﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ الرحمةُ لا شيءَ فيها يُحْزِنُ ولا يُكَدِّرُ، وإنما كُلُّها خيرٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الكفارَ ظَلَمَةٌ، بل هم أَظْلَمُ الظَّلَمةِ، فأعظمُ الذنبِ الكفرُ: أنْ تَجْعَلَ للهِ ندًّا وهو خَلَقَك، فأظلمُ الظالِمين هم الكفارُ، وإذا كنا نؤمنُ بهذا - ويجبُ علينا أن نؤمنَ بهذا - فهل نرجو من الكفارِ خيرًا وهم أظلمُ الظَّلَمةِ؟ لا واللهِ لا نرجو خيرًا للإسلامِ أبدًا؛ لأنَّهم أظلمُ الظَّلَمةِ.
ولهذا يجبُ أن تَغْرِسَ في قلبِك بُغضَ الكافرين والكُفْرِ، يجبُ أن تجعلَه غريزةً مستقرَّةً كامنةً تُبْغِضُ كلَّ كافرٍ وكلَّ كُفرٍ، وإذا كان في الإنسانِ خصالُ كُفْرٍ وخصالُ إيمانٍ، القسطُ والعدلُ أن أُحِبَّهُ على ما معه من الإيمانِ وأُبْغِضَهُ على ما معه من الكُفْرِ، والإنسانُ قد يكونُ فيه خصلةُ إيمانٍ وخصلةُ كُفْرٍ، قال النبيُّ ﵊: "اثنتان في الناسِ هما بهم كُفْرٌ: الطعنُ في النَّسَبِ، والنِّياحةُ على الميِّتِ" (١)، وهذان لا يُخْرِجَانِ الإنسانَ من الإيمانِ.
إذن؛ الكفَّارُ أَظْلَمُ الظالمين، ومن كان أَظْلَمَ الظالمِين فإنه لا يُمْكِنُ أن يُرْجى منه خيرٌ ولا عدلٌ، واعلم أنه إن عَدَلَ فلاستغلالِ الفرصةِ ليأْخُذ بدلَ العدلِ مرةً الظلمَ مَرَّاتٍ.
الآن اليهودُ نَعْلمُ أنهم أشدُّ الناسِ حرصًا على المالِ، ومع ذلك نَجِدُهُم يَبْذُلُون، لكنهم يَبْذُلُون قرشًا ليأخذوا دينارًا، فلا تُفَكِّرْ أبدًا أنهم يَبْذُلُون شيئًا إلا لينالوا أكثرَ منه، وهذا شيءٌ معلومٌ ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الظالمين لا يَجِدُون ناصرًا ولا يَجِدُون وليًّا، لا ناصرَ يَدْفَعُ
стр. 72
العذابَ أو يَرْفَعُه، ولا وَلِيَّ يواسيهم فيُهَوِّنَ عليهم المصائبَ، ليس لهم هذا؛ وهذا يدُلُّ على أنهم في حسرةٍ شديدةٍ؛ لأنَّهم لا يَرْجُون نفعًا، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩].
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: سوءُ عاقبةِ الظُّلْمِ لقولِهِ: ﴿وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨]، حتى أولياؤهم في الدنيا لا ينفعونهم في الآخرةِ، ليس لهم وَلِيٌّ يتولاهم، ولا نصيرَ يَدْفَعُ عنهم الأذى.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن القائمَ بالعدلِ له ناصرٌ وولِيٌّ، يُؤْخَذُ ذلك من مفهومِ المخالفةِ، إذا كان الظالمُ لا وَلِيَّ له ولا نصيرَ، فمن قام بالعدلِ فله وليٌّ ونصيرٌ.
مسألةٌ: في غيْرِ هذه البلادِ مثلًا يوجَدُ علماءُ مُتضلِّعون في بعضِ العلومِ، ممن يَكُونُ مثلًا أَشْعَرِيًّا أو معتزليًّا، ففي أثناءِ الدرسِ مثلًا قد يُقَرِّرُ مذهَبَه المذهبَ الأشعريَّ أو المعتزليَّ، هل لطالبِ العلمِ إذا كان يَعْلَمُ الحقَّ في هذه المسألة أن يناقشَ شيخَه فيها؛ خاصةً أنه يكونُ كبيرًا في السِّنِّ؟
فالجوابُ: مما لا شكَّ أنَّ الذين يدعون إلى البدعةِ هؤلاء تَجَنَّبْهُمْ والرزقُ على اللهِ، حتى لو كانوا علماءَ في النحوِ والبلاغةِ لا خيرَ فيهم - هؤلاء الذين يَدْعُونَ -، أما الذين لا يَدْعُونَ إلى بِدْعَتِهِم ويتسترون فلا بأسَ أن تجلسَ إليهم فيما ينفعُ، لكن إذا رأيْتَهم خرجوا عن الجادَّةِ، فيجبُ عليك أن تُنَبِّهَهم، لكنْ لا تُنَبِّهْهُم أمامَ الطلابِ؛ لأنَّ الإنسانَ قد تَأْخُذُه العزَّةُ بالإثمِ خصوصًا إذا رأى نفْسَهُ أنه مُبرزٌ في عِلْمٍ من العلومِ يجيءُ طالبُ علمٍ وَيَرُدُّ عليه أمامَ الناسِ، فهذا ثِقْ بأنه سينتفخُ ويكونُ أطولَ من الجبلِ ولا يرجعُ، لكن من الممكنِ أن تَكْتُبَ له كتابًا تُبَيِّنُ له الحقَّ إذا لم تستطعْ أن تناقَشُه مباشرَةً.
стр. 73
إذن؛ إن كان داعيةً لا تَقْرَبْهُ أبدًا وحَذِّرْ منه؛ لأنَّ هذا يُخْشَى منه، ثم إذا رأى الناسُ أنك أنتَ وفلانٌ وفلانٌ تجتمعُ إليه تَوَهَّمَ أنه على حقٍّ.
نسألُ اللهَ تعالى أن يَتَوَلَّانا وإيَّاكم برحمَتِهِ، وأن يُوَفِّقَنا وإيَّاكم لما يُحِبُّ ويرضى.
* * *
стр. 74
الآية (٩)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٩].
* * *
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ (أَمْ) هذه منقطعةٌ و (أم) المنقطعةُ تكونُ بمعنى (بل) وهمزةِ الإستفهامِ، هناك (أمْ) متصلةٌ، وهي التي تقعُ بيْنَ شيئيْن متقابِليْن، وتكونُ بمعنى (أو)، مثالُ ذلك: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، هذه (أَمْ) يُسَمُّونها متصلةً؛ لأنَّها بيْن شيئيْن متقابليْن؛ ولأنَّها بمعنى (أو) سواءٌ عليهم أَسْتَغْفَرْتَ لهم أم لم تستغفرْ لهم، في غير القرآنِ لو وُضِعَ بَدَلَ (أم) (أو) لاستقامَ الكلامُ.
فإذن نقولُ: إن (أمْ) تكونُ منقطعةً وتكون متصلةً، والفَرْقُ بينهما:
أولًا: أن (أَمِ) المتصلةَ بمعنى (أوْ)، و (أم) المنقطعةُ بمعنى (بل) وهمزةِ الإستفهامِ.
ثانيًا: (أَمِ) المتصلةُ تَكُونُ بيْنَ شيئيْن متقابِلَيْن، و (أَمِ) المنقطعةُ بخلافِ ذلك.
هنا يقولُ : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ليس فيه شيئان متقابلان، إذن؛ فهي منقطعةٌ بمعنى: بل والهمزةِ، ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ الضميرُ يَعُودُ على المُشْركين ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ الضميرُ يَعُودُ على الرَّبِّ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يقولُ الشارحُ ﵀: [أيِ:
стр. 75
الأصنامَ] إشارةٌ منه إلى أن المفعولَ الأولَ لـ ﴿اتَّخَذُوا﴾ محذوفٌ والتقديرُ: أَمِ اتخذوا من دونه الأصنامَ أولياءَ؛ لأنَّ ﴿اتَّخَذُوا﴾ تَنْصِبُ مَفْعُولَيْن، فقولُهُ تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
ففي هذه الآيةُ ليس أمام أعيننا إلا مفعولٌ واحدٌ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ نقولُ: المفعولُ الأولُ محذوفٌ، والتقديرُ: أَمِ اتخذوا الأصنامَ أولياءَ.
وقوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: أنصارًا يستغيثون بهم ويستنصرون بهم ويوالونهم ويتقربون إليهم كأنهم رَبٌّ.
قال المفسِّر ﵀: [﴿أَمِ﴾ منقطعةٌ بمعنى (بل) التي للإنتقالِ والهمزةُ للإنكارِ؛ أي: ليس المتخذونَ أولياء] يعني: هؤلاء اتخذوا أولياءَ الأصنامَ، والأصنامُ بعضُها شجَرٌ، وبعضها حَجَرٌ، وبعضها مخلوقاتٌ كونيَّةٌ، كالشمسِ والقمرِ، وبعضُها مخلوقاتٌ بشريَّةٌ، كلُّ هذه لا تنفعُ صاحبَها؛ ولذلك تجدُ المشركين إذا وقعوا في الضرورةِ من يَدْعُونَ اللهَ ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢]، فهي لا تنفعُ، وهم أيضًا مقرونٌ بهذا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].
وقوله: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: الناصرُ للمؤمنين، والفاءُ لمجردِ العطفِ] (الفاءُ) في قولِهِ: ﴿فَاللَّهُ﴾ يعني: أنها ليست جوابًا لشرطٍ، ولكنها لمجردِ العطفِ، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ انتبهْ في إعرابِ الجملةِ هذه (الله) مبتدأٌ، و ﴿وهُوَ﴾ ضميرُ فَصْلٍ، و ﴿الْوَلِيُّ﴾ خبرُ المبتدأِ.
واعلمْ أنَّ ضميرَ الفصلِ حرفٌ وليس اسمًا، هذه واحدةٌ، وله ثلاثُ فوائدَ:
стр. 76
الفائدةُ الأولى: الحصرُ.
الفائدةُ الثانيةُ: التوكيدُ.
والفائدةُ الثالثةُ: الفصلُ بين الخبرِ والصفةِ.
يعني: مثلًا إذا قلتَ: فلانٌ الكريمُ، فـ (فلانٌ) مبتدأٌ، و (الكريمُ) خبرٌ، ويحتملُ أن تكونَ (فلانٌ) مبتدأً، و (الكريمُ) صِفَتَهُ والخبرُ محذوفٌ، فلانٌ الكريمُ حاضرٌ، فإذا قلتَ: فلانٌ هو الكريمُ. تَعَيَّنَ أن تكونَ (الكريمُ) خبرًا وليست صفةً؛ ولهذا يُسَمُّونه ضميرَ الفصْلِ؛ لأنَّه يَفْصِلُ؛ أي: يُمَيِّزُ بين الخبرِ وبَيْنَ الصفةِ.
إذن: هو يفيدُ الحصرَ، والتوكيدَ، والتمييزُ بينَ الخبرِ والصفةِ، نَزيدُ ذلك بالمثالِ: محمدٌ الرسولُ. يَحْتَملُ أن تكونَ (الرسولُ) صفة لـ (محمدٌ)، وأن التقديرَ: محمدٌ الرسولُ صادقٌ.
فإذا أتيتَ بِـ (هو) وقلتَ: محمدٌ هو الرسولُ. يتعيَّنُ أن (الرسولُ) خبرٌ هذه واحدةٌ، أيضًا هو الرسولُ يفيدُ الحصرَ يعني: لا غيرُهُ، ولا شكَّ أن محمَّدَ بنَ عبدِ اللهِ ﵊ هو الرسولُ لهذه الأمةِ، ولا رسولَ غيرُهُ.
فـ (هو) ليس له محلٌّ من الإعرابِ؛ لأَنَّه حَرْفٌ؛ ولهذا نقولُ: (اللهُ) مبتدأٌ، و ﴿الْوَلِيُّ﴾ خبرُهُ، و ﴿هُوَ﴾ ضميرُ فصلٍ لا محلَّ له من الإعرابِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ أي: الناصرُ للمؤمنين]. وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ المُفسِّر الآنَ قَصَرَ الولايةَ على الولايةِ الخاصَّةِ، والصوابُ أنها عامَّةٌ، هو الوليُّ لكلِّ أحدٍ بالوَلايةِ العامَّةِ والوَلايةِ الخاصَّةِ، الوَلايةُ العامَّةُ لكلِّ أحدٍ، فإنه لا يتولى شؤونَ الخَلْقِ إلا اللهُ والوَلايةُ الخاصَّةُ هي وَلايةُ النُّصْرةِ والتأييدِ، وعلى هذا فاقتصارُ
стр. 77
المُفسِّر ﵀ على الوَلايةِ الخاصَّةِ فيه نَظَرٌ.
إذن ﴿هُوَ الْوَلِيُّ﴾ على كلِّ أَحَدٍ بالوَلايةِ العامةِ والوَلايةِ الخاصَّةِ.
والفَرْقُ بين الوَلايةِ العامَّةِ أنَّ الوَلايةَ العامَّةَ تَشْمَلُ كلَّ أحدٍ، فكُلُّ أحدٍ فاللهُ ولِيُّهُ يتولى أَمْرَهُ، حتى الكافرون اللهُ وَلِيُّهُم، أمَّا الوَلايةُ الخاصةُ فتقتضي النصرَ والتأييدَ، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ الجملةُ هذه فيها حصرٌ وطريقُهُ ضميرُ الفصلِ: اللهُ هو الولِيُّ.
وقوله: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وغيرُهُ لا يُمْكِنُ أن يُحْيِيَ الموتى؛ لأنَّ الإحياءَ هو جَعْلُ الشيءِ حيًّا بعد أن كان ميتًا، وهذا لا يَقْدِرُ عليه إلا اللهُ، بل إن اللهَ إذا أراد أن يُمِيتَ أحدًا لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يمنعَ الموتَ كما قال : ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا﴾، يعني: هلَّا ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧] الجوابُ: لا يُمْكِنُ. إذن اللهُ يُحْيِي الموتى ويُميتُ الأحياءَ .
وقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أَيُّ شيءٍ معدومٍ فاللهُ قادرٌ على إيجادِهِ، أَيُّ شَيْءٍ موجودٍ فاللهُ قادرٌ على إعدامِهِ، كلُّ شيءٍ فاللهُ تعالى قديرٌ عليه، وضدَّ القدرةِ العَجْزُ؛ ولهذا قال : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: الإنكارُ على الذين اتخذوا من دونِ اللهِ أولياءَ؛ لأنَّ (أَمْ) هنا بمعنى بل وهمزةِ الإستفهامِ الإنكاريَّةِ.
стр. 78
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هؤلاء طلبوا شيئًا من غير مَحَلِّهِ؛ لقولِهِ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾، فهو الذي ينبغي أن يُتَّخَذَ وليًّا فاللهُ هو الوَلِيُّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الوَلايةِ للهِ؛ لقولِهِ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ وهل هي عامَّةٌ أو لا؟
الجواب: في (تفسير الجلالين) مشى على أنها خاصَّةٌ قال: [وَلِيُّ المؤمنين] والصحيحُ أنها عامَّةٌ، الصحيحُ أن في هذه الآيةِ عامَّةً اللهُ وليُّ كلِّ أحدٍ، فإنَّ اللهَ تعالى وليٌّ للكافرين يَرْزُقُهُم ويعافيهم، ويدفعُ عنهم السُّوءَ، ويتولاهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢]، لكننا نقولُ: الوَلايةُ قسمان: عامَّةٌ، وخاصَّةٌ. كما بيَّنَّاه في التفسيرِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا وَلايةَ لأحدٍ دون اللهِ، يُؤخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿هُوَ﴾؛ لأنَّ (هو) ضميرُ فصْلٍ يفيدُ الحصرَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ قدرةِ اللهِ على أمرٍ لا أحدَ يَدَّعِيهِ، ومن ادَّعاه كَذَّبَه الواقعُ؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الشورى: ٩]، هذه الجملةُ لا أحدَ يَدَّعِيها أبدًا، ولو ادَّعاها فهو كاذبٌ.
فإن قال قائلٌ: أليس يؤتى بالرجلِ يستحقُّ القتلَ فَيَأْمُرَ السلطانُ ألا يُقتلَ أليس هذا إحياءً؟
الجوابُ: لا، لا يُمْكِنُ أن يكون إحياءً ولكنه استبقاءُ حياةٍ؛ لأنَّ الحياةَ سابقةٌ، هو لم يجعل في هذا حياةً فيبقى ولكنه استبقى حياةً موجودةً.
стр. 79
وإن قال قائلٌ: ما تقولون في قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]؟
فالجوابُ: لا مخالَفةَ؛ فقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أحياهم بإبقاءِ حياتِهِم يعني: من رَفَعَ القتلَ عن الإنسانِ ودافعَ عن شخصٍ يُقْتَلُ فهو كأنما أحيا الناسَ جميعًا، ومن المعلومِ أنه لا أحدَ يستطيعُ أن يَنْفُخَ الروحَ في ميتٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: عمومُ قدرةِ اللهِ ﵎؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: حثَّ الإنسانِ على أن يَدْعُوَ اللهَ بكلِّ ما أراد، ما لم يَعْتَدِ في الدعاءِ.
وهذه فائدةٌ تربويَّةٌ: أن تَدْعُوَ اللهَ بكلِّ شيءٍ إلا ما حَرَّمَ اللهُ عليك الدُّعاءَ به؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فإنك إذا دَعَوْتَ اللهَ بأيِّ شيءٍ لا تَيْأَسْ لا تَقُلْ: هذا لا يُمْكِنُ، إلا ما كان عدوانًا واعتداءً، فلا يَجُوزُ، وهذا يَفْتَحُ للإنسانِ بابَ الرجاءِ، وبابَ دعاءِ اللهِ واللجوءِ إليه، لو كان عندك مريضٌ مزمنٌ أَيِسْتَ منه، فقلتَ: واللهِ لا أستطيعُ، لا أَقْدِرُ أَنْ أدعوَ اللهَ ؛ لأنَّ الرجلَ وصلَ إلى حال خطيرةٍ، فهذا لا شكَّ غلطٌ؛ لأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فادعُ اللهَ.
فإنسانٌ تَقَطَّعَتْ به الأسبابُ، طَلَبَ الرزقَ في البيعِ والشراءِ فخَسِرَ، طلبَ الرزقَ في التقديمِ للوظيفةِ فلم يَنْجَحْ وهكذا، قال: إذن لا حاجةَ إِلَى أَنْ أَدْعُوَ. نقولُ له: هذا خطأٌ وغلطٌ ادعُ اللهَ، فاللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، كمْ من إنسانٍ دعوْا له الغاسلَ، واشتروْا له الكفنَ، وقرَّبُوا له النعشَ، وتهيَّأَ أصحابُهُ لتشييعِهِ ثم
стр. 80
يعافيه اللهُ ؛ لأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، إذن؛ متى آمنْتَ - يا أخي - بأن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فلا تَسْتَصْعِبْ شيئًا على قدرةِ اللهِ، اسألْ كلَّ شيءٍ ما لم يَكُنْ إثمًا أو قطيعةَ رَحِمٍ ولا تَيْأَسْ؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذه الجملةُ كما قلتُ لكم تفيدُ أن الإنسانَ لا يَيْأَسُ من رحمةِ اللهِ ، وأن يدعوَ اللهَ تعالى بكلِّ ما أرادَ، ما لم يَكُنْ إثمًا أو قطيعةَ رَحِمٍ.
* * *
стр. 81
الآية (١٠)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٠].
* * *
قوله: ﴿مَا﴾ شَرْطيَّةٌ، و ﴿اخْتَلَفْتُمْ﴾ فعلُ الشَّرْطِ، ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الجملةُ جوابُ الشَّرْطِ، قولَهُ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أيُّ شيءٍ يَقَعُ بيْنَ الناسِ من الخلافِ فَمَرَدُّهُ إلى اللهِ ، سواءٌ كان في الأمورِ الدينيَّةِ، أو في الأمورِ الدنيويَّةِ، وسواءٌ كان مع المسلمين مع المؤمنين أو كان مع الكفَّارِ، أيُّ شيءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللهِ لا أحدَ يُرَدُّ إلى حُكْمِهِ إلا اللهَ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ﴾ مع الكفَّارِ ﴿فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾]، والصوابُ: أنه أعمُّ، المُفسِّر ﵀ خَصَّه بالكفارِ؛ لاختلافِنا مع الكفارِ، وفي هذا التخصيصِ نظرٌ أيضًا، والصوابُ أنه عامٌّ ما اختلفتم أيُّهَا الناسُ مع الكفارِ، أو فيما بينكم أيُّها المسلمون فَحُكْمُهُ إلى اللهِ.
قال ﵀: [﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الدِّينِ وغيرِهِ] الدِّينُ: كلُّ ما يَتَعَبَّدُ به الإنسانُ إلى اللهِ، وغيرُهُ ما ليس كذلك، فحُكْمُهُ إلى اللهِ وَحْدَهُ، أي: مَرَدُّ حُكْمِه إلى اللهِ، ولهذا قال ﵀: [﴿فَحُكْمُهُ﴾ مَرْدُودٌ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ يَوْمَ القيامةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم] والصوابُ: أنه مردودٌ إلى اللهِ في الدنيا والآخرةِ؛ ويدلُّ لهذا قولُهُ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩].
стр. 82
وفَهِمْنَا أن المُفسِّر ﵀ قصَّرَ في تفسيرِ الآيةِ في قولِهِ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ حيث خَصَّهَا بالمؤمنين بالوَلايةِ الخاصَّةِ، وقَصَّرَ أيضًا في قولِهِ: [﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يومَ القيامةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ] هذا أيضًا قُصُورٌ، والصوابُ: أن حُكْمَه إلى اللهِ في الدنيا والآخرةِ.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ﴿ذَلِكُمُ﴾ ويمرُّ بنا كثيرًا (ذلك) فلماذا تختلفُ الكافُ من موضعٍ إلى موضعٍ؟
فالجوابُ: أن الكافَ بحسبِ المخاطَبِ، واسمُ الإشارةِ بحَسَبِ المشارِ إليه، فإذا أَشرْتَ إلى مفردٍ مذكَّرٍ مخاطبًا مفردًا مذكرًا تقولُ: ذلك.
وإذا أشرْتَ إلى اثنين مخاطبًا اثنين تقولُ: ذانكما.
وإذا أشرْتَ إلى أُنْثَى مخاطِبًا ذَكَرًا تقولُ: تلك؛ لأنَّ الإشارةَ إلى الأنثى بالتاءِ.
وإذا أشرتَ إلى أنثى مخاطبًا أُنْثَيَيْنِ تقولُ: تلكما.
إذن اسمُ الإشارةِ بحسَبِ المشارِ إليه، والكافُ بحسَبِ المخاطَبِ.
هنا قوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾ اسمُ الإشارةِ بحسَب المشارِ إليه؛ لأنَّه يُشيرُ إلى لفظِ الجلالةِ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ واحدٌ ويخاطبُ جماعةً ﴿ذَلِكُمُ﴾، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾، ﴿ذَلِكُمُ﴾ مبتدأٌ، و ﴿اللَّهُ﴾ عطفُ بيانٍ ﴿رَبِّي﴾ خبرُ المبتدأِ.
يعني: أن الرسولَ ﷺ يجبُ أن يُعْلِنَ لهؤلاء أن اللهَ تعالى رَبُّهُ، وأنه لا رَبَّ له سواه، وإنما قلنا: إنه لا ربَّ له سواه؛ لأنَّ كلًّا من طرفَي الجملةِ مَعْرِفةٌ، وإذا كانت الجملةُ قد عُرِّف طرفاها دَلَّت على الحَصْرِ، لو سأَلَنَا سائلٌ: بِمَ تَعَلَّقَتِ الكلمةُ ﴿عَلَيْهِ﴾؟ قلنا: تَعَلَّقَتْ بـ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾، وبم تَعَلَّقَتْ (إليه)؟ قُلْنا: بـ ﴿أُنِيبُ﴾؛
стр. 83
إذَنِ: العاملُ متأخِّرٌ عن المعمولِ في ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وفي ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
والقاعدةُ عند البلاغِيِّين: أنه إذا تَقَدَّمَ ما حَقُّهُ التأخيرُ كان ذلك دليلًا على الحَصْرِ، فـ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ بمنزلةِ: ما تَوَكَّلْتُ إلا عليه، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ بمنزلةِ: ما أُنِيبُ إلا إليه.
فقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾؛ أي: فَوَّضْتُ أمري إلى اللهِ تفويضًا كاملًا.
والتوكُّلُ على اللهِ ليس كالتوكُّلِ على البشرِ، التوكُّلُ على البشرِ بمعنى أنك تَعْمِدُهُ أن يشتريَ لك شيئًا، وهذا تفويضٌ خاصٌّ، وأيضًا تفويضٌ تعتقدُ أنك أنت صاحبُ الشأنِ فيه؛ بمعنى: لو شئتَ لعزلْتَه، وفسخْتَ الوكالةَ، لكنَّ تَوَكُّلَكَ على اللهِ تفويضٌ إلى اللهِ في كلِّ شيءٍ ولا يُمْكِنُكَ أن تَفْسَخَ الوكالةَ، حتى لو فسخْتَها فاللهُ وكيلٌ عليك.
وبهذا نَعْرِفُ الفَرْقَ بين أن يقولَ القائلُ: توكَّلْتُ على فلانٍ؛ يعني: معناه أني وَكَّلْتُهُ، وتَوَكَّلْتُ على اللهِ، هل: تَوَكَّلْتُ على اللهِ مثل: وَكَّلْتُ فلانًا؟
الجواب: لا أبدًا وإن اتَّفق اللفظان، ولكن يختلفُ المَعْنَيَانِ اختلافًا عظيمًا، لاحظوا، تَوَكَّلْتُ على فلانٍ؛ أي: فَوَّضْتُهُ بأمري والأمرُ إليه إن شئتُ عَزَلْتُه، لكنْ تَوَكَّلْتُ على اللهِ فَوَّضْتُ أمري إليه مستندًا إليه جَلَّ وَعَلَا في تيسيرِ أمري وتسهيلِهِ.
وحينئذٍ لا نقولُ: إن مَنْ تَوَكَّلَ على شخصٍ في شراءِ شيءٍ يكونُ مشركًا باللهِ، لا نقولُ هذا؛ لأنَّه يَظْهَرُ الفرقُ العظيمُ بين توكُّلِي على الشخصِ الذي وَكَّلْتُه أن يشتريَ حاجةً وبيْنَ توكُّلِي على اللهِ، توكُّلِي على اللهِ تفويضٌ واستعانةٌ، لكنْ توكُّلِي على الشخصِ هو الإستخدامُ في الواقعِ، فتوكيلي إياه أو تَوَكُّلِي عليه في الوكالةِ
стр. 84
عبارةٌ عن استخدامٍ؛ ولهذا متى شئتَ قلتَ: لا أَتَوَكَّلُ عليه وأعْزِلُهُ، لكن بالنسبةِ للتوكُّلِ على اللهِ ليس كذلك.
فالتوكُّلُ على اللهِ هو تفويضُ الأمرِ للهِ تفويضًا تامًّا، وبعضُهُم يقولُ: صِدْقُ الإعتمادِ على اللهِ؛ يعني: التوكُّلُ صدقُ الإعتمادِ على اللهِ في جَلْبِ المنافعِ ودفْعِ المضارِّ مع الثقةِ باللهِ .
والتوكُّلُ على اللهِ لا يعني: إلغاءَ الأسبابِ؛ ولهذا لو قيل لرجلٍ: تَزَوَّجْ حتى يأتِيَك أولادٌ قال: أنا متوكِّلٌ على اللهِ. لا يَصْلُحُ؛ لأنَّ الأولادَ لا يَنْبُتُون في الصخرِ، افعل الأسبابَ وتوكَّلْ، وفي المَثَلِ اعْقِلْها. يعني: اعقِلِ الناقة وَتَوَكَّلْ، لا تُطْلِقِ الناقةَ وتقولَ: إني متوكِّلٌ على اللهِ، الناقةُ إذا أَطْلَقْتَها ذَهَبَتْ حيث شاءت، حتى لو قلتَ: متوكِلٌّ على اللهِ، افعلِ الأسبابَ. لو أن إنسانًا قيل له: يا فلانُ، ابتغِ الرزقَ، فبعْ واشترِ، واعملِ الأسبابَ التي تُحَصِّلُ بها المالَ، قال: واللهِ أبدًا أنا متوكِّلٌ على اللهِ، فهذا ليس صادقًا، هذا تَوَكُّلُ المتهاوِنِين، إذا كنتَ صادقًا في التوكُّلِ على اللهِ فاعملِ السببَ، ولكن لا تعتمدْ على السببِ، اجعلِ السببَ سببًا والمدبِّرُ هو اللهُ .
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أَرْجِعُ] إلى اللهِ تعالى في عباداتي وفي جميعِ أحوالِي.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنه لا مَرْجِعَ للقوانينِ، وأن القوانين المخالِفةَ لِحُكْمِ اللهِ باطلةٌ، وهو كذلك؛ لأنَّ القانونَ من وَضْعِ البشرِ، فالبشرُ ليس عندهم إحاطةُ علمٍ، لا في الحاضرِ ولا في المُسْتَقْبلِ، فهم لم يحيطوا بالدنيا علمًا، غايةُ ما هنالك:
стр. 85
أولًا: أن هذا الذي وَضَعَ المادَّةَ القانونيَّةَ يَعْرِفُ ظواهرَ شَعْبِه فقط، وهو لا يَعْرِفُ كُلَّ الناسِ، وأن هذا الحُكمَ مناسبٌ لهم، فهذا قصورٌ.
ثانيًا: أنه لو عَلِمَ أحوالَ الناسِ من حيث العمومُ، فلا يُمْكِنُ أن يَعْلَمَ حالَ كلِّ أحدٍ؛ لأنَّ الناسَ يختلفون حتى في الحُكمِ الواحدِ، أرأيتَ غنيًّا وفقيرًا، فالغنيُّ عليه زكاةٌ، والفقيرُ ليس عليه زكاةٌ، الفقيرُ يَجُوزُ دفْعُ الزكاةِ له، والغنيُّ لا يجوزُ له، العاجزُ والقادرُ، القادرُ يُصَلِّي قائمًا، والعاجزُ يُصَلِّي قاعدًا، هذا الذي وَضَعَ القانونَ لا يَعْرِفُ أحوالَ الناسِ بحيث يكونُ القانونُ صالحًا لكلِّ حالٍ من أحوالِ الناسِ، وهذا نقصٌ آخرُ.
ثالثًا: واضعُ القانونِ لا يُدْرِكُ أحوالَ الناسِ في المستقبلِ، ومعلومٌ أن الأحكامَ تختلفُ باختلافِ الأحوالِ؛ ولهذا نَجِدُ أن الشريعةَ الإسلاميَّةَ تختلفُ عن الشريعةِ النصرانيَّةِ، والشريعةَ النصرانيَّةَ تختلفُ عن الشريعةِ اليهوديَّةِ، فها هو عيسى ﵇ يقولُ: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، والدينُ الإسلاميُّ أيضًا جاء مغايِرًا في كثيرٍ من الأشياءِ الفرعيَّةِ لما سَبَقَه من الأديانِ، قال اللهُ تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
إذَنِ: القانونُ قاصرٌ من كلِّ وجهٍ، وإذا كان قاصرًا من كلِّ وجهٍ فلا يُمْكِنُ أن يكونَ هذا الشيءُ القاصرُ مَرَدًّا في النزاعِ.
بَقِيَ لنا أن مَن رَجَعَ إلى القانونِ فهل يكونُ كافرًا؟
الجواب: يحتاجُ إلى تفصيلٍ؛ إذا لم يَجِدِ الإنسانُ طريقًا إلى أخْذِ حَقِّهِ إلا عن طريقِ القانونِ، فليس هذا بكفْرٍ، بل ولا مُحَرَّمٍ، فلو كنتَ في بلدٍ تَحْكُمُ بالقانونِ، ولك خصومةٌ مع شخصٍ ولا يُمْكِنُ أن تلجأَ إلى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ؛ فلا حَرَجَ أن تَتَحاكَمَ
стр. 86
إلى القانونِ، وإذا حُكِمَ لك فهذا يعني: أنه كالشُّرطةِ، ولو أننا ما قُلْنا بهذا لضاعت حقوقُ الناسِ، وقد أشار إلى هذا المعنى المحقِّقُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ في كتابِ الطرقُ الحُكْمِيَّةُ، لكن إذا تحاكمتَ إلى القانونِ، وأنت تعلمُ أنه يَحْكُمُ بالظلمِ فلا يَجُوزُ أن تتحاكمَ إليه، لا إشكالَ في ذلك؛ لأنَّ بعضَ الناسِ قد يكونُ من حيث الحكمُ الشرعيُّ لا يستحقُّ هذا الشيءَ لكن باعتبارِ القانونِ يستحقُّ فقال: أحاكِمُه لآخذَ حقي بمقتضى القانونِ. فنقولُ: هذا حرامٌ، ولا يَجُوزُ.
مثالُ ذلك: ما يُسَمُّونه بالفوائدِ البنكيَّةِ، فالفوائدُ البنكيَّةُ في الحكمِ الشرعيِّ حرامٌ، وهذا الرجلُ يعْرفُ أنها حرامٌ في الشرعِ، لكن قال: أريدُ أن أتحاكمَ إلى القانونِ؛ لأنَّ القانونَ سوف يُمَكِّنُني منها فلا يَجوزُ؛ لأنَّ هذا أَكْلٌ للمالِ بالباطلِ.
إذَن: التحاكمُ إلى الطاغوتِ - وهو ما خالفَ الحكمَ الشرعيَّ - إن كان لاستخراجِ الحقِّ لا لاعتقادِ أنَّ ما حُكِمَ به هو الحقُّ؛ فهذا جائزٌ، وكأنك جعلْتَهم شُرطةً يستخرجون حقَّكَ من هذا الذي ظَلَمَك، وإن كان لاعتقادِ أن ما جاء في القانونِ حقٌّ مع مخالفَتِهِ للشرعِ فهذا حرامٌ. هذا في التحاكمِ إلى القانونِ.
بقينا في واضعِ القانونِ؛ فواضعُ القانونِ إما أن يَعْلَمَ أنه مخالفٌ للشرعِ، لكنه يعتقدُ أنه أَنْفَعُ للخلقِ من شَرْعِ رَبِّ الخَلْقِ، فهذا كافرٌ لا شكَّ، كافرٌ كفرًا مُخْرِجًا عن المِلَّةِ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، وَمُكَذِّبٌ لقولِهِ تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]؛ لأنَّه وَضَعَ الآن كتابًا بدلًا عن كتابِ اللهِ، وهذا واضحٌ أنه كافرٌ، أَبْدَلَ بدينِ اللهِ غَيْرَهُ، أبدلَ بِحكمِ اللهِ غَيْرَهُ، فهذا كافرٌ، أما إذا كان لا يدري أنه مخالفٌ للشَّرْعِ، وإنما صَنَعَ ذلك بتأويلٍ إن كان من أهلِ الإجتهادِ، أو بتضليلٍ إن كان من غيرِ أهلِ الإجتهادِ، فهذا لا يَكْفُرُ.
стр. 87
مِثْلَ: أن يعتقدَ أن مسألةَ العِينَةِ جائزةٌ ويَضَعُهَا قانونًا، ومسألةُ العِينةِ معروفةٌ: أن يبيعَ شيئًا بثمنٍ مؤجَّلٍ ويشتريه نقدًا بأقلَّ، فيقولُ مثلًا: المادَّةُ كذا: إذا باعَ شيئًا بثمنٍ واشتراه بأقلَّ، إذا باع شيئًا بثمنٍ مؤجَّلٍ واشتراه بأقلَّ فالعَقْدُ صحيحٌ. فهذه المادَّةُ تخالفُ الشَّرْعَ؛ لكنه هو لا يدري أنها تخالفُ الشرعَ، أو تؤولُ أنها جائزةٌ بناءً على صورةِ المعامَلةِ، هذا لا يَكْفُرُ.
وقد يكونُ وَضْعُ القانونِ المخالِفِ للشرعِ عن تضليلٍ وليس عن تأويلٍ؛ بحيث يكونُ الحاكمُ جاهلًا أمِّيًّا لكن ضَلَّلَه بعضُ الناسِ، بعضُ علماءِ الدولةِ قال: هذا لا بأسَ به؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ يقولُ: "أنتم أَعْلَمُ بأمورِ دنياكم" (١) ونحن نَعْلَمُ أن هذا خيرٌ لنا في الدنيا بناءً على ظنِّهم، فهذا لا يَكْفُرُ.
فصار الآن الذي يَضَعُ قانونًا مخالفًا للشرعِ معتقدًا أنه أولى من الشرعِ وأنفعُ للخلقِ، فهذا كافرٌ لا نَشُكُّ في هذا، لكنْ بِشَرْطَيْن: يَعْلَمُ أنه مخالفٌ للشرعِ، ويعتقدُ أنه أنفعُ للخلقِ، أو مثلُ الشرعِ، حتى الذي يعتقدُ المماثلةَ فهو كافرٌ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ [المائدة: ٥٠]، ويقولُ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨].
أمَّا من وَضَعَه مخالفًا للشرعِ بتأويلِهِ أو تضليلٍ فإنه لا يَكْفُرُ؛ لأنَّ هذا في نظري لم يخالِفِ الشرعَ، فلا يَكْفُرُ بهذا.
الخلاصةُ الآن: عندما يختلفُ الناسُ في شيءٍ فَيَرْجِعُون إلى اللهِ ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].
стр. 88
فإذا قال قائلٌ: من أين نَعْلَمُ حُكْمَ اللهِ؟
قلنا: من القرآنِ والسُّنَّةِ، يُفَسِّرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا بُدَّ أن يكونَ اختلافٌ بيْنَ الناسِ وهذا هو الواقعُ، يعني: لا يمكن أن ترفعَ الإختلافَ بيْنَ الناسِ لا بُدَّ أن يختلفوا، وأسبابُ الإختلافِ كثيرةٌ ذَكَرَهَا شيخُ الإسلامِ ابْنُ تيميَّةَ ﵀ في كتابه (رَفْعُ الملامِ عن الأئمةِ الأعلامِ) وهو كتابٌ مختصرٌ نافعٌ لَخَّصْنَاه، وزِدْنَا عليه بعضَ الشيءِ، وذكَرْنَا الأمثلةَ التطبيقيَّةَ على القواعدِ التي ذَكَرَهَا ﵀ في كتابِنا - رسالة صغيرة - اسمُها اختلافُ العلماءِ، وموقِفُنا نحوَ هذا المعنى وهو مفيدٌ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الواجبَ عندَ الإختلافِ الرجوعُ إلى حُكْمِ اللهِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن حُكْمَه إلى اللهِ في الدنيا والآخرةِ؛ لعمومِ قولِهِ: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وأمَّا من خَصَّ ذلك في الآخرةِ فغلطٌ، حتى في أمورِ الدنيا نرجعُ إلى حكمِ اللهِ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تحريمُ الرجوعِ إلى القوانينِ البشريَّةِ عندَ الإختلافِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، لا إلى غيرِهِ، فإن قال قائلٌ: ألستم تقولون: إن قولَ الصحابيِّ حُجَّةٌ؟ فالجوابُ: بلى.
على خلافٍ في هذا، فالمسألةُ ليست إجماعيَّةً، لكن على القولِ بأن فقهاءَ الصحابةِ أقوالُهُم حُجَّةٌ، قلنا: بلى نقولُ بذلك، لكننا مستندون إلى قولِ الرسولِ
стр. 89
- ﷺ : "عليكم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاءِ الراشدين المَهْدِيِّينَ من بَعْدي" (١)، لأنَّ الصحيحَ أن صِفة "الخلفاءَ الراشدين" معلَّقةٌ بأوصافٍ لا بأعيانٍ؛ يعني: ليس الخلفاءُ الراشدون هم الأربعةَ بل كُلُّ من خَلَفَ النبيَّ ﷺ في أُمَّتِه عِلْمًا ودعوةً وتعليمًا هذا خليفةٌ راشدٌ، وأَرْشَدُ من خَلَفَ النبيَّ ﷺ هم الصَّحَابَةُ رجوعًا إلى حُكْمِ اللهِ .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إعلانُ النبيِّ ﷺ بالإخلاصِ والتوحيدِ؛ لقولِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي﴾؛ أي: ذلكم الذي يُرْجَعُ إلى حُكْمِهِ هو اللهُ ربي.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من هَدْيِ النبيِّ ﷺ التَّوَكُّلَ على اللهِ وَحْدَهُ؛ لقولِهِ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ لَكِنَّ كلمةَ وَحْدَهُ أخذناها من الحصرِ الذي طريقُهُ تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن من هَدْيِ الرسولِ ﷺ الإنابَةَ إلى اللهِ تعالى وَحْدَهُ؛ لقولِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، وإذا كان هذا من هَدْيِ الرسولِ ﷺ وَجَبَ علينا أن نَأْخُذَ به؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
* * *
стр. 90
الآية (١١)
* * *
* قَالَ اللهُ : ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
* * *
﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿فَاطِرُ﴾ خبرُ المبتدأِ المحذوفِ، والتقديرُ: هو فاطرُ، وإنما قلنا هذا؛ لأنَّ اللغةَ العربيَّةَ لا يُمْكِنُ أن يَتَرَكَّبَ بها الكلامُ إلا من مبتدأٍ وخبرٍ، أو فعلٍ وفاعلٍ، أو ما ينوبُ منابَ الفعلِ.
﴿فَاطِرُ﴾؛ أي: هو فاطرُ، والفاطرُ بمعنى: الخالقُ على غير مثالٍ سَبَقَ فهو بمعنى: بديعُ السَّمواتِ، والسَّمواتُ والأرضُ معروفان، السَّمواتُ: هي هذه السَّمواتُ السبعُ التي أَخْبَرَنَا اللهُ عنها، وبيَّنَ أنها سبعٌ شدادٌ، وبَيَّنَ أنه بناها بأيدٍ، فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧]؛ أي: بقوَّةٍ، وليس المرادُ بالأيْدِ في هذه الآية يَد اللهِ ؛ لأنَّ اللهَ لم يُضِفْهَا إلى نفْسِه لم يَقُلْ: بأيدينا، قال ﴿بِأَيْدٍ﴾ وَ ﴿أَيْدٍ﴾ مَصْدَرُ آدَ يَئِيدُ، إذا قَوِيَ، فهو كقولِهِ: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ [النبأ: ١٢]، هذه السَّبْعُ الشدادُ إذا كان يومُ القيامةِ فقد قال اللهُ عنها: إنها تكونُ واهيةً ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾؛ أي: ضعيفةً.
أما الأرضُ فهي أرْضُنا المعروفةُ، والسَّمواتُ مجموعةٌ؛ لأنَّها سبعٌ، والأرضُ
стр. 91
مفردةٌ يراد بها الجنسُ، وقد بَيَّنَ اللهُ في سورةِ الطلاقِ أنها سبعٌ، فقال اللهُ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فقال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ومن المعلومِ أن المماثلةَ هنا ليست مماثلةً في الذاتِ، إذ إِنَّ بَيْنَ السَّمواتِ والأرضِ بَوْنًا شاسعًا، لكن المرادَ مِثْلُهُنَّ في العددِ، ويُؤَيِّدَ ذلك ما جاءت به السُّنَّةُ، فقد قال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "من اقْتَطَعَ شبرًا من الأرضِ ظلمًا طَوَّقَهُ اللهُ به يومَ القيامةِ من سَبْعِ أرَضين" (١).
قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مُبْدِعُهُمَا] يريدُ أن يُفَسِّرَ ﴿فَاطِرُ﴾ بمعنى مبدعٍ، ولكنا فَسَّرْناها بمعنى بديعٍ، وتفسيرُنَا لا ينافي تفسيرَهُ المعنى واحدٌ، لكن مُطَابَقَةَ اللفظِ لما جاء به القرآنُ أَوْلَى والذي جاء في القرآنَ ﴿بَدِيعُ﴾.
﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾؛ أي: صَيَّرَ لكم من أنْفُسِكم أزواجًا، قال المفسِّر ﵀: [حيث خَلَقَ حواءَ من ضِلعِ آدَمَ] فكأنه يَميلُ ﵀ إلى أن المرادَ بالأزواجِ هنا حواءُ، ولكن هذا غيرُ صحيحٍ، بل جَعَلَ من أنْفُسِنا أزواجًا يعني: نساءً مُشَاكِلَاتٍ لنا لم تَكُنِ الأنثى بعيدةً عن شَكْلِ الرجلِ؛ لأنَّها لو كانت بعيدةً عن شَكْلِ الرجلِ ما أَلِفَهَا، ولا جَعَلَ اللهُ بينهم مودةً ورحمةً.
وقولُهُ: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: من جِنْسِكم، وليس المرادُ من نفْسِ الإنسانِ جَعَلَ له زوجةً، لا لو كانت من نفْسِهِ لم تكن زوجةً؛ لأنَّها تكون بِنْتَه، ولكن المرادَ ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جِنْسِكُم، كما قال اللهُ تعالى: ﴿آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
стр. 92
أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١]، وَجَعَلَ لكم أيضًا ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ الأنعامَ جَمْعُ نَعَمٍ كبهيمةِ الأنعامِ.
﴿أَزْوَاجًا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أي: ذكورًا وإناثًا] من أَجْلِ الإنتاجِ والتنميةِ وغيرِ ذلك من المصالحِ.
﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [بالمعجمةِ يَخْلُقُكم] ما معنى المعجمةِ؟ هل في القرآنِ شيءٌ عجميٌّ؟ لا، لكن يُعَبِّرُونَ عن المنقوطِ بأنه مُعْجَمٌ من بابِ تسميَةِ الشيءِ بِضِدِّهِ، وإلا فهو مُعْرِبٌ في الواقعِ؛ لأنَّه لولا هذه النقطُ مثلًا لأَشْكَلَ ولم يُفْهَمِ المعنى، إذن؛ المُعْجمُ: المُنَقَّطُ، وسُمِّيَ بذلك من باب تسميةِ الشيءِ بضِدِّهِ، كما يُسَمُّونَ التعبُّدَ بالتحنُّثِ، كما في حديثِ بدءِ الوحيِ "يَتَحَنَّثُ فيه" (١)؛ أي: يَتَعَبَّدُ.
المُعْجَمَةُ ضِدُّهَا المُهْمَلَةُ، فالشِّينُ ضدُّ السِّينُ، والذالُ معجمةٌ ضدَّ الدالِ، أمَّا الحركاتُ فيُسَمُّونَها مُثَلَّثَةً، أو بالوجْهَيْن، أو ما أَشْبَهَ ذلك، وأحيانًا يقولون: إذا كانت الكلمتان المشتبهتان كلتاهما معجمةٌ قالوا: بالمثلثةِ مثلَ: (التاءِ) و (الثاءِ) لو قالوا: معجمةٌ لم يَزَلِ الإشكالُ، ولكن يقولون: بالمثلثةِ، (الطاءُ) و (الظاءُ) يقولون: بالظاءِ المُشالةِ؛ يعني: الذي فيها ألفٌ، احترازًا من (الضادِ)؛ لأنَّها غيْرُ مشالةٍ. المهمُّ أنها اصطلاحاتٌ معروفةٌ عندَ العلماءِ.
وقولُ المُفسِّر ﵀: [﴿يَذْرَؤُكُمَ﴾ يَخْلُقُكُمْ] فَسَّرَ (يَذْرَأُ) بِـ (يَخْلُقُ)، وهو تفسيرٌ ناقصٌ؛ لأنَّ يَذْرَأُ لها معنًى زائدٌ على الخَلْقِ، وهو البثُّ والإنتشارُ، كما قال اللهُ تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، فالذَّرْءُ أخصُّ من
стр. 93
الخَلْقِ، فمعنى ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ إذن: يَبُثُّكُم وَينْشُرُكُم.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿فِيهِ﴾؛ أي: الجعلُ المذكورُ، أي يُكَثِّرُكُم بسبَبِهِ] انظرْ فَسَّرَ الأوَّلَ ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ بـ (يَخْلُقُكُم) ثم قال [أي: يُكَثِّرُكُم] والتفسيرُ الثاني هو الأصحُّ، التكثيرُ والبثُّ والنَّشْرُ.
قال ﵀: [بالتوالُدِ والضميرُ للأناسيِّ والأنعامِ بالتغليبِ] ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يقولُ: إن الضميرَ - وهو الكافُ والميمُ - للأناسيِّ والأنعامِ، الأناسيُّ يعني: البشرَ، والأنعامَ: البهائمَ، للتغليبِ؛ لأنَّ الضميرَ هنا جاء ضميرَ العاقلِ، والأنعامُ لا يأتي لها ضميرُ العاقلِ؛ لأنَّها غيرُ عاقلةٍ، لكن جاء ذلك للتغليبِ لمَّا كان الذَّرْءُ للإنسانِ والبهائمِ قال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ ولم يَقُلْ: يَذْرَؤُكُنَّ.
إذَن: التغليبَ قد يكونُ بتغييرِ الإسمِ، وقد يكونُ بالضميرِ، وما أَشْبَهَ ذلك، القمران للشمسِ والقمرِ تغليبٌ بتغييرِ الإسمِ؛ لأنَّ القمران لو فُكَّتْ عن التثنيةِ لكانت قمرٌ وقمرٌ، وليس كذلك المرادُ قمرٌ وشمسٌ، فهنا بتغييرِ الإسمِ.
الضميرُ هنا في قولِهِ: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يعودُ على ما سَبَق ذِكْرُهُ من بهائِمَ وأناسيَّ على سبيلِ التغليبِ، لولا التغليبُ لوجب أن يكونَ الضميرُ ضميرًا مؤنثًا للبهائمِ وضميرًا مذكَّرًا للأناسيِّ.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿السَّمِيعُ﴾ لما يقالُ ﴿الْبَصِيرُ﴾ لما يَفْعَلُ] جلَّ وعلا.
وقوله ﵀: [﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ الكافُ زائدةٌ؛ لأنَّه تعالى لا مِثْلَ له] الكافُ زائدةٌ، وزيادةُ الكافِ ليست غريبةً تأتي دائمًا زائدةً؛ ولهذا قال ابنُ مالكٍ ﵀ في
стр. 94
الألفيَّةِ - التي ينبغي لطالبِ النحْوِ ألَّا يتركَ حِفْظَهَا - يقولُ:
شبِّه بكافٍ وبها التعليلُ قد ... يُعنى وزائدًا لتوكيدِ وَرَدَ (١)
(شبِّه بكافٍ): تشبيهٌ، (وبها التعليلُ قد يُعنى) أي: قد يُرادُ بها التعليلُ، (وزائدًا) لتوكيدِ (وَرَدَ): يعني: وقد تأتي زائدةً.
في هذه الآيةِ الكافُ زائدةٌ بمعنى أنها لو حُذِفَتِ لاستقام الكلامُ، لو قيل: ليس مِثْلَهُ شيءٌ. يستقيمُ الكلامُ لا شكَّ، لكن جاءت الكافُ للتوكيدِ؛ كأنه نفى المِثْلَ مَرَّتَيْنِ: ليس كهو ليس مثلَهُ، فالزيادةُ هنا فيها زيادةُ المعنى، وهو أن كأنه نفى المثليَّةَ مَرَّتَيْن: مرَّةً عن طريقِ الكافِ، ومرَّةً عن طريقِ مثل، وبعضُهُم يقولُ: إن الزائدَ (مثل) وإن التقديرَ: ليس كهو شيءٌ، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ؛ لأنَّه إذا دارَ الأمرُ بين أن تكونَ الزيادةُ حرفًا أو اسمًا فالواجبُ أن تكونَ الزيادةُ حرفًا؛ لأنَّه لم يأتِ في اللغةِ العربيةِ زيادةُ الأسماءِ؛ ولأنَّ الحرْفَ معناه في غيرِهِ فمجيئُهُ زائدًا ليس بغريبٍ، والإسمُ يدُلُّ على معنًى في نفْسِه، فإتيانُهُ زائدًا بعيدٌ.
إذن عندنا قولان:
الأوَّلُ: أن الكافَ زائدةٌ، وهذا سهلٌ، وجرى في اللغةِ العربيَّةِ مِثْلُه، وتكونُ الزيادةُ هنا للتوكيدِ، وبعضُهُم قال: الزائدُ (مِثْل) وهو قولٌ ضعيفٌ، بعضُهُم يقولُ: إن المِثْلَ هنا بمعنى الصفةِ. يعني: ليس كصِفَتِهِ شيءٌ، والمِثْلُ ذاتيٌّ بمعنى الصفةِ مِثْلَ قولِهِ تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد: ٣٥]؛ أي: صِفَتُها، وهذا أيضًا ضعيفٌ؛ لأننا نقولُ: إن اللهَ ليس مِثْلَهُ شيءٌ، لا في ذاتِهِ، ولا في صفاتِهِ، بعضُهُم يقولُ:
стр. 95
إن هذا على سبيلِ المبالغةِ؛ يعني: إذا لم يَكُنْ لمِثْلِهِ مِثْلٌ، لو فُرِضَ أن له مثلًا، فمن بابِ أَوْلَى ألا يكونَ له هو مِثْلٌ، وأن هذا مما جرى على لسانِ العربِ في المبالغةِ في الوصفِ. وأنشدوا على ذلك:
ليس كمِثْلِ الفتى زُهَيْرٍ ... ................. (١)
من المبالغةِ؛ يعني هذا لا نظيرَ له إطلاقًا، وهذا الأخيرُ والأوَّلُ هما أقربُ الأقوالِ في إعرابِ هذه الجملةِ.
لكن من حيثُ المعنى والإعتقادُ نؤمنُ بأنَّ اللهَ تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاتِهِ، ولا في صفاتِهِ، ولا في أفعالِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في كلِّ شيءٍ، يجبُ علينا أن نُؤْمِنَ بهذا، فذاتُهُ مخالِفَةٌ لجميعِ الذواتِ، نحن نرى الذواتِ مختلفةً، الإنسانُ مُرَكَّبٌ من عَظْمٍ ولحمٍ وعَصَبٍ ودمٍ، هناك أشياءُ مُرَكَّبَةٌ من جواهرَ أخرى.
الرَّبُّ مُبَايِنٌ لكلِّ شيءٍ موجودٍ في الكَوْنِ في ذاتِهِ، لا تَقُلْ مثلًا: إنه مثلُ الذَّهَبِ، مثلُ الفِضَّةِ، وما أَشْبَهَ ذلك؛ ولهذا لمَّا قال المشركون للرسولِ: يا مُحَمَّدُ، هل رَبُّكَ من ذَهَبٌ، أو من فضَّةٍ، أو من كذا، أو من كذا؛ أنزل اللهُ قولَهُ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢).
فلا تَتَصَوَّرْ ذات الرب جلَّ وعَزَّ أبدًا؛ لأنك مهما تَصَوَّرْتَ على أيِّ شيءٍ
стр. 96
تَتَصَوَّرُهَا لا مثيلَ له، ولا نظيرَ له، كذلك في صفاتِهِ ليس له مثيلٌ، ليس له نظيرٌ في أيَّةِ صفةٍ من صفاتِهِ، ولْنَأْخُذِ العِلْمَ من صفاتِ اللهِ هل له نظيرٌ في هذه الصفةِ؟ لا نظيرَ له في هذه الصفةِ أبدًا، عَلِمَ كُلِّ ذي عِلْمٍ محدودٍ، أعلمُ الناسِ عِلْمُه محدودٌ.
قال اللهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] فأنت بنفْسِكَ لا تدري ماذا تَكْسِبُ غدًا، قد تُقَدِّرُ أنك سوف تعملُ كذا وكذا، ولكن لا تعملُ إما لصرفِ الهمَّةِ، وإما لمانعٍ خارجيٍّ، كلُّنا نُقَدِّرُ أننا غدًا سوف نَفْعَلُ كذا وكذا، لكن لا نَفْعَلُ ولا ندري ما يكونُ، قد يُصَرِّفُ الله هِمَّتَنا عن هذا الفعلِ، أو تُوجدُ موانعُ خارجيَّةٌ من مرضٍ أو سفرٍ أو حيلولةٍ بيننا وبين مرادِنا، لا ندري عنها.
أيضًا عِلْمُكَ محدودٌ بالمشاهدةِ، الغائبُ لا تُفَكِّرْ أن عندك علمًا منه، حتى في المشاهدِ علمُك ناقصٌ، الإنسانُ لا يَعْلَمُ ماذا يَفْعَلُ ولَدُهُ في بيتِهِ، ولا أهْلُه في بيتِهِ، بل أشدُّ من هذا وأضعفُ في العِلْمِ أنك لا تَعْلَمُ عن نفْسِك؛ سبحانَ اللهِ! روحُك التي بها حياتُك وهي في جِسْمِك لا تدري عنها، لمَّا سألوا النبيَّ ﷺ عن الرُّوحِ ألْرْلَ اللهُ تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥]- ثم وَبَّخَهُم على هذا السؤالِ فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] كأنه يقولُ : تسألون عن الرُّوحِ وأنتم ما أَحَطْتُمْ بالأشياءِ، ما عَلِمْتُمْ عن الأشياءِ إلا قليلًا، ما بقي عليكم إلا علمُ الروحِ حتى تسألوا عنها، فإذا كان الإنسانُ لا يَعْلَمُ رُوحَه التي بَيْنَ جنبيه وبها حياتُه؛ فهو دليلٌ على نقصانِ العِلْمِ.
وفي عِلْم اللهِ يقولُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦]، كلُّ إنسانٍ، كلُّ حيوانٍ فاللهُ يَعْلَمُ ما في نفْسِه، هل عَلِمَ المخلوقُ مثلَ
стр. 97
هذا في القدرةِ؟ ليس أحدٌ، بل لو اجتمعَ الخَلْقُ كُلُّهُم بقدرهم ما ساووا شيئًا من قُدْرَةِ اللهِ؛ فإن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، قال اللهُ : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس: ٥٣] يعني: البعثُ صَيْحَةٌ واحدةٌ يصرفُهُ اللهُ بهم - ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣].
كُلُّهُم في أقطارِ الدنيا، ولو في الغاباتِ والكهوفِ وأعماقِ البحارِ، كُلُّهُم يأتون في آنٍ واحدٍ، ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ هذه القدرةُ لا يُمْكِنُ أبدًا أن يشابِهَها أو يماثِلَها قدرةٌ؛ لذلك نقولُ: إن اللهَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ واعلمْ أن هذه الآيةَ استدَلَّ بها المُعَطِّلَةُ والمُمَثِّلَةُ وأهلُ السُّنَّةِ، كلُّ الثلاثةِ.
المُمَثِّلَةُ قالوا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثباتٌ يدُلُّ على المماثلةِ؛ لأنَّ اللهَ هذه شُبْهَتُهُم - خاطَبَنَا بالقرآنِ، والقرآنُ جَعَلَهُ اللهُ بلسانٍ عربيٍّ؛ من أجْلِ أن نَعْقِلَ ونَفْهَمَ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]، قالوا: فإذا خَاطَبَنَا اللهُ بشيءٍ مما وَصَفَ به نفسَهُ وَجَبَ أن نَحْمِلَه على ما نَفْهَمُ، ونحن لا نَفْهَمُ إلا ما نُحِسُّ به، فيجبُ أن تَحْمِلَ كُلَّ صِفَةٍ للهِ على ما كان معلومًا؛ ولذلك قالوا: إن اللهَ تعالى مِثْلَ خَلْقِهِ، نسألُ اللهَ العافيَةَ.
واللهِ لو كان مِثْلَنَا ما عَبَدْنَاه ولا يُمْكِنُ أن يَعْبُدُ الإنسانُ مِثْلَه، لكن هُمْ بعقولهِم الضالَّةِ قالوا: يَلْزَمُ مما أَخْبَرَ اللهُ به عن نفْسِه من الصفاتِ أن تكونَ مِثْلَ صفاتِنا، وشُبْهَتُهُم أنَّ اللهَ خاطَبَنا بما نَفْهَمُ وَنَعْقِلُ، ونحن لا نَفْهَمُ إلا ما نُشاهدُ فإذا خاطَبَنا عن شيءٍ غائبٍ وَجَبَ أن نَحْمِلَه على المعلومِ عندنا.
والمُعَطِّلَةُ استدلُّوا بقولِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقالوا: كلُّ صفةٍ أثبتها اللهُ لنفْسِه فإنها تدُلُّ على التمثيلِ فَيَجِبُ أن تكونَ مَنْفِيَّةً، والذي فتح لهم البابَ هم
стр. 98
المُمَثِّلَةٌ يقولون: كلُّ صفةٍ أَثْبَتَهَا اللهُ لنفْسِه فإنها تَسْتَلْزِمُ التمثيلَ والتمثيلُ ممتنِعٌ، إذن يجبُ أن تمتنعَ كلُّ صفةٍ، مثالُ ذلك يقولون: إن اللهَ لم يستوِ على العرشِ الإستواءَ الحقيقيَّ؛ لأنَّه لو استوى على العرشِ لكان جسمًا، فيكونُ مماثلًا للمخلوقِ.
والرَّدُّ عليهم سهلٌ، نقولُ: هل أَثْبَتَ اللهُ لنفْسِه يدًا أو لا؟ فسيقولون: نعم. لماذا لا تُثْبِتُهَا أنت؟ قال: أخشى أن تكونَ مُمَاثِلَةً ليدِ الإنسانِ. نقولُ: لا تخش هذا، كيف تخشى هذا واللهُ يقولُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾؟ ثم نقولُ له: ألستَ تُثْبِتُ لشاتِكَ يدًا؟ يقولُ: نعم. هل يَدُ شاتِك مثلُ يَدِكَ؟ لا، إذا انتفتِ المشابهةُ بين المخلوقاتِ فيما تَتَّفِقُ فيه بالأسماءِ فانتفاءُ المُشابَهَةِ في حقِّ الخالقِ من بابِ أَوْلَى، بل انتفاءُ المُشابهةِ في حقِّ اللهِ واجبٌ، وفي حقِّ المخلوقِ غيرُ واجبٍ.
الآن القِطُّ، عندنا الآن اثنان واحدٌ يقول: البَسُّ - والبَس بالفتح وإذا قلت: البِسُّ فأنت لاحنٌ، الصواب البَسُّ -، والآخرُ قال: الهِرُّ، وثالثٌ يقول: القطُّ والسِّنَّوْرُ، فما أكثرَ أسماءَ الهِرِّ والأسدِ، وسبحانَ اللهِ أيدي الهرِّ وأيدي الأسدِ متشابهتان تمامًا.
فهُمْ تَصَوَّروا أن استواءَ اللهِ على عرشِهِ كاستواءِ الإنسانِ على الأنعامِ، فلما فهموا هذا الفهْمَ أنكروا الإستواءَ، الإنسانُ يستوي على البعير كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرفِ: ١٢ - ١٣] هم فَهِمُوا أن استواءَ اللهِ على العرشِ كاستواءِ الإنسانِ على البعيرِ، وقالوا: هذا تمثيلٌ، والتمثيلُ مستحيلٌ على اللهِ فيجبُ إنكارُهُ، وهذا قولُ المعتزلةِ والجهميَّةِ، ومَن ظَاهَرَهُم، نَفَوْا كلَّ صفةٍ للهِ وقالوا: لا يمكن أن نَصِفَ اللهَ بشيءٍ. الحُجَّةُ أن الإثباتَ يستلزمُ التمثيلَ، واللهُ قد نفى أن يكونَ له مِثْلٌ، وأيضًا المماثلةُ مستحيلةٌ عقلًا، فيكونُ دلَّ العقلُ على زَعْمِهم، دلَّ العقلُ والشرعُ على أن اللهَ
стр. 99
ليس له مثيلٌ، فيجبُ أن ننفيَ جميعَ الصفاتِ.
هؤلاء حقيقةُ أَمْرِهِم أنهم مَثَّلوا أولًا، ثم عَطَّلوا ثانيًا، مَثَّلوا أولًا حيث اعتقدوا أن الأدلةَ تَدُلُّ على التمثيلِ، وهذا اعتقادٌ فاسدٌ، ثم بعد ذلك عَطَّلوا وأَنْكَرُوا، ولكنَّ هذه الشُّبهةَ دَفْعُها يسيرٌ، نقولُ لهم: هل تُثْبِتُون للهِ وُجُودًا؟ إما أن يقولوا: لا، وإما أن يقولوا: نعم. لا يُمْكِنُ أن يَخْرُصُوا، إما أن يقولوا: نعم، أو يقولوا: لا، فإذا أثبتوا للهِ وُجُودًا نقولُ: هل هو وجودٌ حقيقيٌّ أو وهميٌّ؟ إن قالوا: وهميٌّ، كَفَرُوا بلا إشكالٍ، وإن قالوا: حقيقيٌّ، قلنا: هل تُثْبِتُون لأنفُسِكم وُجُودًا؟ إما أن يقولوا: نعم أو يقولوا: لا إن قالوا: لا، قلنا: ما نخاطبُ أشباحًا بلا شيءٍ، لكن لن يقولوا: لا، يقولون: نعم نثبتُ لأنفُسِنا وجودًا، نقولُ: إذن يَلْزَمُكُم التمثيلُ؛ لأنكم أَثْبَتُّمْ للهِ تعالى صفةً هي ثابتةٌ للمخلوقِ، فيلزَمُكُم التمثيلُ، انظر الباطلَ لا بُدَّ أن يندحرَ، لكنِ انْفَكَّ قومٌ عن هذا الإلزامِ من الغلاةِ قالوا: لا نقولُ: إن اللهَ موجودٌ. أعوذُ باللهِ تعبدون مَن؟ قالوا ما نقولُ: إنه موجودٌ. قلنا: معدومٌ؟ إذا قلتُم: غيرُ موجودٍ لزمَ أن تقولوا: إنه معدومٌ، وإنْ قلتُم: إنه معدومٌ مَثَّلْتُم؛ لأنَّ الموجودَ من الخَلْقِ يكونُ معدومًا قبلَ وجودِهِ وبعد وجودِهِ، قال اللهُ تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسانِ: ١].
وهذا حقيقةٌ، الواحدُ منا قبل ولادتِه بسنتين ليس بشيءٍ، معدومٌ، فإن قلتُم: إن اللهَ معدومٌ شَبَّهْتُم ومَثَّلْتُم على قاعدَتِكُم، قالوا: إذن نقولُ: لا موجودٌ، ولا معدومٌ. أعوذُ باللهِ لا موجودٌ ولا معدومٌ، نقولُ: اللهُ أكبرُ، هل يُمْكِنُ أن يكونَ الشيءُ لا موجودًا ولا معدومًا؟ كلُّ شيءٍ فهو إما موجودٌ أو معدومٌ؛ لأنَّ تقابُلَ الوجودِ والعدمِ تقابُلُ تناقُضٍ، والمتناقضان لا بدَّ من وجودِ أحدِهِما، لا يُمْكِنُ أن يجتمعَا،
стр. 100
ولا أن يمتنعَا، فإذا قالوا: لا موجودٌ ولا معدومٌ. نقولُ: شَبَّهْتُمُوه الآنَ بالمستحيلاتِ والممتنِعاتِ.
فأهلُ الباطلِ لا مَفَرَّ لهم من لوازِمِهِم الباطلةِ.
تَكَايَسَ قومٌ وقالوا: نحن لا نقولُ: إنه لا يتصفُ بصفةٍ، لكننا نَصِفُهُ بما نَحْكُمُ به عليه، ولا يَحْكُمُ به على نفْسِهِ. انتبهْ قالوا: لا نُنْكِرُ الصفاتِ لكن نَصِفُهُ بما نَحْكُمُ به عليه لا بما يَحْكُمُ به على نفْسِه، وهؤلاء المتكايسون هم الأشعريَّةُ أثبتوا بعضَ الصفاتِ، وأنكروا أكثرَ الصفاتِ، أثبتوا من الصفاتِ سبعًا وأنكروا الباقيَ، أثبتوا الحياةَ، والعِلْم، والقُدْرَةَ، والسَّمْعَ، والبصرَ، والإرادةَ، والكلامَ، وأنكروا الباقيَ قالوا: لا نُثْبِتُ من الصفاتِ على وجهِ الحقيقةِ إلا هذه الصفاتِ السبعَ: الحياةَ، والعِلْمَ، والإرادةَ، والقدرةَ، والسمعَ، والبصرَ، والكلامَ. هذه ثابتةٌ حقيقةً على اختلافٍ بَيْنَهُم وَبَيْنَ أهلِ السُّنَّةِ في بعضِها، الكلامُ عندهم غيرُ الكلامِ عندَ أهْلِ السُّنَّةِ، والباقي لا نُثْبِتُهُ. فماذا تَعْمَلُون فيه؟ قالوا: لنا فيه طريقان: إما التفويضُ بأن نقولَ: لا ندري ما معناه، وإما التأويلُ الذي يُسَمُّونه تأويلًا وهو في الحقيقةِ تحريفٌ.
والأشاعرةُ هم أكثرُ الناسِ انتشارًا في البلادِ الإسلاميَّةِ؛ ولهذا يجبُ أن نَعْرِفَ مَذْهَبَهُم تمامًا ونَعْرِفُ الرَّدَّ عليهم حتى يتقلَّصَ هذا المَدُّ، أو يزولَ بالكُلِّيَّةِ - ونسألُ اللهَ تعالى أن يُزِيلَهُ إلى الحقِّ - يقولون: نُثْبِتُ هذه الصفاتِ السَّبْعَ وغيْرُها لا؛ ولذلك يقولون في استعمالهِم للنصوصِ ما سوى هذا إما أن نُفَوِّضَه ونقولَ: لا ندري معناه، وإما أن نُؤَوِّلَهُ، ونحن نُسَمِّي تأويلَهُم تحريفًا؛ لأنَّ التأويل الذي لا دليلَ عليه تحريفٌ، وفي ذلك يقول ناظمُ عقيدتِهِم:
وكلُّ نصٍّ أَوْهَمَ التشبيهَا ... أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ تَرُمْ تنزيهًا
стр. 101
واللهُ عليمٌ إن فَوَّضْنَاه، أو أَوَّلْنَاه بمعنى التحريفِ فإننا لم نَرُمِ التنزيهَ، بل وَقَعْنَا في العيبِ، وَجْهُهُ أننا إذا قلنا: لا نَعْلَمُ هذا المعنى، فهذا يعني أن اللهَ أَنْزَلَ علينا كتابًا مجهولًا لا يُدرى معناه، وَلَيْتَه لا يُدْرى معناه في الأمورِ التي تتعلَّقُ بفعلِ العبدِ كالصلاةِ والطهارةِ في العقيدةِ، وإن حَرَّفْنَاه وَقَعْنا أيضًا في بلاءٍ في اتهامِ اللهِ أنه لم يُبَيِّنْ لعبادِهِ إلا ما كان خلافَ الحقِّ، وكلاهما شيءٌ كبيرٌ.
حتى إن شيخَ الإسلامِ (١) ﵀ يقولُ: إن قَوْلَ أهلِ التفويضِ من شرِّ أقوالِ أهلِ البدعِ والإلحادِ، وأنه هو الذي فَتَحَ للفلاسفةِ القَدْحَ في الدِّينِ وقالوا: إذا كنتم لا تعرفون المعنى وأنتم عَجَمٌ بالنسبةِ للقرآنِ العربيِّ نحن نَعْرِفُ، وصاروا يَخْبِطُونَ خَبْطَ عَشْوَاءَ.
فالأشاعرةُ يُثْبِتُونَ للهِ سبعَ صفاتٍ: الحياة، والعِلْمَ، والإرادةَ، والقدرةَ، والسمعَ، والبصرَ والكلامَ، ومع ذلك إثباتُهُم لها ليس كإثباتِ أهلِ السُّنَّةِ، نَضْرِبُ مثلًا بالكلامِ، الكلامُ يقولون: إن اللهَ لا يتكلَّمُ بصوتٍ مسموعٍ أبدًا، وإنما كلامُهُ هو المعنى القائمُ بنفْسِه، وما يَسْمَعُهُ العِبادُ فإنما هو عبارةٌ عن الكلامِ المخلوقِ؛ فلما قال اللهُ لنبِيِّه ﷺ : "إني فرضتُ عليك خمسين صلاةً" (٢) بهذا اللفظِ أو معناه، اللهُ لمْ يَقُلْها؛ لأنَّ الكلامَ هو المعنى القائمُ بنفسه، لكن خلق أصواتًا سَمِعَها النبيُّ ﷺ تُعَبِّرُ عما في نَفْسِهِ! ! سبحانَ اللهِ! .
الآن لو تَفَكَّرْنَا لَوَجَدْنَا قولَهم هذا أَخْبَثُ من قولِ الجهميَّةِ، الجهميَّةُ عندهم
стр. 102
صراحةٌ قالوا: كلامُ اللهِ مخلوقٌ ومسموعٌ، لكنه مخلوقٌ، هؤلاء قالوا: كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ لكنه غير مسموعِ هو المعنى القائمُ بنفْسِه ويَخْلُقُ أصواتًا تُسْمَعُ تُعَبِّرُ عما في نفْسِه.
فَأَصْرَحُهُمَا الجهميَّةُ، فالقرآنُ الذي بين أيدينا، الجهميَّةُ يقولون: هذا كلامُ اللهِ حقيقةً لكنه مخلوقٌ، أما الأشاعرةُ فيقولون: لا هذا ليس كلامَ اللهِ حقيقةً، هذا عبارةٌ عن كلامِ اللهِ، وكلامُ اللهِ هو المعنى القائمُ بالنفْسِ. إذن أَحْسَنُهُما الأوَّلُ، وكلاهما غيرُ حَسَنٍ، ولكننا نقولُ: الأوَّلُ أَحْسَنُ، كما قال اللهُ : ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقانِ: ٢٤]، مع أنه لا خيرَ في مستقرِّ أهلِ النارِ.
فالأشعريةُ أثبتوا سبعَ صفاتٍ، ولمَّا قيلَ لهم: ما هو الدليلُ على إثباتِ الصفاتِ السبعِ ونفيِ ما سواها؟ قالوا: الدليلُ العقلُ، فالعقلُ دلَّ على إثباتِ هذه الصفاتِ، ولم يَدُلَّ على إثباتِ غيرها، إذن حكَّموا العقلَ فيما يُثْبِتُونَ للهِ ولم يُحَكِّمُوا اللهَ فيما يُثْبِتُ لنفْسِه، وهذا عدوانٌ في حقِّ اللهِ .
من الذي يَحْكُمُ بنفْسِهِ على نَفْسِه؟ اللهُ أنتم تَتَحَكَّمُونَ على اللهِ؟ ! قالوا: اللهُ خاطَبَنَا ولنا عقولٌ، ولا بُدَّ لنا من أن نُعملَ العقولَ. قلنا: أعطونا دليلًا عقليًّا على هذه الصفاتِ السَّبْعِ، قالوا: نعم نعطيكم أدلةً عقليَّةً، الإيجادُ يَدُلُّ على القدرةِ؛ لأنَّ العاجزَ لا يُوجِدُ شيئًا، ومعلومٌ أننا نرى المخلوقاتِ تتواجدُ شيئًا فشيئًا، قالوا: إيجادُها يدلُّ على القدرةِ، المخلوقاتُ الكائنةُ بعضُها إنسانٌ، وبعضُها حصانٌ، وبعضُها جَمَلٌ، وبعضُها شمسٌ، وبعضُها قمرٌ، وبعضُها سماءٌ، وبعضُها أرضٌ، وهذا التخصيصُ يدلُّ على الإرادةِ، لولا الإرادةُ ما صار هذا كذا وهذا كذا. إذن أثبتنا الإرادةَ والقدرةَ، وهذه المخلوقاتُ مُحْكَمةٌ متقنةٌ ما فيها تناقضٌ ولا تصادمٌ، لم نر
стр. 103
الشمسَ في يومٍ من الأيامِ اصطدمت بالأرضِ أو بالقمرِ أو بالنجومِ، مُحْكَمٌ متقنٌ يدلُّ على العِلْمِ.
إذن ثَبَتَتْ ثلاثُ صفاتٍ عن طريقِ العقلِ وهي: العِلْمُ والإرادةُ والقدرةُ، قالوا: وهذه الصفاتُ لا يُمْكِنُ أنْ تقومَ إلا بحيٍّ، فثبتتْ بذلك صفةُ الحياةِ، قالوا: والحيُّ إما أن يكونَ سميعًا بصيرًا متكلمًا، أو أصمَّ أعمًى أخرسَ، والأولُ كمالٌ والثاني نقصٌ، واللهُ تعالى منزَّهٌ عن النقصِ، فوجب أن يكونَ سميعًا بصيرًا متكلمًا.
فنحن قد نوافِقُهم على هذا ونقولُ: العقلُ دلَّ على ذلك، لكنْ ما سوى هذه دلَّ عليها الشَّرْعُ، ونحن نتنزَّلُ معهم إلى آخرِ شيءٍ، نقولُ: ما سوى ذلك دلَّ عليه الشرعُ.
ومن المعلومِ أن انتفاءَ الدليلِ المُعَيَّنِ لا يستلزمُ انتفاءَ المدلولِ؛ لأنَّ الأدلةَ قد تتعدَّدُ على مدلولٍ واحدٍ، فإذا قَدَّرْنَا أن العقلَ لم يَدُلَّ على الصفاتِ التي أَثْبَتَهَا اللهُ لنفسِه سوى السبعِ، فقد دلَّ عليها الشرْعُ، والشرْعُ يَثْبُتُ بدليلٍ واحدٍ، وبدليلين، وبثلاثةٍ، المهمُّ أن يكونَ له دليلٌ، هذا جوابٌ.
جوابٌ آخرُ: أن نَمْنَعَ من كَوْنِ العقلِ لم يدلَّ على بقيَّةِ الصفاتِ، ونقولُ: بقيَّةُ الصفاتِ منها ما دلَّ عليه العقلُ، ومنها ما دلَّ عليه السَّمْعُ فقط، فمثلًا: إنزالُ المطرِ، إنباتُ النباتِ، رَفْعُ الوباءِ، بَسْطُ الرزقِ، هذا من اللهِ ويَدُلُّ على الرحمةِ دلالةً واضحةً أقوى من دلالةِ التخصيصِ على الإرادةِ؛ لأنَّ دلالةَ التخصيصِ على الإرادةِ لا يَفْهَمُ ذاك عن بيانٍ إلا طالبُ العلمِ المختصُّ، حتى طلبةُ العلمِ أحيانًا يقولون: كيف دلَّ التخصيصُ على الإرادةِ؟ ! لكن كَوْنَ هذه الأمورِ النافعةِ - حصولِ النِّعَمِ، واندفاعِ النِّقَمِ - تدلُّ على الرحمةِ هو واضحٌ حتى للعامِّيِّ، فالعامِّيُّ يَخْرُجُ
стр. 104
من بيتِه في الصباح وقد جاء المطرُ في الليلِ، فيقولُ: مُطِرْنَا بفضلِ اللهِ ورحمَتِه وهو عامِّيٌّ! .
فنقولُ لهم: الآن ما نَفَيْتُمُوهُ زاعمين أن العقلَ لا يَدُلُّ عليه فَلَنَا عنه جوابان:
الجوابُ الأوَّلُ: أننا لا نُسَلِّمُ أن العقلَ لا يدلُّ عليه، بل نقولُ: إن العقلَ يدُلُّ عليه، وإن كان لا يدلُّ على كلِّ الصفاتِ لكن في الجملةِ.
ثانيًا: أن نقولَ: هبْ أن العقلَ لا يدلُّ عليه، لكن دلَّ عليه السمعُ - القرآنُ والسُّنَّةُ - ولا يلزمُ من انتفاءِ دلالةِ العقلِ ألا يَثْبُتَ الشيءُ بدليلٍ آخَرَ؛ لأنَّ انتفاءَ الدليلِ المُعَيَّنِ لا يستلزمُ انتفاءَ المدلولِ، وهذه قاعدةٌ مفيدةٌ، وأَضْرِبُ لكم مثلًا بشيءٍ محسوسٍ، مَكَّةُ كم لها من طريقٍ؟ طرقٌ متعددةٌ، فإذا قُدِّرَ أن هذا الطريق يمتنعُ السيرُ معه؛ لوجودِ قُطَّاعِ طريقٍ، أو وجودِ أمطارٍ أَفْسَدَتْهُ، أو ما أَشْبَهَ ذلك، ألا يُمْكِنُ أن نَصِلَ إلى مَكَّةَ من طريقٍ آخَرَ؟ بلى، هكذا المعاني، إذا انتفى دليلٌ من الأدلَّةِ لكن وَجَدْنَا دليلًا آخرَ، هل ننكرُ هذا المدلولَ؛ لأنَّ أحدَ الأدلةِ غيرُ قائمٍ؟ لا، نقولُ: ما دام هذا الدليلُ غَيْرَ قائمٍ فهناك دليلٌ آخَرُ؛ ولذلك هَدَى اللهُ أَهْلَ السُّنَّةِ والجماعةِ إلى القولِ الوسطِ: لا تمثيلَ ولا تعطيلَ.
قالوا: نُثْبِتُ للهِ جميعَ ما وَصَفَ به نَفْسَهُ في القرآنِ، أو فيما صَحَّتْ به السُّنَّةُ، لاحظْ لا بُدَّ من القيدِ بالنسبةِ للسُّنَّةِ: فيما صَحَّتْ به السُّنَّةُ؛ لأنَّ من الأحاديثِ ما هو ضعيفٌ أو موضوعٌ، أمَّا القرآنُ فلا تَقُلْ: ما صحَّ في القرآنِ، فكُلُّهُ صحيحٌ، إنما السُّنَّةُ لا بُدَّ أن تُقُيَّدَ: ما صَحَّتْ به السُّنَّةُ.
نُثْبِتُ كُلَّ صفةٍ، ولا نتحاشى، ولا نَتَهَيَّبْ إذا كان اللهُ أثبَتَ لنفْسِه يدًا، وقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدةِ: ٦٤]، هل علينا أن نَتَهَيَّبَ من إثباتِ اليدِ؟ بل هل
стр. 105
لنا أن نَتَهَيَّبَ؟ لا يَجُوزُ أبدًا، بل الهيبةُ أن نخالفَ، أَثْبِتِ اليدَ ولا تُبَالِ.
أَثْبَتَ رَبُّكَ لنفْسِه وَجْهَه، فلا تَتَهَيَّبْ من إثباتِ الوجْهِ، فالتهيُّبُ حقيقةٌ من نفيِ الوجْهِ، أما ما أَثْبَتُه اللهُ فيجبُ أن نُثْبِتَه لكن على هذه القاعدةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فنقولُ: للهِ وجهٌ وليس كوجهِ المخلوقِ يقينًا.
فإن قال قائلٌ: ما دليلُك؟ ولماذا لا تَحْمِلُ الوجهَ على وجهٍ معروفٍ؟
فالجوابُ: دليلي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
أَثْبَتَ اللهُ أنه يأتي يومَ القيامةِ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجرِ: ٢٢] أَتَتَهَيَّبُ أن تَصِفَ اللهُ بالمجيءِ؟ لا نَتَهَيَّبُ، نقولُ: نَصِفُ اللهَ بالمجيءِ لكن هل هو كمجيءِ المَلِكِ على فَرَسٍ، أو سَيَّارةٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك؟
الجواب: لا، يقينًا ليس كذلك، لكنه مجيءٌ يليقُ بجلالِهِ.
أَثْبَتَ اللهُ لنفْسِه أنه استوى على العرشِ في عِدَّةِ مواضعَ من القرآنِ تَبْلُغُ سبعًا بهذا اللفظِ ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ هل تَتَهَيَّبُ أن تُثْبِتَ ذلك للهِ؟ لا، بل هو مستوٍ حقيقةً، أَتهَيَّبُ أن أقولَ: ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى؛ لأنَّ ﴿اسْتَوَى﴾ بمعنى استولى تحريفٌ للكَلِمِ عن مواضِعِه، لكنني أؤمنُ إيمانًا لا شكَّ فيه أن هذا الإستواءَ لا يُمَاثِلُ استواءَ المخلوقين في أيِّ حالٍ من الأحوالِ، استوائي على الفلك، أو على البعير لو أُزيلَ ما استويتُ عليه لسقطْتُ لا شكَّ، لكن استواءَ اللهِ على العرشِ ليس كذلك، ليس استواءَ احتياجٍ. أعني استواءُ اللهِ على العرشِ ليس استواءَ احتياجٍ إلى العرشِ؛ لأنَّ اللهَ غنيٌّ عن العرشِ وعن غيرِهِ، لكنه استواءُ عظمةٍ وسلطانٍ.
حَقِّقُوا العقيدةَ، لا تَغُرَّكُم الأوهامُ، وما ذنبُ الإنسانِ إذا قال: أنا أؤمنُ بكلِّ
стр. 106
ما أَثْبَتَه لنفْسِه؟ ليس ذَنْبًا، بل هذا حقيقهُ الإنقيادِ والإستسلامِ للهِ ، لكن يجبُ شيءٌ واحدٌ، وهو أن تُؤْمِنَ بأنه لا مثيلَ له؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحلِ: ٧٤]، وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرةِ: ٢٢]، وأشباهُ ذلك، وأنت يا أخي لا تَعْلَمُ الغيبَ، اللهُ هو الذي يَعْلَمُ، وهو أَخْبَرَكَ عن نفْسِه بكذا، فقل: آمَنَّا وَصَدَّقْنَا.
وقد ذَكَرَ شيخُ الإسلامِ (١) ﵀ أن المُعَطِّلَةَ أقسامٌ: قِسْمٌ عَطَّلوا البعضَ، وقِسْمٌ عَطَّلُوا الصفةَ دون الإسمِ، وقسْم عطَّلُوا الإسمَ والصفة، نفيًا لا إثباتًا؛ يعني بمعنى قالوا: لا نَصِفُ اللهَ بشيءٍ ثابتٍ، لكن نَصِفُه بالنَّفْيِ.
وقسمٌ قالوا: لا نَصِفُهُ لا بالنفيِ ولا بالإثباتِ، إن وصفناه بثابتٍ شَبَّهْنَاه بالموجوداتِ، وإن وَصَفْنَاه بمنفيٍّ شَبَّهْنَاه بالمعدوماتِ.
فائدةٌ: يجبُ أن نعرفَ أن التأويلَ يُرادُ به التفسيرُ، فيدخلُ فيه التضمينُ، وهذا هو الذي قال فيه الرسولُ ﷺ لابنِ عباسٍ: "اللهمَّ فَقِّهْهُ في الدينِ وعَلِّمْه التأويلَ" (٢) يعني: التفسيرَ.
أما التأويلُ المنهيُّ عنه في الصفاتِ، فهذا لا يسمى تأويلًا، هذا يسمى تحريفًا ولا يجوزُ أن نُسَمِّيَه تأويلًا، وإن سَمَّوْه هم تأويلًا، لكن هم يقولون: تأويلٌ كيلا ينفرَ الناسُ من صنيعِهِم، لو قالوا: أهلُ التحريفِ والسلفِ لا يَقْبَلُهُم أحدٌ، فجاؤوا بالتأويلِ تلطيفًا.
стр. 107
ولهذا نظائرُ النصارى سموا في الأخير أنفسَهم مسيحيين؛ ليضْفُوا على مِلَّتِهم المنسوخةِ أنها شرعيةٌ، وأنهم أتباعُ المسيحِ والمسيحُ ﵊ أبرأُ الناسِ منهم، ولو خرج لقاتَلَهم، وهم كاذبون على المسيحِ فيما يدَّعون، لكن سَمُّوا أنفسَهم بالمسيحيين يُضْفُون على أنفسِهم الشرعيَّةِ.
ونظيرُ ذلك أيضًا: الرافضةُ يرفضون اسمَ الرافضةِ ويغضبون عليك فسمُّوا أنفسَهم شيعةً، وأحقُّ أن يكونَ شيعيًّا أهلُ السنَّةِ؛ لأنَّهم هم الذين يحبون آلَ البيتِ محبَّةً سُنِّيَّةً شرعيَّةً، أما هؤلاء الرافضةُ فإنهم يحبون آلَ البيتِ محبَّةً شِرْكِيَّةً، أهلُ البيتِ يتبرؤون منهم بلا شكٍّ؛ ولهذا لما قال عبدُ اللهِ بنُ سبأٍ وجماعتُهُ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ: "أنت اللهُ حقًّا"، تبرأ منه، وأمرَ بالأخاديدِ فخُدَّت ومُلِئَتْ حطبًا وألقاهم في النارِ (١) حرَقَهم من شدةِ ما أصابه منهم، إذن هل يُقالُ لهؤلاء الذين غالوا في آلِ البيتِ حتى أنزلوهم فوق منزلتِهم، هل يُقالُ: إنهم شيعةٌ لآلِ البيتِ؟ أبدًا واللهِ، هم أعدى عدوٍّ لآلِ البيتِ؛ لأنَّهم أنزلوهم فوق منزلتِهم، وقد قال النبيُّ ﵊: "ما أحبُّ أن تُنْزِلُوني فوق منزلتي التي أَنْزَلَني اللهُ" (٢)، وآلُ البيتِ مثلُ النبيِّ ﵊ لا يحبون أن يُنْزَلُوا فوق منزلتهم التي أنزلهم اللهُ أبدًا.
فالضابط: أن دلَّ عَلَيْهِ الدليلُ فهو تأويلٌ، وإن لم يدلَّ عَلَيْهِ الدليلُ فهو تحريفٌ.
فإذا لَبِسْتَ ثوبَك، فقلتَ: أكلتُ خبزةً، تعني لَبِسْتَ ثوبك! هل له وجهٌ؟ فإذا كان التأويلُ ليس له وجهٌ، لا لغةً ولا شرعًا؛ فهو كُفرٌ؛ لأنَّه تكذيبٌ، ولهذا
стр. 108
نقولُ: جَحْدُ الصفاتِ نوعان: إما تأويلًا، وإما تكذيبًا. إن كان تكذيبًا، فلا شكَّ أنه كُفْرٌ، لو قال قائلٌ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: إنه لم يستوِ على العرْشِ. فكَذبٌ، فنقولُ: كُفْرٌ؛ لأنَّه مُكَذَّبٌ لو قال نعم: استوى على العرش لكن معناه استولى، قلنا: هذا تأويلٌ، ينظرُ إن كان للتأويلِ مساغٌ، إن دلَّ عَلَيْهِ دليلٌ أخذْنَا به، وإن لم يدلَّ عَلَيْهِ دليلٌ رَدَدْناه، لكن إن كان له مساغٌ لم يَكْفُرْ، وإن لم يَكُنْ له مساغٌ فإنه يَكْفُرُ.
فمثلًا: الَّذي أوحاه اللهُ إلى الرَّسولِ هو القرآنُ، إذن لم نُؤَوِّلُ، فهذا هو الَّذي أُوحِيَ إلى الرَّسولِ وسمَّاه اللهُ رُوحًا؛ لأنَّه تحيا به القلوبُ، واعلمْ أنَّنا نحن لا نُنْكِرُ التَّأويلَ فقد نُؤَوِّلُ، لكن إذ دلَّ الدَّليلُ على التَّأويلِ فلا بَأْسَ، فنقولُ في قولِهِ تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ٩٨] نقولُ: إذا أَرَدْتَ أن تَقْرَأَ. وظاهِرُ الآية: إذا فَرَغْتَ من القراءةِ فاسْتَعِذْ، والسُّنَّةُ بَيَّنَتْ هذا، فنحن لا نُنْكِرُ التَّأويلَ؛ لأنَّ التَّأويلَ الَّذي دلَّ عَلَيْهِ اللفظُ تفسيرٌ، إنَّما نُنْكِرُ التَّأويلَ الَّذي هو التَّحْريفُ، وهو التَّأويلُ بدونِ دليلٍ.
وقولُهُ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ نرى في بعضِ الكتبِ: إن اللهَ لا شبيهَ له. فهل هذا التعبيرُ يماثلُ قولَنا: إن اللهَ لا مثيلَ له؟ لا؛ ولهذا التعبيرُ بقولِنا: نؤمنُ بإثباتِ ذلك بلا تمثيلٍ خيرٌ من التعبيرِ بقولِنا: نُثْبِتُ ذلك بلا تشبيهٍ، مع أننا نرى أكثرَ الكُتُبِ التي بأيدينا أنهم يقولون: بلا تشبيهٍ، لكن هذا نَقْصٌ، التعبيرُ بلا تمثيلٍ أَوْلَى:
أولًا: لأنه تعبيرُ القرآنِ، وكلما أَمْكَنَك أن تُعَبِّرَ بالقرآنِ أو السُّنَّةِ عن المعاني التي تريدُ فهو أَوْلَى.
стр. 109
ثانيًا: أن التشبيهَ عند قومٍ يَعْنُون به إثباتَ الصفاتِ، ويقولون: كلُّ من أَثْبَتَ للهِ صفةً فهو مُشَبِّهٌ، فإذا قلتَ: بلا تشبيهٍ، وكان هذا المخاطَبُ لا يَفْهَمُ من التشبيهِ إلا الإثباتَ، فَهِمَ منك أنك لا تُثْبِتُ شيئًا، ثم إن التشبيهَ أيضًا له احتمالاتٌ، إن نَفَيْتَ التشبيهَ من كلِّ وجهٍ فهذا لا يُمْكِنُ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يشتركَ الخالقُ والمخلوقُ في أصلِ الصفةِ، فالحياةُ مثلًا عندنا حياةٌ، واللهُ تعالى حيٌّ، أصلُ الحياةِ موجودٌ، لكن المنفيَّ هو أن تكونَ حياتُنا مماثلةً لحياةِ اللهِ، السمعُ موجودٌ فينا وموجودٌ عند اللهِ فإن اللهَ تعالى سميعٌ، فلا بدَّ من اشتراكٍ في الأصلِ، وُجُودُنا: نحن موجودون والرَّبُّ كذلك واجبُ الوُجُودِ، وهلمَّ جرًّا، فصار التعبيرُ بنفيِ التمثيلِ أَوْلى من التعبيرِ بنفيِ التَّشْبِيهِ.
ونقُولَ لهؤلاء القوم قُولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمرانَ: ٨] فالقلبُ إذا زاغ - والعياذُ باللهِ - انقلب الحقُّ عنده باطلًا، وانقلب الباطلُ حقًّا، وإلا فكيف نقولُ: يقصدُ التمثيلَ؟ فأنت لو أَخْبَرْتَنِي أنك رأيتَ الفيلَ، هل أَتَصَوَّرُ أن الفيلَ مثلُ الإنسانِ؟ لا أَتَصَوَّرُ هذا، إن كنتُ قد رأيتُ الفيلَ عَرَفْتُ الفَرْقَ، وإن لم أَكُنْ رأيْتُه، فأنا أَعْلَمُ بأن بينهما فَرْقًا؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ فَرْقٌ لكان الفيلُ آدميًّا، ولا تَسْتَغْرِبُ الإنسانُ - والعياذُ باللهِ - إذا طَمَسَ اللهُ على قَلْبِهِ رأى الباطلَ حقًّا، والحقَّ باطلًا.
والآنَ ما أَعْظَمَ كلامَ الرَّبِّ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطفِّفين: ١٣] حِكاياتٌ لا يُتَصَوَّرُ لها معنًى يُوجِبُ الإيمانَ، قال اللهُ : ﴿كَلَّا﴾ يعني ليست أساطيرَ الأوَّلِينِ ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفِّفين: ١٤].
стр. 110
مسألة: خطباءُ الأشاعرةِ يُحَدِّثُون بمذهبِهم، وَيذْكُرُون أنَّ عُلماءَهم ابْنَ حجرٍ والنَّوَوِيَّ والعزَّ بْنَ عبدِ السلامِ! .
فالجوابُ: إذا قالوا: ابْنُ حجرٍ والنووِيُّ، أما ابْنُ حجرٍ ﵀ فأنا رأيي فيه أنه ليس على طريقةِ الأشعريَّةِ، فالرجلُ متذبذبٌ أحيانًا يتكلَّمُ بكلامٍ هو كلامُ أهلِ السُّنَّةِ مئةً بالمئةِ، وأحيانًا يَنْقُلُ كلامَ الأشاعرةِ وهو أحيانًا يَنْقُلُ عن شيخِ الإسلامِ مقرِّرًا قولَهُ.
وأما النووِيُّ ﵀ فصحيحٌ على مذهبِ الأشاعرةِ في جميعِ ما قرأْتُ له من كتبٍ، لكن إذا قابلونا بفلانٍ وفلانٍ نقولُ: هل أنتم تعرفون الحقَّ بالرجالِ أم الرجالَ بالحقِّ؟
إن قالوا: نعرفُ الحقَّ بالرجالِ كان عندنا شيخُ الإسلامِ ابن تيميَّةَ، وابنْ القَيِّمِ، والإمامُ أحمدُ، وغيرُهُم من العلماءِ الفحولِ، فهؤلاء مقابلَ هؤلاء، ثم لدينا شيءٌ فوق الجميعِ الصحابةُ ﵃ ائتونا بدليلٍ واحدٍ يؤيِّدُ مذهبَ الأشاعرةِ، يقولُ: استوى بمعنى استولى، لا أحدَ منهم قال: استوى بمعنى استولى، كُلُّهُم يقول: استوى بمعنى علا. عَلِمْنا هذا بأنهم يقرؤون القرآنَ، ويعرفون معناه ولم يأتِ عن أحدٍ منهم قولٌ بصرْفِ اللفظِ عن ظاهِرِه، الحمدُ للهِ الحقُّ واضحٌ، فلو قال لنا قائلٌ: إن الصحابةَ أجمعوا على أن معنى قولِهِ تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ علا عَلَيْهِ، فلا يُمْكِنُ لأحدٍ أن ينازعَ ويقولَ: لم يُجْمِعوا؛ لأننا نَعْلَمُ أن الصحابةَ يقرؤون القرآنَ ويُنْزِلُون معناه على اللغةِ العربيَّةِ، واللغةُ العربيةُ في جميعِ موارِدِها أنه إذا تَعَدَّتْ (استوى) بـ (علا) فالمرادُ العُلُوُّ.
أمَّا مَن قالَ عَن كُتب النَّووي ﵀: يَجب أن تُحرقَ، فهذا غلَط منه؛ فكيف