Полный текст (338 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
كَثيرا وذَكَرَ غَيرُنا أَيضًا أنَّ عُلُوَّ اللهِ ثابتٌ بالأَدلَّةِ كلِّها، وهيَ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والعقلُ والفِطرةُ، كُلُّها مُتَّفِقةٌ على عُلُوِّ اللهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إِثباتُ هَذَينِ الِاسمَينِ -الحَكيمِ والحَميدِ- للهِ ، وإثباتُ مَا تضمَّناه مِنَ المَعاني والصِّفَاتِ.
فإِنْ قال قائِلٌ: ما مَدَى صِحَّةِ تَسميةِ اللهِ تَعالَى بالطَّبيبِ والنَّظيفِ؟
فالجَوابُ: أمَّا الطَّبيبُ فَوَرَدَ عن أَبي بَكْرٍ ﵁ أنَّه قالَ: "إنَّ الطَّبيبَ رَآني، فقالَ: إنِّي أَفعلُ ما أُريدُ" (١)، وهَذا لا بَأْسَ بهِ في مَقامِ الخَبرِ، لكنْ ليسَ في التَّسميةِ، وأمَّا النَّظيفُ فوَرَدَ أيضًا في حديثٍ (٢).
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّه لَا يَجوزُ لِأحدٍ أنْ يُشرِّعَ شَرعًا من عِندِه، يُؤخَذُ مِن قَولِه: ﴿حَكِيمٍ﴾ بمعنى حاكمٍ؛ لأنَّ مِن الحُكمِ الحُكمَ بينَ النَّاسِ، فالحُكمُ إمَّا أنْ يَكونَ حُكمًا في النَّاسِ أو أنْ يَكونَ حُكمًا بينَ النَّاسِ، فَلا يَجوزُ لِأحدٍ أنْ يَحكُمَ بينَ النَّاسِ إلَّا بِما أَنزلَ اللهُ؛ لأنَّ الحُكمَ للهِ : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وليس لنا أنْ نَتجاوزَ حَدَّ اللهِ في الحُكمِ على أَحدٍ بالفِسقِ أو البِدعةِ أَوِ الكُفرِ أَوِ الإيمانِ وصِحَّةِ العَقيدةِ إلَّا بدَليلٍ مِن الشَّرعِ، يَعني: إلَّا إذا عَرَضنا ما عليه عَلَى الكتابِ والسُّنَّةِ، وإِلَّا: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١].
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ اللهَ تَعالى محمودٌ، بِناءً على أنَّ (حَميد) اسمُ مَفعولٍ، واللهُ يُحمَدُ عَلى كلِّ حالٍ، فعَلى السَّرَّاءِ واضحٌ أنَّه يُحمَدُ؛ لأنَّهُ أَحْسَنَ إلَيكَ ورَأَفَ стр. 247
بِك، وأمَّا على الضَّرَّاءِ فيُحمَدُ أولًا: على أنَّهُ - لا شكَّ - ما قَدَّر هذا إلَّا لحِكمةٍ، ثانيًا: أنَّ ما يَترتَّبُ عَلى هذه الضَّرَّاءِ منَ المَصالحِ العَظيمةِ يَقتضي أنْ يُحمَدَ اللهُ عليها، فالإنسانُ إِذا أصابَته الشَّوكةُ وتَألَّمَ بها يُحَطُّ عنه مِن خَطيئتِه، وخَطيئَتُه مُثقِلةٌ عَظيمَةٌ مخُزيَةٌ في الآخرَةِ، والشَّوكةُ لَيست مُؤلمِةً إلى ذاكَ ولَيست ظَاهرةً للنَّاسِ، ومع ذلك يُكفَّرُ بها مِنْ سيِّئاتِه.
ولهِذا قيلَ لِبعضِ العابِداتِ لمَّا أُصيبَ أُصْبعُها ولَمْ تَتألَّمْ ولَمْ تَتأثَّرْ ولَمْ تَحزنْ قالت: إِنَّ حَلاوةَ أَجرِها أَنسَتْني مَرارةَ صَبرِهَا - الصُّوفيَّةُ لهُمْ كَلماتٌ عَجيبةٌ فِي العبادةِ وَالأَخذِ باللُّبِّ -؛ لأنَّ الأجرَ أَعظمُ مِن المُصيبةِ، فإذن حتَّى ما يُصيبُ الإنسانَ مِنَ الضَّررِ، فإنَّ اللهَ تَعالَى مَحمودٌ عليهِ، لأنَّه لحِكمةٍ لا شكَّ، والإنسانُ عَبدُ اللهِ يَفعَلُ به ما يَشاءُ ولأنَّ العاقبَةَ حَميدةٌ.
ويُحمَدُ اللهُ تَعالَى حتَّى على وُجودِ الكافرينَ؛ لأنَّه لَولا وُجودُ الكافرِ لَمْ يُعرَفِ المُؤمنُ، ولَمْ يَعْرفِ الإنسانُ قَدْرَ نِعمةِ اللهِ عَلَيهِ، ولَمْ يَقُمْ عِلمُ الجِهادِ؟ ولَمْ يَبْقَ للنَّارِ أحدٌ.
لكنَّ هُنا مَسألةً كانَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وعلَى آلِه وسلَّم - إذا أَصابَه شَيءٌ يَسوؤه لا يَقولُ: الحَمدُ لله على الضَّرَّاءِ مَثَلًا أو على كَذا، بل يَقولُ: "الحَمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ" (١)، فيَنبغي أنْ تَنتبِهَ لذلك، إذا أَصابتْكَ سَرَّاءُ تَقولُ: الحمدُ للهِ الَّذي بنِعمتِهِ تَتمُّ الصالحِاتُ، وإِذَا أصابتك ضَرَّاءُ تَقولُ: الحمدُ للهِ عَلى كلِّ حالٍ.
وبِهذا نَعرفُ خَطأَ مَن يَقولُ: "الحمدُ للهِ الَّذي لا يُحمَدُ على مَكروهٍ سِواهُ" هذا غَلطٌ؛ لأنَّ هذه العِبارةَ تُنْبئُ عن تَأَزُّمٍ نَفسيٍّ وعن كَرَاهةٍ لمِا قَدَّرَ اللهُ على стр. 248
الإنسانِ، ثُمَّ إنَّ فيها تَضادًّا مَكروهًا، وحَمدُ هذا غَيرُ مُستقيمٍ، ثُمَّ إنَّ فيهَا أيضًا مُخالَفةً لسُنَّةِ الرَّسُولِ ﵊ كَانَ الرَّسولُ ﵊ يَقولُ: "الحَمدُ للهِ عَلى كلِّ حالٍ"، ولَا يَذكرُ المَكروهَ، ولَا يَشعُرُ بأنَّه مُتأزِّمٌ منه.
فأَنت إذا أُصِبتَ بسَرَّاءَ فقُلِ: الحَمدُ للهِ الَّذي بِنِعمتِهِ تَتِمُّ الصَّالحاتُ، وَإنْ شِئتَ فعَيِّنْ، مثلًا: الحمدُ للهِ الَّذي رَزقَني وَلدًا، الحمدُ للهِ الَّذي رزَقَني نَجاحًا، الحمدُ للهِ الَّذي رَزَقني مَالًا ومَا أَشبهَ ذَلك؛ لأنَّ هذا خَيرٌ والثَّناءُ عَليه وَاضحٌ، لكنَّ الأمورَ المكروهَةَ لا تَقُلِ: الحمدُ للهِ الَّذي أَمْرَضَني، الحمدُ للهِ الَّذي أَصابَني بمُصيبَةٍ؛ بِفَقْدِ أَخي أو أَبي أو عَمِّي، وإنَّما تَقولُ: الحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ، وإنْ شِئتَ فَقُلِ: الحَمدُ للهِ على ما قَدَّرَ؛ لأنَّ هَذه بمَعْنى على كُلِّ حالٍ.
فإِنْ قال قائلٌ: ما توجيه قوله ﷺ : "والشَّرُّ ليسَ إليهِ" (١).
فالجَوابُ: أنَّ اللهَ خالقُ كلِّ شَيءٍ ولهَذا جاءَ في الحَديثِ: "تُؤمِنُ بالقَدَرِ خيرِه وشَرِّه" (٢)، لكنْ لَا نَنسِبُ الشَّرَّ إلى اللهِ؛ لِأنَّ اللهَ لم يُقَدِّرْ هذا الشَّرَّ إلَّا لخَيرٍ، فالشَّرُّ إذن في مَفعولِه لا في فِعلِه، فمَثلًا إذا قَدَّر اللهُ على النَّاسِ مَرضًا، فالشَّرُّ في نَفْسِ المَرَضِ، لكنْ في كَونِ اللهِ قَدَّرَه ليس بشَرٍّ بل هو خَيرٌ؛ لأنَّه من أَكبرِ ما يَكونُ مِن مَصالِحِ الأَمراضِ؛ مثلًا تَكفيرُ السَّيِّئاتِ، ومنهَا أنَّ النَّاسَ يَرجِعونَ إلى اللهِ : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١]، ومنها أنَّ الإِنسانَ يَعرفُ قَدْرَ نِعمةِ اللهِ عليهِ بالعافيةِ، فمَثلًا نحنُ стр. 249
الآنَ لا نَعرفُ قَدْرَ النِّعمَةِ الَّتي أَنعمَ اللهُ بِها عَلينا في النَّفَسِ والحركَةِ وما أَشبَهَ ذَلكَ، لكنْ لو أُصيبَ الإِنسانُ مِنَّا بضِيقِ نَفَسِهِ عَرَفَ قَدْرَ نِعمةِ اللهِ بالنَّفَس، أو بِتَعبٍ في أَعضائِه فيَتكلَّفُ مِنَ الحَركةِ عَرفَ قَدْرَ نِعمةِ اللهِ عَليهِ، ولِهَذا قيلَ: وبضِدِّها تَتبيَّنُ الأَشياءُ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الرَّبَّ كاملُ العدلِ بحَيثُ يَحمِدُ مَنْ يستحقُّ الحمدَ كَما أنَّه يُحمَدُ؛ لأنَّه أَهلٌ لِلحمدِ؛ بِناءً على أنَّ "حَميدٌ" بمَعْنى حامدٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ جميعَ ما في القُرآنِ مُطابقٌ لِلحِكمةِ تَمامًا من تَحليلٍ أو تَحريمٍ أو إيجابٍ أو إِطلاقٍ؛ لأنَّه نَزَلَ مِن حَكيمٍ حَميدٍ، والنَّازلُ مِن حَكيمٍ لا بدَّ أنْ يَكونَ مُشتملًا على الحِكمةِ.
* * *
стр. 250
الآية (٤٣)
* قَالَ اللهُ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت: ٤٣].
* * *
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ مِن التَّكذيبِ] يَعني: وَالاستهزاءُ والسُّخريةُ وغَيرُ ذلك: ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ومِنه قَولهُم: إنَّه ساحرٌ ومَجنونٌ، كَما قال تَعالَى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، هَذهِ الكَلمةُ يَقولهُا كُلُّ أحدٍ لِلرَّسولِ، ويَحتملُ أَنْ يَكونَ المعْنَى: مَا يُقالُ لَك مِنَ الوَحيِ إلَّا ما قد قيلَ للرُّسُلِ مِنْ قَبْلكَ، أي مِثلَه، والآيةُ تَحتَملُهما ولا مانعَ من إِرادتِهما.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا﴾ مثل: ﴿مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾] زاد المفسِّر [مثل]، ومَعلومٌ أنَّ قولَه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ﴾ لا يُساويه قَولُه: إلَّا مثلَ، وإنَّما لجَأَ المفسِّر إِلى ذلك؛ لأنَّ الَّذي قيلَ للرَّسولِ ﷺ لَيس هو بحُروفِه مَا قيلَ لمَنْ قَبلَه، ولكنَّ الأَوْلى أنْ يُقالَ: الآيةُ على ظاهِرِها أنَّ مَا قيلَ للرَّسولِ قَد قيلَ لِمَنْ قَبلَه، وكَما ذَكَرْتُ لكم آنِفًا: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، فيُقالُ: إِنَّهم قَالوا نَفسَ الكلامِ لَكن بِلُغَتِهم ليس بِلُغَةِ العربِ.
قَولُه تَعالَى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ فيه
стр. 251
عَرْضٌ لِلمُكَذِّبين أَنْ يُؤمِنوا فَإِنْ لَمْ يُؤمِنوا فَقَدْ تَعرَّضوا لِلعِقابِ، عَرَضَ أَنْ يُؤمِنوا بِقَولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ يعني: كأَنَّه يَقولُ: فَآمِنوا يَغفرْ لَكم، وهوَ قَولُه تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ يَعْني: إنْ لم يُؤمِنوا، ففيهِ تَرغيبٌ وتَرهيبٌ، التَّرغيبُ في قَولِه: ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ والتَّرهيبُ فِي قَولِه: ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾، والعِقابُ هو الانتِقامُ، والأَليمُ بمَعْنى المُؤلِمِ، ففَعيلٌ تَأتي بمَعْنى مُفْعِلٍ كثيرًا في اللُّغَةِ العربيَّةِ كَما قَال الشَّاعرُ (١):
أَمِنْ رَيْحانةِ الدَّاعي السَّميعُ ... يُؤرقُني وأَصْحابي هُجوعُ
السَّميعُ يَعني: المُسْمِعُ.
من فَوائِدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَسليةُ الرَّسولِ - صلَّى اللهُ عَليه وعَلى آلِهِ وسلَّم -؛ لِأنَّه إذَا عَلِمَ أنَّه قد قيلَ للرُّسلِ مِن قَبلِه مِثلَما قيلَ له سَهُلَ عَليه الأمرُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ سُنَّةَ اللهِ تَعالَى وَاحدةٌ، فَالمُكذِّبونَ قَولُهم وَاحدٌ وفِعلُهم وَاحدٌ لِقَولِه: ﴿إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إِثْباتُ صِفةِ المَغفرةِ للهِ وهيَ سَتْرُ الذَّنبِ والتَّجاوزُ عَنه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إِثباتُ شِدَّةِ عِقابِه؛ لقَولِه: ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إِثباتُ رَحمةِ اللهِ بِالعبادِ، حَيثُ يَعرِضُ عَلَيهم مُوجبَ التَّوبةِ حَتَّى لا يَتمادَوْا في مَعصيتِهم؛ لِقَولِه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾. стр. 252
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هَذا القُرآنَ مِثلانِ، فَإذا ذُكِرَ فِيه جانبُ التَّرغيبِ ذُكِرَ مَعه جانبُ التَّرهيبِ؛ لِئلَّا تَطمعَ النَّفسُ وتَغلوَ فِي الطَّمعِ، فَتَأمنَ مِنْ مَكرِ اللهِ، فَيَجمعُ اللهُ بَين هَذا وهَذا؛ لِئلَّا يَطْمعَ الإِنسانُ فِي الفَضلِ فَيَأمنَ مِنْ مَكْرِ اللهِ؛ ولِئلَّا يَخافَ فَيَقْنطَ مِن رَحمةِ اللهِ، وعَلَى هَذا فيَكونُ سَيرُه إِلَى اللهِ تَعالى بَينَ الخوفِ والرَّجاءِ؛ ولهِذا قَالَ الإمامُ أَحمدُ ﵀: "يَنبَغي لِلسَّائرِ إِلى اللهِ أنْ يَكونَ خَوفُه ورَجاؤُه واحدًا فأَيُّهما غَلَبَ هَلَكَ صاحبُه" (١).
وقالَ بَعضُهم: "يَنْبَغي أَنْ يَكونَ الخَوفُ والرَّجاءُ لِلْإنسانِ كَجَناحَيِ الطَّيرِ إِنِ انْخفَضَ أَحدُهما سَقَطَ الطَّيرُ"، فَيكونُ الرَّجاءُ والخوفُ واحدًا مُتَساويًا تَرجو وتَخافُ، ولهِذا قَالَ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦].
وفَسَّر بَعضُ أَهْل العِلمِ فَقالَ: يَنبَغي لِلإنسانِ إِذا عَمِلَ الحَسناتِ أَنْ يَكونَ جانِبُ الرَّجاءِ في حَقِّه أَرجحَ؛ لِأنَّ هَذا مِن إِحْسانِ الظَّنِّ باللهِ، ووَجهُه أَنَّ اللهَ لمَّا وفَّقكَ لِلعملِ فإِنَّه قَد وَعَدكَ بِالثَّوابِ، ولمَّا وَفَّقكَ لِلدُّعاءِ فَقدْ وَعدَكَ بِالإجابَةِ، فَعَليه إِذَا فَعلتَ الخيرَ فَغَلِّبْ جانبَ الرَّجاءِ، وإِنْ فَعلتَ الشَّرَّ أو هَمَمْتَ به - فَغَلِّبْ جانبَ الخَوفِ؛ لِيردَعَكَ الخَوفُ عنِ التَّمادي في الشَّرِّ أو عَنْ مُواقعةِ الشَّرِّ.
وبَعضُهم سَلَكَ مَنحًى آخَرَ فَقالَ: في حالِ الصِّحَّةِ يَنبَغي أنْ يَغلُبَ جانبُ الخَوفِ؛ لأنَّ الإِنسانَ الصَّحيحَ الَّذي قَدْ أَعطاه اللهُ صِحَّةً في بَدَنِه وعَقْلِه رُبَّما يَتَمادى فِي الشَّرِّ ولا يُبالي، وإِذا كُنتَ في المَرَضِ فَغَلِّبْ جانبَ الرَّجاءِ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِهِ وسلَّم - قَالَ: "لا يَموتنَّ أَحدُكم إِلَّا وهو يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّه" (٢)؛ لأنَّ اللهَ стр. 253
تَعالَى عِندَ حُسْنِ ظَنِّ عَبدِه به.
والَّذي يَنبَغي أنْ يُقالَ: إنَّ الإنسانَ طَبيبُ نَفسِه، فَإذا خافَ مِن نَفْسِه التَّماديَ في المَعاصي والتَّهاوُنَ بِالطَّاعاتِ فَلْيُغَلِّبْ جانبَ الخوفِ، وإِنْ خافَ مِنْ نَفْسِه الزَّهوَ والخُيَلاءَ والأمنَ مِن مَكرِ اللهِ فَلْيُغلِّبْ جانِبَ الخَوفِ، فَالإنسانُ في الحَقيقةِ طَبيبُ نَفْسِه.
* * *
стр. 254
الآية (٤٤)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
* * *
﴿جَعَلْنَاهُ﴾ الضَّميرُ يَعودُ عَلى القُرآنِ، يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [أي الذِّكرُ] وإنَّما قَالَ الذِّكْرُ؛ لأَنَّه سَبقَ ذِكرُه قَريبًا في قَولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾. والمَعْنى مُتَّفَقٌ عَليه: أنَّ الضَّميرَ في الهاءِ في ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ يَعودُ إِلَى القُرآنِ.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ أي: بِلُغةِ العَجَمِ وهو قَدْ نَزلَ عَلى العَربِ: ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿لَقَالُوا﴾ أَي: المُكذِّبونَ لِلرَّسولِ ﷺ .
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿فُصِّلَتْ﴾ بَيَّنتَ ﴿آيَاتُهُ﴾ حتَّى نَفهمَها]، ولكنَّ الله تَعالَى قَد قَطَعَ عَليهِمُ الحُجَّةَ، فقالَ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، وقالَ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].
وقَولُه: ﴿لَوْلَا﴾ بمَعْنى هَلَّا أَفادَنا المفسِّر ﵀ أنَّ لَولا تَأتي لِلتَّحضيرِ وتَأْتي شَرطيَّةً، ويُقالُ في إِعرابِها حَرفُ امتِناعِ لِوُجودٍ.
وهُنَا تَتقاسَمُ هَذِه الحُروفُ لِلوُجودِ والعدَمِ، فَلَو حَرفُ امتِناعِ لِامتِناعِ، ولمَّا حَرفُ وُجودِ لِوُجودٍ، ولَولا حَرْفُ امتِناعِ لِوُجودِ، تَقولُ: لمَّا جاءَني أَكرَمتُه، هُنا
стр. 255
الإِكْرامُ وُجِدَ لِوُجودِ المَجيءِ، وتَقولُ: لَو جاءَ زَيدٌ لَأَكَرمْتُه، هُنا امتنَعَ الإِكرامُ لامتِناعِ الوُجودِ، وتَقولُ: لَولا زَيدٌ لَهَلكتُ أو لَفَعلتُ كَذا وكَذا، فَلَولا هُنا امتِناعُ لِوُجودِ، أمَّا في الآيةِ الكريمَةِ فَلَولا لَيست مِن هَذا ولا مِنْ هَذا، لَولا هُنا انتَقلَت عَن مَعْنى الشَّرطيَّةِ إِلَى مَعْنى التَّحضيرِ.
فإِنْ قَالَ قائلٌ: لَولا في قَولِه تَعالَى في سورَةِ يوسفَ: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] هَلْ هي شَرطيَّةٌ؟
فالجَوابُ: نَعَمْ، شَرطيَّةٌ لَكِن مَحذوفةُ الجَوابِ، يَقولُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ يَعْني: لِفِعْلِ.
فإنْ قيل: هَلِ الهَمُّ حَصَلَ مِنه؟
فَالجَوابُ: لَا، فَلَولا بُرهانُ رَبِّه لَفَعَلَ، يَعْني: لَأَجابَها إِلَى ما دَعت، ولَيس المراد بـ ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: لمَّا هَمَّ؛ لأنَّه لَو كانَ كَذلكَ لَتَناقَضَ الكلامُ، بَلْ هو هَمَّ بِها لَكن لَولا أنَّه رَأى بُرهانَ رَبِّه لأَجابَها إِلى مَا دَعت.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿أ﴾ قُرآنٌ ﴿أَعْجَمِيٌّ وَ﴾ نَبيٌّ ﴿عَرَبِيٌّ﴾] استِفهامُ إِنكارٍ مِنهم، يَعني: لَوْ كانَ القُرآنُ بِلُغةِ العَجمِ لَقالوا: لَولا فُصِّلتْ آيَاتُه، وبُيِّنتْ باللُّغةِ العربيَّةِ، ثُمَّ لَقالوا: أَيضًا أَأَعْجميٌّ وعَربيٌّ، يَعني: لا يُمكنُ أَنْ يَكونَ القُرآنُ بِلُغةِ العَجمِ ونَزلَ عَلى نَبيٍّ عَربيٍّ، وهَذا الَّذي قَالوه استِفهامٌ حَقيقيٌّ، بمَعْنى أَنَّ قَولَهم حَقٌّ لا يُمكنُ أَنْ يَنزلَ قُرآنٌ أَعجميٌّ عَلَى نَبيٍّ عَربيٍّ، وقَد نَصَّ اللهُ عَلى ذَلكَ في قَولِه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، فكَلامُهم هَذا حقٌّ ونَحنُ نَقبلُهُ.
стр. 256
أمَّا قَولهُم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، فنَقولُ: هي مُفصَّلةٌ، لَكنَّها حُجَّةٌ لو كانَ القرآنُ أَعجميًّا، وعَلى هَذا يَكونُ قَولهُم صَحيحًا لَوْ كانَ القرآنُ باللُّغةِ الأعجميَّةِ، حُجَّةً في قَولهِم: ﴿لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، وحقًّا في قَولهِم: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [بِتَحقيقِ الهمزةِ الثَّانيةِ] أَنْ تَقولَ: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ كَما هي القِراءةُ المَشهورةُ [وقَلْبُها أَلِفًا] ﴿أَأَعْجَمِيٌّ قَلَبْنا الثَّانيةَ أَلِفًا [بِإشباعٍ ودونِه] يَعني: أَنَّك تَمُدُّ الأَلِفَ مَدًّا طَبيِعيًّا أو تَمُدُّها مَدًّا زائدًا عَلى ذَلكَ، والمَدُّ الطَّبيعيُّ قَولُه: ودونه، والمدُّ الزَّائدُ قَولُه: بِإِشباعٍ، وعَلَى هَذا فَيَكونُ فيها ثَلاثُ قِراءاتٍ: "أَأَعْجَىٌّ" "أَأَعْجَىٌّ" ﴿ءَاْعْجَمِىٌّ﴾ ثَلاثُ قِراءاتٍ.
والقِراءاتُ كَما هو مَعلومٌ كُلُّها سُنَّةٌ؛ لِأنَّها ثَبتتْ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ويَنبَغي لِلإنسانِ الَّذي أَتقنَها وحَفِظها أنْ يَقرأَ بِهذا مَرَّةً، وبِهذا مَرَّةً كَما نَقولُ في العِباداتِ الَّتي وَرَدت عَلى وُجوهٍ مُتنوِّعةٍ: إِنَّه يَنْبغِي أَنْ تَفْعلَ هَذَا مَرةً وهَذا مَرَّةً.
ولَكنْ لا نَقرأُ بِما يُخالِفُ القُرآنَ الَّذي بَينَ أَيْدي العَوامِّ بِقِراءةٍ أُخرى، فَنَرى أَنَّ مِن عَدَمِ الحِكمةِ ما يَفعلُهُ بَعضُ الطَّلبةِ إِذَا كَانَ يَعرفُ القِراءاتِ أَنْ يَقرأَ بِالقِراءةِ الَّتي لَيست بَينَ أَيْدي العَوامِّ، فإِنَّ هَذا خَطأٌ عَظيمٌ؛ لأَنَّ العامِّيَّ لا يُدركُ هَذِهِ الأشياءَ، وسَوفَ يَهبِطُ قَدْرُ القُرآنِ في نَفسهِ وتَقِلُّ عَظمتُه عِندَه، ثُمَّ رُبَّما يَتَّهِمُ هَذا القارِئَ بِأنَّه أَخطأَ وغَلِطَ، فَإِذا كانَ الصَّحابةُ ﵃ تَنازَعوا وهُم مَنْ هُمْ في اخْتلافِ القِراءاتِ فَكيفَ بِعَوامِّ هَذا الزَّمانِ.
قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي: قُل يا مُحمَّدُ في جَوابِهم.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ مِنَ الضَّلالةِ ﴿وَشِفَاءٌ﴾ مِنَ الجهلِ]، ﴿هُوَ﴾ الضَّميرُ يَعودُ على القُرآنِ الذِّكرِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ أي:
стр. 257
عِلمٌ ونورٌ، ﴿وَشِفَاءٌ﴾. يَقولُ المفسِّر ﵀: [مِنَ الجَهلِ] وهَذا فيه نَظرٌ؛ لأَنَّ مِنَ الجَهلِ داخلٌ في قَولِه: ﴿هُدًى﴾، إِذْ إِنَّ الهُدى هو العلمُ وَضِدُّه الجَهلُ، لَكن ﴿شِفَاءٌ﴾ يَعني: مِن المَرَض مَرَضِ القُلوبِ، كَما قَالَ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: ٥٧]، فالصَّوابُ أَنَّ قَولَه: ﴿هُدًى﴾ مِن الضَّلالةِ وهي الجهلُ، فَهو هُدًى مِن الجَهلِ، وَالضَّلالةُ شِفاءٌ مِنَ المَرضِ مَرَضِ القُلوبِ، بَلْ هو أيضًا شِفاءٌ مِن مَرَضِ الأبدانِ، فَإنَّ القُرآنَ يُستَشفَى بِه في أَمراضِ القُلوبِ، ويُستَشفَى بِه كَذلكَ في أَمراضِ الأَبدانِ، وكَمْ مِن إنسانٍ مَريضٍ مَرضًا بَدَنيًّا شَفاه اللهُ تَعالى بِالقُرآنِ.
وقِصَّةُ اللَّديغِ - المَشهورةُ - الَّذي كَانَ سَيِّدَ قَومِه، ونَزَلَ به سَرِيَّةٌ مِنَ الصَّحابةِ ولَمْ يُضيِّفوهُم، فَسَخَّر اللهُ تَعالى عَقربًا كَبيرةً شَديدةً فلَدَغتْ سَيِّدَهمْ فطَلَبوا راقيًا مِنَ الصَّحابةِ، فَقالوا: لا نَرْقي لَكُمْ إِلَّا بكَذا وكَذا مِنَ الغَنَمِ فَأَعْطَوهم، فذَهَبَ أحَدُهم يَقرأُ عَليهِ سورةَ الفاتحةِ حَتَّى قَام كَأنَّما نُشِطَ مِنْ عِقالٍ، لَكنَّهمْ تَربَّصُوا فِي الغنمِ الَّتي أَخَذوها خافوا أَلَّا تَكونَ حِلًّا لَهمْ حَتَّى أَتَوُا النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليهِ وعَلى آلِه وسلَّم - فَسألوهُ فَقالَ: "خُذوا وَاضْرِبوا لِي مَعكُمْ بِسَهمٍ" (١)، قَالَ ذَلكَ لا حاجةَ إِلَى اللَّحمِ ولَكن تَطييبًا لِقُلوبِهم وَاطْمِئنانًا لِنُفوسِهم؛ لِيَتبيَّنوا أَنَّه حَلالٌ حَلالٌ لا إِشكالَ فيهِ.
الشَّاهدُ: أَنَّهم أَخبَروا النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلى آلِه وسلَّم - أَنَّهم قَرَؤوا عَلى هَذا اللَّديغِ الفاتِحةَ فَقالَ: "وَما يُدْريكَ أَنَّها رُقْيَةٌ"، فَتَبيَّنَ بِهَذا أَنَّ القُرآنَ شفاءٌ مِن стр. 258
أَمراضِ القلُوبِ وَأَسقامِ الأَبدانِ لَكنْ، ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمَنوا بِالقُرآنِ وبأنَّه مِن عِند اللهِ وبأنَّه شِفاءٌ، أَمَّا رَجُلٌ لَمْ يُؤمِنْ به ولَمْ يَرفعْ به رَأسًا ولَمْ يَرَ بِمُخالفتِه بَأْسًا، فَإنَّ هَذا لا يَنتفعُ بِه.
فإِنْ قال قائلٌ: كَيفَ يُشترَطُ للرُّقيةِ أنْ يَكونَ المَرقيُّ - الَّذي يُتلى عليه القُرآنُ - مُؤمنًا بِه وزَعيمُ القَومِ هَذا لَمْ يَكُنْ مُسلمًا؟
فالجَوابُ: هو مُؤمنٌ بأَنَّ قِراءتَهم سَوف تُفيدُه، وهَذا لا بُدَّ مِنه؛ لِأنَّه إِذا لَم يُؤمنْ لَمْ تَنْفعلِ النَّفسُ وتَكُونُ قَابلةً لَه، فَلا يُمكنُ أَنْ تَنفعلَ النَّفسُ لِقَبولِ هَذا العِلاجِ إِلَّا إِذا آمَنَ بأَنَّه مُفيدٌ.
فَإِنْ قيلَ: هَل يُعالَجُ الكافِرُ بِالقُرآنِ؟
فَالجوابُ: نَعَمْ، يُعالَجُ بِالقُرآنِ، ورُبَّما يَكونُ عِلاجُه بِالقُرآنِ أَوْلى مِن عِلاجِ المُؤمنِ بِه؛ لِأنَّه إِذا عَرَفَ أَنَّهُ مُؤثِّرٌ يَكونُ ذَلكَ سَببًا لِإِسلامِه.
وإِنْ قَالَ قائلٌ: بَعضُ النَّاسِ يَتوسَّعُ في الرُّقيةِ الشَّرعيَّةِ ويُضيفُ فيها كَيفيَّاتٍ مِن عِندِه، فَهَلِ الرُّقيةُ مُتوقِّفةٌ عَلى ما جاءَ عَنِ السَّلفِ أَمْ لَهم أَنْ يَتوسَّعوا؟
فَالجَوابُ: الأَوْلى بِالقارئِ أَنْ يَقتَصِرَ عَلى ما جاءَ بهِ السَّلَفُ، أمَّا غَيرُ ما جاءَ عَنِ السَّلفِ فَهَذا رُبَّما نَقولُ: إِنَّه خاضعٌ لِلتَّجربةِ إِذا جُرِّبَ ونَفَعَ، فَالمَقصودُ النَّفعُ، وَإِذا لَمْ يُجَرَّبْ ولكنَّ الإِنسانَ يَتخرَّصُ فَالظَّنُّ بَعضُهُ إِثمٌ.
وإِنْ سَأَلَ سائلٌ عَنِ اسْتِنطاقِ الجِنِّ بِالقُرآنِ، فَبَعضُ مَن يَرْقي يَقولُ أَنَّه اسْتَنطَقَ الجِنَّ، فَقالوا لَهُ كَذا وقَالوا لَهُ كَذا؟
فَالجَوابُ: أنَّنا لا نَدري عَن هَذا شَيئًا، فَدائمًا يَقولونَ: إِنَّهم يَسْتَنطِقونَ ودائمًا
стр. 259
يُعالجِونَ بِالتَّخيِيلِ يَضعُ القَارئُ يَدَه عَلَى رَأسِ الإِنسانِ ويَقولُ: غَمِّضْ عَينَيك، مَاذا تَرى؟ يَقولُ: أَرى كَذا وكَذا. يَقولُ: مَنْ تَتَّهِمُ؟ فَيَقولُ: أَتَّهمُ فُلانًا.
هَذهِ طُرُقٌ غَريبةٌ تَحتاجُ إِلَى دِراسةِ أَحوالِ هَؤلاءِ القارِئينَ ومَعرفةِ كَيْف يَتوصَّلونَ إِلى هَذا، وَمِنْ أَين جَاءَهم؟ ! .
ثمَّ قال اللهُ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ نَسألُ اللهَ العَافيةَ! .
قَولُه تَعالَى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مُبتدأٌ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ مُبتدأٌ وخَبرٌ، والجُملةُ خَبرُ المُبتدأِ الأوَّلِ الَّذي هو: ﴿وَالَّذِينَ﴾ يعني: كأنَّه قال: هو للَّذينَ آمَنوا هُدًى وشِفاءٌ، وأَمَّا الَّذين لا يُؤمنونَ فَفي آذَانِهم وَقْرٌ لا يُؤمنونَ بِاللهِ ولا بِالرُّسلِ وَلا بِالكُتبِ هَؤلاءِ: ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [ثِقْلٌ]؛ لأَنَّ الوَقْرَ بِمَعْنى الحِمْلِ الثَّقيلِ، قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢]، يَعْني: السَّحابَ تَحْمِلُ الماءَ الكثيرَ، فَعَلى هَذا يَكونُ ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ أي: ثِقْلٌ وصَمَمٌ فَلا يَسمعونَ وَالعياذُ بِاللهِ.
﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ فَلا يُبصِرونَ، فَصارتْ مَنافذُ الفَهْمِ عِندَ غَير المُؤمِنينَ مَسدودةً لا يَسمَعونَ ولا يُبصِرونَ، فَلا يَصِلُ هُدَى القُرآنِ إِلَى قُلوبِهم: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾.
فَإِذا قَالَ قائلٌ: كيفَ يَكونُ الكَلامُ الواحدُ لِقَومٍ هُدًى وشِفاءً ولِآخرينَ عَمًى وضَلالًا، قُلنا: هَذا بِحَسَبِ ما في القَلبِ؛ لأنَّ الله قَالَ: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]، ونَحنُ نَرى الغِذاءَ الحِسِّيَّ يَكونُ لِقومٍ غِذاءً وَشِفاءً، ويَكونُ لِآخَرينَ
стр. 260
مَرَضًا وعِلَّةً، مَثَلًا: بَعضُ النَّاسِ يُحْجَبُ عَنِ التَّمرِ أَوِ العِنبِ أَوْ عَن كلِّ ما فيه حَلالٌ فَيَضُرُّه، وآخَرونَ يَنفعُهم الحَلالُ، مَعَ أنَّ الطَّعامَ واحدٌ لكنَّ المَحلَّ مُختلِفٌ، يَكونُ مَحلَّ هَؤلاءِ قابلًا له، ومَحَلُّ آخَرينَ غَيرُ قابلٍ.
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿أُولَئِكَ﴾ المُشارُ إِلَيهمُ الَّذينَ لا يُؤمنونَ وَأَشارَ إِلَيهِمْ بِصيغَةِ البَعيدِ لَيس رِفْعةً لِشأنِهم وَلَكِنْ إِظْهارًا لِلتَّبرُّؤِ مِنهم وإِبْعادهم: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ يَعْني: كالَّذي يُنادَى مِن مَكانٍ بَعيدٍ، والَّذي يُنادَى مِن مَكانٍ بَعيدٍ يَعوقُه عَن الحُضورِ وَالِاستجابةِ أَمرانِ:
الأمرُ الأوَّلُ: أَنَّه لِبُعدهِ قَد لا يَسمعُ النِّداءَ.
الأمْرُ الثَّاني: أَنَّه لِبُعدهِ قَد يَرى أَنَّ الِاستجابةَ شاقَّةٌ عَليه فَلا يُجيبُ، وعَلَى هَذا فَكَونُهم يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعيدٍ يَتعلَّقُ بِنِدائهم آفَتانِ:
الأُولَى: يَرَوْنَ المَسافةَ بَعيدةً فَيَكسِلونَ ويَرَوْنها مِن المَشقَّةِ فَيَدَعون إِجابَةَ المُنادي.
والثَّاني: أَنَّهم لَا يُدركُون المُناديَ لِبُعْدهم عَنه فَلا يُجيبونَ عَلَى الوَجْهِ المَطلوبِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أَيْ: هُمْ كَالمُنادَى مِن مكانٍ بَعيدٍ لَا يَسمَعُ].
من فَوَائدِ الآيَةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: حِكْمةُ اللهِ في كَونِ الوَحيِ النَّازلِ عَلَى النَّبيِّ ﷺ على وِفقِ لُغةِ القَومِ الَّذين أُرسِلَ إِلَيهم يُؤخَذُ مِن قَولِه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤] إلخ؛ واللهُ تَعالَى جَعلَه قُرآنًا عَربيًّا.
стр. 261
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الحُجَّةَ لا تَقومُ حَتَّى يَفهمَ الإنسانُ مَعْنى هَذهِ الحُجَّةِ، وأَنَّ مُجرَّدَ البَلاغِ لا يُعَدُّ حُجَّةً قائمةً حتَّى يَفهَمَها مَن بلُغتِه؛ لِأنَّك لَو أَلقَيْتَ كَلامًا عَربيًّا بِأَفصحِ ما يَكونُ عَلى قَومٍ عَجَمٍ، وهُمْ لا يَعرفونَ مَقصودَكَ أَصلًا فَلا يَفهمونَ شَيئًا، وكَذَلكَ بِالعَكسِ لَو جاء رَجلٌ أَعجميٌّ وقامَ يَتكلَّمُ بِأَفصحِ ما يَكونُ من لُغةِ العَجمِ ونَحنُ لا نَعرفُ مُرادَه لَمْ نَفهمْ مِنه شيئًا؛ ولِهَذا قَالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
فَإِنْ قَالَ قائلٌ: يَرِدُ عَلى قَولِكم هَذا - وَهو أَنَّه لا بُدَّ مِن فَهْمِ الحُجَّةِ بَعد بُلوغِها - قَولُه تَعالَى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] ولَمْ يَقُلْ: ومَنْ بَلَّغ وفَهِمَ.
قُلنا: هَذا مُطلَقٌ، لكنَّ الآياتِ الأُخرَى تُقيِّدُه أَنَّه لا بدَّ مِن البيانِ والمَعرفةِ، وكَذَلكَ لَو قَالَ قائلٌ: يَرِدُ عَلى قَولِكم هَذا قَولُ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعَلى آلِه وسلَّم -: "وَالَّذي نَفْسي بيَدِه لا يَسمَعُ بي أَحدٌ من هَذِهِ الأُمَّةِ؛ يَهوديٌّ ولا نَصرانيٌّ، ثُمَّ لا يُؤمنُ بِما جِئتُ بِه إِلَّا كانَ مِنْ أَصحابِ النَّارِ" (١)، قال: "لا يَسمعُ بي"، فَيُقالُ: لأنَّه إِذا سَمِعَ به يَجِبُ عليهِ أَنْ يَبحثَ حتَّى وإِنْ كانَ لا يَفهمُ يَجِبُ عَليه أَنْ يَبحثَ، أَمَّا أَنْ يَترُكَ الأمرَ فَهو لا يُعذَرُ لِتَفريطِه وتَهاونِه، وعَلى هَذا فَلا بدَّ مِنْ بُلوغِ الحُجَّةِ وَلا بدَّ من فَهمِها.
وإِنْ قال قائِلٌ: فَكَيف الجَوابُ عَن قَولِ اللهِ : ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]؟ стр. 262
فالجَوابُ: خَتمَ عليها بَعد الفَهمِ؛ لِأنَّ الخَتمَ مَعناه قَدْ يَكونُ خَتْمٌ يَمنَعُ الفَهمَ، وقَدْ يَكونُ خَتْمٌ يَمنعُ الِانقيادَ كَقَولِه تَعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤].
ونَحنُ في الحَقيقةِ لا نَتهاونُ في تَكفيرِ مَن كَفَّره اللهُ، ولا نُبالي أَنْ نُكفِّرَ مَن كَفَّره اللهُ، لكنَّنا لا نَتجاسَرُ أَنْ نُكفِّرَ مَن لَمْ يُكفِّرْه اللهُ ، فَالحُكمُ بِالتَّكفيرِ وَعَدمِ التَّكفيرِ إِلَى اللهِ لَيس إِلينا وَلا لِعَواطِفِنا، وإِلَّا لَوْ كانَ إِلَينا أَوْ إِلَى عَواطِفِنا لَكُنَّا نُكفِّرُ مَن كانَ فاسقًا، بَلْ قَد نُكفِّرُ مَن كان تاركًا لِلأَوْلَى؛ لأنَّ الإنسانَ لَا شكَّ أَنَّ مَعَه غَيرةً يَبغُضُ بِها مَن خالفَ الشَّرعَ، لكن كَونُنا نَحكُم عليه بالكُفرِ أَو بِعَدمِ الكُفرِ لَيسَ إِلَينا، بَل هو إِلى اللهِ ، والخَلقُ عَبيدُ اللهِ لَيسوا عَبيدَنا حتَّى نَحكُمَ عَليهم بِما نَرى، بل نَحكُمُ عَليهم بِمُقتضى كَلامِ اللهِ ورَسولِهِ.
فإِذا دارَ الأَمرُ بَين أنْ نَقولَ: هَذا كافرٌ وهو يَنتسبُ إِلى الإِسلامِ، وبَين أنْ نَقولَ: لَيس بِكافرٍ، فَالأحوطُ أَنْ نَقولَ: لَيس بِكافرٍ لأنَّنا بِهذا سالمِونَ، لَكنْ لَو كَفَّرناه ثُمَّ بِناءً عَلى تَكفيرِه نَستَبيحُ دَمَه ومالَه ولا نُصَلِّي عليه وَلا نَدعو لَه بِالرَّحمةِ، فَالمَسألةُ لَيست بِسَهلةٍ، والمَسألةُ صَعبةٌ جِدًّا.
ولهِذا خَطأُ مَن يَتسرَّعون بِالتَّكفيرِ أَشدُّ مِن تَهاوُنِ مَن لا يُكفِّرونَ؛ لِما يَترتَّبُ عَلَى التَّكفيرِ مِن المَصائبِ وَالبَلاءِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ التَّناقُضَ بَين الرَّسولِ وَالوَحيِ مُستَحيلٌ، والدَّليلُ قَولُه تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] وَهَذا مُستحيلٌ أَنْ يَتناقَضَ الوحيُ ومَنْ أُوحِيَ إِليه.
стр. 263
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ القُرآنَ يَكونُ لِأَقوامٍ رَحْمةً ولِآخرينَ نِقمةً، ويَشهَدُ لهِذا قَولُه ﵊: "القُرآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عليك" (١). رَحمةٌ لِلمُؤمنينَ ونِقمةٌ عَلى الكَافرينَ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الحاقة: ٥٠].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّه لا يُمكنُ أَنْ يُبتغَى الهُدَى مِن غَيرِ القُرآنِ لِقولِه: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ [فصلت: ٤٤]، فَمَنِ ابْتَغى الهُدَى مِن غَيرِ القُرآنِ أَضَلَّه اللهُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ القُرآنَ شِفاءٌ مِن أَمراضِ القُلوبِ وَأَسقامِ الأَبدانِ لِقولِه: ﴿هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
وقد فَهِمنا أَثناءَ التَّفسيرِ أَنَّ الفاتِحةَ رُقيةٌ، كَذلكَ أيضًا إِذا أَردتَ أَنْ تَرقيَ أحدًا فَانْظُر مَع الفاتحةِ الآياتِ المُناسِبةَ، فمَثلًا إِذَا كنتَ تُريدُ أَنْ تَرقِيَه مِنَ السِّحرِ فَاقرأْ إِضافةً لِلفاتحةِ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾؛ لِأنَّهمَا السُّورَتانِ اللَّتانِ رُقِيَ بِهما الرَّسولُ ﷺ (٢).
كَذلكَ انظُرْ إِلَى آياتِ السِّحرِ الَّتي تُبطِلُ السِّحرَ مِثلَ قَولِه تَعالى عَنْ موسى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، وَأَمْثالِ ذَلكَ.
وَإِذَا كُنتَ تُريدُ أَنْ تَرقيَ مِن مَرَضٍ اقْرأِ الآياتِ المُناسبةَ مِثل: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ стр. 264
فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، لِأَنَّ التَّناسبَ بَين الآياتِ الَّتي هي الدَّواءُ وبَين المَرضِ الَّذي هو الدَّاءُ لا بُدَّ أَن يَكونَ أَمرًا مُهمًّا يُراعيه الإِنسانُ.
كَما يُراعي ذلكَ في الأَدويةِ الحِسِّيَّةِ، فَالحارُّ يُعالَجُ بِالباردِ، ولهِذا قال النَّبيُّ ﵊ في الحُمَّى: "الحُمَّى مِن فَيحِ جَهنَّمَ فَأَبرِدوها بِالمَاءِ" (١)، وقَدْ شَهِدَ الأطبَّاءُ الآنَ أنَّ البُرودةَ لِمَنْ أُصيبَ بِالحُمَّى مِنْ أَكبرِ العِلاجِ حتَّى كانوا يَجعَلونَ المَريضَ أَحيانًا إِلَى جَنبِ المُكيِّفِ مِنْ أَجْل البُرودةِ، ويَضَعون أَحيانًا عَلى المَريضِ بِالحُمَّى ثَوبًا مَبْلولًا بِالماءِ مِن أَجْلِ تَبريدِه.
فَإِن قال قائلٌ: سَبقَ أَنَّ الأَصلَ إِبقاءُ المُطلَقِ عَلى ما جاء، وَهُنا بَعضُ أَهلِ العِلمِ يُقيِّدونَ بَعضَ الأَمراضِ بِآياتٍ مُعيَّنةٍ، يَقولُ: تَقرأُ آيةَ كَذا وكَذا وهَكَذا، فَهَلْ هَذا يُخالِفُ القاعدَةَ أَمْ لا؟
فالجَوابُ: هَذا لا يُخالفُ القاعدةَ فَهَذه مُوافِقةٌ لِلحِكمةِ، كَما ذَكرنا أَنَّ المَرضَ يُعالَجُ بِما يُناسبُه.
فَإِنْ قيلَ: مِنْ أَين عَرَفوا هَذا؟
فالجَوابُ: مِن حِكْمةِ اللهِ فَيُعرَفُ هَذا مِنَ الحِكْمةِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أَنَّ الإِنسانَ كُلَّما كانَ أَقوى إِيمانًا كانَ أَهدى وَأَشفى مِن قَولِه تَعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، وهُنا قاعِدةٌ مُفيدةٌ مُهمَّةٌ: أنَّ كلَّ حُكمٍ مُعلَّقٍ بِوَصفٍ أَوْ مُرَتَّبٍ على وَصْفٍ، فَإنَّه يَقوى بِقُوِّةِ ذَلك الوَصْفِ ويَضْعُفُ بِضَعفِ ذَلك الوَصْفِ. стр. 265
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: بَلاغةُ القُرآنِ بِتَصويرِ المَعقولِ بِصورَةِ المَحسوسِ، فَهَؤلاءِ الَّذين لا يُؤمنونَ لَوْ أَنَّك نَظَرتَ إِلَيهم نَظرةً حِسِّيَّةً لم تَجِدْ: ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾؛ لِأنَّهم يَسمَعونَ، وَقَدْ يَكونونَ أَقوى سَمْعًا مِن المُؤمنِينَ، ولَمْ تَجِدْ أَيضًا أَنَّهمْ إِذَا قُرِئَ عليهمُ القُرآنُ عَميَتْ أَعينُهم كَما قَالَ: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، ولَمْ تَجِدْ أَنَّهمْ يُنادَون مِن مَكانٍ بَعيدٍ، بَل تُعْرَضُ عَليهم الدَّعوةُ إِلَى جَنْبِ الدَّاعي، لَكنَّ هَذا مِن بَلاغةِ القُرآنِ أَنْ يُصَوِّرَ الشَّيءَ المَعقولَ بِصورَةِ المَحسوسِ حتَّى يَكونَ أَقربَ إِلى الفَهمِ، فَهُنا صَوَّر اللهُ حالَ هَؤلاءِ بأَنَّهمْ صُمٌّ وبأنَّهم عُمْيٌ وبِأنَّهمْ بَعيدونَ مِن الدَّاعي.
* * *
стр. 266
الآية (٤٥)
* قَالَ اللهُ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥].
* * *
﴿آتَيْنَا﴾ أَعْطَيْنَا، والإِيتاءُ هُنا إِيتاءٌ شَرعيٌّ قَدَريٌّ، إِيتاءٌ شَرعيٌّ؛ لِأنَّه أُضيفَ إِلَى الوَحْيِ، وقَدَرِيٌّ؛ لِأنَّه وَقَعَ فِعلًا.
وَموسى ﵊ هو أَفضلُ أَنْبِياءِ بَني إِسرائيلَ، وهو بالنِّسبةِ لِأُولي العَزم بِالمَرتبةِ الثَّالثةِ؛ لِأنَّ أُولي العَزمِ خَمسةٌ، أَفضلُهم مُحمَّدٌ ﷺ ثُمَّ إِبراهيمُ ثُمَّ موسى، وَهو - أَيْ مُوسَى - أَكثرُ الأنبياءِ أَتْباعًا بَعْدَ الرَّسولِ ﷺ لِحَديثِ: "أَنَّه ﵊ رَأى سَوادًا عَظيمًا قَدْ سَدَّ الأُفقَ فَقيلَ: هَذا موسى وقَومُه" (١).
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿الْكِتَابَ﴾ التَّوراةِ] وسُمِّيتْ كتابًا لأنَّها مَكتوبَةٌ، قَالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] فَهي نَزَلت مَكتوبةً.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بِالتَّصديقِ والتَّكذيبِ كَالقُرآنِ]، اخْتَلفَ فيه أَقوامُه، قَومُ موسى اخْتَلفوا، فَمِنهم مَنْ صَدَّقَ، ومِنهم مَن كَذَّب، لكنَّ قَومَ موسَى مَشهورونَ بِالعُتُوِّ والطُّغيانِ والِاستِكبارِ العَظيمِ وَالجهلِ العَميقِ، لَمَّا стр. 267
مَرُّوا بأَقوامٍ يَعبدونَ غَيرَ الله: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وَلمَّا صَنَعوا مِنَ الحُليِّ عِجلًا قَالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [طه: ٨٨]، فَجعلوا العِجلَ الَّذي صَنَعوه بِأَيديهِمْ إِلَهًا، نَسألُ اللهَ العافيةَ.
قَالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت: ٤٥]، لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعالَى هَذا الكِتابَ العَزيزَ، وَأنَّه لِلَّذينَ آمَنوا هُدًى وشِفاءٌ وللَّذين في قُلوبِهم مَرضٌ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ بَيَّنَ ما كانَ مِنَ الأُممِ السَّابقةِ نَحوَ كُتُبهم فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [فصلت: ٤٥] ﴿آتَيْنَا﴾ بمَعْنى أَعْطَيْنا، الجُملةُ هَذِه مُؤَكَّدةٌ بِثَلاثةِ مُؤكِّداتٍ وَهي:
القَسَمُ وَاللَّامُ وَ (قَدْ) وَتَقديرُ الكلامِ: وَاللهِ لَقدْ آتَيْنا، وَهو يَقَعُ كَثيرًا في الكِتابِ العَزيزِ، أَيْ: مِثْلُ هَذِه الصِّيغَةِ تَقَعُ كَثيرًا في القُرآنِ، وقَولُه: ﴿آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ هَذا الإِتيانُ إِتيانٌ كَونيٌّ وشَرعيٌّ، فاللهُ تَعالى قَد أَنزلَ عليه التَّوراةَ فِعلًا، وقَدْ آتاهُ الحُكمَ بِها.
و﴿مُوسَى﴾ هو ابْنُ عِمرانَ ﵊ أَفضلُ أَنبِياءِ بَني إِسرائِيلَ، وَهو في المَرتبةِ الثَّالثةِ بِالنِّسبةِ لِأُولي العَزمِ؛ لِأنَّ أُولي العزمِ هُم خَمسةٌ أَفْضلُهم مُحمَّدٌ ﷺ ، ثُمَّ إِبْراهِيمُ ثُمَّ موسى عليهم الصلاة والسلام.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿الْكِتَابَ﴾ التَّوراةُ] وسَمَّاها اللهُ تَعالى كِتابًا؛ لأنَّ اللهَ كَتبها بِيدِه تَباركَ كَما قَالَ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]. يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ بِالتَّصديقِ وَالتَّكذيبِ كَالقُرآنِ] أَي: اخْتَلفَ النَّاسُ فيه فَمِنهم المُصدِّقُ ومِنهم المُكذِّبُ كَما كان النَّاسُ أيضًا بالنِّسبةِ لِلقُرآنِ،
стр. 268
وهَكذا جَميعُ الأُممِ بِالنِّسبةِ لِما جاءت بِه الرُّسلُ مِنهمُ المُصدِّقُ وَمِنهمُ المُكذِّبُ، كَذلِكَ أيضًا جَميعُ ما جاءَتْ بِه الرُّسُلُ يَختلِفُ النَّاسُ فيه بَين مُؤمنٍ وكافرٍ، وهَذا تَسليةٌ لِلرَّسولِ - صلَّى اللهُ عليه وَعَلى آله وَسلَّم -.
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ٤٥]، ﴿وَلَوْلَا﴾ هَذه حَرْفُ شَرطٍ، وَهي كَما قال النُّحاةُ: حَرفُ وُجودٍ لِعَدمٍ، ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ هَذا مَوجودٌ ﴿لَقُضِيَ﴾ هَذا مَعدومٌ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتَأخيرِ الحِسابِ وَالجَزاءِ لِلْخلائِقِ إِلَى يَومِ القِيامةِ]، فَإنَّ الجَزاءَ الكامِلَ إِنَّما يَكونُ يَومَ القِيامةِ، أَمَّا في الدُّنيا فَهو جزاءٌ لَا شكَّ يُعاقَبُ فيه المُجرمونَ ويُفلحُ فيه المؤمنونَ، لَكنَّه لَيس الجَزاءَ الكاملَ مِن كلِّ وَجهٍ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدُّنيا فيما اختَلفوا فيه]، وَالمُرادُ بِذلك القَضاءُ التَّامُّ فَلا يُنافي هَذا ما وَقعَ لِآلِ فِرعونَ مِنَ الغرقِ وَالهَلاكِ لمَّا كَذَّبوا موسَى ﷺ .
يَقولُ المفسِّرُ ﵀[﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أَي: المُكذِّبينَ بِه ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ مُوقعٌ في الرِّيبةِ].
من فوائِدِ الآيَةِ الكَريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَأكِيدُ الكَلامِ إِذا دَعَتِ الحَاجةُ إِلَيه، إمَّا لِأَهمِّيَّتِه، وإمَّا لِلشَّكِّ فيه، وإمَّا لإِنكارِه، قَالَ عُلماءُ البَلاغةِ: والمُخاطَبُ لَهُ ثَلاثُ حالاتٍ:
الحالُ الأُولَى: حَالُ ابتداءٍ وَهي أَلَّا يَكونَ عِندَ المُخاطَبِ عِلمٌ ولا تَردُّدٌ ولا إِنكارٌ،
стр. 269
هَذا تُلقى إِليهِ الجُملةُ غَيرَ مُؤكَّدةٍ؛ لأنَّه لا حاجةَ لِلتَّوكيدِ، مِثلَ أَنْ يُقالَ: قَدِمَ فُلانٌ اليومَ لِإِنسانٍ لَمْ يَكُنْ في قَلبِه شيءٌ مِن قُدومِه إِثباتًا وَلا نَفيًا، وَتُسمَّى هَذِه الجُملةُ ابتِدائيَّةً.
الحالُ الثَّانيةُ: أَنْ يَكونَ المُخاطَبُ مُتردِّدًا في الأمرِ شاكًّا فيه لَكنَّه لَا يُنكِرُه، فَهَذا يَحتاجُ إِلى تَوكيدٍ لكنَّه لَيس بواجبٍ، مِثل أَنْ تُخاطِبَ رَجُلًا في أَمرٍ يَستَبعدُه لكنَّه لَا يُنكرُه، فهُنا يَحسنُ أَنْ تُؤكِّدَ لَه الكَلامَ من أَجلِ أنْ يَزولَ عَنه الشَّكُّ وَالتَّردُّدُ.
الحالُ الثَّالثةُ: أَنْ يَكونَ مُنكِرًا مُكذِّبًا، فَهذا يَتعيَّنُ تَوكيدُ الخبرِ لَه؛ لِأنَّ ذَلكَ أَبلغُ في إِقامَةِ الحُجَّةِ عَليهِ وَإِقْناعِه.
إِذن: أَحوالُ المُخاطَبِ ثَلاثةٌ: ابتداءٌ، وتَردُّدٌ، وإِنكارٌ، ولِكلِّ حالٍ حُكمُها فِيما يَتعلَّقُ بِالتَّوكيدِ.
فَإِنْ قال قائلٌ: يَرِدُ عَلى كَلامِكم هَذا قَولُه تَعالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦] وَالمُرادُ الجُملةُ الأُولى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ فَلا أحدَ يُنكرُ الموتَ حتَّى يُؤكَّدَ لَه، أَجابوا عَنْ ذَلكَ بأنَّ تَكذيبَهم وإِنكارَهم وَاستِكبارَهم وتَمرُّدهم يَفعلونَ ذَلِكَ فِعلَ المُنكِرِ فخوطِبوا خِطابَ المُنكِرِ، وهَذا لَا شكَّ أنَّه جَوابٌ صَحيحٌ.
وقولُه تَعالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ مُؤكَّدٌ بثَلاثِ مُؤكِّداتٍ؛ لِأهمِّيَّةِ المَوضوعِ؛ لِأنَّ المَوضوعَ مُهِمٌّ فَيحتاجُ إِلَى التَّوكيدِ لِتَسليةِ الرَّسولِ ﵊.
وإِنْ قال قائلٌ: هَلِ الجُملةُ الخَبريَّةُ تُؤكَّدُ لِلاهتمامِ بِالأَمرِ؟
فَالجوابُ: أَنَّ تَوكيدَ الخَبرِ لِلاهتمامِ بِه وَإِنْ كانَ المُخاطَبُ مُقِرًّا حالَ المُخاطِبِ
стр. 270
لا تَستدعي التَّوكيدَ؛ لِأنَّه مُقِرٌّ لكنَّ الِاهتمامَ بِه اقْتضَى التَّوكيدَ مَثلًا: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: ١] إِنْ خاطَبنا بِهِ المُؤمنَ فَهو لِلتَّوكيدِ فَقَطْ وَالِاهتمامُ بِالأمرِ، وَإِنْ خاطَبنا بِه المُنكِرَ صارَ لِلإنكارِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثباتُ رِسالةِ موسَى تُؤخذُ مِن قولِه تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، ووَجهُ ذَلك أَنَّ الكِتابَ لَا يُؤتَى إِلَّا لِنبيٍّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وُجوبُ الإيمانِ بِأنَّ اللهَ تَعالى آتَى موسى كِتابًا؛ لِأنَّ اللهَ أَخبرَ بِه وخَبرُه حَقٌّ، ولأنَّ ذَلك مِن الإِيمانِ بِكُتب اللهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الخِلافَ لَم يَكنْ بِدْعًا في الأُممِ، وقَدْ سَبقَ هَذه الأُمَّةَ مَنِ اختلفوا في كُتُبِهم ورُسلِهم لِقَولِه: ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَسليةُ المُصابِ بِذِكرِ المُشارِكِ لَه؛ لأنَّ الغَرضَ مِنَ الإِخبارِ بِأنَّ الله آتى موسى الكِتابَ ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، تَسليةُ النَّبيِّ ﵊، وعَلى هَذا فَينبَغي تَسليةُ المُصابِ، ومِنه ما يُسمَّى بِتعزيةِ المُصابِ بِالمَوتِ، فَمَن أُصيبَ بموتٍ، فَإنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُعزَّى أي: يُقَوَّى على الصَّبرِ عَلى المُصيبةِ، وتَسليةُ المُصابِ سُنَّةٌ لِما في ذَلك مِن رَفعِ أَلَمِ المُصيبةِ عَن أَخيكَ المُسلمِ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: حِكمةُ اللهِ بِتَأخيرِ العَذابِ عن مَنْ كَذَّبوا الرُّسلَ؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعلَ لك شيئًا قَدَرًا، فمِنْ حِكمَتِه تَأخيرُ العذابِ عَنِ الأُممِ لَعلَّهم يَرجِعونَ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَمامُ سُلطانِ اللهِ وأَنَّه - جَلَّ وَعَلا - هو المُدبِّرُ لِلأمورِ أَخْذًا ورَفْعًا لِقولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٤٥].
стр. 271
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: رِفعةُ مَنزلةِ الرَّسولِ ﵊ عِندَ اللهِ تُؤخذُ مِن قَولِه: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فَأضافَ الرُّبوبيَّةَ إِليه، وَهذه رُبوبيَّةٌ خاصَّةٌ، وهي تُفيدُ عُلُوَّ مَنزلةِ المَربوبِ عِندَ اللهِ وقَدِ اجْتمعتِ الرُّبوبِيَّتانِ العامَّةُ والخاصَّةُ في قَولِ السَّحَرةِ مِن آلِ فِرعونَ: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢] الأُولى: رَبُّ العالمَينَ عامَّةٌ، والثَّانيةُ: خَاصَّةٌ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ اللهَ تَعالى يُكَنِّي عَنِ الشَّرِّ بِبِناءِ الفِعلِ لِما لَمْ يُسمَّ فاعِلُه لِقولِه: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ولم يَقُلْ: لَقَضى بَينهُم، وهَذا هو المُطَّردُ في القُرآنِ وَالغالبُ، وَانْظُرْ إِلَى أَدَبِ الجِنِّ حيثُ قالوا: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠] أَدَبٌ عالٍ، فَقالوا في الشَّرِّ: ﴿أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وَلَمْ يُضيفوه إِلَى اللهِ، وفي الرُّشدِ قالوا: ﴿أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ولم يَقولوا: أَمْ أُريدَ بِهم رَشدًا.
وهَذا مِنْ أَدبِ الجنِّ، والجنُّ أَحيانًا يَكونونَ آدَبَ مِن الإنسِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف: ٢٩]، أَوصى بَعضُهم بَعضًا أَنْ يُنصِتوا حتَّى يَستمِعوا استِماعًا تامًّا، ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ أيضًا لَمْ يَتوقَّفوا أَوْ يَكسلُوا، ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف: ٢٩] بادَروا إِلى قَومِهم مُنذِرينَ: ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا. . .﴾ إِلَخْ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أَنَّ المُكذِّبينَ بكِتابِ مُوسَى في شكٍّ مُريبٍ مُوقِعٌ في الرَّيبِ، وهو الشَّكُّ مَع القَلقِ يَعْني: الفَرقُ بَينَ الرَّيبِ والشَّكِّ قَريبٌ؛ ولهِذا يُفسِّرُ بَعضُ العُلماءِ الرَّيبَ بِالشَّكِّ، ولكنَّ شَيخَ الإِسلامِ ﵀ قال: "هَذا تَفسيرٌ قَريبٌ" (١). стр. 272
والرَّيبُ أَخصُّ مِن مُطلَقِ الشَّكِّ إِذْ إِنَّ فيه قلقًا مَع ريبةٍ، وذَلكَ لِأنَّ الأمرَ المشكوكَ فيه إمَّا أَلَّا يَكونَ ذا أَهمِّيَّةٍ فتَجدُ الشَّاكَّ فيه يَقولُ: ما يَهُمُّنِي ثَبتَ أَم لَم يَثْبُتْ، وإِمَّا أَنْ يَكونَ ذا أَهمِّيَّةٍ فحينئِذٍ إِذا شَكَّ فيه سيكونُ في قَلقٍ أَيُؤمنُ بِهذا أَمْ يُنكرُ؛ لِأنَّهُ أَمرٌ هامٌّ، فَالغالبُ أَنَّ الرِّيبةَ لا تَأتي إِلَّا في الأُمورِ الهامَّةِ، وأَمَّا الشَّكُّ الَّذي يُشَكُّ هَلْ فُلانٌ قَدِمَ أو ما قَدِمَ، وليس له أَهمِّيَّةٌ في قُدومِه أو غيابِه، فَهذا لَا يوجبُ الرِّيبةَ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الإيمانَ يَجِبُ أَلَّا يُخالطَه شَكٌّ، وأنَّه إِذا وَرَدَ عَلَى القَلبِ شَكٌّ ولَو يَسيرًا بِشَرطِ أَلَّا يُدافعَه بَل يَركنُ إِليه، فَإنَّ هذا مُحبِطٌ لِإيمانِه، أَمَّا لَو وَرَدَ الشَّكُّ عَلى القَلبِ وطَردَه وجاهَدَ نَفسَه عَلى دَفعِه، فَهذا لا يَضُرُّه شيئًا، ولهِذا أَخبرَ النَّبيُّ ﵊ "أَنَّ النَّاسَ يَتساءلونَ مَنْ خَلَقَ كذا مَنْ خَلَقَ كذا؟ حتَّى يَقولوا: مَنْ خَلَقَ اللهَ؟ " وهذا شَكٌّ ولَكنَّ الرَّسولَ أَخبرَ قَالَ: "فَإذا بَلَغَ أحدُكم ذَلكَ - أو كَلمةً نَحوها - فَليَستَعِذْ بِاللهِ ولْيَنْتَهِ" (١)، وأخبرَه الصَّحابةُ أنَّهم يَجِدون في نُفوسِهمْ مَا يُحبُّونَ أَنْ يَكونوا حِممًا -أي: فَحْمةً مُحتَرِقَةً - ولَا يَنطقونَ بِه، فقالَ ﷺ : "ذاكَ صَريحُ الإِيمانِ" (٢).
فالحاصِلُ: أَنَّ الشَّكَّ الواردَ عَلى القَلبِ إِنِ اطْمأنَّ بِه الإِنسانُ ورَكَنَ إِليه، فَلْيَعلمْ أَنَّه ليس بِمؤمنٍ؛ لأنَّ الإِيمانَ يُنافيه شيئانِ: الشَّكُّ، والإِنكارُ. أمَّا إِذا وَرَدَ عَلى القلبِ وطارَدَه وجاهَدَ نَفسَه عَلى تَرْكِه، فَفي هَذه الحالِ لا يَضُرُّه، بَلْ هذا صَريحُ الإيمانِ وخالصُ الإِيمانِ، وذَلكَ أنَّ الشَّيطانَ لا يورِدُ مِثلَ هذِه الأُمورِ عَلى قَلبِ مَيِّتٍ، стр. 273
فالقلبُ الميِّتُ مُستريحٌ مِنه، إنَّما يورِدُها على قَلْبٍ حَيٍّ لِيُميتَه، ولمَّا ذَكَر اليَهودُ لابنِ مَسعودٍ أَوْ لِابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهم لا يُوَسْوَسونَ في صَلاتِهمْ، يُريدونَ بِهذا أَنْ يَفتَخِروا على المُسلمينَ، قال: صَدَقوا وما يَصنعُ الشَّيطانُ بِقلبٍ خَربٍ. وهذه كَلمةٌ عَظيمةٌ! يَعني: أنَّ قُلوبَهم خَرِبَةٌ، والشَّيطانُ ماذا يَصنَعُ في قَلبٍ خَرابٍ؟ أَيَأتي إِليه لِيُخرِبَه؟ الجوابُ: لا، إنَّما يَأتي الشَّيطانُ بِهَذه الوَساوسِ إِلى قَلبٍ حَيٍّ لِيُهلِكَه أو يُمْرِضَه.
* * *
стр. 274
الآية (٤٦)
* قال الله : ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
* * *
قوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ هَذه جُملةٌ شَرطيَّةٌ أَداةُ الشَّرطِ فيها ﴿مَنْ﴾ وفِعلُ الشَّرطِ ﴿عَمِلَ﴾ وجوابُ الشَّرطِ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ تَمامُ هَذه الجُملةِ شرطيَّةٌ، واقْتُرِنَتْ بِالفاءِ لِأنَّها جُملةٌ اسميَّةٌ إِذِ التَّقديرُ: فَعَمَلُه لِنفْسِه، وقَدَّرَها المفسِّرُ ﵀ بِقولِه: [﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ عمل]، ولَكِنْ إذا قَدَّرناها جُملةً اسميَّةً فَلا حَرَجَ.
﴿صَالِحًا﴾ صِفةٌ لِمَوصوفٍ مَحذوفٍ، والتَّقديرُ: عَملًا صالحًا، والعَملُ الصَّالحُ مَا اجْتَمعَ فيه أَمرانِ:
الأوَّلُ: الإِخلاصُ للهِ .
والثَّاني: المُتابَعةُ لِشَريعةِ اللهِ، وَلا نَقولُ هنا: المُتابَعةُ لِمُحمَّدٍ ﷺ لأنَّنا نَتكلَّمُ عَن العَمَلِ الصَّالحِ في هَذه الأُمَّةِ وَفي غَيرِ هَذه الأُمَّةِ، فَنقولُ: الإِخلاصُ للهِ والمُتابَعةُ لِشريعةِ اللهِ؛ لِيَشملَ ما كانَ في أُمَّةِ مُحمَّدٍ ﷺ وما كان في أُمَمٍ سابقةٍ.
إِذا فَقَدَ الإِخلاصَ فَليس بِصالحٍ؛ لأنَّه شِركٌ مَردودٌ على صَاحبِه، قال اللهُ تَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ: "أَنا أَغنى الشُّركاءِ عَنِ الشِّركِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْركَ فيه مَعي
стр. 275
غَيري تَرَكْتُه وشِرْكَه" (١)، ومَنْ أَخلصَ لكن عَلَى غَيرِ شَريعةِ اللهِ فَعَمَلُه بِدعةٌ مَردودٌ؛ لِقولِ النَّبيِّ - صلَّى اللهُ عَليه وعلى آلِه وسلَّم -: "مَنْ عَمِلَ عملًا لَيس عَليه أَمرُنا فَهو رَدٌّ" (٢). وَفي رِوايةٍ: "مَنْ أَحدثَ في أَمرِنا هَذا ما لَيس مِنه فَهو رَدٌّ" (٣).
قَولُه: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ يَعْني: فَالمَصلحةُ لِنفسِه، فَإنَّ ذَلك لا يَنفعُ اللهَ شيئًا، ولِهَذا قال اللهُ تَعالى في الحَديثِ القُدسيِّ الَّذي رَواه أَبو ذَرٍّ ﵁ أنَّ اللهَ قال: "يا عِبادي لَو أَنَّ أَوَّلَكم وآخِرَكم وإِنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أَتْقى قَلبِ رَجلٍ واحدٍ مِنكم ما زاد ذَلِكَ في مُلْكي شيئًا" (٤). لمِاذا؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يَنتفعُ بِطاعةِ الطَّائعينَ، وَلا يَتضرَّرُ بِمعصيةِ العاصينَ، فَالعملُ لِنفسِك.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ أي: فَضرَرُ إِساءتِه عَلى نَفسِه]، وَلَوْ قُلنا: التَّقديرُ فَإِساءَتُه عليها لَكفى، مَنْ أَساءَ، أي: عَمِلَ عَملًا غَيرَ صالِحٍ، وَالَّذي يَدُلُّنَا عَلى أَنَّ المُرادَ بِالإِساءَةِ هُنا العَملُ غَيرُ الصَّالحِ أَنَّهُ قُوبِلَ بِما سَبَقَ بِمَن عَمِلَ عَملًا صالحًا، وهَذا أَحدُ الطُّرقِ الَّتي يُعرفُ بِها تَفسيرُ القُرآنِ الكَريمِ بَلْ وغَيرُهُ مِن الكَلامِ، إِذا ذُكِرَ الشَّيءُ ثُمَّ ذُكِرَ ما بَعدَه عَلى وَجهِ المُقابَلةِ فيُفسَّرُ ما بَعدَه عَلى ضِدِّ ما قَبله، وَمِن ذَلكَ قَولُه تَعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: ٧١] لَو أَنَّك стр. 276
تأمَّلتَ ما مَعنى ﴿ثُبَاتٍ﴾ هل مَعناها انفِروا ثَابِتينَ على الجِهادِ؟ لا، بَلْ يُفسِّرُها ما بَعْدَها: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فَيكونُ مَعْنى ثُباتٍ أي: فُرادَى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، إذن الإِساءَةُ تَكونُ إِمَّا بِالإشراكِ بِاللهِ كالرِّياءِ مثلًا، وإمَّا بِالبدعةِ كَبِدَعِ الصُّوفيَّةِ وغَيْرِهم مِن أَصْحابِ الطُّرُقِ الَّذين هم مُخلصونَ إِلى اللهِ ويَودُّونَ التَّقرُّبَ إِلَى اللهِ لكن بغيرِ ما شَرَعَ اللهُ، فَكانوا ضالِّين كالنَّصارى تمامًا.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أَيْ: بذي ظُلمٍ] ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ هذه كقَولِه فيما سَبَق: ﴿سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٤٥].
و﴿وَمَا﴾ هُنا حِجازيَّةٌ، فَكُلُّ ما في القُرآنِ حِجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ بِلُغةِ قُريشٍ، وعلى هَذا فمتى أَتَتكَ ﴿مَا﴾ فَهي حِجازيَّةٌ، قال الله تَعالَى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] وَلَو كانتْ تَميميَّةً لقالَ: ما هَذا بَشَرٌ، لكن قال: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾.
إذن: كُلَّما أَتَتْكَ ﴿مَا﴾ الَّتي تَكونُ دائرَةً بَينَ الحِجازيَّةِ والتَّميميَّةِ فَاجعَلْها حِجازيَّةً، فهُنا نَقولُ: ﴿مَا﴾ حِجازيَّةٌ و (رَبُّ) اسْمُها وَ ﴿بِظَلَّامٍ﴾ خَبَرُها لكنَّه جُرَّ بِحَرفِ الجَرِّ الزَّائدِ.
وقَولُه: ﴿وَمَا رَبُّكَ﴾ هَلِ الخطابُ لِلرَّسولِ ﵊ وَليس عَامًّا، فسياقُ الآيةِ يَدُلُّ على أَنَّه خاصٌّ بِالرَّسولِ ﵊، ولكن لِيعلمَ أَنَّ ما وُجِّهَ الخِطابُ فيه إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْني: أَنَّ الحُكمَ خَاصٌّ بِه، بَلْ هو لَه ولِلْأُمَّةِ؛ ولهِذا نَقولُ: الخطابُ المُوجَّهُ إِلَى الرَّسولِ ﵊ يَنقسمُ إِلَى ثلاثةِ أَقسامٍ:
الأوَّلُ: مَا دَلَّ الدَّليلُ على أَنَّه خَاصٌّ بِهِ كَقَولِه: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] هَذا خاصٌّ بِالرَّسولِ.
стр. 277
الثَّاني: ما دَلَّ الدَّليلُ على أَنَّه عامٌّ كَقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وهَذا خطابٌ للرَّسولِ: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ١] هَذا عامٌّ؛ لأنَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ وَمِنه قَولُ اللهِ تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] فأَوَّلُ الآيةِ خاصٌّ والثَّاني عامٌّ.
الثَّالثُ: ما لا دَليلَ فيه عَلى هَذا ولا عَلى هَذا، فَهو خَاصٌّ بالرَّسولِ، لَكن لَنا فيه أُسوَةٌ، وقيلَ: إنَّه للأُمَّةِ لكن خوطِبَ بِها الرَّسولُ؛ لأنَّه قائدُها ﵊.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: بذي ظلم] إِشارَةٌ مِنه ﵀ إِلى أنَّ "ظَلَّامَ" صيغةُ نِسبةٍ وليست صيغةَ مُبالغةٍ؛ لأنَّ فعَّالًا تأتي للنِّسبةِ كنَجَّار وحدَّاد وخشَّاب، وما أَشبهَ ذَلكَ، وتأتي للمُبالَغةِ، فَهُنا (ظَلَّامٌ) يَتعيَّنُ أَنْ تكونَ للنِّسبةِ؛ لأنَّك لو جَعلتَها لِلمبالغةِ لكان المَنفيُّ هو المُبالغةُ في الظُّلمِ دونَ أَصلِ الظُّلمِ؛ وَالمعلومُ أَنَّ اللهَ تَعالَى مَنفيٌّ عَنه الظُّلمُ أَصلُه والمُبالغةُ فيه، إِذن يَتعيَّنُ أَنْ نَقولَ: إِنَّ (ظَلَّام) صيغةُ نِسبةٍ ولَيست صيغةَ مُبالغةٍ؛ ولهذا فَسَّرها بِقولِه: [أي: بذي ظُلمٍ] واستَدلَّ لِذلكَ بِقَولِه تَعالى: [﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]. وَمَنِ انتَفى عَنه الظُّلمُ في مِثقالِ ذرَّةٍ لا يُمكنُ أَنْ يَكونَ لَديه ظُلمٌ بأَكثرَ، وَلا بِمثقالِ ذرَّةٍ أيضًا، وَلا بِدونِ مِثقالِ ذرَّةٍ.
فَإِن قَالَ قائلٌ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ مَفهومُه أَنَّ ما دونها يُمكنُ؟
قُلنا: لا؛ لأنَّ مِثقالَ ذَرَّةٍ جِيءَ به على سَبيلِ المُبالغةِ لا التَّمثيلِ، وَما كانَ قَيدًا لِلمبالغةِ، فإنَّه لا مَفهومَ لَه، أَرَأَيتُم قَولَ الرَّسولِ ﷺ : "مَنِ اقتطعَ شِبرًا مِنَ الأَرضِ ظُلمًا طُوِّقَه يَومَ القيامَةِ مِنْ سَبعِ أَرَضينَ" (١)، فهَل نَقولُ: مَنِ اقْتطعَ نِصفَ شِبرٍ لا يُعاقَبُ стр. 278
عليه؟ لا، لَكن ذَكَرَه على سَبيلِ المُبالغةِ.
يَقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ أي: بِذي ظُلمٍ]. وقولُه: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ أي: العبيدِ كونًا لا شَرعًا، يَعني: لَنْ يَظلمَ أَحدًا حتَّى الكافرَ لا يَظلمُه اللهُ .
فإنْ قال قائلٌ: إِنَّ اللهَ تَعالى - وحاشاه - يَظلمُ الكافرَ، فَالكافرُ مُتِّعَ في الدُّنيا ولنَقُلْ: أَلْفَ سَنَةٍ على كُفرهِ وسيَخْلدُ في النَّارِ إِلى الأَبَدِ آلافَ ومَلايينَ السِّنينَ مع أَنَّه لَمْ يَكفُرْ إِلَّا أَلفَ سَنَةٍ، فَالعُقوبةُ زائدةٌ عَلى العملِ، وَهَذا ظُلمٌ!
قُلنا: كَلَّا وَاللهِ إِنَّ اللهَ تَعالى أَعذَرَ إِلى هَذا الرَّجلِ ببَعثِ الرُّسلِ وَإِنزالِ الكُتبِ وأَعطاهُ عَقلًا وَقالَ: إِنْ فعلتَ كَذا عذَّبتُك أَبد الآبِدينَ فَأقدمَ باختيارِهِ، فَإِذا فَعَلَ ما يُوجبُ هَذه العُقوبةَ بِاختيارِه ثُمَّ عوقبَ بِهَا لا يُقالُ: إِنَّه مَظلومٌ، إلَّا إِذا كان جاهلًا بِالعُقوبةِ لَقُلنا: نَعَمِ، الواجبُ أَلَّا يُعاقبَ إِلَّا بِمِقدارِ ذَنبهِ كَمًّا وكَيفًا، لكنَّا نَقولُ: إِنَّ هذا الرجُلَ قَد عَلِمَ وأُعذِرَ إِليه بِإرسالِ الرُّسلِ وبَيانِ ما يُعذَّبُ به، ومَع ذَلك أصرَّ كأنَّه يَقولُ: أَنا لا أُبالي إِذا عُذِّبتُ أَبَدَ الآبِدينَ، وحِينَئذٍ يَكونُ هو الَّذي جَنَى عَلى نَفسِه وفَعَلَ ما يوجبُ هذا العذابَ المؤبَّدَ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
مِنْ فَوائِدِ الآيةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: الحثُّ عَلى العَملِ الصَّالحِ لِقولِه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّك مَتَى عَلِمتَ أَنَّ عَمَلَك لنَفسِك فسوفَ تَجتهدُ في هذا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لا إِخلاصَ فيه فهو ضررٌ على صاحبِه ولَيس لَه، لِأنَّنا فَسَّرنا العَمَلَ الصَّالحَ بأنَّه ما جَمَعَ بَين شَرطينِ؛ الإِخلاصِ والمُتابَعةِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ مَنْ عَمِلَ عملًا بِدْعيًّا فعَمَلُه عليه لا له؛ لأنَّه لا يَدخُلُ في
стр. 279
العَملِ الصَّالِحِ، وكَثيرٌ مِن إِخوانِنا الَّذين يَعمَلون بهَذه البِدَعِ تَجِدُهم يَبكون ويَخشَعون وتَلينُ قُلوبُهم، ولَهم مِنَ البُكاءِ ما لا يَكونُ عِندَ المُخلِصينَ المُتَّبِعينَ، فَهؤلاءِ نَقولُ لَهمْ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤]، فَلا يَخدعنَّكَ هذا الشَّيءُ الَّذي يَقَعُ مِنهم؛ لأنَّ هَذا مِنْ إِغْواءِ الشَّيطانِ لَهمْ وغُرورِه إِيَّاهمْ.
فإِنْ قال قائلٌ: قولُه تَعالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ هل يُقصَدُ به قَولُه بَعدَه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾؟
فالجَوابُ: أنَّ كلَّ مَنْ عَمِلَ عَملًا سَيِّئًا وهو يَظنُّ أَنَّه مُحسنٌ داخلٌ في الآيةِ وإِنْ كانَ بَعدَها قَولُه تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾، لَكنَّها تَشملُ حتَّى غَيرَهُمْ.
فإِنْ قَالَ قائلٌ: هَل نتَّبعُ مثلَ هَذا السَّبيلِ الَّذي ذُكِرَ في الآيةِ؟
فالجَوابُ: نَعَمْ نَتَّبعُ هَذا فَنَحكُمُ عَلى ما ثَبَتَ قُبحُه بِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ أَنْ يُشارِكَه ما وافقَه في العِلَّةِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّهُ لا يُمكنُ أَنْ يَصِلَ ثَوابُ العَمَلِ الصَّالِحِ إِلَى الغَيرِ لِقولِه: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾، وبهَذا أَخَذَ أَكثرُ العُلماءِ وَقالوا: إِنَّ الميِّتَ لا يَنتفعُ إِلَّا بِعَمَلِ وَلَدِه فَقَطْ، أَمَّا غَيْرُهُ فَلا، يَعْني: لَو أنَّك اعْتمرْتَ لِصَديقٍ لَك مَيِّتٍ أو حَيٍّ لا يَستطيعُ العُمرةَ، فإِنَّ ذلكَ لَا يَنفَعُه؛ لأنَّ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ لا يَتعدَّى غَيرَه، وما جاءتْ به السُّنَّةُ مِن صيامِ المَرأةِ نَذْرَ شَهرٍ على أُمِّها (١) أو حَجِّها عَن أَبيها الَّذي لا يَثبتُ على стр. 280
الرَّاحلةِ (١)، فهَذا إِنَّما وَقَعَ مِن الوَلَدِ، وقَدْ قال النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ أَطيبَ ما أَكَلتم مِن كَسبِكم وإنَّ أَولادَكُمْ مِنْ كَسبِكم" (٢).
فالعملُ مِن كَسبِ الأبِ وَالأُمِّ، وهو جُزءٌ مِنْ أَبيه كَما قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم -: "فاطمَةُ بِضعةٌ منِّي يَريبُها ما رابَني" (٣)، قال ذَلكَ عَلى المِنبرِ، وأَشارَ ﵊ في هَذا الحديثِ - وَهو حَديثٌ طَويلٌ - إِلى التَّنديدِ بِعليِّ بنِ أَبي طالبٍ ﵁، وأَثنى على أَبي العاصِ بْنِ الرَّبيعِ زَوْجِ ابْنتِهِ زَيْنبَ فَقال: "حَدَّثَني فَصَدَقَني ووَعَدَني فوَفَّاني"، وانْتَقدَ عَليًّا؛ لأنَّه قيلَ: إِنَّه أَراد أَنْ يَتزوَّجَ بِنتَ أَبي جَهلٍ، فَقامَ الرَّسولُ وخَطَبَ النَّاسَ وَقال: "فاطمةُ بِضعةٌ مِنِّي يَريبُها ما رابَني"، وتَكلَّم بِكلامٍ غليظٍ، لكن عَليَّ بنَ أَبي طالبٍ ﵁ عَدَلَ عَنْ هَذا الأمرِ لمَّا رَأَى النَّبيَّ - صَلَّى اللهُ عَليه وعَلى آله وسلَّم - مُتأثِّرًا هَذا التَّأثُّرَ، وأنَّه لا يُمكنُ أَنْ يَجمعَ بَينَ بِنتِ نَبيِّ اللهِ وبَين بِنتِ عَدوِّ اللهِ، يَعني: هَذا يَكونُ مُتحدَّثَ النَّاسِ.
ونَحنُ نَقولُ: إِنَّ بَعضَ أَهلِ العِلمِ أَخَذَ بما يُفيدُه ظاهرُ هذه الآيةِ، وَقال: لَا يَنفعُ العمَلُ لِأيِّ إِنسانٍ نَويْتَه إِلَّا مِنَ الوَلَدِ، ولَكِنَّ كثيرًا مِنَ العُلماءِ قَالَ: بَل إِنَّ стр. 281
الَّذي يَنتفعُ بِهِ الميِّتُ مِنْ وَلَدِه لا مانعَ مِن أَنْ يَنتفعَ به مِن غَيرِه، ورُبَّما يُستدلُّ لِذلكَ بِحديثِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمِعَ رَجلًا يَقولُ: لَبَّيكَ عَنْ شُبرُمَةَ، قال: "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ " قال: أَخٌ لِي، أو قَريبٌ لِي (١)، فقال: أَخٌ أَو قَريبٌ وَهو مُحْرِمٌ عنه، قالوا: فَهذا يَدُلُّ على أنَّه يَجوزُ للإنسانِ أَنْ يَنوبَ عن غَيرِه فيُقالُ: هَذه نِيابةٌ عَن الغيرِ، والحجُّ أَيضًا يَسلَمُ له.
ولكنَّ الَّذي يَظهرُ لي أنَّه لا فَرْقَ بين الولَدِ وغَيرِه وبَين الحجِّ وغَيرِه، لكنَّ الَّذي نَنتقِدُه إِسرافُ النَّاسِ الآنَ بالأعمالِ لِلأمواتِ تَجِدُه يَخْتُمُ القُرآنَ في رَمضانَ عِدَّةَ مَرَّاتٍ ويَقولُ: المرَّةُ الأُولَى لِأُمِّي والثَّانيَةُ لِأَبَوَيَّ والثَّالثةُ لِجَدَّتي وَالرَّابعةُ لِجَدِّي والخامسةُ لِأخي، وَالسَّادسةُ لِأُختي وَالسَّابعةُ لِعَمِّي وَالثَّامنةُ لعَمَّتي، ويَمضي رَمضانُ ولَيس لَه ثَوابٌ كُلُّه أَعطاه لِلنَّاسِ، هَذا غَلطٌ وإِفراطٌ ولَيس مِن هَدي السَّلفِ الصَّالحِ.
كَذلكَ أَيضًا بَعضُ النَّاسِ يُسرفُ ويُخالفُ السُّنَّةَ فِي إِسرافِه تَجدُه يَذهبُ يَعتمرُ أَوَّلَ عُمرةٍ لَه، وَفي نَفس الوقتِ وَهو في مَكَّةَ ثَاني عُمرةٍ لِأُمِّه، وثَالثُ عُمْرةٍ لِأبيه كُلَّ يومٍ عُمْرةٌ، وَإِذا قَدَّرنا أَنَّه بَقِي عَشَرةُ أَيَّامٍ ولَهُ عَشَرَةُ أَقاربَ عَشْرَ عُمْراتٍ، هَذا غَلَطٌ ولَيس مِن هَدي السَّلفِ، والشَّرعُ لَيس حَسَبَ الذَّوقِ أو مَيلِ النَّفسِ أَوِ الهَوى، بل الشَّرْعُ مُحدَّدٌ، فهَلْ وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّهمْ يُكرِّرونَ العُمرةَ لا لأنفسهم ولا لِغيرهِم، لَمْ يَرِدْ إِطْلاقًا، فَأصلُ تَكرارِ العُمرةِ في سَفَرٍ واحدٍ غَيرُ مَشروعٍ؛ ولِهَذا قال عَطاءُ بنُ أَبي رَباحٍ وهو عَالمُ مَكَّة في زَمنِه: لا أَدْري هَؤلاءِ الَّذين يَخرُجونَ إِلى التَّنْعيمِ أَيَأْثمونَ أَمْ يَسلمونَ؟ стр. 282
يَعْني: مَعناهُ أَنَّه لَيس لهم أَجرٌ؛ لأنَّه لَمْ يَرِدْ عن الرَّسولِ ﵊، فَلذلكَ يَجبُ على طَلَبَةِ العلمِ أَن يُبيِّنوا لِلنَّاس حتَّى وإِنِ انتقدوهم، فَنحنُ دائمًا نُحذِّرُ مِن هَذا في الحَرَمِ، ونَقولُ: هَذا غَلطٌ ولَيس بمَشروعٍ، ثُمَّ يَذهبونَ إِلَى ناسٍ مِنَ النَّاسِ فَيقولُ لَهم: لا بأس، أَوَّلُ يَومٍ لكَ وثَاني يومٍ لِأُمِّك وثَالثُ يَومٍ لِأبيك، أَعطِها العالَمَ كُلَّ واحدٍ عُمرةً، وإِنْ كَثُرَ أَقاربُكَ وقَلَّتْ أَيَّامُكَ في مكَّةَ فَلا بَأسَ أَنْ تأخُذَ عُمرتَينِ في يَومٍ لا مانِعَ فيه، وإِنْ كَثُروا أَكثِرْ، وقَلَّتِ الأيَّامُ أَقِلَّ، اجْعلْ عُمرتَينِ في اليومِ وعُمرتَينِ في اللَّيلَةِ! فلا إِلَهَ إلَّا اللهُ! ومَنْ قَالَ بِهَذا!
لكنَّ المُشكلَةَ أَنَّ بَعضَ العُلماءِ يَتهاونونَ في هَذه الأُمورِ ولا يُريحونَ عِبادَ اللهِ، فتَجِدُه مِسكينًا في أَيَّامِ مَوسمِ الحجَّ يَتكلَّفُ كُلفةً عَظيمةً في الزِّحامِ وَالمشقَّةِ، ومع ذَلك يُصِرُّ على أَنْ يَأتيَ بِعُمرةٍ لِأبيه وأُمِّه مع أَنَّ هَذا ليس مِنْ هَدي السَّلفِ، ويُضيِّقُ عَلى النَّاسِ، يُضيِّقُ بَعضُهم على بَعضٍ، فنَسألُ اللهَ الهِدايةَ.
فإِنْ قال قائلٌ: هَلْ يُفْهمُ أَنَّه لا فَرْقَ بين الولَدِ وَغيْرِه، وبين الحَجِّ وغَيرِه كرَجلٍ صلَّى رَكعتَينِ للهِ ويَقولُ: هُما لِأبي؟
فالجوابُ: هُنا صيغتانِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَعمَلَ لِغيرِهِ:
الصِّيغةُ الأُولَى: أَنْ يَنويَ النِّيَّةَ لِلغيرِ مِن ابتداءِ العَملِ مِن الأَصلِ مِنْ حين ما أَرادَ أَنْ يُكبِّرَ نَوى أَنَّها لِأبيِه أو لِأُمِّه، فَهذَا يَصِلُ ولا إِشكالَ فيه؛ لأنَّه كالَّذي يَحُجُّ ناويًا الحَجَّ عن أَبيهِ أو أُمِّه مِن الأَصلِ.
الثَّانيةُ: أَنْ يَعمَلَ العملَ ثُمَّ بَعد الفَراغِ مِنه يَنويهِ لِأبيه أو أُمِّه هَذه اخْتَلفَ فيها العُلماءُ حتَّى الَّذين يَقولونَ بِجَوازِ إِهْداءِ القُربِ اختلفوا، هَل يَصِحُّ هَذا أَمْ لا؟
стр. 283
ووَجْهُ الفَرقِ بَينَ هَذه وَالَّتي قَبْلَها أَنَّ الَّتي قَبلَها ابْتدَأَ النِّيَّةَ مِن أَوَّل الفِعلِ، فَهو يَفعلُ ويَتحرَّكُ ويَتكلَّمُ فَيَشعُرُ أَنَّه قائمٌ به عَن الغيرِ، أَمَّا هَذا فَقدْ صلَّى وَانتهى مِنْ صَلاتِه على أَنَّها لَهُ فَثَبَتَ الأَجْرُ لَه، وَإِذا ثَبتَ الأَجرُ لَه فَليسَ من حقِّه أَنْ يَتصرَّفَ في الثَّوابِ هُو يَتصرَّفُ فِي العملِ، أَمَّا الثَّوابُ فَلا، فَيَقولُ هَؤلاءِ: إِنَّه إِذا أَهدى العَملَ بَعْدَ فِعلِه لا يَصِلُ إِلَى المُهدَى إِلَيه؛ لِأنَّ العملَ ثَبَتَ لِنفسِه وَانتهى العمَلُ وَالنِّيَّةُ لِنفسِه، وَإِذا أَهداه لِغيرِه فَقدْ تَصرَّف في الثَّوابِ والتَّصرُّفِ في الثَّوابِ لَيس إِليه، وإنَّما هو إِلى اللهِ ، ولَيس هَذا أَمْرًا ماليًّا تَقولُ: واللهِ أَبي أَعطَى فُلانًا عَشَرةَ دراهمَ أو مِئةَ دِرهمٍ، هَذا ثَوابٌ عِندَ اللهِ وكُتبَ لَكَ وانتهى الأَمرُ.
وهَذا التَّفريقُ تَفريقٌ جَيِّد ولَه مَعنًى لَطيفٌ، ولا شَكَّ أنَّه معنًى جيِّدٌ التَّفْريقُ بَين أَنْ تَعملَ العَملَ من أَوَّلِه لصاحبِك، وبَين أَنْ تَعمَلَه لِنفسِك، ثُمَّ بَعدَ ذَلكَ تُهدي ثَوابَه لِصاحبِك، فَهُنا العملُ كُتِبَ لَكَ والثَّوابُ كُتِبَ لَكَ، فَلَا يُمكنُكَ أنْ تَتصرَّفَ فيه التَّصرُّفَ في الثَّوابِ للهِ واللهُ أَعلمُ.
إِذنْ قَولُه تعالى: ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ اسْتدلَّ بِها بَعضُ العُلماءِ على أَنَّ العَمَلَ الصَّالحَ لا يَتعدَّى الغيرَ؛ أَيْ: لا يَتعدَّى فَاعلَه ونَحنُ نَقولُ: ما جاءت به السُّنَّةُ فَهو مُخصَّصٌ لِهَذا، والسُّنَّةُ تُفسِّرُ القُرآنَ وتُبَيِّنُه، ولكن هل يُقاسُ عَليهِ؟ هَذا مَحلُّ نَظرٍ، وعِندي أنَّهُ لا بَأسَ أَنْ يُقاسَ عَليهِ؛ لِأنَّ الَّذي وَرَدَ إِنَّما هو قَضايا أَعيانٍ، فَإذا كَانتْ قَضايا أَعيانٍ، فَرُبَّما نَقيسُ على هَذه العَينِ ما شابَهَها، لكنَّ الَّذي يُنكَرُ هو الإِسرافُ وَالإفراطُ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ مَن أَساءَ فَعَلى نَفسِه أَساءَ لا يَضُرُّ اللهَ شيئًا.
ولكن لَو قال قائلٌ: أَليس النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وسلَّم - أَخبَرَ بأنَّ مَن
стр. 284
سَنَّ في الإِسلامِ سُنَّةً سَيِّئةً فَعليهِ وزرُهَا ووِزرُ مَنْ عَمِلَ بِها إلى يَومِ القيامةِ (١)، إذن هَذا الإنسانُ صارتْ إِساءَةُ غَيرِه عليهِ وَاللهُ يَقولُ: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ على نَفسِه فَقَطْ؟
فيُقالُ: إِنَّ كَونَه سَنَّ هَذه السَّيِّئَةَ هو عَمَلُه الَّذي تَبِعَه النَّاسُ عَليه، ولَولا أَنَّه فَعَلَه ما فَعَلَه النَّاسُ، فَالنَّاسُ إِنَّما فَعلوا اتِّباعًا لَه فَيكونُ هَذا في الحَقيقَةِ منْ فِعلِه؛ لِأنَّه هو الَّذي سَنَّ هَذه السُّنَّةَ السَّيِّئةَ؛ ولِهذا ما مِنْ إِنسانٍ يَقتُلُ نفسًا عَمدًا بِغيرِ حَقٍّ إلَّا كان على ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفلٌ مِنها، يَعني: قابيلَ حَيث قَتَلَ هابيلَ حَسَدًا بِدونِ إِساءةٍ إِليه، قَرَّبا قُربانًا فتَقَبَّل اللهُ مِن هابيلَ ولَمْ يَتقبَّلْ من قابيلَ. فَقالَ لَهُ: ﴿لِأَقْتُلَكَ﴾ حَسَدًا؛ لِأنَّ اللهَ قَبِلَ مِن صاحبِه ولَمْ يَقبَلْ منه، فأَرشدَه صاحبُه إِلى ما يَكونُ بِه القَبولُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ومَعنى الآيةِ حَثُّه على أَنْ يَتَّقيَ، ولَيس المعنى أَنَّه كان مُتَّقيًا فَقُبِلَ، وإنَّمَا يَحثُّه على التَّقوى كأنَّه يَقولُ: اتَّقِ اللهَ يَتقبَّلْ منك. ثُم قال لَه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
ولَعَلَّ هَذا لَم يَكُنْ مَشروعًا في عَهدِهمْ أَنْ يُدافعَ الإنسانُ عَن نَفسِه؛ لأنَّ في شَريعتِنا مَنْ أَرادَ قَتلَك يَجِبُ عَليكَ أَنْ تُدافِعَه حتَّى لو قَتَلْتَه فهو في النَّارِ، ولو قَتَلَكَ فأنت شَهيدٌ، لكن لَعلَّه في عَهدِهم لَم يَكُنْ ذَلكَ مَشروعًا، وهو مِنَ الآثارِ الَّتي كَتبَها اللهُ على مَنْ قَبلَنا ونَجَّانا اللهُ منها.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: انتفاءُ الظُّلمِ عَن اللهِ لِقولِه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ стр. 285
وهَذه مِن صِفاتِ النَّفيِ، وصِفاتُ اللهِ تعالى نَوعانِ: صِفاتُ إِثباتٍ، وصِفاتُ نَفيٍ، فصِفاتُ الإِثباتِ كَثيرَةٌ جدًّا وصِفاتُ النَّفيِ أَقلُّ، ولكن مَعَ ذَلكَ صِفاتُ النَّفيِ هي في الحقيقةِ صِفاتُ إِثباتٍ؛ لأنَّ المُرادَ بِالنَّفيِ إِثباتُ ضِدِّ ذَلكَ فَمثلًا: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ المُرادُ إِثباتُ كَمالِ عَدلِه وأَنَّ عَدْلَه لا ظُلمَ فيه بِوَجهٍ مِنَ الوجوهِ.
إِذن خُذْ قاعدةً عَريضةً: لا يوجدُ النَّفيُ المحضُ فِي صِفاتِ اللهِ أَبدًا، كُلُّ نَفيٍ في صِفاتِ اللهِ فَهو إِثْباتٌ لِضدِّ النَّفيِ، فَكأنَّه يَقولُ : هو أَعدلُ الحاكمينَ وَلا ظُلمَ في حُكمهِ إِطلاقًا.
وقولُه تَعالَى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] مِن صِفاتِ النَّفيِ لكن لِإثباتِ كَمالِ عِلمِه، وَأنَّه لِكمالِ عِلْمِه لا يَرِدُ عليه النِّسيانُ إِطلاقًا، وأَمَّا عِلمُنا نَحنُ فَيَرِدُ عليه النِّسيانُ، وَهو أيضًا حاصلٌ بعدَ جهلٍ سابقٍ يَقولُ اللهُ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] فعِلمُنا في الواقعِ مَعيبٌ مِن وجوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّه مَسبوقٌ بِجهلٍ.
الثَّاني: أنَّه مَلحوقٌ بِنِسيانٍ.
الثَّالثُ: أَنَّه لَيس شاملًا عامًّا.
ونَقولُ: هَذا النَّفيُ في صِفةِ الله لا يُرادُ به النَّفيَ المَحضَ، بَل هُو إِثباتٌ في الواقعِ، إِذ إِنَّ المُرادَ به إِثباتُ كَمالِ ضِدِّه؛ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ أي: أنَّه عَدلٌ لا ظُلمَ في عَدلِه إِطلاقًا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إِثباتُ العدْلِ في أَعلى مَقاماتِه، حَيثُ قال: ﴿لِلْعَبِيدِ﴾؛ أَيْ: لِعبيدِه، وهَذا أَبْلغُ لو قُلتُ لَك: أَنتَ لا تَظلِمُ عَبيدَك، فَهو أَبلغُ مِمَّا لَو قُلتُ: أَنت
следующие страницы →