← Тафсир

Тафсир · id 151163

تفسير العثيمين: الشورى

ابن عثيمين

Полный текст (359 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وما يحدُث فيها من النعيمِ مُتسلسلٌ إلى ما لا نهايةَ له، وكذلك النَّارُ. وفي الماضي لم يُخْبِرْنَا اللهُ إلا عن خلقِ السَّمواتِ والأرضِ والعرشِ، وما أَشْبَهَ ذلك، لكن نَعْلَمُ أنَّ اللهَ له أن يَفْعَلَ ما شاء قَبْلَ هذه المخلوقاتِ؛ لأنَّه قادرٌ، والقادرُ على الشيءِ يجوزُ أن يَفْعَلَ، وقولُهُ : ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧]، يَشْمَلُ الماضيَ والمستقبلَ، وهذا هو الذي دلَّ عَلَيْهِ الكتابُ والسُّنَّةُ والعقلُ، وإن كان بعضُ الناسِ أَنْكَرَ على شيخِ الإسلامِ ﵀ حين صَرَّحَ بجوازِ التسلسلِ في الماضي (١)، وقالوا: هذا لا يُمْكِنُ، إذا قلتَ بالتسلسلِ في الماضي لَزِمَ أن يكونَ الخلقُ مع الخالقِ، وهذا باطلٌ إلى أَبْعَدِ الحدودِ. هل يلزمُ أن يكونَ الفعلُ مع الفاعلِ؟ إذا قلتَ: إن اللهَ فَعَّالٌ، لا يلزمُ، بل من الضروريِّ أنَّ المفعولَ قد سَبَقَهُ فِعْلٌ، وأنَّ الفِعْلَ قد سَبَقَه فاعلٌ مُريدٌ، هذا شيءٌ عقليٌّ. فأنا أقولُ لكم: البحثُ في التسلسلِ، وإتعابُ النفوسِ فيه، وإتعابُ الأفكارِ، وملءُ الأسفارِ منه، كلُّ هذا إنما حَدَثَ حينما قال به أهلُ البدعِ، ودخل على الأمةِ الإسلاميَّةِ حين عُرِّبَتِ الكتبُ الرومانيَّةُ واليونانيَّةُ، وإلا فالناسُ في غفلةٍ عن هذا، على فِطَرِهِمْ أن رَبَّنَا لم يَزَلْ ولا يزالُ فعَّالًا، وأن ذلك لا يَسْتَلْزِمُ قِدَمَ الحوادِثِ؛ فالمفعُولاتُ شيءٌ، والفاعلُ شيءٌ آخرُ، انتبهوا لهذه المسائلِ، لو فَكَّرْتُم لوجدْتُم الطريقَ الأسلمَ والأعلمَ والأحكمَ طريقَ السَّلَفِ. واستمعْ إلى القَوْلَةِ المشهورةِ الباطلةِ، التي تَجِدُونَها في كتبِ من عُرِفُوا بالصلاحِ والإصلاحِ، يقولون: "طريقةُ السلفِ أَسْلَمُ، وطريقةُ الخلَفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ".

стр. 177

سبحانَ اللهِ! كيف تَكُونُ أَعْلَمَ وأَحْكَمَ ولَيْسَتْ بأَسْلَمَ، لأنَّا نعلمُ أنَّ الأعلمَ والأحكمَ يَجِبُ أن يَكُونَ الأسلمَ، ونعلمُ أيضًا أنكم إذا أَقْرَرْتُم أنَّ طريقةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ فهي الأعلمُ والأحكمُ؛ لكن هؤلاء أتوا حيث لم يفهموا طريقةَ السَّلَفِ، ظنُّوا أنَّ طريقةَ السَّلَفِ التفويضُ، وأنْ نكونَ أمامَ آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها كالأُمِّيِّين الذين لا يَعْلَمُونَ عن الكتابِ إلا أمانِيَّ، يظنُّون أنَّ السلفيَّ إذا قلتَ له: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ما معنى ﴿وَجَاءَ﴾؟ اللهُ أعلمُ، لا أدري. ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] ما معناه؟ قال: لا أدري. ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] ما معناه؟ قال: لا أدري. هذا رأيُهُم في مَذْهَبِ السَّلَفِ، وهل هذا حقيقةُ مذهبِ السَّلَفِ؟ لا، أبدًا السَّلَفُ يقولُ: نَعْرِفُ المعنى، نَعْرِفُ ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أنه أتى على وَجْهٍ يليقُ بجلالِهِ، أنَّ له وجهًا يليقُ بجلالِهِ، أنَّ له استواءً يليقُ بجلالِهِ، نَعْلَمُ هذا، ونعرفُ المعنى لكن تسأَلُنِي الكيفيَّةَ لا أستطيعُ أن أتكلَّمَ؛ لأَنَّه ليس لي عِلْمٌ بهذا. هم لمَّا ظنوا أنَّ مذهبَ السلفِ هو التفويضُ - يعني: تفويضُ المعنى والكيفيَّةِ - قالوا: طريقةُ الخلفِ أَعْلَمُ وأَحْكَمُ. ونحن معهم، إذا كان مَذْهَبُ السلفِ أنهم لا يَفهمون المعنى؛ فالذي يَفْهَمُ المعنى أحسنُ من الذي لا يَفْهَمُ، لا شكَّ في هذا، وإن كان فَهْمَهُم خاطئًا لكن طريقَتَهُم سليمةٌ، إلا أننا نقولُ لهم: طريقةُ السلفِ إثباتُ المعاني، وهذا مشهورٌ متواترٌ عنهم، يقولون في آياتِ الصفاتِ وأحاديثِها: أَمَرُّوها كما جاءت بلا كَيْفٍ. هذه الجملةُ التي اتفق عليها السَّلَفُ، تدلُّ على أنهم يُثْبِتُونَ المعنى من وجهين: أولًا: أنَّهم قالوا: أَمَرُّوهَا كما جاءت. ونحن نَعْلَمُ أنَّ اللهَ تعالى أتى بها، ورسولَهُ أتى بها لإثباتِ معانٍ؛ ليس لتُقْرَأَ ألفاظًا جوفاءَ.

стр. 178

ثانيًا: قولُهُم: بلا كيفٍ؛ يدلُّ على ثبوتِ أصْلِ المعنى؛ لأنَّ نفيَ الكيفِ عما ليس بموجودٍ لغوٌ من القولِ، فإذنْ أصلُ المعنى موجودٌ، والكيفيَّةُ مجهولةٌ، والإمامُ مالكٌ ﵀ حين سُئِلَ عن الإستواءِ، قال: الإستواءُ غَيْرُ مجهولٍ، والكيفُ غيرُ معقولٍ، والإيمانُ به واجبٌ، والسؤالُ عنه بِدْعَةٌ (١). هم لما ظنوا أنَّ السَّلَفَ لا يُثْبِتُونَ المعانيَ قالوا: إنها أَسْلَمُ، ونحنُ نَقُولُ لهم: إمَّا أن تكونوا كاذبين على السَّلَفِ، أو جاهلين بحقيقةِ مَذْهَبِهم، لا تَخْرُجُون عن هذا، فكلامُهُم هذا عن السلفِ لا يخلو من ظُلْمٍ، وهو إما القولُ بلا عِلْمٍ، أو الكذبُ على السَّلَفِ، وكلاهما ظُلْمٌ؛ فهُم ظالمون للسلفِ بهذا الكلامِ، الذي قالوا: إنه مذهبُ السلَفِ. فمن يقولُ: إن أَهْلَ السُّنَّةِ قِسمانِ مُفَوِّضَةٌ وَمُؤَوِّلَةٌ، نقول له: لا تَكُنْ كالغرابِ أراد أن يُقَلِّدَ كالحمامةِ ولم يَعْرِفْ، ثم أراد أن يَرْجِعَ إلى مِشْيَتِهِ وَضَيَّعَهَا، فَبَقِيَ لا شيءَ عنده؛ فمن قال: إن أهلَ السُّنَّةِ أهلُ تفويضٍ على وَجْهِ الإطلاقِ فهو كاذبٌ، بل أهلُ السُّنَّةِ مُفَوِّضَةٌ للكيفيَّةِ، غيرُ مُفَوِّضَةٍ للمعنى، وكلامُ الإمام مالكٍ ﵀ الذي تقدَّم واضحٌ قال: "الإستواءُ غَيْرُ مجهولٍ، وَالكَيْفُ غيرُ معقولٍ". هنا نُفَوِّضُ. والظاهرُ أن المُفَوِّضَةَ خرجوا بعدما خَرَجَتْ بِدْعَةُ التعطيلِ، فقد عجزوا أن يُقابلوا أهلَ التعطيلِ فقالوا: إذن نُفَوِّضُ، لأنَّ أهلَ التعطيلِ الجهميَّةَ صار لهم شأنٌ كبيرٌ، فضغطوا على علماءِ السُّنَّةِ، وعَجَزُوا عن مقاوَمَتِهم، فقالوا: إذن لا نقولُ لا بهذا ولا بهذا، نُفَوِّضُ الأمرَ.

стр. 179

وأما من زَعَمَ أن الإمامَ مالكًا ﵀ مُفَوِّضٌ فقد كَذَبَ، هذا كلامُهُ قال: "الإستواءُ غيرُ مجهولٍ". يعني معلومٌ ولا يَجْهَلُهُ أحدٌ، وأما قولهم: "أَمَرُّوها كما جاءت"، فنعم - واللهِ - قالوا هكذا: أَمَرُّوها كما جاءت بلا كيفٍ. هذا حقٌّ. فإن قال قائلٌ: إذا أَمْرَرْنَاها كما جاءت، فهل نُثْبِتُ اللفظَ فقط دون المعنى؟ فالجوابُ: لا؛ لأنَّها ألفاظٌ جاءت لمعانٍ لم يُنْزِلْهَا اللهُ ألفاظٌ جوفاءُ لا معنى لها، أو لها مئةُ معنًى ولا ندري أيها المرادُ أبدًا، فنقولُ: أَمْرَرْنَاها كما جاءت؛ أي: ألفاظًا لمعانٍ، ثم قولُهُم: بلا كَيْفٍ. يدلُّ على إثباتِ المعنى؛ لأنَّه لولا ثبوتُ المعنى ما صحَّ أن يقولوا: بلا كيفٍ؛ إذ نفيُ الكيفِ عما ليس بالموجودِ لغوٌ من القولِ، يُنَزَّهُ عنه كلامُ السلفِ. فمن استدلَّ بقولِ السَّلَفِ هذا قلنا: هذا دليلٌ عليك وليس لك، وأنا أعطيكم فائدةً: عن شيخِ الإسلامِ ابْنِ تيميَّةَ ﵀ كلُّ إنسانٍ يَسْتَدِلُّ بدليلٍ صحيحٍ ثبوتًا، فإنه سيكونُ دليلًا عليه، سبحانَ اللهِ! كلُّ إنسانٍ يستدلُّ بدليلٍ صحيحٍ ثبوتًا على باطلٍ فسيكونُ دليلًا عليه. هذه قاعدةٌ، وشيخُ الإسلامِ الْتَزَمَ بها قال: أنا أَلْتَزِمُ أن كلَّ إنسانٍ يأتي بدليلٍ صحيحٍ ثبوتًا يعني: ثابتًا ثبوتًا لا شكَّ فيه على باطلٍ؛ أَلْتَزِمُ أن أَجْعَلَه دليلًا عليه؛ لأنَّ استدلالَ أهلِ الباطلِ بالدليلِ الصحيحِ معناه: أنه يَشُمُّ منه رائحةَ المعنى، ولا يُمْكِنُ أن يكونَ المعنى الذي يُشَمُّ من هذا الإستدلالِ باطلًا. ولذلك تَأَمَّلْ - إذا فَتَحَ اللهُ عليك - جميعَ الأقوالِ الباطلةِ التي يستدلُّ قائلوها بدليلٍ صحيحٍ من الكتابِ والسُّنَّةِ، فسترى أن ما استدلوا به دليلٌ عليهم، هذه الجملةُ التي ذُكِرَتْ أَمَرُّوهَا كما جاءت بلا كيفٍ، الآن فَهِمْنَا أنها تَرُدُّ عليهم من وَجْهَيْنِ:

стр. 180

الوجهُ الأوَّلُ: أننا إذا أَمْرَرْنَاها كما جاءت لَزِمَ من ذلك إثباتُ المعنى؛ لأننا نَعْلَمُ أن اللهَ لن يخاطِبَنَا بشيءٍ لا نَعْرِفُ معناه أبدًا، لا يُمْكِنُ هذا، لا سِيَّما في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ التي هي العقيدةُ. فالمُفَوِّضُ لا يُثْبِتُ معنًى أصلًا، يعني: هؤلاء المُفَوِّضَةُ نقرأُ عليهم قولَ اللهِ تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢] إلى آخر السُّورةِ، سبعةَ عَشَرَ اسمًا! نقول له: ما معناها؟ فيقول: واللهِ لا ندري. ونقول: تُثْبِتُ أن له رحمةً؟ قال: لا أدري. ونقول: تُثْبِتُ أنه مَلِكٌ له المُلْكُ؟ قال: لا أدري! أنا عليَّ أن أَقْرَأَ القرآنَ فقط. فهل يُعْقَلُ أن يكونَ هذا مذهبًا لأهلِ السُّنَّةِ، هذا مذهبٌ للجهَّالِ وعلماءُ السُّنَّةِ - والحمدُ للهِ - فيهم العلماءُ الفحولُ، الذين جمعوا بَيْنَ العِلْمِ بالمعقولِ والمنقولِ، ثم يا سبحانَ اللهِ، هل يُمْكِنُ أن نقولَ: إن أبا بكرٍ، وعُمرَ، وعثمانَ، وعليًّا، وابْنَ مسعودٍ، وابْنَ عبَّاسٍ، وغَيْرَهم يَقْرؤون القرآنَ وهم لا يعرفون معناه في أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ؟ إن كنا نعتقدُ هذا فهو أكبرُ قَدْحٍ في الصحابةِ، بل إنهم يقولون: إن الرسولَ ﷺ يُحَدِّثُ بالحديثِ ولا يدري معناه، أعوذُ باللهِ. قالوا: إنه قال: "يَنْزِلُ رَبُّنا إلى السماءِ الدُّنْيا حين يبقى ثُلُثُ الليلِ الآخِرُ" (١) ما معناها يا رسولَ اللهِ؟ أيقول: واللهِ لا أدري! فهل يُعْقَلُ هذا؟ ! لكن عند المضايقاتِ في المناظرةِ تَجِدُ الإنسانَ يرتقي مرتقًى صعبًا هو نَفْسُهُ يَعْرِفُ أنه غيرُ صوابٍ لو تَأَمَّلْ.

стр. 181

الثاني: قولُهُم: بلا كيفٍ. يدلُّ على أن المعنى موجودٌ، ولولا ثبوتُ أصلِ المعنى ما صحَّ أن يقولوا: بلا كيفٍ. مسألةٌ: المعِيَّة إذا قُلنا أنَّ مَعناها العِلم فَسَّرْنَاها بلازِمِها، وقصَّرْنا في معناها؛ لأَنَّه معهم بعِلْمِه وسَمْعِهِ وبَصَرِه وسلطانِه، وغيرِ ذلك، كما ذكر ذلك ابنُ كثيرٍ في تفسيرِهِ (١) ﵀ وقد ذَكَرَ ابنُ رجبٍ أيضًا في جامعِ العلومِ والحِكَمِ (٢) أنَّه ليس معهم بالعلمِ فقط، بل بكلِّ ما تقتضيه الربوبيَّةُ: من علمٍ، وسمعٍ، وبصرٍ، وقدرةٍ، وسلطانٍ، وغيرِ ذلك. ثانيًا: المَعيَّةُ شيءٌ والعلمُ من لازِمِها ومقتضياتِها، فهي أشملُ إحاطةً ومعنًى، لكنهم يُفَسِّرُونها بالعِلْمِ، ردًّا لقولِ أولئك القومِ الذين يقولون إن اللهَ معَنا في نفسِ المكانِ، والعامِّيُ عندما تقولُ له: المَعِيَّةُ لها معنًى، والعِلْمُ مُقتضاها ولازِمُها لا يَفْهَمُ، والحملةُ الشديدةُ في ذلك الوقتِ في زمنِ الأئمةِ بالنسبةِ لتحريفِ المعيَّةِ، فلذلك أتوْا بهذا المعنى السَّهْلِ، الذي يَتَصَوَّرُه الإنسانُ عن قُرْبٍ. * * *

стр. 182

الآية (١٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨]. * * * قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [يقولون: متى تأتي؟ ظنًّا منهم أنَّها غيرُ آتيةٍ] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾؛ أي: يستعجلونها أين هي؟ متى تَكُونُ؟ ليس ذلك حرصًا عليها، ولا رَغبةً فيما يكونُ فيها من الخيرِ، ولكنه استبطاءٌ لها، وإنكارٌ لها، أين الساعةُ التي تقولون؟ كما قال : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥] وهم بهذا مُلَبِّسون مُشَبِّهُون؛ لأنَّهم لم يُقَلْ لهم إنهم يأتون في الدنيا، بل يأتون يومَ القيامةِ. فالرسُلُ لم تَقُلْ: إن آباءكم سيأتون وأنتم أحياءٌ، لأنَّ من مات لا يُبْعَثُ إلى يومِ القيامةِ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦] اللهمَّ إلا أن تكونَ آيةً من آياتِ الرسُلُ، كما جرى لعيسى ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أما الذين آمنوا فيقولُ اللهُ عنهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [خائفون] ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ والإشفاقُ أشدُّ الخوفِ، وتفسيرُ المُفسِّر

стр. 183

له بالخوفِ تقريبٌ، وليس على وجهِ التحديدِ، والإشفاقِ خوفًا وزيادةً، مُشفِقون منها خائفون منها؛ لأنَّهم يَعْلَمُون أنَّها الحقُّ، وأنها ستقومُ، وستكونُ الأهوالُ العظامُ، ستكونُ ﴿الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وسَتُدَكُّ الأرضُ، وكُلما ذُكِرَ في الكتابِ والسُّنَّةِ مما يكُونُ في الآخرةِ، فإنَّ الذين آمنوا مؤمنون به، مشفِقون منه. قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [يُجَادِلُونَ] ﴿فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. قوله: ﴿أَلَا﴾ أداةُ استفتاحٍ الفائدةُ منها التنبيهُ والتحقيقُ والعنايةُ، ولهذا تأتي بعدها غالبًا (إنَّ)، و ﴿إِنَّ﴾ للتوكيدِ، مثل قولِهِ تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، فإذنْ: (أَلا) أداةُ استفتاحٍ تفيدُ التوكيدَ والتنبيهَ والتحقيقَ والعنايةَ. وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (إنَّ) للتوكيدِ، واللامُ في قولِهِ: ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ لامُ التوكيدِ داخلةٌ على الخبرِ ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: لفي ضلالٍ بعيدٍ عن الهدى؛ لأنَّ الضلالَ قد يكونُ قريبًا، ويهتدي الإنسانُ عن قُرْبٍ، وقد يكونُ بعيدًا فلا يهتدي - والعياذُ باللهِ - إلا بعدَ التي واللُّتَيَّا. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أن مُنْكِري الساعةِ يستعجلونها، يقولون: "متى؟ "، والمُرادُ بقولِهم: "متى؟ " الإنكارُ، كما قال : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥]. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المؤمِنَ بالساعةِ خائفٌ منها، لقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ [الشورى: ١٨]، ولكنهم مشفِقون منها. يعني: خائفين خوفًا يَحْمِلُهم

стр. 184

على العملِ لها؛ لا خَوْفَ ذعرٍ فقط، بل خوفٌ يَحْمِلُهُم على العملِ لها، وهذا هو الخوفُ النافعُ، أما مجردُ الذعرِ فلا يكفي. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارةُ إلى ترجيحِ جانبِ الخوفِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى امتدحَ الذين يخافون من الساعةِ، وهذه المسألةُ اخْتَلَفَ فيها أربابُ السلوكِ والمعارفِ أيُّهُما أَفْضَلُ أن يُغَلِّبَ الإنسانُ جانبَ الخوفِ، أو جانبَ الرجاءِ؟ فقال الإمامُ أحمدُ ﵀: ينبغي أن يكونَ خوفُهُ ورجاؤُهُ واحدًا؛ فأيُّهُما غَلَبَ هَلَكَ صاحبُه (١). استمعْ إلى كلامِ الإمامِ أحمدَ، يقول: ينبغي أن يكون خوفُهُ ورجاؤُهُ واحدًا؛ فأيَّهُما غَلَّبَ هَلَكَ صاحبُه؛ لأنَّه إن غَلَّب جَانِبَ الخوف وقعَ الإنسانُ في القنوطِ من رحمةِ اللهِ، وإن غلَّبَ جانبَ الرَّجاءِ وَقَعَ في الأمنِ من مكرِ اللهِ، وكلاهما خطرٌ على الإنسانِ. وقال بعضُ العلماءِ: ينبغي عند إرادةِ العملِ السَّيِّئِ - يعني: عند إرادةِ المعصيةِ - أن يُغَلِّبَ جانبَ الخوفِ؛ لئلا يَقَعَ فيها، وعند فعل الطاعةِ أن يُغَلِّبَ جانبَ الرَّجاءِ، وهذا جيِّدٌ جدًّا؛ لأنَّه عند الهمِّ بالمعصيةِ إذا لم يُغَلِّبْ جانبَ الخوفِ وَقَعَ فيه، وعند فعلِ الطاعةِ إذا لم يُغَلِّبَ جانبَ الرجاءِ لم يَنْشَطْ على الطاعةِ. فعليه نقولُ: إن تغليبَ أحدِ الجانِبَيْنِ الخوفِ والرَّجاءِ يَرجِعُ إلى حالِ الشَّخصِ، في حالِ الهمِّ بالمعصيةِ يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ، وفي حالِ فعلِ الطاعةِ يُغَلِّبُ جانبَ الرَّجاءِ؛ لئلا يَقْنَطَ من رَحْمَةِ اللهِ، وييأسَ من رَوْحِ اللهِ؛ فيغَلِّبُ جانبَ الرجاءِ، ويكونُ رجاؤُهُ هذا مبنيًّا على أنه لمَّا يَسَّرَ اللهُ له فِعْلَ الطاعةِ؛ فإن رجاءَهُ باللهِ يكونُ أعظمَ وأَمْتَنَ؛ فيكونُ اللهُ تعالى عند حُسْنِ ظنِّه به. هذان قولان.

стр. 185

القولُ الثالثُ: في حالِ المرضِ ودنوِّ الأجلِ يُغلِّبُ جانبَ الرَّجاءِ؛ حتى يموتَ وهو مُحْسنٌ ظَنَّه باللهِ وفي حالِ الصِّحَّةِ يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ؛ لأنَّ الإنسانَ إذا كان صحيحًا، فإنه يكونُ عنده شيءٌ من البَطَرِ والأشَرِ، ورُبَّما يُقْدِمُ على المعاصي والتهاوُنِ بالواجباتِ، فيُغلِّبُ هنا جانبَ الخوفِ، ولهذا جاء في الحديثِ: "نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ الصِّحَّةُ والفراغُ" (١) وعند العوامِّ يقولون: نعمتان مجحودتان: الصِّحَّةُ في الأبدانِ، والأمْنُ في الأوطانِ. وهذا ليس صحيحَّاَ، الصحيح: "نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناسِ الصِّحَّةُ والفراغُ". ولم يكن فارغًا إلا لأنَّه غَنِيٌّ؛ لأنَّ الفقيرَ لا يكونُ فارغًا، يعملُ ويَكْدَحُ ويَكْتَسِبُ، فهاتان النعمتان كثيرٌ من الناسِ مغبونٌ فيهما؛ لأنَّه لا يَرْبَحُ فيهما. إذنِ القولُ الثَّالثُ أنه في حالِ المرضِ يُغلِّبُ جانبَ الرجاءِ، وفي حالِ الصِّحَّةِ يُغَلِّبُ جانبَ الخوفِ، ولكنَّ القولَ الوسطَ هو القولُ الثاني: إذا هَمَّ بالمعصيةِ فَلْيُغَلِّبْ جانبَ الخوفِ، وإذا فَعَلَ الطاعةَ فليغَلِّبْ جانبَ الرجاءِ. مسألةٌ: هُناك كتابٌ يَتحدَّث عن تاريخِ نِهايةِ أُمَّة الإسلامِ، ويَستدِلُّ صاحبُه بأحاديثَ صحَّحها بعضُ العلماء، ويَنقل كلامَ بعضِ أهل العِلم في ذلِك، ويقولُ: بَقِي عليها سَبعُون سنةً أو ستُّون سنةً، قد تزيدُ قليلًا أو تَنْقُصُ قليلًا، أمَّا علمُ الساعةِ فعند اللهِ ، ويقول: فهذا عُمرُ أمَّةِ الإسلامِ. الجوابُ: لا شكَّ أن هذا كَذِبٌ، ودَجَلٌ واتِّبَاعٌ للمتشابِهِ، عندنا آياتٌ صريحةٌ مثل الشمسِ: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

стр. 186

لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] كيف يجيءُ واحدٌ يقولُ: أنا أَعْلَمُ؟ ! أمَّا عُمرُ الأمةِ الإسلاميَّةِ، بمعنى أنَّ الإسلامَ يزولُ بعد هذه المُدَّةِ، فهذا قد يقولُ قائلٌ: إنه مُمْكِنٌ، وقد يقولُ: إنه غيرُ ممكِنٍ العلمُ به؛ لأنَّ قيامَ الساعةِ يكونُ على شرارِ الخَلْقِ؛ حتى لا يُقالَ: اللهُ اللهُ، لكن هذا ما عندنا عِلْمُه، فكلُّ هذا باطلٌ، وكلُّ هذا يجبُ أن يُكَذَّبَ ويُنْكَرَ. وأما الأحاديثُ التي يستدلُّ بها، فينظر أولًا في سَنَدِها وصِحَّتِها؛ وليس كلُّ ما صَحَّحَه فلانٌ أو فلانٌ يكونُ صحيحًا، البُخاريُّ ﵀ قد يَذْكُرُ تعاليقَ هو يَجْزِمُ بصِحَّتِهَا، كما قالوا: إنَّه إذا ذَكَرَ تعليقًا مجزومًا به عنده فهو صحيحٌ عنده، ومع ذلك هي ضعيفةٌ وهو إمامُ المُحَدِّثِينَ. وثانيًا: إذا تمَّ النظرُ في صِحَّتِها وصارتْ صحيحةً؛ فينظرُ في دلالاتِها، فلا يُمْكِنُ أن تَدُلَّ الأحاديثُ الصحيحةُ عن النبيِّ ﷺ بخلافِ ما جاء في القرآنِ، وبخلافِ ما هو صريحٌ، وقولُ الرسولِ صحيحٌ بالسُّنَّةِ، وقولُ الرسولِ ﷺ : "أتاكم يُعَلِّمُكُم دينَكُم" (١) يدلُّ على أن من ديننا أن نُؤْمِنَ بأنه لا عِلْمَ لأحدٍ بقيامِ الساعةِ. * * *

стр. 187

الآية (١٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩]. * * * قولُهُ: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ الجملةُ استئنافيَّةٌ، وهي مبتدأٌ آية ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ لا يخفى أنَّها مبتدأٌ وخبرٌ، ومعنى اللطيفِ هو الذي يَلْطُفُ بالعبدِ، فيُقَدِّرُ له من التيسيرِ ما لا يَخْطِرُ له على بالٍ، قال ابنُ القَيِّمِ ﵀ في النونيَّةِ (١): وهو اللطيفُ بعبْدِه ولعَبْدِه ... .................... لطيفٌ به، يَرْفُقُ به ويُيَسِّرُ له الأمرَ، لطيفٌ لعبْدِه يُقَدِّرُ له من الأمورِ الخارجيَّةِ ما يكونُ فيه اللطفُ. كما قال : ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ إذن: اللطافةُ تعتبرُ كنايةً عن تيسيرِ الأمرِ وتسهيلِ الأمرِ لمن شاء من عبادهِ. لكن هنا يقولُ المُفسِّر ﵀: [﴿بِعِبَادِهِ﴾ بَرُّهُمْ وَفَاجِرُهُمْ]. حتى الفاجرُ اللهُ لطيفٌ به، لطيفٌ به بالمعنى العامِّ. ولهذا يُنَزِّلُ عليهم المطرَ، ويُنبتُ لهم النباتَ، ويدفعُ عنهم الشرورُ ... إلخ. فاللهُ لطيفٌ بالعبادِ كُلِّهِم؛ البَرِّ والفاجِرِ، لكنَّ لُطْفَه بالبَرِّ لطفٌ خاصٌّ، مُستمرٌّ في الدنيا وفي الآخرةِ، ولُطْفَه بالفاجرِ لُطْفٌ عامٌّ، يكونُ ابتلاءً وامتحانًا، وربما يزدادُ به الفاجرُ فجورًا بما لطف اللهُ به، كما قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ ليُملي للظالِمِ

стр. 188

حتى إذا أَخَذَه لم يُفْلِتْهُ" (١). قال المُفسِّر ﵀: [حيث لم يُهْلِكْهُم جوعًا بمعاصيهم]، وإنما فَسَّرها بقولِهِ: [حيث لم يُهْلِكْهُم جوعًا بمعاصيهم] توطئةً لقولِهِ تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ ﴿يَرْزُقُ﴾ أي: يعطي، فالرِّزقُ بمعنى العطاءِ، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ﴾ أي: أَعْطُوهُمْ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من كلٍّ منهم ما يشاءُ]؛ لأنَّ المسألةَ فيها مرزوقٌ وفيها رزقٌ، والمرزوقُ عَبَّرَ عنه بقولِهِ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ وأتى بـ (من) التي للعقلاءِ، والمرزوقُ قَدَّرَها الشارحُ بقولِهِ: [ما يشاءُ]. إذن: لدينا رزقٌ ومرزوقٌ، المرزوقُ عَبَّرَ اللهُ عنه بقولِهِ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ والرزقُ حُذِفَ لِلْعِلْمِ به، وقَدَّرَهُ المفَسِّرُ بقولِهِ: [ما يشاءُ]. ونظيرُ هذا قولُهُ تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾. وقولُهُ: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ تَرِدُ كثيرًا في القرآنِ أشياءُ معَلَّقَةٌ بالمشيئةِ؛ فهل هذه الأشياءُ المعَلَّقَةُ بالمشيئةِ هي لمشيئةٍ مُجَرَّدَةٍ أو لمشيئةٍ مقرونةٍ بالحكمةِ؟ الجوابُ: الثاني، يتعيَّنُ هذا؛ لأنَّ اللهَ في أفعالِهِ لا يفعلُ إلا الحكمةَ؛ كلَّما وجدْتَ مُضافًا إلى اللهِ معلَّقًا بالمشيئةِ، فاعلمْ أنه مقرونٌ بالحكمةِ. ودليلُ ذلك: قولُهُ ﵎: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، ففي هذا إشارةٌ إلى أنَّ مشيئةَ اللهِ صادرةٌ عن عِلْمٍ وحكمةٍ،

стр. 189

فَخُذْها بقلبِكَ، كلما وجدْتَ شيئًا من أفعالِ اللهِ، أو أحكامِ اللهِ الشرعيَّةِ مُعلقًا بالمشيئةِ فاعلمْ أنه مقرونٌ بالحكمةِ؛ خلافًا لمن قال من الجهميَّةِ وغيرِهِم: إنَّ أفعالَ اللهِ تعالى لمجرَّدِ المشيئةِ، وليست مقرونةً بحكمةٍ. قولُهُ: ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القويُّ ضدُّ الضعيفِ؛ يعني ذا القوَّةِ الكاملةِ، التي لا يَلْحَقُهَا ضعفٌ، ولنسألْ أَنْفُسَنا: هل لدينا قوةٌ كاملةٌ؟ الجوابُ: لا، ثم لا، ثم لا، وهل قُوَّتُنا النَّاقصةُ تستمرُّ؟ لا، وهل قُوَّتُنا الناقصةُ ثابتةٌ لنا من حين وُلِدْنا؟ لا، واستمعْ إلى قولِ اللهِ : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ هذا واحدٌ، مرةً ثانيةً ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ هكذا حالُ الإنسانِ، ولا مفرَّ منها، الرَّبُّ هو القويُّ ذو القوَّةِ التامَّةِ التي لم تَزَلْ ولا تزالُ. واستمعْ إلى قولِ عادٍ حين فخروا بقُوَّتهم؛ وقالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ فقال اللهُ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ اللهُ أكبرُ، لو قالت أمريكا الآن: من أشدُّ مِنَّا قوةً، ماذا نقولُ؟ اللهُ الذى خَلَقَكَم، أنتم الآن مخلوقون ضعفاءُ، ولو شاء اللهُ لَسَلَبَكم القوةَ والقدرةَ والعقولَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى الذي خَلَقَكُم هو أشدُّ منكم قُوَّةً، وكذلك غيرُها من الدولِ الذين يعتزُّون بقُوَّتِهِم المادِّيَّةِ، نقول: إن فوقكم رَبَّ العبادِ الذي خَلَقَكُم ولم تكونوا شيئًا فهو أشدُّ منكم قُوَّةً. وقد يكونُ تفتيتُ القوةِ من نفسِ القوةِ؛ فالإتحادَ السوفيتيَّ كان يُهَدِّدُ العالمَ من قَبْلُ والآن الإتحادُ السوفيتيُّ فَتَّتَه اللهُ من داخِلِهِ. فالمهمُّ أن اللهَ هو القويُّ الكاملُ القُوَّةِ، ولا يُمْكِنُ أن يَلْحَقه ضَعْفٌ. هنا فائدةٌ: هناك قدرةٌ وقوةٌ، وهناك ضعفٌ وعجزٌ، الذي يُقابِلُ القوَّةَ الضَّعْفُ، والدليلُ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ [الروم: ٥٤] والذي يقابِلُ القدرةَ العجْزُ،

стр. 190

والدليلُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤] لم يَقُلْ: عليمًا قويًّا، أيُّهُما أشدُّ وأكْمَلُ؟ نقولُ: كلُّ شيءٍ بحسَبِ، القدرةِ لا يُوصَفُ بها إلا ذَوُو الإرادةِ؛ فالجدارُ مثلًا لا تقُل: إنه قديرٌ، والقوةُ يوصَفُ بها ذوو الإرادةِ وغيرُهُم، تقولُ: الجدارُ قويٌّ، والحجارةُ قويَّةٌ. لكن لا تقولُ: قديرةٌ. والقوةُ أَكْمَلُ من جهةٍ أخرى؛ لأنَّه ليس كُلُّ قادرٍ قويًّا، فلو امتحنَّا واحدًا منكم، وقلنا: احملْ هذا الحَجَرَ، فأراد أن يَحْمِلَهُ عَجَزَ أن يُقِلَّه عن الأرضِ، فهل نقولُ هذا غيرُ قويٍّ أم غير قادرٍ؟ الجوابُ: غير قادرٍ؛ لأنَّه عجَز لم يُزَحْزِحْه. ولو قلنا لآخَرَ: احمِلْ هذا الحَجَرَ؛ فكشف عن ذراعيه ثم حَمَلَه، لكنه تَعَثَّرَ، نقولُ: غير قويٍّ، فهو قادرٌ، الآن حَمَلَه، لكنه غَيْرُ قويٍّ. فصارت القوةُ من هذه الناحيةِ أَكْمَلُ؛ لأنَّها هي القدرةُ على الشيءِ بلا ضعفٍ. هنا يقولُ : ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿الْعَزِيزُ﴾ يعني: الغالبُ على أَمْرِه]؛ قَسَّمَ العُلَماءُ ﵏ العزَّةَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: عِزَّةَ القَدْرِ، وعزَّةَ القَهْرِ، وعزَّةَ الإمتناعِ. الأولُ: عزَّةُ القَدْرِ: يعني: أن قَدْرَه عظيمٌ؛ لا نظيرَ له، ومنه قولُ العربِ: هذا عزيزٌ. يعني: نادرُ الوجودِ، هذه عزَّةُ القَدْرِ. الثاني: عزَّةُ القَهْرِ: يعني: الغلبةَ، وهذا أكثرُ ما تَرِدُ بهذا المعنى؛ فالعزيزُ بمعنى الغالِبِ، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ردًّا على قولِ المنافقين؛ ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾. الثالثُ: عزَّةُ الإمتناعِ، يعني: أنه يمتنعُ عَلَيْهِ السوءُ ويمتنعُ عَلَيْهِ النقصُ؛ يُحاولُ المجرمون أن يصفوه بالنقصِ، ولكنه يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، ومنه قولُهُم: هذه أرضٌ

стр. 191

عزازٌ. يعني: شديدةٌ صلْبَةٌ، الشديدةُ الصُّلْبةُ التي لا تُؤَثِّرُ فيها المَعاولُ، يقولون: إنها عزازٌ، وفي لغتنا نحن العامَّةَ يقولون: عَزا فيحذفون الزاي الثانيَةَ أرضًا عزا؛ يعني: صُلْبَةً. قال ابْنُ القَيِّمِ ﵀ (١): وهُو العزيزُ فلن يُرامَ جَنَابُه ... أنى يُرامُ جنابُ ذي السلطانِ وهُو العزيزُ القاهرُ الغلَّابُ لم ... يَغْلِبْه شيءٌ هذه صفتانِ وهُو العزيزُ بقوةٍ هي وصفُهُ ... فالعزُّ حينئذ ثلاثُ معانِ وهُو الذِي كمَلت له سبحانَه ... مِن كُلِّ وجهٍ عادِم النُّقصانِ فالعزُّ له ثلاثةُ معانٍ: اللهُ هو القويُّ، وهو الغالبُ، وإذا جُمِعَ بيْنَ القُوَّةِ والغَلَبَةِ كَمُلَ السلطانُ؛ لأنَّ من النَّاسِ من يكونُ قويًّا ولكن لا يَغْلِبُ؛ أرأيْتُمْ لو كان هناك رجلٌ قويًّا جدًّا قُوَّةَ الحِصانِ، لكنه جبانٌ؛ فإنه لا يَغْلِبُ، لأَنَّه جبانٌ؛ إذا اجتمعتِ القوةُ والعزةُ كَمُلَ السلطانُ ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ ... إلخ * * *

стр. 192

الآية (٢٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠]. * * * قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ لا يخفى علينا جميعًا من حيث الإعرابُ أنَّ (مَنْ) هنا شرطيَّةٌ. والدليلُ قولُهُ: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ حيثُ جاء الجوابُ مجذومًا، وهذا فيه: أنَّ فِعْلَ الشرطِ يكونُ ماضيًا، والجوابُ يَكُونُ مضارعًا؛ لقولِهِ: ﴿مَنْ كَانَ﴾ الجوابُ: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ وكذلك بالعكس قد يكونُ فعلُ الشرطِ مضارعًا والجوابُ ماضيًا. مثلَ: مَنْ يَشْكُرِ اللهَ زادَهُ اللهُ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ﴾ بِعَمَلِه ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾؛ أي: كَسْبُها وهو الثوابُ ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾] بالتضعيفِ فيه، الحسنةُ إلى العشرةِ أو أكثرَ. ﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ أصلُ الحرثِ ما يُحْرَثُ للنماءِ والزيادةِ، ومنه حَرَثَ الفلاحُ الأرضَ من أجلِ أن يَزْرَعَها؛ فيكسِبَ ويزدادَ مالَهُ، وقولُهُ ﵀: [﴿حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ يقولُ: أي كَسْبُها وهو الثوابُ ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾] فَسَّرَ المُفسِّر ﵀ زيادةَ الحَرْثِ بزيادةِ الثوابِ؛ الحسنةُ بعَشْر أمثالهِا إلى سبعِ مِئةِ ضِعْفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة، ونَزيدُ أمرًا آخَرَ؛ أي: نُؤْتِه من الدنيا والآخرةِ؛ بدليلِ قولِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.

стр. 193

إذن: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ من وجهين: الوجهُ الأوَّلُ: أن اللهَ تعالى يعطيه ثوابَ الدنيا والآخرةِ. والثاني: أنه يُضاعِفُ الثوابَ؛ الحسنةُ بعَشْر أمثالِها؛ إلى سبعِ مِئةِ ضِعْفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ. قال: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ يعني: كَسْبَها والتّنَعُّمَ فيها. هذا في الغالبِ يُعْرِضُ عن الآخرةِ؛ لأنَّه لا يُريدُ إلا الدنيا، ولهذا تَجِدُهُ مهتمًّا بأمورِ الدنيا غايةَ الإهتمامِ، حتى السيارةُ إذا أصابَتْها بقعةٌ من الطينِ بالمشيِ على الطينِ ذهب يُنَظِّفُهَا ويَمْسَحُها، لكن قَلْبَهُ مملوءٌ من البلاءِ، ولكنَّه لا يَحْرِصُ على تنظيفِهِ وتنقيتِهِ؛ لأنَّه لا يُريدُ إلا الدنيا. تجدُهُ مثلًا في قصورِهِ؛ لا يهتمُّ إلا بإصلاحِ الجُدُرِ وتنظيفِها، لكن بناءَ الدِّينِ لا يهتمُّ به، هذا يقولُ اللهُ فيه: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، ولا نُؤْتِه كلَّ ما أراد. وكلمةُ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ هذه مُطْلَقةٌ، لكنها مُقيَّدةٌ بما في سورةِ الإسراءِ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ لا ما يَشَاءُ هو، ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ يعني: حتى إنَّ اللهَ بَيَّن أنَّ المُعَجَّلَ تابعٌ لمشيئَتِهِ، وأنَّ المُعَجَّلَ له - وهو الإنسانُ - تابعٌ لإرادتِهِ، فقال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ ولا تظنَّ أن الآيةَ فيها تكرارٌ، لا ﴿مَا نَشَاءُ﴾ هذا باعتبارِ المعجَّلِ ﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ باعتبارِ المعَجَّلِ له. فلا كلُّ أحدٍ أراد شيئًا يُعَجَّلُ له، ولا كلُّ أحدٍ أراد شيئًا يَحْصُلُ له ما أراد؛ لأنَّ الأمرَ بيدِ اللهِ ولهذا يقولُ هنا: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. فإذا قال قائلٌ: كلمةُ ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ جوابُ الشَّرْطِ؛ وهي تقتضي أن اللهَ سيؤتيه منها؟

стр. 194

نقوُل: هذا المُطْلَقُ مُقَيَّدٌ بآيةِ سورةِ الإسراءِ ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ وهي الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٨]. قال المُفسِّر ﵀: [﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ بلا تضعيفٍ لما قُسمَ له ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾] نسألُ اللهَ العافيةَ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: حثٌّ على أن يريد الإنسانُ بعمَلِهِ الآخرةَ. فإن قال قائلٌ: كيف يريدُ الآخرةَ بعملِ الدُّنْيا؟ ولنفرضِ الأكلَ والشُّرْبَ، ذَهَبَ الإنسانُ إلى السُّوقِ ليشتريَ خُبزًا وإِدامًا، كيف يُريدُ الآخرةَ؟ نقولُ: يُمْكِنُ أن يُريدَ الآخرةَ بذلك، فيريدُ أولًا امتثالَ أَمْرٍ اللهِ، لقولِهِ تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ ويريدُ ثانيًا: حِفْظَ قُوَّتِه وصِحَّتِه، وهذا أمرٌ مطلوبٌ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وَأَمَرَنا أن نأكُلَ من الطَّيِّباتِ ونشكُرَهُ، يريدُ بذلك التَّقَوِّيَ على طاعةِ اللهِ؛ لأنَّه كلما كان الجسمُ قويًّا كانت العبادةُ أَكْمَلَ، فيريدُ بأكْلِه وشُرْبِه، التَّقَوِّيَ على طاعةِ اللهِ، ويُريدُ بذلك التَّنَعُّمَ بكرمِ اللهِ؛ لأنَّ الكريمَ يُحبُّ أن يُقْبَلَ كَرَمُه. يعني: لو أنَّ رجلًا جَوَادًا كريمًا أهدى إليك هَدِيَّةً، فهو يُسَرُّ إذا قَبِلْتَهَا ويُغَمُّ إذا رَدَدْتَها. إنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا أَكْرَمُ الأَكْرَمِين، فهو يُحِبُّ من عبادِه أن يَتَبَسَّطُوا بِنِعَمِه، ويَتَنَعَّمُوا بها. إذن: هذا إرادةُ حَرْثِ الآخرةِ بعَمَلِ الدُّنْيا؛ أمَّا عَمَلُ الآخرةِ المَحْضُ؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ وما أَشْبَهَ ذلك فهذا أَمْرُه واضحٌ.

стр. 195

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التحذيرُ من إرادةِ الدُّنْيا فقط؛ لقولِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ من أراد حَرْثَ الدُّنْيا؛ فإنه لا يُعطى كُلَّ ما أراد؛ لقولِهِ: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ومن أراد حَرْثَ الآخرةِ يُعطى كلُّ مرادِهِ وزيادةً. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارةُ إلى أن الأعمالَ بالنِّيَّاتِ؛ لقولِهِ: ﴿يُرِيدُ﴾ ففيه إشارةٌ إلى حُسْنِ النِّيَّةِ، وأن الإنسانَ ينبغي له إحسانُ النِّيَّةِ، بل يجبُ عليه إحسانُها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّدُّ على الجبريَّةِ، يُؤْخَذُ من قولِهِ: ﴿يُرِيدُ﴾؛ لأنَّ الجبريَّةَ يقولون: إنَّ الإنسانَ لا إرادةَ له، سبحانَ اللهِ! طَبَخَ الطعامَ ليأكُلَه، فهذا بغيرِ إرادةٍ! حَضَّرَ أدواتِ المنزلِ ليستعْمِلَها، قال: هذا ليس بإرادتي، ماذا تقولون في هذا الرَّأْيِ؟ هذا رأيٌ مخالفٌ للفِطَرِ، مخالفٌ لأدنى فِطْرَةٍ، حتى الصَّبِيُّ يَعْرِفُ إذا أُجْبِرَ وإذا فَعَلَ بالإختيارِ. وقد قُدِّمَ لأميرِ المؤمنين عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ سارقٌ فأمر بقَطْعِ يَدِه، اقطعوا يَدَه تَمَّتْ شروطُ القطعِ، فقال: مهلًا يا أميرَ المؤمنين، واللهِ ما سَرَقْتُ هذا إلا بِقَدَرِ اللهِ. يريدُ أن يرتفعَ عنه الحَدُّ، فإذا كان بإرادةِ اللهِ ليس لي فيه اختيارٌ، فقال له أميرُ المؤمنين: ونحن لا نقطعُ يَدَكَ إلا بإرادةِ اللهِ. فَبُهِتَ! لا يستطيعُ أن يقولَ شيئًا، مع أن قَطْعَ يَدهِ كان بإرادةِ اللهِ الكونيَّةِ والشرعيَّةِ، والسارقُ بإرادةِ اللهِ الكونيَّةِ فقط؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له بالسَّرقةِ. إذن: في الآيَةِ ردٌّ على الجبريَّةِ، وهل في الآية ردٌّ للقَدَرِيَّةِ الذين يُنْكِرُون إرادةَ اللهِ فيما فَعَلَ العبدُ؟ الجوابُ: لا، ليس بها ردٌّ لقوْلِهم، لكن ليس فيها إثباتٌ لقوْلِهِم؛

стр. 196

لأنَّ إرادةَ الإنسانِ من صفاتِهِ، هو الذي يريدُ، العبدُ مخلوقٌ، فإذا كان مخلوقًا، كانت صفاتُهُ أيضًا مخلوقةً ولا بُدَّ، فإرادتُهُ مخلوقةٌ للهِ باعتبارِ أنك أنت مخلوقٌ وصِفَةُ المخلوقِ مخلوقةٌ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: كمالُ سلطانِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، و: ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ كَرَمِ اللهِ، وأنه أَكْرَمُ من عبْدِه، يعملُ العبدُ قليلًا ويُثابُ كثيرًا. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثباتُ الآخرةِ، وإثباتُها ثابتٌ بالقُرآنِ والسُّنَّةِ وإجماعِ المسلمين والنظرِ الصحيحِ. يعني: الحقَّ. أما الكتابُ والسُّنَّةُ فمملوآن من إثباتِ اليومِ الآخِرِ، وأما الإجماعُ فهو ثابتٌ لا أَحَدَ من المسلمين يُنْكِرُ الآخرةَ ومن أَنْكَرَها كَفَرَ. وأما النَّظَرُ الصحيحُ؛ فلقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥]. وقولِهِ: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. أرأيتُم لو أن اللهَ خَلَقَ هذا الخَلْقَ، وأَرْسَلَ الرُّسُلَ، وأَنْزَلَ الكتبَ، وفَرَضَ الجهادَ، وكان هذا يَقْتُلُ هذا على دينِ اللهِ ويغنمُ مالَه ويُسبي نساءَهُ، ثم تكونُ المسألةُ عائدةً إلى أن نكونَ رِممًا لا نُبعثُ، ويكونُ هذا العملُ عبثًا يُنَزَّهُ اللهُ عنه، ولولا إيمانُنا باليومِ الآخِرِ؛ لكان القويُّ منا يأكلُ الضعيفَ؛ لأنَّه لا يرجو حسابَهُ، ولكن العقلَ يقتضي ويوجِبُ الإيمانَ باليومِ الآخِرِ.

стр. 197

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن من أرادَ بعمَلِه الدُّنْيا فإنه لا نَصِيبَ له في الآخرةِ، ولكن هل نَفْيُ النَّصيبِ هنا نفيٌ كاملٌ، أو ليس له نَصيبٌ في الآخرةِ بهذا العملِ الذي أراد به الدنُّيْا؟ الجوابُ: الثاني بلا شكٍّ، اللهمَّ إلا أن يكون هذا العملُ والإرادةُ مما يُخْرِجُ عن الدِّينِ فإنه لا نَصِيبَ له مطلقًا. وهل لو أرادَ الإنسانُ بدراسَتِه أن ينالَ الإجازةَ - يعني: الشهادةَ - هل يكونُ ممن أرادَ حَرْثَ الدُّنْيا أو الآخرةِ؟ الجوابُ: حَسَبَ ما في قَلْبِه، إنْ كان أراد بالشهادةِ أن يرتقيَ إلى مَنْصِبٍ دُنْيَوِيٍّ فقد أراد الدُّنْيا، وإن أراد بذلك أن يرتقيَ إلى مَنْصِبٍ يتمكَّنُ به من نفعِ المسلمين بالتدريسِ أو بالتربيةِ فهذا أراد الآخرةَ لا شكَّ، ولذلك ما بين الدُّنْيا والآخرةِ في هذه المسألةِ إلا شَعْرَةٌ أو أقلُّ، هل أنت تريدُ بالشهادةِ أن تقولَ أنت في المرتبةِ الخامسةِ أو العاشرةِ أو المئةِ أو المئتين أو الألفِ أو الألفين، أو تريدُ بذلك أن تتبوَّأَ مكانًا تنفعُ به الناسَ؟ الأولُ خاسرٌ، والثاني رابحٌ؛ لأننا مع الأسفِ الآن أصبحنا لا يُقَدَّرُ الإنسانُ إلا بما معه من البطاقةِ، العلمُ هو ورقةٌ، شهادةُ دكتوراه رَقْمُ أَلْفٍ إذا تَعَدَّيْتَ إياه أين نُوَظِّفُكَ؟ أيَّ مكانٍ تريدُ؟ لكن يأتي رجلٌ في العِلْمِ مثل شيخِ الإسلامِ ابْنِ تيميَّةَ ﵀، ثم يقولُ بعضهم: وظِّفْه في مدرسةٍ ابتدائيَّةٍ. فيقال: لا شهادةَ مَعَه لا نُوَظِّفُه. فصار الآن ميزانُ عِلْمِ الناسِ بهذه البطاقةِ، فإذا كان الناسُ نَزَلُوا إلى هذا المستوى أنا أجاريهم ونِيَّتِي عند اللهِ معلومةٌ، وقصدي أن أتبوَّأَ مكانًا في الأمَّةِ، أكُونُ مدرِّسًا، قاضيًا، رئيسًا لشيءٍ فأُوَجِّهَ الناسَ. * * *

стр. 198

الآية (٢١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١]. * * * وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [﴿أَمْ﴾ بمعنى بل] أشار بهذا إلى أن ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ، و (أمِ) المنقطعةُ هي التي تأتي بمعنى (بل) وهمزةِ الإستفهامِ. أي: بل ألَهُ شركاءُ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ﴾ لِكُفَّارِ مَكَّةَ] والصوابُ: أنها أعمُّ من ذلك، يعني: أن جميعَ المُشركين لهم شركاءُ جعلوهم مع اللهِ يُشَرِّعُون لهم من الدِّينِ ما لم يَأْذَنْ به اللهُ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ هم شياطينُهُم ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ الشركاءُ ﴿لَهُمْ﴾ للكفَّارِ] وهنا قال: [للكفارِ] وفيما سبق قال: [كفارُ مَكَّةَ] فتكونُ (ال) في كلامِهِ للعهْدِ الذِّكْرِيِّ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿مِنَ الدِّينِ﴾ الفاسدُ ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشِّرْكِ وإنكارِ البَعْثِ]، وهذا الإستفهامُ هنا بمعنى الإنكارِ عليهم أن يتخذوا هؤلاء شركاءَ يُشَرِّعُون لهم من الدِّينِ ما لم يَأْذَنْ به اللهُ.

стр. 199

وقولُهُ: ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ المرادُ بالإذنِ هنا الإذنُ الشرعِيُّ؛ لأنَّ الإذنَ يكونُ قَدَريًّا ويكونُ شَرْعيًّا، فما تَعَلَّقَ بالأمرِ والنهيِ شرعيٌّ، وما تَعَلَّقَ بالخَلْقِ والتكوينِ قدريٌّ، فقولُهُ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرةِ: ٢٥٥]. يَحْتَمِلُ أن يُرادَ به الإذن الشرعيّ أو القدريّ، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأن يَأْذَنَ قَدَرًا بأن يَشْفَعَ، أو يأذنَ شَرْعًا. وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرةِ: ١٠٢]. يحتملُ الإذنَ القدريَّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يأذنُ شَرْعًا بأن يَضُرَّ السحرةُ أحدًا. وهنا ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أي: ما لم يأذن به شرعًا، أما قدرًا فقد أَذِنَ به؛ لأنَّه وَقَعَ، وكلُّ شيءٍ يقعُ فإنه مأذونٌ فيه قدرًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يقعَ في مُلْكِ اللهِ ما لم يَأْذَنْ به قَدَرًا، ومن ذلك؛ أي: من شَرْعِ ما لم يأذنْ به اللهُ تحليلُ ما حَرَّمَ اللهُ، أو تحريمُ ما أحلَّ اللهُ، ولهذا جَعَلَ اللهُ هؤلاء الذين يُحِلِّلُون ما حَرَّمَ ويُحَرِّمُون ما أَحَلَّ جَعَلَهَم أربابًا، كما في قولِهِ تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبةِ: ٣١]. قال عديُّ بْنُ حاتمٍ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "إنا لَسْنَا نَعْبُدُهم، قال: أليس يُحِلُّون ما حَرَّمَ اللهُ فتُحِلُّونه، ويُحَرِّمُونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمُونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتُهُم" (١)، يعني: طاعَتَهم. قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾؛ أي: القضاءُ السابقُ بأن الجزاءَ في يومِ القيامةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وبين المؤمنين بالتعذيبِ لهم في الدنيا ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ].

стр. 200

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (لولا) يقولُ النحويون: إنها حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، والذي امْتَنَعَ في هذه الآيةِ القضاءُ بينهم، والموجودُ كلمةُ الفَصْلِ، واعلمْ أن (لولا) حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، و (لما) حرفُ وجودٍ لوجودٍ، و (لو) حرف امتناعٌ لامتناعٍ. فاقتسمت هذه الأدواتُ الثلاثُ المعانيَ الثلاثةَ. (لو) حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ؛ تقولُ: لو زُرْتَنِي لأكْرَمْتُكَ. هنا امتنعَ الإكرامُ لامتناعِ الزيارةِ. وتقولُ: (لمَّا) رَأَيْتُكَ أَكْرَمْتُكَ. هنا وُجِدَ الإكرامُ لوجودِ الرؤيةِ. وتقولُ: (لولا) زيدٌ لفعلْتُ كذا وكذا. هذا حرفُ امتناعٍ لوجودٍ. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي كلمةُ اللهِ السابقةُ التي قضى بها أن لكلِّ شيءٍ أَجَلًا مُقَدَّرًا، هذه الكلمةُ التي جَعَلَها اللهُ لكلِّ شيءٍ أَجَلًا مقدَّرًا، لولا هذه لقضي اللهُ بينهم وبين المؤمنين بتعجيلِ العذابِ لهم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أن من أطاع الزعماءَ والكبارَ في تحريمِ شيءٍ أَحَلَّه اللهُ، أو تحليلِ شيءٍ حَرَّمَه اللهُ، أو إيجابِ شيءٍ لم يُجِبْه اللهُ؛ فإنه قد اتخذهم شركاءَ. ويترتَّبُ على هذه الفائدةِ: أن مُتَّبِعي دعاةِ البِدَعِ قد اتخذوهم شركاءَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الأمورَ المشروعةَ لا بدَّ أن يكونَ فيها إذنٌ من اللهِ. يعني التي يَفْعَلُها الإنسانُ تديُّنًا لا بدَّ أن يكونَ فيها إذنٌ من اللهِ لأنَّ اللهَ تعالى أَنْكَرَ على هؤلاء الذين اتخذوا شركاءَ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وهذا بمعنى قولِنا: الأصلُ في العباداتِ الحظْرُ والمنعُ، إلا إذا قام دليلٌ على مشروعِيَّتِه؛ وعليه فلو رأيْنا شخصًا تَعَبَّدَ بعبادةٍ لم نَكُنْ نَعْرِفُها فلنا أن نُنْكِرَ عَلَيْهِ حتى يأتيَ بدليلٍ؛ لأنَّ الدِّينَ مُتَلَقًّى من عندِ اللهِ .

стр. 201

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن ما سوى الأمورِ الدينيَّةِ فإنه خاضعٌ للأمورِ العاديَّةِ أو للأحوالِ العاديَّةِ؛ لقولِهِ: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾، وعلى هذا لو شَرَعُوا قوانينَ ونُظُمًا لا علاقةَ لها بالدِّينِ؛ فإن ذلك جائزٌ، ولا تُعَدُّ موافقةُ هذه النظمِ شرْكًا. فكيف إذا كانت هذه النظمُ تؤيَّدُ بالقواعدِ العامةِ، وهي جلبُ المصالحِ ودفعُ المفاسِدِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ على أولئك القومِ الجهلةِ الذين ينكرون كلَّ نظامٍ تسُنُّهُ الحكوماتُ، بقطعِ النظرِ عن كونِهِ أمرًا دينيًّا أو أمرًا دنيويًّا، وبقطعِ النظرِ عن كونِه موافقًا للشرعِ أم غيرَ موافقٍ للشرعِ؛ لأنَّ بعضَ الناسِ مثلًا يقولُ: أنا لا أتقيَّدُ بأنظمةِ المرورِ؛ لأنَّه لا دليلَ فيها، وربما يقولُ: هذه بدعةٌ. فيقال له: أولًا: الأمورُ الدنيويةُ الأصلُ فيها الحِلُّ، ولا يُبَدَّعُ من أتى بها خارجًا عن العادةِ، لكن يُنْظَرُ هل هي حلالٌ أم حرامٌ. ثانيًا: أن النصوصَ تدُلُّ على وجوبِ طاعةِ ولاةِ الأمرِ؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساءِ: ٥٩]. وقولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ في الأميرِ: "اسمعْ وأطِعْ ولو أَخَذَ مَالَكَ وضَرَبَ ظَهْرَكَ" (١). الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: حكمةُ اللهِ بتعجيلِ أو تأخيرِ العذابِ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩]. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن ما قضاه اللهُ أزلًا لا يتغيَّرُ يعني في الماضي لا يتغيَّرُ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.

стр. 202

فإن قال قائلٌ: ما تقولون في قولِهِ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. هل يعارضُ ما قررناه من فوائدَ هذه الآيةَ؟ فالجوابُ: لا يعارضُ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني: أصْلٌ، فما في أمِّ الكتابِ لا يتغيَّرُ، وما لم يَكُنْ كذلك فإنه يتغيَّرُ، أليس اللهُ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾؟ [هودٍ: ١١٤]. فالسيئاتُ بعد أن كُتِبَتْ أتتِ الحسناتُ فَمَحَتْها، فالإنسانُ يُذْنِبُ فيكتبُ الذَّنْبَ ثم يستغفرُ فيمحى الذَّنْبُ، وأما ما في أصْلِ الكتابِ فإنه لا يتغيَّرُ؛ وعلى هذا فلا يعارضُ هذه الآيةَ وهي قولُهُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. فإن قال قائلٌ: ما تقولون في الحديثِ الصحيحِ: "من أحبَّ أن يُبْسَطَ له في رزْقِه ويُنْسَأَ له في أثَرِه فَلْيَصِلْ رَحِمَه" (١)؛ فإن هذا يدلُّ على أن صلة الرحمِ سببٌ لكثرةِ الرزقِ وسببٌ لطولِ العمرِ، وأنتم تقولون: إن العمرَ مكتوبٌ، وإن الرزقَ مكتوبٌ؟ فالجوابُ: الرزقُ مكتوبٌ على هذا السببِ والأجلُ مكتوبٌ على هذا السببِ، فيكونُ اللهُ تعالى قد كتب أَجَلَ هذا مؤخرًا لصلةِ الرحِمِ، وَوَسَّعَ في رزقِ هذا لصلةِ الرحمِ، ويكونُ هذا معلومًا عند اللهِ، لكن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ ذكر هذا ترغيبًا في صلةِ الرحِمِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يعْلمُ ما كُتِبَ له في المستقبلِ؛ وحينئذٍ لا منافاةَ. وأما من قال من العلماءِ: إن المرادَ بقولِهِ: "يُنْسَأُ له في أثَرِهِ" أن اللهَ يبارِكُ له في العمرِ. هذا غير صحيحٍ؛ لأنَّه خلافُ ظاهرِ الحديثِ، بل ظاهرُ الحديثِ أنه يؤخَّرُ،

стр. 203

لكن يكونُ مكتوبًا عند اللهِ أنه واصلٌ، وأن عُمْرَه إلى كذا، لكن هل الإنسانُ يَعْلَمُ بأنه مكتوبٌ عند اللهِ هكذا؟ لا يَعْلَمُ. فأراد النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ أن يحثَّ الإنسانَ على صلةِ الرحمِ بمثلِ هذا الوعدِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ الأسبابِ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. فالكلمةُ السببُ بتأخيرِ العذابِ، وإثباتُ الأسبابِ أمرٌ لا يُنكره إلا الجاحدُ. واعلمْ أن الناسَ انقسموا في الأسبابِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: قسمٍ أنكروا الأسبابَ نهائيًّا، وقالوا: لا تأثيرَ للسببِ في المسبَّبِ. وقسمٍ أثبتوا الأسبابَ على وجه الغلوِّ وزعموا أنها - أي: الأسبابُ - موجِبةٌ ولا بدَّ. والقسمُ الثالثُ: أثبتوا الأسبابَ ولكنهم جعلوا ذلك تابعًا لمشيئةِ اللهِ . وهذا القولُ هو المتعيِّنُ أننا لا ننكرُ الأسبابَ، وكيف ننكرُها ونحن نشاهدُ هذا بأعيُنِنا؟ هم يقولون: إن ما يحصلُ بالسببِ ليس حاصلًا به لكنه حاصلٌ عنده، فمثلًا: إذا رميْتَ بحجرٍ على زجاجةٍ ثم انكسرت يقولون: إن الذي كسرها ليس الحجرَ لكن كسرتْها إرادةُ اللهِ عند ملامسةِ الحجرِ، إذن حَصَلَتْ عند السببِ لا بالسَّبَبِ. وأيضًا عندما تدخلُ ورقةٌ في النارِ تحترقُ يقولُ: النارُ لم تحرقْها، أحرقتْها إرادةُ اللهِ عند ملامسةِ النارِ. هذا كلامٌ غير معقولٍ يضحكُ منه السفهاءُ قبل الحكماءِ، كيف نقولُ ونحن نشاهدُ أن الحجرَ يقعُ على الزجاجةِ يكسِرُها، كيف نقولُ لم يكسِرْها، الإنسانُ لو اتكأ على الزجاجةِ لقال له من عنده لا تتكئْ فتنكسرَ. وأما القولُ الثاني الغالي في إثباتِ الأسبابِ، والذين يقولون إن الأسبابَ

стр. 204

فاعلةٌ ولا بدَّ، أو موجِبةٌ ولا بدَّ، هؤلاء أيضًا ضالُّون، فها هي النارُ العظيمةُ كانت على إبراهيمَ بردًا وسلامًا، ولو كان السببُ موجِبًا بذاتِهِ ولا بدَّ لأحرقت إبراهيمَ على كلِّ حالٍ، لكن اللهَ قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياءِ: ٦٩]. فكانت بردًا وكانت سلامًا. قال العلماءُ ﵏: لو قال اللهُ تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ ولم يَقُلْ: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكتْ إبراهيمَ من البرْدِ، لكن اللهَ قَرَنَ البرْدَ بالسلامِ. إذن الآيةُ التي معنا فيها إثباتُ الأسبابِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الوعيدُ الشديدُ للظالمين؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: من فوائدِها اللغويَّةِ: أن (أليمٌ) بمعنى مُؤْلِمٌ؛ يعني فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ. وهذا قليلٌ في اللغةِ العربيةِ، أكثرُ ما يأتي (أليمٌ) في اللغةِ العربيةِ بمعنى آلِمٌ؛ أي: بمعنى فاعِلٍ، هذا هو الأكثرُ، لكن قد يأتي فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ كما في هذه الآيةِ، وكما في قولِ الشاعرِ: أمن ريحانةِ الداعي السميعُ ... يُؤرِّقني وأصحابي هُجوعُ (١) السميعُ بمعنى المُسْمِعِ، يقولُها في معشوقتِه. * * *

стр. 205

الآيتان (٢٢، ٢٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى: ٢٢ - ٢٣]. * * * قالَ المفسِّر ﵀: [﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خَائِفِينَ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ فِي الدُّنْيَا مِنَ السَّيِّئَات أَنْ يُجَازَوْا عَلَيْهَا، ﴿وَهُوَ﴾ أَيِ الْجَزَاءُ عَلَيْهَا ﴿وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا مَحَالَةَ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ أَنْزَهِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ دُونَهمْ ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ﴾ مِنَ الْبِشَارَة مُخَفَّفًا وَمُثَقَّلًا بِهِ ﴿اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ عَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ ﴿أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، أَيْ: لَكِنْ أَسْأَلكُمْ أَنْ تَوَدُّوا قَرَابَتِي الَّتِي هِيَ قَرَابَتكُمْ أَيْضًا، فَإِنَّ لَهُ فِي كُلّ بَطْن مِنْ قُرَيْش قَرَابَة ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ﴾ يَكْتَسِب ﴿حَسَنَةً﴾ طَاعَة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ بِتَضْعِيفِهَا ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ ﴿شَكُورٌ﴾ لِلْقَلِيلِ فَيُضَاعِفهُ] (١).

стр. 206

الآية (٢٤) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤]. * * * قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَمْ﴾: بل] يعني: أن ﴿أَمْ﴾ بمعنى (بل) ويُسَمُّونها منقطعةً؛ لأنَّ (أمْ) تكون متصلةً وتكونُ منقطعةً، إذا صارتْ بمعنى (بل) فهي منقطعةٌ؛ لأنَّها تُشْبِهُ الإضرابَ عما سبق، وإذا كانت بمعنى (أو) فهي متصلةٌ، مثلَ أن أقولَ: أتريدُ كتابًا أم ساعةً. هذه متصلةٌ؛ لأنَّها بمعنى (أو)، ولا يستغني أحدُ الطرفين فيها عن الآخَرِ، وإذا قلتَ: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى﴾ لا تجدُ لها مقابلًا، فهي منقطعةٌ بمعنى (بل). ﴿يَقُولُونَ﴾ أي الكفارُ من مشركي قريشٍ وغيرُهُم ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: اخْتَلَقَ على اللهِ كذبًا، وذلك بقولِهِ: إن القرآنَ كلامُ اللهِ، فقالوا: إن القرآنَ ليس كلامَ اللهِ، وإن محمدًا كاذبٌ، ولكنه ساحرٌ، كاهنٌ، مجنونٌ، وما أَشْبَهَ ذلك من الكلماتِ التي يَرْمُون بها رسولَ الله ﷺ . قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ مفعولٌ ﴿يَشَإِ﴾ محذوفٌ ويُقَدَّرُ بما يدلُّ عَلَيْهِ السياقُ؛ أي: فإن يشاءُ ﴿اللَّهُ﴾ أن تفتريَ عَلَيْهِ كذبًا - وهذا شئٌ محالٌ - ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ قال

стр. 207

المُفسِّر ﵀: [يَرْبِطُ] والصوابُ: أن الختمَ هنا بمعنى الطبعِ؛ يعني: إن افتريتَ على اللهِ كذبًا طَبَعَ اللهُ على قلبِكَ، ويمحو اللهُ الباطلَ الذي افتريْتَه لو قَدَّرَ أنك افتَريْتَه. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ (يُحِقُّ) أي: يُثْبِتُه بكلماتِه المنزَّلةِ على نبِيِّه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. فزعم المفسِّر ﵀ أن يختمَ - يعني يَرْبِطَ - على قلبِه والربطُ ثناءٌ لا يتناسبُ مع السياقِ، ولم تأتِ (يختمُ) بمعنى (يربِطُ) بل تأتي (يختمُ) بمعنى (يَطْبَعُ)، كما قال الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرةِ: ٧]. وقال: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبةِ: ٨٧]. معنى الآيةِ إجمالًا: أنه لو قَدَّرَ أنك افْتَرَيْتَ على اللهِ كذبًا فلم يتركْكَ اللهُ، لا بدَّ أن يُبَيِّنَ الحقَّ فيختمَ على قلبِك، ويطبعَ عليه ثم ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ويُشْبِهُ هذا قولَ اللهِ ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ يعني: إذا قرأ ألقى الشيطانُ في قراءته ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجِّ: ٥٢]. وقولُهُ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ﴾ لا يلزمُ من الشرطِ الوقوعُ، يأتي الشرطُ أحيانًا في أعلى المستحيلاتِ، أرأيْتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١]. ولا يُمْكِنُ أن يكونَ للهِ ولدٌ، ومع هذا جاءت الشرطيَّةُ. وقال اللهُ تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمرِ: ٦٥]. وهذا لا يستلزمُ إشراكَ النبيِّ ﷺ . وقال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]. ولا يُمْكِنُ أن يكونَ في شكٍّ.

стр. 208

إذن ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ يعني: إن يشاء اللهُ أن تفتريَ عَلَيْهِ كذبًا لا يلزمُ من هذا الشرطِ جوازُ افتراءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عَليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ على اللهِ كذبًا، ومن المعلومِ أن اللهَ قد شَهِدَ للنبيِّ ﷺ بالرسالةِ فقال: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساءِ: ١٦٦]. قال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بصاحبةِ الصدورِ، وهي القلوبُ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجِّ: ٤٦]. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: محاولةُ المشركين أن يُلَبِّسُوا على الخلقِ؛ حتى يُنكروا رسالةَ النبيِّ ﷺ ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ حتى يظُنَّ العوامُّ أنه مفترٍ على اللهِ كذبًا، فيُعرضوا عما جاء به. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ شدةِ منابذةِ الكفارِ لما جاء به النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ؛ لقولهِم: ﴿افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن مِثْلَ هذا الكلامِ قَدْحٌ في اللهِ ، قَدْحٌ في القرآنِ، قَدْحٌ في النبيِّ ﷺ ، أما كونُه قدحًا في الله؛ فلأنه ليس من الحكمةِ أن يؤيِّدَ اللهُ تعالى هذا الذي افترى عليه كذبًا، بل الحكمةُ أن يُؤَاخِذَه ويعاقبَه ولا يؤيَّدَه، واللهُ قد أيَّدَ نبِيَّه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ بالآياتِ الدالةِ على صدقِه. وهو قَدْحٌ في القرآنِ؛ لأنَّه على زَعْمِهم كلامٌ مفترًى من عند الرسولِ ﵊، ولقد قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ فقال اللهُ تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحلِ: ١٠٣].

стр. 209

وهو قدحٌ في الرسولِ ﵊ "أن يَجْعَلَ أصدقَ الخلقِ في مقامِ المُفْتَرِي على اللهِ، والإفتراءُ على اللهِ أشدُّ من الإفتراءِ على غيْرِه، ولهذا قال : ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [العنكبوتَ: ٦٨]. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ المشيئةِ للهِ ، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ﴾ وهل مشيئةُ اللهِ مجرَّدةٌ عن الحكمةِ أو لا يشاءُ شيئًا إلا لحكمةٍ؟ الجوابُ: الثاني؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، فَبَيَّنَ أنه له مشيئةٌ تامَّةٌ، وأردف ذلك بقولِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ليتبيَّنَ أن مشيئةَ اللهِ ليست مجرَّدَ مشيئةٍ عبثًا ولكن لحكمةٍ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن النبيَّ ﷺ مربوبٌ للهِ يَفْعَلُ به ما شاء، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن القلبَ محلُّ الإدراكِ والعقلِ والتصرُّفِ؛ لقولِهِ: ﴿يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فدلَّ هذا على أن مدارَ التصرُّفِ كُلِّه على القلبِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الطبعَ على القلبِ عقوبةٌ، سواءٌ كان طبعًا على العِلْمِ، أو طبعًا على القصْدِ والإرادةِ، فإنه عقوبةٌ بلا شكٍّ؛ ولهذا كان من دعاءِ النبِيِّ ﷺ : "اللهمَّ مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلوبَنا على طاعَتِكَ" (١)، "اللهمَّ مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبَنَا إلى طاعتِكَ" (٢).

стр. 210

فالإنسانُ يجبُ ألا يعتمدَ على ما في قلبِهِ من اليقينِ؛ فإن هذا ربما يزولُ، بل عليه أن يسألَ اللهَ دائمًا التثبيتَ، يُؤْخَذُ من قولِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: حُسْنُ أدلةِ القرآنِ الكريمِ؛ حيث استدلَّ بأمرٍ واضحٍ على ما زعمه هؤلاء، وهو أنه لو شاء اللهُ أن يفتريَ الرسولُ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ على اللهِ كذبًا لختم على قلبِهِ، وأنساه ما عنده، ثم محا اللهُ الباطلَ الذي افتراه ثم أحقَّ الحقَّ بكلماتِه. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن اللهَ تعالى لا يُقِرُّ على باطلٍ، يمحو اللهُ الباطلَ، فلا يُمْكِنُ أن يُقِرَّ اللهُ تعالى على باطلٍ. ويتفرَّعُ على هذه الفائدةِ فائدةٌ عظيمةٌ: وهي ما فُعِلَ في عَهْدِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ ولم يُعْلَمْ أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ اطَّلَعَ عليه، فهل نَحْكُمُ بجوازِه؛ لأنَّ اللهَ اطَّلَعَ عليه وسَكَتَ عنه، أو لا نَحْكُمُ به حتى نَعْلَمَ أن النبيَّ ﷺ علمه؟ الجوابُ: الأولُ؛ لأنَ اللهَ تعالى لا يُقِرُّ على باطلٍ، والوحيُ ما زال يَنْزِلُ، ولهذا يخطئُ بعضُ العلماءِ ﵏ إذا استدلَّ بما وقع في عهدِ النبيِّ ﷺ ، يقولون: إن النبيَّ ﷺ لم يَعْلَمْ. فنقولُ: هبْ أنه لم يَعْلَمْ، فإن اللهَ قد عَلِمَ. مثالُ ذلك: قال بعضُ أهلِ العلمِ: إنه لا يصحُّ أن يكونَ الإمامُ متنفلًا والمأمومُ مفترضًا؛ يعني: لا يصحُّ أن يصليَّ الفجرَ خلفَ من يصلِّي النافلةَ، هذا هو المذهبُ عندنا، فقيل لهم: هذا قولٌ مردودٌ؛ لأنَّ معاذَ بنَ جبلٍ كان يصلِّي صلاةَ العشاءِ مع النبيِّ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ، ثم يذهبُ إلى قومِه فيصلِّي بهم تلك الصلاةَ،

стр. 211

في عهدِ النبيِّ ﷺ (١). قالوا: لا حجةَ في هذا؛ لأننا لم نَعْلَمْ أن النبيَّ ﷺ اطَّلَعَ عليه، فما الجوابُ؟ الجوابُ: إذا لم يَطَّلِعْ عليه اطَّلَعَ اللهُ عليه، ولو كان باطلًا عَند اللهِ لبيَّنه، كما بَيَّنَ حالَ الذين يُبَيِّتُونَ ما لا يرضى من القولِ ويَكْتُمُونه عن الناسِ، فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساءِ: ١٠٨]. إذن دَفَعْنَا شبهةَ هؤلاء الذين قالوا: لعلَّ النبيَّ ﷺ لم يَعْلَمْ به، بأن اللهَ عَلِمَه، ولو كان باطلًا لم يُقِرَّه، على أننا نقولُ: يَبْعُدُ أن النبيَّ ﷺ لم يَعْلَمْ به ومعاذٌ قد شُكِيَ إلى الرسولِ ﷺ بأنه يطيلُ في الصلاةِ، لكن نريدُ أن نتنزلَ مع الخصمِ ونقولَ: هبْ أن الرسولَ لم يَعْلَمْ به فإن اللهَ قد عَلِمَ به. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنه لا يُمْكِنُ أن يُمَكِّنَ اللهُ ﵎ لأحدٍ كافرٍ تمكينًا مطلقًا، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فلا يُمَكِّنُكَ من الباطلِ. وقولُنا: "التمكينُ المُطْلَقُ" خرج به ما لو مَكَّنَ اللهُ تعالى للكافرِ على وجهٍ لا يستقرُّ، كما حصل في غزوةِ أُحُدٍ، فإن المشركين هزموا المسلمين، لكنه ليس هزمًا مستقرًّا، بل هو من حِكْمَةِ اللهِ أن يُمَكِّنَ للكفارِ حتى يتشجعوا على حَرْبِ المسلمين، ثم يقضي المسلمون عليهم. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن اللهَ إذا محا الباطلَ جَعَلَ مكانَهُ الحقَّ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾.

стр. 212

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ الكلماتِ للهِ؛ لقولِهِ: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ واللهُ متكلِّمٌ بكلامٍ حقيقيٍّ؛ بحروفٍ وأصواتٍ مسموعةٍ ومحاورةٍ بينه وبين من شاء من خَلْقِه، وهذا مذهبُ السلفِ الصالحِ، وعليه جرت المحنةُ العظيمةُ على أئمةِ المسلمين من أمراءِ الجَوْرِ والظُّلْمِ وعلماءِ السُّوءِ؛ حيث ابتدعت الجهميَّةُ والمعتزلةُ القولَ بأن اللهَ لا يتكلَّمُ وإنما يَخْلُقُ كلامًا، فقالوا: إن اللهَ لا يتكلَّمُ لكن يَخْلُقُ كلامًا وكلامُهُ مخلوقٌ، فيقالُ: لو قُلْنا بأن كلامَ اللهِ مخلوقٌ لبطلت الشريعةُ؛ لأنَّه يستوي الأمرُ والنهيُ، والخبرُ والإستخبارُ، والقصصُ تستوي؛ لأنَّها مخلوقةٌ لا يمتاز بعضُها عن بعضٍ فهي باعتبارِ الصوتِ كزمجرةِ الرعدِ، وباعتبارِ الكتابةِ كنقوشُ البدعِ؛ لأنَّها مخلوقةٌ، وحينئذٍ لا أَمْرَ ولا نهيَ، ولا خبرَ ولا استخبارَ، ولا شيءَ. وتلطفت طائفةٌ فلم تُوَفَّقْ وقالوا: إن كلامَ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، لكن كلامَهُ هو المعنى القائمُ بنفسه، وما سُمِعَ منه فهو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ وهو مخلوقٌ. فانظر كيف ضَلَّتْ هذه الطائفةُ حتى صارت أشدَّ ضلالًا من الذين قالوا إن الكلامَ مخلوقٌ. ما معنى كلامِهِم: يقولون: كلامُ اللهِ هو المعنى القائمُ بنفْسِه. كما أنه لو أنك في نفْسِك قَدَّرْتَ أن تَتَكَلَّمَ بقولٍ ثم قلْتَ، هم يقولون: إن اللهَ تعالى أَضْمَرَ الكلامَ في نفْسِه ثم خَلَقَ أصواتًا تدلُّ عليه. فيكونُ هذا الذي في المصحفِ ليس كلامَ اللهِ، لكنه مخلوقٌ خَلَقَه اللهُ ليعبِّرَ عما في نفسِ اللهِ، المعتزلةُ يقولون: الذي في المصاحفِ كلامُ اللهِ مخلوقٌ، والأشاعرةُ يقولون: ليس كلامَ اللهِ وهو مخلوقٌ، فأيهما أقربُ إلى الصوابِ؟ الجوابُ: المعتزلةُ أقربُ، وهؤلاء يزعمون أنهم العقلاءُ عن الأشاعرةِ، وأنهم حاولوا الجَمْعَ بين المنقولِ والمعقولِ، ولكنهم أفسدوا المنقولَ والمعقولَ، فنحن نقولُ:

стр. 213

إن اللهَ يتكلَّمُ بكلامٍ مسموعٍ وبحروفٍ متتاليةٍ، واللهُ يَفْعَلُ ما يشاءُ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عمومُ علْمِ اللهِ وبُطُونُ عِلْمِ اللهِ، أنه عِلْمٌ عميقٌ يصلُ إلى أخفى شيءٍ، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الفائدةُ المسلكيَّةُ المهِمَّةُ: وهي أن الإنسانَ إذا عَلِمَ بأن اللهَ تعالى عليمٌ بما في قلْبِه فإنه سوف يُمْسِكُ عن كلِّ إرادةٍ سيئةٍ، ويُقْدِمُ على كلِّ إرادةٍ حسنةٍ، ومنها أنه يجبُ على العبْدِ أن يُصَحِّحَ ما في قلْبِه؛ لأنَّ المدارَ عليه، قال اللهُ ﵎: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العادياتِ: ٩ - ١٠]. واعلمْ يا أخي أن الحُكْمَ في الدنيا على الظاهرِ والحُكمَ في الآخرةِ على الباطنِ، فهل تُحَسِّنُ ظاهِرَك ليُحْكَمَ عليك بالدنيا بما يقتضيه هذا الظاهرُ، أو تُحَسِّنُ باطِنَك ليُحْكَمَ لك يومَ القيامةِ بما يقتضيه هذا الباطنُ أيهما؟ الجوابُ: الثاني، ولهذا لا تَغْتَرَّ بكثرةِ الركوعِ، والسجودِ، وبكاءِ العيْنِ، وما أَشْبَهَ ذلك، بل انظر إلى ما في القلبِ - وإن كانت هذه الأعمالُ التي ذَكَرْتُها علامةً على صلاحِ القلبِ لكن ثَبِّتِ الإيمانَ في القلبِ -، عليك بإصلاحِ القلبِ قبل كلِّ شيءٍ، اغرزْ في قلبِك محبَّةَ اللهِ ورسولِهِ، اغرزْ في قلبِك محبَّةَ الشريعةِ وإن ثَقُلَتْ عليك، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. اغرزْ في قلبِك محبَّةَ المؤمنين، لا تَكْرَهْ أيَّ مؤمنٍ وإن أساء إليك، إن أساء

стр. 214

إليك المؤمنُ فاكره إساءتَهُ، أما هو شخصيًّا فلا تَكْرَهْه، اغرزْ في قلبِك الولايةَ لكلِّ مسلمٍ، والعداوةَ لكلِّ كافِرٍ، وهلمَّ جرًّا. المهمُّ أن تعتنيَ بصلاحِ قلبِك؛ لأنَّه هو الذي عليه مدارُ الحسابِ يومَ القيامةِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾ [الطارقِ: ٨ - ٩]؛ أي: تُخْتَبَرُ السرائرُ، اللهمُّ أَصْلِحْ ظواهِرَنَا وبواطِنَنا يا ربَّ العالمين. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن المدارَ على القلوبِ، وأنها في الصدورِ، القلوبُ في الصدورِ وبها العقلُ. قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجِّ: ٤٦]. وعلى هذا فيجبُ علينا أن نؤمِنَ بأن العقلَ في القلبِ؛ لأنَّ الآيةَ في هذا صحيحةٌ أو ظاهرةٌ، وأما قولُ بعضهم: إن العقلَ في الدماغِ فضعيفٌ مقابَلٌ بقولِ العالِم الخالِقِ ، ولكن الدماغَ لا شكَّ أنه إذا اختلَّ، اختلَّ تَصَرُّفُ الإنسانِ، وأصْلُ العقلِ في القلبِ لا شكَّ. قال الإمامُ أحمدُ ﵀: العقلُ في القلبِ وله اتصالٌ بالدماغِ (١). ونروي عن شيخِنا عبدِ الرحمنِ السّعْدِي ﵀: أن أحدَ المعتزلةِ حُكِمَ عليه بالقتلِ على حينِ اختلافٍ بين الناسِ في العقلِ أهو في الدماغِ أم في القلبِ؟ فقال لهم: إذا قَتَلْتُمُوني فأَبِينوا رأسي، ثم إن كان العقلُ في قلبِي حَرَّكْتُ يدي - أو قال أصبعي - وإن كان في الدماغِ راح مع الدماغِ، ففعلوا، فلما قتلوه حرَّكَ العضوَ الذي قال لهم على الوجْهِ الذي قال لهم.

стр. 215

وهذا دليلٌ حسِّيٌّ - إن ثَبَتَتِ القصةُ - على أن العقلَ في القلبِ؛ لأنَّه حَرَّكَ عُضْوَهُ، إما أصبعَه، أو يَدَه على الوجهِ الذي ذَكَرَ لهم، وهذا يدلُّ على أنه استحضرَ في قلبِهِ بعد أن بان رأسُهُ استحضر في قلبِهِ ما وَعَدَهم به وأدَّاه كما وَعَدَهم، فإن ثبتتْ هذه القصةُ فدليلٌ حسِّيٌّ، وإن لم تَثْبُتْ فعندنا دليلٌ سمعيٌّ، والدليلُ السمعيُّ عند العلماءِ هو الذي ثَبَتَ بالكتابِ والسُّنَّةِ. * * *
следующие страницы →