الآية (٣٩)
* قالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
قال اللهُ ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ (مِن) للتَّبعيضِ و (آياتٌ) جَمعُ آيَةٍ وهي العَلامَةُ المُعيَّنَةُ لمَعلومِها، فكُلُّ عَلامَةٍ تُعيِّنُ مَعلومَها وتُحدِّدُه فهي آيَةٌ.
قَولُه: ﴿أَنَّكَ﴾ الخِطابُ هُنا لكُلِّ مَن يَتأتَّى خِطابُه وليس خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ واعلمْ أنَّ الخِطابَ المُوجَّهَ إلى واحدٍ يَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ:
الأَوَّلُ: ما دَلَّ الدَّليلُ بأنَّه خاصٌّ برَسولِ اللهِ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّم - فهو خاصٌّ به.
والثَّاني: ما دَلَّ الدَّليلُ على العُمومِ فهو للعُمومِ.
والثَّالثُ: ما لا دَليلَ فيه على هذا ولا على هذا، فيَصِحُّ أن يَكونَ خاصًّا بالرَّسولِ وأن يَكونَ مُوجَّهًا لكُلِّ مَن يتأتَّى خِطابُه.
ففي قَولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشَّرح: ١ - ٢]، الخِطابُ خاصٌّ بالرَّسولِ ﵊ إذ إنَّ هذا لا يَتأتَّى لغَيرِه، وفي قَولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، هذا أيضًا خاصٌّ به، وفي قَولِه تَعالى:
стр. 212
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] هذا عامٌّ دَلَّ الدَّليلُ عليه؛ لأنَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثُمَّ قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
وغالِب ما يَأتي ألَّا يَكونَ فيه دَليلٌ لهذا ولا لهذا، فنَقولُ: إمَّا أنَّه مُوجَّهٌ للرَّسولِ ﵊ وأُمَّتُه تَكونُ مُتأسِّيةً به في ذلك، وإمَّا أن نَقولَ: إنَّه خِطابٌ لكُلِّ مَن يَتأتَّى خِطابُه.
في هذه الآية: ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ﴾ الخِطابُ عامٌّ للرَّسولِ ولغَيرِه، إمَّا أنَّ غيرَه داخلٌ في ذلك في أصلِ المُخاطبَةِ وإمَّا بالتَّبعِ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾: يابِسةً] هامِدَةً ليس فيها نَباتٌ إطلاقًا، ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ يعني المَطَرَ [﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحرَّكت ﴿وَرَبَتْ﴾ انتَفَخَت وعَلَت].
قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ أي: ماءَ المَطَرِ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي: اهتزَّ نَباتُها من فَوقِها، وليس المُرادُ أنَّ الأرضَ نَفسَها تَهتزُّ؛ لأنَّنا لا نَشعُرُ بذلك، وإن كنَّا نَجوزُ أن يَكونَ اهتِزازُها اهتِزازًا يَسيرًا، لكنَّ الَّذي يَظهرُ أنَّها اهتَزَّت بالنَّباتِ، ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: عَلَت.
وهلِ المُرادُ ما أشارَ إليه المفسِّر انتِفاخُ الأرضِ عِندما تُريدُ الحَبَّةُ أن تَخرُجَ، فإنَّ الحَبَّةَ تَنتفِخُ في باطنِ الأرضِ، ثُمَّ إذا أَراد غُصنُها أن يَخرُجَ رَفَعَ الأرضَ، فهل هذا هو مَعنى رَبَتْ، أو المُرادُ عَلَت بالنَّباتِ؟
الجواب: يَحتمِلُ هذا وهذا، أنَّها عَلَت بالنَّباتِ وأنَّه لمَّا ذَكَرَ اهتِزازَها أوَّلًا اهتِزازُ النَّباتِ الخَفيفِ ذَكَر عُلوَّ النَّباتِ والأشجارِ الكَبير الَّتي تَعلو، كُلُّ هذا مُمكِنٌ.
стр. 213
ثُمَّ قال : ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ أي: أحيا الأرضَ الخاشعَةَ ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ الجُملَةُ مُؤكَّدَةٌ بمُؤكِّدينِ إنَّ واللَّامَ، و ﴿الْمَوْتَى﴾ جَمعُ مَيَّتٍ، والمُرادُ به كُلُّ مَن مات مِن بَني آدمَ وغَيرِهم، فهو قادرٌ على إِحيائِهم.
﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيضًا جُملَةٌ مُؤكَّدةٌ بإنَّ، و ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كُلُّ شيءٍ، فاللهُ قادرٌ عليه قادرٌ على إِيجادِ المَعدومِ، وعلى إِعدامِ المَوجودِ وعلى تَغييرِ الثَّابتِ وعلى تَثبيتِ المُتغيِّرِ كُلُّ شيءٍ قادِرٌ عليه.
من فوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن آياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على قُدرتِه أنَّ الأرضَ اليابِسةَ الهامدَةَ إذا نَزَل عليها الماءُ نَبتَتْ واهتَزَّت ورَبَت. وهل أحدٌ يَستطيعُ أن يَفعَلَ مِثلَ ذلك؟ أبدًا قال اللهُ تَعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤] لا أَحَدَ يَستطيعُ مهما بَلَغَ مِن القُوَّةِ أن يُنبِتَ ورقةً واحدةً، وقد تَحدَّى اللهُ جَميعَ الخَلقِ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا﴾ [الحج: ٧٣] وهذا تَحدٍّ بالأمرِ الكونيِّ القَدريِّ، وتَحدَّى اللهُ الخَلقَ بالأمرِ الشَّرعيِّ فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] إذن فالإنسانُ عاجزٌ مهما كان.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الاستِدلالُ بالمَحسوسِ المَنظورِ على المَوعودِ المُنتَظَرِ، وَجهُه أنَّ اللهَ استدَلَّ بالشَّيءِ المَنظورِ المَحسوسِ وهو نَباتُ الأرضِ بعدَ أن كانت هامدَةً على شَيءٍ مُنتَظَرٍ وهو إِحياءُ المَوتَى بعد مَوتِهم، وفيه أيضًا الاستِدلالُ بالأدِلَّةِ العَقليَّةِ أنَّ
стр. 214
الإنسانَ يَستَدِلُّ بالمَحسوسِ على المَعقولِ يَعني: أنَّ قُدرةَ اللهِ على هذا تَدُلُّ على قُدرَتِه على الآخَرِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: استِعمالُ القِياسِ وأنَّ القياسَ ثابتٌ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قاس إِحياءَ المَوتى على إِحياءِ الأرضِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَأكيدُ ما يَنبَغي تَأكيدُه سَواءٌ كان ذلك لإنْكارِ مُنكَرٍ أو شكِّ شاكٍّ أو لأهَمِّيَّةِ الأمرِ؛ لأنَّ التَّأْكيداتِ تَكونُ: إمَّا لأَهَمِّيَّةِ الأمرِ، وإمَّا لرَفعِ الشَّكِّ والتَّردُّدِ في الشَّيءِ حتَّى يَكونَ أمرًا يَقينيًّا، وإمَّا لإثباتِ الشَّيءِ المُنكَرِ. فمثلًا إذا كانت الآيَةُ تُخاطِبُ الَّذين يُنكِرونَ البَعثَ، فهذا الإِثباتُ لِإثباتِ مُنكَرٍ يَعني لإِثباتِ شَيءٍ أنكَرَه قَومٌ.
وإذا كانت الآيَةُ تُخاطِبُ مَن يَتَرَّددون في ذلك فهي لرَفعِ الشَّكِّ والتَّردُّدِ، وإذا قَدَّرنا أنَّها تُخاطِبُ مَن لا شكَّ عندَه ولا إِنكارَ، فهي لأَهَمِّيَّةِ الأمرِ أوِ المَوضوعِ؛ لأنَّ الإيمانَ بذلك هو الَّذي يَحدو الإنسانَ إلى أن يَعمَلَ لولا أنَّ الإنسانَ يُؤمنُ بأنَّه سوف يُبعثُ ويُجازى لكان غَيرَ نَشيطٍ على العَمَلِ، أكثَرُ ما يُنَشِّطُ الإنسانَ على العملِ هو خوفُ يومِ القيامَةِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عُمومُ قُدرةِ اللهِ لقَولِه: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يُعجِزُه شَيءٌ لتَمامِ عِلمِه وتمَامِ قُدرتِه، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] لأنَّ العاجِزَ إمَّا أن يَكونَ لعَدَمِ عِلمِه، وإمَّا أن يَكونَ لعَدَمِ قُدرتِه، فنَفَى اللهُ العَجزَ وبَيَّن ذلك بسَببِ كمالِ عِلمِه وقُدرَتِه، إذن إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٍ.
стр. 215
ذَكَرَ الجَلالُ السُّيوطِيُّ -غَفَر اللهُ لنا وله- في سورَةِ المائدَةِ كلامًا مُنْكَرًا قال: [وخصَّ العقلَ ذاتَه فليس عليها بقادِرٍ]. يعني: كأنَّه يَقولُ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ إلَّا على ذاتِه فليس عليها قادرًا، وهذا لا شكَّ أنَّه قَولٌ مُنكَرٌ، كأنَّه يَقولُ مثلًا هل يَقدِرُ اللهُ على أن يُفنِيَ نفسَه على كَلامِه؟
فنَقولُ: هذا قَولٌ ساقطٌ؛ لأنَّ القُدرَةَ إنَّما تَتعلَّقُ بالشَّيءِ المُمكِنِ أمَّا الشَّيءُ المُستحيلُ فهو مُستحيل وليس مُستَحيلًا على قُدرتِنا، لا، المُستَحيلُ على قُدرتِنا غَيرُ المُستَحيلِ على قُدرةِ اللهِ، لكنَّ المُستَحيلَ لذاتِه فإنَّه لا يُمكنُ أن تتعلَّقَ به قُدرةٌ ولا غَيرُ قدرةٍ إلَّا العِلمَ؛ ولهذا قال السَّفارينيُّ في العَقيدَةِ (١):
.................. ... ... واقتَدَرْ
بقُدرةٍ تعلَّقت بمُمكِنٍ ... .....................
فيُقالُ للجَلالِ عَفا اللهُ عنَّا وعنه: إن أَردتَ أنَّ اللهَ ليس بقادِرٍ على أن يُفنِيَ نفسَه فهذا أمرٌ غيرُ واردٍ إطلاقًا؛ لأنَّ القُدرَةَ لا تُعلَّقُ بهذا، وإن أَردتَ أنَّه غَيرُ قادرٍ على أن يَنزِلَ إلى السَّماءِ الدُّنيا، وأن يَأتيَ للفَصلِ بَينَ عِبادِه، وأن يَستوِيَ على عَرشِه ونحو ذلك مِنَ الأفعالِ الاختِيارِيِّةِ، فهذا كَذبٌ بل هو قادرٌ على ذلك، لكنَّ السُّيوطيُّ عفا اللهُ عنَّا وعنه ممَّن يَرونَ أنَّ الأفعالَ الاختِيارِيَّةَ لا تَقومُ باللهِ، يَعني: يَقولُ: اللهُ ما يُمكنُ يَنزِلُ ولا يَستَوِي ولا يَأتي يَومَ القيامَةِ؛ لأنَّ هذه على زَعمِه حَوادثُ والحَوادثُ لا تَتعلَّقُ إلَّا بحادِثٍ.
على كُلِّ حالٍ: هذه فَلسفَةٌ جاءَ بها أهلُ الكَلامِ، وما أكثرَ ما جاؤوا به مِنَ الكَلامِ، وكَلامُهم كَلامٌ في كَلامٍ، لا فائدَةَ، تَطويلٌ بلا فائدَةٍ، إِضاعَةُ الوَقتِ
стр. 216
بلا فائدَةٍ مُؤدٍّ إلى الشَّكِّ والتَّردُّدِ بلا فائدَةٍ، ولهذا قال بعضُهم: أكثرُ النَّاسِ شكًّا عندَ الموتِ أهلُ الكَلامِ نَعوذُ باللهِ، لماذا؟ لأنَّهم لم يَبنوا عَقيدَتَهم على الكِتابِ والسُّنَّةِ بَنَوْها على وَهْمِيَّاتٍ ظَنُّوها عقليَّاتٍ، فضلُّوا وأَضَلُّوا، نحنُ نَقولُ كما قال رَبُّنا : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨] فقط ويَكفي.
أمَّا العِلمُ فهو أَوسَعُ مِنَ القُدرةِ؛ لأنَّ العِلمَ يَتعلَّقُ بالواجبِ والمُستحيلِ والمُمكِنِ، يَعني: عِلمُ اللهِ مُتعلِّقٌ بكُلِّ شيءٍ يَتعلَّقُ حتَّى بالمُستحيلِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وهذا مُستَحيلٌ، ومع ذلك تَعلَّقَ به العِلمُ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١] وهذا أيضًا مِنَ المُستَحيلِ على حِكمةِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الِاستِدلالُ بالعُمومِ على الخُصوصِ، فاللهُ تَعالى استَدَلَّ على قُدرَتِه على إِحياءِ المَوتى بدَليلَينِ أحدُهما خاصٌّ والثَّاني عامٌّ، الخاصُّ يُحيي الأرضَ بعدَ مَوتِها، والعامُّ: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
ويَنبَني على هذه الفائدَةِ: أنَّ العامَّ يَتناوَلُ جَميعَ أفرادِهِ، وقد ذَكَرَ ذلك النَّبيُّ ﷺ في قَولِه حينَ عَلَّمَ أُمَّتَه التَّشهُّدَ قال: "إذا فَعلتُم ذلك فقد سَلِمْتُم على كُلِّ عَبدٍ صالحٍ في السَّماءِ والأرضِ" (١) فمثلًا، إذا قال الرَّجلُ: دُورِي وَقفٌ، يَشمَلُ جَميعَ الدُّورِ، ولو قال: سَيَّاراتي لفُلانٍ، يَشمَلُ جَميعَ السَّيَّاراتِ، ولو قال: نِسائي طَوالقُ، يَشمَلُ كُلَّ امرأةٍ له، ولو قال: عَبيدي أحرارٌ، شَمِلَ كُلَّ عبدٍ، المُهِمُّ أنَّ العامَّ يَتناولُ جَميعَ أفرادِه.
стр. 217
الآية (٤٠)
* قالَ اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
ثُمَّ قال جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ يَقُولُ المُفسِّرُ ﵀: [مِن ألْحَدَ ولَحَدَ] مِن أَلحَدَ تَكونُ يُلحِدون، ولَحَدَ يَلحَدون، وأصلُ اللَّحدِ أو الإلحادِ هو المَيلُ ومنه سُمِّيَ اللَّحدُ لحدًا؛ لمَيلِه إلى جانبِ القبرِ. إذن فهذه المادَّةُ (لامٌ حاءٌ دالٌ) مأخوذَةٌ مِنَ المَيلِ، فمَعنى: ﴿يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: يَميلون فيها، وآياتُنا جَمعُ آيةٍ، وآياتُ اللهِ تَعالى تَنقَسِمُ إلى قِسمَينِ: آياتٍ شرعيَّةٍ وهي الوَحيُ المُنزَّلُ على الأنبياءِ والرُّسلِ، وآياتٍ قَدرِّيةٍ وهي المَخلوقاتُ، كُلُّ المَخلوقاتِ آياتٌ قَدريَّةٌ تَدُلُّ على خالِقِها وبارِئِها، وفي ذلك يَقولُ الشَّاعرُ الصَّادِقُ في قَولِه (١):
فواعَجبًا كيف يُعصى الإلَهُ ... أم كيف يَجحَدُه الجاحِدُ
وفي كُلِّ شيءٍ له آيَةٌ ... تَدُلُّ على أنَّه واحدُ
كُلُّ المَخلوقاتِ آيةٌ من آياتِ اللهِ، والإِلحادُ في الآياتِ الكَونيَّةِ يَكونُ بواحدٍ مِن أُمورٍ ثلاثَةٍ؛ إمَّا بإِضافتِها إلى غَيرِ اللهِ، وإمَّا باعتِقادِ مُشارِكٍ للهِ فيها، وإمَّا باعتِقادِ مُعينٍ للهِ فيها.
стр. 218
أمَّا الأَوَّلُ: فنِسبَتُها إلى غَيرِ اللهِ فتقولُ مثلًا الَّذي خَلَقَ السَّماءَ القُوَّةُ الطَّبيعيَّةُ هذا إِلحادٌ بالآياتِ الكَونيَّةِ.
والثَّاني: اعتِقادُ مُشارِكٍ للهِ فيها مِثل أن يَقولَ الَّذي يُدَبِّرُ الكَونَ هو اللهُ والإمامُ الفُلانيُّ كما تَقولُه بعضُ الرَّافضَةُ.
والثَّالثُ: اعتِقادُ مُعينٍ للهِ فيها يَعني: كأنَّ اللهَ عَجَزَ عن إِقامَةِ السَّمواتِ والأرضِ فأَعانَه آخرُ، يَعني: أن يَكونَ مُنفَرِدًا بالخَلقِ لكنَّ هناك مَن يُساعِدُه، ولكنَّ هذا المُساعِدَ ليس له شَرِكةٌ في الخَلقِ، وبهذا نَعرفُ الفَرقَ بَينَ المُعينِ والمُشارِكِ.
هذا هو الإلحادُ في آياتِ اللهِ الكَونيَّةِ، وإلى هذا يُشيرُ قَولُه تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] كُلُّ الثَّلاثَةِ نَفاهُنَّ، ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ على سبيلِ الاستِقلالِ ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ على سَبيلِ المُشارَكَةِ، ﴿وَمَا لَهُ﴾ أي: ما للهِ منهم من ظَهيرٍ أي مُعينٍ.
والآياتُ الشَّرعِيَّةُ قُلنا: إنَّها ما نَزلَ مِنَ الوَحيِ على رُسلِ اللهِ، الإِلحادُ فيها يَكونُ أيضًا في ثَلاثةِ أُمورٍ: تَكذيبُها أو تَحريفُها أو مخُالفَتُها، هذا الإلحادُ في الآياتِ الشَّرعيَّةِ، فمَن كَذَّب وقال: إنَّ محُمدًا مثلًا لم يَنزِلْ عليه الوَحيُ وإنَّما يُعلِّمُه بَشَرٌ فهو مُلحِدٌ، ومَن حَرَّفَها وغَيَّرَ مَعناها أو غَيَّرَ لَفظَها فهو مُلحِدٌ؛ لأنَّ التَّحريفَ يَكونُ لفظًا وَيكونُ مَعنًى، والثَّالثُ مَن خَالفَها فهو مُلحِدٌ، فمَن عصا اللهِ فهو مُلحِدٌ لكنَّه ليس الإِلحادُ الَّذي نَفهَمُه وهو الخُروجُ مِنَ الدِّينِ، بل هو مُلحِدٌ إلحادًا بقَدْرِ ما فَعَلَ مِنَ المَعصيَةِ والمُخالَفَةِ، دَليلُ ذلك قَولُه تَعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
стр. 219
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] هذا سَمعيٌّ، والدَّليلُ العَقليُّ: أتَّنا قُلنا الإلحادُ في اللُّغةِ هو المَيلُ، والعاصي المُخالفُ للأوامِرِ مائلٌ بلا شَكٍّ.
هَؤلاءِ الَّذين يُلحِدون في هذا أو في هذا، يَقولُ اللهُ : ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ هذه صِفَةُ نَفيٍ ﴿لَا يَخْفَوْنَ﴾ نَفَى اللهُ أن يَخفى عليه هَؤلاءِ؛ لِكمالِ عِلمِه.
واعلمْ أنَّه لا يُمكنُ أن يوجَدُ في صِفاتِ اللهِ نَفيٌ محَضٌ، بل كُلُّ ما نَفى اللهُ عن نَفسِه فهو مُتَضَمِّنٌ للكَمالِ والإثباتِ، وهذه ضَعْها قاعد عندَك لا تُفرِّطُ بها: لا يوجَدُ في صِفاتِ اللهِ نَفي محضٌ، بل كُلُّ ما نَفى اللهُ عن نَفسِه فإنَّه مُتضَمِّنٌ لكَمالِ، فمثلًا ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ لماذا؟ لكَمالِ عِلمِه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى كامِلُ العِلمِ محُيطٌ بكُلِّ شيءٍ: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
إذن ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ أي: لا تَخفى عَلينا حالُهم ولا أعيانُهم لكَمالِ عِلمِه، والمُرادُ بهذه الجُملَةِ التَّهديدُ، كما تَقولُ لابنِك: يا بُنيَّ اذهبْ لما شِئتَ فإنَّه لا يَخفى عَلَيَّ فِعلُك. فالمُرادُ بها التَّهديدُ وهي في غايَةِ التَّهديدِ؛ لأنَّه إذا قال اللهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فسوف تَرتَعِدُ الفَرائصُ من هذا الوعيدِ.
يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [﴿فِي آيَاتِنَا﴾ القُرآنِ بالتَّكذيبِ ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنُجازيهم].
في تَفسيرِ المفسِّر قُصورٌ:
أَوَّلًا: أنَّه جَعلَ الآياتِ هُنا الآياتِ الشَّرعيَّةَ وهذا غَلطٌ، فالآياتُ أعمُّ.
ثانيًا: أنَّه لم يَجعلِ الإلحادَ في الآياتِ الشَّرعيَّةِ إلَّا بنَوعٍ واحدٍ منَ الإلحادِ وهو التَكذيبُ، وقد قُلنا: إنَّ الإلحادَ فيها يَكونُ بواحدٍ من ثَلاثةِ أُمورٍ؛ إمَّا التَّكذيبُ
стр. 220
أو التَّحريفُ أو المُخالفةُ.
ولم نَتَكلَّمْ على الإلحادِ في الأسماءِ؛ لأنَّه ليس في الآيَةِ، لكن إتمامًا للفائدَةِ نَقولُ: الإلحادُ يَكونُ في أسماءِ اللهِ، وهو المَيلُ بها عمَّا يَجبُ؛ وذلك أوَّلًا أن يُسمِّيَ اللهَ تَعالى بما لم يُسَمِّ به نَفسَه كتَسمِيَةِ الفَلاسِفَةِ له: عِلَّةٌ فاعلَةٌ. يَقولون: إنَّ اللهَ هو العِلَّةُ الفاعِلَةُ لهذا الكَونِ، وتَسميَةُ النَّصارى إيَّاه أبًا يُسمُّونَه الأبَ والابنَ والرُّوحَ القُدُسَ.
الثَّاني: أن يُنكِرَ شَيئًا منَ الأسماءِ، أو مِمَّا دَلَّت عليه وهذا عَكسُ الأَوَّلِ، الأَوَّلُ سَمَّى اللهُ بما لم يُسَمِّ به نَفسَه، والثَّاني أنكَرَ ما سَمَّى اللهُ به نَفسَه إمَّا إنكارًا كُلِّيًّا وإمَّا إنكارًا جُزئيًّا، أو يُنكِرُ ما تَضمَّنَته الأسماءُ مِنَ المَعاني والصِّفاتِ، فيُنكِرُ الأسماءَ أو بَعضَها أو ما دَلَّت عليه مِنَ المَعاني والصِّفاتِ، فمثلًا الَّذين يَقولون: إنَّ اللهَ ليس لَه أسماءٌ ولا صِفاتٌ كغُلاةِ المُعتزلَةِ والجَهميَّةِ، هؤلاءِ مُلحِدونَ، والَّذين يَقولونَ له أسماءٌ لكن ليس لها مَعانٍ هَؤلاءِ أيضًا مُلحِدون كما هو المَشهورُ مِن مَذهَبِ المُعتزِلَةِ، والَّذين يُنكِرون بَعضَ الصِّفاتِ كالأشاعِرَةِ هم أيضًا مُلحِدونَ فيَقولون مَثلًا: إنَّ اللهَ لا يَثبُتُ له مِنَ الصِّفاتِ إلَّا سَبعُ صِفاتٍ، زَعَموا أنَّ العَقلَ دَلَّ عليها وأنَّ البَاقيَ لا يَدُلُّ عليه العَقلُ، وقد تَكلَّمنا على هذا كثيرًا ولا حاجَةَ لإعادتِهِ.
الثَّالثُ: أن يُشتَقَّ من أسمائِه أسمائِه للأصنامِ، ومنه اشتِقاقُ اللَّاتِ مِنَ الإلَهِ والعُزَّى مِنَ العَزيزِ ومَناةَ من المَنَّانِ، هذا أيضًا مِن الإلحادِ في أسماءِ اللهِ.
كُلُّ الإلحادِ هذا وغَيرُه في أسماءِ اللهِ قد تَوعَّدَ اللهُ مَن سَلَكَه في قَولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ استِفهامٌ مِنَ اللهِ والجَوابُ لا شكَّ أنَّه الثَّاني.
стр. 221
وفي قَولِه: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى﴾ هذا نَتيجَةُ قَولِه: ﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ إذن فالمَعنَى لا يَخفَونَ علينا وسنُلقيهم في النَّارِ، يَعني: هذه هي النَّتيجَةُ، وأخبِروني: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ والجَوابُ أنَّ النَّاسَ بصَوتٍ واحدٍ سيَقولونَ مَن يَأتي آمِنًا يومَ القيامَةِ هو الخَيرُ.
وقَولُه: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ﴾ ﴿يُلْقَى﴾ يُفيدُ هذا أنَّ أهلَ النَّارِ والعِياذُ باللهِ إذا وَردوها لا يَدخُلوها طائِعينَ ولا مخُتارينَ، ولكنَّهم يُلْقَون إِلقاءً كما يُلقى الحجَرُ مِن على الجَبَلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك: ٨]، وقال تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]؛ لأنَّهم لا يُريدون أن يَذهَبوا، ولكن قد ثَبَتَ أنَّ النَّارَ تمُثَّلُ لهم كالسَّرابِ فيَأتونَ إليها سِراعًا، نَقولُ: لا مُنافاةَ هي تُمَثَّلُ لهم كالسَّرابِ وهم يُريدون الشُّربَ فيَأتونَ إليها سِراعًا، فإذا وَصَلوا إليها وعَرَفوا أنَّها النَّارُ فهُم حينَئِذٍ يَقِفونَ ثُمَّ يُدَعُّون إلى نارِ جَهنَّمَ دعًّا - أعاذَنا اللهُ وإيَّاكم منها -، ثُمَّ يُلقَون فيها إلقاءً.
وقَولُه: ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وهم المُؤمِنونَ الَّذين لا يُلحِدون في آياتِ اللهِ هَؤلاءِ يَأتونَ يَومَ القيامَةِ آمِنين، قال اللهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ [الأنعام: ٨٢] في الدُّنيا والآخِرَةِ.
﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا﴾ إِعرابُ ﴿آمِنًا﴾ حالٌ، والفاعِلُ مُستتِرٌ التَّقديرُ: أمَّن يَأتي هو آمِنًا يَومَ القِيامَةِ.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يَعني: به يَومَ البَعثِ والنُّشورِ وسُمِّيَ يَومَ القِيامَةِ لوُجوهٍ ثَلاثَةٍ:
الأَوَّلُ: أنَّ النَّاسَ يَقومون فيه مِن قُبورِهم لرَبِّ العالمَينَ، كما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦].
стр. 222
الثَّاني: أنَّه يُقامُ فيه العَدلُ كما قالَ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
والثَّالثُ: أنَّه يُقامُ فيه الأشهادُ، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ﴾ [غافر: ٥١]، فلهذا سُمِّيَ يَومَ القيامَةِ.
قال اللهُ تَعالى: ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ يَعني بَعدَ هذا الإنذارِ والتَّهديدِ والوَعيدِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وهذه الجُملَةُ أيضًا تُفيدُ التَّهديدَ بِلا شَكٍّ، يَعني: اعمَلوا ما شِئتم مِنَ الخَيرِ أو مِنَ الشَّرِّ، ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
إذن ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ليست إِباحةً أنَّ الإنسانَ يَعملُ ما شاءَ كما يَدَّعي هَؤلاءِ أنَّ الحُرِّيَّةَ أن تَعمَلَ ما شِئتَ، عندَ هؤلاءِ الكُفَّارِ أنَّ الإنسانَ حُرٌّ في دينِه، يَدينُ بما شاءَ، حُرٌّ في أخلاقِه، يَتَخَلَّقُ بما شاءَ، حُرٌّ بأعمالِه يَعمَلُ ما شاءَ، هكذا عِندَهم، ونحن نَقولُ: لا، الحُرِّيَّةُ المُطلَقَةُ هي الرِّقُّ المُطلَقُ؛ لأنَّك إذا تَحَرَّرت من قُيودِ الشَّرع تَقَيَّدت بقُيودِ الشَّرِّ، ولهذا يَقولُ ابنُ القَيِّمِ في النُّونيَّةِ (١):
هَرَبوا مِنَ الرِّقِّ الَّذي خُلِقوا له ... وبُلوا بِرِقِّ النَّفسِ والشَّيطانِ
الرِّقُّ الَّذي خُلِقنا له هو عِبادَةُ اللهِ ؛ وقوله: "وبُلوا" يَعني: ابتُلوا.
فصاروا عَبيدًا لأنفُسِهم والشَّياطينَ. فَرُّوا من رِقِّهم للهِ إلى رِقِّهم للهَوى والشَّيطانِ.
فنَقولُ: إنَّ قَولَه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ ليس إطلاقًا بمَعنى ليس إِباحَةً، ولكنَّه تَهديدٌ، وهو أُسلوبٌ عَربيٌّ مُبينٌ منذُ نَزَلَ القُرآنُ وإلى يَومِنا هذا، ولهذا أَكَّدَه بقَولِه:
стр. 223
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، يَقولُ المُفسِّرُ ﵀: [تَهديدٌ لهم].
قَولُه: ﴿إِنَّهُ﴾ الضَّميرُ يَعودُ على اللهِ .
وقَولُه: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي: عَليمٌ، وقُدِّمَ على عامِلِه لسَببينِ: أحدُهما لَفظِيٌّ، والثَّاني مَعنَويٌّ.
أمَّا اللَّفظيُّ: فهو لتَناسُبِ رُؤوسِ الآياتِ، والقُرآنُ الكريمُ نَزلَ بلِسانٍ عَربيٍّ، يُراعي التَّناسُبَ اللَّفظيَّ والمَعنويَّ.
والفائدَةُ الثَّانيةُ: أنَّه أَشَدُّ تَهديدًا مِمَّا إذا جاءَ مُتأخِّرًا عن عامِلِه كأنَّه يَقولُ: لو لم يَكُنْ عالمًا بأيِّ شَيءٍ لكانَ عالمًا بأعمالِكم. فهُنا الحَصرُ لِبيانِ التَّهديدِ لهَؤلاءِ كأنَّه يَقولُ: لو خَفِيَ عليه كُلُّ شيءٍ لم يَخفَ عليه أَعمالُكم.
من فوائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَحريمُ الإلحادِ في آياتِ اللهِ، وَجهُ ذلك أنَّ اللهَ تَعالى هَدَّد المُلحِدينَ في آياتِ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثباتُ الآياتِ والتَّقسيمُ من عِندنا مَبنِيٌّ على التَّتبُّعِ والاستِقراءِ، يَعني: إِثباتُ أنَّ اللهَ تَعالى له آياتٌ كونِيَّةٌ وشَرعيَّةٌ، والآياتُ ليس فيها ذلك لكن بالتَّتبُّعِ والاستِقراءِ عَلِمنا أنَّ آياتِ اللهِ تَنقَسِمُ إلى قِسمينِ شَرعِيَّةٍ وكَونيَّةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَهديدُ المُلحِدينَ بأنَّ اللهَ مُطَّلعٌ عليهم لا يَخفى عليهِ شَيءٌ مِن أحوالهِم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: سِعةُ عِلم اللهِ ﵎ وأنَّه لا يَخفى عليهِ شَيءٌ.
стр. 224
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ الإلحادَ سببٌ لدُخولِ النَّارِ؛ لقَولِه: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ يَعني: مِثلَ المُلحِدينَ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ أهلَ النَّارِ والعِياذُ باللهِ يُلْقَونَ فيها إِلقاءً ويُدَعُّون إليها دَعًّا إهانَةً لهم وذُلًّا وإِذلالًا؛ لقَولِه: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: جَوازُ المُفاضَلَةِ بينَ شَيئينِ بَينَهما مِنَ التَّباينِ أكثرُ مِمَّا بَينَ السَّماءِ والأرضِ إفحامًا للخَصمِ.
والدَّليلُ: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كُلٌّ يَعلَمُ أنَّ الثَّاني خَيرٌ وأنَّه لا حاجَةَ للاستِفهامِ لكن من أَجْلِ إفحامِ الخَصمِ وإِقامَةِ الحُجَّةِ عليه، ونَظيرُ ذلك قَولُه تَعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] كُلٌّ يَعرِفُ أنَّ اللهَ خَيرٌ لكنَّ هذا من بابِ إفحامِ الخَصمِ، ومنه قولُه تَعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] كُلُّ يَعلَمُ أنَّ الأعْلَمَ هو اللهُ لكنَّ هذا أيضًا من بابِ إِفحامِ الخَصمِ، وهذه فائدَةٌ يُنتبَهُ لها: أنَّ المُفاضَلَةَ بَينَ شَيئينِ التَّفاوُتُ بينَهما ظاهِر لا يُرادُ به المُقارَنَةُ، ولكنْ يُرادُ به إفحامُ الخَصمِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ مَنِ استَقامَ في آياتِ اللهِ ولم يُلحِدْ فيها فإِنَّه يَأتي يَومَ القِيامَةِ آمنًا؛ لقَولِه: ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ في مُقابلِ المُلحِدينَ الَّذين يُلْقَون في النَّارِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عَظمَةُ اللهِ وقُوَّةُ سُلطانِه؛ لقَولِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فإنَّ مِثلَ هذا التَّهديدِ لا يَكونُ إلَّا من كاملِ السُّلطانِ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إِثباتُ يَومِ القيامَةِ؛ لقَولِه: ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: ومنها أيضًا أنَّ النَّاسَ في يَومِ القِيامَةِ بينَ آمِنٍ وخائِفٍ؛ لقَولِه: ﴿أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
стр. 225
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إِثباتُ المَشيئَةِ للعَبْدِ؛ لقَولِه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فيكونُ في ذلك رَدٌّ على الجَبِرَيَّةِ.
فالجَبرَيَّةُ يَقولونَ: الإنسانُ مجُبَرٌ على العملِ، وليس له أيُّ إرادَةٍ فيما يَفعَلُ، عَجبًا
لهم يُصلِّي بِلا إرادَةٍ، ويَتوضَّاُ بِلا إرادَةٍ، وَيمشي بِلا إرادَةٍ، ويَقعُدُ بِلا إرادَةٍ، وُيؤمنُ
بِلا إرادَةٍ، ويَكفُرُ بلا إرادَةٍ، سُبحانَ اللهِ - مجُبَرٌ قال: نَعَمْ، مجُبَرٌ، فالحَركةُ هذه طَبيعيَّةٌ
فيه كالإحراقِ في النَّارِ، هل النَّارُ تَحرِقُ باختِيارِها؟ لا، لكن أُودعَ فيها الإحراق،
هم يَقولونَ: هذه الأفعالُ والحَركاتُ مِنَ الإنسانِ لا إرادِيَّةَ، لكنَّه جُبِلَ عليها.
وَيقولونَ: إنَّ حركَتَه الإرادِيَّةَ كحَركتِه الاضطرارَيَّةِ فنُزولُ الإنسانِ في الدَّرجِ
مِنَ العُليا إلى السُّفلى وصُعودُه مِنَ السُّفلى إلى العُليا، كمَن دَحرَجَ دَحرجَةً على الدَّرجِ،
والمُدحرِجُ ليس له اختِيارٌ، هم يَقولون هكذا، الَّذي يَنزِل باختِيارِه لا فَرقَ.
فقيل لهُم: إذا كان كذلك، فإنَّ مِن أظلَمِ الظُّلمِ أن يُعذِّبَ اللهُ الظَّالمَ؛ لأنَّ الظَّالمَ
يَقولُ: أنا مجُبَرٌ ولا لي قُدرَةٌ ولا لي اختيارٌ قالوا: لا يُمكنُ، الظُّلمُ في حقِّ اللهِ مُستحيلٌ
لذاتِه، لا لأنَّ اللهَ لا يُريدُه لكنَّه مُستحيلٌ لذاتِه لماذا؟ قالوا: لأنَّه تَصرُّفُ الخالِقِ في
مُلكِه والمُتَصَرِّفُ في مُلكِه ليس بظالِمٍ، ولهذا قال ابنُ القَيِّمِ ﵀ عنهم (١):
والظُّلمُ عندهم المُحالُ لذاتِه ... ................
ونحنُ نَقولُ: أخطَأتُم؛ لأنَّ اللهَ تَعالى شَرَعَ شَرائِعَ وأوعَدَ مَن خالفَها ووَعَدَ مَن وافَقَها وأعطى الإنسانَ حُرّيَّةً، والظُّلمُ مُمكِنٌ في حَقِّ اللهِ لكنَّه مُستحيلٌ عليه إِرادَةً، بمعنى أنَّه لا يُريدُ الظُّلمَ ولو شاءَ لظَلَمَ لكنَّه لا يُريدُه وليس وَصْفَه إطلاقًا،
стр. 226
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وقال: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩]، وقال تَعالى في نَفيِ إرادَةِ الظُّلمِ ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١] وكيف يَتَمَدَّحُ اللهُ بأمرٍ مُستحيلٍ هذا غَيرُ مُمكِنٍ، لولا أنَّ الظُّلمَ مُمكِن ما كان وَصْفُ اللهِ به كمالًا فهو مُمكِنٌ، مُمكِنٌ أن يُعذِّبَ الإنسانَ الَّذي أمضى لَيلَه ونَهارَه في طاعَةِ اللهِ مُمكِنٌ عقلًا، لكنَّ اللهَ تَعالى لا يُريدُ هذا، لذلك بَطَلَ قَولُهم بأنَّ الظُّلمَ محُالٌ في حقِّ الخالقِ؛ لأنَّه يَتصرَّفُ في مُلكِه.
وعلى كُلِّ حالٍ: في الآيَةِ هذه ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ دَليلٌ على إِثباتِ المَشيئَةِ للعَبدِ وهو يَرُدُّ ردًّا واضحًا على الجَبِرَّيةِ، العَجبُ أنَّه قامَ أُناسٌ ضِدَّ الجَبرَيَّةِ فدَاوَوا البِدعَةَ ببِدعَةٍ، قالوا: الإنسانُ له مَشيئةٌ وإِرادةٌ واختِيارٌ لكنَّه مُنفَصلٌ عن إِرادَةِ اللهِ ومَشيئَتِه مُستَقِلٌّ بالعَمَل ما للهِ إرادةٌ فيه إطلاقًا كيف؟ قال: نعم أنت الآنَ تَذهَبُ وتَجيءُ باختِيارِك لا تَشعُرُ أنَّ أحدًا يُجبِرُك أو يُكرِهُك فإذن لا عَلاقَةَ للهِ بفِعلِك، فأنت تَفعَلُ مخُتارًا مُستقِلًّا عن إرادَةِ الخالِقِ، والأقرَبُ إلى المَعقولِ هم القَدرَيَّةُ؛ لأنَّ كُلَّ إنسانٍ يَعرِفُ أنَّه يَفعَلُ الشَّيءَ باختِيارِه، وأنَّه يُحمَدُ على فِعلِه للخَيرِ، ويُذمُّ على فِعلِه للشَّرِّ، ولو كان بِغيرِ اختِيارٍ ما استحَقَّ أن يُحمَدَ على الخيرِ ولا أن يُذَمَّ على الشَّرِّ، كُلٌّ يَعلمُ ذلك ولهذا يُسمَّونَ العَقلانِيِّينَ؛ لأنَّهم يُحَكِّمون العَقلَ حتَّى في مِثلِ هذا الأمرِ.
إذن؛ نَقولُ: قوبِلَت بِدعَةُ الجَبريَّةِ بِبِدعةِ القَدريَّةِ الَّذين أثَبَتوا للإنسانِ إرادَةً استقلالًا؛ ولهذا يُسمَّونَ مَجوسَ هذه الأُمَّةِ؛ لأنَّ المَجوسَ يَقولون: الحَوادثُ لها خالِقانِ: الظُّلمَةُ والنُّورُ. كُلُّ ما في الدُّنيا مِن شَرٍّ فخالِقُه الظُّلمَةُ وكُلُّ ما فيها مِن خيرٍ فخالِقُه النُّورُ؛ لأنَّ الأشياءَ في الدُّنيا كُلِّها إمَّا خَيرٌ وإمَّا شَرٌّ.
فيَجبُ أن يَكونَ هناك إلهانِ إلهُ الخيرِ وإلهُ الشَّرِّ، والمُناسِبُ للخَيرِ النُّورُ؛ لأنَّ
стр. 227
فيه سِعةَ الصَّدرِ والانشِراحِ، والأنسَبُ للشَّرِّ الظُّلمَةُ، قالوا: إذن جَميعُ ما يَحصُلُ في الكَونِ له خالِقانِ ظُلمَةٌ ونورٌ، الظُّلمةُ تَخلُقُ الشَّرَّ والنُّورُ يَخلُقُ الخيرَ، وفي هذا يَقولُ المُتنبِّي في مَمدوحِه (١):
وكلم لظَلامِ اللَّيلِ عِندَك من يدٍ ... تُحدِّثُ أنَّ المانَويَّةَ تَكذِبُ
(كم) للتَّكثيرِ (كم لِظَلامِ اللَّيلِ عِندَك من يدٍ) أي: مِن نِعمَةٍ، (تُحدِّثُ أنَّ المانَويَّةَ) وهم فِرقَةٌ مِنَ المَجوسِ (تَكذِبُ)؛ لأنَّ المانويَّةَ تَقولُ: الظُّلمَةُ تَخلُقُ الشَّرَّ والنَّعم خيرٌ، فيَقولُ لمَمدوحِه: أنت تَجودُ ليلًا ونهارًا ممَّا يُكَذِّبُ المانويَّةَ الَّذين يَقولونَ: إنَّ الظُّلمةَ تَخلُقُ الشَّرَّ.
ونحن نَقولُ: إنَّ الجبرَّيةَ قوبِلت بِدعتُهم ببِدعةٍ؛ واعلمْ أنَّ البدعةَ لا يُمكنُ أن تُقَاوَمَ ببدعة؛ لأنَّك إذا ابْتَدَعتَ ادَّعَوا عَليك، ومنْ ذلك ما يَفعلُه بعضُ النَّاس في يومِ عاشوراءَ، فَيومُ عاشوراءَ عند الرَّافضةِ يومُ حزنٍ وبَلاءٍ فجاءَ أُناسٌ مِن أهلِ السُّنَّةِ قالوا: إِذنْ نَجعلَه يومَ فَرحٍ وسُرورٍ، وأنَّه يَنبغي أنْ نَتزيَّنَ ونَتجمَّلَ ونُوسِّعَ على العِيال، ضدَّ الحُزنِ، لكن هل هَذا صَحِيحٌ؟ لا؛ لأنَّا إذا فَعَلْنا هَذا قالتِ الرَّافضةُ: ما دَلِيلُكُمْ على هَذا؟ فلا يُمكِنُ أن تُقابَلَ البِدعةُ بالبدعَةِ أبدًا، لا تُقابَلُ إلَّا بالسُّنَّةِ.
مسألة: وَجدنَا ما يُسَمَّى الآنَ بالتَّمثيلِ السَّاقطِ، فَالبعضُ دعا إلى التَّمثيلِ الهادفِ، هل هَذا مُقابَلةُ بِدْعةٍ بِبِدعةٍ؟
فالجوابُ: هذا التَّمثيلُ ليس هو بِدعة في حَدِّ ذاتِها، التَّمثيلُ تَقريبُ المَعاني بصورتِهَا الفِعليَّةِ، وقد وَرَدَ التَّمثيلُ في الحديثِ الصَّحيحِ في قصَّةِ المَلَكِ الَّذي جاءَ
стр. 228
إلى الأَقرعِ والأَبرصِ والأعمى بِصورَتِه الَّتي عليها (١) وقالَ: إِنَّهُ مسكينٌ وابنُ سبيلٍ، ولا أَبرصَ ولا أَقرعَ ولا أَعمَى، لكنَّ هذا للتَّقريبِ، إِنَّما المُبالغةُ في التَّمثيلِ بحيثُ لا نَدْعو النَّاسَ إِلَّا بِه، هَذَا هو الخطأُ.
فنَقولُ: الدَّعوةُ إِلَى اللهِ تَعالى لَها وَسائلُ، كُلُّ ما يَكونُ فيه تَصويرُ الواقعِ والتَّحذيرُ منه بِدونِ أن يَشتملَ على كَذِبٍ أو محُاكاةِ البَهائمِ أو محُاكاةِ الرَّجُلِ المَرأةَ أو بالعكسِ، فَلا مانِعَ، فنَحنُ لا نُنكِرُ التَّمثيلَ مُطلقًا ولا نُحَبِّذُه، ونُنكِرُ أن يَكونَ هوَ الوَسيلةَ إلى الدَّعوةِ إلى اللهِ، لِأَنَّكَ إذا عَوَّدتَ النَّاسَ على أنَّك لا تَدعُوهم إلى اللهِ إِلَّا بِهَذه الوَسيلَةِ نَسوا الأَهَمَّ وهو مَوعِظةُ القُرآنِ والسُّنَّةِ.
نحنُ نُقابلُ الجبرَيَّةَ الَّذينَ يُنكِرونَ مَشيئَةَ العبدِ بِدَلالةِ الكِتاب والسُّنَّةِ أنَّ لِلإنسانِ مَشيئَةً، ونُقابلُ القَدَريَّةَ بأنَّ اللهَ تَعالَى له مُلكُ السَّمَواتِ والأَرضِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
إذن أَنا إذا شِئتُ شَيئًا وفَعَلتُهُ أَقولُ: إنَّ اللهَ شَاءَ ذلكَ قَبْلَ أن أَشاءَه، لا يُمكِنُ أن أَشاءَ شَيئًا وأَفْعلَه دونَ أنْ يَكونَ اللهُ شَاءَه أبدًا.
فَإذَا قَالَ قَائِلٌ: أَنتَ إِذَا قُلتَ هَذَا، وأَنَّ مَشيئَتَك بَعْدَ مَشيئَةِ اللهِ وتَابعَةٌ لِمَشيئَةِ اللهِ لَزِمَ على ذَلكَ أن يَحْتَجَّ العَاصِي عَلينَا بِقَدَرِ اللهِ ومَشيئَتِه. العاصي يَشاءُ المَعصيَةَ وَيفعَلُ المَعصيةَ. قُلنَا له: لمِاذَا؟ قَالَ: لأنَّ اللهَ شَاءَ ذلك، أَنتم تَقُولُونَ: إِنَّه ما مِنْ مَشيئَةٍ لِلعبدِ إِلَّا وَهي مَسبُوقَةٌ بمَشيئَةِ اللهِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، أَنا ماذا أَفعلُ! شَاءَ اللهُ أن أَفْعلَ فَفَعلتُ، كيف تَلومونَني على أَمرٍ كَتبَه اللهُ عَلَيَّ وشَاءَهُ عَلَيَّ؟
стр. 229
نَقوُل قَبْلَ كُلِّ شَيءٍ: مَن أَعْلَمَكَ أنَّ اللهَ شَاءَ ذلكَ؟ هل أَحدٌ يَعْلمُ أنَّ اللهَ شَاءَ الشَّيءَ إِلَّا بَعدَ وقوعِهِ؟ لا يَعلَمُ ذلك أَحَدٌ: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. أَنا مَثلاً عِندمَا أَقومُ وأُصلِّي، أَعْلمُ أَنَّني عِندَما شِئتُ الصَّلاةَ وفَعَلتُ فَقدْ شاءَ اللهُ مِنْ قَيْلي، لكن قَبْلَ أن أُصَلِّيَ هل أَعْلمُ أنَّ اللهَ شَاءَ أَنْ أُصَلِّيَ أم لا؟ الجَوابُ: لَا، فالعاصي حينَ يَفعلُ المَعْصيةَ هل يَعلَمُ أنَّ اللهَ شاءَ له أَنْ يَفْعلَ المَعصيةَ قَبْلَ أن يَفعلَها؟ لَا، إِذن لَا حُجَّةَ له، وما أَحْسَنَ مَا قال بَعضُ العُلماءِ: "إِنَّ القَدَرَ سِرٌّ مَكتومٌ لا يُعلَمُ إلَّا بَعْدَ وقوعِ المَقدورِ" وهوَ كذلِكَ، هذا جَوابٌ مُفحِمٌ، لا يُمكِنُ أن يَتخطَّاه المُجرِمُ قِيدَ أُنمُلَةٍ.
ثم نَقوُل له: أَلَستَ الآنَ إذا كان أَمَامكَ نارٌ محُرِقَةٌ أو أَوديةٌ مُغرِقةٌ، أَلَستَ تُحجِمُ عنها ولا تُقدِمُ عليها؟ فإن قيلَ: بَلَى، قُلْنَا: فلماذا لا تُقدِمُ وتُلْقي نَفسَكَ بالنَّارِ وتَقولُ: هَذِه مَشيئَةُ اللهِ؟ لا يُمكِنُ أن يُقْدِمَ لا على أَوْديةٍ مُغرِقةٍ ولَا على نَارٍ محُرِقةٍ، ويَدَّعي أنَّ ذلك مَشيئَةُ اللهِ، فلِماذا لم تَتجنَّبِ المعاصيَ الَّتي عَلِمتَ بِوَعدِ اللهِ أو وَعيدِه أَنَّها سببٌ لِدُخولِ النَّارِ؟ هذا نُخاطبُه عندَما نُريدُ منه أن يَجتنِبَ المَعاصيَ.
وأمَّا عندما نُريدُ مِنْه أَنْ يَفعلَ الطَّاعاتِ نَقولُ: نَزَلَ في الصُّحُفِ مُسابقةٌ على وَظيفتَينِ؛ إِحداهُمَا عَشَرةُ آلَافِ رِيالٍ في الشَّهرِ، والثَّانيَةُ عَشَرَةُ رِيالاتٍ في الشَّهْرِ إلى أَينَ يَذْهبُ؟ هل يَذْهبُ إِلَى عَشَرَةٍ ويَقولُ هذا تَقديرُ اللهِ؟ أَلَستَ تَذهبُ لِلْعَشَرةِ آلَافٍ تُريدُ هَذَا الرَّاتبَ الجيِّدَ؟
فإنَّ العملَ الصَّالِحَ عُرِضَ عَليكَ بأنَّ جَزاءَ الحَسنةِ بِعَشَرةِ أمثالهِا إلى سَبع مئةِ ضِعْفٍ، لمِاذا لا تُقدِمُ عليها كَما كُنتَ تُقدِمُ على ما تَراه حظًّا لَك في الدُّنيَا، فَلماذا لَا تُقدِمُ على ما تَراه حظًّا لَكَ في عَملِ الآخرَةِ؟ وبهذا تَنقطعُ حُجَّةُ الظَّالمِ سَواءٌ ظَلَمَ
стр. 230
بفعلِ المُحرَّماتِ، أو بتَرْكِ الواجباتِ.
وقد تَعرَّضْنا لِهَذا وإِنْ كان لَيسَ من خَصائصِ عِلْمِ التَّفْسيرِ؛ لِأنَّ هذا مِنْ عِلْمِ العَقيدةِ، المُهِمُّ رُبَّما يُشَوِّشُ على الإنسانِ مِثْلُ هذهِ الإراداتِ مِنَ الجَبرَيَّةِ أو مِنَ القَدَرَيَّةِ، فنَقولُ بِما تقدَّم، والأمرُ والحمدُ للهِ واضحٌ حتَّى إنَّ الرَّسولَ ﵊ حَلَّ هذه المُشكلةَ بكَلِمتَينِ فقط، قال ﵊ وهو على شَفيرِ قَبْرٍ لِإحدَى بَناتِه قال: "ما مِنكُم مِن أَحدٍ إلَّا وقد كُتِبَ مَقعدُهُ مِنَ الجَنَّةِ ومَقعدُهُ مِنَ النَّارِ، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفلا نَدعُ العَمَلَ ونَتَّكِلُ على الكِتَابِ؟ "، هذا اعتِراضٌ لكنَّه اعتراضٌ في بادئِ الأَمْرِ كما قَالَ تَعالَى: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ما دامَ الشَّيءُ مَكتوبًا فَلا حاجَةَ لِلعَمَلِ، هذا مَكْتوبٌ لهُ السَّعادةُ فلْيَنَمْ؛ لأنَّه من أَهْلِ السَّعادةِ، وهذا مِنْ أَهْلِ الشَّقاوَةِ فَلا يَعْملُ؛ لأنَّه مِن أَهْلِ الشَّقاوَةِ، فَلا حاجَةَ أنْ يَعمَلَ! ؟ فقال النَّبيُّ ﵊ كَلِمَتَينِ: "اعْمَلوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ" (١). سُبْحانَ اللهِ لم يَأْتِ بِفَلسفَةٍ وتَطويلٍ بل كَلِمتَينِ: "اعمَلوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له"، هذا الَّذي مِنْ قِبَلِنا - أنْ نَعمَلَ- ثُمَّ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له.
فإذا وَجَدتَ مِن نَفْسِكَ أنَّ اللهَ يَسَّرَ لكَ الخَيرَ والهُدَى والنَّشاطَ على العِبادةِ، فاعْلَمْ أنَّكَ مِمَّن كُتِبَ من أَهلِ السَّعادةِ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : "أَمَّا أهلُ السَّعادةِ فيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أهلِ السَّعَادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوَةِ فيُيَسَّرونَ لِعَمَلِ أَهلِ الشَّقاوَةِ".
فَالأَمرُ -والحَمدُ لله- واضِحٌ جِدًّا أَنَّه لا حُجَّةَ للعاصي بالقَدَرِ على مَعصيِتِه ولَا لِلمُتَهاونِ بِالواجِبِ بالقَدَرِ على تَهاوُيه، فالأمرُ أَوضَحُ مِن أن يَحتاجَ إلى كَثيرِ كَلامٍ.
стр. 231
بَقِيَ عَلينا أن يُقالَ: أَلَيسَ آدَمُ قَدِ احتَجَّ بالقَدَرِ؟ أَوَلَيسَ اللهُ تَعالَى قد احتجَّ بالقَدَرِ فقال لرسولِه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ فما هو الجَوابُ؟ الجَوابُ أن يُقالَ: أمَّا قولُه تَعالَى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، فهَذا تَسليةٌ للرَّسولِ ﵊، حيثُ قال اللهُ له: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، فشِرْكُهمْ بمَشيئَةِ اللهِ، ومَعلُومٌ أنَّ الرَّسُولَ ﵊ سوف يَرْضَى بقَضاءِ اللهِ، ولِهَذا يَجِبُ عَلينا أن نَنظُرَ إلى أهلِ المَعاصي بنَظرينِ؛ نَظرٍ قَدَريٍّ ونَظرٍ شَرعيٍّ.
النَّظرُ القَدَريُّ أنْ نَرضى بِما وَقَعَ مِن مَعاصيهم؛ لأنَّه بتَقديرِ اللهِ، والنَّظرُ الشَّرعيُّ أن نُلْزِمَهم بشَرعِ اللهِ، فنُقيمُ عليهمُ الحُدودَ والتَّعْزيراتِ، وغَيرَ ذلك مِمَّا يَحمِلُهُم على فِعلِ الطًّاعاتِ وتَرْكِ المُحرَّماتِ، فانْتبِهوا يا إِخوانُ، هذه المسائِلُ مُهمَّةٌ جدًا.
إذن نَقولُ: إنَّ قولَهُ تَعالَى للرَّسولِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، الغَرضُ منه تَسليةُ الرَّسولِ ﵊؛ لأنَّه إذا عَلِمَ أنَّ ذلك بمَشيئةِ اللهِ رَضِيَ، ولكنَّ اللهَ تَعالَى أَبطلَ هذه الدَّعوَى منهم بقولِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] بعُقوبَةِ اللهِ، أَبطلَ اللهُ هذه الحُجَّةَ؛ لأنَّهم أَرادوا بذلك إِبطالَ الشَّرْعِ بالقَدَرِ، فبَيَّنَ اللهُ تَعالَى أنَّه عذَّبَهم.
وأمَّا آدمُ لمَّا احتَجَّ عليه موسى وقالَ له: خَيَّبْتَنا أَخْرَجتَنا ونَفْسَكَ مِنَ الجنَّةِ - بمَعصيتِه بأَكْله مِنَ الشَّجرةِ - فقال له آدَمُ: أتَلومُني على شيءٍ كَتبَه اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أن يَخلُقَني بأربعينَ سَنَةً؟ قال النَّبيُّ ﵊: "فَحَجَّه آدَمُ" (١). وفي رِوايةٍ:
стр. 232
"فحَجَّ آدَمُ موسى" (١)، ومعنى حَجَّه؛ أي: غَلَبَه في الحُجَّةِ.
فإِنْ قال قائِلٌ: في احتِجاجِ آدَمَ على موسى وأنَّهُ قال: "كيف تَلومُني على شيءٍ قد كَتَبهُ اللهُ عَلَيَّ قَبلَ أن أُخْلَقَ بأربعينَ سَنةً"، ألا يَدُلُّ على أنَّ آدَمَ خُلِقَ قَبْلَ خَلْقِ القَلَمِ بأربَعينَ سَنةً؟
فالجوابُ: لا، هو يَقولُ: كُتِبَ عليه قَبلَ أن يُخْلَقَ، أي مَكتوبٌ قَبلَ خَلْقِ آدَمَ، فآدَمُ خُلِقَ بَعدَ أن كُتِبَ عليه بأربَعينَ سَنَةً، لكن كيف نَجْمعُ بَينَ قولِه بأربَعينَ سَنةً، وبَينَ أنَّ اللهَ تَعالَى خَلَقَ القَلمَ، وقال له: اكْتُبْ، قَبلَ أن يَخلُقَ السَّمَواتِ بخَمسينَ أَلْفَ سَنَةٍ، يُقالُ: إذا صَحَّتِ الكَلمةُ هَذهِ وكانت محَفوظةً، فإنَّ هذه كتابَةٌ أُخْرَى خَاصَةٌ بآدَمَ.
فاحتجَّ آدَمُ بالقَدَرِ الَّذي كُتِبَ عليه قَبْل أن يُخْلَقَ وخَصَمَ موسى. هَذا الحَديثُ يَحتجُّ به أَهلُ المَعاصي على مَعاصيهم ويَقولونَ: إِنَّ آدَمَ احْتجَّ بالقَدَرِ على موسى وحَكَمَ النَّبيُّ - صَلواتُ اللهِ وسَلامهُ عَليهِ - لآدَمَ وقال: إِنَّهُ حَجَّه، فنحنُ نحتَجُّ بالقَدَر كما احْتجَّ أَبونا، نُجيبُ عَن هَذَا بجَوابَينِ:
الجوابُ الأوَّلُ مِن شيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيْميَّةَ (٢) ﵀ قال: إنَّ آدمَ لم يَحتجَّ بالقَدَرِ على المَعصيَةِ، وإنَّما احْتجَّ بالقَدَرِ على الخُروجِ مِنَ الجنَّةِ، أَمَّا المَعصيَةُ فَقدِ اعْتذَرَ منها آدَمُ وقالَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧]، فآدمُ لا يُمكنُ أن يَحتجَّ بالقَدَرِ على المَعصيَةِ
стр. 233
لا يُمكنُ إِطْلاقًا وهو أَجَلُّ قَدْرًا من أن يَحتجَّ بالقَدَرِ على مَعصيَةِ اللهِ، وإنَّمَا احْتجَّ بالقَدَرِ على إِخراجِهِ منَ الجنَّةِ لا على سببِ الإِخراجِ، والِاحتجاجُ بالقَدَرِ على المَصائبِ أَمْرٌ جائِزٌ، وهو غَايةُ التَّسليمِ لله . أَرَأيتُم قولَ الرَّسولِ ﵊: "المُؤمنُ القَويُّ خَيرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤمنِ الضَّعيفِ، وفي كُلٍّ خيرٌ، احْرِصْ على ما يَنفعُكَ واسْتعِنْ باللهِ ولا تَعجَزْ، وإنْ أصابَكَ شيءٌ فلا تَقُلْ: لو أَنّي فعلتُ لكانَ كَذا وكَذا، ولكنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَما شاءَ فَعَلَ" (١). وهذا احْتِجاجٌ بالقَدَرِ لكنْ بعدَ فِعْلِ الأسبابِ، فالاحتِجاجُ بالقَدَرِ على المَصائبِ أَمْرٌ جائِزٌ، والإنسانُ عِندما يُصابُ بالمُصيبَةِ وَيقولُ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، فهَذَا يَعني: التَّسليمَ للقَدَرِ.
إذنِ احْتِجاجُ آدَمَ ﵊ بالقَدَرِ على المُصيبَةِ لا عَلَى المَعصيةِ، هذا وَجهٌ.
وجهٌ آخَرُ: ما كانَ لموسَى ﵇ أن يَلومَ أَباه على ذَنبٍ تابَ منه وحَصلَ له بَعدَه أَنِ اجْتَباه رَبُّه وهداه، أدنى وَاحدٍ منَ النَّاسِ إذا أُصيبَ بذَنبٍ ثُمَّ تابَ، فإنَّه لنْ يُوَجِّهَ اللَّومَ إليه، قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ [طه: ١٢١ - ١٢٢]، أَي: اصْطَفاه واختارَه ﴿وَهَدَى﴾ [طه: ١٢٢]، هذ المَنزِلَةُ ما حَصَّلَها قَبْل أن تَحْصُلَ له المعصيَةُ.
إذن لا يُمْكِنُ لموسَى أن يَلومَ أَباه على ذَنبٍ تابَ مِنه وارْتَفَعَ بعد التَّوبةِ منه مَنزلةً عِندَ اللهِ ، هذا لا يُمْكنُ أن يَكونَ لأدنَى وَاحدٍ فَضلًا عن رَجُل مِن أُولِي العَزمِ مِنَ الرُّسلِ، هذا جَوابُ شيخِ الإِسلامِ ابْنِ تَيميَّةَ وهُو جَوابٌ جيِّدٌ لَا شكَّ.
стр. 234
وذَهبَ ابنُ القَيِّمِ (١) ﵀ إلى جَوابٍ آخَرَ وقالَ: "إنَّ الاحتِجاجَ بالقَدَر على المَعصيةِ بعدَ التَّوبَةِ منها والإقْلاعِ عنها مَقبولٌ، لا لرَفْعِ اللَّومِ واستِباحَةِ الاستِمرارِ"، فيقولُ: الِاحتجاجُ بالقَدَر نَوعانِ: نَوعٌ احْتجاجٌ بالقَدَرِ بَعدَ فَواتِ الأَوانِ مَع الإقْلاعِ عنِ المَعصيَةِ وحُسْنِ الحالِ فَهَذا جائِزٌ، واحْتِجاجٌ بالقَدَر لِدَفعِ اللَّومِ والاستِمرارِ في المَعصيَةِ، فهذا مَمنوعٌ. يَعني: إذا قَدَّرْنا أَنَّ احتجاجَ آدَمَ ﵊ بالقَدَرِ على المَعصيَةِ الَّتي تابَ مِنها وهَداه اللهُ واجْتَباه يَكونُ جائِزًا على هذا التَّقديرِ؛ لِأنَّ آدَمَ ما احْتجَّ بذَلكَ لِيَستمِرَّ، احتجَّ بذلك لِأمرٍ قَد فاتَ.
ونَظيرُ هَذا فيما عِندَنا الآنَ لَوْ أنَّ إِنسانًا زَنَى -وَالعياذُ بِاللهِ- وَهو رَجلُ خَيّر، لَكِنْ غَلَبَتْه شَهْوَتُه وزَنَى ثُمَّ تابَ، وقُلْنا لَهُ: يَا فُلانُ، كَيفَ يَقَعُ مِنك هذا الشَّيءُ؟ قَال: واللهِ هذا قَضاءٌ وقَدَرٌ، وإِلَّا فَلَستُ من أَهلِ هَذا الأمرِ لكنَّ المُقَدَّرَ كائنٌ، نَقْبلُ مِنه، لَكنْ لَو كانَ يَزني وَيستمِرُّ نَقولُ: تُبْ إلى اللهِ، فَإنْ قالَ: هذا رَغْم عنه؟ قُلْنا: سُبحانَ اللهِ رغمًا عنك وأنت مُمارِسٌ لهِذا العَملِ، لَيسَ هذا رغمًا عنك.
يَقولُ ابْنُ القيِّمِ ﵀: "الِاحتجاجُ بالقَدَرِ بَعدَ وقوعِهِ تَسليمًا للقَدَرِ وَتَفويضًا لِأمْرِ اللهِ، لا اسْتِمرارًا ولَا دَفعًا لِلَّومِ" فهَذا جائِزٌ، ثُمَّ استدَلَّ بقِصَّةٍ وَقَعَتْ مِن عَليِّ بنِ أَبي طالِبٍ وزَوْجِه فاطمَةَ ﵂ حينَ دَخَلَ عَليهما النَّبيُّ ﷺ فقال لَهُما: "أَلا تُصلِّيانِ؟ " قال عَليٌّ: يا رَسولَ اللهِ، أنفُسُنا بِيَدِ اللهِ لَو شَاءَ لَأَقامنا، احْتجَّ بالقَدَرِ، فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ أو تَوَلَّى عنهما وهو يَضرِبُ بيَدِه على فَخِذِه ويَقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢)، فَالرَّسولُ ﵊ هَل قَبِلَ مِنهما؟ إنْ قُلْتم: قَبِلَ على
стр. 235
الإِطلاقِ، لَيسَ هَذا بصَحيحٍ، وإنْ قُلتم: قَبِلَ الواقِعَ لكنَّهُ كَرِهَ الجِدالَ، فَهَذا هو الواقعُ؛ لأنَّه لو أَرادَ الإِنكارَ عليهما لَقالَ غَيرَ ذَلِكَ، لقالَ: لا حُجَّةَ لَكُما في هَذا، لكنَّه جَعلَ ذلكَ مِن بابِ الجَدَلِ الَّذي نَهَى عنه، فَقَدْ خَرجَ يَوما عَلى أَصْحابِه، وهُم يَتجادلونَ في القَدَرِ، فَغَضِبَ ﵊ كأنَّما فُقِعَ في وجهِه حَبُّ الرُّمَّانِ، ونَهَى عنِ التَّنازُعِ فِي القَدَر (١).
فإِنْ قال قائلٌ: ما مَعنى: قَبِلَ الواقعَ وكَرِهَ الجِدالَ؟
فالجَوابُ: قَبِلَ الواقعَ وهو احْتجاجُهم بالقَدَر، النَّائمُ في الحقيقَةِ ما عليه لَومٌ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام: ٦٠] مِن اللهِ، فتقولُ: أَنفسُنا بأَيْدي اللهِ لَو شاءَ أن نَقومَ لقُمْنا، هذا واقعٌ، أَمَّا الجَدلُ فَكَونُه يُجادِلُ النَّبيَّ ﵊ بالقَدَرِ، هَذا أَمرٌ لا يَنبغي، ولهِذا تَشْعُرُ أَنَّه ما هو راضٍ، يَضرِبُ عَلى فَخِذِه ويَقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، والجَدَلُ قَد يَكونُ بِحَقٍّ ويُقبَلُ حَتَّى وإنْ كانَ فيهِ جَدَلٌ إذا كان بحقٍّ.
إِذَن المَخرجُ الثَّاني من قصَّةِ آدَمَ مع موسَى ﵉ أنَّ آدمَ احْتجَّ بالقَدَر على أَمرٍ مَضَى وانقَضى وتَخَلَّص منه، ولكِنْ قالَ: هَذا أَمْرٌ فَرَط مِنَي، ولكُلٍّ مِنهما وِجهةٌ.
ولَكنَّ الوِجهةَ الأُولى في ظَنِّي أنَّها أَقْوَى؛ لِأَنَّ موسَى لَا يُمكنُ أَنْ يَلومَ أَباه على أَمْرٍ تاب مِنه، لكنَّ الثَّانيَ لَه وِجهةُ نَظرٍ لا شكَّ، لكنْ لا نُنزِلُ قِضَةَ آدَمَ وموسى عليها بَلْ نَقولُ: هي في سائرِ النَّاسِ الآنَ لَو أنَّكَ لمُتَ شَخصًا على أَمْرٍ فَعَلَه مِن مَعصيةِ اللهِ، ثمَّ احتجَّ بالقَدَرِ بَعدَ أنْ تابَ، فأَنا أَقبَلُ مِنه، وهَذا يَقَعُ كَثيرًا، كثيرًا مَا يَفعلُ الإِنسانُ
стр. 236
الذَّنبَ ثُمَّ يَتندَّمُ نَدامةً عَظيمةً، ثمَّ يَقولُ: قَدَّرَ اللهُ ومَا شاءَ فَعَلَ، كيف يَقَعُ منِّي هذا؟ كيف تَغْلِبُني نَفْسي وهذا أَمرٌ لا بأسَ به.
ولا بُدَّ لِطالبِ العِلم أَنْ يَكونَ عِندَه عِلمٌ بمِثلِ هَذهِ الأمورِ؛ لِيُخَلِّصَ بها نَفْسَه مِنَ الشُّبُهاتِ الَّتي يُورِدُها عليه الشَّيطانُ، ومِنَ الشُّبُهاتِ الَّتي يُوردُها عليه أَولياءُ الشَّيطانِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ عِلْمِ اللهِ تَعالى بكُلِّ ما يَعملُ هَؤُلاءِ لِقولِه: ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: تَخصيصُ الحُكمِ بما فيه النِّزاءُ، وإِنْ كان الحُكمُ عامًّا، فَلَنا أَن نُخصِّصَ هذا الحُكْمَ بمَحَلِّ النِّزاعِ، يُؤخَذُ هذا من تَقديمِ المَعمولِ: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، لا نَقولُ: هَذَا الحصرُ حَقيقيٌّ أنَّهُ لا يَعلمُ إلَّا بِما عَمِلوا، بَلْ يَعلمُ كُلَّ شَيءٍ، لكنْ لمَّا كانَ الكَلامُ في عَمَلهم جاءتِ الآيَةُ، أو جاء الحُكمُ بِصيغةِ الحَصرِ مِن أَجْلِ شِدَّةِ التَّحذيرِ، وأَنَّهم لن يَفوتوا اللهَ واللهُ أعلمُ.
فإِنْ قال قائلٌ: كيف نَرُدُّ على مَن قَالوا: إنَّ الظُّلمَ يُمكنُ أن يُطلَقَ على اللهِ تَعالى من بابِ المُقابَلةِ، أَيْ رَدَّ الظُّلم على الظَّالِمِ، واستَدلُّوا بالبَيتِ الجاهِليِّ (١):
أَلا لا يَجْهلَنْ أحدٌ علينا ... فنَجهلُ فَوقَ جَهل الجَاهِلينا
فالجَوابُ: أقولُ هذا مِنَ العَجبِ! أَين في القُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ اللهَ تَعالى وَصفَ نَفسَه بالظُّلمِ في مُقابلةِ الظَّالمِ؟ وإذا لم يَكُنْ، فَلِما نَصِفُ اللهَ بالظُّلمِ وَهو قَد نَفاه عَن نَفْسِه؟
стр. 237
فإن قيلَ: إنَّ الرَّدَّ عَلى الظَّالمِ كَمالٌ، نَقولُ: لا -أبدًا- الانتِقامَ مِنَ الظَّالمِ كَمالٌ، لكنْ أن يُرَدَّ على الظَّالمِ بظُلمٍ، ولهَذا لم يأتِ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ أنَّ: فَلَمّا ظَلمونا ظَلَمناهم، بَلْ قالَ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: ١١٨]، وأمَّا الِاستهزاءُ والخِداعُ والمَكرُ والكَيدُ، هذا لا بأْسَ بِه، فَقَدْ ذَكرَ اللهُ تَعالَى هَذِهِ الأَوصافَ في مُقابلةِ مَنْ عَامَله بِمِثْلِها.