← Тафсир

Тафсир · id 151163

تفسير العثيمين: الشورى

ابن عثيمين

Полный текст (359 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمدٍ: ٤]، لو انتصرَ اللهُ منهم وأَهْلَكَهُم ما بَقِيَ للجهادِ محلٌّ، ولا بَقِيَ للمؤمنين محنةٌ واختبارٌ؛ ولهذا قال: ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾. وقولُهُ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أي: مُعَيَّنٌ مُحَدَّدٌ؛ وذلك يومُ القيامةِ، يومُ القيامةِ محدَّدٌ في عِلْمِ اللهِ، لا يتقدَّمُ ولا يتأخَّرُ، كما أنَّ موتَ الإنسانِ مُحَدَّدٌ من قِبَلِ اللهِ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأَخَّرُ. وقوله ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾؛ أي: أَعْطُوهُ، مجانًا. يعني: بدون تعبٍ، كما أن الوارِثَ يَرِثُ مالَ مُوَرِّثِه بدونِ تعبٍ مجانًا. وهل المرادُ بالكتابِ هنا التوراةُ والإنجيلُ، أمِ المرادُ بالكتابِ القرآنُ؟ ويكونُ المعنى: وإن الذين أُورِثُوا الكتابَ وهو القرآنُ من بَعْدِهِم؛ أي: من بَعْدِ الذين تَفَرَّقُوا من أهلِ الكتابِ وغيِرِهم ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾؛ أي: من هذا الكتابِ ﴿مُرِيبٍ﴾ , هذا الذي قُلْته أَحْسَنُ مما ذَهَبَ إليه المُفسِّر ﵀. أمَّا المُفسِّر فيُفيدُ قولُهُ: أنَّ المرادَ بالكتاب: التوراةُ والإنجيلُ؛ لأنَّه قال: [هم اليهودُ والنصارى] فاليهودُ لهم التوراةُ، والنصارى لهم الإنجيلُ، ولكن الظاهرَ أنَّ المرادَ بالكتابِ هو هذا القرآنُ. وقوله: ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾؛ أي: من هذا الكتابِ، ﴿مُرِيبٍ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [موقعٌ في الرِّيبَةِ]، والريبةُ أشدُّ من الشكِّ؛ لأنَّها ارتيابٌ وقلقٌ، الشاكُّ قد يكونُ باردَ الضميرِ، ليس عنده قلقٌ، لكن المرتابَ أَشَدُّ، والغالبُ أن الإرتيابَ يكُونُ مع تَعَارُضِ الأدلَّةِ، التي كلُّ واحدٍ منها يقتضي أن يكونَ المصيرُ إليه، فيرتابُ

стр. 142

الإنسانُ ويتردَّدُ ويَقْلَقُ، لكنَّ الشكَّ المجرَّدَ هو شكٌّ، لا شكَّ في هذا، لكن لا يُؤَدِّيَ إلى الرِّيبَةِ، إلا إذا عَظُمَ وقَوِيَ، وتعارضتِ الأدلَّةُ؛ حينئذٍ يبقى الإنسانُ في ارتيابٍ شديدٍ. من فوائدِ الآيةِ الكريمَةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ تَفَرُّقَ هؤلاء كان بَعْدَ أن قامت عليهم الحُجَّةُ؛ لقولِهِ: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ﴾ [الجاثيةِ: ١٧]. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن من خالفَ الدِّينَ بَعْدَ مجيءِ العِلْمِ فإنه باغٍ معتدٍ؛ لقولِهِ: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ كلامِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ ولا شكَّ أنَّ اللهَ تعالى موصوفٌ بالكلامِ؛ لأنَّه كمالٌ، وضدُّ الكلامِ الخَرَسُ، والخَرَسُ نقصٌ، فلو نَفَيْنَا الكلامَ؛ لَزِمَ من ذلك ثبوتُ الخَرَسِ وهذا نقصٌ يُنَزَّهُ اللهُ عنه. فإن قال قائلٌ: ما هو كلامُ اللهِ؟ فالجوابُ: كلامُ اللهِ هو المسموعُ بالآذانِ، يَسْمَعُه جبريلُ ويسمعُه غيرُهُ ممن يُكَلِّمُه اللهُ، هذا هو الحقُّ، وقد وافَقَنَا عَلَيْهِ الجهميَّةُ، فقالوا: إن كلامَ اللهِ هو المسموعُ بالآذانِ، لكننا اختلفْنَا عنهم بأنهم يقولون هو مخلوقٌ، ونحن نقولُ: إنه ليس بمخلوقٍ. أمَّا الأشعريَّةُ والكُلابيَّةُ وأمثالُهُم فقالوا: كلامُ اللهِ هو المعنى القائمُ بنفْسِه، وليس المسموعَ؛ فالمسموعُ عِبَارَةٌ - أو حكايةٌ - عن كلامِ اللهِ، وكلامُ اللهِ هو ما قام في نفْسِه، ولذلك يَرَوْنَ أن كلامَ اللهِ لا يتعلَّقُ بمشيئتِهِ، فلا يقولون: إن اللهَ يتكلَّمُ متى شاء؛ لأنَّه معنى قائمٌ بالنفسِ كقيامِ السمعِ والبصرِ.

стр. 143

ولا شَكَّ أنَّ هذا قولٌ باطلٌ، وأنه أَبْعَدُ من الصوابِ من قولِ الجهميَّةِ؛ لأنَّ الجهميَّةَ يُصرِّحُونَ بأنَّ كلامَ اللهِ هو المسموعُ، وليس المعنى القائمَ بالنَّفْسِ، لكنهم يقولون: إنَّه مخْلُوقٌ. هؤلاء إذَا قالوا: إن كلامَ اللهِ هو المعنى القائمُ بنفسه، وخَلَقَ أصواتًا تُعبِّرُ عما في نفْسِه؛ لم يخالفوا الجهميَّةَ، فقد اتفقوا على أنَّ هذا المصحفَ الذي بَيْنَ أيدينا مخلوقٌ، لكن الجهميَّةَ صاروا أَشْجَعَ من الأشعريَّةِ، فالجهميَّةُ قالوا: هذا كلامُ اللهِ، وأولئك قالوا هو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ. فإن قال قائلٌ: ما الفرقُ بين عبارةِ كلامِ اللهِ وحكايةً عن كلامِ اللهِ؟ فالجوابُ: معنى العبارةِ أنه لا عَلاقةَ بَيْنَ ما في نفْسِه وبَيْنَ ما خَلَقَهُ، قد يكونُ في نفْسِه شيءٌ الآن ويَخْلُقُه بعد ساعةٍ أو ساعتين. أما الحكايةُ فهي كحكايةِ الصَّدَى، الصَّدَى الآن إذا كنتَ بَيْنَ جبالٍ وتَكَلَّمْتَ تَسْمَعُهُ يَرُدُّ عليك، هذا يُسَمَّى حكايةً، وهذا يَلْزَمُ منه أن يكونَ ما يُسْمَعُ في الحالِ. فليس هناك فرْقٌ بيِّنٌ، لكن الأشاعرةَ يقولون: عبارةٌ، والكلابيَّةُ يقولون: إنه حكايةٌ، فالعبارة معناها أن الله خَلَقَه ليعَبِّرَ، خَلَقَ هذا الصوتَ ليعَبِّرَ عما في نفْسِه، والحكايةُ تُشْبِهُ ما يُعْرَفُ بالصدى، إذا كان الإنسانُ بين جبالٍ وتَكَلَّمَ تَجِدُ كلَّ الجبالِ يكونُ لها صوتٌ تحكي صوتَ اللهِ. والعباراتُ الباطلةُ كُلُّهَا سيئةٌ. أما عبارة للموفَّقِ ﵀ في عقيدَتِهِ فهي التي جاء بها الإمامُ أحمدُ ﵀، فالإمامِ أحمدَ نفسُه فَسَّرَها قال: "نؤمنُ بذلك، لا كَيْفَ، ولا مَعْنَى" (١)، ومرادُهُ بقولِهِ:

стр. 144

"لا معنى" ما ذهب إليه أهلُ التحريفِ الذين يجعلون لآياتِ الصفاتِ معنًى يُعَيِّنُونَهُ هم؛ لأنَّه قال: "لا كَيْفَ" ردًّا على المُمَثِّلَةِ "ولا معنى" ردًّا على المُعَطِّلَةِ. فالمرادُ بالمعنى الذي نفاه الإمامُ أحمدُ، وتَبِعَهُ ابنُ قُدَامَةَ (١) رَحَمَهُمَا اللَّهُ المرادُ به المعنى الذي ابتكره هؤلاء المُعَطِّلَةُ. ونحن نقولُ: إنَّ اللهَ تعالى أضاف الكلامَ إلى نفْسِه، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساءِ: ١٦٤]، وأكَّدَ ذلك بقولِهِ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ أثبتتِ الأدلَّةُ أنَّه يُكَلِّمُ من شاء من خَلْقِهِ، فما الذي يجعلُنا نُحَرِّفُ، وأيُّهُما أحقُّ بالكمالِ، إلهٌ يتكلَّمُ متى شاء بما شاء، وإلهٌ لا يتكلَّمُ؟ الجوابُ: الأوَّلُ؛ بل الثاني لا يستحقُّ أن يكون إلهًا؛ ولهذا قال إبراهيمُ: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريمَ: ٤٢]. إذن: من قولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ﴾ نستفيدُ إثباتَ الكلامِ للهِ . الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: حِكْمَةُ اللهِ بتأخيرِ العقوبةِ عن العصاةِ، ومن الحُكْمِ في هذا أن اللهَ يُمْهِلُهُم لَعَلَّهُم يستعتبون، ولذلك قال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطرٌ: ٤٥]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الدنيا لها حدٌّ؛ لقولِهِ: ﴿مُسَمًّى﴾؛ أي: مُعَيَّنٌ محدودٌ، كما قال : ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾؛ أي: العذابَ ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الذين أُورثوا الكتابَ من بعدهم في شكٍّ منه مُريبٍ،

стр. 145

يعني: اليهودَ الذين أدركوا هذا القرآنَ، وورِثُوه من بَعْدِ اليهودِ السابقين، وكذلك النَّصارى في شكٍّ منه مُريبٍ. ويتفرَّعُ على هذه الفائدةِ: أن مِثْلَ هؤلاء لا تَنْفَعُ فيهم المواعظُ، ولا الآياتُ؛ ويدُلُّ لهذا قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونُسَ: ١٠١] * * *

стр. 146

الآية (١٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥]. * * * ﴿فَلِذَلِكَ﴾ المشارُ إليه إقامةُ الدِّينِ وعدمُ التفرُّقِ فيه. وقولُهُ: ﴿فَادْعُ﴾ الفاءُ زائدةٌ لتحسينِ اللفظِ، والأصلُ فلذلك ادْعُ، ولهذا نقولُ: إنَّ هذه الجملةَ فيها حصرٌ، تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ، والمقدَّمُ هو الجارُّ والمجرورُ، ولهذا قلتُ لكم: إنَّ الفاءَ في قولِهِ: ﴿فَادْعُ﴾ زائدةٌ لتحسينِ اللفظِ، ولولا أنَّها من كلامِ اللهِ، لقُلنا: فلذلك ادْعُو، وهذا هو السرُّ في أنَّنا قلنا: إنَّ هذه الجملةَ تفيدُ الحَصْرَ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَلِذَلِكَ﴾ التوحيدُ] ولو قال: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي: لإقامةِ الدِّينِ وعدمِ التفرُّقِ فيه لكان أَجْوَدَ ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ والخطابُ للرسولِ ﷺ ولهذا قال المُفسِّر ﵀: [يا محمدُ الناسَ] الناسَ: أشار به إلى أن مفعولَ (ادْعُ) محذوفٌ، والتقديرُ: الناس. قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَاسْتَقِمْ﴾ عَلَيْهِ ﴿كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في تَرْكِه]، ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ هذا ليس خاصًّا بالرسولِ ﵊؛ لقولِهِ

стр. 147

تعالى في سورةِ هودٍ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هودٍ: ١٢١]. وقولُهُ: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ أي: على الوجْهِ الذي أُمِرْتَ من غيرِ زيادةٍ ولا نَقْصٍ ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وأهواؤُهُم التي نُهِيَ عن اتِّباعِهَا ما يُخالفُ ما أُمِرَ به. ولهذا قال الشارحُ ﵀: [في تَرْكِهِ]. قولُهُ: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ قل: مُعلنًا لهم ولغيْرِهِم، ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ آمنتُ بمعنى: أقررتُ، والإيمانُ هو الإقرارُ المستلزِمُ للقَبولِ والإذعانِ. وليس مجرَّدَ الإقرارِ، ولهذا نقولُ: إنَّ أبا طالبٍ ليس بمؤمنٍ، مع أنَّه مُقِرٌّ بِرِسَالةِ النبيِّ ﷺ فإنَّه كان يقولُ في لامِيَّتِه المشهورةِ (١): لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ... لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ ويقولُ (٢): ولقد علمتُ بأنَّ دينَ محمَّدٍ ... من خيرِ أديانِ البريَّة دِينَا لولا الملامةُ أو حذارُ مَسَبَّةٍ ... لَوَجَدْتُنِي سَمْحًا بذاك مُبينَا ولكنه - والعياذُ باللهِ - قد سَبَقَتْ له من اللهِ الشقاوةُ، فكان آخِرَ ما قال: أنه على ملةِ عبدِ المُطَّلِبِ، وصَرَّحَ في تلك الحالِ أنه لولا أن قَوْمَه يلومونه ويقولون: عندما أَيِسَ من الحياةِ آمَنَ لآمَنْتُ، هكذا يقولُ - والعياذُ باللهِ - وهو في سياقِ الموتِ. فقولُهُ: ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ نقولُ: الإيمانُ هو: الإقرارُ المستلزِمُ للقبولِ والإذعانِ، أبو طالبٍ مُقرٌّ لكنه لم يَقْبَلْ، ولم يُذْعِنْ فصار كافرًا،

стр. 148

﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾؛ بالذي أَنْزَلَ اللهُ من الكُتُبِ كلها، وهكذا يجبُ علينا نحن أيضًا أن نُؤمنَ بما أَنْزَلَ اللهُ من كتابٍ، ولكن لا يجبُ علينا أن نَتَّبِعَ ما أنزل اللهُ من كتاب، نَتَّبِعُ ما جاء في شريعتِنا، وإن خَالفَ ما في الشرائعِ الأولى، لكن نؤمنُ بأنَّ الكُتبَ النَّازلةَ على موسى وعيسى وداودَ وغيْرِهم من الأنبياءِ، نؤمنُ بأنها حقٌّ. أمَّا الإتِّباعُ فهو لشريعةِ محمَّدٍ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ-. قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: بأن أَعْدِلَ]. أفادنا المُفسِّر ﵀ أنَّ اللامَ في قولِهِ: ﴿لِأَعْدِلَ﴾ بمعنى الباءِ، أي: أُمِرْتُ بأنْ أَعْدِلَ بينكم، هذا ما قَدَّرَهُ المُفسِّر ﵀. ولا شَكَّ أنَّ هذا تقديرٌ سهلٌ، فسهلٌ أن يقولَ: اللامُ بمعنى الباءِ؛ لكنَّ إتيانَ اللامِ بمعنى الباءِ قد لا يكونُ سائغًا في اللغةِ العربيَّةِ، وأن اللهَ تعالى أَمَرَ رسولَهُ ﷺ بأمرٍ فوق ذلك؛ أي: وأُمِرْتُ بالشَّرعِ أو بالعدل ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ فيكونُ المأمورُ به محذوفًا، ويكونُ الموجودُ هو العِلَّةَ، أُمِرْتُ بكذا لأَعْدِلَ بينكم، وهذا أَبْلَغُ من أن نقولَ اللامُ بمعنى الباءِ، ويكون أُمِرْتُ بالعدلِ بينكم، لا أُمِرْتُ بالشرعِ والإيمانِ بكلِّ كتابٍ؛ لأَعْدِلَ بينكم. قال المُفسِّر ﵀: [﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ]. وقولُهُ: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ هذه الجُملةُ حقٌّ لا شَكَّ فيه، ولكن قد يقولُ قائلٌ: ما الفائدةُ منها؟ أليس هذا كقولِ القائلِ: السماءُ فوقنا والأرضُ تحتنا، لأنَّ هؤلاء يُقِرُّون بأن اللهَ ربُّهُم، فما الفائدةُ؟ فالجوابُ: الفائدةُ من ذلك هو إلزامُهُم أن يكونوا مِثْلَ ما كُنا عليه من الدِّينِ؛ لأنَّ الرَّبَّ واحدٌ ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ بإقرارِكم، فإذا كان كذلك، فالواجبُ عليكُم أن تخضعوا لأوامرِ ربِّكم .

стр. 149

قولُهُ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني: أنه لا يَضُرُّنُا عملُكُم، ولا يَضُرُّكُم عملُنا، فإذنْ: لا تتعلقوا بنا، ولا نتعلَّقُ بكم؛ كلٌّ له عَمَلُه. قال المُفسِّر ﵀: [فكلٌّ يُجَازى بعمَلِه]. وقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾، كيف لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنكم ولدينا الحجَّةُ عليهم؟ الجواب: قال المفسِّر ﵀: [﴿لَا حُجَّةَ﴾ خصومةٌ] بأن أَعْدِلَ ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ ... ] إلخ، والصوابُ عدمُ تقديرِ: بأن أَعْدِلَ؛ لأنَّه لا داعيَ له، بل المعنى لا حُجَّةَ قائمةٌ على وجهِ الخصومةِ بيننا وبينكم؛ لأننا قد أَيِسْنا منكم، ولن تنفعَ فيكم المُحاجَّةُ. وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [هذا قبلَ أن يُؤْمَرَ بالجهادِ] وبعد أن أُمِرَ بالجهادِ، صار لهم أعمالُنا ولنا أعمالهُم، وحين شُرِعَ الجهادُ لا تَبْطُلُ المحاجَّةُ. ولهذا نقولُ للمؤلِّفِ ﵀: عفا اللهُ عنك! أولًا: أَثْبِتْ لنا أنَّ هذه الآيةَ قبل الأمرِ بالجِهادِ، فإذا قال هذه الآيةُ مَكِّيَّةٌ والجِهادُ إنما أُمِرَ به في المدينةِ، نقولُ: أَثْبَتَّ لنا أنه لمَّا أُمِرَ بالجِهادِ بَطَلَتْ هذه البراءةُ، لا يستطيعُ أن يُثَبْتِ ذلك. واللهُ إنما يتحدَّث في هذا عن حالِ المشركين، والنبيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِهِم في مكَّةَ، وهذا أصلًا لا جهادَ فيه، حتى نقولَ: إن هذا من بابِ النَّسْخِ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ في المعادِ، لفصلِ القضاءِ، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ]، والجملةُ ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيها حصرٌ طريقُهُ تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ.

стр. 150

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: وجوبُ الدعوةِ إلى توحيدِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾، وتقديمُ المعمولِ يدلُّ على الإهتمامِ به. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّه يَجِبُ عَلَى المرءِ أن يستقيمَ كما أُمِرَ؛ فلا يُحْدِثُ في دينِ اللهِ ما ليس منه؛ لقولِهِ: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يجوزُ توجيهُ الأمرِ لمن كان متصفًا به من قبلُ، من أجْلِ الثباتِ عَلَيْهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ استقام كما أُمِرَ من حين ما أُرْسِلَ، بل من حين ما بُعِثَ؛ لكن المرادَ بذلك الثبوتُ على هذا الشيءِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ النَّبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - عبْدٌ مأمورٌ، يُوجَّهُ إليه الأمرُ، وليس له من الأمرِ شيءٌ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهنا قال: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّدُّ على أولئك القومِ الذين يدَّعون أنَّ للنبيِّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - تصرُّفًا في الكونِ، وتدبيرًا له، ومن بابِ أَوْلَى، أن يكونَ فيها رَدٌّ على القائلين بأنَّ من دون الرسولِ ﵊ له تَصَرُّفٌ في الكونِ؛ كقولِ الرَّافضةِ وبعضِ الصوفيَّةِ الذين يَدَّعونَ أنَّ من أئمَّتِهم من يَتَصَرَّفُ في الكونِ، وأولئك الصوفيَّةُ يَدَّعُونَ أن من أقطابِهِم من يتصرَّفُ في الكونِ، فهؤلاء - لا شكَّ - ضالُّونَ مُشْرِكُونَ باللهِ . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: النهيُ عن اتِّباعِ الهَوَى؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. فإن قال قائلٌ: هل اتباعُ الهوى محمودٌ أو مذمومٌ؟

стр. 151

فالجوابُ: أما ما كان موافقًا للشريعةِ فهو محمودٌ، ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أنه قال: "لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يكونَ هواه تبعًا لما جئتُ به" (١). وأما ما خالفَ الشريعةَ فإنه مذمومٌ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تثبيتُ اللهِ ﵎ لنبِيِّهِ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - لأنَّ مِثلَ هذه الأوامِرِ والنواهي تؤيِّدُهُ وتُثَبِّتُه وتُقَوِّيه. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وجوبُ الإيمانِ بكلِّ ما أَنْزَلَ اللهُ من كتابٍ؛ لقولِهِ: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]، ولكن كيف يكونُ الإيمانُ بالكتبِ السابقةِ؟ الإيمانُ بالكتبِ السابقةِ يكونُ بالإيمانِ بأنَّها نازلةٌ من عند اللهِ حقًّا، وأمَّا اتِّباعُها؛ فإنَّه منسوخٌ بهذه الشريعةِ التي جاء بها مُحَمَّدٌ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ -. فإن قال قائلٌ: وهل نُؤْمِنُ بأنَّ الكتُبَ التي في أيدي النَّصارى واليهودِ الآن هي الكتبُ النازلةُ على أنبيائِهِم؟ فالجوابُ: لا؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكر أنهم حرفوها وأَخْفَوْا كثيرًا منها، فلذلك لا ثِقَةَ لنا بما عندهم من الكتبِ التي يَزْعُمُونها كُتُبَ اللهِ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وجوبُ العدلِ؛ لقولِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في كلِّ معاملةٍ، بل حتى في مُعاملةِ اللهِ فإنَّ الواجبَ العدلُ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، ولمَّا بَعَثَ النبيُّ ﷺ عبدَ اللهِ بْنَ رواحةَ إلى اليهودِ في خَيْبَرَ، من أجْلِ مُقاسمَتِهِم جَمْعَهُم وقال لهم: إني أتيت مِن عِندِ أحبِّ الناسِ إليَّ، وإنكم لأبغضُ إليَّ من عدَّتِكم من القردةِ والخنازيرِ،

стр. 152

وليس حُبي إيَّاه وبغضي إياكم بمانِعي من أن أقومَ فيكم بالعَدلِ، فقالوا: بهذا قامتِ السَّمواتُ والأرضُ (١). وقد ذَكَرَ العلماءُ ﵏ أَنَّه لو اجتمع مسلمٌ وكافرٌ في خصومةٍ بَيْنَ يديِ القاضي، فإنَّ الواجبَ عَلَيْهِ أن يَعْدِلَ بينهما في الجلوسِ، وفي النظرِ، وفي الكلامِ. يعني: لا يتكلَّمُ للكافرِ بغلظةٍ وينظرُ إليه شَذْرًا، وإنما يُعامِلُه كما يُعامِلُ المُسْلِمَ؛ لأنَّ العدلَ واجبٌ، ولا يَجوزُ في مقامِ الحُكمِ أن نُفَرِّقَ بيْنَ فلانٍ وفلانٍ؛ ولهذا قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إعلانُ ما به الإلزامُ للخصمِ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾؛ يعني: وإذا كان رَبَّنا وربَّكُم فالواجبُ أن ننقادَ جميعًا لأوامِرِه. فإن قال قائلٌ: وهل اللهُ تعالى رَبُّ للكافرين؟ فالجوابُ: نعم، ربُّ كلِّ شيءٍ، لكن لا يُضافُ إليه فيقالُ ربُّ الكافرين كذا، اللهمَّ إلا في مقامِ الإحتجاجِ؛ لأَنَّه وإن كان اللهُ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، وربُّ كلِّ شيءٍ، لكن لا ينبغي أن تُضَافَ رُبُوبِيَّتُه وخَلْقُهُ إلى أقبحِ خَلْقِه، كما أننا نَعْلَمُ أنه رَبُّ الكلابِ، وربُّ الخنازيرِ، وربُّ القردةِ، وما أَشْبَهَ ذلك، لكن لا نقولُ: ربُّ القردةِ، وربُّ الكلابِ، وما أَشْبَه ذلك، وهذه نُقْطَةٌ قد لا يَتَفَطَّنُ لها بعضُ الناسِ، وهو الأدبُ في التعبيرِ. ويُذْكَرُ أن أحدَ الملوكِ رأى في المنامِ أنَّ أسنانَه ساقطةٌ، فدعا مُعبِّرًا يَعْبُرُ الرؤيا، فَعَبَرَها هذا العابرُ أنَّ حاشيتَه تموتُ وأهْلَه؛ لأنَّ الإنسانَ بأسنانِه يتغذى ويحفظُ

стр. 153

حياتَهُ، فأمر بسَجْنِه. ثم إنه دعا عابرًا آخرَ فقال له: إنَّك أطولُهُم عُمرًا. فَأَكْرَمَه وارتاح لقولِهِ. والمعنى واحدٌ؛ لأنَّه إذا مات أهلُه قَبْلَه صار أطولَهُم عمرًا، لكن التعبيرَ يختلفُ هنا ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أضاف ربوبِيّتَه إلى الكافرين، لكن في مقامِ الإحتجاجِ؛ ثم إنه يُسَهِّلُ الأمرَ، أنه قال: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ لإفادةِ العمومِ. مسألة: من الغلطِ العظيمِ الرجوعُ إلى الكتبِ التي تَعْبُرُ الرؤيا، وهو غلطٌ لأنَّ الرؤيا تختلفُ باختلافِ الرائي واختلافِ المرئيِّ الذي رُئِيتَ فيه ... إلخ، ومن الناسِ مثلًا من يرى أنه يؤذِّنُ فنفسِّرُ له الأذانَ بأنه سيحُجُّ؛ لقولِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، ومن الناسِ من يرى هذه الرؤيا ونقولُ: إنه سارقٌ ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] على حسبِ الحالِ. إذن لا يجوزُ أن نرجعَ إلى كتبِ التعبيرِ حتى نَنْظُرَ في كلِّ قضيَّةٍ بعيْنِها، ثم إن عَبْرَ الرؤيا في الواقعِ ليس سببُها العلمَ، قد يكونُ إنسانًا من أعلمِ الناسِ ولا يَعْرِفُ أن يَعْبُرَ الرؤيا، وقد يكونُ من عوامِّ الناس وَيعْبُرُها وتقعُ كما عَبَرَ؛ إذنْ لا نعتمدُ على هذه الكتبِ، لكن إن كان فيها قواعدُ عامَّةٌ يستعينُ بها الإنسانُ فهذا يُمْكِنُ أنْ نَرْجِعَ له. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ اللهَ سوفَ يَجْمَعُ بَيْنَ الناسِ يومَ القيامةِ ويَحْكُمُ بينهم، فيما كانوا فيه يختلفون؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ المَرْجِعَ إلى اللهِ خاصَّةً؛ لقولِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ لكن في أيِّ شيءٍ؟ هل معناه إليه المصيرُ يومَ الحسابِ، أو إليه المصيرُ في كلِّ شيءٍ؟ الجوابُ: الثاني، إليه المصيرُ في كلِّ شيءٍ، إن أردنا الحكمَ الشرعيَّ فالمصيرُ

стр. 154

إلى اللهِ، أو الحكمُ القدريُّ فالمصيرُ إلى اللهِ، أو الحُكْمُ في الدنيا فالمصيرُ إلى اللهِ، أو الحكمُ في الآخرةِ فالمصيرُ إلى اللهِ، فكلُّ شيءٍ فإن مصيرَهُ إلى اللهِ . يتفرَّعُ على هذه القاعدةِ: أن الإنسانَ لا يرجو، ولا يخافُ، ولا يدعو إلا اللهَ وحده لا شريكَ له، ولا يستغيثُ إلا باللهِ، ولا يستعينُ إلا به. * * *

стр. 155

الآية (١٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦]. * * * الإعرابُ: (الذين يُحاجون) مُبتدأٌ، و ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ مبتدأٌ ثانٍ، و ﴿دَاحِضَةٌ﴾ خبرُ المبتدأِ الثاني، والمبتدأُ الثاني وخبرُهُ في محلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ الأوَّلِ. ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يُجادلون فيه، قال المُفسِّر ﵀: [في دين الله]، يعني: يُحَاجُّونَ في دِينِ اللهِ، والصوابُ: العمومُ، فالمحاجَّةُ في اللهِ تَشْمَلُ المحاجَّةَ في دِينِهِ، والمحاجَّةَ في أسمائِهِ وصفاتِهِ، والمحاجَّةَ في ذاتِهِ؛ لأنَّ الآيةَ عامَّةٌ في اللهِ، والمُحاجَّةَ أيضًا في قَدَرِهِ؛ فكوْنُنَا نخُصُّها في دينِ اللهِ، فيه نظرٌ حتى لو قُدِّر أنَّ الذين يُحاجُّونَ إنما يحاجُّونَ في الدِّينِ، ويقولون: إنه ليس بصحيحٍ، فأَخْذُها بالعمومِ أَوْلَى؛ لأنَّ العِبْرَةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ. قال المُفسِّر ﵀: [نَبِيَّهُ] مفعولٌ ﴿يُحَاجُّونَ﴾، يعني: كأنه قال: من يحاجُّونَ؟ فيقالُ: نَبِيَّهُ. وهذا أيضًا فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تقييدَ المحاجَّةِ في اللهِ مع النبيِّ ﷺ غيرُ صحيحةٍ؛ لأنَّهم يُحاجُّونَ نبيَّ اللهِ، ويحاجُّونَ غيرَهُ أيضًا، فإطلاقُ الآيةِ أوْلى. ويقولون: إنَّ حَذْفَ المفعولِ يفيدُ العمومَ، فإبقاءُ الآيةِ على ما هي عليه هو الأوْلى.

стр. 156

إذن: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: يحاجُّون كلَّ من يجادلُهُم في اللهِ وأيضًا ليس بدِينِ اللهِ فقط، بل في دينِ اللهِ، وذاتِ اللهِ، وكلِّ ما يتعلَّقُ باللهِ . وقولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ يعني: من بَعْدِ ما استجاب له مَنْ مَنَّ اللهُ عليهم بالإستجابةِ. وهذه الجملةُ كإقامةِ البرهانِ على هؤلاء. قال المُفسِّر ﵀: [﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمانِ، لظهورِ معجزتِهِ، وهم اليهودُ]. هذا قولُهُ: [﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمانِ] صحيحٌ، وقولُهُ: [لظهورِ معجزتِه] بناءً على أنهم يحاجُّونَ النبيَّ ﷺ وإذا قُلْنَا بالعمومِ؛ فلا حاجةَ إلى هذا القيدِ. وقولُهُ: [وهم اليهودُ] أيضًا فيه نظرٌ، بل نقولُ: كلُّ من يحاجُّ في اللهِ، حتى المشركون من قريشٍ وغيرُهُم حاجَّهُمُ النبيُّ ﷺ أليسوا يخاصمونه دائمًا، ويستهزئون به، ويَسْخَرون منه؟ فتقييدُ هذا أيضًا باليهودِ فيه نظَرٌ. فصار عندنا الآن أشياء في هذه الآيةِ؛ خَصَّصَها المُفسِّر بشيء: الأوَّلُ قَوْلهُم: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ وهو أعمُّ، والثاني: نَبِيُّهُ، وهو كذلك أعمُّ. قولُهُ: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نقولُ: داحضةٌ باطلةٌ، لكنَّ الدحوضَ أشدُّ البطلانِ. يعني: باطلةٌ بطلانًا لا فوقه، ﴿دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فلا تنفعُهم، وسيأتي - إن شاء اللهُ - بيانُ هذا في فائدةِ قولِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. قولُهُ: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ عليهم غضبٌ من اللهِ ومن أولياءِ اللهِ، ولهذا لم يقيِّدِ الغضبَ بكونِهِ من اللهِ؛ لإفادةِ العمومِ. وتأمَّلْ سورةَ الفاتحةِ حيث قال اللهُ : ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] لأنَّ النعمةَ من اللهِ، وإضافتَها

стр. 157

إلى الرَّبِّ ثناءٌ ومَدْحٌ للهِ، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يَقُلْ غيْرَ الذين غَضِبْتَ عليهم، بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ ليَشْمَلَ غضبَ اللهِ، وغضبَ أوليائِهِ من الأنبياءِ والصِّدِّيقِينَ والشهداءِ والصالحين، ولئلا يُسْنِدُ اللهُ الغضبَ إلى اللهِ في هذا المقامِ؛ وإلا فإنَّ الغضبَ قد أُسْنِدَ إلى اللهِ تعالى في قولِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]. وقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قويٌ، قد يكونُ في الدنيا، وقد يكونُ في الآخرةِ، وقد يكونُ فيهما. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ بُطلانِ جميعِ الحُجَجِ المُخالفةِ لدينِ اللهِ، لقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ أولئك المُحَاجِّينَ لا وَجْهَ لمُحَاجَّتِهم؛ لأنَّ الحقَّ قد بان، وقَبِلَه الناسُ؛ لقولِهِ: ﴿مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بطلانُ حُجَجِ أهلِ الباطلِ؛ لقولهِم: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤلاء المُبْطِلِين وإن غَلَبوا أهلَ الحقِّ في الظاهِرِ؛ فإنَّ حُجَّتَهُم عندَ اللهِ لا تنفعُهم، بل هي باطلةٌ، وهذا من فوائدِ قولِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ لأنَّ حُجَّةَ الكافرِ والمُبْطِلِ قد لا تندحضُ أمام الناسِ، قد يكونُ الذي حاجَّه ضعيفًا في عِلْمِه، أو فَهْمِه، أو في خصومتِه؛ لكن مهما كان فهي عند اللهِ باطلةٌ، بل داحضةٌ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الغضبِ للهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾. فإن قال قائلٌ: كيف تُثْبِتُ الغضبَ للهِ وهو لم يُضَفْ إلى اللهِ هنا، بل قال

стр. 158

وعليهم غضبٌ وهو نكرةٌ، فكيف تُثْبِتُه للهِ؟ فالجوابُ: أن السياقَ يُعَيِّنُ هذا؛ لقولِهِ: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وإذا دحضت عند رَبِّهم فلا يرضى اللهُ عنهم بل يغضبُ. هذا وجهٌ، الوجهُ الثاني: أنَّ اللهَ تعالى قد أَثْبَتَ لنفسِه الغضبَ في آياتٍ أخرى. إذن: يصحُّ أن نُثْبِتَ الغضبَ للهِ بهذه الآيةِ الكريمةِ، وإنما أوردْتُ هذا الإيرادَ؛ لأنَّه لا يجوزُ لنا أن نُثْبِتَ للهِ إلا ما أضافه لنفْسِه. وانظرْ إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، هل يُمْكِنُ أن نُثْبِتَ للهِ الساقَ في هذه الآية؟ لا يجوزُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يُضِفْه إلى نفْسِه، بل قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾. ولهذا رُوِيَ عن ابْنِ عباسٍ ﵄ أنه فَسَّرَها بقولِهِ: (عن شدَّةٍ) (١). ولكننا نقولُ: هذه الآيةُ لا نستطيعُ أن نُثْبِتَ منها الساقَ لرَبِّنا لأنَّ ظاهرَها خلافُ ذلك، لكن سياقَها يُوافقُ حديثَ إثباتِ الساقِ للهِ حيثُ جاء مُصَرَّحًا به، أن اللهَ تعالى يكشفُ عن ساقِهِ، وحينئذٍ نقولُ: ما دام سياقُ الآيةِ مطابقًا لسياقِ الحديثِ؛ فإن النبيَّ ﷺ أعلمُ الناسِ بتفسيرِ كتابِ اللهِ، وإلا فلا يجوزُ أن نُثْبِتَ للهِ ما لم يُضِفْه إلى نفْسِه. الخلاصةُ: أنه يُستفادُ من هذه الآيةِ إثباتُ الغضبِ للهِ، والسياقُ يدلُّ عليه، وهو ليس ممتنعًا على اللهِ بدليلِ ثبوتِهِ صريحًا في آياتٍ أخرى.

стр. 159

فإن قال قائلٌ: بماذا تُفَسِّرُون الغضبَ؟ فالجوابُ: نُفَسِّرُ الغضَبَ: بأنه صفةٌ للهِ لائقةٌ به، وليس كغضبِ المخلوقين. فإن قال قائلٌ: ما قوُلكُم فيمن يُفَسِّرُ غضبَ اللهِ بانتقامِهِ، فيقولُ: غَضِبَ بمعنى انْتَقَمَ، أو بمعنى أرادَ الإنتقامَ؟ فالجوابُ: نقولُ هذا غلطٌ خطأٌ يُبطلُه أدلةٌ: أولًا: أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، ومعنى: ﴿آسَفُونَا﴾ أغضبونا فـ ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ فجعل الإنتقامَ مُرتَّبًا على الغضبِ؛ فهما متباينان. ثانيًا: أن نقولَ: إن الغضبَ الذي نُثْبِتُه للهِ ليس كغضبِ المخلوقِ، إذا غَضِبَ أساء التصرُّفَ، ولم يَتَصَرَّفْ تَصَرُّفَ الحكيمِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا غَضِبَ تكلَّمَ بكلامٍ يندمُ عليه، وفَعَلَ أفعالًا يَنْدَمُ عليها، رُبَّما يُطَلِّقُ زوجاتِهِ ربما يُوقِفُ أملاكَهُ، ربما يُحَرِّرُ عبيدَه من شدةِ الغضبِ، لكنَّ غضبَ اللهِ ينتفي عنه ذلك غايةَ الإنتفاءِ، فهو حكيمٌ وإن غَضِبَ . فإن قال قائلٌ: هل الغضبُ صفةُ مدحٍ أو صفةُ عيبٍ؟ فالجوابُ: الغضبُ صفةُ مدحٍ في محلِّها؛ لأنَّه يدلُّ على قوةِ الغاضِبِ وقُدرتِه على الإنتقامِ، بخلافِ الحزْنِ، ولهذا لا يُوصَفُ اللهُ بالحزنِ؛ لأنَّه صفةُ ذمٍّ، وإنما يوصَفُ بالغضبِ بما يدلُّ على قدرته على الإنتقامِ، انظرْ مَثلًا إلى رجلٍ أساء إليه ابنُه، فإنه يغضبُ ويؤدِّبُه، وانظرْ إلى شخصٍ ضعيفٍ أساء إليه رجلٌ قويٌّ فإنه يَحْزَنُ، ولا يستطيعُ أن يَغْضَبَ، ماذا يفعلُ إذا غَضِبَ؟ فرجلٌ مِثْل الجَمَل بقوةِ الفيلِ

стр. 160

يضربُ شخصًا يكونُ قَدْرَ فَخِذِه، وضعيفًا، هذا يَغْضَبُ؟ وماذا يفعلُ له غضبُه؟ ! فالغضبُ لا يكونُ إلا من قادرٍ على الإنتقامِ، ولهذا نقولُ: إن الغضبَ في محلِّهِ صفةُ مدحٍ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ هؤلاء - والعياذُ باللهِ - مع الغضبِ لهم عذابٌ شديدٌ، فيَجْمَعُون بين غضبِ اللهِ عليهم وبين عذابِهِ الشديدِ. * * *

стр. 161

الآية (١٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]. * * * قال اللهُ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿الْكِتَابَ﴾ القرآنُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بِـ ﴿أَنْزَلَ﴾]. أولًا: قولُ المُفسِّر: [﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآنُ] فيه نظرٌ؛ وهو أن الكتابَ أعمُّ من القرآنِ؛ بدليلِ قولِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، التي سُقْنَاها تطابقُ هذه الآيةَ التي معنا، والمُفسِّر خصَّ الكتابَ بالقرآنِ، وفيه نظرٌ، بل الصوابُ أن المرادَ بالكتابِ كلُّ كتابٍ أَنْزَلَه اللهُ فـ (أل) هنا للجنسِ، وقولُهُ ﵀: [﴿بِالْحَقِّ﴾ يقولُ المُفسِّر: متعلِّقٌ بِـ ﴿أَنْزَلَ﴾] وعلى هذا يكونُ المعنى: أن نزولَ هذه الكتبِ من عندِ اللهِ حقٌّ. ولكنا نقولُ: الآيةُ أعمُّ مما قال المُفسِّر، فهي نازلةٌ بالحقِّ، يعني أنَّهَا نزلتْ حقًّا من عندِ اللهِ، وهي أيضًا متصفةٌ بالحقِّ؛ بمعنى أنها جاءت بالحقِّ، والفَرْقُ بَيْنَ المعنَيَيْن ظاهرٌ؛ لأنَّها على ما فَسَّرْنا تتضمَّنُ أن هذه الكتبَ حقٌّ من عندِ اللهِ، وأن ما جاءت به هذه الكتبُ فهو حقٌّ، فتكونُ الباءُ هنا على كلامِ المُفسِّر تكونُ للتَّعْدِيَةِ، وعلى ما قلنا: تكونُ للتعديةِ والمصاحبةِ أو للملابَسَةِ.

стр. 162

وقوله: ﴿بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [العدْلُ] وعَبَّرَ عن العدلِ بالميزانِ؛ لأَنَّه يُعْرَفُ به العدلُ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أيْ ما يعلمك] أَيُّهَا المخاطَبُ ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي: إتيانُها قريبٌ، وعَبَّرَ المُفسِّر بقولِهِ: [أي إتيانَها] ليطابِقَ قولَهُ: ﴿قَرِيبٌ﴾؛ لأنَّ قريبٌ مُذَكَّرٌ والساعةَ مؤنثٌ وكان مقتضى ذلك أن يقولَ: "وما يدريك لعل الساعة قريبة"، لكنه قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ احتاج المُفسِّر أن يُؤَوِّلَ هذا إلى قولِهِ: "إتيانها" حتى يكون مُذَكَّرًا ويكونَ قريبًا مطابِقًا له. إذن فالآيةُ على تقديرِ المضافِ ألجأُ إلى تقديرِهِ أن الخبرَ مُذَكَّرٌ والساعةَ مُؤَنَّثٌ. وقال بعضُ العلماءِ: إن ﴿قَرِيبٌ﴾ صفةٌ يستوي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ؛ كقتيلٍ وجريحٍ، وقال: إن هذا له نظائرُ في القرآنِ منها قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ومنها قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال: فلما اطَّرد تذكيرُها في مواضعَ عدَّةٍ وَجَبَ أن يقال: إن قريبٌ - يعني هذا اللفظَ - يستوي فيه المُذَكَّرُ والمؤَنَّثُ؛ وبناءً على هذا لا نحتاجُ إلى تقديمٍ؛ لأنَّ الأصلَ في الكلامِ عدمُ التقديمِ. وقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ وَصَدَقَ اللهُ الساعةُ مهما طال الزمنُ فهي قريبةٌ، لا من حيث الساعةُ العموميةُ ولا من حيثُ الساعةُ الخصوصيَّةُ. الساعةُ الخصوصيَّةُ ساعةُ كلِّ إنسانٍ بحَسَبِه، ساعةُ كلِّ واحدٍ منا قريبةٌ، لو نَبْلُغُ آلافَ السنين؛ لأنَّ ما مضى من سنين كأن لا شيءَ، الآن مضى أمسِ القريبُ كأنه لم يَكُنْ، ويومُ ولادتِك كأنه أمسِ. إذن الساعةُ قريبٌ باعتبارِ كلِّ إنسانٍ بنفْسِه، وكذلك الساعةُ الكبرى هي قريبةٌ أيضًا ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ

стр. 163

السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ولذلك من عباراتِ الناسِ: "كلُّ آتٍ قريبٌ، وكلُّ ماضٍ بعيدٌ". قال المُفسِّر ﵀: [و ﴿لَعَلَّ﴾ معلقٌ للفعلِ عن العملِ، وما بعده سدَّ مسدَّ مفعولين]. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ تَنْصِبُ ثلاثةَ مفاعيلَ: المفعولُ الأولُ موجودٌ، وهو قولُهُ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾. والمفعولُ الثاني والثالث تَنْصِبُه، ولكنه عُلِّقَ عن العملِ بالإتيانِ بـ ﴿لَعَلَّ﴾؛ لأنَّ (لعل) موجِبةٌ لتعليقِ أفعالِ القلوبِ عن العملِ، فتسدُّ مسدَّ المفعوليْنِ. فـ ﴿لَعَلَّ﴾ معلِّقٌ للفعلِ عن العملِ، والفعلُ المعلَّقُ هو ﴿يُدْرِيكَ﴾ وما بَعْدَه، أي ما بَعْدَ ﴿لَعَلَّ﴾ سدَّ مسدَّ المفعوليْنِ، والذي بَعْدَ ﴿لَعَلَّ﴾ هو ﴿السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيكونُ هنا ﴿لَعَلَّ﴾ عَلَّقَتْهَا عن العملِ؛ أي أَبْطَلَتْ عَمَلَها لفظًا دونَ المحلِّ، والمعلِّقاتُ كثيرةٌ، ذَكَرَها ابنُ مالِكٍ ﵀ في الألفيَّةِ فَلْيُرْجَعْ إليها. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: علوُّ اللهِ ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القرآنَ كلامُ اللهِ؛ لأنَ القرآنَ كلامٌ وإذا أضيفَ إنزالُهُ إلى أحدٍ صار كلامًا له وصفةً من صفاتِهِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الكتبَ التي أَنْزَلهَا اللهُ نازلةٌ بحقٍّ فليس فيها باطلٌ، الباطلُ في الأخبارِ هو الكذبُ، والباطلُ في الأحكامِ هو الظُّلمُ والجَوْرُ والفسادُ، فكلامُ اللهِ ليس فيه كذبٌ وليس به ظلمٌ ولا جورٌ ولا فسادٌ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنها نازلةٌ من عندِ اللهِ حقًّا؛ لقولِهِ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ وذَكَرْنا في معناها وَجْهَيْنِ.

стр. 164

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتَ القياسِ؛ لقولِهِ: ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ لأن الميزانَ ما تُوزَنُ به الأشياءُ ويُقَارَنُ بينها، ففيه إثباتُ القياسِ في الشرائعِ السَّماويَّةِ، وهذه المسألةُ - أعني مسألةَ القياسِ - أَنْكَرَهَا بعضُ العلماءِ، ولا سِيَّما الظاهريَّةُ - عفا اللهُ عنا وعنهم - وإنكارُهُم هو المُنْكَرُ؛ لأنَّ القياسَ جاء في الكتابِ والسُّنَّةِ، فهنا ذُكِرَ الميزانُ، والميزانُ ما تُوزَنُ به الأشياءَ وهذا لا يكونُ إلا بالقياسِ. واعلم أن كلَّ مثلٍ ضَرَبَه اللهُ في القرآنِ فإنه مُثْبِتٌ للقياسِ؛ لأنَّ المقصودَ به قياسُ هذه الحالِ على هذه الحالِ، فقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٢٤]، إلخ. عندنا هنا مُشَبَّهٌ وَمُشَبَّهٌ به، والتشبيهُ يقتضي المماثلةَ وإلحاقَ المُشَبَّهِ بالمشبَّهِ به، وهذا تمامًا هو القياسُ، وهذه خذها قاعدةً: كلُّ مثلٍ في القرآنِ فإنه يتضمَّنُ إثباتَ القياسِ. وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، هذا فيه قياسُ أولويَّةٍ، ورسولُ اللهِ - صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - ذَكَرَ القياسَ في عدةِ أحاديثَ منها أنه شَبَّهَ قضاءَ الحجِّ عن الميِّتِ بقضاءِ الدَّيْنِ، ومنها أن رجلًا جاء إليه وقال: يا رسولَ اللهِ إن امرأتي وَلَدَتْ غلامًا أسودَ وهو والمرأةُ أبيضان فقال له النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "هل لك من إِبِلٍ؟ " قال: نعم قال: "ألوانُها؟ " قال: حُمْرٌ قال: "هل بها من أَوْرَقَ؟ " قال: نعم، قال: "أنى لها ذلك؟ " ما الذي جاء بالأوْرَقِ؟ قال: يا رسولَ اللهِ، لَعَلَّه نَزَعَه عِرْقٌ قال: "فوَلَدُكَ - أو قال: فابنُك - هذا لعلَّه نَزَعَه عِرْقٌ" (١).

стр. 165

فإثباتُ القياسِ لا بدَّ منه، ولا يُمْكِنُ أن تتوسَّعَ الشريعةُ إلا بالقياسِ؛ لأنَّ أكثرَ الحوادثِ لم يوجَدْ بعينِهِ في النصوصِ لكن وُجِدَتْ قواعدُ وأصولٌ تَرْجِعُ إليه هذه الحوادثُ في حُكْمِها. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارةُ إلى قُرْبِ الساعةِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، وسَبَقَ في التفسيرِ أنَّ المرادَ بالساعةِ الساعةُ العظمى الكبرى والساعةُ الصغرى، وهي موتُ كلِّ إنسانٍ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن النبيَّ ﷺ لا يَعْلَمُ متى تقومُ الساعةُ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي ما يُعْلِمُكَ؟ وهذا حقٌّ ثابتٌ "فإن جبريلَ ﵇ سأل النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - قال: أَخْبِرْنِي عن الساعةِ، فقال: "ما المسؤولُ عنها بأعلمَ من السائلِ" (١)؛ يعني: كما أنك أنت تَجْهَلُها فأنا أَجْهَلُها. ولهذا من ادَّعَى علمَ الساعةِ فإنه كاذبٌ مكذَّبٌ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ علوِّ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ والمرادُ بالكتابِ هنا كلامُهُ الذي أوحاه إلى رُسُلِهِ. وَجْهُ الدلالةِ: أنَّ النزولَ يكونُ من الأعلى إلى الأسفلِ، وعلوُّ اللهِ ثابتٌ بالقرآنِ والسُّنَّةِ والإجماعِ والعقلِ والفطرةِ، كلُّ الأدلةِ الممكنةِ حاصلةٌ لإثباتِ علوِّ اللهِ ، وهل العلوُّ علوٌّ ذاتيٌّ أو علوٌّ وصفيٌّ؟ بمعنى أن عُلُوَّه علوُّ صفةٍ أو علوُّ ذاتٍ وصفةٍ؟

стр. 166

الجوابُ: الثاني ذاتٌ وصفةٌ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقولُهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ﴾ [النحل: ٦٠] يعني الوصفَ الأعلى. إذن فعلوُّ اللهِ علوُّ ذاتٍ وعلوُّ صفاتٍ، علوُّ الصفةِ لا أعلمُ أحدًا ينتسبُ إلى الإسلامِ أَنْكَرَهُ، كلُّ المُنْتَسِبِين إلى الإسلامِ من مُبْتَدِعَةٍ وسُنِّيِّةٍ كُلُّهُم يؤمنون بعلوِّ اللهِ تعالى علوَّ صفةٍ؛ وهنا تختلفُ الأفهامُ فبعضُهُم يقولُ: من علوِّ صفتِه تعطيلُ صفاتِهِ! ! . أمَّا علوُّ الذاتِ فهذا محلُّ المُعْتَرَكِ بيْنَ السُّنّيِّينَ والبِدْعِيِّينَ، انقسمَ الناسُ فيه إلى ثلاثةِ أقسامٍ: ١ - قِسْمٍ أَثْبَتُوه. ٢ - وقسمٍ نَفَوْهُ وقالوا: إنَّ اللهَ تعالى لا يُقالُ: إنه فوقَ ولا تحتَ. ٣ - وقسمٍ: نَفَوْهُ وقالوا: إنه في كلِّ مكانٍ في السماءِ، وفي الأرضِ، في الأسواقِ، في المساجِدِ في المراحيضِ، وأعوذُ باللهِ في كلِّ شيءٍ. إذن فالأقوالُ ثلاثةٌ: القولُ الأوَّلُ: علوُّ اللهِ تعالى بذاتِهِ، أنه بذاتِهِ فوقَ كلِّ شيءٍ، دلَّ عَلَيْهِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والعقلُ والفطرةُ، نأخذُ من كلِّ نوعٍ بدليلِ القرآنِ، ما أكثرَ ما يقولُ اللهُ في كتابِهِ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ [سبأ: ٢٣] والعليُّ هنا صفةٌ مُشَبَّهَةٌ، والصفَةُ المُشَبَّهَةُ صفةٌ ثبوتيَّةٌ لا تفارقُ مَوْصُوفَها. ويقولُ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ الأعلى اسمُ تفضيلٍ حُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ؛ ليَدُلَّ على العمومِ يعني الأعلى على كلِّ شيءٍ، ونكتفي بهذا وإلا ففي القرآنُ

стр. 167

ما لا يحصى على وجوهٍ متنوعَةٍ. أما في السُّنَّةِ: كان النبيُّ ﵊ إذا سَجَدَ يقولُ: "سبحانَ رَبِّيَ الأعلى" (١)، وقد دلَّتِ السُّنَّةُ القَوْلِيَّةُ والفعليَّةُ والإقراريَّةُ على علوِّ اللهِ : فقولُ الرسولِ ﵊: "سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعلى" هذا سُنَّهٌ قَوْلِيَّةٌ. وقولُهُ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - للجاريَةِ: "أين اللهُ؟ " قالت: في السماءِ، قال: "أَعْتِقْهَا فإنها مؤمنةٌ" (٢)، هذه إقراريَّةٌ. ورَفْعُ يَدهِ إلى السماءِ عندَ الدعاءِ (٣) وهو يدعو اللهَ يا ربِّ، سُنَةّ فعليّة، وقد جَرَتِ السُّنَّةُ الفعليَّةُ في أكبرِ اجتماعٍ حَصَلَ للنبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - مع أصحابهِ، وذلك في يومِ عَرَفَةَ حين قال: "ألا هل بَلَّغْتُ؟ " قالوا: نعم قال: "اللهمَّ اشْهَدْ" (٤)، "اللهُمَّ" إشارةٌ إلى علوِّ اللهِ. "اشْهَدْ" هذا سُفْلٌ عُلُوٌّ، سُفْلٌ للخَلْقِ وعُلُوٌّ للخالِق؛ قال: "ألا هل بَلَّغْتُ؟ " قالوا: نعم قال: "اللهُمَّ اشْهَدْ" ثلاثَ مراتٍ. يُشْهِدُ اللهَ على إقرارِ أُمَّتِه بأنَّه بَلَّغَ. ونحن واللهِ نَشْهَدُ أنه بَلَّغَ البلاغَ المُبينَ، وأنه عانى من أَجْلِ ذلك أكبرَ عناءٍ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عَلَيْهِ، هذه سُّنَّةٌ فِعْلِيَّةٌ، إذن السُّنَّةُ بجميعِ أنواعِها كلها دَلَّتْ على علوِّ اللهِ.

стр. 168

أما الإجماعُ: إجماعُ الصحابةِ وأئمَّةِ المسلمين من بَعْدِهِم على علوِّ اللهِ. فإن قال قائلٌ: أَثْبِتْ لي قولًا واحدًا عن أبي بكرٍ أو عمرَ أو عثمانَ أو عليٍّ على أنهم قالوا: إن اللهَ عالٍ بذاتِهِ؟ ! . قلنا: إن هؤلاء يقرؤون القرآنَ ويَعْرِفُونَ من السُّنَّةِ ما عَرَفوا، ولم يَرِدْ عنهم حرفٌ واحدٌ يدلُّ على نقيضِ ما جاء في القرآنِ، وكفى بذلك دليلًا. لو كان عندهم معارضةٌ لوَرَدَ عنهم خلافُ ما في القرآنِ، وهم يقرؤون القرآنَ وهم عَرَبٌ يعرفون المعنى ويعرفون المرادَ. وهذا من أحسنِ ما يكونُ في تقريرِ إجماعِ الصحابةِ، يعني إذا أتاك إنسانٌ وقال لك: يا أخي أَثْبِتْ لي قولًا واحدًا عن الصحابةِ أنهم آمنوا بعلوِّ اللهِ بذاتِهِ، أقولُ: لا يحتاجُ أن أُثْبِتَه، قرؤوا القرآنَ، وعَلِمُوا من السُّنَّةِ ما عَلِموا ولم يَرِدْ عنهم حرفٌ واحدٌ يقولون فيه: إن اللهَ ليس في السماءِ أبدًا ولا إنه بذاتِهِ في كلِّ مكانٍ وهذا إجماعٌ. هكذا كلُّ الصفاتِ لم يَرِدْ عن الصحابةِ ما يناقضُها، فهو دليلٌ على إجماعِه. فإن قال قائلٌ: العقلُ هل يَدُلُّ على عُلُوِّ اللهِ؟ فالجوابُ: نعم يدلُّ على علوِّ اللهِ؛ لأنك لو سألْتَ أيَّ إنسانٍ هل العلوُّ أَكْمَلُ أو السفولُ؟ لقال لك: العلوُّ أكملُ لا شكَّ، حتى في أمورِ الدنيا يقالُ: هذا اللباسُ أعلى من هذا اللباسِ، كلٌّ يَعْرِفُ أن العلوَّ صفةُ كمالٍ، وإذا كان كذلك فالرَّبُّ موصوفٌ بالكمالِ عقلًا؛ ولهذا قال إبراهيمُ لأبيه محتجًّا عَلَيْهِ بدليلِ العقلِ: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، هذا ما يُعْبَدُ، هذا استدلالٌ عقليٌّ.

стр. 169

أيضًا نحن نقولُ: العلوُّ باتفاقِ العقلاءِ صفةُ كمالٍ، والسفولُ باتفاقِ العقلاءِ صفةُ نقصٍ، فحينئذ ثَبَتَ للهِ العُلُوُّ الذاتيُّ عقلًا .. فبَقَيْنا بالفطرةِ، والفطرةُ لا تسألُ، اسألْ عجوزًا تدورُ بالرحى تَطْحَنُ الطحينَ: اسألْها: أين اللهُ؟ وهي ما دَرَسَتِ لا العقيدةَ الواسطيَّةَ ولا الطحاويَّةَ ولا غيرَهُ، اسألْها: أين ربُّكِ؟ تقولُ: في السماءِ ولا تتوقفُ لحظةً؛ لأنَّ هذا أمرٌ مفطورٌ عَلَيْهِ الخَلْقُ. ويقالُ: إن أبا المعالي الجوينيَّ - عفا اللهُ عنا وعنه وهو إمامُ الحرمين - كان يتكلَّمُ على الإستواءِ، ومعروفٌ أن الأشاعرةَ - وهو من أئمةِ الأشاعرةِ - معلومٌ أنهم يُنكرون استواءَ اللهِ على العرشِ، يقولون: استوى على العرش. يعني استولى عليه لا يوجَدُ علوٌّ استولى عليه؛ فقال له أبو جعفرٍ الهَمَذَانِيُّ: يا شيخُ دَعْنا من ذِكْرِ العرشِ - يعني نبحثُ بحثًا آخَرَ - أَخْبِرْنَا عن هذه الفطرةِ ما قال عارفٌ قط: يا اللهُ إلا وَجَدَ من قلبِه ضرورةً لطلبِ العُلُوِّ - كلُّ إنسانٍ يقولُ: يا اللهُ اسألْه: أين يتجهُ قلبُهُ يمينًا أم يسارًا أم فوق؟ الجوابُ: فوق - فجعل يَلْطِمُ على رأسِه حَيَّرَنِي الهَمَذَانيُّ، حَيَّرَنِي الهَمَذَانِيُّ (١). وأُحَدِّثُكُم أنا عن مجلسٍ جمعني بعوامِّ مجلسٍ عاديٍّ مَقْهًى، تَكَلَّمَ أحدُ الطلبةِ في نفسِ المجلسِ وقال: إن أهلَ التأويلِ - يعني أهلَ التحريفِ - يقولون: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] يقولون: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم استولى عليه! ! . فدَعَا علَيه العامِّيُّ - وهو جَمَّالٌ يَحْمِلُ على الجمالِ يسافرُ من بلدٍ إلى آخَرَ -، دعا عليه بدعوةٍ معروفةٍ عندنا في العامِّيَّةِ يقولون: غَرْبَلَه اللهُ غَرْبَلَهُ اللهُ - يعني:

стр. 170

عاقَبَه -؛ العرشُ منه أمْ قَبْل هذا! . فانظرْ - سبحانَ اللهِ! - فِطرة؛ لأنَّه خَلَقَ ثم استوى، إذن: فالفطرةُ تدلُّ عليه. فإن هذه المسألةَ فطريَّةٌ، كالإنسانِ مفطورٌ - لولا أن الشياطينَ اجتالته - على علوِّ اللهِ تعالى بذاتِهِ فوقَ كلِّ شيءٍ. فإذن علوُّ اللهِ دلَّ عَلَيْهِ الكتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والعقلُ والفطرةُ. القولُ الثاني في هذه المسألةِ: أن اللهَ تعالى لا يُوصَفُ بالعلوِّ إطلاقًا. اللهُ في كلِّ مكانٍ، ثم شَبَّهوا بقولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ﴿أَيْنَ مَا﴾ هذه ظرفُ مكانٍ. أي: في أيِّ مكانٍ كُنْتُمْ فاللهُ معكم. قال: اللهُ معك في كلِّ مكانٍ. إذا كنتَ في المسجِدِ يكونُ اللهُ في المسجِدِ، والمرحاضُ كذلك، والسوقُ كذلك، والطائرةُ أيضًا، فهل هذا يقولُه عاقلٌ؟ ويلزمُ من هذا القولِ: أولًا: وصفُ اللهِ بما لا يليقُ أن يكونَ اللهُ في المراحيضِ والحمَّاماتِ والأماكنِ القَذِرَةِ والعاليةِ والسافلةِ. ثانيًا: يلزمُ أحدُ أَمْرَيْنِ إما تَجَزُّؤُ اللهِ، وإما تَعَدُّدُ اللهِ، إن قالوا: بالتعددِ صِحْنَا بهم صيحةً تتقطعُ منها قلوبُهُم، نقولُ لهم: كَفَرْتُمْ وصرْتُم أَعْظَمَ من النصارى الذين قالوا: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وأنتم تقولون: ملايينُ الملايينِ. وإن قالوا: يَتَجَزَّأُ، قلنا: الآن أَبْطَلْتُمْ قولَكم إذا كان يتجزَّأُ وكان مثلًا جزءٌ منه مع فلانٍ وجزءٌ مع فلانٍ، لم يَصِرْ مع فلانٍ وهو يقولُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ولم يَقُلْ: جزءٌ منه معكم. فأنتم الآن خُذِلْتُمْ - والحمدُ للهِ - وهذا واللهِ لا أظنُّ قدمَ مؤمنٍ باللهِ تَثْبُتُ

стр. 171

عليه، لا أظنُّ إنسانًا يؤمنُ باللهِ حقًّا تَثْبُتُ قدمُه على القولِ بأن اللهَ بذاتِه في كلِّ مكانٍ أبدًا. أما ما لبثوا به وشبَّهوا من قولِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ فإننا نقولُ: لا يلزمُ من المعيَّةِ أن يكونَ في نفسِ المكانِ؛ ولهذا العربِ تقولُ في لغتِها: القمرُ معنا ومكانُهُ في السماءِ وهم يقولون: معنا. العربُ تقولُ: المرأةُ مع زوجِها. يعني في عصمتِه، ولو كان هو في أقصى المشرقِ وهي في أقصى المغرِبِ. والقائدُ يوجِّهُ جُنْدَهُ إلى المعركةِ في الميدانِ وهو يقولُ: اذهبوا واغزوا باسمِ اللهِ وأنا معكم، وهو في مكانِهِ، فالمعيَّةُ مدلولهُا واسعٌ لا تستلزمُ الإختلاطَ لا في المكانِ ولا في الذاتِ. إذنِ الحمدُ للهِ هذا القولُ بأنه بذاتِهِ في كل مكانٍ هذا باطلٌ. بَقِيَ لنا القولُ الثالثُ الذي يقولُ: لا تَصِفِ اللهَ أنه معك، ولا أنه فوق، ولا تحت، ولا متصلٌ، ولا منفصلٌ، ولا مبايِنٌ، ولا منحرفٌ، لا تصفِ اللهَ بعلوٍّ، ولا نزولٍ، ولا يمينٍ، ولا يسارٍ، ولا متصلٍ، بالخَلْقِ ولا مبايِنٍ. إذن هو عدمٌ؛ ولهذا قال بعضُ أهلِ العلمِ: لو قيل لنا: صِفَوا العدمَ ما وجدنا أدقَّ من هذا الوصفِ. ولمَّا جيءَ بابنِ فورك إلى الأميرِ محمدِ بنِ سبكتكين ﵀ وهو من الأبطالِ - جيءَ إليه وقال له: صِفْ لنا رَبَّكَ قال: الرَّبُّ ليس بداخلِ العالَمِ ولا خارجَ العالَمِ، ولا يمينٌ ولا يسارٌ، ولا متصلٌ ولا منفصلٌ، قال له: وصفْتَ ربَّكَ بالعدمِ، ولو أردْتَ أن تصفَهُ بالعدمِ ما وجدْتَ أحسنَ من هذا الوصْفِ، وسكت ﵀ (١)؛ فاللهُ على هذا الزعمِ غيرُ موجودٍ، معدومٌ.

стр. 172

نسألُ اللهَ أن يُمِيتَنَا وإيَّاكم على ملَّةِ الإسلامِ وطريقِ الذين أنعم اللهُ عليهم. فالقولُ الذي لا يرتابُ عاقلٌ في صحَّتِه ولا يُمْكِنُ أن يُؤْمِنَ الإنسانُ بسواه - إلا من اجتالته الشياطينُ - هو أن اللهَ عالٍ بذاتِهِ عالٍ بصفاتِهِ، ولا يُمْكِنُ أن تستقرَّ قدمُ مؤمنٍ باللهِ واليومِ الآخِرِ إلا على هذا القولِ. وأنا رأيتُ بعضَ الناسِ الذين تَنْقُصُهُم الدرايةُ ما هو العلمُ إذا رأى إنسانًا يظنُّه من منكري العلوِّ أوَّل ما يُسَلِّمُ يقولُ: السلامُ عليكم .. وعليكم السلامُ، كيف أصبحْتَ؟ أين اللهُ؟ كيف هذا؟ ! هل الرسولُ ﵊ يبدأ الناسَ بقولِهِ: أين اللهُ؟ هذا من الغلطِ أبدًا، ألا ابْسُطْ له القولَ ولا تناقشْهُ أيضًا إلا إذا فتح البابَ، هو مُسْلِمٌ، والأصلُ في الإسلامِ السلامةُ، لا تناقشْهُ إلا إذا فتحَ البابَ أو إذا رأيتَ المسألةَ يعني صَدْرُهُ متسعٌ، وهو نَفْسُه يستطعمُ منك فحينئذ ابدأْ، فالإحسانُ في الدعوةِ والحكمهُ في الدعوةِ أمرٌ مهِمٌّ. فالرسولُ ﵊ ما قال لهذه الجارَيةِ "أين اللهُ؟ " (١) إلا لسببٍ يقتضيه بالنسبةِ لهذه المرأةِ، والأعرابيُّ الذي شهد أنه رأى الهلالَ ماذا قال له؟ قال: "أتشْهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأن محمدًا رسولُ اللهِ؟ " (٢)، ما قال له أين اللهُ، ورسولُ اللهِ ﷺ أعطاه اللهُ الحكمةَ يخاطبُ كلَّ إنسانٍ بما تقتضيه حالُه.

стр. 173

فإن قال قائلٌ: بالنسبةِ للأشاعرةِ هل هم من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ، أم لهم تقسيمان؟ فالجوابُ: أولًا: أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ هم الذين اجتمعوا على السُّنَّةِ وأخذوا بها، والإنسانُ قد يكونُ من أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ في شيءٍ دون آخَرَ، كما أن الإنسانَ يكونُ فيه خصائلُ كفرٍ وخصائلُ إيمانٍ، كذلك يكونُ فيه سُنَّهٌ وبدعةٌ، فالأشعريَّةُ - وأعني بذلك المذهبَ الأشعريَّ - كمذهبٍ ليس على مذهبِ أهلِ السُّنَّةِ؛ لمخالفتِهم إياهم في كثيرٍ من الأشياءِ الأصوليَّةِ المهمَّةِ، كمسألةِ الصفاتِ، ومسألةِ الإيمانِ باليومِ الآخِرِ فيه مخالفاتٌ كثيرةٌ، ومسألةِ الإيمانِ وأعمالِ العبدِ، وغيرِ ذلك، لكن رجلًا من الناسِ نَعْرِفُ صِدْقَه وإخلاصَهُ في دينِ اللهِ ومدافَعَتَه عنه ذَهَبَ إلى قولٍ من أقوالِ الأشعريَّةِ لا نقولُ: إنه أشعريٌّ، بل نقولُ: هو من أهْلِ السُّنَّةِ لكن نقولُ: قال في ما قالت الأشعريَّةُ في كذا وكذا، أيضًا نقولُ: المسلمون الآن انقسموا إلى سُنَّةٍ وشيعةٍ، فباعتبارِ هذا التقسيمِ كلُّ من عدا الرافضةِ فهو سُنِّيٌّ بهذا التقسيمِ فالمسألةُ لها اعتباراتٌ. فإن قال قائلٌ: ائتِني بدليلِ أن الصحابةَ أثبتوا علوَّ اللهِ بذاتِهِ، أو أَنْكَرُوا هذا. فالجوابُ: هذا هو الأصلُ، لكن نحن نريدُ دليلًا ثبوتيًّا، أما الدليلُ السلبيُّ فهذا لا يحتاجُ نقولُ: هاتِ دليلًا على أنهم حَرَّفُوها كما قلتَ، وقد أشرْنا إليها قبل قليلٍ قلنا: إنه لم يَرِدْ عنهم حرفٌ واحدٌ أنهم قالوا: إن اللهَ ليس في السماءِ، ولا داخلَ العالَمِ، ولا خارجَهُ بحدٍّ، كلمةُ حدٍّ، وكلمةُ جسمٍ، وما أشبهَ ذلك من العباراتِ المُبْتَدِعَةِ التي يريدُ بها أهلُ التعطيلِ إلزامَ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ بما لا يليقُ باللهِ، فالحدُّ نوعان، نسألُ: أولًا كلمةُ حدٍّ لمْ تردْ في الكتابِ والسُّنَّةِ لا إثباتًا ولا نفيًا فلتكن جانبًا.

стр. 174

ثانيًا من حيث المعنى إن أردْتَ أن اللهَ محدودٌ بمعنى أنه منحازٌ عن الخلائقِ، ووحده شيءٌ آخرُ، والمخلوقاتُ شيءٌ آخرُ فهذا صحيحٌ، وإن أردْتَ أنه محدودٌ يعني أن شيئًا من المخلوقاتِ أحاط به فهذا باطلٌ، ولا نحتاجُ أن نقولَ: بحدٍّ، ولا بغيرِ حدٍّ، حتى إن بعضَ العلماءِ أَنْكَرَ أن يقولَ القائلُ: استوى على العرشِ بذاتِهِ، لا يحتاجُ أن نقولَ بذاتِهِ، لكن بعضَ السَّلَفِ اضْطُرَّ إلى كلمةِ بذاتِهِ دفعًا للبدعةِ. كذلك: يَنْزِلُ إلى السماءِ الدنيا بذاتِهِ. لا نحتاجُ لكلمةِ بذاتِهِ؛ لأنَّ اللهَ أَضافَ الفعلَ لنفْسِه يَنْزِلُ إلى السماءِ الدنيا، لا يحتاجُ أن نقولَ: بذاتِهِ، معروفٌ من كلمةِ (يَنْزِلُ) أنه هو الذي يَنْزِلُ، لكن احتاجوا أن يقولوا: بذاتِهِ ردًّا على المبتدعةِ الذين قالوا: يَنْزِلُ اللهُ؛ أي: أَمْرُهُ. فقابلوا أَمْرَهُ في ذاتِهِ، وكلمةُ بذاتِهِ صحيحةٌ والتعبيرُ دلَّ عليها، وكلمةُ أَمْرِهِ باطلةٌ. وليُنتبه فإن السلفَ ﵏ أحيانًا يُعَبِّرُونَ بأشياءَ يُضْطَرُّونَ إلى التعبيرِ بها، لكنها لا تخالفُ الحقَّ، وإن كان الأَوْلى تَرْكُها؛ لأنَّ الصحابةَ تركوها، لكن الصحابةَ هل لم تَظْهَرْ عندهم هذه البدعُ؛ ولهذا يقولُ: استوى على العرشِ، يَنْزِلُ إلى السماءِ، يأتي للفصْلِ بَيْنَ عبادِه، ولا يقولُ: بذاتِهِ؛ لأنَّه لم يكن عندهم من يقولُ: إنه يأتي أَمْرُه، أو يَنْزِلُ أمْرُه، أو ما أَشْبَهَ ذلك. فكلمةُ "بذاتِهِ" تحقيقٌ للمعنى، ويُضْطَرُّ الإنسانُ إليها دفعًا لقولِ أهْلِ البدعِ، ليس لأنَّ المعنى لا يتمُّ إلا بها، فالمعنى يَتِمُّ بدونِها، كلُّ فعلٍ أضافه اللهُ إلى نفْسِه فالمرادُ نفْسُه، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ [الشورى: ٢٩]، فلا تَقُلْ: بذاتِه، هو نفْسُه يَنْزِلُ إلى السماءِ لا يحتاجُ إلى قَوْلٍ بذاتِهِ، ما دام يَنْزِلُ؛ أي: هو، أَيْ نَفْسُ اللهِ، يأتي إلى القضاءِ أي هو، وهلمَّ جرًّا ..

стр. 175

لكنَّ السلفَ ﵏ مُضْطَرُّونَ إلى قولٍ لا يُخالفُ المرادَ؛ دفعًا لباطلِ ابتدعه أهلُ البِدَعِ. مثلًا قال اللهُ تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ألا تعلمون أنه لم يَشْتَهِرْ عن السلفِ إلا قولُهُم: هو معهم بِعِلْمِه. قالوا هذا، كما قال عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، نقولُ: هو معهم بعِلْمِه، ولا نقولُ كما يقولُ هؤلاء هو في الأرضِ (١)، فَقَصْدُه معهم بِعِلْمِه ردًّا لمن قالوا: إنه معهم بذاتِهِ. يعني في المكانِ الذي هم فيه. لكن لو رَجَعْنا إلى مدلولِ الآيةِ، بقطعِ النظرِ عن الرَّدِّ على أهلِ البِدَعِ، قلنا: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ كما عرف الله خلق إلى نفْسِه، وهو معهم أي نَفْسُه؛ لكن لا يَلْزَمُ من المعيَّةِ أن يكونَ في الأرضِ، بل هو بالنِّسبةِ للهِ تعالى مُمْتنعٌ غايةَ الإمتناعِ، انتبهوا لهذا، مع أنَّه معنا بعِلْمِه، وسَمْعِه، وَبَصَرِه، وسُلْطَانِه، وتدبيرِه، وكلُّ ما تقتضيه معاني الربوبيَّةِ؛ لكنَّ هناك ظروفًا تلجئُ الإنسانَ إلى القولِ إلى شيءٍ زائدٍ عن النصِّ؛ لتوضيحِ النصِّ، والرَّدِّ على من حَرَّفَه. أرأيتُم التَّسَلْسُلَ مثلًا، التسلسلُ أصولُ الخلافِ فيه ثلاثةٌ: المنعُ في المستقبلِ والماضي، الجوازُ في المستقبلِ والماضي، الجوازُ في المستقبلِ والمنعِ في الماضي. والتسلسلَ في الواقعَ أنه من المُحْدَثاتِ، هل اللهُ لم يَزَلْ ولا يزالُ فعالًا؟ أو كان في الأولِ مُعَطَّلًا عن الفعلِ ثم فَعَلَ؟ هذا واحدٌ. وهل لا يزالُ فعَّالًا؟ أو سيأتي اليومُ الذي تنتهي فيه الخلائقُ، ويفنى كلُّ شيءٍ، هذا اثنان، أو أنَّ اللهَ تعالى لم يزلْ في الماضي، ولا يزالُ في المستقبلِ فعَّالًا. الثالثُ هو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه؛ أنه لم يَزَلْ ولا يزالُ فعَّالًا، لكنَّ فِعْلَه تابعٌ لمشيئتِه، إنْ شَاءَ فَعَلَ، وإن شاء لم يَفْعَلْ. هذا القولُ وهو جوازُ التسلسلِ في الماضي والمستقبلِ هو المُتَعَيَّنُ، الجنَّةُ باقيةٌ أبدًا،

стр. 176

وما يحدُث فيها من النعيمِ مُتسلسلٌ إلى ما لا نهايةَ له، وكذلك النَّارُ. وفي الماضي لم يُخْبِرْنَا اللهُ إلا عن خلقِ السَّمواتِ والأرضِ والعرشِ، وما أَشْبَهَ ذلك، لكن نَعْلَمُ أنَّ اللهَ له أن يَفْعَلَ ما شاء قَبْلَ هذه المخلوقاتِ؛ لأنَّه قادرٌ، والقادرُ على الشيءِ يجوزُ أن يَفْعَلَ، وقولُهُ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، يَشْمَلُ الماضيَ والمستقبلَ، وهذا هو الذي دلَّ عَلَيْهِ الكتابُ والسُّنَّةُ والعقلُ، وإن كان بعضُ الناسِ أَنْكَرَ على شيخِ الإسلامِ ﵀ حين صَرَّحَ بجوازِ التسلسلِ في الماضي (١)، وقالوا: هذا لا يُمْكِنُ، إذا قلتَ بالتسلسلِ في الماضي لَزِمَ أن يكونَ الخلقُ مع الخالقِ، وهذا باطلٌ إلى أَبْعَدِ الحدودِ. هل يلزمُ أن يكونَ الفعلُ مع الفاعلِ؟ إذا قلتَ: إن اللهَ فَعَّالٌ، لا يلزمُ، بل من الضروريِّ أنَّ المفعولَ قد سَبَقَهُ فِعْلٌ، وأنَّ الفِعْلَ قد سَبَقَه فاعلٌ مُريدٌ، هذا شيءٌ عقليٌّ. فأنا أقولُ لكم: البحثُ في التسلسلِ، وإتعابُ النفوسِ فيه، وإتعابُ الأفكارِ، وملءُ الأسفارِ منه، كلُّ هذا إنما حَدَثَ حينما قال به أهلُ البدعِ، ودخل على الأمةِ الإسلاميَّةِ حين عُرِّبَتِ الكتبُ الرومانيَّةُ واليونانيَّةُ، وإلا فالناسُ في غفلةٍ عن هذا، على فِطَرِهِمْ أن رَبَّنَا لم يَزَلْ ولا يزالُ فعَّالًا، وأن ذلك لا يَسْتَلْزِمُ قِدَمَ الحوادِثِ؛ فالمفعُولاتُ شيءٌ، والفاعلُ شيءٌ آخرُ، انتبهوا لهذه المسائلِ، لو فَكَّرْتُم لوجدْتُم الطريقَ الأسلمَ والأعلمَ والأحكمَ طريقَ السَّلَفِ. واستمعْ إلى القَوْلَةِ المشهورةِ الباطلةِ، التي تَجِدُونَها في كتبِ من عُرِفُوا بالصلاحِ والإصلاحِ، يقولون: "طريقةُ السلفِ أَسْلَمُ، وطريقةُ الخلَفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ".

стр. 177

سبحانَ اللهِ! كيف تَكُونُ أَعْلَمَ وأَحْكَمَ ولَيْسَتْ بأَسْلَمَ، لأنَّا نعلمُ أنَّ الأعلمَ والأحكمَ يَجِبُ أن يَكُونَ الأسلمَ، ونعلمُ أيضًا أنكم إذا أَقْرَرْتُم أنَّ طريقةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ فهي الأعلمُ والأحكمُ؛ لكن هؤلاء أتوا حيث لم يفهموا طريقةَ السَّلَفِ، ظنُّوا أنَّ طريقةَ السَّلَفِ التفويضُ، وأنْ نكونَ أمامَ آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها كالأُمِّيِّين الذين لا يَعْلَمُونَ عن الكتابِ إلا أمانِيَّ، يظنُّون أنَّ السلفيَّ إذا قلتَ له: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ما معنى ﴿وَجَاءَ﴾؟ اللهُ أعلمُ، لا أدري. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ما معناه؟ قال: لا أدري. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ما معناه؟ قال: لا أدري. هذا رأيُهُم في مَذْهَبِ السَّلَفِ، وهل هذا حقيقةُ مذهبِ السَّلَفِ؟ لا، أبدًا السَّلَفُ يقولُ: نَعْرِفُ المعنى، نَعْرِفُ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أنه أتى على وَجْهٍ يليقُ بجلالِهِ، أنَّ له وجهًا يليقُ بجلالِهِ، أنَّ له استواءً يليقُ بجلالِهِ، نَعْلَمُ هذا، ونعرفُ المعنى لكن تسأَلُنِي الكيفيَّةَ لا أستطيعُ أن أتكلَّمَ؛ لأَنَّه ليس لي عِلْمٌ بهذا. هم لمَّا ظنوا أنَّ مذهبَ السلفِ هو التفويضُ - يعني: تفويضُ المعنى والكيفيَّةِ - قالوا: طريقةُ الخلفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ. ونحن معهم، إذا كان مَذْهَبُ السلفِ أنهم لا يَفهمون المعنى؛ فالذي يَفْهَمُ المعنى أحسنُ من الذي لا يَفْهَمُ، لا شكَّ في هذا، وإن كان فَهْمَهُم خاطئًا لكن طريقَتَهُم سليمةٌ، إلا أننا نقولُ لهم: طريقةُ السلفِ إثباتُ المعاني، وهذا مشهورٌ متواترٌ عنهم، يقولون في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها: أَمَرُّوها كما جاءت بلا كَيْفٍ. هذه الجملةُ التي اتفق عليها السَّلَفُ، تدلُّ على أنهم يُثْبِتُونَ المعنى من وجهين: أولًا: أنَّهم قالوا: أَمَرُّوهَا كما جاءت. ونحن نَعْلَمُ أنَّ اللهَ تعالى أتى بها، ورسولَهُ أتى بها لإثباتِ معانٍ؛ ليس لتُقْرَأَ ألفاظًا جوفاءَ.

стр. 178

ثانيًا: قولُهُم: بلا كيفٍ؛ يدلُّ على ثبوتِ أصْلِ المعنى؛ لأنَّ نفيَ الكيفِ عما ليس بموجودٍ لغوٌ من القولِ، فإذنْ أصلُ المعنى موجودٌ، والكيفيَّةُ مجهولةٌ، والإمامُ مالكٌ ﵀ حين سُئِلَ عن الإستواءِ، قال: الإستواءُ غَيْرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بِدْعَةٌ (١). هم لما ظنوا أنَّ السَّلَفَ لا يُثْبِتُونَ المعانيَ قالوا: إنها أَسْلَمُ، ونحنُ نَقُولُ لهم: إمَّا أن تكونوا كاذبين على السَّلَفِ، أو جاهلين بحقيقةِ مَذْهَبِهم، لا تَخْرُجُون عن هذا، فكلامُهُم هذا عن السلفِ لا يخلو من ظُلْمٍ، وهو إما القولُ بلا عِلْمٍ، أو الكذبُ على السَّلَفِ، وكلاهما ظُلْمٌ؛ فهُم ظالمون للسلفِ بهذا الكلامِ، الذي قالوا: إنه مذهبُ السلَفِ. فمن يقولُ: إن أَهْلَ السُّنَّةِ قِسمانِ مُفَوِّضَةٌ وَمُؤَوِّلَةٌ، نقول له: لا تَكُنْ كالغرابِ أراد أن يُقَلِّدَ كالحمامةِ ولم يَعْرِفْ، ثم أراد أن يَرْجِعَ إلى مِشْيَتِهِ وَضَيَّعَهَا، فَبَقِيَ لا شيءَ عنده؛ فمن قال: إن أهلَ السُّنَّةِ أهلُ تفويضٍ على وَجْهِ الإطلاقِ فهو كاذبٌ، بل أهلُ السُّنَّةِ مُفَوِّضَةٌ للكيفيَّةِ، غيرُ مُفَوِّضَةٍ للمعنى، وكلامُ الإمام مالكٍ ﵀ الذي تقدَّم واضحٌ قال: "الإستواءُ غَيْرُ مجهولٍ، وَالكَيْفُ غيرُ معقولٍ". هنا نُفَوِّضُ. والظاهرُ أن المُفَوِّضَةَ خرجوا بعدما خَرَجَتْ بِدْعَةُ التعطيلِ، فقد عجزوا أن يُقابلوا أهلَ التعطيلِ فقالوا: إذن نُفَوِّضُ، لأنَّ أهلَ التعطيلِ الجهميَّةَ صار لهم شأنٌ كبيرٌ، فضغطوا على علماءِ السُّنَّةِ، وعَجَزُوا عن مقاوَمَتِهم، فقالوا: إذن لا نقولُ لا بهذا ولا بهذا، نُفَوِّضُ الأمرَ.

стр. 179

وأما من زَعَمَ أن الإمامَ مالكًا ﵀ مُفَوِّضٌ فقد كَذَبَ، هذا كلامُهُ قال: "الإستواءُ غيرُ مجهولٍ". يعني معلومٌ ولا يَجْهَلُهُ أحدٌ، وأما قولهم: "أَمَرُّوها كما جاءت"، فنعم - واللهِ - قالوا هكذا: أَمَرُّوها كما جاءت بلا كيفٍ. هذا حقٌّ. فإن قال قائلٌ: إذا أَمْرَرْنَاها كما جاءت، فهل نُثْبِتُ اللفظَ فقط دون المعنى؟ فالجوابُ: لا؛ لأنَّها ألفاظٌ جاءت لمعانٍ لم يُنْزِلْهَا اللهُ ألفاظٌ جوفاءُ لا معنى لها، أو لها مئةُ معنًى ولا ندري أيها المرادُ أبدًا، فنقولُ: أَمْرَرْنَاها كما جاءت؛ أي: ألفاظًا لمعانٍ، ثم قولُهُم: بلا كَيْفٍ. يدلُّ على إثباتِ المعنى؛ لأنَّه لولا ثبوتُ المعنى ما صحَّ أن يقولوا: بلا كيفٍ؛ إذ نفيُ الكيفِ عما ليس بالموجودِ لغوٌ من القولِ، يُنَزَّهُ عنه كلامُ السلفِ. فمن استدلَّ بقولِ السَّلَفِ هذا قلنا: هذا دليلٌ عليك وليس لك، وأنا أعطيكم فائدةً: عن شيخِ الإسلامِ ابْنِ تيميَّةَ ﵀ كلُّ إنسانٍ يَسْتَدِلُّ بدليلٍ صحيحٍ ثبوتًا، فإنه سيكونُ دليلًا عليه، سبحانَ اللهِ! كلُّ إنسانٍ يستدلُّ بدليلٍ صحيحٍ ثبوتًا على باطلٍ فسيكونُ دليلًا عليه. هذه قاعدةٌ، وشيخُ الإسلامِ الْتَزَمَ بها قال: أنا أَلْتَزِمُ أن كلَّ إنسانٍ يأتي بدليلٍ صحيحٍ ثبوتًا يعني: ثابتًا ثبوتًا لا شكَّ فيه على باطلٍ؛ أَلْتَزِمُ أن أَجْعَلَه دليلًا عليه؛ لأنَّ استدلالَ أهلِ الباطلِ بالدليلِ الصحيحِ معناه: أنه يَشُمُّ منه رائحةَ المعنى، ولا يُمْكِنُ أن يكونَ المعنى الذي يُشَمُّ من هذا الإستدلالِ باطلًا. ولذلك تَأَمَّلْ - إذا فَتَحَ اللهُ عليك - جميعَ الأقوالِ الباطلةِ التي يستدلُّ قائلوها بدليلٍ صحيحٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، فسترى أن ما استدلوا به دليلٌ عليهم، هذه الجملةُ التي ذُكِرَتْ أَمَرُّوهَا كما جاءت بلا كيفٍ، الآن فَهِمْنَا أنها تَرُدُّ عليهم من وَجْهَيْنِ:

стр. 180

الوجهُ الأوَّلُ: أننا إذا أَمْرَرْنَاها كما جاءت لَزِمَ من ذلك إثباتُ المعنى؛ لأننا نَعْلَمُ أن اللهَ لن يخاطِبَنَا بشيءٍ لا نَعْرِفُ معناه أبدًا، لا يُمْكِنُ هذا، لا سِيَّما في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ التي هي العقيدةُ. فالمُفَوِّضُ لا يُثْبِتُ معنًى أصلًا، يعني: هؤلاء المُفَوِّضَةُ نقرأُ عليهم قولَ اللهِ تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السُّورةِ، سبعةَ عَشَرَ اسمًا! نقول له: ما معناها؟ فيقول: واللهِ لا ندري. ونقول: تُثْبِتُ أن له رحمةً؟ قال: لا أدري. ونقول: تُثْبِتُ أنه مَلِكٌ له المُلْكُ؟ قال: لا أدري! أنا عليَّ أن أَقْرَأَ القرآنَ فقط. فهل يُعْقَلُ أن يكونَ هذا مذهبًا لأهلِ السُّنَّةِ، هذا مذهبٌ للجهَّالِ وعلماءُ السُّنَّةِ - والحمدُ للهِ - فيهم العلماءُ الفحولُ، الذين جمعوا بَيْنَ العِلْمِ بالمعقولِ والمنقولِ، ثم يا سبحانَ اللهِ، هل يُمْكِنُ أن نقولَ: إن أبا بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليًّا، وابْنَ مسعودٍ، وابْنَ عبَّاسٍ، وغَيْرَهم يَقْرؤون القرآنَ وهم لا يعرفون معناه في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ؟ إن كنا نعتقدُ هذا فهو أكبرُ قَدْحٍ في الصحابةِ، بل إنهم يقولون: إن الرسولَ ﷺ يُحَدِّثُ بالحديثِ ولا يدري معناه، أعوذُ باللهِ. قالوا: إنه قال: "يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السماءِ الدُّنْيا حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الآخِرُ" (١) ما معناها يا رسولَ اللهِ؟ أيقول: واللهِ لا أدري! فهل يُعْقَلُ هذا؟ ! لكن عند المضايقاتِ في المناظرةِ تَجِدُ الإنسانَ يرتقي مرتقًى صعبًا هو نَفْسُهُ يَعْرِفُ أنه غيرُ صوابٍ لو تَأَمَّلْ.
следующие страницы →