ما أَثْبَتَه لنفْسِه؟ ليس ذَنْبًا، بل هذا حقيقهُ الإنقيادِ والإستسلامِ للهِ ، لكن يجبُ شيءٌ واحدٌ، وهو أن تُؤْمِنَ بأنه لا مثيلَ له؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحلِ: ٧٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرةِ: ٢٢]، وأشباهُ ذلك، وأنت يا أخي لا تَعْلَمُ الغيبَ، اللهُ هو الذي يَعْلَمُ، وهو أَخْبَرَكَ عن نفْسِه بكذا، فقل: آمَنَّا وَصَدَّقْنَا.
وقد ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ (١) ﵀ أن المُعَطِّلَةَ أقسامٌ: قِسْمٌ عَطَّلوا البعضَ، وقِسْمٌ عَطَّلُوا الصفةَ دون الإسمِ، وقسْم عطَّلُوا الإسمَ والصفة، نفيًا لا إثباتًا؛ يعني بمعنى قالوا: لا نَصِفُ اللهَ بشيءٍ ثابتٍ، لكن نَصِفُه بالنَّفْيِ.
وقسمٌ قالوا: لا نَصِفُهُ لا بالنفيِ ولا بالإثباتِ، إن وصفناه بثابتٍ شَبَّهْنَاه بالموجوداتِ، وإن وَصَفْنَاه بمنفيٍّ شَبَّهْنَاه بالمعدوماتِ.
فائدةٌ: يجبُ أن نعرفَ أن التأويلَ يُرادُ به التفسيرُ، فيدخلُ فيه التضمينُ، وهذا هو الذي قال فيه الرسولُ ﷺ لابنِ عباسٍ: "اللهمَّ فَقِّهْهُ في الدينِ وعَلِّمْه التأويلَ" (٢) يعني: التفسيرَ.
أما التأويلُ المنهيُّ عنه في الصفاتِ، فهذا لا يسمى تأويلًا، هذا يسمى تحريفًا ولا يجوزُ أن نُسَمِّيَه تأويلًا، وإن سَمَّوْه هم تأويلًا، لكن هم يقولون: تأويلٌ كيلا ينفرَ الناسُ من صنيعِهِم، لو قالوا: أهلُ التحريفِ والسلفِ لا يَقْبَلُهُم أحدٌ، فجاؤوا بالتأويلِ تلطيفًا.
стр. 107
ولهذا نظائرُ النصارى سموا في الأخير أنفسَهم مسيحيين؛ ليضْفُوا على مِلَّتِهم المنسوخةِ أنها شرعيةٌ، وأنهم أتباعُ المسيحِ والمسيحُ ﵊ أبرأُ الناسِ منهم، ولو خرج لقاتَلَهم، وهم كاذبون على المسيحِ فيما يدَّعون، لكن سَمُّوا أنفسَهم بالمسيحيين يُضْفُون على أنفسِهم الشرعيَّةِ.
ونظيرُ ذلك أيضًا: الرافضةُ يرفضون اسمَ الرافضةِ ويغضبون عليك فسمُّوا أنفسَهم شيعةً، وأحقُّ أن يكونَ شيعيًّا أهلُ السنَّةِ؛ لأنَّهم هم الذين يحبون آلَ البيتِ محبَّةً سُنِّيَّةً شرعيَّةً، أما هؤلاء الرافضةُ فإنهم يحبون آلَ البيتِ محبَّةً شِرْكِيَّةً، أهلُ البيتِ يتبرؤون منهم بلا شكٍّ؛ ولهذا لما قال عبدُ اللهِ بنُ سبأٍ وجماعتُهُ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: "أنت اللهُ حقًّا"، تبرأ منه، وأمرَ بالأخاديدِ فخُدَّت ومُلِئَتْ حطبًا وألقاهم في النارِ (١) حرَقَهم من شدةِ ما أصابه منهم، إذن هل يُقالُ لهؤلاء الذين غالوا في آلِ البيتِ حتى أنزلوهم فوق منزلتِهم، هل يُقالُ: إنهم شيعةٌ لآلِ البيتِ؟ أبدًا واللهِ، هم أعدى عدوٍّ لآلِ البيتِ؛ لأنَّهم أنزلوهم فوق منزلتِهم، وقد قال النبيُّ ﵊: "ما أحبُّ أن تُنْزِلُوني فوق منزلتي التي أَنْزَلَني اللهُ" (٢)، وآلُ البيتِ مثلُ النبيِّ ﵊ لا يحبون أن يُنْزَلُوا فوق منزلتهم التي أنزلهم اللهُ أبدًا.
فالضابط: أن دلَّ عَلَيْهِ الدليلُ فهو تأويلٌ، وإن لم يدلَّ عَلَيْهِ الدليلُ فهو تحريفٌ.
فإذا لَبِسْتَ ثوبَك، فقلتَ: أكلتُ خبزةً، تعني لَبِسْتَ ثوبك! هل له وجهٌ؟ فإذا كان التأويلُ ليس له وجهٌ، لا لغةً ولا شرعًا؛ فهو كُفرٌ؛ لأنَّه تكذيبٌ، ولهذا
стр. 108
نقولُ: جَحْدُ الصفاتِ نوعان: إما تأويلًا، وإما تكذيبًا. إن كان تكذيبًا، فلا شكَّ أنه كُفْرٌ، لو قال قائلٌ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: إنه لم يستوِ على العرْشِ. فكَذبٌ، فنقولُ: كُفْرٌ؛ لأنَّه مُكَذَّبٌ لو قال نعم: استوى على العرش لكن معناه استولى، قلنا: هذا تأويلٌ، ينظرُ إن كان للتأويلِ مساغٌ، إن دلَّ عَلَيْهِ دليلٌ أخذْنَا به، وإن لم يدلَّ عَلَيْهِ دليلٌ رَدَدْناه، لكن إن كان له مساغٌ لم يَكْفُرْ، وإن لم يَكُنْ له مساغٌ فإنه يَكْفُرُ.
فمثلًا: الَّذي أوحاه اللهُ إلى الرَّسولِ هو القرآنُ، إذن لم نُؤَوِّلُ، فهذا هو الَّذي أُوحِيَ إلى الرَّسولِ وسمَّاه اللهُ رُوحًا؛ لأنَّه تحيا به القلوبُ، واعلمْ أنَّنا نحن لا نُنْكِرُ التَّأويلَ فقد نُؤَوِّلُ، لكن إذ دلَّ الدَّليلُ على التَّأويلِ فلا بَأْسَ، فنقولُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] نقولُ: إذا أَرَدْتَ أن تَقْرَأَ. وظاهِرُ الآية: إذا فَرَغْتَ من القراءةِ فاسْتَعِذْ، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ هذا، فنحن لا نُنْكِرُ التَّأويلَ؛ لأنَّ التَّأويلَ الَّذي دلَّ عَلَيْهِ اللفظُ تفسيرٌ، إنَّما نُنْكِرُ التَّأويلَ الَّذي هو التَّحْريفُ، وهو التَّأويلُ بدونِ دليلٍ.
وقولُهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نرى في بعضِ الكتبِ: إن اللهَ لا شبيهَ له. فهل هذا التعبيرُ يماثلُ قولَنا: إن اللهَ لا مثيلَ له؟ لا؛ ولهذا التعبيرُ بقولِنا: نؤمنُ بإثباتِ ذلك بلا تمثيلٍ خيرٌ من التعبيرِ بقولِنا: نُثْبِتُ ذلك بلا تشبيهٍ، مع أننا نرى أكثرَ الكُتُبِ التي بأيدينا أنهم يقولون: بلا تشبيهٍ، لكن هذا نَقْصٌ، التعبيرُ بلا تمثيلٍ أَوْلَى:
أولًا: لأنه تعبيرُ القرآنِ، وكلما أَمْكَنَك أن تُعَبِّرَ بالقرآنِ أو السُّنَّةِ عن المعاني التي تريدُ فهو أَوْلَى.
стр. 109
ثانيًا: أن التشبيهَ عند قومٍ يَعْنُون به إثباتَ الصفاتِ، ويقولون: كلُّ من أَثْبَتَ للهِ صفةً فهو مُشَبِّهٌ، فإذا قلتَ: بلا تشبيهٍ، وكان هذا المخاطَبُ لا يَفْهَمُ من التشبيهِ إلا الإثباتَ، فَهِمَ منك أنك لا تُثْبِتُ شيئًا، ثم إن التشبيهَ أيضًا له احتمالاتٌ، إن نَفَيْتَ التشبيهَ من كلِّ وجهٍ فهذا لا يُمْكِنُ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يشتركَ الخالقُ والمخلوقُ في أصلِ الصفةِ، فالحياةُ مثلًا عندنا حياةٌ، واللهُ تعالى حيٌّ، أصلُ الحياةِ موجودٌ، لكن المنفيَّ هو أن تكونَ حياتُنا مماثلةً لحياةِ اللهِ، السمعُ موجودٌ فينا وموجودٌ عند اللهِ فإن اللهَ تعالى سميعٌ، فلا بدَّ من اشتراكٍ في الأصلِ، وُجُودُنا: نحن موجودون والرَّبُّ كذلك واجبُ الوُجُودِ، وهلمَّ جرًّا، فصار التعبيرُ بنفيِ التمثيلِ أَوْلى من التعبيرِ بنفيِ التَّشْبِيهِ.
ونقُولَ لهؤلاء القوم قُولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمرانَ: ٨] فالقلبُ إذا زاغ - والعياذُ باللهِ - انقلب الحقُّ عنده باطلًا، وانقلب الباطلُ حقًّا، وإلا فكيف نقولُ: يقصدُ التمثيلَ؟ فأنت لو أَخْبَرْتَنِي أنك رأيتَ الفيلَ، هل أَتَصَوَّرُ أن الفيلَ مثلُ الإنسانِ؟ لا أَتَصَوَّرُ هذا، إن كنتُ قد رأيتُ الفيلَ عَرَفْتُ الفَرْقَ، وإن لم أَكُنْ رأيْتُه، فأنا أَعْلَمُ بأن بينهما فَرْقًا؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ فَرْقٌ لكان الفيلُ آدميًّا، ولا تَسْتَغْرِبُ الإنسانُ - والعياذُ باللهِ - إذا طَمَسَ اللهُ على قَلْبِهِ رأى الباطلَ حقًّا، والحقَّ باطلًا.
والآنَ ما أَعْظَمَ كلامَ الرَّبِّ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطفِّفين: ١٣] حِكاياتٌ لا يُتَصَوَّرُ لها معنًى يُوجِبُ الإيمانَ، قال اللهُ : ﴿كَلَّا﴾ يعني ليست أساطيرَ الأوَّلِينِ ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤].
стр. 110
مسألة: خطباءُ الأشاعرةِ يُحَدِّثُون بمذهبِهم، وَيذْكُرُون أنَّ عُلماءَهم ابْنَ حجرٍ والنَّوَوِيَّ والعزَّ بْنَ عبدِ السلامِ! .
فالجوابُ: إذا قالوا: ابْنُ حجرٍ والنووِيُّ، أما ابْنُ حجرٍ ﵀ فأنا رأيي فيه أنه ليس على طريقةِ الأشعريَّةِ، فالرجلُ متذبذبٌ أحيانًا يتكلَّمُ بكلامٍ هو كلامُ أهلِ السُّنَّةِ مئةً بالمئةِ، وأحيانًا يَنْقُلُ كلامَ الأشاعرةِ وهو أحيانًا يَنْقُلُ عن شيخِ الإسلامِ مقرِّرًا قولَهُ.
وأما النووِيُّ ﵀ فصحيحٌ على مذهبِ الأشاعرةِ في جميعِ ما قرأْتُ له من كتبٍ، لكن إذا قابلونا بفلانٍ وفلانٍ نقولُ: هل أنتم تعرفون الحقَّ بالرجالِ أم الرجالَ بالحقِّ؟
إن قالوا: نعرفُ الحقَّ بالرجالِ كان عندنا شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّةَ، وابنْ القَيِّمِ، والإمامُ أحمدُ، وغيرُهُم من العلماءِ الفحولِ، فهؤلاء مقابلَ هؤلاء، ثم لدينا شيءٌ فوق الجميعِ الصحابةُ ﵃ ائتونا بدليلٍ واحدٍ يؤيِّدُ مذهبَ الأشاعرةِ، يقولُ: استوى بمعنى استولى، لا أحدَ منهم قال: استوى بمعنى استولى، كُلُّهُم يقول: استوى بمعنى علا. عَلِمْنا هذا بأنهم يقرؤون القرآنَ، ويعرفون معناه ولم يأتِ عن أحدٍ منهم قولٌ بصرْفِ اللفظِ عن ظاهِرِه، الحمدُ للهِ الحقُّ واضحٌ، فلو قال لنا قائلٌ: إن الصحابةَ أجمعوا على أن معنى قولِهِ تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ علا عَلَيْهِ، فلا يُمْكِنُ لأحدٍ أن ينازعَ ويقولَ: لم يُجْمِعوا؛ لأننا نَعْلَمُ أن الصحابةَ يقرؤون القرآنَ ويُنْزِلُون معناه على اللغةِ العربيَّةِ، واللغةُ العربيةُ في جميعِ موارِدِها أنه إذا تَعَدَّتْ (استوى) بـ (علا) فالمرادُ العُلُوُّ.
أمَّا مَن قالَ عَن كُتب النَّووي ﵀: يَجب أن تُحرقَ، فهذا غلَط منه؛ فكيف
стр. 111
نَدَعُ الإستفادةَ من هذه الكُتُبِ العظيمةِ والخطأُ فيها لا يُمَثِّلُ ولا عُشْرَ عُشْرِ المِعشارِ، قال ابنُ رجبٍ ﵀ في كتابِهِ (القواعدُ الفقهيَّةُ) (١): "ويأبى اللهُ العِصْمةَ لكتابٍ غير كتابِهِ، والمُنْصِفُ من اغتفر قليلَ خطأِ المرءِ في كثيرِ صوابِه". صحيحٌ هذا الإنصافُ، ولا تكادُ تَجِدُ مؤلفًا إلَّا وفيه الخطأُ إمَّا متعمَّدًا أو غيرَ مُتَعَمَّدٍ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النَّساءِ: ٨٢].
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا ردٌّ على المُعَطِّلَةِ، والجملةُ الأولى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ على المُمَثِّلَةِ, السميعُ أي: ذو السمعِ, وسَمْعُ الله له معنيان:
المعنى الأوَّلُ: الإستجابةُ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيمَ: ٣٩]، معنى سميعٌ: أي: مستجيبٌ، وليس المرادُ أنه يَسْمَعَه فقط؛ لأنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ يَسْمَعُه ولا يستجيبُ قليلُ الفائدةِ، لكنَّ ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مستجيبُهُ واستجابتُهُ إياه تستلزمُ سَمَاعَه لا شَكَّ.
ومن ذلك أيضًا - أي: من كونِ السماعِ بمعنى الإستجابةِ - قولُ المصلِّي: سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه، ومعنى سَمِعَ أنه استجابَ له؛ لأَنَّهُ كما قُلْتُ لكم: مجرَّدُ سماعِ الصوتِ لا يفيدُ شيئًا بالنسبةِ للداعي؛ ولهذا لو قال لك إنسانٌ: يا فلانُ أرجو أن تساعدَني تقولُ: أسمعُ يعني أسمعُ بأذني، فلا يستفيدُ من هذا؛ لأَنَّه سيقولُ لك: إذا كنتَ تَسْمَعُ فأعطِنِي، فصار كلُّ ما أضيفَ للدعاءِ من السمعِ معناه الإستجابةُ.
النوعُ الثاني من السمعِ: إدراكُ المسموعاتِ: بمعنى أنه لا يخفى على اللهِ أيُّ صوتٍ، قَرُبَ أم بَعُدَ خَفِيَ أم بانَ، فإن اللهَ يسمعُ كلَّ شيءٍ، أرأيتُم قولَهُ تعالى:
стр. 112
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [المجادَلةِ: ١]؟ اللهُ في السماءِ على العرشِ، والمكانُ الذي كانت هذه تشتكي فيه في الأرضِ، تقولُ عائشةُ ﵂: الحمدُ للهِ الذي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصواتَ لقد كانت تجادلُ الرسولَ ﵊ وإني لفي الحُجْرَةِ يخفى عليَّ بعضُ حديثِها (١)، وهي في الحجرةِ واللهُ لم يَخْفَ عَلَيْهِ شيءٌ، سَمِعَ المجادِلَةَ، وسمعَ التحاوُرَ، وأَنْزَلَ حلَّ المُشْكِلةِ.
إذن السمعُ بمعنى: سَمْعُ الإدراكِ شاملٌ لكلِّ صوتٍ، ثم هذا السمعُ إما أن يكونَ للتأييدِ، أو للتهديدِ، أو للإحاطةِ، ثلاثةُ أقسامٍ:
الأول: التأييدُ: مِثْلُ قولِهِ ﵎ لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] لماذا قال اللهُ : ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ تأييدًا لهما. يعني أَسْمَعُ ما تقولان وما يقالُ لكما، والأمرُ أَمْرُهُ . هذا سماعٌ يُرادُ به التأييدُ.
الثاني: ما يُرادُ به التهديدُ: مِثْلَ قولِ اللهِ ﵎: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزُّخرُفِ: ٨٠] ليس المرادُ بهذه الآيةِ مُجَرَّدَ أن اللهَ يُخْبِرُ أنه يَسْمَعُ سِرَّهم ونجواهم، المرادُ بذلك التهديدُ، ونظيرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آلِ عمرانَ: ١٨١]، فهذا تهديدٌ، بدليلِ قولِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آلِ عمرانَ: ١٨١].
الثالثُ: الإحاطةُ: أن يُخْبِرَ مِثْلَ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ هذا إخبارٌ بأنه تعالى
стр. 113
محيطٌ بكلِّ شيءٍ سمعًا، وكما في قصةِ المجادِلَةِ فإن اللهَ تعالى أَخْبَرَ بذلك؛ لِيُعْلِمَنَا أنه محيطٌ بها.
وقولُهُ تعالى: ﴿الْبَصِيرُ﴾ له معنيان: المعنى الأوَّلُ: إدراكُ الشيءِ بالبصرِ، والثاني: العِلْمُ.
فهنا البصيرُ تَشْمَلُ المعنَيَيْن، فَبَصَرُ اللهِ تعالى محيطٌ بكلِّ شيءٍ لا يخفى عَلَيْهِ، والدليلُ على أنَّ البصيرَ تَتَضَمَّنُ البصرَ قولُهُ في الحديثِ الصحيح: "حِجَابُهُ النورُ لو كَشَفَه لأحرقتْ سُبُحَاتُ وَجْهِه ما انتهى إليه بَصَرُهُ من خَلْقِهِ" (١). يعني لأَحْرَقَتْ كلَّ شيءٍ؛ لأنَّ بَصَرَ اللهِ ينتهي إلى كلِّ شيءٍ، فالمعنى لأحرقتْ هذه السُّبُحَاتُ - والسُّبُحَاتُ هي البهاءُ والعظمةُ - كلَّ شيءٍ، لا إلهَ إلا اللهُ، بصيرٌ بمعنى عليمٌ، مِثْلَ قولِهِ تعالى: ﴿بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحُجُراتِ: ١٨]، ومعلومٌ أننا نَعْمَلُ أشياءَ لا تُرى، في قلوبِنَا أشياءُ لا تُرى واللهُ يَعْلَمُها.
فإذن البصيرُ من أسماءِ اللهِ أي: ذو البصرِ، وله معنيان:
الأول: بصيرٌ بمعنى إدراكُ المَرْئِيَّاتِ لِبَصَرِه.
والثاني: بمعنى العليمِ.
فإذا سَمِعْت أسماءَ اللهِ وصفاتِهِ فليس المقصودُ أن نَعْلَمَ المعنى فقط، بل أن نَتَعَبَّدَ للهِ بها، فإذا عَلِمْنَا أنه سميعٌ أَوْجَبَ لنا أن نخافَ من قولٍ يُغضبُ اللهَ؛ لأنَّ اللهَ يسمعُ، إذا عَلِمْنَا أنه بصيرٌ أَوْجَبَ لنا أن نَحْذَرَ من كلِّ فعلٍ يُغْضِبُ اللهَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُبْصِرُهُ ويَرَاه.
стр. 114
ففي هذه الأسماءِ - التي يُخْبِرُنَا اللهُ بها - تربيةٌ للإنسانِ أن يَحْذَرَ اللهَ من أن يخالفَه بقولٍ أو فِعْلٍ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ولَعَلَّنا أَشْبَعْنَا إن شاءَ اللهُ الكلامَ في هذا، وأهمُّ شيءٍ أن تَبْنِيَ عقيدَتَك على أَمْرَيْنِ: إثباتِ ما أَثْبَتَهُ اللهُ لنفْسِه في القرآنِ أو السُّنَّةِ، والثاني: نَفْيُ المماثَلَةِ، أنه لا مثيلَ له.
بَقِيَ شيءٌ آخرُ هل علينا أن نُكَيِّفَ الصفةَ بدونِ أن نَذْكُرَ مماثلًا؟
الجوابُ: لا يَجُوزُ أن نُكَيِّفَ الصفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراءِ: ٣٦]، وقال : ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، هل أنت عَلِمْتَ كيفيَّةَ صفاتِ اللهِ ؟
الجواب: لا، أنا أؤمنُ بأنه يَنْزِلُ، لكن لا أدري كيف يَنْزِلُ، أؤمنُ بأنه استوى على العرشِ، ولكن لا أدري كيف استوى، فالكيفيَّةُ لا يجوزُ للإنسانِ أن يتخيَّلَها، ولا يجوزُ أن ينطقَ بها؛ لأنَّ اللهَ تعالى أعظمُ من كلِّ تَخَيُّلٍ تتخيَّلُه؛ ولأنك لو تَخَيَّلْتَ فإنك سوف تعبُدُ صنمًا؛ لأنَّ هذا المتخيَّلُ لا بُدَّ أن يكونَ عندك تَصَوُّرٌ أنك تَعْبُدُ هذا الذي تَخَيَّلْتَهُ، فتكونُ من جنسِ المُمَثِّلِين. وفي مُقَدِّمَةِ النونيَّةِ لابْنِ القَيِّمِ قال: "المُعَطِّلُ يَعْبُدُ عدمًا، والمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صنمًا" (١).
إذن: لا تَتَخَيَّلِ الْكَيفيَّةَ؛ ولهذا جاء في الأثرِ: "تَفَكَّرُوا في آياتِ اللهِ، ولا تُفَكِّرُوا في ذاتِ اللهِ" (٢)، الآياتُ تُفَكِّرُ فيها؛ السماءُ، الأرضُ، النجومُ، البَشَرُ، المخلوقاتُ
стр. 115
الأخرى، تُفَكِّرُ فيها بِقَدْرِ ما تستطيعُ؛ لِتَسْتَدِلَّ بها على الخالِقِ ، لكن في ذاتِ اللهِ لا تَتَفَكَّرْ.
فإن قال قائلٌ: هل لنا أن نَتَفَكَّرَ في معاني أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ؟
فالجوابُ: نعمْ، بل يجبُ أن نَتَفَكَّرَ في المعنى، والمعنى غيرُ الكيفيَّةِ، سُئِلَ الإمامُ مالكٌ ﵀ قيلَ له وهو يُدَرِّسُ في الحلْقَةِ: يا أبا عبدِ اللهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقام الإمامُ مالكٌ يتصبَّبُ عرقًا، وأَطْرَقَ رأسَهُ حياءً وخجلًا، ومن كان باللهِ أَعْرَفَ كان منه أَخْوَفَ، نحن تَمُرُّ علينا هذه الكلمةُ مرَّ الرياحِ لا تُؤَثِّرُ في القلوبِ شيئًا، لكنَّ أهلَ المعرفةِ باللهِ الذين هم أهلُهُ، لا بدَّ أن يتأثروا، أَطْرَقَ برأسِهِ وقام يتصبَّبُ عرقًا، ثم رَفَعَ رَأْسَه وقال: يا هذا الإستواءُ غير مجهولٍ، والكيفُ غير معقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بدعةٌ، وما أُراك - يعني ما أَظُنُّكَ - إلا مُبْتَدِعًا، ثم أمرَ به فأُخْرِجَ (١)، فلا مقامَ له عنده.
هؤلاء هم الرجالُ، فالمعاني معلومةٌ ولا يُمْكِنُ أن يخاطِبَنا اللهُ بما لا نَعْلَمُ أبدًا، لكن الكيفيَّاتِ مجهولةٌ.
فإن قال قائلٌ: كيف أَتَصَوَّرُ المعنى ولا أَتَصَوَّرُ الكيفيَّةَ؟
قلنا: هذا سهلٌ، الآن لو أقولُ لك: فلانٌ صَعِدَ على السَّطْحِ. تَعْرِفُ معنى صَعِدَ، لكن لا تَعْرِفُ كيف صَعِدَ، مع أنه مِثْلُكَ، لا تَعْرِفُ كيف صَعِدَ فمن الممكنِ أنه صَعِدَ على يديه ورِجْلَيْهِ، أو صَعِدَ بسيَّارَةٍ، أو صَعِدَ محمولًا.
стр. 116
فإذن عقلُ المعنى دون الكيفيَّةِ أمرٌ واقعٌ، فنحن نؤمنُ بأن اللهَ استوى على العَرْشِ، لكن لا نُكَيِّفُ ذلك، ولا ندري كيفِيَّتَهُ، وما لا ندري كيفِيَّتَه لا يجوزُ أن نتكلَّمَ فيه، كما قال : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراءِ: ٣٦].
أرجو اللهَ تعالى أن يَنْفَعَ بهذا الكلامِ؛ لأنَّه كلامٌ مهِمٌ جدًّا، فهُو كلامٌ في العقيدةِ، ولا يُمْكِنُ أن يستريحَ الإنسانُ راحةً نفسيَّةً، ولا أن يتخلَّى عن الشُّبُهاتِ إلا إذا لَزِمَ مَذْهَبَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، نُثْبِتُ للهِ ما أَثْبَتَه لنفْسِه، وننفي ما نفاه عن نَفْسِه، وإثباتُنا إثباتُ تنزيهٍ لا إثباتُ تمثيلٍ، ونَفْيُنَا نفيُ تنزيهٍ أيضًا لا نَفْيُ تعطيلٍ، واللهُ المُوَفِّقُ.
من فوائدِ الآيةِ الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن اللهَ تعالى هو الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ ابتداءً على غيرِ مثالٍ سَبَقَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تمامُ قدرةِ اللهِ ﵎؛ لأنَّ هذه السَّمواتِ العظيمةَ لا يَقْدِرُ عليها أحدٌ إلا اللهُ، ثم إنه خَلَقَهَا في ستَّةِ أيَّامٍ، جاءت مُفَصَّلَةً في سورةِ فُصِّلَتْ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن السَّمواتِ سبعٌ، والأرضَ سبعٌ، لكن من غيرِ هذه الآيةِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حكمةُ اللهِ ورحْمَتُه؛ حيث جَعَلَ لنا من أنْفُسِنا أزواجًا، فإن هذا حكمةٌ حيث كانت من أنْفُسِنا، ورحمةٌ حيث جعل لنا أزواجًا نتمتعُ بهنَّ من جهةٍ، وننمو ونزدادُ من جهةٍ أخرى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: رحمةُ اللهِ تعالى بنا حيث جَعَلَ لنا من الأنعامِ أزواجًا؛ لأنَّ هذا لا شكَّ من مصلحَتِنا.
стр. 117
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن اللهَ يَنْشُرُ ويبُثُّ ويكثِّر بني آدم وما خَلَقَ لهم من أنعامٍ، بسببِ التزاوُجِ؛ لقولِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١].
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: الرَّدُّ على المشركين الذين جعلوا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ , فهو لا مِثْلَ له, لا في الخَلْقِ, ولا في الصفاتِ, ولا في غيرِها.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الرَّدُّ على أهلِ التمثيلِ في قولِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ اسميْنِ من أسماءِ اللهِ هما: السميعُ، والبصيرُ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إثباتُ السمعِ والبَصَرِ وصفًا للهِ ؛ لأنَّ السميعَ من السمعِ، والبصيرَ من البصرِ، وهنا قاعدةٌ نشيرُ إليها: كلُّ اسمٍ من أسماءِ اللهِ فإنه متضمِّنٌ لشيئين:
الأوَّلُ: إثباتُ كونِهِ اسمًا.
والثاني: إثباتُ الصفةِ التي دَلَّ عليها.
فمن قال: إن اللهَ سميعٌ ولكن بلا سَمْعٍ؛ فإنه لم يُؤْمِنْ بالإسمِ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن تُؤْمِنَ بما دلَّ عَلَيْهِ من صفةٍ، وإلا لم تُؤْمِنْ به.
أيضًا إثباتُ أن هذه الصفةَ متعديةٌ للغيْرِ، إذا كانت متعديةً، فمثلًا: السميعُ نؤمنُ بأن اللهَ من أسمائِهِ السميعُ، ومن صفاتِهِ السمعُ، ونؤمنُ بأمرٍ زائدٍ وهو أنه يسمعُ كلَّ شيءٍ؛ ولهذا قال أهلُ العِلْمِ: الإسمُ إذا كان لازمًا لم يَتِمَّ الإيمانُ به إلا بشيئين:
الأوَّلُ: إثباتُ كونِهِ اسمًا من أسماءِ اللهِ.
стр. 118
والثاني: إثباتُ الصِّفَةِ التي دلَّ عليها.
وإذا كان متعديًا فلا بدَّ في الإيمانِ به من أمورٍ ثلاثةٍ:
الأوَّلُ: إثباتُ كونِهِ اسمًا للهِ.
والثاني: إثباتُ الصفةِ التي دلَّ عليها.
والثالثُ: إثباتُ تَعَدِّي هذه الصفةِ إلى ما تتعلَّقُ به، بمعنى: أن السَّمْعَ يتعلَّقُ بكلِّ مسموعٍ، والبصرَ بِكُلِّ مُبْصِرٍ.
والإيمانُ بالإسمِ لا يَتِمُّ إلَّا بالإيمانِ بما يتعلَّقُ به، فإثباتُ السَّمْعِ لا بدَّ أن نُثْبِتَ أنه يَسْمَعُ، فيه أيضًا يقولون: الأسماءُ تَتَضَمَّنُ الدلالاتِ الثلاثةَ: دلالةَ المطابَقَةِ، ودلالةَ التضَمُّنِ، ودلالةَ الإلتزامِ. وإن شِئْتَ فقل: دلالةُ اللزومِ.
إذن الدلالاتُ ثلاثةٌ: مُطَابَقَةٌ، وتَضَمُّنٌ، ولزومٌ، فدلالةُ الإسمِ على الذاتِ وَحْدَها دلالةُ تَضَمُّنٍ، وعلى الصفةِ وَحْدَها دلالةُ تَضَمُّنٍ، وعليهما جميعًا دلالةُ مُطَابَقَةٍ، ودلالةُ ذلك الإسْمِ على معنًى لازمٍ له دلالةُ التزامٍ. هذه أيضًا من القواعدِ المهِمَّةِ.
نَضْرِبُ لهذا مثلًا: الخالقُ، من أسماءِ اللهِ تعالى الخالقُ، فدلالتُهُ على الذاتِ وَحْدَها تَضَمُّنٌ، وعلى صفةِ الخَلْقِ وَحْدَها تَضَمُّنٌ أيضًا، وعليهما جميعًا مُطَابَقَةٌ.
إذن فَهِمْنَا أن دلالةَ اللفظِ على جميعِ معناه دلالةُ مُطَابَقَةٍ، وعلى بعضِهِ تَضَمُّنٌ، على اللازمِ الخارجِ الذي يَلْزَمُ منه دلالةُ التزامٍ، مثلًا المثالُ الذي معنا الآن لا يزالُ باقيًا، الخالقُ يدلُّ على صفةِ الخَلْقِ وعلى الخالِق نفْسِه، ويدلُّ أيضًا على شيءٍ لازمٍ، من لازمِ الخلقِ القدرةُ، من لازمِ الخلقِ العِلْمُ، إذ من ليس بقادرٍ لا يُمْكِنُ أن يَخْلُقَ،
стр. 119
ومن ليس بعالِمٍ لا يُمْكِنُ أن يَخْلُقَ، فتكونُ دلالةِ الخالقِ على العِلْمِ والقدرةِ دلالةُ التزامٍ.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على أهلِ التعطيلِ في قولِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وذَكَرْنا فيما مرَّ: إثباتَ السميعِ اسمًا للهِ، والبصيرِ اسمًا للهِ وإثباتَ البصرِ صفةً للهِ، وإثباتَ السمعِ صفةً للهِ.
فإن قال قائلٌ: أيُّما أوسعُ الصفةُ أو الإسمُ؟
فالجوابُ: الصفةُ أوسعُ؛ وَجْهُ ذلك: أن كلَّ اسمٍ متضمِّنٍ لصفةٍ، وبهذا يكونُ الإسمُ والصفةُ متوازِيَيْنِ، هناك صفاتٌ لا يُمْكِنُ أن يُسَمَّى اللهُ بها، فالصفةُ أوسعُ، ألسنا نقولُ: عَبَّرَ اللهُ بكذا وكذا؟ ألسنا نقول: تَحَدَّثَ اللهُ عن كذا؟ ومع ذلك لا نُسَمِّي اللهَ تعالى متحدِّثًا، ولا نسميه مُعَبِّرًا، لماذا؟ لأن الوصفَ أوسعُ من الإسمِ، وهذه فائدةٌ أيضًا مهمَّةٌ عَكْسَ ما يقولون: إنَّ الأسماءَ لا تَتَضَمَّنُ الصفاتِ.
ويجوزُ لنا أن نقولَ: "عبَّرَ الله تعالى في الآيةِ كذا" لأنَّ التعبيرَ بمعنى الكلامِ ووصفُ الأفعالِ واسعٌ بالنسبةِ لأفعالِ اللهِ ، ليس هو من جنسِ الأسماءِ، كلُّ ما يصحُّ أن يُنْسَبَ لله فَعَبَّرَ به.
* * *
стр. 120
الآية (١٢)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢].
* * *
قولُهُ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿لَهُ﴾ أي: للهِ وَحْدَهُ، وإنما قلنا: وَحْدَهُ؛ لأنَّ تقديمَ الخبرِ يدلُّ على الحصْرِ، بل القاعدةُ أوسعُ من هذا: تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ يُفيدُ الحصرَ، حتى لو قلتَ: زيدًا أَكْرَمْتُ. يعني: أنك لم تُكْرِمْ غَيْرَهُ؛ لأنك قَدَّمْتَ المعمولَ فنقولُ له: أيْ لا لغيرِه.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أيْ: مفاتيحَ خَزَائِنِهِما]. فَجَعَلَ المقاليدَ بمعنى مفاتيحَ.
ولكن من حيث اللغةُ العربيَّةُ لا تتناسبُ مع الإشتقاقِ؛ لأنَّ (مقاليدَ) مأخوذٌ من القلادةِ؛ يعني: أزمَّةُ الأمورِ في السَّمواتِ والأرضِ كُلُّهَا بيدِ اللهِ ، كما تقولُ: قلادةُ البعيرِ؛ لأنك تَجُرُّها بها، فالظاهرُ - واللهُ أَعْلَمُ - أن المفسِّرَ ﵀ فَسَّرَها بما يخالفُ الظاهرَ.
لكنَّ بعضَ الناسِ يقولُ: إن (مقاليدَ) اسمٌ أعجميٌّ مُعَرَّبٌ والمقلادُ بمعنى المفتاحِ، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ بلا شكٍّ؛ لأنَّه يجبُ ألا نَلْجَأَ إلى التعريبِ إلا للضرورةِ، يعني: لا يُمْكِنُ أن نقولَ: هذه كلمةٌ أصْلُها فارسيَّةٌ، أصْلُها روميَّةٌ، أَصْلُها كذا،
стр. 121
وعُرِّبَتْ، لا يَجوزُ أن نَعْدِلَ إلى هذا إلا عند الضرورةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ القرآنَ عربيًّا، فإذا قلنا: فيه كلمةٌ عربيَّةٌ أَصْلُها غيرُ عربيٍّ، فهذا خلافُ ظاهرِ القرآنِ، لكن إذا اضْطُرِرْنَا إلى هذا بأنْ لم نجدْ لهذه الكلمةِ أصْلًا في اللغةِ؛ حينئذٍ نقولُ: مُعَرَّبَةٌ.
فـ (مقاليدُ) لها أَصْلٌ مأخوذةٌ من القلادةِ التي تُقادُ بها البعيرُ، فمعنى مقاليدَ؛ أي: أَزِمَّةُ الأمورِ في السَّمواتِ والأرضِ له وَحْدَهُ، أما المُفسِّر ﵀ فقال: [مفاتيحُ خزائِنِهِما من المطرِ والنباتِ وغيرِهِما].
وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿يَبْسُطُ﴾ يعني: يُوَسِّعُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يعني: يُضَيِّقُ، الْبَسْطُ وَالْقَدر امتحانٌ وابتلاءٌ؛ لأنَّ من الناسِ من لا يُصْلِحُهُ إلا الفقرُ، ومن الناسِ من لا يُصْلِحُه إلا البسطُ، وفي الحديثِ القدسيِّ: "إنَّ مِن عبادِي لو أَغْنَيْتُه لأَفْسَدَه الغِنى، وإنَّ مِن عِبادِي لو أَفْقَرْتُه لأفْسَدَه الفقرُ" (١).
يقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ - والمرادُ بالرِّزْقِ العطاءُ - يُوَسِّعُهُ ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُهُ لمن يشاءُ ابتلاءً] امتحانًا هل يَشْكُرُ أو لا يَشْكُرُ، ابتلاءً هل يَصْبِرُ أو لا يَصْبِرُ.
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إنه عليمٌ بكلِّ شيءٍ، فهو يَعْلَمُ أن البَسْطَ لهذا أَفْضَلُ، وأن التضييقَ لهذا أَفْضلُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن أزمَّةَ الأمورِ للهِ وَحْدَهُ في السَّمواتِ والأرضِ، فهو الذي يُدَبِّرُ الأمورَ، ويداولُ الأيامَ بَيْنَ الناسِ، ويقَلِّبُ الأحوالَ، وكم من رجلٍ أصبحَ
стр. 122
كافرًا وأمسى مؤمنًا، وكم من إنسانٍ أصبحَ مؤمنًا وأمسى كافرًا، كما أَخْبَرَ النبيُّ ﷺ عن الفِتَنِ في آخِرِ الزمانِ أنه: "يُمْسِي الإنسانُ كافرًا ويصبحُ مؤمنًا ويُمْسِي كافرًا" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الأرزاقَ بَسْطُهَا وَتَضْيِيقُهَا بيدِ اللهِ ، فهل يَلْزَمُ من هذا ألا نَفْعَلَ الأسبابَ؟ لا؛ لأنَّ هذا ضَعْفٌ في التَّوَكُّلِ إذا لم تَفْعَلِ الأَسْبَابَ، افْعَلِ الأسبابَ واعتمدْ على الخلَّاقِ .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ألا نَطْلُبَ الرزقَ إلا من اللهِ؛ لأنَّه هو الذي يَبْسُطُ الرزقَ أو يُضَيِّقُهُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ المشيئةِ للهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
فإن قال قائلٌ: هل هذه المشيئةُ مُجَرَّدَةٌ عن الحكمةِ أو مقرونةٌ بالحكمةِ؟
فالجوابُ: الثاني لا شكَّ، يعني: ليس عطاءُ اللهِ أو مَنْعُه مُجَرَّدُ أنه أراد، لا، لا بدَّ أن يكونَ لحكمةٍ، وهذه قاعدةٌ أَثْبِتْهَا في دماغِكَ، كلُّ شيءٍ قَرَنَهُ اللهُ بمشيئَتِهِ فإنه مقرونٌ بحكمةٍ ولا بدَّ، لا يُمْكِنُ أن يَفْعَلَ شيئًا عبثًا، كما قال اللهُ : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياءِ: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فكلُّ ما مرَّ بك شيءٌ مقرونٌ بالمشيئةِ فاعلمْ أنه تابعٌ لحكمةِ اللهِ .
واقرأْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزَّمِلِ: ١٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ بعدها ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسانِ: ٣٠] يعني: فمشيئتُه مقرونةٌ بالعِلْمِ والحِكْمةِ.
стр. 123
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ عمومِ عِلْمِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بكلِّ شيءٍ كائنٍ أو معدومٍ؟ كلاهما، لكَلِّ شيءٍ واجبِ الوجودِ، أو جائِزُه، أو مُمْتَنِعُه، يَعْلَمُ حتى المُمْتَنِعَ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياءِ: ٢٢]. ولا يُمْكِنُ أن يكونَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ، ومع ذلك عَلِمَ أنه لو كان ذلك لَفَسَدَتِ السَّمواتُ والأرضُ؛ ولهذا نقولُ: عِلْمُ اللهِ تعالى متعلِّقٌ بكلِّ شيءٍ، في الواجبِ كَعِلْمِه بنفْسِه، في المستحيلِ كَعِلْمِه بفسادِ السَّمواتِ والأرضِ لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ، في الممكنِ كعِلْمِه بالمخلوقاتِ.
فَعِلْمُ اللهِ متعلِّقٌ بكلِّ شيءٍ من واجبٍ ومستحيلٍ ومُمْكِنٍ.
وهنا تنبيهٌ على خطأٍ جارٍ بَيْنَ الناسِ: إذا كان شيءٌ قليلٌ قالوا: هذا بسيطٌ، هذا غَلَطٌ؛ لأنَّ البَسْطَ في اللغةِ يعني التوسيعَ والتكثيرَ، فلا تَقُلْ: هذا بسيطٌ، قُلْ: هذا يسيرٌ، هذا قليلٌ، إن كان من حيثُ الصفةُ قل: يسيرٌ، وإن كان من حيثُ العددُ فَقُلْ: هذا قليلٌ.
* * *
стр. 124
الآية (١٣)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].
* * *
قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ الخطابُ لهذه الأُمَّةِ - وللهِ الحمدُ - ومعنى ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾؛ أي: سَنَّ لكم، وجَعَلَ لكم شريعةً هي ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾، قال الشارحُ ﵀: [هو أوَّلُ أنبياءِ الشريعةِ]، وتَسَاهَلَ ﵀ في هذا، والصوابُ أن يقولَ: هو أوَّلُ رُسُلِ الشريعةِ؛ لأنَّه جاء في الحديثِ الصحيحِ: "أنَّ الخَلْقَ يومَ القيامةِ يأتون إلى نوحٍ لِيَشْفَعَ لهم، فيقولون له: أنت أوَّلُ رسولٍ أرسله اللهُ" (١) ولأنَّ الرسولَ أخصُّ من النَّبيِّ، ولا ينبغي أن نَعْدِلَ عن الأخصِّ إلى الأعمِّ.
إذن: الصوابُ أن نقولَ: هو أوَّلُ رُسُلِ الشريعةِ، أما أوَّلُ أنبياءِ الشريعةِ فهو آدمُ ﵊ نبيٌّ مُكَلَّمٌ، لكنه ليس برسولٍ، والحكمةُ من كونِهِ غيرَ رسولٍ: أنَّ الناسَ لم يختلفوا بَعْدُ، واللهُ تعالى أرسل الرُّسلَ لِيَحْكُمُوا بَيْنَ الناسِ فيما اختلفوا فيه، كما قال جَلَّ وَعَلَا: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ
стр. 125
مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرةِ: ٢١٣].
لكن في عَهْدِ آدَمَ لا اختلافَ، فالعددُ قليلٌ، وليس هناك مُغْرِيَاتٌ، ولا أشياءَ تُوجِبُ أن يختلفَ الناسُ، فلذلك كان آدمُ يَتَعَبَّدُ للهِ تعالى بشريعَتِه التي شَرَعَهَا اللهُ لهم، أبناؤُهُ يَتَّبِعُونه، لمَّا كَثُروا وانتشروا واختلفوا، حينئذٍ جاءتِ الحاجةُ، بل الضرورةُ إلى الرُّسُلِ. إذن الأولى أن نقولَ هو أوَّلُ رُسلِ الشريعةِ؛ لأنَّ أَوَّلَ أنبياءِ الشريعةِ من آدمَ.
وقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني: وشَرَعَ لكم الذي أوحينا إليك، ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ معطوفةٌ على ما في قولِهِ ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾.
والوصيَّةُ: هي العهدُ بالشيءِ الذي يُهْتَمُّ به ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ وهو: القرآنُ، ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ اللهُ أَكْبَرُ، ذَكَرَ اللهُ تعالى أوَّلَ الأنبياءِ الذين هم الرُّسُلُ وآخِرَهم، ثم ذَكَرَ ما بَيْنَ ذلك؛ لِيَجْمَعَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ والوسَطِ، أوَّلُ هؤلاء الرسلِ الكرامِ نوحٌ، وآخِرُهُم مُحَمَّدٌ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعليهم وسلَّمَ - هؤلاء الخمسةُ هم أولو العَزْمِ من الرسلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقافِ: ٣٥] وذُكِرُوا في القرآنِ في مَوْضِعَيْنِ؛ هذا واحدٌ، والثاني قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزابِ: ٧]، وهذه الآياتُ في سورةِ الأحزابِ.
فإن قال قائلٌ: هل من فائدةٍ أو حكمةٍ في تخصيصِ النَّبيِّ ﷺ بالوحْيِ وباقي الأنبياءِ بالوصيَّةِ؟
فالجوابُ: نعم، الحكمةُ هي إثباتُ أنَّ هذا القرآنَ موحًى به.
стр. 126
مسألةٌ: إذا مرَّ الإنسانُ بآيةٍ فيها ذِكْرُ الأنبياءِ سواءٌ في الصلاةِ أو خارجَ الصلاةِ، فهل يُشْرَعُ له أن يُصلِّيَ عليهم؟
فالجوابُ: لا، إلا الرسولَ ﷺ ولو خارجَ الصلاةِ؛ لأنَّه لا نعلمُ أن الرَّسولَ إذا مرَّ برسلٍ سَلَّمَ عليهم؛ أما نبيُّنا ﷺ فإذا مرَّ عليك فصلِّ عَلَيْهِ في أيِّ حالٍ أنت؛ إلا إذا كنتَ على الخلاءِ فلا.
وقوله: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ (أنْ) هذه تفسيريَّةٌ، بمعنى (أي)؛ ولذلك لا تَعْمَلُ شيئًا؛ لأنَّها لمجرَّدِ التفسيرِ والتبيينِ.
وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يعني: ائتوا به مُستقيمًا، غَيْرَ مُنْحَرِفٍ.
والدِّينُ القَيِّمُ هو الدِّينُ الذي شَرَعَهُ اللهُ فيجبُ علينا أن نُقِيمَ الدِّينَ كما أقامه اللهُ لا نغلو فيه، ولا نُقَصِّرُ عنه، ولذلك كان الناسُ في دينِ اللهِ على ثلاثةِ أقسامٍ: قِسْمِ غَلَوْا، وقِسْمٍ قَصَّرُوا، وقِسْمٍ اعْتَدَلُوا. فما الذي أُمِرْنَا فيه؟ الإعتدالُ، ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ غَيْرَ مُتَجَاوِزِينَ ولا قَاصِرِينَ عنه.
ولذلك هَلَكَ أقوامٌ ممن قَصَّروا أو تجاوزوا، والأخطرُ التجاوُزُ وهو الغُلُوُّ، قال النبيُّ ﷺ : "إنما أَهْلَكَ من كان قَبْلَكُم الْغُلُوُّ" (١) ولأن الغاليَ، يعتقدُ أنَّ هذا دينٌ فلا يكادُ يُقْلِعُ عنه، والمُقَصِّرُ يَعْتَرِفُ أنه مُقَصِّرٌ، فرُبَّما حاسَبَ نفْسَه يومًا من الأيامِ وأتمَّ، فالغُلوُّ أخطرُ، ولذلك تَجِدُ بِدَعَ المبتدعةِ، أشدُّها الغلوُّ؛ فالرَّافضةُ مثلًا
стр. 127
غَلَوْا في آلِ البيتِ، وتجاوَزُوا الحدَّ، والمُؤَلِّهَةُ للرَّسولِ ﵊ الذين يعتقدون أنه أشدُّ من الإلهِ غَلَوْا في الرسولِ، وهَلَكوا. والغاليةُ في الدِّينِ الذين يُريدونَ من الناسِ أن يستقيموا على الدِّينِ، وألا يَفْعَلوا كبيرةً أيضًا غَلَوْا؛ كالخوارجِ.
المُهمُّ أنكَ إذا تأمَّلْتَ البدعَ وجدْتَ أنَّ الغُلُوَّ فيها أشدُّ خطرًا على الإنسانِ؛ لأنَّ الغاليَ يعتقدُ أن ما عَلَيْهِ دِينٌ، والمقصِّرُ يَعْرِفُ أنه مقصِّرٌ، وربما استقام بعد ذلك.
قال اللهُ ﵎: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الدِّينُ يُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ، المعنى الأوَّلُ: الجزاءُ. والمعنى الثاني: العملُ. يعني: يُطْلَقُ على العملِ وعلى الجزاءِ، فمن إطلاقِهِ على العملِ؛ قولُ اللهِ ﵎: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٦]، يعني: لكم عَمَلُكم ولي عملي؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونُسَ: ٤١]، ومن إطلاقِهِ على الجزاءِ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطارِ: ١٧ - ١٨]، وما نقرأه نحن في كلِّ صلاةٍ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ المرادُ به الجزاءُ.
وقولُهُ: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ هنا المرادُ به العملُ ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ يعني: لا تَتَفَرَّقوا في دينِكم؛ فتكونوا أحزابًا، فنهى اللهُ عن التفرُّقِ في الدِّينِ، وهذا يَسْتَلْزِمُ وجوبَ الإجتماعِ عليه؛ لأنَّ النَّهْيَ عن الشَّيْءِ أمرٌ بضدِّه إذا لم يَكُنْ له إلا هذا الضِّدُّ، وحينئذٍ يَجِبُ على المسلمين أن يجتمعوا في دِينِ اللهِ، وألا يتفرَّقُوا فيه.
وما اختلف العلماءُ فيه من الآراءِ، فإنَّ الهدفَ منه واحدٌ، لمن صَلَحَتْ نِيَّتُه؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المُختلفين إنما يُريدُ الوصولَ إلى الحَقِّ، لكن اختلفوا في الطريقِ،
стр. 128
وإذا كان الهدفُ واحدًا، وهو الوصولُ إلى الحقِّ؛ فإنه لا يَجوزُ أن يُجْعَلَ هذا الإختلافُ سببًا للتفرُّقِ في الإتجاهِ، لا يَجُوزُ هذا إطلاقًا، بل تَجِبُ الوحدةَ والإجتماعَ، حتى مع اختلافِ الآراءِ.
ولهذا كان السادةُ الغُرَرُ الصحابةُ ﵃ يختلفون في أشياءَ كثيرةٍ مُهِمَّةٍ، ومع ذلك فالقلوبُ واحدةٌ، ولمَّا وَصَلَ الإختلافُ بهم إلى تَفَرُّقِ القلوبِ، حَصَلَ ما حَصَلَ من الفِتَنِ بين معاويةَ وعليٍّ، وعائشةَ والزُّبيرِ، وما أَشْبَهَ ذلك، في وقتِنا الحاضرِ لا شكَّ أنَّ الناسَ مختلفون، فمنهم من يتجهُ اتجاهًا سياسيًّا، ومنهم من يتجهُ اتجاهًا صوفيًّا، ومنهم من هو مُعتدلٌ. اختلافاتٌ كثيرةٌ فالواجبُ علينا أن نَنْزِعَ فتيلَ هذا الإختلافِ، وأن نَكُونَ أمَّةً واحدةً؛ حتى لا نتفرَّقَ فنفشَلَ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ يعني: ولا يَكُنْ لكمْ قيمةٌ. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفالِ: ٤٦].
ولهذا نَجِدُ الآنَ - مع الأسفِ الشديدِ - أن ما يُسَمَّى بـ (الصحوةِ الإسلاميَّةِ) أُصيبَت بهذا البلاءِ، وصار نَفْسُ المُتَدَيِّنِينَ يَلْمِزُ بعضُهُم بعضًا، ويُضَلِّلُ بعضُهُم بعضًا، ويُبَدِّعُ بعضُهُم بعضًا، وربما يُكَفِّرُ بعضُهُم بعضًا، فضاعت تلك الصحوةُ، وصار الذين يُرادُ منهم أن يكونوا حزبًا على أعداءِ اللهِ، وحربًا على أعداءِ اللهِ، صاروا حربًا على أنْفُسِهم، وأحزابًا بأنفُسِهم، وهذا ما يَبْذُلُ فيه العدوُّ أغلى ما يكونُ ليَحْصُلَ، وقد حَصَلَ له مجَّانًا؛ فالواجبُ علينا أن نُزيلَ هذه الإختلافاتِ، وأن نَدَعَهَا، وأن نَتْرُكَ ما يُعَمِّرُ به كثيرٌ من الناسِ مجالسَهُم في سبِّ فلانٍ وفلانٍ، أو ذمِّ فلانٍ وفلانٍ، أو الغلوِّ في فلانٍ وفلانٍ؛ لأنَّ هذا يُضَيِّعُ الأوقاتَ، ويولِّدُ الأحقادَ، ولا يُفيدُ شيئًا، بل يَضُرُّ، ما لنا ولفلانٍ، إن كان ميتًا فقد واجه الحسابَ، وإن كان حيًّا فنرجو له
стр. 129
الإستقامةَ، وأمَّا أن نَجْعَلَ أَكْبَرَ هَمِّنا هو هذا الكلامُ الذي لا يَعُودُ إلى الأمَّةِ إلا بالشَّرِّ فلا! .
ولهذا يَنْهَى اللهُ عن التفرُّقِ في عدَّةِ آياتٍ، كما في هذه الآيةِ: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
فإذا اختلفْتَ أنت وصاحبُكَ في رأيٍ من الآراءِ، وهو محَلٌّ للإجتهادِ؛ فالواجبُ أن تعتقدَ أنَّ صاحِبَك لم يخالفْك؛ لأنَّه سَلَكَ السبيلَ الذي تسلُكُه أنت، هو اجتهد فقال هذا هو الصوابُ، وأنت اجتهدْتَ فقلْتَ: هذا هو الصوابُ، إذن: مرادُ كلِّ واحدٍ منكما الوصولُ إلى الحقِّ، ولا يُمْكِنُ أن يكونَ اجتهادُكَ حُجَّةٌ عليه، ولا اجتهادُهُ حُجَّةً عليكَ، وحينئذٍ نكُونُ في الواقعِ مُتَّفِقين، حتى لو خالفني فأنا أعتقدُ أنه يوافقني؛ لأننا كلنا نقصدُ الحقَّ، ولا نريدُ مخُالفةَ الحقِّ.
لكن مع الأسَفِ الآنَ بعضُ الناسِ يَتَّخِذُ من هذا الخلافِ، الذي هو محلُّ الإجتهادِ، يَتَّخِذُ منه سُلَّمًا للتفرَّقِ والطَّعْنِ، قبل سنواتٍ في منًى حَضَرَتْ طائفتانِ إفريقيَّتَانِ، كلُّ واحدةٍ تَلْعَنُ الأخرى وتُكَفِّرُها، فأتوا إلى مدير التَّوعِية التي أنا من ضِمْنِ أعضائِها، أتوْا إليه مُتشاكِسِينَ جدًّا جدًّا في منًى، في أيامِ الحَجِّ في شهرٍ حرامٍ في بلدٍ حرامٍ؛ فهو - جزاه اللهُ خيرًا - حَضَرَ إليَّ معهم، وسألته فقال: هؤلاء كفارٌ، هؤلاء رَغِبوا عن سُنَّةِ الرسولِ ﷺ وقد قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مني" (١) ونحن نَبْرَأُ منهم كلامٌ طويلٌ عريضٌ.
والخلافُ أن إحدى الطائفتين تقولُ: إذا قام يصلي فإنه يضعُ اليدَ اليمنى
стр. 130
على اليسرى، والطائفةُ الأخرى تقولُ: إذا قام يُصلي يُرسلُ يديه. والمسألةُ ليست خلافًا في العقيدةِ، وإنما المسألةُ خلافٌ في سُنَّةٍ من سننِ الصلاةِ، وهي محلُّ اجتهادٍ، كلُّ واحدٍ يقولُ للآخرِ إنه كافرٌ؛ لأنَّه رَغِبَ عن سُنَّةِ النبيِّ ﷺ وقد قال ﷺ : "مَنْ رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مني". انْظُرِ البلاءَ.
الآن الشبابُ صار خلافُهُم في أمرٍ آخَرَ في الأشخاصِ، يجعلون الشخصَ هدفًا، ما تقولُ في فلانٍ؟ إن قال: واللهِ فلانٌ من خيرِ عبادِ اللهِ، انشرح صدرُه، وكأنما أُعْطِيَ الجنَّةَ، وإذا قال: واللهِ هذا الرجلُ عنده انحرافٌ في المَسْلَكِ، إنسانٌ فيه كذا وفيه كذا انقبض، وضاق صَدْرُه، وتَرَك صاحبَه.
وهذا غَلَط يا إخوانُ! فالرجالُ إن أخطؤوا فاسألِ اللهَ أن يَعْفُوَ عنهم خَطَأَهم؛ لأنَّهم مسلمون مَهْمَا كانوا لا يخرجون من الإسلامِ، وإن أصابوا فخُذْ بصوابِهِم واحمَدْهم، وخَطَؤُهم لا تَأْخُذْ به، أما أن تَجْعَلَهُم مَحَكًّا للولاءِ والبَرَاءِ، فهذا غَلَطٌ عظيمٌ.
فإن قال قائلٌ: في بعضِ الأحيانِ قد يُسألُ الإنسانُ من بعضِ العوامِّ، أو من المستقيمين الذين ليس عندهم عِلْمٌ: ما رأيُكَ في فلانٍ وفلانٍ ممن هم معيَّنون، فما هو موقفُ طالِبِ العِلْمِ؟
فالجوابُ: إذا قال: ما رأيُكَ في فلانٍ وفلانٍ؟ فنحن نَعْرِفُ الآن أنَّ هناك رؤوسًا هي الناقوسُ للناسِ، هذه إذا سألني أقولُ: "ما لك ولفلانٍ؟ دَعْه إن كان ميتًا فقد واجه رَبَّه، وإن كان حيًّا فنسألُ اللهَ له الإستقامةَ"، فقط؛ أمَّا إذا حَدَّدَ فقال: ما تقولُ في رأيِ فلانٍ، هنا يجبُ أن أتكلَّمَ، أقولُ: هذا صوابٌ أو خطأٌ، حسبما يكون عندي.
стр. 131
فلذلك أنا أدعو إخوانَنَا من السُّعُودِيِّين وغَيْرِهم، إلى نَبْذِ هذه الطريقِ، والبُعْدِ عنها، وأن نعتقدَ أننا إخوانٌ، وأنَّ كلَّ واحدٍ منا مَجْزِيٌّ بعملِه، وألا نجعلَ هذا سببًا للتفرُّقِ، لأنَّ اللهَ نهانا، ونحن نعلمُ علمَ اليقينِ أنَّ اللهَ لا ينهانا إلا عن شيءٍ فيه ضَرَرُنَا.
فائدةٌ: الشِّيعَةُ خلافُهُم متبايِنٌ مع أهْلِ السُّنَّةِ، ليس خلافُ الشيعةِ مع أهلِ السُّنَّةِ كخلافِ الشافعيَّةِ مع المالكيَّةِ مثلًا، لا أبدًا، اختلافٌ عظيمٌ، اختلافٌ في أصْلِ العقيدةِ؛ فمثلًا من أصولِ عقيدةِ الشِّيعَةِ أنَّ عندهم رؤوسًا يُسَمُّونهم الأئمَّةَ، يدَّعون أن من هؤلاءِ الأئمةِ من يَعْلَمُ الغيْبَ، ويُدَبِّرُ الكوْنَ، وأن من أئمَّتِهِم من يَبْلُغُ منزلةً لا يبلُغُها مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، يعني: معناها منزلةُ الربوبيَّةِ، هذا لا يُمْكِنُ أن نَتَّفِقَ معهم بأيِّ حالٍ من الأحوالِ، ومنهم من يَسُبُّ الصحابةَ عمومًا إلا نفرًا قليلًا، ومنهم من يَلْعَنُ أبا بكرٍ وعمرَ، ويقول: إنهما ماتا على النفاقِ.
والعجيبُ أني رأيتُ في كتابِ ابْنِ حزمٍ ﵀ (المِلَل والنِّحَل) (١) رأيتُ شِيعَةً تُكَفِّرُ عليًّا وتُكَفِّرُ أبا بكرٍ، كلا الإثنين، أمَّا أبو بكرٍ فتقول: لأنه ظَلَمَ بأخْذِ الخلافةِ، وأمَّا عليٌّ فإنه تراخى عن الواجبِ عليه، لماذا لم يَمْنَعْ أبا بكرٍ، فهذا معتدٍ وهذا مُفَرِّطٌ، وكلاهما كافرٌ؛ لم يبق إلا أن يقولوا الرسولُ ﵊ لماذا لم يُعَيِّنْه من البدايةِ ويقطعُ النِّزاعَ، شيءٌ عجيبٌ.
وأقولُ: هذا لا يُمْكِنُ الإتفاقُ معه، لكنَّ الإتفاقَ مع المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ، هذا ممكنٌ، فالخلافَ بيْنَ المالكيَّةِ والشافعيَّةِ والحنابلةِ والأحنافِ، وما أَشْبَهَهم هذا ليس خلافًا في الواقعِ، إلا إنسانًا مُتعصبًا نقولُ: هذا الحقَّ، ويقولُ: لا.
стр. 132
وهنا يقولُ الله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ يعني: غَيْرُ مُغالين فيه، ولا مُقَصِّرِينَ. ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ اجتمعوا عليه.
وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿كَبُرَ﴾ بمعنى: عَظُمَ]، واشتدَّ عليهم، ﴿عَلَى الْمُشْرِكِينَ﴾ يعني: باللهِ، ما تدعوهم إليه من التوحيدِ؛ لأنَّ المُشركَ ما يَكْبُرُ عَلَيْهِ هو التوحيدُ، أَكْبَرُ شيءٍ عنده هو التوحيدُ، يعني: أكبرُ شيءٍ يشقُّ عَلَيْهِ هو التوحيدُ، ولهذا قالوا في الرسولِ ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦] انظرْ صَبَّرُوا أنْفَسَهم على الشِّرْكِ - والعياذَ باللهِ - وقالوا في التوحيدِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾؛ أيْ: عجيبٌ جدًّا، والشيءُ العُجابُ حقيقةً هو إشراكُهُم باللهِ الذي يُقِرُّونَ هم أنه خالِقُهُم، ولا خالقَ سواه.
من هنا نَأْخُذُ أن المشركين يَعْظُمُ عليهم التوحيدُ، وأقولُ لكم: إذا كان يَعْظُمُ عليهم التوحيدُ فلا بدَّ أن يفعلوا كلَّ سببٍ يَحُولُ بَيْنَ هذا التوحيدِ وقيامِهِ وانتشارِهِ، فكلُّ شيءٍ عظيمٌ عليك لا بدَّ أن تدافعَ عنه، فهم الآن حربٌ على التوحيدِ وأهْلِه.
ولهذا تَسْمَعُ الآن مُخططاتِ النصارى - على ما في ديانتِهم التي هم عليها من الضلالِ والمخالفةِ للمعقولِ والمحسوسِ -، تَجِدُهُم يَبُثُّون الإذاعاتِ القويَّةَ التي ليس فيها تشويشٌ، والتي تأتي في أوقاتٍ مناسبةٍ للدعوةِ إلى الدِّينِ الذي هم عليه، ما أقولُ إلى دينِ المسيحِ، فالمسيحُ بريءٌ منه، لكن إلى الدِّينِ الذي هم عليه، تَجِدُ بعضَ أهلِ البدعِ يَكْبُرُ عليهم جدًّا من يدعو إلى السُّنَّةِ، ويُحاربون من يدعو إلى السُّنَّةِ، ويُشَوِّهُونَ السُّمْعَةَ؛ لأنَّه عظيمٌ عليهم، فهنا يقول: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾.
стр. 133
يقولُ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ﴾ ﴿يَجْتَبِي﴾ بمعنى: يختارُ ويصطفي، وقولُهُ: ﴿إِلَيْهِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [إلى التوحيد]. أعاد ﵀ الضميرَ إلى التوحيدِ، ولكنْ فيه احتمالٌ أقوى مما قال، وهو أنَّ الضميرَ يعودُ إلى اللهِ أي: اللهُ يجتبي إلى نَفْسِهِ من يشاءُ، ويهدي إلى نفْسِه من يُنيبُ، وهذا أحسنُ مما سلك المُفسِّر؛ فاللهُ تعالى يختارُ إليه من يشاءُ - نسألُ اللهَ تعالى أنْ يَجْعَلَنا وإياكم ممن اختارهم إليه، وَيكْرَهُ آخرين - فالأوَّلُون يَهْدِيهم صِراطَهُ المستقيمَ، والآخرون يُضِلُّهُم؛ لأنَّهم هم الذين فعلوا السَّبَبَ.
وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ تقدَّم آنفًا قريبًا جدًّا أنَّ كلَّ شيءٍ عَلَّقَه اللهُ بالمشيئةِ فإنه مقرونٌ بالحكمةِ، لا يشاءُ شيئًا إيجادًا أو إعدامًا، أو تغييرًا إلا لحكمةٍ.
وقوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: من يُقْبِلُ إلى طاعته] يقولُ الشارحُ: من يُقْبِلُ إلى طاعتِه فهو يَهْدِيه اللهُ إليه. وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ فيما رواه عن ربِّهِ؛ أن اللهَ ﵎ يقولُ: "ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضْتُهُ عليه". يعني: الفرائضَ أحبُّ إلى اللهِ من النوافلِ "ولا يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّه، فإذا أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعَه الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ التي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها" (١) وكذلك قال ﵎ في الحديثِ القدسيِّ: "من تَقَرَّبَ إليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذراعًا، ومن تَقَرَّبَ إليَّ ذراعًا تَقَرَّبْتُ إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً" (٢) فمن أناب إلى اللهِ، فإن اللهَ يَهديه إليه؛ ويُعِينُه ويُسَدِّدُه.
стр. 134
من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ شَرْعَ الدِّينِ عندَ اللهِ وَحْدَهُ، ولهذا أَنْكَرَ اللهُ تعالى على الذين يُشَرِّعُونَ لأقوامِهِم دِينًا لم يَأْذَنْ به اللهُ، فقال: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الأصلَ في العباداتِ المنعُ، إلا بدليلٍ، ولهذا إذا رأيتَ شخصًا يعملُ عملًا يتقرَّبُ به إلى اللهِ، فَأَنْكِرْ عَلَيْهِ، إلا إذا أقام دليلًا، بخلافِ غيرِ العباداتِ فالأصلُ فيها الحِلُّ، ولهذا إذا رأيْت شخصًا يفعلُ شيئًا ليس عبادةً فأنْكَرْتَ عليه فعليك الدليلُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أديانَ الأنبياءِ واحدةٌ؛ من نوحٍ إلى محمدٍ ﷺ ؛ لقولِهِ: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ فما هذا التوحيدُ في الأديانِ؟ التوحيدُ في الأديانِ هو ما أفاده قولُهُ تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحلِ: ٣٦]، فهذه القاعدةُ العامَّةُ في جميعِ الرسالاتِ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. أمَّا الشرائعُ والمنهجُ فلكلِّ أمَّةٍ ما يناسبُها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدةِ: ٤٨].
ولهذا نَجِدُ أنَّ بني إسرائيلَ يُشَدِّدُ اللهُ على أقوامٍ منهم بالشريعةِ، ويُخَفِّفُ بالشريعةِ الأخرى، قال عيسى ابْنُ مريمَ ﵊: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آلِ عمرانَ: ٥٠].
إذن الأصلُ هو توحيدُ الرسالاتِ، وهذا الأصلُ هو المشارُ إليه ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. أمَّا الشرائعُ والمناهجُ فهذا يُشَرِّعُ اللهُ لكلِّ أمَّةٍ ما يُناسِبُها، حتى الأُمَّةُ الواحدةُ يُشَرِّعُ لها ما يناسِبُها
стр. 135
في أوَّلِ أَمْرِها، وفي آخِرِ أمْرِها، كالمنسوخِ في هذه الشريعةِ الإسلاميَّةِ.
فإن قال قائلٌ: هل شَرْعُ من قَبْلَنا شرعٌ لَنا؟
فالجوابُ: هذا فيه خلافٌ، بعضُ العلماءِ يقولُ: شرعُ من قَبْلَنا شرْعٌ لنا، وبعضُهُم يقولُ: لا، شرعُ من قَبْلَنا لهم، ولنا شَرْعُنا؛ لقولِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدةِ: ٤٨]، والمسألةُ لها ذيولٌ طويلةٌ، وبحوثٌ عميقةٌ في أصولِ الفقهِ، والظاهرُ لي: أنَّ شَرْعَ من قَبْلَنا الذي أوحاه اللهُ إلينا شرعٌ لنا؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يُوحِ إلينا عبثًا، بل لنَعْتَبرْ ثم إنْ نُسِخَ في شريعَتِنا نُسِخَ، ولذلك تَجِدُ العلماءَ يستنبطون أحكامًا كثيرةً من قصصِ الأنبياءِ، ولشيخِنا ﵀ فوائدُ مستنبَطةٌ من قِصَّةِ يوسُفَ ﵇ في رسالة.
فإن قال قائلٌ: هل النَّسْخُ شاملٌ لكلِّ أمةٍ سابقةٍ، أو هو خاصٌّ لأمَّةِ محمدٍ؟
فالجوابُ: لا، بل لنا ولغيرِنا، قالَ اللهِ تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساءِ: ١٦٠]، هذا نَسْخٌ؛ كانت هذه الطَّيِّباتُ حلالًا ثم نُسِخَتْ وحُرِّمَتْ والشريعةُ واحدةٌ، أما الشريعتان فقال عيسى ﵊ لبني إسرائيلَ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آلِ عمرانَ: ٥٠].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ نبوَّةِ نوحٍ وإبراهيمَ وموسى وعيسى ﵈؛ لقولِهِ تعالى: ﴿مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عنايةُ اللهِ ﵎ بالشرائعِ؛ حيث جعل ذلك وصيَّةً، والوصيَّةُ هي العهدُ بالشيءِ المهتمِّ به.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هذا القرآنَ الكريمَ وحيٌ أوحاه اللهُ تعالى إلى رسولِهِ ﷺ ؛ لقولِهِ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
стр. 136
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن القرآنَ شاملٌ لجميعِ الشريعةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
فإن قال قائلٌ: في الشريعةِ ما لا يُوجَدُ في القرآنِ تفصيلًا؟
فالجوابُ: تكفي الإشارةُ إليه. يعني: لو أننا بَحَثْنَا هل في القرآنِ ما يدلُّ على عددِ الصلواتِ، وعلى عددِ ركعاتِها، وعلى كيفِيَّتِها لكان الجوابُ: لا يوجَدُ. لكنَّ كَوْنَ اللهِ يأمُرُنا أن نطيعَ رسولَ اللهِ ﷺ وأن نَتَّبِعَه يكفي، لأنَّ سُنَّةَ الرسولِ ﵊ قد أُمِرْنَا بها، وبكلِّ ما تتضمنه، وعلى هذا تكونُ الشريعةُ كُلُّها موجودةً في القرآنِ، إما بالإشارةِ والإيماءِ، وإما بالتصريحِ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ رسالةِ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - حيث قال: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الأممَ جميعَهُم مأمورون بإقامةِ الدِّينِ، وعدمِ التفرُّقِ فيه؛ لقولِهِ: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ التفرُّقَ في دينِ اللهِ مُنافٍ للذي أوحى اللهُ إلى رسولِهِ ﷺ ووصَّى به نوحًا وإبراهيمَ وموسى وعيسى.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما يدعو إليه النبيُّ ﷺ من التوحيدِ كان عظيمًا وشاقًّا على المشركين؛ لقولِهِ: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾.
ويتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: أنه متى ما كان التوحيدُ كبيرًا على المشركين، فلا بدَّ أن يَسْعُوا بكلِّ جهودِهِم على إحباطِ هذا التوحيدِ؛ لأنَّ كلَّ إنسانٍ بمقتضى فِطْرَتِهِ لا بدَّ أن يسعى في إزالةِ ما يكونُ شاقًّا عليه. ويتفرَّعُ على ذلك فائدةٌ: وهو الحَذَرُ من كَيْدِ المُشْرِكين.
стр. 137
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ النبيَّ ﵊ كان يدعو المسلمين وغيْرِ المسلمين لدِينِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ وهذا قد وَقَعَ تطبيقُهُ، وشاهِدْهُ في حالِ النبيِّ ﷺ كان يَخْرُجُ إلى البلادِ الأخرى لِيَدْعُوَ الناسَ إلى التوحيدِ، كما خَرَجَ إلى الطائفِ، وكان في مَوْسِمِ الحَجِّ يَعْرِضُ نَفْسَهُ على القبائِلِ ﵊ يأتي لكلِّ قبيلةٍ ويدعوهم، ويقولُ: "ألا أحدَ يؤويني - أو كَلِمَةً نَحْوَها - حتى أُبَلِّغَ رسالةَ ربي، فإن قريشًا منعوني أن أُبَلِّغَ كلامَ ربي" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن اللهَ قد يَمُنُّ على بعضِ العِبَادِ بالإجتباءِ والهدايةِ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ مشيئةِ اللهِ لفعْلِ العبْدِ؛ لقولِهِ: ﴿يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فيكونُ فيها رَدٌّ على القَدَرِيَّةِ، الذين يقولون: إن الإنسانَ مستقلٌّ بعمَلِه، ولا مشيئةَ للهِ تعالى في فِعْلِه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ الهدايةِ لكلِّ مُنيبٍ، وهذه الهدايةُ غيرُ الإنابةِ، الإنابةُ هدايةٌ سابقةٌ؛ لكن كلما أناب الإنسانُ إلى ربِّه ازداد هدايةً.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: عصمةُ اللهِ ﵎ مَن يُنيبُ من البدعِ والمخالفاتِ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ وهذا - بلا شكٍّ - ضدَّ البِدَعِ؛ لأنَّ البدعَ ليس فيها هدايةٌ إلى اللهِ، بل هي ضلالةٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الحثُّ على الإنابةِ إلى اللهِ لأنَّه سببٌ للهدايةِ.
стр. 138
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على الجبريَّةِ؛ لقولِهِ: ﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ فأضاف الفعلَ إلى العبْدِ، والجبريَّةُ لا يُضِيفونَ الأفعالَ إلى العبْدِ، يقولون: إن العبْدَ يَفْعَلُ بغيرِ إرادةٍ ولا اختيارٍ.
ففي الآيةِ إذن: ردٌّ على القَدَريَّةِ وردٌّ على الجبريَّةِ، وهما طائفتان مُبْتَدِعَتان مُتَطَرِّفَتان، والمذهبُ الوسطُ هو الذي يَقُولُ: إنَّ الإنسانَ لا يُجْبَرُ على عملِه، وأنه يفعلُ الفعلَ باختيارِه، ولا يَشْعُرُ أنَّ أحدًا أَجْبَرَهُ، لكننا نَعْلَمُ أن هذا الفعلَ الذي وَقَعَ منه واقعٌ بمشيئةِ اللهِ وإرادةِ اللهِ، ولا يُمْكِنُ أن يستقلَّ الإنسانُ بشيءٍ في الكَوْنِ من دونِ اللهِ .
* * *
стр. 139
الآية (١٤)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى: ١٤].
* * *
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ أي: أهلُ الأديانِ في الدينِ بأن وَحَّدَ بعضٌ، وكَفَرَ بعضٌ، ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بالتوحيدِ ﴿بَغْيًا﴾ من الكافرين، ﴿بَيْنَهُمْ﴾].
﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ يقولُ المُفسِّر: [أي: أهلُ الأديانِ] وهذا تفسيرٌ جيدٌ، وقد ذَكَرَ اللهُ ﵎ في سورةِ البَيِّنَةِ قولَهُ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البَيِّنَةِ: ٤]، فهل نقولُ: إن هذه الآيةَ العامَّةَ، ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ تُخَصَّصُ بآيةِ البيِّنةِ ويكونُ المرادُ: وما تَفَرَّقَ الذين أوتوا الكتابَ؟ أو نقولُ: هي عامَّةٌ ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بعضٌ من الأفرادِ، وإذا ذُكِرَ بعضُ الأفرادِ بحكمٍ يطابقُ حكمَ العامِّ، فإنه لا يُعَدُّ مُخَصِّصًا؟ الجوابُ: الثاني. وهذه قاعدةٌ أصوليَّةٌ أنه إذا ذُكِرَ بعضُ أفرادِ العامِّ بحكمٍ يطابقُ العامَّ، فهذا ليس بتخصيصٍ.
مثالُهُ: قلتُ: أَكْرِمِ الطلبةَ، ثم قلتُ: أَكْرِمْ محمَّدًا وهو منهم، هل هذا يقتضي ألا تُكْرِمَ سواه؟ لا، إذن: ذِكْرُهُ بحكمٍ يوافقُ حُكْمَ العام، لا يقتضي تخصيصَه به،
стр. 140
أمَّا لو كان يُخَالفُ فهذا تخصيصٌ، لو قلتَ: أكرمِ الطلبةَ، ثم قلتَ: لا تُكْرِمْ محمدًا، فحينئذٍ يَخرُجُ حُكْمُهُ عن حكمِ العامِّ.
قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ قولُ المُفسِّر: [بأن وَحَّدَ بعضُهُم وكَفَرَ بَعْضٌ] هذا مناسبٌ؛ لقولِهِ ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ وإلا فالإختلافُ أوسعُ من أن يكونَ اختلافًا في التوحيدِ والكفرِ.
وقوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فيكونُ تَفَرُّقُهم عن علمٍ، قد قامت عليهم الحُجَّةُ. وقولُهُ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ مفعولٌ لأجْلِه، أي: أنَّ تَفَرُّقَهم للبغْيِ والعُدوانِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ لتأخيرِ الجزاءِ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ... إلخ].
قولُهُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمةُ التي سَبَقَتْ من اللهِ هي تأخيرُ الجزاءِ، حتى يُوافوا اللهَ .
قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: مُعَيَّنٌ، وهو يومُ القيامةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بتعذيبِ الكافرين في الدنيا]. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: فُصِلَ وحُكِمَ بينهم، وأُهْلِكَ الكُفَّارُ وأُبْقِيَ المُوَحِّدون.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وهم اليهودُ والنصارى ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من محمدٍ ﷺ ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٌ في الرِّيبَةِ].
قولُهُ : ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ الكلمةُ هي أنه قضى بتأخيرِ العذابِ عنهم، فتنةً واختبارًا، وقد أشار اللهُ تعالى إلى هذه الفتنةِ والإختبارِ،
стр. 141
بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمدٍ: ٤]، لو انتصرَ اللهُ منهم وأَهْلَكَهُم ما بَقِيَ للجهادِ محلٌّ، ولا بَقِيَ للمؤمنين محنةٌ واختبارٌ؛ ولهذا قال: ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وقولُهُ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: مُعَيَّنٌ مُحَدَّدٌ؛ وذلك يومُ القيامةِ، يومُ القيامةِ محدَّدٌ في عِلْمِ اللهِ، لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ، كما أنَّ موتَ الإنسانِ مُحَدَّدٌ من قِبَلِ اللهِ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأَخَّرُ.
وقوله ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: أَعْطُوهُ، مجانًا. يعني: بدون تعبٍ، كما أن الوارِثَ يَرِثُ مالَ مُوَرِّثِه بدونِ تعبٍ مجانًا.
وهل المرادُ بالكتابِ هنا التوراةُ والإنجيلُ، أمِ المرادُ بالكتابِ القرآنُ؟ ويكونُ المعنى: وإن الذين أُورِثُوا الكتابَ وهو القرآنُ من بَعْدِهِم؛ أي: من بَعْدِ الذين تَفَرَّقُوا من أهلِ الكتابِ وغيِرِهم ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾؛ أي: من هذا الكتابِ ﴿مُرِيبٍ﴾ , هذا الذي قُلْته أَحْسَنُ مما ذَهَبَ إليه المُفسِّر ﵀.
أمَّا المُفسِّر فيُفيدُ قولُهُ: أنَّ المرادَ بالكتاب: التوراةُ والإنجيلُ؛ لأنَّه قال: [هم اليهودُ والنصارى] فاليهودُ لهم التوراةُ، والنصارى لهم الإنجيلُ، ولكن الظاهرَ أنَّ المرادَ بالكتابِ هو هذا القرآنُ.
وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾؛ أي: من هذا الكتابِ، ﴿مُرِيبٍ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [موقعٌ في الرِّيبَةِ]، والريبةُ أشدُّ من الشكِّ؛ لأنَّها ارتيابٌ وقلقٌ، الشاكُّ قد يكونُ باردَ الضميرِ، ليس عنده قلقٌ، لكن المرتابَ أَشَدُّ، والغالبُ أن الإرتيابَ يكُونُ مع تَعَارُضِ الأدلَّةِ، التي كلُّ واحدٍ منها يقتضي أن يكونَ المصيرُ إليه، فيرتابُ
стр. 142
الإنسانُ ويتردَّدُ ويَقْلَقُ، لكنَّ الشكَّ المجرَّدَ هو شكٌّ، لا شكَّ في هذا، لكن لا يُؤَدِّيَ إلى الرِّيبَةِ، إلا إذا عَظُمَ وقَوِيَ، وتعارضتِ الأدلَّةُ؛ حينئذٍ يبقى الإنسانُ في ارتيابٍ شديدٍ.
من فوائدِ الآيةِ الكريمَةِ:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ تَفَرُّقَ هؤلاء كان بَعْدَ أن قامت عليهم الحُجَّةُ؛ لقولِهِ: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ﴾ [الجاثيةِ: ١٧].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن من خالفَ الدِّينَ بَعْدَ مجيءِ العِلْمِ فإنه باغٍ معتدٍ؛ لقولِهِ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ كلامِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ ولا شكَّ أنَّ اللهَ تعالى موصوفٌ بالكلامِ؛ لأنَّه كمالٌ، وضدُّ الكلامِ الخَرَسُ، والخَرَسُ نقصٌ، فلو نَفَيْنَا الكلامَ؛ لَزِمَ من ذلك ثبوتُ الخَرَسِ وهذا نقصٌ يُنَزَّهُ اللهُ عنه.
فإن قال قائلٌ: ما هو كلامُ اللهِ؟
فالجوابُ: كلامُ اللهِ هو المسموعُ بالآذانِ، يَسْمَعُه جبريلُ ويسمعُه غيرُهُ ممن يُكَلِّمُه اللهُ، هذا هو الحقُّ، وقد وافَقَنَا عَلَيْهِ الجهميَّةُ، فقالوا: إن كلامَ اللهِ هو المسموعُ بالآذانِ، لكننا اختلفْنَا عنهم بأنهم يقولون هو مخلوقٌ، ونحن نقولُ: إنه ليس بمخلوقٍ. أمَّا الأشعريَّةُ والكُلابيَّةُ وأمثالُهُم فقالوا: كلامُ اللهِ هو المعنى القائمُ بنفْسِه، وليس المسموعَ؛ فالمسموعُ عِبَارَةٌ - أو حكايةٌ - عن كلامِ اللهِ، وكلامُ اللهِ هو ما قام في نفْسِه، ولذلك يَرَوْنَ أن كلامَ اللهِ لا يتعلَّقُ بمشيئتِهِ، فلا يقولون: إن اللهَ يتكلَّمُ متى شاء؛ لأنَّه معنى قائمٌ بالنفسِ كقيامِ السمعِ والبصرِ.
стр. 143
ولا شَكَّ أنَّ هذا قولٌ باطلٌ، وأنه أَبْعَدُ من الصوابِ من قولِ الجهميَّةِ؛ لأنَّ الجهميَّةَ يُصرِّحُونَ بأنَّ كلامَ اللهِ هو المسموعُ، وليس المعنى القائمَ بالنَّفْسِ، لكنهم يقولون: إنَّه مخْلُوقٌ.
هؤلاء إذَا قالوا: إن كلامَ اللهِ هو المعنى القائمُ بنفسه، وخَلَقَ أصواتًا تُعبِّرُ عما في نفْسِه؛ لم يخالفوا الجهميَّةَ، فقد اتفقوا على أنَّ هذا المصحفَ الذي بَيْنَ أيدينا مخلوقٌ، لكن الجهميَّةَ صاروا أَشْجَعَ من الأشعريَّةِ، فالجهميَّةُ قالوا: هذا كلامُ اللهِ، وأولئك قالوا هو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ.
فإن قال قائلٌ: ما الفرقُ بين عبارةِ كلامِ اللهِ وحكايةً عن كلامِ اللهِ؟
فالجوابُ: معنى العبارةِ أنه لا عَلاقةَ بَيْنَ ما في نفْسِه وبَيْنَ ما خَلَقَهُ، قد يكونُ في نفْسِه شيءٌ الآن ويَخْلُقُه بعد ساعةٍ أو ساعتين.
أما الحكايةُ فهي كحكايةِ الصَّدَى، الصَّدَى الآن إذا كنتَ بَيْنَ جبالٍ وتَكَلَّمْتَ تَسْمَعُهُ يَرُدُّ عليك، هذا يُسَمَّى حكايةً، وهذا يَلْزَمُ منه أن يكونَ ما يُسْمَعُ في الحالِ.
فليس هناك فرْقٌ بيِّنٌ، لكن الأشاعرةَ يقولون: عبارةٌ، والكلابيَّةُ يقولون: إنه حكايةٌ، فالعبارة معناها أن الله خَلَقَه ليعَبِّرَ، خَلَقَ هذا الصوتَ ليعَبِّرَ عما في نفْسِه، والحكايةُ تُشْبِهُ ما يُعْرَفُ بالصدى، إذا كان الإنسانُ بين جبالٍ وتَكَلَّمَ تَجِدُ كلَّ الجبالِ يكونُ لها صوتٌ تحكي صوتَ اللهِ. والعباراتُ الباطلةُ كُلُّهَا سيئةٌ.
أما عبارة للموفَّقِ ﵀ في عقيدَتِهِ فهي التي جاء بها الإمامُ أحمدُ ﵀، فالإمامِ أحمدَ نفسُه فَسَّرَها قال: "نؤمنُ بذلك، لا كَيْفَ، ولا مَعْنَى" (١)، ومرادُهُ بقولِهِ:
стр. 144
"لا معنى" ما ذهب إليه أهلُ التحريفِ الذين يجعلون لآياتِ الصفاتِ معنًى يُعَيِّنُونَهُ هم؛ لأنَّه قال: "لا كَيْفَ" ردًّا على المُمَثِّلَةِ "ولا معنى" ردًّا على المُعَطِّلَةِ.
فالمرادُ بالمعنى الذي نفاه الإمامُ أحمدُ، وتَبِعَهُ ابنُ قُدَامَةَ (١) رَحَمَهُمَا اللَّهُ المرادُ به المعنى الذي ابتكره هؤلاء المُعَطِّلَةُ.
ونحن نقولُ: إنَّ اللهَ تعالى أضاف الكلامَ إلى نفْسِه، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساءِ: ١٦٤]، وأكَّدَ ذلك بقولِهِ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ أثبتتِ الأدلَّةُ أنَّه يُكَلِّمُ من شاء من خَلْقِهِ، فما الذي يجعلُنا نُحَرِّفُ، وأيُّهُما أحقُّ بالكمالِ، إلهٌ يتكلَّمُ متى شاء بما شاء، وإلهٌ لا يتكلَّمُ؟
الجوابُ: الأوَّلُ؛ بل الثاني لا يستحقُّ أن يكون إلهًا؛ ولهذا قال إبراهيمُ: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريمَ: ٤٢].
إذن: من قولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ نستفيدُ إثباتَ الكلامِ للهِ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حِكْمَةُ اللهِ بتأخيرِ العقوبةِ عن العصاةِ، ومن الحُكْمِ في هذا أن اللهَ يُمْهِلُهُم لَعَلَّهُم يستعتبون، ولذلك قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطرٌ: ٤٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الدنيا لها حدٌّ؛ لقولِهِ: ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: مُعَيَّنٌ محدودٌ، كما قال : ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾؛ أي: العذابَ ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الذين أُورثوا الكتابَ من بعدهم في شكٍّ منه مُريبٍ،
стр. 145
يعني: اليهودَ الذين أدركوا هذا القرآنَ، وورِثُوه من بَعْدِ اليهودِ السابقين، وكذلك النَّصارى في شكٍّ منه مُريبٍ.
ويتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: أن مِثْلَ هؤلاء لا تَنْفَعُ فيهم المواعظُ، ولا الآياتُ؛ ويدُلُّ لهذا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونُسَ: ١٠١]
* * *