← Тафсир

Тафсир · id 151163

تفسير العثيمين: الشورى

ابن عثيمين

Полный текст (359 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

الآية (٣٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. * * * قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ هذه شَرْطِيَّةٌ. أَعْنِي ﴿وَمَا﴾ جَوَابُهَا ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. وقَوْلُهُ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ خَبَرُ مبتدأٍ مَحْذُوفٍ والتَّقْديرُ: فهو بما كَسَبَت أيديكُم. يقولُ المفَسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ خطابٌ للمؤمنين ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾] بيانٌ لِـ (ما) [بَلِيَّةٌ وَشِدَّةٌ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؛ أي: كَسَبْتُم من الذُّنوبِ، لكنه عَبَّرَ بالأيدي لأنَّ أَكْثَرَ الأفعالِ تُزَاوَلُ بها ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مِنْها، فلا يُجَازِي عليه، فهو تعالى أَكْرَمُ من أن يُثَنِّيَ الجزاءَ في الآخِرَةِ، أمَّا غَيْرُ المُذْنِبِينَ فما يصيبُهُم في الدُّنْيا لرفْعِ درجاتِهِم في الآخِرةِ]. يقُولُ : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ خَصَّ المفَسِّرُ هذا بالمؤمنين، ووجْهُ التَّخْصِيصِ أنَّه قال: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ والكُفَّارُ ليسوا أهلًا للعفْوِ، وقولُهُ ﵀: [﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ بَلِيَّةٌ وشِدَّةٌ]، ويشْمَلُ المصائبَ الدِّينيَّةَ والمصائِبَ الدُّنْيويَّةَ، وأعْظَمُهَما المصائبُ الدِّينيَّةَ، فإنها أَعْظَمُ من المصائِبِ الدُّنْيويَّةِ، فإذا قُدِّرَ أن أحدًا

стр. 247

أُصِيبَ بِانْتِكَاسَةٍ - والعياذُ باللهِ - فهو أَشَدُّ من أن يُهْلِكَ أَهْلَه وَمَالَه، فإنَّ المصائِبَ الدِّينيَّةَ أَعْظَمُ بكثيرٍ من المصائِبِ الدُّنْيَويَّةِ، إذ إنَّ المصائبَ الدُّنْيويَّةَ تَزُولُ وَتُنْسَى، كما قال بعضُهُم: إِمَّا أن تَصْبِرَ صَبْرَ الكِرَامِ، وإمَّا أن تَسْلُوَ سَلْوَ البهائِمِ، لا بُدَّ أَنْ تَزُولَ. أمَّا المصائِبُ الدِّينيَّةُ - والعياذُ باللهِ - فَخَسَارةٌ في الدُّنْيا والآخِرةِ. فإنْ قال قائلٌ: ما هو الدَّليلُ على أنَّ الإعْراضَ من المصائِبِ؟ فالجوابُ: الدَّليلُ قولُ اللهِ ﵎: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدةِ: ٤٩]، فتأمَّلْ أنَّ الذنوبَ صَارتْ سببًا لإِعْرَاضِهِمْ، والإعْراضُ مُصِيبةٌ عظيمةٌ، المهِمُّ أن قَوْلَه: ﴿مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يشمَلُ مَصائِبَ الدُّنْيا؛ كَتَلَفِ المالِ، ومَوْتِ الأحبَّةِ، والخَوْفِ، والفَقْرِ، وما أَشْبَهَ ذلك. ومصائِبُ الدِّينِ؛ كالمعاصي، والبِدَعِ، وكَراهةِ الحَقِّ، وكراهةِ أهْلِ الحَقِّ، وما أَشْبَهَ هذا، فمثلًا: الإنسانَ إذا أصابه فُتورٌ في الطَّاعةِ، أو إعْراضُ عن الطَّاعةِ لا شكَّ أنها مُصيبةٌ، لكنَّها لا يُقرُّ عليها، يجبُ أن يَهْرُبَ منها كما يَهْرُبُ من المصائِبِ الحسِّيَّةِ. وكُلَّهُ ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ والمرادُ بما كَسَبْتُمْ؛ لأنَّها قد تَكُونُ الكَسْبَ باليدِ، وقد يَكُونُ الكسْبَ بالرِّجْلِ، ويَكُونُ الكسْبُ بالعَيْنِ، ويَكُونُ الكَسْبُ بالشَّمِّ، ويكُونُ الكسْبُ باللِّسانِ، لكنْ عَبَّرَ بالأيدي عن الكُلِّ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما تُزَاوَلُ الأعمالُ باليدِ، الآنَ في جلوسِنا هذا الرِّجْلُ لا تَعْمَلُ، أمَّا اليدُ فإنَّها تَعْمَلُ بلا شكٍّ، تَأْخُذُ الكِتابَ تَرْفَعُه تُنْزِلُه، تَكْتُبُ، أَكْثَرُ الأعمالِ تُزَاوَلُ باليدِ، فَعَبَّرَ بِاليَدِ عَنِ النَّفْسِ لهذا السَّبَبِ. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ بأن يَعْفُوَ عن كثيرٍ ممَّا أَذْنَبْتُمْ فلا يُؤاخِذُ به.

стр. 248

فإن قال قائلٌ: قولُهُ تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشُّورَى: ٣٠]، ما الفَرْقُ بَيْنَه وبَيْنَ البَلاءِ الموجِبِ؟ فالجوابُ: أنَّ هذا لمن أُصِيبَه فيبَيِّنُ لهم أنَّ هذا بما كَسَبَت أيديهم؛ لعلَّهم يَتُوبون ويَرْجِعون إلى اللهِ، وأمَّا الإصابةُ بدونِ ذنبٍ فهذه لرِفْعَة الدَّرَجاتِ؛ لأنَّ الإصابَةَ يقابِلُها الصَّبْرُ، لا بُدَّ من صَبْرٍ عليها، والصَّبْرُ دَرَجَةٌ عاليةٌ لا ينالُهَا إلَّا من وُفِّقَ لها ولا يُمْكِنُ أن يُقَالَ: صابرٌ لمن لم يَمَسَّه أذًى، ولهذا كان البَلاءُ الَّذي للأنبياءِ مضاعَفًا على البَلاءِ الَّذي لغيْرِهِم حتَّى في الأمراضِ، فإنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وسلَّمَ كان يُوعَكُ - يَعْنِي تأتيه الوَعْكَاتُ - كما يُوعَكُ الرَّجُلانِ منا، وشُدِّدَ عليه في المَوْتِ ﵊ حتى يَكُونَ آخِرُ حياتِه على أتَمِّ مَقاماتِ الصَّبْرِ، أمَّا إذا قِيلَ ذلك في المذنبين فالمُرادُ أن يَنْتَهوا عن ذُنُوبِهِم. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ الأسبابِ لقوْلِه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ وَجْهُ ذلك: أنَّ الباءَ هنا للسَّببيَّةِ ففيه إثباتُ الأسْبابِ، وإثْباتُ الأسبابِ ثابِتٌ شَرْعًا وعَقْلًا وحِسًّا، وإنكارُه ضلَالٌ في الدِّينِ، وَسَفَهٌ في العَقْلِ. أقولُ: تأثيرُ الأسبابِ ثابتٌ بالشَّرعِ والعقْلِ والحِسِّ، ثلاثةُ أدِلَّةٍ. وإنكارُهُ ضلالٌ في الدِّينِ وسَفَهٌ في العقْلِ. أمَّا ثبوتُ الأسبابِ في الشَّرْعِ فكما في الآيةَ، والأدلَّةُ على هذا لا تُحْصى لا في القرآنِ، ولا في السُّنَّةِ، وأمَّا ثُبُوتُها بالعقْلِ؛ فإننا نَعْلَمُ أن كلَّ شيءٍ حادثٍ لا بُدَّ أن يَكُونَ له سببٌ يُحْدِثُه، إمَّا معلومٌ لنا، وإمَّا مجهولٌ، لا بدَّ من هذا، فالطِّفلُ لا يُمْكِنُ

стр. 249

أنْ يَنْبُتَ على ظهرِ بَطْنِ أُمِّهِ، لا بدَّ أنْ يكُونَ له سببٌ لوجودِه وبقائِهِ، وكذلك كلُّ الحوادِثِ لا بدَّ لها من سببٍ إمَّا معلومٍ، وإمَّا مجهولٍ. أمَّا الحِسُّ فظاهرٌ أنَّ للأسبابِ تأثيرًا، لو أنَّكَ رَمَيْتَ زجاجةً بحَجَرٍ تَكَسَّرَت، فالَّذي كسرها هو الحَجَرُ. إذن لها سببٌ. لو أَوْقَدْتَ على الماءِ الباردِ صار حارًّا السَّببُ أَوْقَدْتَ عليه، هذا شيءٌ معروفٌ حسًّا، يرى بعضُ العلماءِ من سَفَاهَتِهم أنَّ الأسبابَ ليس لها تأثيرٌ إطلاقًا، سبحانَ اللهِ ليس لها تأثيرٌ، قالوا: نعم ليس لها تأثيرٌ، أليس إذا رَمَيْتَ الزُّجاجةَ بِحَجَرٍ انكسرت الزُّجاجةُ؟ قالوا: نعمْ، لكن حَصَلَ الإنكسارُ عند وُجودِ الرَّمْيِ، لا بوجودِ الرَّامي، كيف هذا؟ يقولون: لمَّا لمَسَ الحَجَرُ المقذوفُ الزُّجاجةَ انكسرت، هل هذا صحيحٌ؟ ليس صحيحًا، بدليلِ أنَّه لو أَتَيْتَ بِحَجَرٍ أَكْبَرَ من الزجاجةِ ثلاثَ مرَّاتٍ وَوَضَعْتَه جانبَ الزُّجاجةِ وَضْعًا ما انْكَسَرَت. احتراقُ ما يَقْبَلُ الإحتراقَ في النارِ لسببٍ، وَضْعُ وَرَقَةٍ في النارِ تحترقُ فهذا أمرٌ معقولٌ مُدْرَكٌ بالحِسِّ، يقولُ: لا أبدًا لو أنك أَثْبَتَّ تأثيرَ الأسبابِ في مُسَبِّباتِها لكُنْتَ مُشْركًا باللهِ العظيمِ - أعوذُ باللهِ - لأنَّك جَعَلْتَ مع اللهِ خَالِقًا. أقولُ: لم أَجْعَلْ مع اللهِ خالقًا، لكني أقولُ: إنَّ السَّبَبَ يؤثِّرُ لا بنفْسِه، ولا بما أَوْدَعَه اللهُ من قوَّةٍ ليس هو بنفْسِه، والدَّليلُ على هذا أنَّ نارَ إبراهيمَ وهي نارٌ عظيمةٌ أَحْرَقَتْ، جَمَعوا حطبًا عظيمًا وأَوْقَدوا عليها، حتى إنَّهم رَمَوْا إبراهيمَ بالمنجنيقِ؛ لأنَّهم لا يستطيعون أن يَحُومُوا حول هذه النارِ من حرارتِها، ماذا كانت؟ قال اللهُ تعالى لها: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانتْ بَرْدًا وسلامًا عليه فلم تؤثِّرْ. إذن نحن نقولُ: إنَّها سببٌ لما أَوْدَعَ اللهُ فيها من قوَّةٍ، وليست المؤثِّرَةَ بنفْسِها.

стр. 250

هناك طَرَفٌ آخَرُ تَطَرَّفَ قال: الأسبابُ مؤثِّرَةٌ بنفْسِها، وهذا هو الَّذي نقولُ: إن في قولِهِ نوعًا من الشِّرْكِ، وليستِ الأسبابُ مؤثِّرَةً بنفْسِها، والدَّليلُ هو نارُ إبراهيمَ. وعلى كلِّ حالٍ: نحن نُؤْمِنُ بأنَّ للأسبابِ تأثيرًا بما أَوْدَعَه اللهُ فيها من القُوَّةِ المؤثِّرَةِ، وأنَّ هذه القوى قد لا تُؤَثِّرُ إذا أراد اللهُ . الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإنسانَ يُجَازَى على كَسْبِه بمثْلِ كَسْبِه؛ لأنَّه إذا كان بما كَسَبَ فلا بدَّ أن يكُونَ على قَدْرِ ما كَسَبَ، فإن كان أَزْيَدَ كان ظُلمًا، واللهُ لا يَظْلِمُ أحدًا. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جوازُ التعبيرِ بالبعضِ عن الكلِّ؛ لقولِهِ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أنَّه يَشْمَلُ ما كَسَبَه الإنسانُ برِجْلِه كمَشْيِه إلى بيوتِ الدِّعارةِ والخَمْرِ، وما أَشْبَهَ ذلك، فإنَّه يُؤاخَذُ عليه. فإذا قال قائلٌ: هل كلُّ بعضٍ يَجُوزُ أن يُعَبَّرَ به عن الكُلِّ؟ فالجوابُ: لا، ولكنْ بشَرْطِ أن يَكُونَ لهذا البعضِ تأثيرٌ على الكلِّ، فكسْبُ اليدِ له تأثيرٌ بلا شكٍّ؛ لأن أكثرَ الأعمالِ بها، أَعْتِقُ رَقَبةً، هل المرادُ أن أَضْرِبَ بصفحةٍ رَقَبَةَ العتيقِ وأقولُ: أنتِ أيَّتُها الرَّقبةُ عتيقةٌ؟ الجوابُ: لا، لكنْ عَبَّرَ بالرَّقبةِ عن الكلِّ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يُمْكِنُ أن يعيشَ بدونِ رَقَبةٍ؛ ولأنَّ الرَّقَبةَ محلُّ القتْلِ الَّتي إذا فُصِلَتْ عن البَدَنِ هَلَكَ الإنسانُ. الخُلاصةُ: جوازُ التَّعبيرِ بالبعضِ عن الكلِّ بِشَرْطِ أن يَكونَ له أَثَرٌ فيما عُبِّرَ عنه به. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ اللهَ يَعْفُو عن كثيرٍ من الذُّنوبِ، فلا يُؤَاخِذُ بها؛ لقولِهِ:

стр. 251

﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ لكن هل هذا العَفْوُ غيرُ مضمونٍ، والدَّليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨]، فلا يَأْخُذْكَ الأمْنُ من مَكْرِ اللهِ أن تقولَ: إنَّ هذا الذَّنْبَ ممَّا يعفو اللهُ عنه وَتَفْعَلُ الذَّنْبَ، هذا غرورٌ واغترارٌ؛ لأنَّ قَوْلَه: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ مُقَيَّدٌ بقوْلِه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّساءِ: ٤٨]. قال المفسِّرُ: [وهو تعالى أَكْرَمُ من أن يُثَنِّيَ الجزاءَ في الآخرةِ]. مرادُهُ ﵀ أن المصائِبَ الَّتي تُصِيبُنا بذُنُوبِنا لا نُعَاقَبُ على ذنوبِنا في الآخرةِ، تكفي المصائبُ، هذا ظاهرُ الآيةِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ يَدُلُّ على أنَّ هذه المُصِيبةَ هي الجزاءُ، وإذا كانت هي الجزاءَ فَلَنْ يُثَنِّيَ اللهُ الجزاءَ في الآخرةِ؛ لأنَّه أَكْرَمُ من أن يُثَنّيَ الجزاءَ، وهذا صحيحٌ أنَّ ما أُصِيبُ به الإنسانُ في الدُّنْيا فهو كَفَّارةٌ عن ذُنُوبِه. إذا أُقِيمَ عليه الحَدُّ في معصيةٍ فيها حدٌّ فهو كفَّارةٌ، إذا عُذِّرَ على ذَنْبٍ ليس فيه حدٌّ فهو كفَّارةٌ، إذا أصابتْه مُصِيبةٌ عن هذه الذُّنُوبِ فهي كفَّارةٌ، فلا يُعِيدُ اللهُ عليه العُقوبةَ في الآخرةِ إلا ذَنْبًا واحدًا وهو السَّعْيُ في الأرضِ فسادًا. قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. فهذا مُسْتَثْنًى؛ وذلك لفَداحةِ هذا النوعِ من الذُّنوبِ، فإنَّ الفَسادَ في الأرضِ ليس بالأمْرِ السَّهْلِ، فَجَعَلَ اللهُ هؤلاء المحارِبين المُفْسِدين في الأرضِ لهم عُقُوبتانِ، العقوبَةُ الأولى بقطْعِ الأعضاءِ، والثَّانيةُ ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [المائدةِ: ٣٣ - ٣٤].

стр. 252

قال المفسِّرُ ﵀: [أمَّا غَيْرُ المُذْنِبِين فما يُصِيبُهم في الدُّنْيا لرَفْعِ درجاتِهِم في الآخرةِ]. هذا الكلامُ يُوحي بأنَّ هناك أناسًا كثيرين غَيْرَ مُذْنِبِين، وهذا عند التأمُّلِ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّه ما من إنسانٍ إلا ويُصابُ بذَنْبٍ، حتَّى إن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ قال: "لولا لم تُذْنِبوا لَذَهَبَ اللهُ بكم ولجَاءَ بقومٍ يُذْنِبون فيستغْفِرون اللهَ فَيَغْفِرُ لهم" (١)، وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "كلُّ بني آدَمَ خَطَّاءٌ وخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُوِنَ" (٢). وقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ عن نفْسِه: "اللهُمَّ اغْفِرْ لي ذنبي كُلَّه دِقَّه وَجِلَّه علانِيَتَه وسِرَّه وأوَّلَه وآخِرَه" (٣)، وقال اللهُ تعالى يُخَاطِبُ نَبِيَّه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتحِ: ١ - ٢] فهل يُمْكِنُ أن يَجْرُؤَ أَحَدٌ فيقولَ: إنَّ الرسولَ لم يُذْنِبْ واللهُ يقولُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ لا يُمْكِنُ أن تقولَ: لا ذَنْبَ له حتَّى يَمُنَّ اللهُ عليه بمغْفِرَتِه له. نعم الرسُلُ معصومون من شيْءٍ ليس لغيْرِهِم، وهو الإستمرارُ في الذَّنْبِ، هذا لا يُمْكِنُ، لا بدَّ أن يَعْفُوَ اللهُ عنهم، إمَّا باستغفارِهِم وتَوْبَتِهم إلى اللهِ، وإمَّا بمِنَّةِ اللهِ عليهم. قال اللهُ لنبِيِّه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التَّحريمِ: ١ - ٢]، وقال اللهُ له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التَّوبةِ: ٤٣]،

стр. 253

هذا هو النبيُّ ﵊ يقولُ اللهُ له: اسْتَعْجَلْتَ فَأَذِنْتَ لهم، وهذه آيةٌ عظيمةٌ تُرَتِّبُ سَيْرَ الإنسانِ ألَّا يَتَعَجَّلَ في الأمورِ إذا كان اللهُ عاتَبَ نَبِيَّهَ؛ لأنه أَذِنَ لهم قَبْلَ أن يَتَبَيَّنَ له الأمْرُ، فما بالُكُم بغيْرِه؟ وقال اللهُ ﵎: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزابِ: ٣٧]. نعم الرُّسُلُ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ معصومون من كبائِرِ الذُّنُوبِ، معصومون من الشِّرْكِ، معصومون من سفاسِفِ الأخلاقِ، أمَّا المعاصي الَّتي دُونَ ذلك فإنَّهم غَيْرُ معصومين منها، ولكنَّهم معصومون من الإستمرارِ فيها، وهذا شيءٌ ليس لغيْرِهم. نسألُ اللهَ تعالى أن يَجْعَلَنا وإيَّاكم من أتْباعِهِ، إنه على كلِّ شيءٍ قديرٌ. إذن قوْلُ المفسِّرِ ﵀: [أمَّا غيْرُ المُذْنِبِين] غيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لأنَّه ما من أحدٍ إلَّا ويُذْنِبُ، كما جاء في الأحاديث، وعليه فهذا الكلامُ من المفَسِّرِ غيْرُ واردٍ، نعم من النَّاسِ من تَكُونُ له ذُنوبٌ وله أعمالٌ صالحةٌ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ دون أن يُصَابَ بمُصِيبةٍ، هذا واقِعٌ كثيرًا. حكى رجُلٌ للنَّبيِّ ﷺ أنَّه رأى امرأةً، وأصاب منها ما يُصيبُ الرجُلُ من امرأتِهِ، غَيْرَ أنَّه لم يَزْنِ بها فقال: "أَشَهِدْتَ معنا صلاةَ الفَجْرِ؟ قال: نعم، قال له: إنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ" (١)، فصلاتُهُ الفَجْرَ أَذْهَبَت السَّيِّئاتِ. وكذلك قال النَّبيُّ ﷺ : "الصَّلَواتُ الخمْسُ، والجُمُعةُ إلى الجُمُعةِ، ورمضانُ

стр. 254

إلى رمضانَ، مُكَفِّراتٌ لمَا بَيْنَهُنَّ مُجَنِّباتٌ للكبائِرِ" (١). فائدةٌ: أوَدُّ أن أُنَبِّهَكم! فأنتم طَلَبَة عِلْمٍ جئتُم من بلادِكم إلى هنا لطَلَبِ العِلْمِ، وأنتم في بلادِكم تَطْلُبُون العِلْمَ؟ لكن ما فائدةُ العِلْمِ؟ هل فائدةُ العِلْمِ أن يَكُونَ الإنسانُ نُسْخةً من كِتابٍ يَجْمَعُ في دماغِهِ ما يَجْمَعُ، أم فائدةُ العِلْمِ العَمَلُ؟ الجوابُ: الثَّاني، ولا خَيْرَ في عِلْمٍ لا عَمَلَ فيه، والعِلْمُ بدونِ عمَلٍ به حُجَّةٌ على الإنسانِ؛ لقولِ النَّبيِّ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "الُقْرآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ" (٢) لا يُوجَدُ قسْمٌ ثالثٌ، وإذا عَمِلَ الإنسانُ بعِلْمٍ وَرَّثَهُ اللهُ تعالى عِلْمَ ما لم يَكُنْ يَعْلَمُهُ من قَبْلُ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ [محمَّدٍ: ١٧] ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾؛ أيْ عِلْمًا ﴿وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمَّدٍ: ١٧] أيْ: صاروا مُتَّقِين للهِ فالعملُ بالعِلْمِ مُهِمٌّ، والمقصودُ من العِلْمِ أن يتربَّى الإنسانُ به حتَّى يَكُونَ عالِمًا ربانيًّا. أنا أَنْقِمُ من بَعْضِ الطَّلبة شيئًا مهمًّا وسهلًا وهو إفشاءُ السَّلامِ. نشاهدُ الآن الواحدَ يمرُّ بزميلِه وهو واقفٌ ولا يقولُ: السَّلامُ عليكم، لماذا؟ أرغبةً عن السُّنَّةِ، أم زُهْدًا في الأجْرِ، أنا لا أدري، أم إيجادَ سببٍ للكراهةِ والعداوةِ؟ لأنَّ الإنسانَ إذا مرَّ بك ولم يُسَلِّمْ لا بُدَّ أن يَكُونَ في قلْبِك شيءٌ إلَّا من تَحَجَّرَ قَلْبُه واعتاد عَدَمَ السَّلامِ، فهذا ميِّتٌ، ثمَّ إنَّ النَّبيَّ ﷺ أَقْسَمَ قال: "واللهِ لا تَدْخُلُوا الجنَّةَ حتى تُؤْمِنوا ولا تُؤْمِنوا حتى تَحَابُّوا - داخل في القَسَمِ - أفلا أَدُلُّكُم أو قال: أخُبْرِكم - بشيءٍ إذا

стр. 255

فَعَلْتُمُوه تَحَابَبْتُم أفشُوا السَّلامَ بَيْنكم" (١). لماذا لا نُفْشِيه بَيْنَنا مع أنَّ المُسَلِّمَ إذا سَلَّم يأتيه عَشْرُ حسناتٍ، وأظنُّ لو أنَّ أحدًا قيل له: كلما سَلَّمْتَ أَعْطَيْنَاكَ دِرْهمًا ريالًا واحدًا يُسَلِّمُ، ويتردَّدُ مَرَّةً ومرَّةً ومرَّةً كيْ تَكْثُرَ الدَّراهمُ، مع أنَّ هذه الدَّراهمَ الَّتي حَصَّلَها زائلةٌ في الواقِعِ، كلُّ ما تَمْلِكُه في الدنيا فإمَّا أن يَزُولَ عنك، وإمَّا أن تَزُولَ عنه ولا بدَّ، لكنَّ الحسنَةَ تبقى لك وتَجِدُها أشدَّ ما تكونُ حاجةً إليها. أوصيكم: بالعملِ بالعِلْمِ، فإن لم تَعْلَمُوا فأنتم نُسَخٌ كالكُتُبِ في الجدرانِ، ومع ذلك الكُتُبُ في الجدرانِ سالمةٌ، أمَّا أنتم إذا لم تَعْمَلُوا فَغَيْرُ سالِمين، واللهِ غَيْرُ سالمِين، اعْمَلُوا، تَرَبَّوْا بالعِلْمِ في عبادةِ اللهِ، وفي معامَلةِ عبادةِ اللهِ، وفي معامَلةِ أنْفُسِكم، هذه نصيحةٌ أرجو ألَّا تَغِيبَ عن بالِكُم فإنَّها إن شاء اللهُ مفيدةٌ، واللهُ المُوَفِّقُ. فإن قال قائلٌ: يكونُ الشَّخصُ في مكانٍ يقرأُ أو يكتبُ، ثمَّ الإنسانُ يريدُ حاجةً من مكانٍ آخَرَ يَمُرُّ عليه، هل كلما مرَّ يُسَلِّمُ عليه ولو كان يخشى أن يقاطِعَه؟ الجوابُ: أوَّلًا، إذا رأيْتَ إنسانًا مشغولًا وتخشى أنك لو سَلَّمْتَ عليه شَوَّشْتَ عليه فلا تُسَلِّمْ؛ لأنَّ هذا من مَصْلَحَتِه، ولهذا قال الفقهاءُ: يُكْرَهُ السَّلامُ على إنسانٍ مُشْتَغِلٍ بِذِكْرٍ، أو أَكْلٍ، أو غَيْرِه، لكن لا أريدُ أنا هذه الحال، فهذه ربَّما يكونُ الَّذي لم يُسَلِّمْ أَفْرَحَ منه ممن لو سَلَّمَ عليه، لكن إذا كان يَلْبَسُ حذاءَهُ ومَرَّ إنسانٌ من عنده فتَجاوَزَه ولم يُسَلِّمُ فلماذا لا يُسَلِّمُ؟ واللهِ أكادُ أَتَقَطَّعُ أن أرى طَلَبةَ عِلْمٍ يرى بعضُهُم البعضَ ولا يُسَلِّمُ.

стр. 256

فإن قال قائلٌ: إنَّ بَعْضَ النَّاسِ إذَا سَلَّمْتَ عليه جَعَلَ يَنْظُرُ إليك. فالجوابُ: هذا صحيحٌ، والسَّببُ أنَّ هذه السُّنَّةُ مَيِّتةٌ عندنا، أمَّا العوامُّ فنعم بعضُ العوامِّ إذا سَلَّمْتَ عليه حَيَّاكَ؛ لأنَّهم لم يعتادوا هذا، أمَّا طالبُ العِلْمِ في هذا ليس له حَقٌّ. فإن قال قائلٌ: هل أُسَلِّمُ لو مَرَرْتُ على ناسٍ كثيرين؟ فالجوابُ: إذا كانوا جالسين هكذا صفًّا سَلِّمْ عند أَوَّلهِمْ يكفي. فإن قال قائلٌ: بعضُ الطَّلبةِ حريصون على السَّلامِ، وبعضُهُم قد ينسى أحيانًا، لكنَّ الشَّخصَ لا تَدْري إما سَلَّمَ أو تَنَحْنَحَ؟ فالجوابُ: الإشتباهُ بَيْنَ التَّنحنحِ والسَّلامِ غَيْرُ واردٍ. وهناك من لا يَنْطِقُ بها شيئًا، ربَّما يَهْمِسُ بها همسًا، وهذا غَلَطٌ، سَلِّمْ سلامًا واضحًا، كما أنَّ بعضَ النَّاسِ بالسَّيَّاراتِ الآن يَضْرِبُ بمنبِّه السَّيارة، وهذا غَلَطٌ أيضًا، لكن ربَّما يقولُ بعضُ النَّاسِ: يضرب بمنبِّه السَّيارة كي أَنْتَبِهَ وأُسَلِّمَ. * * *

стр. 257

الآية (٣١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١]. * * * ﴿وَمَا﴾ نافيةٌ وهي تَعْمَلُ عَمَلَ ليس على لغةِ الحِجازِيِّين، والقرآنُ الكريمُ نَزَلَ بِلُغَتِهم، وعلى هذا فيكُونُ قولُهُ: ﴿أَنْتُمْ﴾ اسْمَها، وقوْلُه: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ خَبَرَها، لكنَّه اقْتَرَنَ بالباءِ الزَّائدةِ إعرابًا، الزَّائدةِ معنًى؛ يعني أنَّها من حيث الإعرابُ زائدةٌ، لو حُذِفَتْ لتمَّ الكلامُ بدونِها، لكن من حيث المعنى غيرُ زائدةٍ، بل هي مفيدةٌ، وفائدةُ حروفِ الزِّيادةِ هي التَّوْكيدُ. كلَّما جاءك حرفٌ زائدٌ فهو لتأكيدِ العمومِ. يقولُ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بِمُعْجِزِينَ اللهَ ﵎ إذا طَلَبَكم، فلن تُعْجِزُوه في الأرضِ. وقولُ المفسِّرِ ﵀: [﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ اللهَ هَرَبًا] هذا كالمثالِ، وإلَّا فالمعنى أعمُّ مما قال، أي: بمُعْجِزِين اللهَ هَرَبًا، وبمُعْجِزين اللهَ اختفاءً، وبمُعْجِزين اللهَ اضطجاعًا، وما أَشْبَهَ ذلك، الإنسانُ بالنسبةِ للإنسانِ ربما يُعْجِزُه إذا هَرَبَ منه ويكُونُ أَسْبَقَ منه، ربَّما يُعْجِزُه إذا اختفى عنه بجدارٍ، أو غارٍ، أو شجرٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك، ربَّما يُعْجِزُه إذا اختفى عنه بالإضطجاعِ على الأرضِ، وما أَشْبَهَ ذلك. فهل هذا الإعجازُ الَّذي يكونُ من الإنسانِ للإنسانِ هل يكونُ من الإنسانِ للهِ؟

стр. 258

لا؛ لأنَّ اللهَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آلِ عمرانَ: ٥] ولا يمتنعُ على قُدْرَتِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، وهذا كالوعيدِ لهؤلاء. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غَيْرِهِ] ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ هذه نافيةٌ ونقولُ: إنَّها حجازيَّةٌ؛ لأنَّ من شَرْطِ عَمَلِها عَمَلَ (ليس) التَّرْتيبَ، أن يَكُونَ الإسمُ هو المُقَدَّمَ، وهنا الخبرُ هو المُقَدَّمُ، وعليه فتكونُ نافيةً غَيْرَ عاملةٍ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه زائدةٌ لتوكيدِ النَّفْيِ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عَذَابَهُ عنكم] ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولَّاكم، ويُحْسِنُ وَلايَتكُم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عنكم. فليس هناك وَلِيٌّ يتولاكم من دُونِ اللهِ، ولا نَصِيرَ يَدْفَعُ عنكم عذابَ اللهِ، بل أنتم في قَبْضَتِه ﵎ أينما كُنْتُم. فالوَلِيُّ هو الَّذي يتولَّى الأمورَ وقد لا يستطيعُ المُدافعةَ، يتولَّى أمورَهُم ولكن لا يستطيعُ أن يُدَافِعَ، والنَّصيرُ يستطيعُ أن يُدَافعَ، فليس لهم وَلِيٌّ يَجْلِبُ الخيراتِ، ولا نصيرٌ يَدْفَعُ الشُّرورَ. من فوائد الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: تهديدُ المشركين بعذابِ اللهِ، وأنَّ اللهَ إذا أرادهم لم يُعْجِزْه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وجوبُ الخَوْفِ من اللهِ تعالى ورِقَابَتِهِ؛ لأَنَّه إذا أراد أن يُعَذِّبَ العاصيَ فلن يخفى عليه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه ليس أحدٌ يقومُ بتولِّي هؤلاء المُكَذِّبِين ويَنَصْرُهُم من دونِ اللهِ، وعلى رأسِ هؤلاء الأصنامُ، فالأصنامُ لا تنفعُهم، بل هي إن كانت عاقلةً تتبرَّأُ

стр. 259

منهم يومَ القيامةِ، وإن لم تكن عاقلةً فهي وإياهم حَصَبُ جَهَنَّمَ، كما قال في سورةِ الأنبياءِ: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]. * * *

стр. 260

الآيات (٣٢ - ٣٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشُّورَى: ٣٢ - ٣٥]. * * * قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ ﴿مِنْ﴾ للتبعيضِ، و ﴿آيَاتِهِ﴾ علاماتُهُ الدَّالَّةُ على رحمتِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِه ﴿الْجَوَارِ﴾ مبتدأٌ مؤخَّرٌ، ولكنَّها مُعْرَبَةٌ بتقديرِ الضَّمَّةِ على الياءِ المحذوفةِ للتَّخفيفِ، وأصْلُ ﴿الْجَوَارِ﴾ الجواري بالياءِ جَمْعُ جاريةٍ، والجاريةُ هي السَّفينَةُ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقَّةِ: ١١]. من آياتِ اللهِ هذه السُّفنُ في البحرِ على الماءِ ﴿كَالْأَعْلَامِ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: كالجبالِ في العِظَمِ]. هذه السُّفُنُ العظيمةُ المحمَّلَةُ بالأموالِ والأناسيِّ والحيوانِ من آياتِ اللهِ، أن تكونَ في هذا البحرِ المتلاطِمِ تمشي على الماءِ، تَنْخُرُ عُبَابَ الماءِ بما فيها من الأرزاقِ، لا شكَّ أنها من آياتِ اللهِ . هَدَّدَ اللهُ ﵎ راكِبِيها بما يلي ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ هذا أدنى عقوبةٍ يُسْكِنُ الرِّيحَ فَيْظَلْلَن رواكِدَ على ظَهْرِه؛ لأنَّ السُّفُنَ سابقًا إنَّما تمشي حَسَبَ الرياحِ؛ لأنَّها تمشي على شِراعٍ، شراعٍ طويلٍ فتصطدمُ به الرِّياحُ فتسيرُ، فإذا سَكَنَتِ الرِّياحُ وَقَفَت؛ ولهذا قال: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾؛ أي: الجواري

стр. 261

﴿رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾؛ أي: على ظَهْرِ البحْرِ، وحينئذٍ تَتَعَطَّلُ المصالحُ، وربُّما تأتي ريحٌ عاصفٌ تقصفُ بالسَّفينةِ فتُغْرِقُها. فالأحوالُ إذن ثلاثةٌ: إمَّا رياحٌ طَيِّبةٌ تسيرُ بها السَّفينةُ على ما ينبغي، وإمَّا رياحٌ عاصفةٌ تُغْرِقُ السَّفينةَ، وإمَّا سُكُونٌ فتقفُ رواكِدَ على ظَهْرِ الماءِ، فهو يُبَيِّنُ أنَّ من آياتِهِ سَيْرَ هذه السُّفُنِ. قال المفَسِّرُ ﵀: [﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ﴾ يَصِرْنَ ﴿رَوَاكِدَ﴾ ثَوَابِتَ لا تَجْرِي ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾؛ أي: ظَهْرِ البَحْرِ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾]. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ ثم قال: ﴿لَآيَاتٍ﴾؛ لأنَّ التَّبعيضَ بعضُ الشَّيءِ، فإذا كان الشَّيءُ ألفًا فبعضُه قد يكونُ مائتين أو ثلاثَ مِئَةٍ، وإذا كان الشَّيْءُ اثنين فالبعضُ واحدٌ، والسُّفنُ كثيرةٌ لا تحصى؛ ولهذا قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ باعتبارِ السُّفنِ الكثيرةِ الَّتي تجري على البحْرِ، وربَّما نقولُ باعتبارِ السَّفينةِ الواحدةِ مما يشاهدُه ركَّابُها في البحرِ من الآياتِ العظيمةِ الدالَّةِ على كمالِ قدرةِ اللهِ؛ ولهذا يُحَدِّثُنَا الَّذين يَذْهَبون في البحرِ لاصطيادِ السَّمَكِ عن عجائِبَ ممَّا يشاهِدون من السَّمكِ باختلافِ أنواعِها، واختلافِ ذواتِها كِبَرًا وصِغَرًا وشَكْلًا، ممَّا هو من أعظمِ آياتِ اللهِ. قولُهُ: ﴿صَبَّارٍ﴾ صيغةُ مبالَغَةٍ؛ أي: كثيرِ الصَّبْرِ ﴿شَكُورٍ﴾ كَثِيرِ الشُّكرِ، فما وجْهُ الجمْعِ بين الصَّبْرِ والشُّكْرِ؟ وجْهُه ظاهرٌ؛ لأنَّ هذه السُّفُنَ إن جرت على ما ينبغي فوظيفةُ الإنسانِ الشُّكْرُ، وإن جرت على ما لا ينبغي فوظيفَتُه الصَّبْرُ، فالصَّابِرُ والشَّاكرُ كلاهما سيرى من آياتِ اللهِ في هذه السُّفُنِ ما يُوقِنُ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّه رحيمٌ بالعبادِ، وغيرَ ذلك ممَّا سيراه.

стр. 262

يقولُ المفسِّرُ ﵀: [هو المؤْمنُ يصْبرُ في الشِّدَّةِ ويشكُرُ في الرَّخاءِ]، وقد يُقالُ المؤمنُ والكافرُ، لكنَّ الكافرَ يصْبِرُ ولا يَشْكُرُ، والمؤمِنُ يصْبِرُ ويشْكُرُ، يصْبِرُ في موْضعِ الصَّبْرِ ويَشْكُرُ في مَوْضِعِ الشُّكْرِ، أمَّا الكافرُ فيصْبِرُ في مَوْضِعِ الصَّبْرِ ويَتَحَمَّلُ، ولكن لا يَشْكُرُ في مَوْضِعِ الشُّكْرِ، وإنما يزدادُ بَطَرًا وأَشَرًا. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ عَطْفٌ على ﴿يُسْكِنِ﴾ أي: يُغْرِقُهُنَّ بِعَصْفِ الرِّيحِ بِأَهْلِهِنَّ] هذا قِسْمٌ ثالثٌ ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ وإن يَشَأْ يُوبِقُهُنَّ؛ أي: يُغْرِقُهُنَّ. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛ أي: بِسَبَبِ كَسْبِهم، والكسْبُ الَّذي يؤدِّي إلى العقوبةِ هو المعاصي، إمَّا بترْكِ الواجباتِ، وإمَّا بفِعْلِ المُحَرَّمَاتِ ﴿وْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشُّورَى: ٣٤]. قوْلُه: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ ليست معطوفةً على ﴿يُسْكِنِ﴾؛ لأنَّه يُفْسِدُ المعنى؛ إذ يكونُ المعنى إن يشأْ يُسْكِنْ، أو يُوبِقْ، أو يَعْفُو عن كثيرٍ، وهذا فاسدٌ، ولكنَّ المعنى ﴿يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ﴾ الجملةُ استئنافيَّةٌ لكنَّها حُذِفَتِ الواوُ للتَّخفيفِ، المعنى أنَّ اللهَ تعالى يعفو عن كثيرٍ من الذُّنوبِ فلا يُعَاقِبُ عليها. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ منها فلا يُغْرِقُ أَهْلَهَا]. وقوله: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [الرَّفْعُ مُسْتَأْنَفٌ، والنَّصْبُ معطوفٌ على تعليلٍ مُقَدَّرٍ؛ أي: يُغْرِقُهُم لِيَنْتَقِمَ منهم وَيَعْلَمَ]. أوَّلًا فيها قراءتان "وَيَعْلَمُ" ﴿وَيَعْلَمَ﴾ على قراءةِ الرَّفعِ الواوُ استئنافيَّةٌ تقديرُها: وهو يَعْلَمُ الَّذين يجادلونك، وعلى قراءةِ النَّصْبِ وجَّهَها المفَسِّرُ بأنها معطوفةٌ على

стр. 263

تعيينِ المُقَدَّرِ؛ أي: يُغْرِقَهُم ليَنْتَقِمَ منه ويَعَلْمَ ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ﴾ تَجِدُ أنَّ الكلامَ لا يتناسبُ إِلَّا إذا قُدِّرَ ما يناسبُه، المُقَدَّرُ على كلامِ المفَسِّرِ؛ أي: يُغْرِقُهم لِيَنْتَقِمَ منهم. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: مَهْرَبٍ من العذابِ]. وقوله: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ المجادَلَةُ هي المُناظَرَةُ والمُخاصَمَةُ مأخوذةٌ من الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، يُقالُ: جَدَلَ الحبْلَ؛ أي: فَتَلَه، وسُمِّيَ المُناظِرُ مجادِلًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتناظِرَيْن يَفْتِلُ حُجَّتَه لتقوى على حُجَّةِ الآخَرِ، هذا أصْلُ المجادَلَةِ وهي المنازَعَةُ والمخاصَمَةُ، بآياتِنا لِيُثْبِتَ الباطلَ ويُبْطِلَ الحقَّ، تأمَّلْ مجُادَلَةَ المشركين للأنبياءِ ما قَصْدُهُم؟ إبطالُ الحقِّ الَّذي جاءت به الرُّسُلُ، وإثباتُ الباطلِ الَّذي هم عليه. فإن قال قائلٌ: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ ما المقصودُ بالآيةِ هنا الشَّرعيَّةُ أم الكونيَّةُ؟ فالجوابُ: الكونِيَّةُ والشَّرعيَّةُ، فالمجادَلَةُ في الآيةِ الكونيَّةِ أن يقولَ: إن يَشَأْ يُقَدِّرِ اللهُ كذا، ولماذا يُقَدِّرُ اللهُ مثلًا على الشَّعْبِ المُسْلِمِ الحروبَ والفِتَنَ، وما أَشْبَهَ ذلك، وفي الآياتِ الشرعيَّةِ يقولُ: لماذا أوجبَ اللهُ كذا، لماذا حَرَّمَ كذا وما أَشْبَهَ. ﴿مَا لَهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ نافيةٌ، ولا يَصِحُّ أن تَكونَ هنا حجازيَّةً، لعدم التَّرتيب، حيث قُدِّمَ الخَبَرُ، إذن هي ﴿مَا﴾ نَفْيِهُا مُجَرَّدٌ لا تَعْمَلُ، و ﴿مَحِيصٍ﴾ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ دَخَلَتْ عليه مِنِ الزَّائِدَةُ، والمَحِيصُ المَهْرَبُ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ مَهْرَبٍ من العذابِ، وجُملةُ النَّفْيِ سَدَّتْ مَسَدَّ مفعولَيْ ﴿وَيَعْلَمَ﴾ والنَّفيُ مُعَلَّقٌ عن العملِ]، هذا جوابُ سؤالٍ مُقَدَّرٍ، وهو أين مفعولا ﴿وَيَعْلَمَ﴾ لأنَّ (يَعْلَمَ) من أفعالِ القلوبِ الَّتي تَنْصِبُ المبتدأَ والخبَرَ،

стр. 264

يعني: أنَّها من أخواتِ (ظَنَّ) تنصبُ مفعولين، أين المفعولان؟ يقولُ المفسِّرُ ﵀: "إنَّ عَمَلَها مُعَلَّقٌ الآن"، مُعَلَّقٌ بالنفْيِ، فجملةُ النَّفيِ سَدَّتْ مَسَدَّ المفعولين، وهذا يُعْلَمُ من درسِ النَّحْوِ؛ لأنَّ أفعالَ القلوبِ إمَّا أن تَعْمَلَ، وإمَّا أن تُعَلَّقَ، وإمَّا أن تُلْغَى، إذا أُلْغِيَتْ بَطَلَ عَمَلُها في المحلِّ واللَّفظِ، وإذا عُلِّقَتْ بَقِيَ عَمَلُها في المحلِّ دُونَ اللَّفظِ، وإذا عَمِلَتْ عَمِلَت باللَّفظِ والمحلِّ. من فوائد الآيات الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: التَّهديدُ بإغراقِ السُّفنِ؛ لقولِهِ: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ وقد عَلِمْتُمْ قبلَ قليلٍ أنَّ الرِّياحَ بالنِّسبةِ للسُّفنِ تَنْقَسِمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: ريحٍ مناسبةٍ طَيِّبَةٍ، وريحٍ عاصفةٍ مدمِّرةٍ مُغْرِقةٍ، وريحٍ ساكنةٍ تُبْقِي السَّفينةَ راكدةً على ظَهْرِ الماءِ. فمن فوائِدِها التَّهديدُ بإغراقِ السُّفنِ بالمعاصي. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحذيرُ من المعاصي، وأنَّها سببٌ للعقوباتِ؛ لقولِهِ: ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ اللهَ يعفو عن كثيرٍ من السَّيِّئاتِ فلا يُعَاقِبُ عليها؛ لقولِهِ: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ يعني: حتَّى مع إغراقِ السُّفنِ يعفو اللهُ ﵎ عن كثيرٍ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تهديدُ أولئك العصاةِ بأنَّه ليس لهم مهربٌ من اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: ذَمُّ المجادَلَةِ لإبطالِ الحقِّ، تُؤْخَذُ من قولِهِ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أمَّا المجادَلَةُ لإثباتِ الحقِّ فإنَّها واجبةٌ حيث كان الإنسانُ يُجيدُها ويُحْسِنُها،

стр. 265

قال اللهُ ﵎: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النَّحلِ: ١٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فالمجادَلَةُ لإثباتِ الحقِّ وإبطالِ الباطلِ واجبةٌ لكنْ بشَرْطِ أن يَكُونَ عند الإنسانِ عِلْمٌ بما يُجادِلُ به، فإن لم يَكُنْ له عِلْمٌ فالواجبُ أَلَّا يُجادِلَ؛ لأنَّه إذا جادل لإثباتِ الحقِّ بدون عِلْمٍ فقد تَنْعَكِسُ القضيَّةُ عليه، يُورَدُ عليه من الشُّبُهاتِ ما لا يستطيعُ دَفْعُه، وحينئذٍ ينقطعُ وانقطاعُ المجادِلِ بالحقِّ ليس ضررُه على نفْسِه، بل هو على نفْسِه وعلى الحقِّ الَّذي يجادِلُ من أجْلِ إثباتِهِ. فالجدال المنهي عنه هو جدالُ المِراءِ الَّذي يُقْصَدُ به المُغالَبَةُ، أمَّا الَّذي يُقْصَدُ به إثباتُ الحقِّ فواجبٌ. وقولُهُ تعالى في الحجِّ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ [البقرةِ: ١٩٧] هذا الجدالُ الَّذي من أَجْلِ أن يمارِيَ السُّفهاءَ أو بغيرِ فائدةٍ، أمَّا لإثباتِ الحقِّ فلا بدَّ منه، ويَجِبُ للمُجَادِلِ لإثباتِ الحقِّ أن تَكُونَ نِيَّتُه إعلاءَ كلمةِ الله، فإن شَابَهُ شيءٌ من الرِّياءِ فإنَّه يَبْطُلُ، لكن يجبُ للإنسانِ أنْ يدافعَ الرِّياءَ، أو يقصدُ مثلًا بالرِّياءِ أن يَعْلُوَ على هذا العدوِّ المجادِلِ بالباطِلِ. وهل المجادَلَةُ تحصُلُ بالغريزةِ أو بالمِرانِ؟ الجوابُ: بهما كليهما، قد يعطي اللهُ الإنسانَ قُوَّةَ حُجَّةٍ وقريحةً وسرعةَ إجابةٍ، وهذا من اللهِ ، وقد يكونُ قليلًا في هذه الناحيةِ من أَصْلِ خِلْقَتِه، ولكن مع المجادَلَةِ يَتَمَرَّنُ، ولهذا كان بعضُ أهْلِ العِلْمِ إذا أراد أن يُحَرِّرَ مسألةً ويُثْبِتَها، فَرَضَ نَفْسَه على مجادلٍ فيعرضُ على نفْسِه إشكالًا ثمَّ يجيبُ عنه، ثمَّ إشكالًا ثمَّ يجيبُ عنه، حتَّى يَتَمَرَّنَ على المجادَلَةِ، ويُذْكَرُ أنَّ عامِّيًّا يجادِلُه نصرانيٌّ يقولُ له: أنتم أيُّها المسلمون ظَلَمَةٌ. قال لِمَ؟ قال: لأنَّكم تجيزون أن تتزوجوا منَّا ولا تجيزون أن نتزوَّجَ

стр. 266

منكم. إذا جاء هذا الإعراضُ على شخصٍ لا يعرفُ المجادَلَةَ، قال: هذا نعم صحيحٌ، فقال العامِّيُّ: إنَّنا نؤمنُ برسولِكم ولا تُؤْمِنوا برسولِنا، آمِنوا برسولِنا نُزَوِّجْكم. وهذه حُجَّةٌ صحيحةٌ بلا شكٍّ، فإذا كانت صحيحةً من عامِّيٍّ كان هذا دليلًا على أنَّ المجادَلَةَ تكُونُ غريزةً، وتكونُ بالمِراس والتَّمَرُّنِ. مسألةٌ في مُجادلةِ أهلِ الباطِل: إذا كان لهم السُّلْطَةُ بمعنى أنك لو جادَلْتَهم علنًا لكان عليك خطرٌ، فَدَعْ هذه المجادَلَةَ، لكن لك أن تتكلَّمَ في المجالِسِ الخاصَّةِ، أو في المجالِسِ التي لا يوجَدُون فيها، وتَعْرِضُ المَذْهَبَ وتُبَيِّنُ بُطْلانَهُ، لو لم يَكُنْ من هذا العَرْضِ إلا تشكيكُ العامَّةِ في هؤلاء لكان كَافِيًا، وزحزحةُ العقيدةِ والتشكيكُ فيها مهمٌّ جدًّا، فأنت مثلًا إذا رأيتَ أناسًا على باطلٍ وبَيَّنْتَ الحقَّ، لو لم يَكُنْ من الفائدةِ إلا أن يَشُكُّوا في الأمرِ، حتى عند زعمائِهِم يَشُكُّون في قولهِم، ما دُمْتَ أنت أَتَيْتَ بالحقِّ وبَيَّنْتَهُ؛ ولهذا سَمِعْتُ عن بعضِ دعاةِ النصرانيَّةِ - قاتَلَهُم اللهُ وَلَعَنَهُم إلى يومِ القيامةِ - سَمِعْتُ أنه يقولُ لقومِهِ: يا قَوْمَنا إنكم لم تَنْقُلُوا المُسْلِمُ إلى النصرانيَّةِ هذا مستحيلٌ؛ لأنَّ دِينَنَا النصرانيَّةَ الموجودَ الآن كلٌّ يَعْرِفُ أنه خرافةٌ وليس على شيءٍ، لكن يَكْفِيكم أن تُشَكِّكُوا المُسْلِمَ في دينِه. انْظُرِ الخُبثاءَ، يكفيكم أن تُشَكِّكُوا المُسْلمَ في دينِهِ، اجعلوه يَشُكُّ فقط، وإذا شكَّ الإنسانُ فيما يجبُ الإيمانُ به فهو كافرٌ، ما يجبُ الإيمانُ به يجبُ الجزمُ به، فانظرْ كيف أساليبُهُم ونحن - والحمدُ للهِ - عندنا من الأساليبِ أقوى منهم، لكن فقط عندنا أن الإنسانَ إذا رأى هذا العالِمَ يُمْكِنُ أن يخافَ، وشجاعةُ خالدِ بنِ الوليدِ وحمزةَ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ غيرُ موجودةٍ الظاهرُ إلا في قليلٍ من الناسِ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّه لا مفرَّ لمن حادَّ اللهَ ورسولَهُ من عقوبةِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾.

стр. 267

من المعلومِ أن (يَعْلَمَ) تَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ، ومفعولهُا جملةُ ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ ويُسمَّى تعليقًا، وذكَرْنَا لكم أنَّ ظنَّ وأخواتِها تكونُ عاملةً ومعلَّقَةً ومُلْقاةً. إذن نقولُ المجادَلَةُ لإظهارِ الحقِّ وبيانِهِ مأمورٌ بها، أمَّا المجادَلَةُ الَّتي للعكسِ لإبطالِ الحقِّ وإظهارِ الباطلِ هذه هي الَّتي عليها الوعيدُ. * * *

стр. 268

الآية (٣٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦]. * * * قوله: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [﴿فَمَا أُوتِيتُمْ﴾ الخطابُ للمؤمنين وغيرِهِم، ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من أثاثِ الدُّنْيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾]. قولُهُ: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (مَا) ليست نافيةً، لكنَّها زائدةٌ لعمومِ النَّهْيِ؛ أي: أيُّ شيءٍ أوتيتموه ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. وقولُهُ ﵀: [الخطابُ للمؤمنين وغيْرِهِم]، صحيحٌ؛ لأنَّ هذا يُخَاطَبُ به المؤمنُ والكافرُ، الكافرُ يتمتعُ بالدُّنْيا؛ ولكنهم يتمتعون كما تَتَمَتَّعُ ﴿الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمَّدٍ: ١٢]، والمؤمنُ يَتَمَتَّعُ بالدُّنْيا ولكنَّه إذا قام بعملِ الآخرةِ صار نعيمُهُ في الدُّنْيا وفي الآخرةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَتَاعُ﴾ الفاءُ رابطةٌ لجوابِ الشَّرْطِ، وهو قولُهُ: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنَّ (ما) هنا شَرْطِيَّةٌ و ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ بيانًا لها، وجملةُ ﴿فَمَتَاعُ﴾ هذه جوابُ الشَّرْطِ، وعلى هذا فنقولُ: إنَّ (مَتَاعَ) خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ، والتَّقديرُ: فهو متاعٌ، قال المفسِّرُ ﵀: [﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يَتَمَتَّعُ فيها ثم يزولُ].

стр. 269

وهذا هو الواقعُ أنَّ متاعَ الحياةِ الدُّنْيا يزولُ، أو يُزَالُ عنه؛ يعني: إمَّا هذا وإمَّا هذا، لو قُدِّرَ أن الإنسانَ أن يبقى غنيًّا، صحيحَ الجسْمِ، آمِنَ المقامِ، أليس من الجائِزِ أن يُسْلَبَ هذا؟ بلى، فيكونُ متاعًا قد زال، فإن لم يَزُلْ عنه زال الإنسانُ عنه. مَن الَّذي مُتِّعَ أَبَدَ الآبدين؟ لا يوجَدُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (مَا) هذه اسمٌ موصولٌ مبتدأٌ، و ﴿خَيْرٌ﴾ خَبَرُهُ، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ خيْرٌ من متاعِ الدُّنْيا في ذاتِهِ ونوعِهِ وكلِّ مُتَعِه، ﴿وَأَبْقَى﴾؛ أي: أَدْوَمُ؛ لأنَّ متاعَ الدُّنْيا يزولُ، فنعيمُ الآخرةِ جَمَعَ بين الوَصفَيْن: أنَّه خيرٌ، وأنَّه أبقى، فباعتبارِ نوعِهِ وجِنْسِه وأصنافِه هو خيرٌ، وباعتبارِ بقائِهِ هو أبقى، والإنسانُ لا يُريدُ من النَّعيمِ إلَّا هذا، لا يريدُ إلا الأَكْمَلَ والأبقى حتَّى لا يزولَ عنه، لكن لمن ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. وذلك لأنَّ ما في الدُّنيا فهو متاعٌ زائلٌ مُنَغِّصٌ لا يكادُ يمرُّ بك أسبوعٌ إلَّا وَجَدْتَ التَّنغيصَ، وهذا على حدِّ قوْلِ الشَّاعِرِ: فيومٌ علينا ويومٌ لنا ... ويومٌ نُساءُ ويومٌ نُسَرُّ (١) أمَّا الآخرةُ فهي خيرٌ مَحْضٌ ليس فيه شَرٌّ، وأيضًا هو أبقى؛ يعني: أَدْوَمُ، متاعُ الدُّنيا قليلٌ يزولُ سريعًا، بخلافِ ما عند اللهِ . واعْلَمْ أنَّ مِثْلَ هذه العِبارةِ وَرَدَتْ على ثلاثةِ أوْجُهٍ:

стр. 270

الوجهُ الأوَّلُ: أن يُخَاطَبَ بها الشَّخصُ بعينِهِ، فيقالَ له: إنَّ الآخرةَ خيرٌ لك. والثَّاني: أن تَأْتِيَ مُقَيَّدَةً بأوصافٍ محبوبةٍ مطلوبةٍ. والثَّالثُ: أن تأتِيَ مُطْلَقَةً. قالَ اللهِ لنبِيِّه ﷺ : ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضُّحى: ٤]، فالآن نَشْهَدُ أنَّ الآخرةَ للنَّبيِّ ﷺ خيرٌ له من الأُولى، هذا قُيِّدَ بشخصٍ معيَّنٍ، المُقَيَّدُ بأوصافٍ كالآيةِ الَّتي معنا، وكقولِهِ تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [يوسفَ: ١٠٩]، فهذه مقيَّدَةٌ بأوصافٍ. الثَّالثةُ مُطْلَقَةٌ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]، لكنَّ هذا المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ، أو يُقالُ: هذا باعتبارِ وصْفِه لا باعتبارِ من يَحْصُلُ له، فيكونُ من حيث الإجمالُ الآخرةُ خيرٌ وأبقى، أمَّا من حيث التَّفصيلُ فَيُفَصَّلُ في كلِّ مَوْضِعٍ بِحَسَبِه. وقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ آمنوا بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به، وقد سأل جبريلُ النَّبيَّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - عن الإيمانِ، فقال له: "الإيمانُ أن تُؤْمِنَ باللهِ، وملائكتِه، وكتبِه، ورسُلِه، واليوم الآخِرِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ" (١). إذنْ آمِنوا بما يجبُ الإيمانُ به، هذه العبارةُ الَّتي تَشْمَلُ كُلَّ شيءٍ. وقوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قَدَّمَ المعمولَ لإفادةِ الحَصْرِ والعنايةِ به ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الرَّبُّ هو الخالقُ المالِكُ المُدَبِّرُ، ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ أي: يَعْتَمِدُونُ ويُفَوِّضُونُ أَمْرَهُم إليه ﵎ والتَّوَكُّلُ فَسَّرَه بعضُهُم بأنَّه: صِدْقُ الإعتمادِ على اللهِ في جلْبِ المنافعِ ودفْعِ المضارِّ مع الثِّقةِ باللهِ ﵎ صِدْقُ الإعتمادِ على اللهِ؛ يعني: أن تعتمدَ على اللهِ اعتمادًا صادقًا، لا تَلْتَفِتُ إلى سواه في جَلْبِ المنافعِ ودفْعِ المضارِّ، زِدِ: الثِّقةَ باللهِ ؛

стр. 271

يعني: تَعْتَمِدُ عليه وأنت واثقٌ بأنه حَسْبُكَ وسيُعِينك، والتَّوكُّلُ على اللهِ نِصْفُ الدِّينِ، كما قال : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحةِ: ٥]، إذ لا يمكنُ للإنسانِ أن يأتيَ بشرائعِ الإسلامِ إلَّا بالتوكُّلِ على اللهِ والإعتمادِ عليه، انظرْ إلى قولِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وإلى قولِهِ: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هودٍ: ١٢٣]، تجدْ أنَّ اللهَ تعالى قَسَّمَ الدِّينَ إلى قِسْمين: عبادةٍ، واستعانةٍ. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: التَّزهيدُ في الدُّنيا وأنَّها زائلةٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إنذارُ الكفَّارِ بأنَّ ما هم فيه من النَّعيمِ ليس بشيءٍ بالنِّسبةِ لنعيمِ الآخرةِ. ويَقْرَأُ أهلُ التَّاريخِ أنَّ ابنَ حَجَرٍ ﵀ صاحبَ فَتْحِ الباري كان قاضيَ القضاةِ في مِصْرَ، فمرَّ ذاتَ يومٍ برجُلٍ يهوديٍّ زيَّاتٍ - يعني يَعْمَلُ في الزَّيْتِ - كُلُّ ثيابِهِ وَسِخَةٌ وأوانيه، وفي تَعَبٍ شديدٍ، فمرَّ ابنُ حجرٍ العسقلانيُّ ﵀ وهو قاضي القضاةِ بمَرْكَبِه، تجرُّهُ الخيولُ أو البغالُ وفي أُبَّهَةٍ، فأَوْقَفَه اليهوديُّ وقال: ما تقولون في قولِ نَبِيِّكُم: "إنَّ الدُّنْيا سِجْنُ المُؤْمِنِ وجَنَّةُ الكافِرِ" (١)؟ كيف يَتَّفِقُ هذا مع الحال الَّتي نحن عليها الآن، أنت مؤمِنٌ وفي هذا النَّعيمِ، واليهوديُّ يهوديٌّ وفي هذا العَنَاءِ والتَّعَبِ، كيف يَتَّفِقُ هذا؟ فأجابه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ جوابًا على البديهةِ، فقال: ما أنا فيه من النَّعيمِ بالنِّسبةِ لنعيمِ الآخرةِ سِجْنٌ؛ لأنَّ الآخرةَ خيرٌ، وهذا ليس بشيءٍ، وأنت بما أنت فيه من العناءِ

стр. 272

بالنِّسبةِ لعذاب النَّارِ في جنَّةٍ، فقال اليهوديُّ: أشهد أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ (١). فآمَنَ على الفورِ؛ لأنَّ هذا دَخَلَ عَقْلَهُ، وأنَّ ما قاله الرَّسولُ حقٌّ، الدُّنْيا مهما كانت فهي بالنِّسبةِ للآخرةِ سِجْنٌ ما هي بشيءٍ، ولكنَّ الدُّنيا مهما كانت من الضِّيقِ فهي بالنِّسبةِ للنَّارِ جنَّةٌ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ حياتَنَا هذه دنيا، من الدُّنُوِّ؛ أي: القُرْبِ، أو من الدَّناءةِ؛ أي: الخِسَّةِ والحقارةِ، تَشْمَلُ المَعْنَيَيْنِ جميعًا، فهي قريبةٌ؛ لأنَّها سابقةٌ على الآخرةِ من حين يُولَدُ الإنسانُ وهو فيها، وهي دنيئةٌ؛ أي: حقيرةٌ بالنِّسبةِ للآخرةِ، إذن دنيا مُؤَنَّثُ أَدْوَنَ، وهي إمَّا من الدُّنُوِّ، وإمَّا من الدَّناءةِ وهي الحقارةُ، فبها تحقيرُ الدُّنيا. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ ما عند اللهِ خيرٌ من الدُّنيا بأجمَعِها؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ إذن في الآيةِ التَّزهيدُ في الدُّنيا والتَّرغيبُ في الآخرةِ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الثَّناءُ على من جَمَعَ بَيْنَ الإيمانِ والتَّوكُّلِ؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ التَّوكُّلَ عبادةٌ يَجِبُ إفرادُ اللهِ به، وجْهُ الدِّلالةِ: تقديمُ المعمولِ، هذا دليلُ وجوبِ إفرادِ اللهِ به، وأمَّا الدَّليلُ على أنه عبادةٌ فلأنَّ اللهَ تعالى ذَكَرَهُ في مقامِ الثَّناءِ، ولا ثناءَ إلا في عبادةٍ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: فضيلةُ الجمْعِ بين هذه الصِّفاتِ المذكورةِ؛ لأنَّ كلَّ صفةٍ منها صفةُ مَدْحٍ لا شكَّ، لكنَّ اجتماعَها يَكُونُ أَكْمَلَ، أرأيْتَ لو وَصَفْتَ إنسانًا بالكرمِ

стр. 273

فقلتَ: فلانٌ كريمٌ، أليس مدحًا؟ إذا قلتَ: شجاعٌ، انضمَّ الآن الكرمُ إلى الشَّجاعةِ وانضمامُ الصِّفتيْن بعضِهِما إلى بعضٍ يُوَلِّدُ صفةً ثالثةً، وهو جَمْعُهُ بين الصِّفاتِ، وهكذا نقولُ في كلِّ الصِّفاتِ المتعددةِ إن جَمْعَهَا يَزيدُ الموصوفَ بها ثناءً. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وجوبُ التَّوكُّلِ على اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ حيث قَدَّمَ المعمولَ. فإن قال قائلٌ: أيجوزُ أن يَتَوَكَّلَ على الغَيْرِ فيما يَقْدِرُ عليه؟ فالجوابُ: نعم، ولكن لا يَجْعَلُ هذا التَّوكُّلَ تفويضًا يتعلَّقُ القلْبُ به؛ لأنَّ هناك فَرْقًا بَيْنَ أن أقولَ: يا فلانُ وَكَّلْتُكَ لِتَشْتَرِيَ لي كذا وكذا، هنا أعتمدُ عليه لكنِّي لا أفوِّضُ الأمرَ إليه، بل أنا حينما أقولُ: يا فلانُ اشترِ لي كذا وكذا، أعتبرُ نفْسِي فَوْقه؛ لأنَّني الآن أنا الَّذي بيدي الأمرُ، آمُرُهُ وأنهاه، لكنَّ الإعتمادَ الَّذي هو التفويضُ المُطْلَقُ، هذا لا يكُونُ إلَّا للهِ . فإذا أَوْرَدَ علينا إنسانٌ هذا الإيراد الَّذي ذَكَرْتَهُ نقولُ: الجوابُ سهلٌ، التَّوكيلُ في الشيءِ لا يدلُّ على التَّفويضِ المُطْلَقِ، التَّوكيلُ على الشَّيءِ لا يَتَعَلَّقُ القلبُ بنفسِ المتوكِّلِ عليه، بخلافِ التَّوَكُّلِ على اللهِ، فبهذا يَظْهَرُ الفَرْقُ، ويُقالُ للإنسانِ الَّذي وَكَّلَ غَيْرَه: إنه ليس ناقِصَ التَّوَكُّلِ؛ بدليلِ أن الرَّسولَ ﵊ وكَّلَ عليَّ بْنَ أبي طالبٍ في حَجَّةِ الوداعِ أن يَنْحَرَ عنه بَقِيَّةَ هَدْيِهِ (١)، ووكَّلَ عُرْوَةَ بْنَ الجَعْدِ أن يشتريَ له أُضْحِيَّةً، أعطاه النَّبيُّ ﷺ دينارًا وقال: اشترِ لي به أُضْحيَّةً، فاشترى أُضْحِيَّتَيْن بدينارٍ، ثم باع واحدةً منهما بدينارٍ، فرجع إلى النَّبيِّ ﷺ بشاةٍ ودينارٍ، الرَّسولُ

стр. 274

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لم يَنْقُصْه شيءٌ دينارُه الَّذي سَلَّمَهُ له رَجَعَ إليه، وشاتُهُ الَّتي يريدُها حَصَلَتْ له، فدعا له النَّبيُّ ﷺ بالبَرَكَةِ في بَيْعِهِ (١)، فكان لا يَشْتَرِي شيئًا إلا رَبِحَ فيه، حتَّى لو اشترى ترابًا لَرَبِحَ فيه بِبَرَكَةِ دعوةِ النَّبيِّ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلِهِ وَسَلَّمَ. وأخذ العُلَمَاءُ ﵏ من هذه القصةِ جوازَ التَّصرُّفِ في مالِ الغَيْرِ لمصلحةٍ؛ لأنَّ عروةَ بْنَ الجَعْدِ تَصَرَّفَ، اشترى شاتين وهو مأمورٌ بشاةٍ واحدةٍ، باع واحدةً وهو لم يُؤْمَرْ بالبيعِ، لكن هذا لمصلحةِ الغَيْرِ، إلَّا أنَّه مع ذلك موقوفٌ على إجازتِهِ، فلو أنَّ هذا المتصرِّفَ قال له صاحبُه: لا أرضى بهذا التَّصرُّفِ، فإنَّه يُرَدُّ، لو عَلِمْنَا أنَّ فلانًا يريدُ أن يبيعَ بَيْتَه قد عَرَضَه للبيعِ، وجاء شخصٌ وبذل فيه مالًا كثيرًا بَذَلَ مِثْلَ قيمته مرَّتَيْن، فجاء رجلٌ تَقَدَّمَ وباعَ فإنَّه لا يجوزُ؛ لأنِّي أعرفُ أنَّ الرَّجُلَ عازمٌ على بيعِ البيتِ، وهو إذا عَزَمَ على بيعِ البيتِ سيكونُ بَيْعُه بثمنِ المِثْلِ، فإذا جاء إنسانٌ بَذَلَ أكثرَ من قيمةِ المِثْلِ مرَّتين مثلًا، وتَقَدَّمَ شخصٌ لم يوكَّلْ وباعه فالبيعُ صحيحٌ؛ لأنَّ هذا تَصَرَّفَ للغَيْرِ بما يحبُّه، لكن لو فُرِضَ أنَّ صاحبَ البيتِ قال: لا أجيزُ هذا، فحينئذٍ يُرَدُّ البيْعُ. فيبقى إشكالٌ آخَرُ مع المشتري، المشتري يقول: أنا اشتريتُ، والموكِّلُ يقولُ: أنا لم أَرْضَ. والوكيلُ يقولُ: أنا راضٍ، فما الحلُّ؟ الجوابُ: الحلُّ إذا كان الوكيلُ قد أخبر المشتريَ بأنَّه وكيلٌ، وأنَّ البيت لفلانٍ ثمَّ قال فلانٌ وهو الموكَّلُ: أنا لا أرضى بهذا البيْعِ، فُسِخَ، وإلَّا بَقِيَ البيعُ، وضَمِن الوكيلُ ما يَطْلُبُه الموكِّلُ، واللهُ الموفِّقُ. * * *

стр. 275

الآية (٣٧) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧]. * * * قولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ نَصَّ على أنه معطوفٌ عليه؛ لئلَّا يَظُنَّ الظانُّ أنَّ الواوَ هنا للإستئنافِ، وعلى هذا فيكونُ من بابِ عطفِ الصِّفاتِ، وليس من بابِ عطفِ الأعيانِ؛ فالَّذين استجابوا لرَبِّهِم هم الَّذين آمنوا وعلى رَبِّهِم يتوكلون، هل لهذا نظيرٌ؛ أي: عَطْفُ الأوصافِ لموصوفٍ واحدٍ؟ الجوابُ: كثيرٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: ١ - ٤] قولُهُ: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ ليس هو شَيْئًا آخَرَ، بل هو الأوَّلُ، فيكونُ هذا من بابِ عَطْفِ الأوصافِ دونَ الأعيانِ، أنت إذا قلتَ: قام زيدٌ وعمرٌو وبكرٌ وخالدٌ، فهذا من بابِ عطفِ الأعيانِ؛ لأنَّ الثانيَ غيرُ الأوَّلِ، وإذا قلتَ: جاء زيدٌ الفاضلُ والكريمُ والشُّجاعُ؛ هذا من بابِ عطفِ الأوصافِ؛ لأنَّ الثَّانيَ هو الأوَّلُ، لكن اختلفت الصِّفَةُ، إذن فالعطفُ نوعان: عطفُ أعيانٍ، وعطفُ أوصافٍ. فالآياتُ الَّتي معنا ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ هذا من بابِ عطفِ الأوصافِ؛ لأنَّ الَّذين يَجْتَنِبون كبائرَ الإثْمِ والفواحشَ هم الَّذين آمنوا وعلى ربِّهِم

стр. 276

يتوكَّلُون ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ كَبَائِرُ جَمْعُ كَبِيرَةٍ، وما ذَكَرَ الشَّرعُ أنَّه كبيرةٌ فهو كبيرةٌ؛ كقولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ في حديثِ أبي بَكْرَةَ: "ألا أُنَبِّئُكُمْ بأكبرِ الكبائِرِ؟ " قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: "الإشراكُ باللهِ، وعُقُوقُ الوالدَيْنِ - وكان متَّكئًا فجلس - فقال: ألا وقَوْلُ الزُّورِ، ألا وشهادةُ الزُّورِ" (١) هنا نَصَّ على أنَّها كبيرةٌ. أمَّا ما لم يَنُصَّ عليه الشَّرعُ فقد اختلف العُلَمَاءُ ﵏ في حدِّ الكبيرةِ، وأَقْرَبُ شيءٍ ما اختاره شيخُ الإسلامِ ابْنُ تيميَّةَ ﵀ فقال: "إنَّ الكبيرةَ ما رُتِّبَ عليه عقوبةٌ خاصَّةٌ" (٢)؛ يعني: ما خُصَّ بعقوبةٍ؛ وذلك أنَّ المَنْهِيَّاتِ تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ فيهِ النَّهيُ أو التَّحريمُ أو ما أَشْبَهَ ذلك، لكنْ لم يُذْكَرْ فيه عقوبةٌ، وقِسْمٍ آخَرَ ذُكِرَ فيه العقوبةُ، فيقولُ: ما ذُكِرَ فيه عقوبةٌ خاصَّةٌ فهو كبيرةٌ، إذا رُتِّبَ على الذَّنبِ لعنةٌ، كقولِهِ: لَعَنَ اللهُ من لَعَنَ وَالِدَيْهِ. يكُونُ كبيرةً؛ لأنَّه رُتِّبَ عليه عقوبةٌ خاصَّةٌ وهي اللَّعنُ، وإذا رُتِّبَ عليه السُّخْطُ فهو كبيرةٌ؛ كقولِ النِّبيِّ صلى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ في المرأةِ "تَبِيتُ وزَوْجُهَا سَاخِطٌ عليها فإن اللهَ يَسْخَطُ عليها" (٣)، هذا كبيرةٌ، إذا قيل: "ليس منا من شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ ودعا بدعوى الجاهليَّةِ" (٤)، فهو

стр. 277

كبيرةٌ، فالَّذي تَرَتَّبَ عليه البراءةُ منه، ليس منَّا كذا، "من غشَّ فليس منَّا" (١)، وكذلك: "لا يُؤْمِنُ من لا يَأْمَنُ جارُه بَوَائِقَه" (٢)، كبيرةٌ؛ لأنَّه رُتِّبَ عليه نَفْيُ الإيمانِ. إذن الكبيرةُ محدودةٌ - يعني تُعْرَفُ بالحَدِّ دونَ العَدِّ - وأحسنُ ما قيل فيها ما اختاره شيخُ الإسلامِ ﵀ من أنَّ الكبيرةَ ما رُتِّبَ عليه عقوبةٌ خاصَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ بالنَّصْبِ معطوفةٌ على ﴿كَبَائِرَ﴾؛ أي: ويجتنبون الفواحشَ، قال المفسِّرُ ﵀: [وهي موجِباتُ الحدود من عطفِ البعضِ على الكلِّ]. فَسَّرَ المفسِّرُ ﵀ الفواحشَ بأنَّها ما تُوجِبُ الحَدَّ، فَلْنَعُدَّ الزِّنا فاحشةً، وهو بنصِّ القرآنِ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: ٣٢]، نكاحُ ذواتِ المحارِمِ فاحشةٌ؛ لقولِ اللهِ تبارك تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النِّساءِ: ٢٢]، تأمَّلِ الآن أيُّهُما أعظمُ نكاحِ ذواتِ المحارِمِ أو الزِّنا؟ الجوابُ: الأوَّلُ؛ لأنَّ اللهَ قال فيه: ﴿كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، وفي الزِّنَا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ ولهذا كان القولُ الرَّاجحُ أنَّ الإنسانَ إذا زنى بمحارِمه وَجَبَ رَجْمُهُ، سواءٌ كان مُحْصَنًا أمْ غَيْرَ مُحْصَنٍ. والمفسِّرُ يقول: كلُّ ما فيه حدٌّ فهو فاحشةٌ؛ فالسَّرقةُ فاحشةٌ؛ وقَطْعُ الطَّريقِ فاحشةٌ؛ لأنَّ فيه حدًّا، والخمرُ فاحشةٌ، والصَّحيحُ أنَّ عقوبةَ الخمرِ ليست حدًّا،

стр. 278

بل هي عقوبةٌ لكنَّها لا تَنْقُصُ عن أربعين، والدَّليلُ أنَّها عقوبةٌ أنَّ شاربَ الخمرِ في عهدِ الرَّسولِ ﵊ يُؤتى به فيضربُه النَّاسُ الَّذي يضربُ بيَدِه، والَّذي يضربُ بثوبِهِ، والَّذي يضرِبُ بنعْلِه بدونِ حدٍّ معيَّنٍ، ثم جعلها أبو بكرٍ ﵁ أربعين، ثم جَعَلَهَا عُمَرُ ﵁ أربعين، ثم كَثُرَ شُرْبُ الخمرِ فزادها عُمَرُ إلى ثمانين، بعد أن استشار الصَّحابةَ فقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ ﵁: أرى أن تَجْعَلَهَا كأخفِّ الحدودِ (١). وأخفُّ الحدودِ حدُّ القذْفِ ثمانون، فَجَعَلَها عمرُ ثمانين، وهذا كالإجماعِ من الصَّحابةِ ﵃ أنَّ عقوبةَ شارِبِ الخمرِ ليستْ حدًّا؛ لأنَّه لو كانتْ حدًّا لا يُمْكِنُ لأيِّ أحدٍ أن يَزيدَ؛ ولهذا لو كَثُرَ الزِّنا في النَّاسِ لا نزيدُ عن مئةِ جَلْدَةٍ، أيضًا قال عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوفٍ ﵁: اجعلْها كأخفِّ الحدودِ. فدلَّ هذا على أنَّها ليستْ حدًّا وإلَّا لما صحَّ أن يقولَ: اجعلْها كأخفِّ الحدودِ، وأيضًا إذا تَكَرَّرَ جَلْدُه ففي الرَّابعةِ يُقْتَلُ على رأيِ كثيرٍ من العُلَمَاءِ؛ لما جاء ذلك في السُّنَنِ: "إذا شَرِبَ فاجْلِدُوه، ثمَّ إن شَرِبَ فاجْلِدوه، ثمَّ إن شَرِبَ فاجْلِدُوه، ثمَّ إن شَرِبَ الرَّابعةَ فاقْتُلُوه" (٢). هذا الحديثُ صحيحٌ، ذَهَبَ إليه أهلُ الظَّاهِرِ، وأكثرُ العُلَمَاءِ يقولُ: لا يُقْتَلُ لو شَرِبَ ألفَ مرَّةٍ، ويُجْلَدُ ألْفَ مرَّةٍ. واختار شيخُ الإسلامِ قولًا وسطًا، وقال: إذا لم يَنْتَهِ النَّاسُ بدون القتلِ فإنه يُقْتَلُ؛ لئلَّا يتكاثرَ شُرْبُ الخمرِ، وأمَّا إذا انتهى النَّاسُ بدونِ القتلِ فإنه لا يُقْتَلُ (٣).

стр. 279

المُهِمُّ أن المفسِّر ﵀ يرى أنَّ الفواحشَ هي موجِباتُ الحدودِ، قال: [وهو من عطفِ البعضِ على الكلِّ]؛ لأنَّ الفواحشَ بعضُ كبائِرِ الإثْمِ، فهو من بابِ عطفِ البعضِ على الكُلِّ، وهذا يقعُ كثيرًا عطفُ البعضِ على الكلِّ، كما أنَّه يَقَعُ أحيانًا عَطْفُ الكلِّ على البعضِ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القَدْرِ: ٤] هذا من بابِ عطفِ البعضِ على الكُلِّ، وإذا قلتَ: أَكْرِمْ زيدًا والطَّلبةَ، وهو منهم، فهو من بابِ عطفِ الكلِّ على البعضِ، وتخصيصُ بعضِ الأفرادِ بكونِهِ معطوفًا أو معطوفًا عليه يَدُلُّ على العنايةِ به والإهتمامِ به. قولُهُ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ (مَا) هنا زائدةٌ في الإعرابِ، وأمَّا في المعنى فهي للتَّوكيدِ، وأقولُ: يا طالبًا خذْ فائدهْ ... (ما) بعد (إذا) زائدهْ يعني: كلَّما أتتك (مَا) بعد (إذا) فهي زائدةٌ، كهذه الآيةِ ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا﴾ المعنى وإذا غضبوا، وكقولِهِ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ﴾ [فُصِّلَت: ٢٠]؛ أي: حتَّى إذا جاؤوها، فخذ هذه الفائدةَ. و(ما) من أوسعِ الحروفِ معنًى؛ لأنَّ لها عَشَرَةَ معانٍ أو أَكْثَرَ جُمِعَتْ في قولِ النَّاظِمِ: محاملُ (ما) عشرٌ إذا رُمْتَ عَدَّها ... فحافظْ على بيتٍ سليمٍ من الشِّعرِ ستفهمُ شرطَ الوصْلِ فاعجبْ لنُكْرِها ... بِكفٍّ ونفْيٍ زِيدَ تعظيمُ مَصْدَرِ (سَتَفْهَمُ) إشارةٌ إلى (مَا) الإستفهاميَّةِ، (شرطٌ) إشارةٌ إلى (مَا) الشَّرْطِيَّةِ، (الوصْلُ) إشارةٌ إلى (مَا) الموصولةِ، (فاعجبْ) إشارةٌ إلى (ما) التعجبيَّةِ مِثْلَ أن

стр. 280

تقولَ: ما أحسنَ زيدًا! (لنُكْرِها) إشارةٌ إلى (ما) النَّكِرةِ الموصوفةِ أو الواصفةِ، (بِكَفٍّ) إشارةٌ إلى (ما) الكافَّةِ وهي الدَّاخلةُ على (إنَّ) مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النِّساءِ: ١٧١]، (ونَفْيٍ) إشارةٌ إلى (مَا) النَّافيةِ، (زِيدَ) إشارةٌ إلى (مَا) الزَّائدةِ، (تعظيم) إشارةٌ إلى (مَا) التَّعظيميَّةِ مثلَ: لكنَّها ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقَّةِ: ١ - ٢]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعةِ: ١ - ٢]، (مَصْدر) إشارةٌ إلى (ما) المَصْدَرِيَّةِ مثل: يُعْجِبُنِي ما فَعَلْتَ؛ أي: يُعْجِبُنِي فِعْلُكَ. هذه عَشَرَةُ معانٍ لـ (مَا). وقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾؛ يعني: إذا نالهم الغضبُ فإنَّهم يَمْلِكُون أنْفُسَهم، فيغفرون لمن أَغْضَبَهم، ومعنى ﴿يَغْفِرُونَ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [يتجاوزون] ونحن نَزيدُ شيئًا آخَرَ: السِّتْرَ. يعني: يتجاوزون عمَّن أساء إليهم ويَسْتُرُونه. من فوائدِ الآيةِ الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ مِن وصْفِ الَّذين آمنوا وعلى ربِّهم يتوكَّلون اجتنابَهُم كبائرَ الإثمِ والفواحشَ، وبُعْدَهُم عنها؛ لأنَّ اجتنب بمعنى: صار في جانبٍ وآخَرَ في جانبٍ، فيفيدُ بُعْدَهُم عن كبائرِ الإثمِ والفواحِشِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ صغائرَ الذُّنُوبِ لا تَنْقُصُ من كمالِ الإيمانِ؛ لأنَّها تقعُ مغفورًا باجتناب الكبائِرِ، كما قال اللهُ ﵎ في سُورةِ النَّجْمِ: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النَجْمِ: ٣٢]؛ يعني: إلَّا الصَّغائرَ فإنَّها لا تَضُرُّ، وأَخْبَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ أنَّ الصلواتِ الخمْسَ، والجُمُعَةَ إلى الجُمُعَةِ، ورمضانَ إلى رمضانَ، مُكَفِّرَاتٌ لمِا بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ (١).

стр. 281

ولكن لو قال قائلٌ: هل الإصرارُ على الصَّغائِرِ يُحَوِّلُهَا إلى كبائِرَ؟ فالجوابُ: نعم، هذا المشهورُ عند أهْلِ العِلْمِ أنَّ الإصرارَ على الصَّغيرةِ كبيرةٌ، لكنَّهم لا يقولون: إنَّ الصَّغيرةَ تكُونَ كبيرةً، يقولون: إنَّ إصرارَ الإنسانِ على المعصيةِ يَدُلُّ على استخفافِهِ بشريعةِ اللهِ وعدمِ مبالاتِهِ بها، فمن هنا صار الإصرارُ كبيرةً، وليس المعنى أن الصَّغيرةَ تَنْقَلِبُ كبيرةً، لكن لمَّا كان الإصرارُ يَدُلُّ على استخفافِ الإنسانِ بشريعةِ اللهِ صار هذا كبيرةً من أجْلِ الإستخفافِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ من صفاتِ الَّذين آمنوا وعلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلون أنَّهم إذا غَضِبُوا غَفَرُوا، والغضبُ وَصَفَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ بأنه جمرةٌ يلقيها الشَّيطانُ في قلْبِ الإنسانِ، فيفورُ دَمُه وتنتفخُ أوداجُه (١)، أمَّا المتكلِّمون فيقولون: إنَّ الغضبَ غليانُ دمِ القلبِ لمحبَّةِ الإنتقامِ، وما ذكره النَّبيُّ ﷺ خيرٌ أنَّه جمرةٌ يُلْقِيها الشَّيطانُ، ولذلك تَجِدُ الرجُلَ إذا غَضِبَ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا سيئًا لا يَحْمَدُهُ هو إذا سَكَنَ غَضَبُه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه ينبغي للإنسانِ عند الغضبِ أن يَكْظِمَ غَيْظَهُ، وقد طَلَبَ أحدُ الصَّحابةِ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ أن يُوصِيَهُ فقال: "لَا تَغْضَبْ" فردَّدَ مرارًا فقال: "لَا تَغْضَبْ" (٢). * * *

стр. 282

الآية (٣٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]. * * * قولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ الواوُ حرفُ عطفٍ، (الَّذين) معطوفةٌ على ما سَبَقَ، عطفُ أوصافٍ، والَّذين استجابوا لربِّهِم. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التَّوحيدِ والعبادةِ]. ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ بمعنى أجابوه، وقد سبق لنا ذِكْرُ الأمثلةِ على كَوْنِ استجاب بمعنى أجاب، وقولُهُ: [من التَّوحيدِ والعبادةِ] تفسيرٌ لا بَأْسَ به، ولو قال ﵀: استجابوا لرَبِّهِم؛ أي: أجابوه إلى كلِّ ما دعاهم إليه من فِعْلِ الأوامِرِ وتَرْكِ النَّواهي لكان أَبْيَنَ وأعَمَّ. وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفةٌ على ﴿اسْتَجَابُوا﴾ فهي داخلةٌ في صلةِ الموصولِ، قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها] وفيها نظرٌ، بل معنى "أقاموا الصَّلاةَ": أَتَوْا بها مستقيمةً على الوجْهِ الَّذي طُلِبَ منهم؛ لأنَّ هناك فَرْقًا بين إقامةِ الصَّلاةِ وبين إدامةِ الصَّلاةِ، نعم إدامتُها من إقامَتِها لا شكَّ، ولكن ليست الإقامةُ هي الإدامةَ، إذن الإقامةُ معناها: أن يأتِيَ بالصَّلاةِ مستقيمةً على الوَجْهِ المطلوبِ. وقولُهُ: ﴿الصَّلَاةَ﴾، يَعُمُّ الفريضةَ والنَّافلةَ.

стр. 283

وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أَمْرُهُمْ؛ أي شَأْنُهُمْ، والمرادُ الشَّأنُ العامُّ لا الشَّأنُ الخاصُّ، الشَّأنُ العامُّ الَّذي يُهِمُّ الجميعَ يتشاورون فيه، ومعنى يتشاورون فيه. يعني: يتبادلون الرَّأيَ؛ هل يُقْدِمُونَ أو يُحْجِمُونَ، هل يُعَدِّلُونَ أو يُبْقُونَ الشَّيْءَ على ما هو عليه. المهمُّ أن المشاورةَ هي تَدَاوُلُ الرَّأْيِ ليَخْرُجُوا بنتيجةٍ مَرْضِيَّةٍ للجميعِ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ يتشاورون فيه ولا يَعْجَلُونَ]. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (مِنْ) هنا للتَّبعيضِ، ويُحْتَملُ أن تكونَ للجنسِ، فإن كانت الأولى صار المدحُ لمن يُنْفِقُ بعضَ مالِهِ، وإن قلنا بأنَّها الجنسُ صار المدحُ لمن يُنْفِقُ مالَهُ كُلَّه أو بَعْضَه، فأيُّهُما أَوْلَى أن نَقُولَ للتَّبعيضِ أو للجنسِ؟ الجوابُ: للجنسِ أَوْلَى، لِيَشْمَلَ القليلَ والكثيرَ والكلَّ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أَعْطَيْنَاهُمْ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعةِ اللهِ]. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من صفاتِ المؤمنين المتوكِّلين أنَّهم يستجيبون للهِ ؛ أي: يجيبونه إلى ما طَلَبَه منهم، ومعناه المبادَرَةُ وعدمُ التأخُّرِ؛ لأنَّ التأخُّرَ عن تنفيذِ الواجِبِ نَقْصٌ في الإستجابةِ، وأَضْرِبُ لكم مَثَلًا برجلٍ أمَرَ ابْنَه أن يأتيَ إليه بشيءٍ، فتوانى الإبْنُ وبقيَ ساعةً أو ساعتين ثم جاء بالشَّيءِ؛ فهل يُقالُ: إن الإبْنَ امتثلَ امتثالًا كاملًا؟ لا، فالإمتثالُ الكاملُ بالمبادَرةِ، وهذا معنى قولِهِ: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: العنايةُ بإقامةِ الصَّلاةِ، وَجْهُ ذلك: أن اللهَ نَصَّ عليها بَعْدَ التعميمِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ يَشْمَلُ الصَّلاةَ وغيْرَهَا، فلمَّا قال: أقاموا الصَّلاةَ

стр. 284

نَصَّ عليها بخُصُوصِها، وهذا دليلٌ على العنايةِ بها، وحُقَّ واللهِ أن يُعْتَنَى بها؛ لأنَّه ليس هناك عبادةٌ أقوى صلةً بك للهِ من الصَّلاةِ، الإنسانُ يَتَصَدَّقُ، لكن لا يَشْعُرُ بالصِّلةِ بينه وبين رَبِّهِ، يصُومُ، يَحُجُّ، لكن الصَّلاةَ الحقيقيَّةَ الشَّرعيَّةَ أن الإنسانَ يَشْعُرُ بأنه في صلةٍ بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ، ومن أجْلِ ذلك سُمِّيَتْ صلاةً؛ لأنَّها صلةٌ بَيْنَ الإنسانِ وبَيْنَ اللهِ، إذا قال الإنسانُ: الحمدُ للهِ، قال اللهُ: حَمِدَني عَبْدِي؛ وهكذا محاورةً، ثم هو يَشْعُرُ بأنَّه إذا رَكَعَ ففوقه رَبٌّ يُعَظِّمُهُ، وإذا سَجَدَ فكذلك يَضَعُ أَشْرَفَ أعضائِه في مواطِئِ الأقدامِ، ولذلك صارت العنايةُ بالصَّلاةِ؛ حيث قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. وفُرِضَتِ الصَّلاةُ لَيْلَةَ المعراجِ، من اللهِ إلى الرَّسولِ بدون واسطةٍ، وهذا يَدُلُّ على أهَمِّيَّتِهَا والعنايةِ بها، ثم إنَّها فُرِضَتْ خمسين صلاةً، وخَفَّفَ اللهُ على العِبادِ فَجَعَلَها خَمْسَ صلواتٍ، لكنَّها في الواقعِ خمسون صلاةً، بمعنى أنَّك إذا صَلَّيْتَ فريضةً واحدةً كأنَّما صَلَّيْتَ عَشْرًا، ليس هو من أَجْلِ أن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالهِا؛ لأنَّ هذا لجميعِ الحسناتِ، لكن كأنَّك صَلَّيْتَ الظُّهْرَ مثلًا عَشْرَ مَرَّاتٍ، صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ، صَلَّيْتَ وسلَّمْتَ حتَّى بَلَغْتَ عَشْرًا، وبهذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بينها وبين سائرِ العباداتِ في الثَّوابِ الحسنةُ بعشْرِ أمثالهِا، لكنَّ هذه كأنَّك فعلًا صَلَّيْتَ خمسين صلاةً. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مراعاةُ الأحوالِ الإجتماعيَّةِ، وأنَّ الأمورَ العامَّةَ يجبُ التَّشاوُرُ فيها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ولا تَدُلُّ الآيةُ على أنَّ الإنسانَ إذا أراد أن يَفْعَلَ فعلًا خاصًّا فيه يُشَاوِرُ، لكنَّ المشاوَرَةَ مشروعةٌ إذا أَشْكَلَ عليك شيءٌ فلديك شيئان: الإستخارةُ والمشاورةُ، لكنَّ الأمْرَ العامَّ لا بدَّ من التَّشاوُرِ فيه، يُسْتَثْنَى من ذلك إذا بان الأمْرُ لِوَلِيِّ الأمْرِ فإنَّه لا حاجَة للمشاوَرَةِ فيه؛ يعني لو تَبَيَّنَ للأميرِ

стр. 285

أو الرَّئيسِ أو المَلِكِ مصلحةُ ما يريدُ فلا حاجةَ للتَّشاوُرِ؛ لأنَّ التَّشاوُرَ يُرْجَعُ إليه عند الإشكالِ والتَّردُّدِ، أمَّا مع ظهورِ المصلحةِ فلا حاجةَ لأنْ يُشَاوِرَ؛ لأنَّ المشورةَ حينئذٍ لا تزيدُ الأمْرَ إلا إشكالًا وفوضى، فالنَّاس ليسوا على رأيٍ واحدٍ، إذا أَرَدْتَ أن يَتَمَزَّقَ الأمرُ فَضَعْهُ بَيْنَ يَدَيْ عَشَرَةٍ، وإن أَرَدْتَ أن يَذُوبَ بالكُلِّيَّةِ فَضَعْهُ بين يَدَيْ عِشْرِين، لا بدَّ من اختلافِ النَّاسِ. والأصْلُ أنه - ولي الأمر- مُؤْتَمَنٌ، وإذا أراد أن يَخُونَ مَنَعَ الشُّورَى ولو احتاجَ لها، وليسَ علينا بذِمَّتِهِ، لأنَّنا لو قلنا: إنَّ وَلِيَّ الأمْرِ يُشَاوِرُ في كلِّ شيءٍ فهذِه مُشْكِلَةٌ، ولا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِيمَ الحالُ، معناه لو يكتب للشُّرْطَةِ: احْبِسُوا فلانًا لأنَّه أساء يقولُ: واللهِ أَجْمَعُ الناسَ أُشَاوِرُ. وهل نقولُ: كلُّ مسألةٍ تَتَعَلَّقُ بالعامَّةِ لا بُدَّ أن تُشَاوِرَ فيها، لا يُمْكِنُ هذا، وقد بَيَّنَّا أن عُمَرَ ﵁ من أشدِّ الخلفاءِ مشاورةً ومع ذلك تكادُ تُحْصىَ مشاوراتُهُ، لا بدَّ من هذا وإلا فلا يستقيمُ الأمرُ. فإن قال قائلٌ: إذا أَشْكَلَ على الإنسانِ الشَّيءُ هل يبدأُ بالإستخارةِ أو الإستشارةِ؟ فالجوابُ: يبدأُ بالإستخارةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ قال: "إذا هَمَّ أَحَدُكم بالأمْرِ فليصلِّ ركعتين" (١) (هَمَّ) يعني أصابه الهَمُّ فيه وتَرَدَّدَ وشَكَّ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ أمرٍ تَهُمُّ به تصلِّي ركعتين أوَّلا، لكن إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمرِ، إذا هَمَّ الإنسانُ أن يَذْهَبَ للغداءِ يُصَلِّي ركعتين يستخيرُ؟ لا، إذن "إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ" يعني إذا أَهَمَّهُ الأمْرُ ولم يَتَبَيَّنْ له شيءٌ فليصلِّ ركعتين، فنقولُ: ابدأْ أوَّلًا
следующие страницы →