هل يَدخُلُ في قَولِه: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؟ فالجَوابُ: لا، هذا ضَعفٌ وجُبنٌ، الَّذي لا يَقدِرُ على الِانتِصارِ لنَفْسِه هذا لا يُحمَدُ، بل يُقالُ: هذا ضَعيفٌ، ولأنَّه لا يُحمَدُ إلَّا العَفوُ عندَ المَقدِرَةِ، والصَّفحُ عندَ المَقدِرَةِ. أمَّا إنسانٌ عاجِزٌ فيَجيءُ شَخصٌ ضعيفٌ يَضرِبُه يَضرِبُه يَضرِبُه وهو يَقولُ: جَزاكَ اللهُ خَيرًا، عَفا اللهُ عنك، فهذا لا يُحمَدُ؛ لأنَّه عاجِزٌ. قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فُصِّلَت: ٣٤] فإذا فُجائيَّةٌ والفاءُ عاقبَةٌ؛ أي: فإذا دَفعتَ بالَّتي هي أَحسَنُ فاجَأتك هذه الحالُ، وهي أن تَنْقَلِبَ عَداوةُ الشَّخصِ الَّذي أَساءَ إليك، فيَصيرُ كأنَّه وَليٌّ حَميمٌ، يعني: صَديقًا قَريبًا. وتَأَمَّلْ كَونَ الجَوابِ بـ"إذا" الفُجائيَّةِ لِيتَبَيَّنَ لك أنَّ انقِلابَ عَداوتِهِ إلى وِلايَةٍ حَميمَةٍ لا يَتأخَّرُ كَثيرًا؛ لأنَّ إذا الفُجائيَّةَ تَدُلُّ على الفَورِيَّةِ: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ لو كان المُخبِرُ بذلك غَيرَ اللهِ لكان الإنسانُ يَتردَّدُ، وكيف يَنقلِبُ العَدوُّ صَديقًا حَميمًا بهذه السُّرعَةِ، نَقولُ: إنَّ الَّذي أخبَرَ بذلك هو اللهُ : ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]. ثُمَّ إنَّ الَّذي أخبَرَ بذلك هو الَّذي قُلوبُ بَني آدمَ بين أُصبُعينِ من أَصابعِهِ

стр. 185

يُقلِّبُها حيثُ يَشاءُ، لا تَستبعِدُ هذه الأمورَ بَيدِ اللهِ، وكم مِن عَدوٍّ انقَلَب صَديقًا وصَديقٌ انقلَبَ عَدوًّا. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾، فيَصيرُ عَدوُّك كالصَّديقِ القَريبِ في محبَّتِه إذا فَعلتَ ذلك، فالَّذي مُبتدأٌ وكأنَّه الخَبرُ وإذا ظَرفٌ لِمَعنى التَّشبيهِ]. قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ﴾ أَعرَبَها المفسِّر: يَقولُ: ﴿الَّذِي﴾ مُبتدأٌ ﴿بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَة﴾ , هذا صيغَةُ المَوصولِ ﴿كَأَنَّهُ﴾ الخَبرُ خَبرُ المُبتدأِ ﴿الَّذِي﴾، و (إذا) في قولِهِ: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ ظَرفٌ لمعنى التَّشبيهِ الَّذي هو ﴿كَأَنَّهُ﴾؛ لأنَّ التَّشبيهَ مُضَمَّنٌ مَعنى الفِعلِ؛ فلذلك صَحَّ أن يَتعلَّقَ به الظَّرفُ، هذا ما ذَهَبَ إليه المفسِّر بالنِّسبَةِ لـ (إذا)، والصَّحيحُ أنَّ (إذا) فُجائيَّةٌ لا تَحتاجُ إلى مُتعلِّقٍ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يُؤتى الخِصلَةَ الَّتي هي أحسنُ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ﴾ ثَوابٍ ﴿عَظِيمٍ﴾]. قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ قال المفسِّر ﵀: [أي: يُؤتى الخِصلَةَ]. وقيل: مَعناها لا يُوَفَّقُ لها، والمَعنى مُتقارِبٌ، يَعني: لا يَنالَ أحدٌ هذه الخِصلَةَ، وهي الدِّفاعُ بالَّتي هي أَحسنُ ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. وهذه الجُملَةُ فيها حَصرٌ، طَريقُه النَّفيُ والإثباتُ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾. وقَولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أي: حَبَسوا أَنفُسَهم وأَجبَروها على تَحمُّلِ هذا الأمرِ؛ وذلك لأنَّ هذا الأمرَ شَديدٌ إذ إنَّ النُّفوسَ تُحبُّ الانتِقامَ ممَّن أساءَ إليها، لكن قال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾؛ لهذا قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، فكُلُّ إنسانٍ سوف

стр. 186

يُعاني مُعاناةً شَديدةً إذا سَلَكَ هذا الطَّريقَ وهي الدِّفاعُ بالَّتي هي أحسنُ، لا بُدَّ أن يَجِدَ عَناءً ومَشقَّةً فأثْنَى اللهُ تَعالى على الصَّابرينَ على ذلك. والصَّبرُ لا يَحتاجُ إلى أن نُطيلَ الشَّرحَ فيه؛ لأنَّهُم قالوا: يَكونُ ثَلاثَةَ أنواعٍ: يَكونُ صَبرًا على طاعَةِ اللهِ، وصَبرًا عن مَعصيتِه، وصَبرًا على أقدارِه. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿ذُو حَظٍّ﴾ ثوابٍ]، والصَّوابُ أن يُقالَ: الحَظُّ النَّصيبُ، أي: وما يُلَقَّاها إلَّا ذو نَصيبٍ عَظيمٍ، ليس مِنَ الثَّوابِ فَحسْبُ، بل مِنَ الثَّوابِ والأخلاقِ والرَّزانَةِ وغيرِ ذلك، يَعني: مَن له نَصيبٌ عَظيمٌ مِنَ الثَّوابِ والأخلاقِ والرَّزانَةِ والتَّأنِّي وغيرِ ذلك، فلا يَنبَغي أن يَقتَصِرَ في ذلك على الثَّوابِ. فإِنْ قال قائِلٌ: قَولُه تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ هل يَكونُ ظاهِرًا أو معنَويًّا، لأنَّ الصَّفحَ في مَنظورِ النَّاسِ هو خَوفٌ وجُبنٌ؟ فالجَوابُ: لا، هذا هو الحِكمَةُ في أنَّ اللهَ قال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ لأنَّ الإنسانَ يَنالُ دَرجةً عَظيمَةً عاليةً مِنَ الأخلاقِ والرَّزانَةِ والرُّجولَةِ والثَّوابِ، وليس الحَظُّ العَظيمُ أنَّ الإنسانَ يَزدادُ دِرهمًا ودينارًا, الأخلاقُ هي كُلُّ شيءٍ سَواءٌ مَع اللهِ أو مَع عِبادِ اللهِ. وإنَّما الأُمَمُ الأخلاقُ ما بَقِيَت ... فإن هُمُ ذَهَبت أخلاقُهم ذَهَبوا ولمَّا ذَكَر اللهُ تَعالى دَفعَ العَدُوِّ مِن بني آدَمَ ذَكَر دَفعَ العَدُوِّ مِن غيرِ بَني آدَمَ؛ فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ في مُدافعَةِ العَدُوِّ مِن غيرِ بَني آدَمَ، لم يَقُلْ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، بل قال: الجَأْ إلى اللهِ؛ لأنَّك لا تَستطيعُ أن تَدفَعَ

стр. 187

الشَّيطانَ إلَّا باللُّجوءِ إلى اللهِ إذ إنَّ الشَّيطانَ ليس أَمامَك حتَّى تَلوِيَ عُنقَه وتَقتُلَه، ولكنَّه لا يَدفَعُه إلَّا اللهُ ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾، فالمُناسَبةُ بين هذه الآيَةِ والَّتي قَبلَها أنَّه لمَّا ذَكرَ مُدافعَةَ العَدُوِّ مِن بَني آدمَ ذَكَرَ مُدافعَةَ العَدُوِّ من غَيرِ بَني آدمَ فقال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿وَإِمَّا﴾ فيه إِدغامُ نونِ (إنِ) الشَّرطيَّةِ في (ما) الزائدَةِ]. ﴿وَإِمَّا﴾ أَصلُها: وإنْ يَنزَغنَّك، لكن (ما) الزَّائدَةَ تُزادُ كَثيرًا في أدواتِ الشَّرطِ كقَولِه هنا: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ , وكقَولِه تَعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ يَعني: إنْ يَنزَغْك مِن الشَّيطانِ نَزغٌ فاستَعِذْ باللهِ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: يَصرِفُك عنِ الخِصلَةِ وغَيرِها مِنَ الخَيرِ صارفٌ ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾]. المفسِّر ﵀ إذا نَظرنا إلى تَفسيرِه وجَدْناه يَقْصُرُ هذه الآيَةِ على شَيءٍ مُعيَّنٍ وهو: إنْ صَرَفَك الشَّيطانُ عَنِ المُدافعَةِ بالَّتي هي أَحسنُ فاستَعِذْ باللهِ، والصَّوابُ خِلافُ ذلك، الصَّوابُ أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ، ولهذا قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ أي: يُصيبَنَّك مِن الشَّيطانِ نَزغٌ، -نَزغٌ- نَكِرَةٌ في سياقِ الشَّرطِ فتكونُ عامَّةً سَواءَ كان في المُدافعَةِ بالَّتي هي أحْسَنُ أو غَيرَ ذلك، كُلَّما أَصابَك نَزغٌ مِنَ الشَّيطانِ فاستَعِذْ باللهِ، ولهذا أَمَرَ النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وعلى اله وسلَّم- الَّذي شَكا إليه الوَسوسَةَ في الصَّلاةِ أَمَرَه بأنْ يَستَعينَ باللهِ قال: يَتفُلُ عن يَسارِه ثَلاثًا ويَستعيذُ باللهِ (١). المُهِمُّ أنَّه متى نَزَغَك مِنَ الشَّيطانِ نَزغٌ فَالجَأْ إلى مَن يَستطيعُ دَفعَه، وهو اللهُ ولكن كيف أَعرِفُ أنَّ الشَّيطانَ نَزَغَ أحدًا؟ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ

стр. 188

بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] كُلَّما رَأيتَ أَنَّه أُلْقِيَ في رُوعِك أن تَفعَلَ مَعصيَةً فاعلَمْ أنَّه نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ، وكُلَّما أُلقِيَ في رُوعِك أنَّك تَتَرُكُ طاعَةً فهذا نَزْغٌ مِنَ الشَّيطانِ استَعِذْ باللهِ؛ لأنَّ الشَّيطانَ ليس شَيئًا محَسوسًا يَحُسُّه الإنسانُ ويَسمَعُه لكنْ يُعرَفُ بما يُلقي في القَلبِ فاستَعِذْ باللهِ أي: اعتصِمْ به. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [جَوابُ الشَّرطِ وجَوابُ الأمرِ محَذوفٌ، أي: يَدفَعُه عنك]، الأمرُ (استَعِذْ) يَعني: كأنَّ قائلًا يَقولُ: وإذا استَعَذْت فالنَّتيجَةُ أن يَدفَعَه اللهُ عَنك؛ لأنَّ اللهَ تَعالى لم يَأمُرْك بِالاستِعاذَةِ به، والاستِعاذَةُ كما هو مَعروفٌ هي الاستِجارَةُ ممَّا يَسوءُ استَعِذ باللهِ يَدفَعْه عنك. قَولُه: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ جَوابُ الشَّرطِ اقْتَرَنَ بالفاءِ؛ لأنَّ الجُملَةَ طَلَبيَّةٌ، والقاعِدَةُ ذَكَرَها ابنُ مالكٍ (١): واقْرِنْ بفا حَتمًا جَوابًا لو جُعِل ... شَرطًا لـ (إن) أوغَيرها لم يَنْجَعِلْ يعني: إذا لم يَصِحَّ مُباشرةً جَوابُ الشَّرطِ لأَداةِ الشَّرطِ فإنَّه يَجِبُ اقتِرانُه بالفاءِ. فإِنْ قال قائلٌ: ما مَعنى قَولِه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]. فالجَوابُ: السُّلطانُ هو الَّذي يَتولَّى الأمرَ بسُلطَتِه ويَغلِبُ، فالشَّيطانُ يَنْزغُ حتَّى عِبادَ اللهِ الصَّالحينَ، ولكن ليس له عَليهم سُلطانٌ، أليس قَد تَفَلَّت على الرَّسولِ ﵊ شَيطانٌ يُريدُ أن يُفسِدَ عليه صَلاتَه؟ لكن ما له سُلطانٌ، فالسُّلطانُ يَقولُ ويَفعلُ، كما قال ابنُ الوَردي في المَنظومَةِ (٢): جانِبِ السُّلطانَ واحذَرْ بَطشَه ... لا تُخاصِمْ مَن إذا قال فَعلَ

стр. 189

فالمُرادُ بأنَّه ليس لك عليهم سُلطانٌ، يعني: لا يُمكِنُ أن تَتَسلَّطَ عليهم فتُغوِيَهم. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ للقَولِ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفعل]، هذه الجُملَةُ تَعليلِيَّةٌ؛ لقَولِه: (استَعِذ باللهِ)، يَعني: فإنَّك إذا استَعذت مِنه باللهِ سَمِعَك، وإنَّه عَليمٌ بكيفيَّةِ دَفعِ هذا الشَّيطانِ الَّذي نَزَغَك منه نَزْغٌ فهو سَميعٌ لقولك إذا استَعَذتَ به، عليم بما يَدفَعُ به عنك هذا الشَّيطانَ. من فوائِدِ الآياتِ الكريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: انتِفاءُ تَساوي الحَسناتِ بَعضِها ببَعضٍ، وانتِفاءُ تَساوي السَّيِّئاتِ بَعضِها ببَعضٍ، فيَترَتَّبُ على ذلك فائدَةٌ: أنَّ الحَسناتِ تَتَفاوتُ والسَّيِّئاتِ تَتفاوتُ، فمِن الحَسناتِ ما هو أُصولٌ في الإسلامِ كالأُصولِ الخَمسَةِ، ومنها ما هو دونَ ذلك، ومنه ما هو فَرائضُ ومنه ما هو نَوافلُ، كذلك في المُحرَّماتِ ما هو شِركٌ مُخرِجٌ عنِ المِلَّةِ وما هو شِركٌ دون ذلك، وكذلك يُقالُ في الكُفْرِ، منه ما هو فُسوقٌ ومنه ما هو دونَ ذلك، هذا إذا قُلنا: إنَّ المُرادَ أنَّ الحَسناتِ لا تَتَساوى والسَّيِّئاتِ لا تَتَساوى. أمَّا إذا قلنا: لا تَستَوي الحَسنَةُ ولا السَّيِّئةُ فهي أنَّ الحَسَنَةَ والسَّيِّئةَ لا يَتساويانِ، فَيُفيدُ الحثَّ على فِعلِ الحَسناتِ في مُقابِلِ السَّيِّئاتِ، وليس الفائدَةُ أن يَعلَمَ أنَّ الحَسنَةَ لا تُساوي السَّيِّئةَ؛ لأنَّ هذا أمرٌ مَعلومٌ، ولا يُمكنُ في القُرآنِ ببَلاغتِه أن يَأتيَ بمِثلِ ذلك؛ لأنَّ هذا كقولكَ السَّماءُ فَوقَنا والأرضُ تَحتَنا، لكنَّ المُرادَ الحَثُّ على أن تُقابِلَ السَّيِّئةَ بحَسَنةٍ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإِرشادُ إلى مُدافَعَةِ السَّيِّئاتِ، يُؤخَذُ من قولِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.

стр. 190

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحَثُّ على المَقاماتِ في مُدافعَةِ السَّيِّئاتِ تُؤخَذُ من قولِهِ: ﴿أَحْسَنُ﴾ ولم يَقُلِ ادفَعْ بالحَسَنِ، بل قال: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعالى مُقَلِّبُ القُلوبِ، فقد يَكونُ العَدوُّ صَديقًا والصَّديقُ عَدوًّا؛ لقَولِه: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّك لا تَأخُذُك العِزَّةُ بالإثمِ فتَقولَ: لا يُمكنُ أن أَسكُتَ أمامَ هذا الَّذي أَساءَ إِلَيَّ ولا بُدَّ أن آخُذَ بحَقِّي، نَقولُ: إذا أَخذْتَ بحَقِّك فذلك لك ولكن هُناكَ خُلُقٌ أفضَلُ وأكمَلُ وهو المُدافعَةُ بالَّتي هي أحسنُ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المُدافعَةَ بالَّتي هي أَحسنُ شاقَّةٌ على النَّفسِ؛ لقَولِهِ: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ ولكِن اصبِرْ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَن سَلَكَ هذا الطَّريقَ وهي مُدافعَةُ السَّيِّئَةِ بالَّتي هي أَحسَنُ، فإنَّه ذو نَصيبٍ عَظيمٍ مِنَ الأخلاقِ والثَّوابِ والرَّزانَةِ والرُّجولَةِ والشَّهامَةِ وغَيرِ ذلك؛ لقَولِه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ مَلجأَ الإنسانِ عِندَ الخَوفِ مِمَّا لا يُمكِنُه دَفعُه هو اللهُ لقَولِه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّك كُلَّما أَحسستَ بشيءٍ مِن نَزغاتِ الشَّيطانِ مِن تَهاوُنٍ بمَأمورٍ أو ارتِكابٍ لمَحظورٍ، فعليك أَنْ تَلجأَ إلى اللهِ . فإن قال قائلٌ: نَجِدُ الاستِعاذةَ مَشروعَةً في غَيرِ هذا الحالِ، مَشروعَةً عندَ قِراءَةِ القُرآنِ مثلًا، مَشروعَةً عِندَ دُخولِ الخَلاءِ، فما الجَوابُ؟ الجَوابُ: أنَّ مشروعيَّتَها عندَ تِلاوتِه القُرآنَ؛ لأنَّ الشَّيطانَ يَتسلَّطُ على الإنسانِ

стр. 191

عندَ قِراءةِ القُرآنِ بأن يَصُدَّه عمَّا فيه مِنَ الذِّكرِ الحَكيمِ، يَصُدُّه عن تَدَبُّرِه، عنِ الخُشوعِ فيه، عن كَونِ الإنسانِ يَلتزِمُ بأوامِرِه ونَواهيه ويُصَدِّقُ بإخبارِه. المُهِمُّ أنَّ الشَّيطانَ يَحرصُ على الإنسانِ إذا أَراد قِراءةَ القُرآنِ، فنَاسَبَ أن يُؤمَرَ بِالاستِعاذةِ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ وكَذلك عِند الخَلاءِ؛ لأنَّ الخَلاءَ مَوطِنُ الشَّياطينِ، الشَّياطينُ تَكونُ في أَخبثِ الأماكِنِ، والمَلائِكةُ في أَطيبِ الأماكِنِ؛ ولهذا كانت المَساجِدُ بُيوتَ المَلائكَةِ وكانت المَراحيضُ بُيوتَ الشَّياطينِ. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ الشَّيطانِ وأنَّ له سُلطةً على بَني آدَمَ؛ لقَولِه: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وهو كذلكَ، واللهُ سَلَّطَ الشَّيطانَ على بَني آدَمَ وأيَّدَ المُؤمنينَ بِالملائكَةِ، فإنَّ الشَّيطانَ إذا أَمَر بِالفَحشاءِ فإنَّ هناك أَمْرًا آخَرَ يُضادُّه وهو أَمْرُ المُلْكِ. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّه لا يُستعاذُ إلَّا باللهِ؛ لقَولِه: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، لكن هذا مُقيَّدٌ بما لا يَقدِرُ عليه إلَّا اللهُ، فإنَّه لا استِعاذَةَ منه إلَّا باللهِ، وكذلك أيضًا لا استِعاذَةَ بمَخلوقٍ غَيرِ قادِرٍ، فمثلًا لو أنَّ الإنسانَ استَعاذَ بمَيِّتٍ لكان هذا شِركًا؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يُمكنُ أن يُفيدَك، لكن لو استَعاذَ بحَيٍّ فيما يَقدِرُ عليه فلا بَأسَ بذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن وَجَدَ مَلاذًا فلْيَعُذْ به أو مُعاذًا فلْيَعُذْ به" (١) , فالاستعاذَةُ بالمَخلوقِ فيما يَقدِرُ عليه كَالاستِعانَةِ به فيما يَقدِرُ عليه، وكالاستِغاثَةِ به فيما يَقدِرُ عليه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثباتُ السَّميعِ العَليمِ للهِ بأنَّهما مِن أَسماءِ اللهِ . وسَبَقَ أنَّه لا يَجوزُ الإيمانُ بِالاسمِ إلَّا بثَلاثَةِ أُمورٍ إن كان مُتعَدِّيًا، وبأمرينِ

стр. 192

إن كان غَيرَ مُتعدِّيًا. والسَّميعُ مُتعدٍّ فتُثْبِتُ السَّميعَ اسمًا والسَّمْعَ صِفةً وكَونُه يَسمَعُ أَثرًا. وكذلك يُقالُ في العَليمِ. وقَولُ المُفَسِّرِ ﵀: [﴿السَّمِيعُ﴾ للقَولِ]، هذا صَحيحٌ؛ لأنَّ مُتعلِّقَ السَّمعِ هي الأَقوالُ، [﴿الْعَلِيمُ﴾ بالفِعلِ] فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ اللهَ عَليمٌ بالفِعلِ، عَليمٌ بالقَولِ، عَليمٌ بما ليس بِفِعلٍ ولا قَولٍ. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] فقَصْرُها على الفِعلِ لا شكَّ أنَّه قاصِرٌ، فيُقالُ: الصَّوابُ العَليمُ بكُلِّ شَيءٍ مِنَ الأقوالِ والأفعالِ والإِرَاداتِ والحاضِرِ والمُستَقْبَلِ والماضي. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَلاغَةُ القُرآنِ بذِكْرِ المتقارِبَيْنِ في المَعنى وإن كان بَينَهما فَرقٌ مِن حَيثُ الحَقيقَةُ، وَجهُ ذلك أنَّه ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولَى مُعاملَةَ المُسيءِ مِنَ الإنسِ بأن تَدفَعَه بالَّتي هي أحسنُ، وذَكَرَ في الثَّانيَةِ مُعاملَةَ المُسيءِ مِن غيرِ الإنسِ وهو الشَّيطانُ. * * *

стр. 193

الآيتان (٣٧ , ٣٨) * * * * قال اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٧ - ٣٨]. * * * قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي: آياتِ اللهِ ، والآيَةُ في اللُّغةِ العَلامَةُ وهي بالنِّسبَةِ لآياتِ اللهِ ما كان عَلامَةً على قُدرَةِ اللهِ وقُوَّتِه وحِكمَتِه وعِلمِه ورَحمَتِه وغَيرِ ذلك. وقَولُه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ الدَّالَّةُ على قُدرَتِه وعِلمِه وحِكْمتِه ورحمَتِه وغَيرِ ذلك مِمَّا دَلَّ عليه هذا اللَّيلُ والنَّهارُ. ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ اللَّيلُ بظَلامِه والنَّهارُ بضِيائِه، هذا من آياتِ اللهِ لا أَحَدَ يَستَطيعُ أن يَفعَلَ ذلك إِطلاقًا يَقولُ اللهُ : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١] الجَوابُ: لا إِلَهَ، لا أَحَدَ يَأتي بذلك، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: ٧٢] الجَوابُ: لا أحَدَ. فهذا مِن آياتِ اللهِ العَظيمَةِ الدَّالَّةِ على قُدرَتِه وعلى رَحمَتِه وعِلمِه وحِكمَتِه وقُوَّتِه، بينَما اللَّيلُ قد غَشِيَ الأَرضَ بظَلامِه، وإذا بِالصُّبْحِ قد كَشَفَ هذا الغِطاءَ،

стр. 194

فأصبحت الدُّنيا ضياءً. كذلك مِن آياتِه الشَّمسُ والقَمرُ، وما أَعظَمَها من آيَةٍ، هذانِ الكَوكبانِ يَسيرانِ مُنذُ خَلَقَهما اللهُ إلى أن يَأذَنَ اللهُ بخَرابِهما يَسيرانِ على نَمَطٍ واحدٍ لا يَتَعَدَّيانِه ولا يَتجاوَزُانَّه قال بَعضُ العُلماءِ: لو أنَّ الشَّمسَ بَعُدَت عن مَقَرِّها شَعرةً واحدةً لهَلَكَ النَّاسُ مِنَ البَردِ وجَمُدَت المَائعاتُ، ولو أنَّها نَزَلَت شَعرَةً واحدةً لَذابَت الأرضُ مِنَ الحَرِّ، وهذا مِن قُدرَةِ اللهِ ثُمَّ هذا الجِرمُ العَظيمُ له هذه الإضاءةُ العَظيمَةُ مع البُعدِ التَّامِّ. وهذه الحَرارَةُ العَظيمَةُ مع البُعدِ التَّامِّ، لو أنَّك سَعَّرت أَقوَى نارٍ في الدُّنيا ما بَلَغَت مَسافةَ حَرِّها إلى مئةِ مِترٍ، ومعَ ذلك تَجِدُ مَسَّ الحَرارَةِ فقط لا أن يَصِلَ إلى هذه الدَّرجَةِ، وهذه بَينَك وبَينَها ما لا يَعلَمُه إلَّا اللهُ وتَجِدُ هذا الحَرَّ في أيَّامِ الصَّيفِ، قال لي بَعضُهم: رُبَّما بَدَأَ المَاءُ يَغلي مِن شِدَّةِ الحرارَةِ في بَعضِ المَناطِقِ، مِمَّا يَدُلُّ على عَظَمَةِ هذه الشَّمسِ. والقَمرُ أيضًا عَظيمٌ، هذا القَمرُ الكَوكَبُ الكُتلَةُ يُضيءُ هذه الإضاءَةَ العَظيمَةَ مِن بُعدٍ مع ذلك هو باردٌ لا يُسخِّنُ الجَوَّ ولا يُسَخِّنُ الأرضَ؛ لأنَّه آيَةَ لَيلٍ. أرأيتم لو أنَّه كان حارًّا أيَتمتَّعُ النَّاسُ باللَّيلِ كما يَتمتَّعونَ اليومَ؟ لا يَتمتَّعونَ أبدًا، لكن مِن رحمَةِ اللهِ أن جَعَلَه نورًا باردًا حتَّى لا تَبقى حَرارَةُ الأرضِ طَوالَ أَربعٍ وعِشرينَ ساعةً، وحتَّى يَستقِرَّ النَّاسُ في مَنامِهم وذَهابِهم ومجَيئِهم. قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ (مِن) هذه للتَّبعيضِ وعَلامَةُ مِنِ التَّبعيضِيَّةِ أن يَحِلَّ مَحلَّها بَعضُ، يَعني: بَعضُ آياتِه اللَّيلُ والنَّهارُ والشَّمسُ والقَمرُ، وذَكَرنا وَجهَ كَونِها هذه الأربع مِن آياتِه.

стр. 195

ثُمَّ قال اللهُ تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ الخِطابُ لجميعِ العِبادِ نَهاهم أن يَسجُدوا للشَّمسِ ولا للقَمرِ؛ لأنَّ مِن النَّاسِ مَن يَعبُدُ الشَّمسَ والقَمرَ ويَسجُدُ لها، وقد أَخبَرَ النَّبيُّ ﵊: "أنَّ الشَّمسَ تَطلُعُ بين قَرنَيْ شَيطانٍ فإذا طَلُعَت سَجَدَ لها الكُفَّارُ" (١)؛ ولذلك نُهِيَ عنِ الصَّلاةِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعندَ غُروبِها، وقال بَعضُ العُلماءِ ﵀: إنَّ المُرادَ: لا تَسجُدوا للشَّمسِ ولا للقَمرِ عندَ تَغيُّرِ هما بالكُسوفِ. ولكن في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [أي: الآياتِ الأربعَ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾]، يَعني: إن كُنتُم صادِقينَ في عِبادتِه فلا تَسجُدوا لغَيرِه؛ لأنَّ مَن يعبُدُ اللهَ ويَعبُدُ غَيرَه ليس صادقًا في عِبادَتِه، فالصَّادقُ في عِبادَتِه هو الَّذي يُخلِصُ العِبادَةَ للهِ . وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ المُرادُ بِالسُّجودِ هُنا - واللهُ أعلمُ - ما هو أعمُّ مِنَ السُّجودِ الخاصِّ الَّذي هو وَضعُ الأعضاءِ السَّبعَةِ على الأرضِ؛ أي أنَّ المُرادَ بالسُّجودِ هُنا الذُّلُّ، كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]. ويَحتَمِلُ أن يَكونَ المُرادُ به السُّجودَ الخاصَّ؛ لقَولِه: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ والقاعدَةُ في عِلمِ التَّفسيرِ أنَّه إذا كان اللَّفظُ يَحتَمِلُ مَعنيينِ أَحدُهما أوسعُ وأعَمُّ وأشمَلُ، فإنَّه يُحمَلُ على الثَّاني الَّذي هو أَوسَعُ وأعمُّ. وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الَّذي خَلَقَ هذه الأشياءَ، وفي

стр. 196

هذا إِشارَةٌ إلى أنَّ اللهَ هو المُستَحِقُّ لأن يُسجَدَ له؛ لأنَّه هو الخالِقُ، وأمَّا هذه فهي مَخلوقَةٌ لا تَستَحِقُّ أن يُسجَدَ لها. وقَولُه تَعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: إن كُنتم ذَوِي عِبادَةٍ للهِ حقًّا فاسجُدوا للهِ ولا تَسجُدوا للشَّمسِ ولا للقَمرِ. وقَولُه: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ العِبادَةُ بمَعنى: الذُّلِّ، ومنه قَولهُم طَريقٌ مُعَبَّدٌ؛ أي: مُذَلَّلٌ لمَن سَلَكَه ليس فيه وُعورَةٌ لا طُلوعَ ولا نُزولَ ولا التِفافَ يَمينًا ولا شِمالًا، فالطَّريقُ المُعَبَّدُ يَعني: المُذَلَّلَ. إذن فَالتَّعبُّدُ للهِ هو التَّذَلُّلُ له مَحبَّةً وتَعظيمًا. واعلَمْ أنَّ العِبادَةَ تُطلَقُ على مَعنيينِ: المَعنى الأَوَّلِ: التَّعبُّدُ للهِ الَّذي هو فِعلُ العابِدِ. والمَعنى الثَّاني: المُتَعَبَّدُ به الَّذي هي العِباداتُ، ولهذا قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "إنَّ العِبادَةَ اسمٌ جامعٌ لكُلِّ ما يُحِبُّه اللهُ ويَرضاه" (١) بناءً على أنَّ المُرادَ بها المُتَعَبَّدُ به. قَولُه تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ قَدَّمَ المَفعولَ به لإِفادَةِ الحَصْرِ؛ لأنَّ مِن القَواعدِ المُقَرَّرةِ في عِلمِ البَلاغَةِ وغَيرِها أنَّ تَقديمَ ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيدُ الحَصْرَ، فإذا قُلتَ مَثلًا: إيَّاك أَكرَمْتُ، المَعنى لم أُكْرِمْ غَيرَك، وقَولُ القائِلِ في سورَةِ الفاتِحَةِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ يَعني: لم نَعبُدْ غَيرَك ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] يَعني: لا نَستَعينُ غَيرَك. ثُمَّ قال تَعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ يَعني: عن عِبادَةِ اللهِ والسُّجودِ له فإنَّ اللهَ تَعالى غَنيٌّ عنهم.

стр. 197

يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ السُّجودِ للهِ وَحدَه ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: فالمَلائِكةُ ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يُصَلُّون ﴿لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملون] يَعني: فإنِ استَكبَرَ هَؤلاءِ عَن عِبادَةِ اللهِ فللهِ عِبادٌ آخَرون، كما في قَولِهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. ثُمَّ على فَرضِ أنَّه لا يُوجَدُ عابدٌ للهِ فإنَّ اللهَ تَعالى يَقولُ: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فهُنا شَيئانِ: الشَّيءُ الأَوَّلُ: أن يَستكبِرَ طائفَةٌ مِن المَخلوقينَ عن عِبادَةِ اللهِ، فإنِ استَكبَروا فهُناكَ طائفَةٌ أُخرى تَعبُدُ اللهَ. الثَّاني: أن يَستكْبِرَ الكُلُّ وهذا مُحالٌ حَسَبُ ما نَعلمُ، لكن على فَرضِ أنَّ جَميعَ المَخلوقاتِ استَكبَرَت عن عِبادَةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ غَنِيٌّ عنهم، كُلُّ هذا أَفصَحَ اللهُ عنه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، هذا إذا كَفَرَ بَعضٌ وآمَنَ بَعضٌ. ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ هذا إذا استكبَرَ بَعضٌ وذَلَّ بَعضٌ: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. جُملَةُ ﴿فَالَّذِينَ﴾ هي جَوابُ الشَّرطِ وقُرِنت بالفاءِ؛ لأنَّ ما بَعدَها لا يَصِحُّ أن يَكونَ فِعلًا للشَّرطِ، وهذه قاعِدَةٌ: إذا كان جَوابُ الشَّرطِ لا يَستقيمُ أن يَكونَ فِعلًا للشَّرطِ وَجَبَ اقتِرانُه بالفاءِ كما قال ابنُ مالكٍ (١): واقرِنْ بفا حتمًا جَوابًا لو جُعِلَ ... شرطًا لـ (إن) أو غَيرِها لم يَنْجَعِلْ

стр. 198

وقد ذَكَرَ بَعضُ الجامِعينَ لما يَجِبُ أن يَقتَرِنَ بالفاءِ جَمَعَ ذلك في بَيتٍ هو (١): اسمِيَّةٌ طَلبيَّة وبجامِدٍ وبما ... قد وبلن وبالتَّنفيسِ قال اللهُ تَعالى: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وهُم المَلائِكَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿يُسَبِّحُونَ﴾ هو أي: يُصَلُّون]، وهذا نَعَمْ له وِجهَةُ نَظَرٍ، لأنَّ السِّياقَ في السُّجودِ ويُمكِنُ أن نَقولَ: يُسبِّحونَ بما هو أَعمُّ مِنَ الصَّلاةِ أي: يَقولون: سُبحانَ اللهِ والحَمدُ للهِ وما أَشبَهَ ذلك مِن كُلِّ ما فيه تَنزيهٌ للهِ عمَّا لا يَليقُ به. وقَولُه: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ هو أي للهِ، واعْلَمْ أنَّ التَّسبيحَ مَعناه التَنّزيهُ، فما الَّذي يُنزَّهُ اللهُ عنه؟ يُنزَّهُ اللهُ تَعالى عن كُلِّ نَقصٍ، فهو مُنزَّهٌ عن كُلِّ نَقصٍ، لا يُمكِنُ أن يَعتَرِيَه نَقصٌ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ. ثانيًا: يُنزَّهُ عن كُلِّ نَقصٍ في كمالِه فلا نَقصَ في سَمعِه ولا بَصَرِه ولا قُدرَته ولا قُوَتِه. الثَّالثُ: يُنزَّهُ عن مُماثَلةِ المَخلوقينَ فلا يُماثلُ المَخلوقَ أبدًا بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ، والتَّماثُلُ بينَ الخالِق والمَخلوقِ مِن أكبرِ المُحالِ. فما يُنَزَّهُ اللهُ عنه ثَلاثَةُ أشياءَ: الأَوَّلُ: النَّقصُ لا يُمكنُ أن يَعتَرِيَه نَقصٌ إطلاقًا.

стр. 199

والثَّاني: النَّقصُ في كَمالِه، فكَمالاتُه من عِلمٍ وقُدرةٍ وحَياةٍ وسَمْعٍ وبَصرٍ ورحمَةٍ وغيرِ ذلك لا يُمكنُ أن يَعترِيَها نقصٌ بأيِّ حالٍ مِنَ الأحوالِ. والثَّالثُ: مُماثلَةُ المَخلوقينَ. ولاحِظوا هذه المَسألَةَ فأكثَرُ الَّذين يُعبِّر ون بمِثلِ هذا يُعبِّرون بمُشابهَةٍ، وهذا ليس بصَوابٍ، الصَّوابُ أن يُعبِّرَ بما عَبَّر اللهُ به عن نَفسِه فقال: ﴿كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، ولم يَذكُرِ التَّشبيهَ بأيِّ حالٍ منَ الأحوالِ، ولهذا كان التَّعبيرُ بنَفيِ التَّمثيلِ هو الصَّوابُ دونَ التَّشبيهِ. دَليلُ هذا أنَّ اللهَ مُنزَّهٌ عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ قَولُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] المَثَلُ يعني: الوَصفَ؛ لأنَّ المَثَلَ يُطلَقُ على ذلك كما في قَولِه تَعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [محمد: ١٥] مَثَلُ بمعنى: وَصفُها صِفتُها، ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ فإذا كان اللهُ له المَثَلُ الأعلى؛ أي: الأَكمَلُ لَزِمَ أن يَكونَ مُنزَّهًا عن كُلِّ نقصٍ. أمَّا النَّقصُ في كَمالِه فيَدُلُّ له قَولُه ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨] أي: مِن نَقصٍ على أنَّ هذه المَخلوقاتِ عَظيمَةٌ جدًّا، ومع ذلك ما لَحِقَ اللهُ تَعالى فيها نَقصٌ. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف: ٣٣]. الثَّالثُ: عدمُ مُماثلَةِ المَخلوقينَ، يَقولُ اللهُ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]، ويَقولُ تَعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. إذن؛ التَّسبيحُ بمعنى: التَّنزيهِ، والَّذي يُنزَّهُ اللهُ عنه ثَلاثَةُ أشياءَ.

стр. 200

قال اللهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ الباءُ هُنا بمَعنى (في)؛ لأنَّ المَقصودَ ﴿بِاللَّيْلِ﴾ يَعني: ظَرفَ اللَّيلِ، وعلى هذا تَكونُ الباءُ بمعنى (في) كما هي في قَولِه تَعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧ - ١٣٨] باللَّيلِ يَعني: في اللَّيلِ. فإِنْ قال قائِلٌ: ما القَولُ في رَأيِ عُلماءِ البَصرَةِ الَّذين يُنكِرون تَقابُلَ الحُروفِ بَعضِها بَعضًا؟ فالجَوابُ: نَحنُ لَدينا قاعدَةٌ: أَوَّلًا: أنَّه إذا دَلَّ القُراَنُ على شَيءٍ جائزٍ فلا عِبرَةَ بمَن خالَفَه. ثانيًا: إذا اختَلَف النَّحويُّون في مسألَةٍ، فإنَّنا نتَّبعُ الأسهَلَ، لا يوجَدُ دَليلٌ شَرعيٌّ مَثلًا يُؤيِّدُ هؤلاءِ ولا هَؤلاءِ فنتَّبعَ الأسهَلَ، فإذا رَأيتُم عُلماءَ البَصرَةِ وعُلماءَ الكوفَةِ محُتلِفون في شَيءٍ فاتَّبعوا الأسهَلَ، وأَقولُ: الحَمدُ للهِ على الرَّاحةِ. فإن قيل: هَل شَيخُ الإسلامِ يُغَلِّطُ مثلَ هذا؟ فالجَوابُ: لا، لا يَغلِّطُ بمثل هذا، شَيخُ الإسلامِ (١) يُغلِّطُ فيما إذا أَمكَنَ تَضمِينُ الفِعلِ مَعنًى يُناسبُ حَرفَ الجَرِّ مثل: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] منهم مَن يَقولُ ﴿بِهَا﴾ (الباءُ) بمَعنَى (مِن) أي: يَشرَبُ مِنها عِبادُ اللهِ. نحنُ نَقولُ: لا، الأَوْلَى أن تُضَمِّنَ الفِعلَ مَعنًى يُناسِبُ الحَرفَ، أمَّا الآيَةُ الَّتي مَعَنا ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ﴾ [فصلت: ٣٨] فلا تَستَقيمُ. وقَولُه: ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ يَعني: إذن كُلُّ الوَقتِ يُسبِّحونَ اللهَ.

стр. 201

وَيقولُ : ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ هُم مَعَ كَونِهم مُستغرِقينَ اللَّيلَ والنَّهارَ في تَسبيحِ اللهِ ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [لا يَمَلُّون] وكذلك لا يَتعَبونَ؛ لأنَّ المَلَلَ يَكونُ مِنَ الضَّجَرِ والتَّعَبِ وذُلِّ النَّفسِ أَمامَ ما يَتحمَّلُه الإنسانُ، هؤلاء المَلائِكةُ - عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾. من فوائِدِ الآيتين الكَريمتَينِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ للهِ آياتٍ كثيرةً لا تَنحَصِرُ بآيتينِ أو ثَلاثٍ نُدركُ ذلك من قَولِه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ وما أَكْثَرَها في القُرآنِ الكَريمِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم: ٢١] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الشورى: ٢٩] وهي كَثيرَةٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ للهِ تَعالى آياتٍ محَسوسةً تُعينُ على الآياتِ المَعقولَةِ، وهذا من رَحمَةِ اللهِ أنَّ اللهَ أرى عِبادَه الآياتِ المَحسوسَةَ ليَستَعينوا بها على الآياتِ المَعقولَةِ. فالآياتُ المَعقولَةُ كُلٌّ يَعلمُ أنَّ كُلَّ حادثٍ لا بدَّ له من محُدِثٍ هذه آيَةٌ عَقليَّةٌ لا يُنكِرُها أحدٌ؛ ولهذا قال تَعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] الجَوابُ: لا هذا ولا هذا. هم لم يُخلَقوا مِن غيرِ شَيءٍ بل لا بدَّ لهم مِن خالقٍ ولا خَلَقوا أنفُسَهم، إذن لَهم خالِقٌ وهو اللهُ ؛ ولهذا لمَّا سَمِعَ جُبيرُ بنُ مُطعَمٍ ﵁ هذه الآيةَ وكان من أَسرى بَدرٍ، وسَمِعَ النَبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم - يَقرَأُ بالطُّورِ يَقولُ: كاد قَلبي يَطيرُ (١)، يَعني: عَرفْتُ أنَي على خَطأٍ وأنَ المُشركينَ كُلَّهم يُخطِئونَ.

стр. 202

إذن آياتُ اللهِ إمَّا عقليَّةٌ وإمَّا سَمعيَّةٌ مَحسوسَةٌ هنا، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآياتُ هذه محَسوسَةٌ، كُلٌّ يَعرِفُها، اللَّيلُ والنَّهارُ، وأنَّه لا يُمكِنُ لأحدٍ أن يَأتيَ بهما. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللَّيلَ والنَّهارَ والشَّمسَ والقَمرَ آياتٌ عَظيمَةٌ، ولهذا نَصَّ اللهُ عليهن، والأمرُ كذلكَ، هذه الشَّمسُ الكَوكَبُ العَظيمُ المُنيرُ الحارُّ لا يُمكِنُ لأيِّ مخَلوقٍ أن يَصنَعَ مِثلَها إطلاقًا، وقد بَيَّنَّا في أثناءِ التَّفسيرِ وَجهَ ذلك. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: النَّهيُ عنِ السُّجودِ للشَّمسِ والقَمرِ؛ لقَولِه: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ مع أنَّهما مِن آياتِ اللهِ، لكنَّها مخَلوقَةٌ، والسُّجودُ إنَّما يَكونُ للخالِقِ. وننتَقِلُ مِن هذا إلى نُقطةٍ مُهمَّةٍ أشارَ إليها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ ﵀ وهو أنَّ صِفاتِ اللهِ ليست هي اللهُ. فلا يَجوزُ دُعاءُ الصِّفةِ ولا السُّجودُ لصِفاتِ اللهِ، ولهذا قال شَيخُ الإسلامِ ﵀: مَن دعا صِفةً من صِفاتِ اللهِ فإنَّه كافرٌ بالاتِّفاقِ (١)، يَعني: لو قال قائِلٌ: يا رَحمَةَ اللهِ ارحَميني، كيف يا رَحمَةَ اللهِ ارحميني، هل الرَّحمَةُ شَيءٌ بائنٌ عنِ اللهِ يَستطيعُ أن يَرحَمَ؟ لا، فإذا قُلتَ: يا رَحمةَ اللهِ ارحميني، مَعناها أنَّك جَعلْتَ معَ اللهِ إلهًا آخَرَ وهذا كُفْرٌ. وكذلك إذا قُلت: يا قُدرَةَ اللهِ أنقِذيني هذا حَرامٌ شِركٌ، قُل: يا اللهُ بقُدرَتِك أَنقِذني، ولا يَرِدُ على هذا قَولُه: اللهُمَّ برحمَتِك أستَغيثُ (٢)؛ لأنَّ ليس مَعناها أنِّي أستَغيثُ بالرَّحمَةِ وكأنَّني أَعتَقِدُها شيئًا مُستقلًّا، لكنَّ المَعنى التَّوسُّلُ إلى اللهِ تَعالى برَحمَتِه كأنَّه يَقولُ: يا رَبِّ أَغِثني برَحمتِك. فيَجِبُ التَّنبُّهُ لهذه المَسألَةِ.

стр. 203

ومن ذلك أيضًا مِنَ الخَطأِ في مِثلِ هذا قَولُ بَعضِ النَّاسِ: شاءَت قُدرَةُ اللهِ، شاءَ القَدَرُ، هذا حَرامٌ، لا يَجوزُ، القُدرَةُ نَفسُها ليس لها مَشيئَةٌ، المَشيئَةُ للهِ أمَّا القُدرَةُ فليس لها مَشيئةٌ، لأنَّها صِفةٌ في موصوفٍ والشَّائي والمُختارُ هو اللهُ . أمَّا اقتضت قُدرَةُ اللهِ فهذا صَحيح، يعني: أنَّ من مُقتَضَياتِ القُدرَةِ كذا وكذا، أمَّا المَشيئَةُ فلا تَكونُ إلَّا مِن شاءٍ له اختِيارٌ، وهذا لا يُمكِنُ أن يَكونَ من صِفةٍ. فإِنْ قال قائِلٌ: هُناك عِبارَةٌ شائعَةٌ بَينَ العامَّةِ قَولُهم: نَحمَدُ اللهَ ونَشكُرُ فَضلَه؟ فالجَوابُ: أليس اللهُ ﵎ يَقولُ: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١١٤]، والمُرادُ نِعمَةُ اللهِ المَخلوقَةُ لا الصِّفَةُ، يَعني: ما أَنعَمَ اللهُ، كذلك أَشكُرُ فَضلَ اللهِ ليس مَعناه أنِّي أَجعَلُ هذه الصِّفَةَ مَشكورَةً لكنَّ هذا الفضلَ الَّذي مَنَّ اللهُ عَلَيَّ أشكُرُه عليه، فهذه العِبارَةُ لا شَيءَ فيها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ من بَلاغةِ القُرآنِ أنَّه إذا ذَكَرَ الحُكْمَ ذَكَرَ الدَّليلَ العَقليَّ عليه؛ لقَولِه: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ اسجُدوا للهِ، هذا واضح أمرٌ شرعيٌّ لكن: ﴿الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ دَليلٌ كونيٌّ قَدَريٌّ على أنَّ المُستحِقَّ للسُّجودِ الَّذي خَلَقَ هذه الأشياءَ، كيف تَسجدونَ للشَّمسِ والقَمرِ ولا تَسجُدون للهِ الَّذي خَلَقَهنَّ، ونَظيرُ هذا قَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] وقَولُه تَعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] قال اللهُ تَعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾، لم يَقُل: أَوَ لَمْ يَرَوا أنَّ اللهَ هو أَشدُّ منهم قُوَّةً، بل قال: ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ ليَدُلَّ بذلك دَلالةً عَقليَّةً واضحَةً أنَّهم دونَ اللهِ تعالى في القُدرَةِ؛ لأنَّ اللهَ هو الَّذي خَلَقَهم، وهذا مِن أساليبِ القُرآنِ المُعجزَةِ الَّتي تَدُلُّ على أنَّه من لَدن حَكيمٍ خَبيرٍ.

стр. 204

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرَّدُّ على عابدِ الشَّمسِ والقَمرِ؛ لقَولِه: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾، استنبَطَ بَعضُ العُلماءِ من تلكَ الآيَةِ فائدَةً وهي مَشروعِيَّةُ صَلاةِ الكُسوفِ، قال: لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾، ولم يَقُلْ: للَّيلِ وللنَّهارِ وذلك لأنَّ الشَّمسَ والقَمرَ إذا تَغيَّرتا فَقدْ يَنشأُ في قَلبِ عابِدِهما أن يَسجُدَ لهما كالتائِبِ، فقال: لا تَسجُدوا للشَّمسِ ولا للقَمرِ واسجُدوا للهِ الَّذي خَلَقَهما، وهذا الاستِنباطُ فيه شَيءٌ مِنَ البُعدِ لكنَّه ليس مُمْتنعًا أنْ يَكونَ في ذلك إِشارَةٌ إلى مَشروعِيَّةِ صَلاةِ الكُسوفِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّه لا يُمكنُ لإنسانٍ يَدَّعي أنَّه يَعبُدُ اللهَ حقًّا أن يَسجُدَ لغَيرِ اللهِ؛ لقَولِه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: التَّحدِّي لمَنْ أَشرَكَ باللهِ - بأيِّ نَوعٍ مِنَ الشِّركِ - أن يَكونَ عابدًا حقًّا للهِ، فالمُرائي مَثلًا نَقولُ: إنَّك لم تَعبُدِ اللهَ حَقًّا لم تُفرِدْه بالعِبادةِ لأنَّك أَردتَ بعِبادتِك التَّقرُّبَ إلى المَخلوقينَ؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ المُستكبرينَ عن عِبادةِ اللهِ لن يَضُرُّوا اللهَ شيئًا؛ لقَولِه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: كَشفُ تَحدِّي هَؤلاءِ الَّذين يَعبُدونَ غَيرَ اللهِ بأنَّهم إذا عَبَدوا غَيرَ اللهِ فللهِ مَن يَعبُدُه . الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: استدَلَّ بها بَعضُهم على أنَّ المَلائِكَةَ أفضلُ مِنَ البَشَرِ، وعَلَّلَ ذلك بأنَّ المَلائكةَ ليس فيهم مُشِركٌ؛ لقَولِه: ﴿الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ وبنو آدَمَ فيهم مُؤمنٌ وكافِرٌ والجِنسُ الَّذي ليس فيهم مُشرِكٌ خَيرٌ مِنَ الجِنسِ الَّذي يَكونُ فيه مُشرِكٌ ومُوحِّدٌ.

стр. 205

ولكن قد يُعارَضُ هذا الاستدلالُ فيُقالُ: عِبادةُ الجِنسِ الَّذي فيه مُشركٌ ومُوحِّدٌ أفضلُ مِن عِبادةِ جِنسٍ ليس فيه مُشرِكٌ، وذلك لمَشقَّةِ التَّوحيدِ في جِنسٍ فيه مُشرِكٌ والمُوحِّدُ فيكونُ المُوَحِّد مِن بَني آدمَ أفضلَ مِن المَلائِكَةِ؛ لأنَّه عَبَدَ اللهَ في قَومٍ لا يَعبُدون اللهَ، أمَّا المَلائكةُ فكُلُّهم يَعبُدونَ اللهِ ولا يَستكبِرون عن عِبادتِه. وهذه المَسألَةُ فيها خِلافٌ بينَ أهلِ العِلمِ ولكُلٍّ منهم أَدِلَّة لكن جَمَعَ شَيخُ الإسلامِ ﵀ بينَ الأَدِلَّة فقال: المَلائكَةُ أفضلُ باعتِبارِ البِدايةِ وصالِحُ البَشَرِ أفضلُ باعتِبارِ النِّهايَةِ (١)، وهذا قَولٌ لا بأسَ به، جَمَعَ بين الأَدِلَّةِ الدَّالَةُ على التَّفضيلِ تَفضيلِ المَلائكَةِ على البَشَرِ والبَشَرِ على المَلائكَةِ، ولهذا قال السِّفارينيُّ ﵀ (٢): وعِندَنا تَفضيلُ أعيانِ البَشَرِ ... على مَلائكِ رَبِّنا كما اشتُهِرَ قال: ومَن قال سِوَى هذا افْتَرَى ... .................. قوله: "قال" الأُولى يَعني: الإمامُ أحمدُ -يَعني: مَن قال بغَيرِ تَفضيلِ أعيانِ البَشَرِ على المَلائكَةِ فهو مُفتَرٍ، لكنَّ الصَّوابَ أن نَقولَ كما قال شَيخُ الإسلامِ ﵀، أمَّا باعتِبارِ البِدايَةِ فالمَلائكَةُ أفضلُ؛ لأنَّهم خُلِقوا مِن نورٍ، و ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. لكن في النِّهايَةِ يَكونُ لصالِحِ البَشَرِ مِنَ الثَّوابِ والأَجْرِ والقُربِ مِنَ اللهِ ما ليس للمَلائِكَةِ. فإِنْ قال قَائلٌ: كيف تَكونُ المَلائكَةُ أفضَلَ بِدايَةً والبَشَرُ أفَضَلَ نِهايَةً؟ فالجَوابُ: المَلائكَةُ أفضَلُ مِن حيثُ البِدايَةُ؛ لأنَّهم خُلِقوا مِن نورٍ وامتَثَلوا

стр. 206

أمْرَ اللهِ، وليس فيهم مَن يَستَكبِرُ عن عِبادَةِ اللهِ، لكن في النِّهايَةِ يَكونُ مآلُ البَشرِ أفضَلَ حتَّى المَلائِكَةُ عَملُهم في يومِ القِيامَةِ أنَّهم يَدخُلون عليهِمْ مِن كُلِّ بابٍ يُهَنَّئونَهم يَقولُون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] ولا يَنالون مِنَ النَّعيمِ مِثلَما يَنالُه المُؤمنونَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ للمَلائِكَةِ إِرَادةً، يُؤخَذُ مِن ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ ولا تَسبيحَ إلَّا بإِرادَةٍ. ومِن هُنا نَقفِزُ إلى فائدَةٍ ثانيَةٍ: الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: وهي أنَّ جَميعَ المَخلوقاتِ مِن الأشجارِ والأحجارِ والأنهارِ والشَّمسِ والقمرِ والسَّماءِ والأرضِ لها إِرادَةٌ؛ لأنَّها كُلَّها تُسبِّحُ اللهَ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وبهذا نَرُدُّ على الَّذين قالوا: إنَّ قَولَه تَعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] يعني: الجِدارَ، هذا مَجازٌ؛ لأنَّ الجِدارَ ليس له إِرادَةٌ، فيُقالُ: مَن قال لكم إِنَّه ليس له إِرادَةٌ؟ بل له إرادَةٌ، ومَيلُه يَدُلُّ على أنَّه أرادَ، ولقد قال النَّبيُّ ﵊ في أُحُدٍ: "إنَّه يُحبُّنا ونُحبُّه" (١)، والمَحبَّةُ أخصُّ مِنَ الإِرادَةِ وأثبَتَها الرَّسولُ ﵊ للجَبَلِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أنَّ بَعضَ أهلِ العِلمِ استَدَلَّ بها على عُلوِّ اللهِ، وأنَّ الأشياءَ ليست كُلُّها سَواءً بالنِّسبَةِ للقُربِ منه؛ لقَولِه: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، والعِندِيَّةُ تَقتَضي القُربَ، وأنَّ بعضَ المَخلوقاتِ إلى اللهِ أَقرَبُ مِن بعضٍ، وهذا لا إِشكالَ فيه، مَن يَقولُ: إنَّ مَن كان في الأرضِ السَّابعَةِ السُّفلى هو في القُربِ إلى اللهِ كالَّذي في السَّماءِ السَّابعَةِ لا أحدَ يَقولُ بهذا. أمَّا مِن جِهةِ الإِحاطَةِ بالخَلقِ فلا شَكَّ أنَّ القَريبَ والبَعيدَ عِندَ اللهِ على حدٍّ

стр. 207

سواءٍ، وأمَّا من جِهةِ الواقعِ فلا شكَّ أنَّ مَن كان في السَّمواتِ أَقربَ إلى اللهِ مِمَّن كان في الأرضِ، ولهذا قال: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. أَقولُ: إنَّ بَعضَ العُلماءِ استَدَلَّ بهذه الآيَةِ على عُلوِّ اللهِ، وقال: نحنُ في الأرضِ والَّذين عِندَ اللهِ لا بَّد أن يَكونوا في السَّماءِ؛ لأنَّه لولا عُلوُّه لكُنَّا نحن أيضًا عِندَه، فكَونُه يَقولُ: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يُخاطِبُ مَن في الأرضِ يَدُلُّ على عُلوِّ اللهِ وهذا لا شكَّ أنَّه استنِباطٌ جَيِّدٌ، لكنَّنا لسنا بحاجَةٍ إلى أن نَأتيَ بهذا الدَّليلِ الَّذي قد تَخفى دَلالتُه على كَثيرٍ مِنَ النَّاسِ. وعِندَنا أدِلَّةٌ كَثيرةٌ واضحَةٌ على عُلوِّ اللهِ أدِلَّةٌ عَقليَّةٌ وأدِلَّةٌ سمعيَّةٌ وأدِلَّةٌ فِطريَّةٌ على عُلوِّ اللهِ، ولا أَحَدَ يُنكِرُ عُلوَّ اللهِ العُلوَّ الذَّاتيَّ إلَّا مَخبولٌ غيرُ عاقلٍ، وهو بَيْن أَمرينِ: إمَّا أن يَقولَ بالحُلولِ، وإمَّا أن يَقولَ بالعَدَمِ، وفِعلًا التَزِموا ذلك، فالَّذين أنكَروا عُلوَّ اللهِ انقَسَموا إلى قِسمَينِ: قِسمٌ قال: إنَّ اللهَ في كُلِّ مَكانٍ، ولم يُنزِّهِ اللهَ عَن الحُشوشِ والأقذارِ والأنتانِ والأسواقِ الَّتي بها اللَّغو والكَذِبُ والغِشُّ، وهذا فيما أَرى كُفْرٌ صَريحٌ، أنَّ من قال: إِنَّ اللهَ بذاتِه في كُلِّ مكانٍ، فهو كافِرٌ لو مات ما صَلَّيتُ عليه ولا دَعوتُ له بالرَّحمَةِ؛ لأنَّه مُكذِّبٌ للقُرآنِ وللأدِلَّةِ العَقليَّةِ وواصمٌ لرَبِّه بكُلِّ عيبٍ. ومنهم مَن يَقولُ: إنَّ اللهَ تَعالى ليس داخلَ العالَمِ ولا خارِجَ العالَمِ ولا مُتَّصِلٌ بالعالَمِ ولا مُباينٌ ولا محُايثٌ ولا فوقُ ولا تَحتُ ولا يَمينَ ولا شِمالَ، بماذا وَصَف اللهَ؟ بالعَدَمِ، لو قيل لنا صِفوا المَعدومَ ما وَصَفناه بأَكثرَ مِن هذا، فيُقالُ: أين هو ما دام لا داخِلُ العالَمِ ولا خارِجُه ولا مُتَّصلٌ بالعالَمِ ولا هو مُنفصِلٌ عنِ العالَمِ، ولا فَوقُ ولا تَحتُ ولا يَمينَ ولا شِمالَ أين يَروحُ إلَّا العَدمَ! ؟

стр. 208

ولهذا لما قال ابنُ فَورَكٍ لمَحمودَ بنِ سُبُكْتِكِين ﵀: إنِّي لا أقولُ: إنَّ اللهَ فَوقَ العالَمِ ولا تَحتَ إلى آخرِه، قال: بيِّنْ لنا الفَرقَ بين وُجودِ رَبِّك وعَدمِه أو كَلِمَةً نحوَها (١) يَعني: مَعناه أنَّك إذا وَصَفتَ الله بهذه الأوصافِ فهذا هو العَدمُ تمامًا. وتَقريرُ أنَّ اللهَ تَعالى في السَّماءِ يَعني: العُلوَّ الذَّاتيَّ أمرٌ لا إِشكالَ فيه، والعَجَبُ أنَّك تَأتي العَجوزَ الَّتي لم تَدرُسْ ولم تَفهَمْ ولم تَعلَمْ وتَسألهُا أين اللهُ؟ تَقولُ في السَّماءِ، إلَّا إذا كان الأمرُ كما قال النَّبيُّ ﷺ : "أبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه" (٢) أي: إلَّا إذا كانت عائشَةُ بين قومٍ يُنكِرونَ العُلوَّ فرُبَّما تُنكِرُ بِناءً على أنَّ البِيئَةَ تُغيِّرُ، أمَّا لو أتينا إلى الإنسانِ مِن حيثُ الفِطرةُ لرأينا أنَّه لا يشكُّ في أنَّ اللهَ في السَّماءِ. ولذلك أَفْحَمَ الهَمَذانيُّ ﵀ أبا المَعالي الجُوَينيَّ حين كان أبو المَعالي الجُوينيُّ يُنكرُ استِواءَ اللهِ على العَرشِ ويَقولُ: إنَّ اللهَ تَعالى كانَ ولا عَرشَ. وهو الآنَ على ما كان عليه يُريدُ أن يُنكِرَ استواءَه على العَرشِ، واستواءُ اللهِ على العَرشِ دَليلُه سَمعيٌّ، يَعني: لولا أنَّ اللهَ أخبَرَنا أنَّه استَوى على العَرشِ ما عَلِمنا بخِلافِ العُلوِّ، فالعُلوُّ دَليلُه عَقِليٌّ وسَمْعيٌّ وفِطرِيٌّ، أمَّا هذا فدَليلُه سَمعِيٌّ. قال له الهَمَذانيُّ ﵀: يا شَيخُ دَعْنا مِن ذِكرِ العَرشِ، وأَخْبرنا عن هذه الضَّرورَةِ، فما قال عارفٌ قطُّ: يا أللهُ إلَّا وَجَدَ من قلبه ضَرورَةً بطَلَبِ العُلوِّ، صَحيحٌ هذا أم لا؟

стр. 209

يَعني: أيُّ إنسانٍ يَقولُ: يا أللهُ يَجِدُ قَلبَه يَتَّجهُ إلى السَّماءِ، وكَلمَةُ (عارف) اصطِلاحٌ صوفيٌّ، العارِفُ عِندَهم هو العالِمُ الواسعُ العِلمَ، العابِدُ الكَثيرُ العِبادةَ. فصَرَخَ أبو المَعالي وجَعَلَ يَضرِبُ على رَأسِه وَيقولُ: حَيَّرني الهَمَذانيُّ حَيَّرني الهَمَذانيُّ (١)، وعَجَز أن يَرُدَّ على هذا. فنحن نَقولُ والحَمْدُ للهِ: إنَّ العُلوَّ أمر لا غُموضَ فيه ولا إِشكالَ فيه، ولا يُنكِرُه إلَّا شَخصٌ مَغموسٌ -والعِياذُ باللهِ- بالبِدعَةِ، ونحن نَرى أنَّه كافرٌ وأنَّه لا تَنفَعُه صَلاةٌ ولا صَدقةٌ ولا صيامٌ ولا حَجٌّ ولو مات ما صلَّينا عليه. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أنَّ المَلائكَةَ مُستغرِقون الزَّمنَ كُلَّه في العِبادَةِ؛ لقَولِه: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، و (الباءُ) وإن كانت بمَعنَى (في) الَّتي للظَّرفِيَّةِ لكن فيها نَوعٌ مِنَ الدَّلالَةِ على الِاستِيعابِ، كما قال اللهُ تَعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: بَيانُ قُوَّةِ المَلائكةِ؛ لقَولِه: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ أي: لا يَمَلُّون ولا يَتْعَبون مِمَّا يَدُلُّ على قُوَّيهم. والأَدلَّةُ على قُوَّتِهم كَثيرةٌ منها قِصَّةُ سُليمانَ ﵊ حين جاءَه الهُدهُدُ بخَبَرِ مَلِكةِ سَبأٍ أنَّ لها عَرشًا عَظيمًا، فقال سُليمانُ: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ وكان له وَقتٌ محُدَّدٌ يَقومُ فيه: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩] جِنِّيٌّ يَأتي به مِن أقصى اليَمَنِ إلى الشَّامِ وهو واحدٌ وَيقولُ: إنِّي عليه لقَوِيٌّ يُؤكِّدُ قُوَّتَه أمينٌ لن أَخونَ فيه: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ

стр. 210

عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] اللهُ أكبرُ! في الحالِ وَجَدَه أَمامَه: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ [النمل: ٤٠] و (الفاء) تَدُلُّ على التَّرتيبِ والتَّعقيبِ، ثُمَّ قال: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾، ولم يَقُلْ فلمَّا رآه عِندَه، ﴿مُسْتَقِرًّا﴾ كأنَّه وَضَع في هذا المَكانِ مِن سنواتٍ مُستقِرًّا، ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾، الآنَ حَضَرَ مِن هناك بلَحظَةٍ، يَعني: كأنَّ العَرشَ مثلًا على يَمينِك فنَقلتَه على يَسارِك بل أدنى، وهذا أشدُّ، قال أهلُ العِلمِ: لأنَّ هذا دَعا اللهُ فحَمَلَته المَلائكَةُ، والمَلائكَةُ أقوى مِن الجِنِّ، وهذا لا شكَّ فيه أنَّهم أَقوى مِنَ الجِنِّ. مسألةٌ: يَقولون عنِ السِّحْرِ أنَّه عِلمٌ ويَستدِلُّون بهذه الآيَةِ: ﴿الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] فكيفَ نَرُدُّ على هَؤلاءِ النَّاسِ؟ فالجَوابُ: نحنُ نَقولُ: السِّحْرُ عِلمٌ، أليس اللهُ تَعالى قال عَنِ المَلَكينِ: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢]، لا إِشكالَ هُنا أنَّه عِلم، أمَّا استِدلالهُم بهذه الآيَةِ فلا، ليس بصَحيحٍ، يَعني: كأنَّهم يُريدون أنَّ هذا الَّذي عِندَه عِلمٌ بالكِتابِ ساحِرٌ، وقد قال تَعالَى: ﴿عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾، وما قال عِلمٌ مِنَ السِّحْرِ، ثُمَّ إنَّ السِّحرَ لا يُمكنُ أن يُغيِّرَ الحَقائقَ، السِّحرُ يُخيِّلُ الأشياءَ، إمَّا أن يَجعلَ المَسحورَ يَرى السَّاكنَ مُتحَرِّكًا أو المُتحرِّكَ ساكنًا.

стр. 211

الآية (٣٩) * قالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. قال اللهُ ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (مِن) للتَّبعيضِ و (آياتٌ) جَمعُ آيَةٍ وهي العَلامَةُ المُعيَّنَةُ لمَعلومِها، فكُلُّ عَلامَةٍ تُعيِّنُ مَعلومَها وتُحدِّدُه فهي آيَةٌ. قَولُه: ﴿أَنَّكَ﴾ الخِطابُ هُنا لكُلِّ مَن يَتأتَّى خِطابُه وليس خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ واعلمْ أنَّ الخِطابَ المُوجَّهَ إلى واحدٍ يَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: الأَوَّلُ: ما دَلَّ الدَّليلُ بأنَّه خاصٌّ برَسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم - فهو خاصٌّ به. والثَّاني: ما دَلَّ الدَّليلُ على العُمومِ فهو للعُمومِ. والثَّالثُ: ما لا دَليلَ فيه على هذا ولا على هذا، فيَصِحُّ أن يَكونَ خاصًّا بالرَّسولِ وأن يَكونَ مُوجَّهًا لكُلِّ مَن يتأتَّى خِطابُه. ففي قَولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشَّرح: ١ - ٢]، الخِطابُ خاصٌّ بالرَّسولِ ﵊ إذ إنَّ هذا لا يَتأتَّى لغَيرِه، وفي قَولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، هذا أيضًا خاصٌّ به، وفي قَولِه تَعالى:

стр. 212

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] هذا عامٌّ دَلَّ الدَّليلُ عليه؛ لأنَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثُمَّ قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾. وغالِب ما يَأتي ألَّا يَكونَ فيه دَليلٌ لهذا ولا لهذا، فنَقولُ: إمَّا أنَّه مُوجَّهٌ للرَّسولِ ﵊ وأُمَّتُه تَكونُ مُتأسِّيةً به في ذلك، وإمَّا أن نَقولَ: إنَّه خِطابٌ لكُلِّ مَن يَتأتَّى خِطابُه. في هذه الآية: ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ الخِطابُ عامٌّ للرَّسولِ ولغَيرِه، إمَّا أنَّ غيرَه داخلٌ في ذلك في أصلِ المُخاطبَةِ وإمَّا بالتَّبعِ. يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾: يابِسةً] هامِدَةً ليس فيها نَباتٌ إطلاقًا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ يعني المَطَرَ [﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحرَّكت ﴿وَرَبَتْ﴾ انتَفَخَت وعَلَت]. قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ أي: ماءَ المَطَرِ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي: اهتزَّ نَباتُها من فَوقِها، وليس المُرادُ أنَّ الأرضَ نَفسَها تَهتزُّ؛ لأنَّنا لا نَشعُرُ بذلك، وإن كنَّا نَجوزُ أن يَكونَ اهتِزازُها اهتِزازًا يَسيرًا، لكنَّ الَّذي يَظهرُ أنَّها اهتَزَّت بالنَّباتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: عَلَت. وهلِ المُرادُ ما أشارَ إليه المفسِّر انتِفاخُ الأرضِ عِندما تُريدُ الحَبَّةُ أن تَخرُجَ، فإنَّ الحَبَّةَ تَنتفِخُ في باطنِ الأرضِ، ثُمَّ إذا أَراد غُصنُها أن يَخرُجَ رَفَعَ الأرضَ، فهل هذا هو مَعنى رَبَتْ، أو المُرادُ عَلَت بالنَّباتِ؟ الجواب: يَحتمِلُ هذا وهذا، أنَّها عَلَت بالنَّباتِ وأنَّه لمَّا ذَكَرَ اهتِزازَها أوَّلًا اهتِزازُ النَّباتِ الخَفيفِ ذَكَر عُلوَّ النَّباتِ والأشجارِ الكَبير الَّتي تَعلو، كُلُّ هذا مُمكِنٌ.

стр. 213

ثُمَّ قال : ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ أي: أحيا الأرضَ الخاشعَةَ ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الجُملَةُ مُؤكَّدَةٌ بمُؤكِّدينِ إنَّ واللَّامَ، و ﴿الْمَوْتَى﴾ جَمعُ مَيَّتٍ، والمُرادُ به كُلُّ مَن مات مِن بَني آدمَ وغَيرِهم، فهو قادرٌ على إِحيائِهم. ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيضًا جُملَةٌ مُؤكَّدةٌ بإنَّ، و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كُلُّ شيءٍ، فاللهُ قادرٌ عليه قادرٌ على إِيجادِ المَعدومِ، وعلى إِعدامِ المَوجودِ وعلى تَغييرِ الثَّابتِ وعلى تَثبيتِ المُتغيِّرِ كُلُّ شيءٍ قادِرٌ عليه. من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن آياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على قُدرتِه أنَّ الأرضَ اليابِسةَ الهامدَةَ إذا نَزَل عليها الماءُ نَبتَتْ واهتَزَّت ورَبَت. وهل أحدٌ يَستطيعُ أن يَفعَلَ مِثلَ ذلك؟ أبدًا قال اللهُ تَعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] لا أَحَدَ يَستطيعُ مهما بَلَغَ مِن القُوَّةِ أن يُنبِتَ ورقةً واحدةً، وقد تَحدَّى اللهُ جَميعَ الخَلقِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا﴾ [الحج: ٧٣] وهذا تَحدٍّ بالأمرِ الكونيِّ القَدريِّ، وتَحدَّى اللهُ الخَلقَ بالأمرِ الشَّرعيِّ فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] إذن فالإنسانُ عاجزٌ مهما كان. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الاستِدلالُ بالمَحسوسِ المَنظورِ على المَوعودِ المُنتَظَرِ، وَجهُه أنَّ اللهَ استدَلَّ بالشَّيءِ المَنظورِ المَحسوسِ وهو نَباتُ الأرضِ بعدَ أن كانت هامدَةً على شَيءٍ مُنتَظَرٍ وهو إِحياءُ المَوتَى بعد مَوتِهم، وفيه أيضًا الاستِدلالُ بالأدِلَّةِ العَقليَّةِ أنَّ

стр. 214

الإنسانَ يَستَدِلُّ بالمَحسوسِ على المَعقولِ يَعني: أنَّ قُدرةَ اللهِ على هذا تَدُلُّ على قُدرَتِه على الآخَرِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استِعمالُ القِياسِ وأنَّ القياسَ ثابتٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قاس إِحياءَ المَوتى على إِحياءِ الأرضِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَأكيدُ ما يَنبَغي تَأكيدُه سَواءٌ كان ذلك لإنْكارِ مُنكَرٍ أو شكِّ شاكٍّ أو لأهَمِّيَّةِ الأمرِ؛ لأنَّ التَّأْكيداتِ تَكونُ: إمَّا لأَهَمِّيَّةِ الأمرِ، وإمَّا لرَفعِ الشَّكِّ والتَّردُّدِ في الشَّيءِ حتَّى يَكونَ أمرًا يَقينيًّا، وإمَّا لإثباتِ الشَّيءِ المُنكَرِ. فمثلًا إذا كانت الآيَةُ تُخاطِبُ الَّذين يُنكِرونَ البَعثَ، فهذا الإِثباتُ لِإثباتِ مُنكَرٍ يَعني لإِثباتِ شَيءٍ أنكَرَه قَومٌ. وإذا كانت الآيَةُ تُخاطِبُ مَن يَتَرَّددون في ذلك فهي لرَفعِ الشَّكِّ والتَّردُّدِ، وإذا قَدَّرنا أنَّها تُخاطِبُ مَن لا شكَّ عندَه ولا إِنكارَ، فهي لأَهَمِّيَّةِ الأمرِ أوِ المَوضوعِ؛ لأنَّ الإيمانَ بذلك هو الَّذي يَحدو الإنسانَ إلى أن يَعمَلَ لولا أنَّ الإنسانَ يُؤمنُ بأنَّه سوف يُبعثُ ويُجازى لكان غَيرَ نَشيطٍ على العَمَلِ، أكثَرُ ما يُنَشِّطُ الإنسانَ على العملِ هو خوفُ يومِ القيامَةِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عُمومُ قُدرةِ اللهِ لقَولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يُعجِزُه شَيءٌ لتَمامِ عِلمِه وتمَامِ قُدرتِه، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] لأنَّ العاجِزَ إمَّا أن يَكونَ لعَدَمِ عِلمِه، وإمَّا أن يَكونَ لعَدَمِ قُدرتِه، فنَفَى اللهُ العَجزَ وبَيَّن ذلك بسَببِ كمالِ عِلمِه وقُدرَتِه، إذن إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٍ.

стр. 215

ذَكَرَ الجَلالُ السُّيوطِيُّ -غَفَر اللهُ لنا وله- في سورَةِ المائدَةِ كلامًا مُنْكَرًا قال: [وخصَّ العقلَ ذاتَه فليس عليها بقادِرٍ]. يعني: كأنَّه يَقولُ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ إلَّا على ذاتِه فليس عليها قادرًا، وهذا لا شكَّ أنَّه قَولٌ مُنكَرٌ، كأنَّه يَقولُ مثلًا هل يَقدِرُ اللهُ على أن يُفنِيَ نفسَه على كَلامِه؟ فنَقولُ: هذا قَولٌ ساقطٌ؛ لأنَّ القُدرَةَ إنَّما تَتعلَّقُ بالشَّيءِ المُمكِنِ أمَّا الشَّيءُ المُستحيلُ فهو مُستحيل وليس مُستَحيلًا على قُدرتِنا، لا، المُستَحيلُ على قُدرتِنا غَيرُ المُستَحيلِ على قُدرةِ اللهِ، لكنَّ المُستَحيلَ لذاتِه فإنَّه لا يُمكنُ أن تتعلَّقَ به قُدرةٌ ولا غَيرُ قدرةٍ إلَّا العِلمَ؛ ولهذا قال السَّفارينيُّ في العَقيدَةِ (١): .................. ... ... واقتَدَرْ بقُدرةٍ تعلَّقت بمُمكِنٍ ... ..................... فيُقالُ للجَلالِ عَفا اللهُ عنَّا وعنه: إن أَردتَ أنَّ اللهَ ليس بقادِرٍ على أن يُفنِيَ نفسَه فهذا أمرٌ غيرُ واردٍ إطلاقًا؛ لأنَّ القُدرَةَ لا تُعلَّقُ بهذا، وإن أَردتَ أنَّه غَيرُ قادرٍ على أن يَنزِلَ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأن يَأتيَ للفَصلِ بَينَ عِبادِه، وأن يَستوِيَ على عَرشِه ونحو ذلك مِنَ الأفعالِ الاختِيارِيِّةِ، فهذا كَذبٌ بل هو قادرٌ على ذلك، لكنَّ السُّيوطيُّ عفا اللهُ عنَّا وعنه ممَّن يَرونَ أنَّ الأفعالَ الاختِيارِيَّةَ لا تَقومُ باللهِ، يَعني: يَقولُ: اللهُ ما يُمكنُ يَنزِلُ ولا يَستَوِي ولا يَأتي يَومَ القيامَةِ؛ لأنَّ هذه على زَعمِه حَوادثُ والحَوادثُ لا تَتعلَّقُ إلَّا بحادِثٍ. على كُلِّ حالٍ: هذه فَلسفَةٌ جاءَ بها أهلُ الكَلامِ، وما أكثرَ ما جاؤوا به مِنَ الكَلامِ، وكَلامُهم كَلامٌ في كَلامٍ، لا فائدَةَ، تَطويلٌ بلا فائدَةٍ، إِضاعَةُ الوَقتِ
следующие страницы →