← Тафсир

Тафсир · id 151163

تفسير العثيمين: الشورى

ابن عثيمين

Полный текст (359 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في عهدِ النبيِّ ﷺ (١). قالوا: لا حجةَ في هذا؛ لأننا لم نَعْلَمْ أن النبيَّ ﷺ اطَّلَعَ عليه، فما الجوابُ؟ الجوابُ: إذا لم يَطَّلِعْ عليه اطَّلَعَ اللهُ عليه، ولو كان باطلًا عَند اللهِ لبيَّنه، كما بَيَّنَ حالَ الذين يُبَيِّتُونَ ما لا يرضى من القولِ ويَكْتُمُونه عن الناسِ، فقال: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساءِ: ١٠٨]. إذن دَفَعْنَا شبهةَ هؤلاء الذين قالوا: لعلَّ النبيَّ ﷺ لم يَعْلَمْ به، بأن اللهَ عَلِمَه، ولو كان باطلًا لم يُقِرَّه، على أننا نقولُ: يَبْعُدُ أن النبيَّ ﷺ لم يَعْلَمْ به ومعاذٌ قد شُكِيَ إلى الرسولِ ﷺ بأنه يطيلُ في الصلاةِ، لكن نريدُ أن نتنزلَ مع الخصمِ ونقولَ: هبْ أن الرسولَ لم يَعْلَمْ به فإن اللهَ قد عَلِمَ به. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنه لا يُمْكِنُ أن يُمَكِّنَ اللهُ ﵎ لأحدٍ كافرٍ تمكينًا مطلقًا، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ فلا يُمَكِّنُكَ من الباطلِ. وقولُنا: "التمكينُ المُطْلَقُ" خرج به ما لو مَكَّنَ اللهُ تعالى للكافرِ على وجهٍ لا يستقرُّ، كما حصل في غزوةِ أُحُدٍ، فإن المشركين هزموا المسلمين، لكنه ليس هزمًا مستقرًّا، بل هو من حِكْمَةِ اللهِ أن يُمَكِّنَ للكفارِ حتى يتشجعوا على حَرْبِ المسلمين، ثم يقضي المسلمون عليهم. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن اللهَ إذا محا الباطلَ جَعَلَ مكانَهُ الحقَّ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾.

стр. 212

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: إثباتُ الكلماتِ للهِ؛ لقولِهِ: ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ واللهُ متكلِّمٌ بكلامٍ حقيقيٍّ؛ بحروفٍ وأصواتٍ مسموعةٍ ومحاورةٍ بينه وبين من شاء من خَلْقِه، وهذا مذهبُ السلفِ الصالحِ، وعليه جرت المحنةُ العظيمةُ على أئمةِ المسلمين من أمراءِ الجَوْرِ والظُّلْمِ وعلماءِ السُّوءِ؛ حيث ابتدعت الجهميَّةُ والمعتزلةُ القولَ بأن اللهَ لا يتكلَّمُ وإنما يَخْلُقُ كلامًا، فقالوا: إن اللهَ لا يتكلَّمُ لكن يَخْلُقُ كلامًا وكلامُهُ مخلوقٌ، فيقالُ: لو قُلْنا بأن كلامَ اللهِ مخلوقٌ لبطلت الشريعةُ؛ لأنَّه يستوي الأمرُ والنهيُ، والخبرُ والإستخبارُ، والقصصُ تستوي؛ لأنَّها مخلوقةٌ لا يمتاز بعضُها عن بعضٍ فهي باعتبارِ الصوتِ كزمجرةِ الرعدِ، وباعتبارِ الكتابةِ كنقوشُ البدعِ؛ لأنَّها مخلوقةٌ، وحينئذٍ لا أَمْرَ ولا نهيَ، ولا خبرَ ولا استخبارَ، ولا شيءَ. وتلطفت طائفةٌ فلم تُوَفَّقْ وقالوا: إن كلامَ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، لكن كلامَهُ هو المعنى القائمُ بنفسه، وما سُمِعَ منه فهو عبارةٌ عن كلامِ اللهِ وهو مخلوقٌ. فانظر كيف ضَلَّتْ هذه الطائفةُ حتى صارت أشدَّ ضلالًا من الذين قالوا إن الكلامَ مخلوقٌ. ما معنى كلامِهِم: يقولون: كلامُ اللهِ هو المعنى القائمُ بنفْسِه. كما أنه لو أنك في نفْسِك قَدَّرْتَ أن تَتَكَلَّمَ بقولٍ ثم قلْتَ، هم يقولون: إن اللهَ تعالى أَضْمَرَ الكلامَ في نفْسِه ثم خَلَقَ أصواتًا تدلُّ عليه. فيكونُ هذا الذي في المصحفِ ليس كلامَ اللهِ، لكنه مخلوقٌ خَلَقَه اللهُ ليعبِّرَ عما في نفسِ اللهِ، المعتزلةُ يقولون: الذي في المصاحفِ كلامُ اللهِ مخلوقٌ، والأشاعرةُ يقولون: ليس كلامَ اللهِ وهو مخلوقٌ، فأيهما أقربُ إلى الصوابِ؟ الجوابُ: المعتزلةُ أقربُ، وهؤلاء يزعمون أنهم العقلاءُ عن الأشاعرةِ، وأنهم حاولوا الجَمْعَ بين المنقولِ والمعقولِ، ولكنهم أفسدوا المنقولَ والمعقولَ، فنحن نقولُ:

стр. 213

إن اللهَ يتكلَّمُ بكلامٍ مسموعٍ وبحروفٍ متتاليةٍ، واللهُ يَفْعَلُ ما يشاءُ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: عمومُ علْمِ اللهِ وبُطُونُ عِلْمِ اللهِ، أنه عِلْمٌ عميقٌ يصلُ إلى أخفى شيءٍ، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الفائدةُ المسلكيَّةُ المهِمَّةُ: وهي أن الإنسانَ إذا عَلِمَ بأن اللهَ تعالى عليمٌ بما في قلْبِه فإنه سوف يُمْسِكُ عن كلِّ إرادةٍ سيئةٍ، ويُقْدِمُ على كلِّ إرادةٍ حسنةٍ، ومنها أنه يجبُ على العبْدِ أن يُصَحِّحَ ما في قلْبِه؛ لأنَّ المدارَ عليه، قال اللهُ ﵎: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العادياتِ: ٩ - ١٠]. واعلمْ يا أخي أن الحُكْمَ في الدنيا على الظاهرِ والحُكمَ في الآخرةِ على الباطنِ، فهل تُحَسِّنُ ظاهِرَك ليُحْكَمَ عليك بالدنيا بما يقتضيه هذا الظاهرُ، أو تُحَسِّنُ باطِنَك ليُحْكَمَ لك يومَ القيامةِ بما يقتضيه هذا الباطنُ أيهما؟ الجوابُ: الثاني، ولهذا لا تَغْتَرَّ بكثرةِ الركوعِ، والسجودِ، وبكاءِ العيْنِ، وما أَشْبَهَ ذلك، بل انظر إلى ما في القلبِ - وإن كانت هذه الأعمالُ التي ذَكَرْتُها علامةً على صلاحِ القلبِ لكن ثَبِّتِ الإيمانَ في القلبِ -، عليك بإصلاحِ القلبِ قبل كلِّ شيءٍ، اغرزْ في قلبِك محبَّةَ اللهِ ورسولِهِ، اغرزْ في قلبِك محبَّةَ الشريعةِ وإن ثَقُلَتْ عليك، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. اغرزْ في قلبِك محبَّةَ المؤمنين، لا تَكْرَهْ أيَّ مؤمنٍ وإن أساء إليك، إن أساء

стр. 214

إليك المؤمنُ فاكره إساءتَهُ، أما هو شخصيًّا فلا تَكْرَهْه، اغرزْ في قلبِك الولايةَ لكلِّ مسلمٍ، والعداوةَ لكلِّ كافِرٍ، وهلمَّ جرًّا. المهمُّ أن تعتنيَ بصلاحِ قلبِك؛ لأنَّه هو الذي عليه مدارُ الحسابِ يومَ القيامةِ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾ [الطارقِ: ٨ - ٩]؛ أي: تُخْتَبَرُ السرائرُ، اللهمُّ أَصْلِحْ ظواهِرَنَا وبواطِنَنا يا ربَّ العالمين. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن المدارَ على القلوبِ، وأنها في الصدورِ، القلوبُ في الصدورِ وبها العقلُ. قال اللهُ تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجِّ: ٤٦]. وعلى هذا فيجبُ علينا أن نؤمِنَ بأن العقلَ في القلبِ؛ لأنَّ الآيةَ في هذا صحيحةٌ أو ظاهرةٌ، وأما قولُ بعضهم: إن العقلَ في الدماغِ فضعيفٌ مقابَلٌ بقولِ العالِم الخالِقِ ، ولكن الدماغَ لا شكَّ أنه إذا اختلَّ، اختلَّ تَصَرُّفُ الإنسانِ، وأصْلُ العقلِ في القلبِ لا شكَّ. قال الإمامُ أحمدُ ﵀: العقلُ في القلبِ وله اتصالٌ بالدماغِ (١). ونروي عن شيخِنا عبدِ الرحمنِ السّعْدِي ﵀: أن أحدَ المعتزلةِ حُكِمَ عليه بالقتلِ على حينِ اختلافٍ بين الناسِ في العقلِ أهو في الدماغِ أم في القلبِ؟ فقال لهم: إذا قَتَلْتُمُوني فأَبِينوا رأسي، ثم إن كان العقلُ في قلبِي حَرَّكْتُ يدي - أو قال أصبعي - وإن كان في الدماغِ راح مع الدماغِ، ففعلوا، فلما قتلوه حرَّكَ العضوَ الذي قال لهم على الوجْهِ الذي قال لهم.

стр. 215

وهذا دليلٌ حسِّيٌّ - إن ثَبَتَتِ القصةُ - على أن العقلَ في القلبِ؛ لأنَّه حَرَّكَ عُضْوَهُ، إما أصبعَه، أو يَدَه على الوجهِ الذي ذَكَرَ لهم، وهذا يدلُّ على أنه استحضرَ في قلبِهِ بعد أن بان رأسُهُ استحضر في قلبِهِ ما وَعَدَهم به وأدَّاه كما وَعَدَهم، فإن ثبتتْ هذه القصةُ فدليلٌ حسِّيٌّ، وإن لم تَثْبُتْ فعندنا دليلٌ سمعيٌّ، والدليلُ السمعيُّ عند العلماءِ هو الذي ثَبَتَ بالكتابِ والسُّنَّةِ. * * *

стр. 216

الآية (٢٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥]. * * * قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الله يَقْبَلُ توبةَ التائبين، بل ويجبُّ توبةَ التائبين، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرةِ: ٢٢٢]، والتوبةُ: هي الرجوعُ من معصيةِ الله إلى طاعةِ الله، وتقعُ كليَّةً وجزئيَّةً، كليَّةً بأن يتوبَ الإنسانُ من كلِّ ذنبٍ، ومنها توبةُ الكافرِ فإنها كليَّةٌ، يمحو الله تعالى بها كلَّ ما سَلَفَ من ذَنْبِه، كما قال جَلَّ وَعَلَا: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفالِ: ٣٨]. ويقول المسلمُ: اللهمَّ إني أستغفرُكَ من جميعِ الذنوبِ، وأتوبُ إليك، هذه كليَّةٌ. التوبةُ الخاصَّةٌ: أن يتوبَ من ذنبٍ معيَّنٍ؛ كإنسانٍ تاب من أكْلِ الرِّبَا لكنه مصرٌّ على شربِ الخمرِ - والعياذُ بالله - فهذه توبةٌ خاصَّةٌ جزئيَّةٌ ليست شاملةً، وسيأتي إن شاء اللهُ الكلامُ عليها قريبًا. وللتوبة شروطٌ خمسةٌ: الأول: الإخلاصُ لله.

стр. 217

والثاني: الندمُ على ما فَعَلَ. والثالث: الإقلاعُ عنه. والرابع: العزمُ على ألا يعودَ. والخامس: أن تكونَ التوبةُ قبل غلقِ الأبوابِ. الإخلاصُ: بأن يكون الحاملُ على التوبةِ خَوْفَ اللهِ ورجاءَ التقرُّبِ إليه بألا يَقْصِدَ بذلك دنيا ولا جاهًا ولا شيئًا من مخلوقاتِ اللهِ ، لا يريدُ إلا الوصولَ إلى رضا اللهِ ودارِ كرامَتِهِ، والإخلاصُ شرطٌ في كلِّ عملٍ. الثاني: الندمُ على ما مضى من الذنبِ؛ بحيث يشعرُ الإنسانُ بالحزنِ والتأثُّرِ كيف وَقَعَ منه هذا الذنبُ، والندمُ هو انفعالٌ في النفسِ يَحْصُلُ بفعلِ الإنسانِ وبغيرِ فعلِهِ، لكن كلامَنَا في الندمِ بالتوبةِ الذي يكونُ بفعلٍ، بمعنى أنه يتحَسَّرُ ويتأسفُ أن وقع منه الذنبُ، ولا يكونُ حالُه كحالِ من لم يُذْنِبْ. الثالثُ: الإقلاعُ عن الذنبِ فإن كان معصيةً في مُحَرَّمٍ فليجتنبْه، وإن كان إفراطًا في واجبٍ فليفعلْه، وعلى هذا فمن زعم أنه تائبٌ من الغِيبةِ ولكنه لا يَدَعُ فرصةً تَحْصُلُ فيها الغِيبةُ إلا اغتاب، فلا نقولُ: إنه تائبٌ؛ لأنَّه لم يُقْلِعْ. كذلك من جَحَدَ مالَ شخصٍ وأنكره وقال: إنه تائبٌ فلا بدَّ أن يَرُدَّ المالَ إلى صاحِبِه، وإلا فلا تُقْبَلُ توبَتُه، ومن اغتاب شخصًا؛ أي: ذَكَرَه بما يَكْرَهُ في غِيبَتِه فلا بدَّ أن يُقْلِعَ عن ذلك ويتحلَّلَ صاحبَ الغِيبةِ، يذهبُ إليه ويقولُ: سامحني، حَلِّلْني، فقد قلتُ فيك قولًا قد تُبْتُ منه، لا بدَّ من هذا، فإن قال: إن ذَهَبْتُ إليه أستحلُّه أخشى أن يظنَّ الأمرَ أكبرَ مما قلتُ، تقعُ العداوةُ.

стр. 218

فالجوابُ: وإن كان كذلك أنت أبرئْ ذِمَّتَك. وكونُهُ يترتبُ على ذلك عداوةٌ، أو ما أَشْبَهَ ذلك ليس إليك، نعم لو أن صاحبَك لم يَعْلَمْ بغِيبتِكَ إياه فهنا يكفي أن تندمَ وتُقْلِعَ عن غِيبتِه في المستقبلِ، وتذكُرُه في المجلس الذي اغْتَبْتَه فيه بما له من صفاتٍ حميدةٍ. الرابعُ: العزمُ على ألا يعودَ، بأن يقعَ في قلبِهِ أنه لن يعودَ لهذه المعصيةِ، فإن كان تاب لكنه مترددٌ فيما لو تَيَسَّرَت له هذه المعصيةُ أيفعلُها أم لا. فالتوبةُ غير صحيحةٍ، لا بدَّ أن يعزمَ على ألا يعودَ، فإن عاد - يعني عزم ألا يعود ثم عاد بعد ذلك - هل تَبْطُلُ التوبَةُ؟ الجوابُ: لا تَبْطُلُ، التوبةُ الأولى صحيحةٌ، لكن عليه أن يجددَ التوبةَ للذنبِ الثاني، ولهذا كانت العبارةُ العزمُ على ألا يعودَ، وليست العبارةُ بشرطِ ألا يعودَ، وبينهما فَرْقٌ، إذا قلنا عزمَ على ألا يعودَ وعزمَ ألا يعودَ ثم عاد فالتوبةُ الأولى صحيحةٌ، لكن عليه أن يُجَدِّدَ التوبةَ للذنبِ الثاني، أما إذا قلنا بشرطِ ألا يعودَ فهذا يقتضي أنه لو عاد لبطلتِ التوبةُ وليس كذلك. الشرطُ الخامسُ - وما أَعْظَمَه -: أن تكونَ التوبةُ في زمنِ الإمكانِ فإن فات الأوانُ لم تُقْبَلْ، وفواتُ الأوانِ عامٌّ وخاصٌّ: العامُّ طلوعُ الشمسِ من مَغْرِبِها، والخاصُّ حضورُ الموتِ، أما الأولُ فدليلُه قولُ اللهِ تبارك تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعامِ: ١٥٨]. فَسَّرَ النبيُّ ﷺ بعضَ الآياتِ بأنها الشمسُ تَطْلُعُ من مغرِبِها. وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبَةُ، ولا تنقطعُ التوبةُ حتى

стр. 219

تخْرُجَ الشمسُ من مَغْرِبِها" (١). أما الخاصُّ فهو حضورُ الأجَلِ، فإنه إذا حضر الموتُ لم تُقْبَلِ التوبةُ؛ لقول اللهِ تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساءِ: ١٨]. الشاهدُ قولُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وهذا الشرطُ يستلزمُ أن تكونَ التوبةُ على الفورِ بدونِ تأخيرٍ، وجْهُ ذلك: أنه لا يَعْلَمُ متى يأتيه الموتُ، فقد يموتُ بَغْتَةً على فراشِهِ، أو على كرْسِيِّه أو وهو ساجدٌ أو راكعٌ، وحينئذٍ يتبيَّنُ أن التوبةَ واجبةٌ على الفورِ، فاستدركْ نَفْسَك أيها العبْدُ، إن كان في أمرٍ بينك وبين اللهِ، أو بينك وبين الخَلْقِ؛ لأنك لا تدري متى يأتي الموتُ. الخلاصةُ: شروطُ قَبُولِ التوبةِ خمسةٌ: أولًا: الإخلاصُ للهِ ، ثانيًا: الندمُ على الذنبِ، ثالثًا: الإقلاعُ في الحالِ، رابعًا: العزمُ على ألا يعودَ، خامسًا: أن تكونَ التوبةُ في زمنِ الإمكانِ. نسألُ اللهَ لنا ولكم التوبَةَ. وقولُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [منهم] فَصَرَفَ معنى (عن) إلى معنى (من)، وهذا مبنيٌّ على ما سبق من أن حروفَ المعاني تتناوبُ؛ أي: ينوبُ بعضُها عن بعضٍ، ولكن إبقاءَ اللفظِ على ظاهِرِه أَوْلى، ويكون ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ مضمنًا معنى يعفو عنه، فيقبلُ التوبةَ عن عبادِهِ؛ أي: يَقْبَلُها ويعفو عنهم. ونجعل (عن) على بابِها، ويكونُ قولُهُ: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ كالتوكيدِ لما سبق، يقبلُ التوبةَ عن عبادِهِ.

стр. 220

قولِهِ: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [المُتَابُ عنها]. والعفوُ مأخوذٌ من قولهِم: عفا الأثرُ إذا أَخْفَتْهُ الرياحُ، وهو التجاوزُ عن العقوبةِ بالذنوبِ، و ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ جمعُ سيئةٍ، وهي كلُّ ما يسوءُ الإنسانَ فِعْلُه أو وقوعُه، والمرادُ بالسيئاتِ هنا: - يعني تفسيري لها على حَسَبِ اللفظِ - مخالفةُ الشرعِ، فكلُّ ما خالف الشرعَ فهو سيئةٌ، سواءٌ كان بتركِ واجبٍ، أو فعلِ مُحَرَّمٍ. قولُهُ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يقولُ: قال المُفَسِّر ﵀: [بالياءِ والتاءِ] ﴿مَا تَفْعَلُونَ﴾ و"ما يفعلون"، أما على قراءةِ (ما يفعلون) فهي مطابقةٌ للضمائِرِ السَّبْعِ، (ويَعلمُ ما يفعلون)؛ أي: ما يَفْعَلُه العِبَادُ. وأما على قراءةِ التاءِ فهي من بابِ الإلتفاتِ عن الغيبةِ إلى الخطابِ. وأسلوبُ الإلتفاتِ أسلوبٌ بلاغيٌّ ويُقْصَدُ به تنبيهُ المخاطَبِ إلى ما سيلقى إليه، وذلك لأن الكلامَ إذا كان على وتيرةٍ واحدةٍ فإن الإنسانَ يَنْسَجِمُ معه وربما يغفُلُ عنه، وإذا اختلف وقَف الإنسان، لماذا صار الأمرُ كذلك؟ انتبه صار الإلتفاتُ على قراءةِ ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ التفاتًا من الغَيْبةِ إلى الخطابِ، الإلتفاتُ فنٌّ معروفٌ في البلاغةِ من فوائده تنبيهُ المخاطَبِ. انظر إلى قولِ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدةِ: ١٢]. مقتضى السياقِ أن يقولَ: وبَعَثَ منهم، لكن قال: وبعثْنَا منهم، فانتقل من الغَيْبَةِ إلى التكلُّمِ؛ لأجلِ تنبيهِ المخاطَبِ. قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ علمه بما نعمل يشملُ العلمَ بالأشياءِ الظاهرةِ والأشياءِ الباطنةِ، قد يُذْنِبُ الإنسانُ ذَنْبًا ظاهرًا يعلمُه الناسُ ويعلمُه ربُّ الناسِ ، وقد يكونُ خفيًّا لا يعلَمُه الناسُ، ولكن يَعْلَمُه اللهُ ﵎.

стр. 221

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: رحمةُ اللهِ تعالى بعبادِهِ؛ حيث حَثَّهم على التوبةِ، وجهه في قولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ فإن هذا ليس مجرَّدَ خبرٍ أن الله يَقْبَلُ، بل هو حثٌّ من اللهِ أن نتوبَ إلى الله. اللهمَّ وَفِّقْنا للتوبةِ يا ربَّ العالمين، نظيرُ ذلك أن أقولَ: من زارني أعطيْتُه مئةَ درهمٍ. معنى هذا حثُّ الناسِ على الزيارةِ، كلُّ إنسانٍ سوف يُقْبِلُ على الزيارةِ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ حثٌّ للناسِ بلا شكَّ على التوبةِ إلى اللهِ . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ كرمِ الربِّ ؛ حيث يَقْبَلُ التوبةَ عن عبادِهِ مهما كان الذنبُ، واقرأ قولَ الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. التوبةُ من الكفرِ مقبولةٌ، والإسلامُ يَهْدِمُ ما قبله مهما عَظَم، حتى من سَبَّ اللهَ أو رسولَهُ ثم أسلم تُقْبَلُ توبتُه؛ لعمومِ الأدلةِ، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ يعني عن كفرِهم ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفالِ: ٣٨]. ما قد سلف وإن عظُمَتْ، لقولِهِ: ﴿مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (ما) اسمٌ موصولٌ يُفيدُ العمومَ، حتى لو قَتَلَ هذا الكافرُ ألفَ رجلٍ مؤمنٍ ثم أَسْلَمَ؛ تاب اللهُ عليه، ولذلك إذا أسلم الكفارُ وقد أتلفوا أموالَ المسلمين في الحربِ لا يَضْمَنُون أموالَ المسلمين؛ لأنَّ الإسلامَ يَهْدِمُ ما قبله. مسألةٌ: الكافرُ حربيٌّ - ما لم يكن بيننا وبينه عَهْدٌ - فلنا أن نَقْتُلَه وله أن يَقْتُلَنا. بمعنى أنه لو قَتَلَنا لم يَضْمَن، وإلا حَرَّمْنَا عليه أن يَقْتُلَنا وحرامٌ عليه أن يَكْفُرَ؛ ولهذا كان القولُ الراجحُ: أن الكفارَ مخاطَبون بفروعِ الشريعةِ كما أنهم مخاطَبون بالتوحيدِ،

стр. 222

بل أقولُ: إن الكافرَ آثمٌ حتى في المباحِ، الآن الكافرُ يأكلُ ويشربُ وآمِنٌ ويلبَسُ وكلُّ شيءٍ كلُّ نعمةٍ فإنه معاقَبٌ عليها، زيادةً على عقوبةِ الكفرِ ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمرانَ: ١٩٦ - ١٩٧]، وإذا سُئِلَ أصحابُ النارِ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدَّثرِ: ٤٢ - ٤٧]، إذن فَهُمْ آثمون، وقال : ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدةِ: ٩٣] وغيرهم عليهم جناحٌ، قال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعرافِ: ٣٢] للذين آمنوا، وغيرِ الذين آمنوا ليست لهم ولا خالصة لهم يومَ القيامةِ. انتبهوا: الكافِرُ عدُوُّ اللهِ، ولو ساوت الدنيا جناحَ بعوضةٍ عند اللهِ ما سقى منها كافرًا شربةَ ماءٍ، فهم إذا أكلوا، أو شربوا، أو أَمِنُوا، أو صحوا، أو أي نعمةٍ تصيبُهُم فإنهم معاقبون عليها. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الإشارةُ إلى لطفِ الله ﵎ حيث قال ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾ يعني: كأنه - والله أعلمُ - لما كانوا عبيدًا له عامَلَهُم بالرفقِ والعفوِ والتوبةِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله إذا تاب على العبدِ عفا عن سيئاتِهِ مهما عظمت؛ لقولِهِ: ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ عمومِ علمِ الله لكلِّ ما نفعَلُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ يتفرعُ على هذه الفائدةِ التحذيرُ من المخالفةِ؛ وجْهُ ذلك: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾؛ يعني: فاحذروا أن تفعلوا شيئًا يُغْضِبُه فإنه عالمٌ بكم.

стр. 223

الآية (٢٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ٢٦]. * * * قولُهُ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [يجيبُهُم إلى ما يسألون] ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ بمعنى: يجيبُ، مع أنه قد يتبادرُ إلى ذهنِ الإنسانِ أن معنى ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾؛ أي: يطيعُ، كما إذا قلت: دعوتُ فلانًا فاستجاب لي؛ أي: أطاعني، لكن هنا ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ بمعنى يُجيبُ، ودليلُ هذا التفسيرِ قولُ اللهِ ﵎: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥]؛ إذن استجاب بمعنى: أجاب، ويستجيبُ بمعنى: يجيبُ. وقوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مفعولٌ به، وليست فاعلًا، الفاعلُ ضميرٌ مستترٌ يعودُ على الله. وإننا إذا قلنا: ﴿وَيَسْتَجِيبُ﴾ أنها عائدةٌ للهِ صارت ﴿الَّذِينَ﴾ مَحَلُّهَا النصبُ فهم مجابون، و ﴿الَّذِينَ﴾ مفعولٌ به، وأيضًا يُضْعِفُ هذا القولَ - بأن قوله: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشورى: ٢٦]، يعني: الذين آمنوا هم الذين استجابوا لربِّهِم - قولُهُ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الشورى: ٢٦]، فإن الأصلَ أن الضمائرَ تكونُ واحدةً، ومعلومٌ أن الزيادةَ ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ من الفضلِ خاصَّةٌ باللهِ فالقولُ بأنها تحتملُ المعنى الثانيَ ضعيفٌ؛ لأنَّه مرجوحٌ.

стр. 224

وعندنا مُرَجِّحٌ على أن المجيبَ هو اللهُ وهو قولُهُ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ولو كان كذلك لقال: فيزيدُه ويَستجِيبُ الذِين آمَنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ فيزيدُهُم. إذا استجابوا، فلما جاء حرفُ العطفِ الذي يقتضي تساويَ المعطوفِ والمعطوفِ عليه لم يصحَّ ما قلتَ، وإلا لقال: ويَستجِيبُ الذِين آمَنُوا وعَمِلوا الصالحاتِ فيزيدُهُم؛ أي: بسببِ استجابتِهِم يزيدُهُم من فضْلِه. وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ آمنوا بقلوبِهِم ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ بجوارحِهم، والإيمانُ والعملُ الصالحُ يُقرنان دائمًا؛ لأنَّ أحدَهُما ملازمٌ للآخَرِ، فكلُّ من آمن حقًّا فسيعملُ الصالحاتِ قطعًا، دليلُ هذه القاعدةِ: قولُ النبيِّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "ألا وإن في الجسدِ مضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجسدُ كلُّهُ، وإذا فسدتْ فسَدَ الجسدُ كلُّه" (١). إذن: آمنوا بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به، وأركانَ الإيمانِ قال عنها النبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "إنها الإيمانُ باللهِ، وملائكتِه، وكتُبِه، ورسُلِه، واليومِ الآخِرِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ" (٢). وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الصالحاتُ: هذه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ، والتقديرُ: الأعمالُ الصالحاتُ. فما ضابطُ العملِ الصالحِ؟ ضابطُ العملِ الصالحِ: أن يكونَ خالصًا للهِ، موافقًا لشريعةِ الله؛ هذا يقعُ في أمةِ محمدٍ ﵊ لكن هل يقعُ في الأممِ السابقةِ؟ الجوابُ: نعم، حين كانت شرائعُهُم قائمةً يقعُ منهم الإيمانُ والعملُ الصالحُ، إذن العملُ الصالحُ ضابطُهُ أن يكونَ خالصًا للهِ موافقًا لشريعةِ الله.

стр. 225

فقولُنا: أن يكون خالصًا لله احترازٌ من العملِ الذي يقعُ فيه الشركُ فليس بصالحٍ، وإن قلَّ الشركُ؛ لقولِهِ تعالى في الحديث القدسيِّ: "أنا أغنى الشركاءِ عن الشركِ من عَمِلَ عملًا أَشْرَكَ فيه معي غيري تركْتُه وشِرْكَه" (١). وعلى وَفْقِ الشريعةِ أن يكون خاليًا من البدعةِ، فإن كان فيه بدعةٌ لم يكن صالحًا، حتى لو كانت أجزاءُ هذه البدعةِ عملًا صالحًا، فإنها إذا كانت بدعةً لا تكونُ عملًا صالحًا؛ يعني: لو أن أحدًا أَحْدَثَ أذكارًا من القرآنِ أو من السُّنَّةِ، لكن على صفةٍ لم تأتِ بها الشريعةُ، فإنها ليست عملًا صالحًا، ولا يكونُ العملُ صالحًا إلا إذا وافقَ الشريعةَ في أمورٍ ستةٍ: السببِ، والقَدْرِ، والكيفيَّةِ، والنَّوْعِ، والزمانِ، والمكانِ. لا بدَّ أن يوافقَ الشريعةَ في هذه الأشياءِ الستَّةِ: السببُ: بأن يكونَ هذا العملُ مشروعًا لسببٍ معيَّنٍ، فلو أن إنسانًا أحدثه لسببٍ آخَرَ لم يُقْبَلْ منه، ولم يَكُنْ صالحًا. مثالُ ذلك: نرى بعضَ الناسِ إذا قُدِّمَ إليه الطِّيبُ، يقولُ: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ. هذا ليس عملًا صالحًا. إذا قال قائلٌ: كيف تقولُ: ليس عملًا صالحًا وهو صلاةٌ على الرسولِ؟ قلنا: لأنه ليس من هديِ الرسولِ ﷺ أنه كلما تَطَيَّبَ صلى على النبيِّ، ولا أَمَرَ أُمَّتَهُ بذلك، إذن فأنت الآن أَثْبَتَّ سببًا غيرَ شَرْعِيٍّ. ومن ذلك أن بعضَ الناسِ إذا تجشَّأ - وهو خروجُ الريحِ من فوقُ - قال: الحمدُ للهِ. نقولُ: من قال لك إنه يشرعُ عند التجشؤِ أن تَحْمَدَ اللهَ؟ إذن عملُك غيرُ

стр. 226

صالحٍ؛ لأنَّه غيرُ مطابقٍ للشريعةِ، ونقولُ: يلزمُ على قولِك أنك إذا فَسَوْتَ أن تحمدَ اللهَ، ولا دليلَ على هذا. والثاني: بأن يكونَ من جنسِ ما جاءتْ به الشريعةُ، فإن خرج عن ذلك لم يكن عملًا صالحًا، مثالُه: لو أن أحدًا ضحَّى بفرسٍ فالفرسُ أغلى من الشاةِ غالبًا، فإن الأضحيةَ لا تُقْبَلُ؛ لأنه ليس من جنسِ المشروعِ التضحيةُ به، إذ إن التضحيةَ لا تكونُ إلا من بهيمةِ الأنعامِ: الإبلِ والبقرِ والغنمِ، كما قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحجِّ: ٢٨]. الثالثُ: أن يكونَ مطابقًا للشريعةِ في قَدْرِه فلا يزيدُ على ما جاءت به الشريعةُ؛ ولهذا لو أن إنسانًا زاد في الصلاةِ ركعةً لم يكن عملًا صالحًا، حتى وإن كانت صلاتُهُ في الأصلِ مشروعةً، لكنها في هذا الحالِ ليست مشروعةً. فإن قال قائلٌ: ماذا تقولون لو أن الإنسانَ زاد في صلاةِ الليلِ على إحدى عشرة ركعةً، هل تكونُ الزيادةُ عملًا صالحًا؟ إذا قلتُ: نعم، أَشْكَلَ علينا أننا قلنا: لا بدَّ أن تطابق الشريعةَ في قَدْرِها. أعني: العبادةَ، ومعلومٌ أن النبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - كان لا يزيدُ في رمضان ولا غيرِهِ على إحدى عشرة ركعةً (١)، وربما صلى ثلاثَ عشرةَ ركعةً (٢). فالجوابُ: أن صلاةَ الليلِ لم يردْ فيها تحديدٌ عن - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وسلَّمَ -

стр. 227

بأن قال: لا تزيدوا على كذا، بل صلى هو إحدى عشرة ركعةً، وقال للذي سأله عن صلاةِ الليلِ: قال له: "مثنى مثنى فإذا خَشِيتَ الصبحَ فصلِّ ركعةً تُوتِرُ لك ما قد صَلَّيْتَ الليلَ" (١)، فقولُهُ: "مثنى مثنى"، بدون تحديدٍ يدلُّ على أن صلاةَ الليلِ لا حدَّ لها، صلِّ ما شئتَ من الركعاتِ. الأمرُ الرابعُ: أن تكونَ موافقةً للشريعةِ في الزمانِ، فإن خالفت الشريعةَ في الزمان فإنها لا تُقْبَلُ. مثالُ ذلك: رجلٌ ضَحَّى وذبح أضحيتَهُ قبل صلاةِ العيدِ، فلا تصحُّ هذه الأضحيةُ؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ للذي أخبره أنه ذبح قبل أن يصلي قال له: "شاتُك شاةُ لحمٍ" (٢). الخامسُ: في المكانِ: أن تكونَ موافقةً للشريعةِ في المكانِ. يعني: أنه إذا خص الشارعُ العبادةَ بمكانٍ معيَّنٍ فإن صلاتَهَا في غيرِ هذا المكانِ لا تُقْبَلُ، فالوقوفُ بعرفةَ لو أن إنسانًا وقف في مزدلفةَ بدَلَ الوقوفِ بعرفةَ، فإن ذلك لا يصحُّ؛ لأنَّه وقف في غيرِ المكانِ الذي حُدِّدَ، ولو اعتكف الإنسانُ في بيتِهِ لم يصحَّ الإعتكافُ؛ لأنَّ الإعتكافَ مخصوصٌ بالمساجِدِ. السادسُ: أن تكون مطابقةً للشريعةِ في هيئتها يعني: الكيفيَّةَ، فلو توضأ الإنسانُ وغسل يديه قبل وجْهِه فالوضوءُ لا يصحُّ؛ لأنَّه مخالفٌ للشريعةِ في الهيئةِ

стр. 228

إذ إن الله يقولُ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدةِ: ٦] ولو صلى الإنسانُ فسجد قبل أن يركعَ، ثم قام وركع لم تصحَّ الصلاةُ؛ لعدمِ موافقةِ الشريعةِ في الهيئةِ. هذه ستةُ أشياءَ لا يُمْكِنُ أن تكونَ العبادةُ مطابقةً للشريعةِ إلا إذا تحققت هذه الأشياءُ الستةُ. قولُهُ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: يعطيهم من فضلِه زيادةً على ما عمِلوا، فالحسنةُ بعشْرِ أمثالهِا إلى سَبْعِ مئةِ ضِعْفٍ، إلى أضعافٍ كثيرةٍ. قولُهُ: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ هذه جملةٌ مستأنفةٌ، لمَّا ذَكَرَ ما يحصلُ للذين آمنوا وعملوا الصالحاتِ ذَكَرَ ما يَحْصُلُ لِضِدِّهم؛ لأن القرآن الكريمَ مثاني تثنى فيه المعاني، فتذكر فيه الجنة ثم يذكر النار، والثواب ثم العقاب، والمؤمن ثم الكافر، وهلمَّ جرًّا. وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الكافرُ: في الأصلِ الجاحدُ مأخوذٌ من الكُفراء، وهي من وعاءِ طلعِ النخلِ، ولكنه يُطْلَقُ على كلِّ من كَفَرَ باللهِ تعالى بجحدٍ أو غيرِه، سواءٌ كان بجحدٍ مثل: أن يجحد الرسالةَ أو القرآنَ، أو كان باستكبارٍ عن دينِ اللهِ مثل: أن يدعَ الصلاةَ التي تَرْكُهَا كُفْرٌ. وقولُهُ: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، خبرُ المبتدأِ الأوَّلِ الذي هو ﴿وَالْكَافِرُونَ﴾ وأتت العبارةُ بهذا الوجهِ للتأكيدِ على عذابِهِم - والعياذُ باللهِ -، وإلا لكان يكفي أن يقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرةِ: ٩٠] أو ما أَشْبَهَ ذلك، لكن اللهَ تعالى قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ الشديدُ: القويُّ، وإذا رأيتَ أن تعرف هذا فاقرأْ ما في القرآنِ والسُّنَّةِ من عذابِ أهلِ النارِ.

стр. 229

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: فضيلةُ الإيمانِ والعملِ الصالِحِ، وأنه سببٌ لإجابةِ اللهِ تعالى. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن اللهَ تعالى يعطي المؤمنين العاملين للصالحاتِ أكثر مما عملوا؛ لقولِهِ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾، وهذه الزيادةُ بَيَّنَها اللهُ تعالى في مواضعَ أخرى من كتابِهِ فقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعامِ: ١٦٠]، وقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرةِ: ٢٦١]. وربما يقالُ أيضًا بزيادةٍ أخرى غيرِ العددِ وهي: أنه يزيدُهم من الإيمانِ والعملِ الصالِحِ؛ لأنَّه كلما عمِلَ الإنسانُ عملًا صالحًا ازداد يقينُهُ؛ ولهذا كان من قولِ أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أن الأعملَ داخلةٌ في الإيمانِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن كلَّ ما ينالُ الإنسانُ من خيرٍ فبفضلِ الله، وعلى هذا يجبُ على الإنسانِ أن يَقْطَعَ عن نفسِه الإعجابَ، ويجبُ عليه ألا يقولَ: هذا من عندي، أو أنا جديرٌ به، أو ما أَشْبَهَ ذلك من الكلماتِ التي يَفْخَرُ بها على اللهِ . الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التحذيرُ من الكفرِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾؛ لأنَّه ليس المرادُ من هذه الجملةِ الإخبارَ بشدةِ العذابِ للكافرين، ولكن المرادَ بيانُ هذا والتحذيرُ من الكفرِ؛ خوفًا من العذابِ الشديدِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن اللهَ تعالى يُنْذِرُ الناسَ عن المعاصي والكفرِ بذكْرِ العقابِ، أخذ العلماءُ من هذا أنه إذا ذكر اللهُ تعالى عقابًا في عملٍ من الأعمالِ دلَّ ذلك على تحريمِه، وإذا ذكر ثوابًا في عملٍ من الأعمالِ دلَّ ذلك على مشروعِيَّتِه. * * *

стр. 230

الآية (٢٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]. * * * قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿بَسَطَ﴾ بمعنى وَسَّعَ، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرةِ: ٢٤٥]، وقال : ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزُّمَرِ: ٥٣]، فالبسطُ بمعنى التوسيعِ، يعني: لو وَسَّعَ اللهُ الرزْقَ للعبادِ لبغَوْا في الأرضِ. وقولُهُ: ﴿لِعِبَادِهِ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [جميعُهُم] يعني: لو كان كلُّ الناسِ أغنياءَ بُسِطَ لهم في الرِّزْقِ لبغوْا في الأرضِ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَبَغَوْا﴾ جميعُهُم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: طَغَوْا فيها] وتجاوزوا حدودَهم؛ وذلك لأن الجميعَ كانوا في رفاهيةٍ وفي رزقٍ واسعٍ ولا رادعَ ولا اعتبارَ ولا اتِّعَاظَ. وأيضًا لو بَسَطَ اللهُ الرزقَ لجميعِ العبادِ لفسدت الدنيا؛ لأنَّه لولا هذا التفاضلُ بين العبادِ في الرِّزْقِ ما خدم أحدٌ أحدًا، ولا استقامت الأحوالُ، لو كان الناسُ كُلُّهُم على حدٍّ واحدٍ في الغنى، وطلبت من شخصٍ أن يعملَ لك فإنه لن يستجيبَ؛ لاستغنائِهِ بما عنده، ولكنَّ اللهَ ﵎ فَضَّلَ بعضَ الناسِ على بعضٍ، ورَفَعَ بعضَهُم

стр. 231

فوق بعضٍ درجاتٍ؛ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرفِ: ٣٢]. هذا ما ذهب إليه المُفسِّر، ولكن قد يقالُ: إن قولَه تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ شاملٌ للجميعِ أو للأفرادِ، فإن الإنسانَ لو بَسَطَ اللهُ له الرزقَ بغى واستغنى؛ ولذلك تجدون أكثَرَ من يُكَذِّبُ الأنبياءَ هم الملأُ الأغنياءُ الكبراءُ، وأمَّا الفقراءُ الضعفاءُ ففي الغالبِ هم الذين يَتَّبِعُون الأنبياءَ، فيكونُ المعنى المرادُ بقولِهِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ﴾ المرادُ الجنسُ يعني: لواحدٍ من عبادِهِ لبغى في الأرضِ. قولُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿يُنَزِّلُ﴾ بالتخفيفِ وضِدِّه] ضِدُّهُ التشديدُ؛ يعني: يُنزِّلُ ويُنزِلُ، ينزِّلُ من نزَّلَ ويُنزِلُ من أنزَلَ وقولُهُ: [بالتخفيفِ وضِدِّهِ] اصطلاحُ المُفسِّر ﵀ أنه إذا أتى بِمِثْلِ هذا التعبيِر فالقراءتان سَبْعِيَّتَانِ، وكذلك إذا قال: وفي قراءةٍ، فالقراءتان سَبْعِيَّتان، أمَّا إذا قال: وقُرِئَ فالقراءةُ شاذَّةٌ؛ لأنَّه أتى بها بصيغةِ التمريضِ، هذا التعبيرُ الذي معنا [بالتخفيفِ وضِدِّهِ] على حدٍّ سواءٍ يعني: ساوى بين القراءتين، وعلى هذا فهما سبعيتان. قال المُفسِّر ﵀: [من الأرزاقِ] بيانٌ للمنزَّلِ، فالمُضْمَرُ إذن من الأرزاقِ، ويدلُّ على أن المُضْمَرَ من الأرزاقِ قولُهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾؛ أي بتقديرٍ مكتوبٍ في الأزلِ لا يتغيَّرُ، ولا يتبدَّلُ ﴿مَا يَشَاءُ﴾ فيبسطُها لبعضِ عبادِه دون بعضٍ، وينشأُ عن البسْطِ البغيُ ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. قولُهُ: ﴿بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ هذه المشيئةُ كما سبق مقرونةٌ بالحكمةِ، فمن اقتضتِ حكمةُ اللهِ أن يُغْنِيَهُ أغناه، ومن اقتضتْ حكمةُ اللهِ أن يُفْقِرَهُ أَفْقَرَهُ. وفي الحديثِ القدسيِّ "إن من عبادي من لو أغنيْتُه لأفسده الغنى، وإن من

стр. 232

عبادي من لو أفقرْتُه لأفسده الفقرُ" (١)، فاللهُ ﵎ حكيمٌ. وكم من إنسانٍ رجع إلى اللهِ تعالى بسببِ المصائبِ من فقرٍ، أو موتِ قريبٍ، أو صديقٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك. قولُهُ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [فيبسُطُها لبعضِ عبادِه دون بعضٍ، وينشأ عن البسطِ] يعني توزيعَ الرزقِ [البغيُ]، هذا كالتعليلِ؛ لكونِ الجواب: لو بسطَ اللهُ الرزقَ لعبادِهِ لَبَغَوْا؛ بأنه ينشأُ عن البسطِ البغيُ والطغيانُ والإستكبارُ عن العبادةِ والتكذيبُ بالحقِّ. قولُهُ: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ الجملةُ استئنافيَّةٌ تُبيِّنُ أن بَسْطَه الرِّزْقَ وعدَمَه ناشئٌ عن عِلْمٍ وخبرةٍ، والخبرةُ أخصُّ من العِلْمِ؛ لأنَّها العلمُ ببواطنِ الأمورِ، ولكن نقولُ: إن العلمَ ببواطِنِ الأمورِ يدلُّ بالإلتزامِ على العِلْمِ بظواهرِ الأمورِ من بابِ أولى. ﴿بَصِيرٌ﴾ مأخوذةٌ من الإبصارِ بالعيْنِ، ومن البصيرةِ وهي العِلْمُ، فيكونُ بصيرٌ لها معنيان: الأولُ: من الإبصارِ وهو الرؤيا بالعيْنِ، والثاني: من البصيرةِ وهي العلمُ ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، وهذا يعني أنه يُضَيِّقُ على من شاء ويوسِّعُ على من شاء. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أن بَسْطَ الرزقِ وتضييقَهُ من عندِ اللهِ وحده؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾.

стр. 233

فإن قال قائلٌ: ألا يَرِدُ على هذا أننا نرى الرجلَ يعملُ ويكدحُ ويتَّجِرُ فيزيدُ مالُهُ؟ قلنا: لا يرِدُ؛ لأنَّ أَصْلَ عَمَلِه من عندِ اللهِ هو الذي أَوْقَعَ في قلبِهِ النِّيَّةَ وأَقْدَرَهُ على العملِ، فهو من فَضْلِ اللهِ هذا وَجْهٌ. وجهٌ آخرُ أننا نجدُ بعضَ الناسِ يَكْدَحُ ويَتْعَبُ ويعملُ، ولكن لا يُوفَّقُ، كلما ضرب وجهًا ازداد خسرانًا وحينئذٍ ينتفي هذا الإيرادُ. إذن فالبسطُ كلُّهُ من اللهِ ؛ لا من أَصْلِهِ، ولا مما يتفرَّعُ عنه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحذرُ من الترفِ وسَعةِ الرزقِ، وجْهُ ذلك أن الله تعالى أخبر بأن بَسْطَ الرزقِ سببٌ للبغْيِ، وهذا كقولِهِ تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلقِ: ٦ - ٧]، وأخبر النبيُّ ﷺ أن أَخْوَفَ ما يخافُ علينا ما يُفْتَحُ علينا من زَهْرَةِ الدنيا (١)، فليحذرِ الإنسانُ ما يُبْسَطُ له من الرزقِ، فلعل شقاءه يكونُ بسببِه، نسألُ اللهَ السلامة والعافيَة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: حكمةُ اللهِ ﵎ فيما يُنَزِّلُ من الرزقِ، لقولِهِ: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ المشيئةِ للهِ ﵎ حتى فيما يَحْصُلُ للعبدِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الإشارةُ إلى أن توسيعَ الرزقِ لشخصٍ وتضييقَهُ لآخَرَ مبنيٌّ على خبرةٍ وعلمٍ؛ لقولِهِ: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.

стр. 234

الآية (٢٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨]. * * * قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ يُنَزِّلُه من السماءِ، ﴿الْغَيْثَ﴾ أي: ما يَحْصُلُ به الإغاثةُ وهي الإنقاذُ من الشدَّةِ، أما المطرُ فقد يَنْزِلُ ولا تزولُ به الشدَّةُ، دليلُ ذلك قولِ النبيِّ ﷺ : "ليس السَّنَةُ أن لا تُمْطِرَ ولكن السَّنَةَ أن تُمْطِرَ فلا تُنْبِتُ الأرضُ شيئًا" (١). ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أي: ما قَنَط العبادُ، قال المفسِّرُ ﵀: [﴿الْغَيْثَ﴾ المطرُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾؛ أي: يَئِسُوا من نزولِهِ]؛ لتأخُّرِه عن وقتِه قالوا: إذن هذا العامُ لا مَطَرَ، فيُنْزلُ اللهُ المطرَ، وإنزالُ المطرِ على حينِ شفقةٍ له وقنوطٍ من نزولِهِ يكونُ أشدَّ وقْعًا في النفوسِ، وأبْيَنَ لرحمةِ الله ﵎ وفَضْلِهِ. وقولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ بيانٌ للواقِعِ وليس تقريرًا للقنوتِ؛ لأنَّ القنوطَ حُكْمُه الشرعيُّ لا يَجُوزُ، بل هو من كبائرِ الذنوبِ. الإخبارُ بالواقعِ أو عن الواقعِ لا يعني إقرارَهُ، ودليلُ هذا قولُهُ ﷺ : "ليكونَنَّ من أمتي أقوامٌ يستحلُّونَ الحِرَّ والحريرَ

стр. 235

والمعازفَ" (١). وقولُهُ: "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ من كان قَبْلَكم اليهودِ والنصارى" (٢)، وإخبارُهُ بأن الظعينةَ تخرُجُ من كذا إلى كذا لا تخشى إلا اللهَ (٣). فهذا الإخبارُ عن الواقِعِ لا يقتضي حِلَّهُ وإِقرارَهُ. قال ﵀: [﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ يَبْسُطُ مَطَرَه] هكذا قال المفَسِّرُ، ولو كان المرادُ كما قال لقال: يُنَزِّلُ الغيثَ من بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُه، ولكن الصوابَ: ينشرُ رَحْمَتَه؛ أي: الرحمةَ التي تَحْصُلُ بهذا الغيْثِ، من نباتِ الزرعِ، ودَرِّ الضَّرْعِ، وسَعَةِ الرزقِ، وغيرِ ذلك مما ينشأُ عن المطرِ. وقال بعضُ العلماءِ: يَنْشُرُ رحمتُه؛ أي: يجعلُ السماءَ صحوًا حتى تَخْرُجَ الشمسُ، وفي هذا نظرٌ، اللهمَّ إلا إذا وصلتِ الأمطارُ إلى حدٍّ يُخْشَى من ضَرَرِها، فحينئذٍ يكونُ انجلاءُ الغَيْمِ، وخروجُ الشمسِ يكونُ رحمةً، أما مجرَّدُ خروجِ الشمسِ وانجلاءُ الغيْمِ فإنه ليس برحمةٍ، لكنه حِكْمَةٌ، نَعْلَمُ بأن الله تعالى يَفْعَلُ هذا لحكمةٍ وينْشُرُ رحْمَتَه، فالمسألةُ أعمُّ مما ذَكَرَ المُفسِّر. قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ المُحْسِنُ للمؤمنين ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمودُ عندهم]. قولُهُ: [﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ المُحْسِنُ للمؤمنين] فَسَّرَ الوَلايةَ بالإحسانِ، والصوابُ أن الولايةَ أعمُّ، فقولُهُ: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾؛ أي: الذي يتولَّى أمورَ عبادِهِ. وقولُهُ:

стр. 236

﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المحمودُ على هذه الوَلايةِ؛ لأنَّها وَلايةُ رحمةٍ وحكمةٍ وعدلٍ، فيُحْمَدُ عليها، إذا كان اللهُ تعالى هو الوليَّ فإلى من يلجأُ إذا ضاقت عليه الأمورُ؟ يلجأُ إلى الله ؛ لأنَّه وليّه، كما أن اليتيمَ يرجعُ إلى وَلِيِّه في تصريفِ مالِهِ، وقولُهُ: ﴿الْحَمِيدُ﴾؛ أي: المحمودُ على وَلايَتِهِ، فكلُّ ما أجراه الله في مُلْكِه فإنه محمودٌ عليه، ماذا كان يقولُ النبيُّ ﷺ إذا أصابه ما يسوؤه يقولُ: "الحمدُ للهِ على كلِّ حالٍ"، وإذا أصابه ما يَسُرُّهُ قال: "الحمدُ لله الذي بِنِعْمَتِه تتمُّ الصالحاتُ" (١)، وأما ما يقولُهُ بعضُ الجهَّالِ: الحمدُ للهِ الذي لا يُحْمَدُ على مَكْرُوهٍ سواه، فهذه عبارةٌ بِدْعِيَّةٌ لا تجوزُ؛ لأنَّها تُنبئُ عن كراهةِ الإنسانِ لما يَفْعَلُه اللهُ ثم هناك تناقضٌ بين مكروهٍ ومحمودٍ، ثم إن كلَّ ما يجيءُ به اللهُ فإن الإنسانَ يجبُ عليه أن يرضى به؛ لأنَّ من الإيمانِ الإيمانَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّه، فالمهمُّ أن هذه عبارةٌ مُحْدَثَةٌ يُنْهَى عنها، ويقالُ لمن يقولُها: قل ما قاله الرسولُ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - وهو: "الحمدُ لله على كلِّ حالٍ". ووَلايةُ الله ﵎ تنقسمُ إلى قسمين لا تَخْرُجُ عنهما: إما إحسانٌ وإما عدْلٌ والثالثُ: ممتنعٌ، وهو الظُّلْمُ، فولايةُ الله تعالى لا تَخْرُجُ عن هذين الأمْرَيْنِ أعني: الإحسانَ، والعدْلَ. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أن إنزالَ المطرِ بيدِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن بإنزالِ المطرِ زوالَ الشِّدَّةِ؛ لأنَّ الغيثَ هو إزالةُ الشدَّةِ.

стр. 237

الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإنسانَ لا يَصْبِرُ، طبيعةُ الإنسانِ أنه لا يَصْبِرُ، فيستولي عليه اليأسُ والقنوطُ من رحمةِ اللهِ، والذي يجبُ على المرءِ ألا يَقْنَطَ من رحمةِ اللهِ، كما قال : ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزُمَرِ: ٥٣]، وقال عن إبراهيمَ: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحِجْرِ: ٥٦]. فالواجبُ عليك إذا مَسَّكَ السوءُ ألا تَقْنَطَ، الواجبُ أن تَصْبِرَ وتَحْتَسِبَ، ودوامُ الحالِ من المحالِ، لكنَّ اللهَ ﵎ يَذْكُرُ الشيءَ بحسبِ الواقِعِ، لا بِحَسَبِ ما ينبغي للإنسانِ من ملازمةِ الصبرِ وانتظارِ الفرَجِ. فمثلًا: إذا نَزَلَ بالإنسانِ ضائقةٌ، وقَدَّرَ في نفْسِه أنه لا يُمْكِنُ زوالهُا فهذا قنوطٌ بلا شكٍّ، لكن إذا قَدَّرَ في نفْسِه أنه لا تُمْكِنُ إزالتُها من المخلوقِ فهذا حقٌّ؛ لأنَّ بعضَ الأمراضِ مثلًا حَسَبَ المعروفِ أنه لا يُمْكِنُ للمخلوقِ أن يزيلَها، لكن قد تزولُ بإذنِ اللهِ يُذكر لنا أن بعضَ القراءِ الذين وَهَبَهُم اللهُ تعالى إيمانًا وتَقوَى يَقْرَأُ على المصابِ بالسرطانِ فيبرأُ بإذنِ اللهِ، فالسرطانُ حَسَبَ الطِّبِّ الحسِّيِّ يرونه من الأمراضِ الميؤوسِ منها. إذن: اليأسُ من أن هذه الضائقة لا تزولُ على يدِ المخلوقِ حقٌّ، ولا مانعَ فيه، أما من عند الخالِق فلا يجوزُ؛ لأنَّ الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ والذي خلقك من ماءٍ مهينٍ قادرٌ على أن يَشْفِيَكَ من هذا المرضِ مثلًا، والذي أَخْرَجَكَ من بطنِ أُمِّكَ ليس عليك ثيابٌ حتى هَيَّأَ اللهُ لك الثيابَ قادرٌ على أن يَكْسُوَك بالغنى بَعْدَ الفقرِ، فلا تَيْأَسْ من ﵀ أبدًا، انتظِرِ الفَرَجَ، ولكن اصْبِرْ لا تتعجَّلِ الأمورَ، فاللهُ تعالى جَعَلَ لكلِّ شيءٍ سُنَّةً وطريقةً تأتي بها في النهايةِ.

стр. 238

فإن قال قائلٌ: ما الفَرْقُ بين اليأسِ والقنوطِ؟ فالجوابُ: القنوطُ أشدُّ اليأسِ، يعني إذا ارتفعَ اليأسُ حتى لم يبقَ في الإنسانِ أيُّ أَمَلٍ فهذا قنوطٌ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن نزولَ المطرِ رحمةٌ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، وهذا على تفسيرِ المُفسِّر أن المرادَ بالرحمةِ المطرُ، وقد ذَكَرْنَا أن الرحمةَ أعمُّ من ذلك وهو هكذا، تشملُ نزولَ المطرِ، نباتَ الأرضِ، سِمَنَ المواشي، كثرةَ التصرفاتِ والحركاتِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ وَلايةِ الله لجميعِ الخَلْقِ؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ ولم يُقَيَّد، واعلمْ أن ولايةَ الله تعالى نوعان: ولايةٌ خاصَّةٌ، وولايةٌ عامَّةٌ، الولايةُ العامَّةُ: هي التي تشملُ ولايةَ اللهِ لجميعِ العبادِ مُؤْمِنِهم وكافِرِهم، بَرِّهِم وفاجِرِهم، صغيرِهِم وكبيرِهِم، ذَكَرِهِم وأنثاهم، هذه عامَّةٌ ومنها قولُهُ تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعامِ: ٦٢]، هذا من الولايةِ العامَّةِ؛ لأنَّ المرادَ بهم الكافرون. الولايةُ الخاصَّةُ: هي التي للمؤمنين فقط، ودليلُها قولُهُ تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرةِ: ٢٥٧]، إذن ما الفَرْقُ بين الخاصَّةِ والعامَّةِ؟ الفَرْقُ بينهما في المحلِّ ظاهرٌ، الولايةُ العامةُ تشملُ كلَّ أحدٍ، الولايةُ الخاصةُ بالمؤمنين، الفرقُ بينهما أيضًا من حيث الأثرُ أو التأثيرُ أن الولايةَ الخاصةَ تستلزمُ توفيقَ الله ﵎ للعبدِ في الهدايةِ وغيرَ ذلك، والعامَّةُ لا تستلزمُ ذلك، فإن الكفارَ اللهُ وليُّهم بالمعنى العامِّ، ومع ذلك لم يَهْدِهِم؛ لأنَّ الحكمةَ تقتضي ألا يَهْدِيَهُم.

стр. 239

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن ولايةَ اللهِ تعالى محمودةٌ على كلِّ حالٍ؛ لقولِهِ: ﴿الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ اقرِنْ بين هذا وبين قولِهِ: ﴿هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمانَ: ٢٦]، تجدِ التناسبَ التامَّ، فالغنيُّ الحميدُ: الذي يُحْمَدُ على غناه التامِّ، بحيث يُغْنِي به ما شاء، والوليُّ الحميدُ: الذي يُحْمَدُ على وَلايتِه بحيث يختصُّ بالولايةِ الخاصَّةِ من شاء، ويمنعُها عما شاء، وعلى كلِّ حالٍ فولايتُهُ حميدةٌ وغناه حميدٌ . * * *

стр. 240

الآية (٢٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩]. * * * قال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (من) للتبعيضِ، و (آياتٌ) جَمْعُ آيةٍ، وهي العلامةُ المعيَّنَةُ لما كانت له، العلامةُ التي تعيِّنُ الشيءَ وتُحَدِّدُه يقالُ لها: آيةٌ. من آياتِ اللهِ؛ أي: من علاماتِ اللهِ على كمالِ قُدْرَتِه وكمالِ سلطانِه ومن آياتِهِ خلقُ السَّمواتِ والأرضِ، فإنه لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَخْلُقَ مِثْلَهُم، وسبق الكلامُ على السَّمواتِ والأرضِ، ولم جمعت الأولى والثانيةُ أُفْرِدَتْ، وما أَشْبَهَ ذلك. قال المُفسِّر ﵀: [(و) خَلَقَ (ما بَثَّ) فَرَّقَ ونَشَرَ ﴿فِيهِمَا﴾ أي في السَّمواتِ والأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي ما يدبُّ على الأرضِ من الناسِ وغيرِهِم] فهو من آياتِ اللهِ. فمن آياتِ اللهِ في هذه المخلوقاتِ أن اللهَ أنه أعطى كلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ثم هدى، تَجِدُ الحيواناتِ وهي بُهمٌ، لا عقولَ لها، تجدُها تكسبُ رزْقَها وتذهبُ تطلُبُه، وتُخَزِّنُ ما تُخَزِّنُ منه إن كانت مما يُخَزِّنُ الأقواتَ، وتجدُها تحنُّ إلى أولادِها،

стр. 241

وتَرْحَمُ أولادَها وتجوعُ لِشِبَعِهِم، إلى غيرِ ذلك مما إذا تأمَّلْتَه عَجِبْتَ من هذه المخلوقاتِ البُهمِ. الطيورُ أعطاها اللهُ قُوَّةَ نظرٍ بعيدةً، بدليلِ أنها ترى الحَبَّ وهي في جوِّ السماءِ، والآدميُّ لا يرى هذا بلا شكٍّ، لكن لمَّا كانت الطيورُ لا تمشي على الأرضِ يَسَّرَ اللهُ لها بصرًا نافذًا قويًّا حتى ترى الحَبَّةَ وهي في جوِّ السماءِ فتنزلَ وتأخُذَها وتطيرَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ العجيبةِ. انظر مثلًا إلى الذَّرِّ الصغيرِ كيف يهتدي إلى جُحْرِه وهو يأتي إليه من بعيدٍ، ثم إنه يمشي على خطٍّ واحدٍ، شاهدناه بأعيُنِنا يمشي على خطٍّ واحدٍ على البساط الذي ليس فيه أثرُ ترابٍ. فتجدُه يصلُ إلى النهايةِ وإذا به ينحرفُ على زاويةٍ، كيف اهتدى إلى هذا إلا بهدايةِ اللهِ ؟ وقد قيل: إنه كلما مشى فإنه يَخْرُجُ منه شيءٌ؛ أي: مادَّةٌ، يشمُّهُا الذَّرُّ الآخرُ فيمشي تَبَعَهُ، هذا من آياتِ اللهِ . تجدُ النملَ - وهو أكبرُ من الذَّرِّ - يحرصُ على أن يأتيَ بزادِهِ من بعيدٍ ثم يُخَزِّنَه في جُحْرِهِ، وإذا أراد أن يُخَزِّنَهُ أَكَلَ رؤُوسَ الحبِّ من أجلِ ألا يَنْبُتَ؛ لأنَّه لو بَقِيَ الحبُّ برؤوسه نَبَتَ وفَسَدَ عليه فتجدُه يَأْكل أعلى الحبَّةِ وأسْفَلَها حتى لا تَنْبُتَ، ثم إذا جاءَ المطرُ وابتلِّت الأرضُ ووَصَلَ البللُ إلى جُحْرِهِ تَجِدُه ينقُلُ هذا الحَبَّ ليُخْرِجَه إلى الشمسِ والهواءِ حتى يَيْبَسَ، مَن الذي عَلَّمَهُ؟ اللهُ لا شكَّ، فهو من آياتِ اللهِ. وما أحسنَ الإستعانةَ على هذا بقراءةِ كتابِ (مفتاحُ دارِ السعادةِ) (١) لابنِ القَيِّمِ ﵀ هذا ذكرٌ فيه عجائبُ، حتى ذكر به قِصَّةَ أن رجلًا وَضَعَ طُعْمًا لذَرَّةٍ من

стр. 242

الذَّرَّاتِ - إما لحمًا أو غيرهُ - فحاولت الذَّرَّةُ أن تَحْمِلَها فعجزتْ، فرجعت إلى جُحْرِهَا، واستغاثت بأَخَواتِها فأقبلْنَ إليها يزفُّون، فلما أقبَلْن عليه نزعها - رَفَعَه من الأرضِ - فجعل الذَّرُّ تطلبُه ولا تجدُ شيئًا، فصرخت وبقيت الأولى التي كانت قد دَلَّتْ عليه، فوضع الطُّعْمَ، فلما تيقنتْه ذهبتْ إلى قومِها فَدَعَتْهُم، فلما أَقْبَلْنَ نَزَعَها، فطلبْنَه فلم يَكُنْ، فرجعن، ثم وُضِعَ الطُّعْمُ للمرةِ الثالثةِ فتأكدته هذه الذرةُ، ثم رجعتْ إلى قومِها تستفزعُهُم، فلما أقبلن نَزَعَه فلما طَلَبْنَه ولم يجدنه أَكَلْنَ هذه الذَّرَّةَ نهائيًّا، قَطَّعْنَها أوصالًا، يقولُ: فحكيتُ ذلك لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ متعجبًا منها قال: نعم كلُّ شيءٍ مفطورٌ على عقوبةِ الظالمِ الكاذِبِ، وهذه كَذَبَتْ عليهن وظَلَمَتْهُنَّ فلم يبقَ إلا أن تُعْدَمَ؛ لأنَّ الساعيَ في الأرضِ فسادًا يجبُ إعدامُهُ حتى الآدمِيُّ. وهل عليه دِيَةُ هذه المقتولةِ؟ الجوابُ: هو ظالمٌ لها نسألُ اللهَ أن يَعْفُوَ عنه. وكلُّ شيءٍ هداه اللهُ لما خَلَقَه له حتى الذَّرُّ شاهدْتُه أنا في حوضِ نخلةٍ لما سقيتُ النخلةَ بالماءِ دخل الماءُ من تحت الأرضِ إلى جُحْرِ الذَّرِّ، فجعلت الذَّرُّ تحملُ بَيْضَها الأبيضَ بسرعةٍ، حتى أَخْرَجَتْه عن الماءِ، فالذي هداها لهذا هو اللهُ . وآياتُ اللهِ كثيرةٌ؛ ولهذا قال اللهُ : ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وفي الآيةِ الأخرى ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثيةِ: ٤] فأتى بالماضي وأتى بالمضارعِ الدالِّ على الإستمرارِ. قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ للحشرِ ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾] , ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾؛ أي: جَمَعَ هذه المخلوقاتِ ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾؛ أي: إذا يشاءُ جَمَعَهُم، فالمفعولُ به محذوفٌ دلَّ عليه السياقُ. ﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: لا يُعْجِزُهُ شيءٌ، يقولُ المفسِّرُ ﵀: [في الضميرِ تَغْلِيبُ

стр. 243

العاقِلِ] الضميرُ يعني في جَمْعِهِم تغليبُ العاقِلِ؛ لأنَّ الميمَ الدالَّةَ على الجَمْعِ لا تكونُ إلا في العقلاءِ، وأما غيرُ العقلاءِ فيؤتى بنونِ النِّسْوَةِ، لكن هنا أتى بضميرِ الجمْعِ مع أن ما في الأرضِ من دابَّةٍ أكثرُهُ غيرُ عقلاءَ، لكن يقولُ المُفسِّر يقولُ ﵀: تغليبٌ للعاقِلِ. من فوائد الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ أن خالقَ السَّمواتِ والأرضِ هو اللهُ؛ لقولِهِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرومِ: ٢٢]، ولم يشاركْهُ أحدٌ في ذلك. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هذه المخلوقاتِ من آياتِ اللهِ ولكن لا يتبيَّنُ أنها من آياتِ اللهِ إلا بالتأمُّلِ والتدبُّرِ؛ لأننا اعتدنا هذه المخلوقاتِ، اعتدنا طلوعَ الشمسِ وغروبَهَا، وطلوعَ القمرِ وغروبَهُ، فلم يكن ذلك محرِّكًا لقلوبِنا؛ لأنَّه شيءٌ معتادٌ ولكن لو أننا تَدَبَّرْنَا هذه المخلوقاتِ لتبيَّنَ لنا أنها من آياتِ اللهِ العظيمةِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن من آياتِ اللهِ ما يَبُثُّ في السَّمواتِ والأرضِ من دابَّةٍ من الآدميين وغير الآدميين، فإن في كلِّ شيءٍ منها آيةٌ تدلُّ على كمالِ وحدانيَّتِه ورحْمَتِه وحكمَتِه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن ظاهرَ الآيةِ أن في السَّمواتِ دوابَّ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أما الأرضُ فالدوابُّ فيها معلومةٌ لنا أكثرُها معلومٌ لنا نعْرفُه ونشاهدُه، أما السَّمواتُ ففيها دوابُّ، لكن لا ندري ما هي، إن قلتَ: الملائكةُ. صار في ذلك إشكالٌ، وإن قلتَ: غيرُ الملائكةِ قلنا: إن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ؛ لأنَّ الملائكةَ بَيَّنَ اللهُ ﵎ أنهم أولو أجنحةٍ فقال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطرٍ: ١]، وذو الجناحِ يطيرُ، وربما يكونُ يمشي أيضًا.

стр. 244

وعلى كلِّ حالٍ: نحن لسنا مُكَلَّفِين إلا بما نَفْهَمُه من ظاهِرِ الآيةِ ولا نتجاوزُ ذلك. فنقولُ: ظاهرُ الآيةِ الكريمةِ أن السَّمواتِ فيها دوابُّ كالأرضِ، وإذا سَأَلَنَا السائلُ: ما هذه الدوابُّ؟ قلنا: إما الملائكةُ أو غيرُها، اللهُ أعلمُ. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: في الأرضِ، كما في قولِهِ تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] إلى قولِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمنِ: ٢٢] وزعموا أن هذا لا يكونُ إلا في المالِحِ، والصوابُ: أن الآيةَ على ظاهِرِها في آيةِ الرحمنِ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ وأن البحريْنِ المالحَ والعذْبَ كلاهما يَخْرُجُ منه اللؤلؤُ والمَرْجانُ، وإن كان في أحدِهِما أكثرُ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تمامُ قدرةِ اللهِ بجمْعِ هذه الدوابِّ ليوم الحسابِ؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الرَّدُّ على أولئك المُنْكِرِينَ للبعْثِ الذين قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثيةِ: ٢٥] المنكرون للبعثِ يقولون: إن كنتم صادقين هاتوا آباءَنا فيقالُ: إن اللهَ تعالى لم يشأْ ذلك، وسيشاؤه فيما بعدُ، وأنتم لم يقلْ لكم: إنكم مجموعون اليومَ، بل قيل: إن ﴿إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعةِ: ٤٩ - ٥٠]. وأما تَحَدِّيهم بما لم يلتزمْه المتكلِّمُ فهذا ضائعٌ سُدًى. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تمامُ قدرةِ اللهِ ﵎ بجمعِ هذه المخلوقاتِ، فإن قيل: هل في الآيةِ ما يَدُلُّ على تقييدِ القدرةِ بالمشيئةِ؟ فالجوابُ: لا؛ لأنَّ المُقَيَّدَ بالمشيئةِ ليس القدرةَ ولكن الجمْعَ، وبهذا نَعْرِفُ أن

стр. 245

بعضَ الناسِ الذين يقولون: إنه على ما يشاءُ قديرٌ قد أخطؤوا خطأً عظيمًا وقيَّدُوا ما أَطْلَقَه اللهُ فإن اللهَ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرةِ: ١٤٨] على ما يشاءُ وما لا يشاءُ، وهؤلاء يقولون: إنه على ما يشاءُ قديرٌ، فقدَّمُوا المعمولَ وتقديمُ المعمولِ يفيدُ الحصْرَ، إذن هو قديرٌ على الذي يشاءُ، وأما الذي لا يشاءُ فهو قديرٌ عليه. وهذا غلطٌ عظيمٌ اللهُ قادرٌ على كلِّ شيءٍ الذي يشاؤُهُ والذي لا يشاؤه. إذن هل ننهى من نسمعُه يقولُها؟ الجوابُ: ننهاه عن ذلك نقولُ: يا أخي، قلْ ما قاله اللهُ : ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقافِ: ٣٣] لا تقلْ: على ما يشاءُ قديرٌ. * * *

стр. 246

الآية (٣٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. * * * قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ هذه شَرْطِيَّةٌ. أَعْنِي ﴿وَمَا﴾ جَوَابُهَا ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ خَبَرُ مبتدأٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْديرُ: فهو بما كَسَبَت أيديكُم. يقولُ المفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾] بيانٌ لِـ (ما) [بَلِيَّةٌ وَشِدَّةٌ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: كَسَبْتُم من الذُّنوبِ، لكنه عَبَّرَ بالأيدي لأنَّ أَكْثَرَ الأفعالِ تُزَاوَلُ بها ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنْها، فلا يُجَازِي عليه، فهو تعالى أَكْرَمُ من أن يُثَنِّيَ الجزاءَ في الآخِرَةِ، أمَّا غَيْرُ المُذْنِبِينَ فما يصيبُهُم في الدُّنْيا لرفْعِ درجاتِهِم في الآخِرةِ]. يقُولُ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ خَصَّ المفَسِّرُ هذا بالمؤمنين، ووجْهُ التَّخْصِيصِ أنَّه قال: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ والكُفَّارُ ليسوا أهلًا للعفْوِ، وقولُهُ ﵀: [﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ بَلِيَّةٌ وشِدَّةٌ]، ويشْمَلُ المصائبَ الدِّينيَّةَ والمصائِبَ الدُّنْيويَّةَ، وأعْظَمُهَما المصائبُ الدِّينيَّةَ، فإنها أَعْظَمُ من المصائِبِ الدُّنْيويَّةِ، فإذا قُدِّرَ أن أحدًا

стр. 247

أُصِيبَ بِانْتِكَاسَةٍ - والعياذُ باللهِ - فهو أَشَدُّ من أن يُهْلِكَ أَهْلَه وَمَالَه، فإنَّ المصائِبَ الدِّينيَّةَ أَعْظَمُ بكثيرٍ من المصائِبِ الدُّنْيَويَّةِ، إذ إنَّ المصائبَ الدُّنْيويَّةَ تَزُولُ وَتُنْسَى، كما قال بعضُهُم: إِمَّا أن تَصْبِرَ صَبْرَ الكِرَامِ، وإمَّا أن تَسْلُوَ سَلْوَ البهائِمِ، لا بُدَّ أَنْ تَزُولَ. أمَّا المصائِبُ الدِّينيَّةُ - والعياذُ باللهِ - فَخَسَارةٌ في الدُّنْيا والآخِرةِ. فإنْ قال قائلٌ: ما هو الدَّليلُ على أنَّ الإعْراضَ من المصائِبِ؟ فالجوابُ: الدَّليلُ قولُ اللهِ ﵎: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدةِ: ٤٩]، فتأمَّلْ أنَّ الذنوبَ صَارتْ سببًا لإِعْرَاضِهِمْ، والإعْراضُ مُصِيبةٌ عظيمةٌ، المهِمُّ أن قَوْلَه: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يشمَلُ مَصائِبَ الدُّنْيا؛ كَتَلَفِ المالِ، ومَوْتِ الأحبَّةِ، والخَوْفِ، والفَقْرِ، وما أَشْبَهَ ذلك. ومصائِبُ الدِّينِ؛ كالمعاصي، والبِدَعِ، وكَراهةِ الحَقِّ، وكراهةِ أهْلِ الحَقِّ، وما أَشْبَهَ هذا، فمثلًا: الإنسانَ إذا أصابه فُتورٌ في الطَّاعةِ، أو إعْراضُ عن الطَّاعةِ لا شكَّ أنها مُصيبةٌ، لكنَّها لا يُقرُّ عليها، يجبُ أن يَهْرُبَ منها كما يَهْرُبُ من المصائِبِ الحسِّيَّةِ. وكُلَّهُ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ والمرادُ بما كَسَبْتُمْ؛ لأنَّها قد تَكُونُ الكَسْبَ باليدِ، وقد يَكُونُ الكسْبَ بالرِّجْلِ، ويَكُونُ الكسْبُ بالعَيْنِ، ويَكُونُ الكَسْبُ بالشَّمِّ، ويكُونُ الكسْبُ باللِّسانِ، لكنْ عَبَّرَ بالأيدي عن الكُلِّ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما تُزَاوَلُ الأعمالُ باليدِ، الآنَ في جلوسِنا هذا الرِّجْلُ لا تَعْمَلُ، أمَّا اليدُ فإنَّها تَعْمَلُ بلا شكٍّ، تَأْخُذُ الكِتابَ تَرْفَعُه تُنْزِلُه، تَكْتُبُ، أَكْثَرُ الأعمالِ تُزَاوَلُ باليدِ، فَعَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ النَّفْسِ لهذا السَّبَبِ. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ بأن يَعْفُوَ عن كثيرٍ ممَّا أَذْنَبْتُمْ فلا يُؤاخِذُ به.

стр. 248

فإن قال قائلٌ: قولُهُ تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشُّورَى: ٣٠]، ما الفَرْقُ بَيْنَه وبَيْنَ البَلاءِ الموجِبِ؟ فالجوابُ: أنَّ هذا لمن أُصِيبَه فيبَيِّنُ لهم أنَّ هذا بما كَسَبَت أيديهم؛ لعلَّهم يَتُوبون ويَرْجِعون إلى اللهِ، وأمَّا الإصابةُ بدونِ ذنبٍ فهذه لرِفْعَة الدَّرَجاتِ؛ لأنَّ الإصابَةَ يقابِلُها الصَّبْرُ، لا بُدَّ من صَبْرٍ عليها، والصَّبْرُ دَرَجَةٌ عاليةٌ لا ينالُهَا إلَّا من وُفِّقَ لها ولا يُمْكِنُ أن يُقَالَ: صابرٌ لمن لم يَمَسَّه أذًى، ولهذا كان البَلاءُ الَّذي للأنبياءِ مضاعَفًا على البَلاءِ الَّذي لغيْرِهِم حتَّى في الأمراضِ، فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ كان يُوعَكُ - يَعْنِي تأتيه الوَعْكَاتُ - كما يُوعَكُ الرَّجُلانِ منا، وشُدِّدَ عليه في المَوْتِ ﵊ حتى يَكُونَ آخِرُ حياتِه على أتَمِّ مَقاماتِ الصَّبْرِ، أمَّا إذا قِيلَ ذلك في المذنبين فالمُرادُ أن يَنْتَهوا عن ذُنُوبِهِم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ الأسبابِ لقوْلِه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَجْهُ ذلك: أنَّ الباءَ هنا للسَّببيَّةِ ففيه إثباتُ الأسْبابِ، وإثْباتُ الأسبابِ ثابِتٌ شَرْعًا وعَقْلًا وحِسًّا، وإنكارُه ضلَالٌ في الدِّينِ، وَسَفَهٌ في العَقْلِ. أقولُ: تأثيرُ الأسبابِ ثابتٌ بالشَّرعِ والعقْلِ والحِسِّ، ثلاثةُ أدِلَّةٍ. وإنكارُهُ ضلالٌ في الدِّينِ وسَفَهٌ في العقْلِ. أمَّا ثبوتُ الأسبابِ في الشَّرْعِ فكما في الآيةَ، والأدلَّةُ على هذا لا تُحْصى لا في القرآنِ، ولا في السُّنَّةِ، وأمَّا ثُبُوتُها بالعقْلِ؛ فإننا نَعْلَمُ أن كلَّ شيءٍ حادثٍ لا بُدَّ أن يَكُونَ له سببٌ يُحْدِثُه، إمَّا معلومٌ لنا، وإمَّا مجهولٌ، لا بدَّ من هذا، فالطِّفلُ لا يُمْكِنُ

стр. 249

أنْ يَنْبُتَ على ظهرِ بَطْنِ أُمِّهِ، لا بدَّ أنْ يكُونَ له سببٌ لوجودِه وبقائِهِ، وكذلك كلُّ الحوادِثِ لا بدَّ لها من سببٍ إمَّا معلومٍ، وإمَّا مجهولٍ. أمَّا الحِسُّ فظاهرٌ أنَّ للأسبابِ تأثيرًا، لو أنَّكَ رَمَيْتَ زجاجةً بحَجَرٍ تَكَسَّرَت، فالَّذي كسرها هو الحَجَرُ. إذن لها سببٌ. لو أَوْقَدْتَ على الماءِ الباردِ صار حارًّا السَّببُ أَوْقَدْتَ عليه، هذا شيءٌ معروفٌ حسًّا، يرى بعضُ العلماءِ من سَفَاهَتِهم أنَّ الأسبابَ ليس لها تأثيرٌ إطلاقًا، سبحانَ اللهِ ليس لها تأثيرٌ، قالوا: نعم ليس لها تأثيرٌ، أليس إذا رَمَيْتَ الزُّجاجةَ بِحَجَرٍ انكسرت الزُّجاجةُ؟ قالوا: نعمْ، لكن حَصَلَ الإنكسارُ عند وُجودِ الرَّمْيِ، لا بوجودِ الرَّامي، كيف هذا؟ يقولون: لمَّا لمَسَ الحَجَرُ المقذوفُ الزُّجاجةَ انكسرت، هل هذا صحيحٌ؟ ليس صحيحًا، بدليلِ أنَّه لو أَتَيْتَ بِحَجَرٍ أَكْبَرَ من الزجاجةِ ثلاثَ مرَّاتٍ وَوَضَعْتَه جانبَ الزُّجاجةِ وَضْعًا ما انْكَسَرَت. احتراقُ ما يَقْبَلُ الإحتراقَ في النارِ لسببٍ، وَضْعُ وَرَقَةٍ في النارِ تحترقُ فهذا أمرٌ معقولٌ مُدْرَكٌ بالحِسِّ، يقولُ: لا أبدًا لو أنك أَثْبَتَّ تأثيرَ الأسبابِ في مُسَبِّباتِها لكُنْتَ مُشْركًا باللهِ العظيمِ - أعوذُ باللهِ - لأنَّك جَعَلْتَ مع اللهِ خَالِقًا. أقولُ: لم أَجْعَلْ مع اللهِ خالقًا، لكني أقولُ: إنَّ السَّبَبَ يؤثِّرُ لا بنفْسِه، ولا بما أَوْدَعَه اللهُ من قوَّةٍ ليس هو بنفْسِه، والدَّليلُ على هذا أنَّ نارَ إبراهيمَ وهي نارٌ عظيمةٌ أَحْرَقَتْ، جَمَعوا حطبًا عظيمًا وأَوْقَدوا عليها، حتى إنَّهم رَمَوْا إبراهيمَ بالمنجنيقِ؛ لأنَّهم لا يستطيعون أن يَحُومُوا حول هذه النارِ من حرارتِها، ماذا كانت؟ قال اللهُ تعالى لها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانتْ بَرْدًا وسلامًا عليه فلم تؤثِّرْ. إذن نحن نقولُ: إنَّها سببٌ لما أَوْدَعَ اللهُ فيها من قوَّةٍ، وليست المؤثِّرَةَ بنفْسِها.

стр. 250

هناك طَرَفٌ آخَرُ تَطَرَّفَ قال: الأسبابُ مؤثِّرَةٌ بنفْسِها، وهذا هو الَّذي نقولُ: إن في قولِهِ نوعًا من الشِّرْكِ، وليستِ الأسبابُ مؤثِّرَةً بنفْسِها، والدَّليلُ هو نارُ إبراهيمَ. وعلى كلِّ حالٍ: نحن نُؤْمِنُ بأنَّ للأسبابِ تأثيرًا بما أَوْدَعَه اللهُ فيها من القُوَّةِ المؤثِّرَةِ، وأنَّ هذه القوى قد لا تُؤَثِّرُ إذا أراد اللهُ . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسانَ يُجَازَى على كَسْبِه بمثْلِ كَسْبِه؛ لأنَّه إذا كان بما كَسَبَ فلا بدَّ أن يكُونَ على قَدْرِ ما كَسَبَ، فإن كان أَزْيَدَ كان ظُلمًا، واللهُ لا يَظْلِمُ أحدًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جوازُ التعبيرِ بالبعضِ عن الكلِّ؛ لقولِهِ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أنَّه يَشْمَلُ ما كَسَبَه الإنسانُ برِجْلِه كمَشْيِه إلى بيوتِ الدِّعارةِ والخَمْرِ، وما أَشْبَهَ ذلك، فإنَّه يُؤاخَذُ عليه. فإذا قال قائلٌ: هل كلُّ بعضٍ يَجُوزُ أن يُعَبَّرَ به عن الكُلِّ؟ فالجوابُ: لا، ولكنْ بشَرْطِ أن يَكُونَ لهذا البعضِ تأثيرٌ على الكلِّ، فكسْبُ اليدِ له تأثيرٌ بلا شكٍّ؛ لأن أكثرَ الأعمالِ بها، أَعْتِقُ رَقَبةً، هل المرادُ أن أَضْرِبَ بصفحةٍ رَقَبَةَ العتيقِ وأقولُ: أنتِ أيَّتُها الرَّقبةُ عتيقةٌ؟ الجوابُ: لا، لكنْ عَبَّرَ بالرَّقبةِ عن الكلِّ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمْكِنُ أن يعيشَ بدونِ رَقَبةٍ؛ ولأنَّ الرَّقَبةَ محلُّ القتْلِ الَّتي إذا فُصِلَتْ عن البَدَنِ هَلَكَ الإنسانُ. الخُلاصةُ: جوازُ التَّعبيرِ بالبعضِ عن الكلِّ بِشَرْطِ أن يَكونَ له أَثَرٌ فيما عُبِّرَ عنه به. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ يَعْفُو عن كثيرٍ من الذُّنوبِ، فلا يُؤَاخِذُ بها؛ لقولِهِ:
следующие страницы →