← Тафсир

Тафсир · id 151163

تفسير العثيمين: الشورى

ابن عثيمين

Полный текст (359 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ولكن لو قال قائلٌ: هل الإصرارُ على الصَّغائِرِ يُحَوِّلُهَا إلى كبائِرَ؟ فالجوابُ: نعم، هذا المشهورُ عند أهْلِ العِلْمِ أنَّ الإصرارَ على الصَّغيرةِ كبيرةٌ، لكنَّهم لا يقولون: إنَّ الصَّغيرةَ تكُونَ كبيرةً، يقولون: إنَّ إصرارَ الإنسانِ على المعصيةِ يَدُلُّ على استخفافِهِ بشريعةِ اللهِ وعدمِ مبالاتِهِ بها، فمن هنا صار الإصرارُ كبيرةً، وليس المعنى أن الصَّغيرةَ تَنْقَلِبُ كبيرةً، لكن لمَّا كان الإصرارُ يَدُلُّ على استخفافِ الإنسانِ بشريعةِ اللهِ صار هذا كبيرةً من أجْلِ الإستخفافِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ من صفاتِ الَّذين آمنوا وعلى رَبِّهِم يَتَوَكَّلون أنَّهم إذا غَضِبُوا غَفَرُوا، والغضبُ وَصَفَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ بأنه جمرةٌ يلقيها الشَّيطانُ في قلْبِ الإنسانِ، فيفورُ دَمُه وتنتفخُ أوداجُه (١)، أمَّا المتكلِّمون فيقولون: إنَّ الغضبَ غليانُ دمِ القلبِ لمحبَّةِ الإنتقامِ، وما ذكره النَّبيُّ ﷺ خيرٌ أنَّه جمرةٌ يُلْقِيها الشَّيطانُ، ولذلك تَجِدُ الرجُلَ إذا غَضِبَ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفًا سيئًا لا يَحْمَدُهُ هو إذا سَكَنَ غَضَبُه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه ينبغي للإنسانِ عند الغضبِ أن يَكْظِمَ غَيْظَهُ، وقد طَلَبَ أحدُ الصَّحابةِ من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ أن يُوصِيَهُ فقال: "لَا تَغْضَبْ" فردَّدَ مرارًا فقال: "لَا تَغْضَبْ" (٢). * * *

стр. 282

الآية (٣٨) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨]. * * * قولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ الواوُ حرفُ عطفٍ، (الَّذين) معطوفةٌ على ما سَبَقَ، عطفُ أوصافٍ، والَّذين استجابوا لربِّهِم. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التَّوحيدِ والعبادةِ]. ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ بمعنى أجابوه، وقد سبق لنا ذِكْرُ الأمثلةِ على كَوْنِ استجاب بمعنى أجاب، وقولُهُ: [من التَّوحيدِ والعبادةِ] تفسيرٌ لا بَأْسَ به، ولو قال ﵀: استجابوا لرَبِّهِم؛ أي: أجابوه إلى كلِّ ما دعاهم إليه من فِعْلِ الأوامِرِ وتَرْكِ النَّواهي لكان أَبْيَنَ وأعَمَّ. وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفةٌ على ﴿اسْتَجَابُوا﴾ فهي داخلةٌ في صلةِ الموصولِ، قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها] وفيها نظرٌ، بل معنى "أقاموا الصَّلاةَ": أَتَوْا بها مستقيمةً على الوجْهِ الَّذي طُلِبَ منهم؛ لأنَّ هناك فَرْقًا بين إقامةِ الصَّلاةِ وبين إدامةِ الصَّلاةِ، نعم إدامتُها من إقامَتِها لا شكَّ، ولكن ليست الإقامةُ هي الإدامةَ، إذن الإقامةُ معناها: أن يأتِيَ بالصَّلاةِ مستقيمةً على الوَجْهِ المطلوبِ. وقولُهُ: ﴿الصَّلَاةَ﴾، يَعُمُّ الفريضةَ والنَّافلةَ.

стр. 283

وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أَمْرُهُمْ؛ أي شَأْنُهُمْ، والمرادُ الشَّأنُ العامُّ لا الشَّأنُ الخاصُّ، الشَّأنُ العامُّ الَّذي يُهِمُّ الجميعَ يتشاورون فيه، ومعنى يتشاورون فيه. يعني: يتبادلون الرَّأيَ؛ هل يُقْدِمُونَ أو يُحْجِمُونَ، هل يُعَدِّلُونَ أو يُبْقُونَ الشَّيْءَ على ما هو عليه. المهمُّ أن المشاورةَ هي تَدَاوُلُ الرَّأْيِ ليَخْرُجُوا بنتيجةٍ مَرْضِيَّةٍ للجميعِ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ يتشاورون فيه ولا يَعْجَلُونَ]. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (مِنْ) هنا للتَّبعيضِ، ويُحْتَملُ أن تكونَ للجنسِ، فإن كانت الأولى صار المدحُ لمن يُنْفِقُ بعضَ مالِهِ، وإن قلنا بأنَّها الجنسُ صار المدحُ لمن يُنْفِقُ مالَهُ كُلَّه أو بَعْضَه، فأيُّهُما أَوْلَى أن نَقُولَ للتَّبعيضِ أو للجنسِ؟ الجوابُ: للجنسِ أَوْلَى، لِيَشْمَلَ القليلَ والكثيرَ والكلَّ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أَعْطَيْنَاهُمْ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعةِ اللهِ]. من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من صفاتِ المؤمنين المتوكِّلين أنَّهم يستجيبون للهِ ؛ أي: يجيبونه إلى ما طَلَبَه منهم، ومعناه المبادَرَةُ وعدمُ التأخُّرِ؛ لأنَّ التأخُّرَ عن تنفيذِ الواجِبِ نَقْصٌ في الإستجابةِ، وأَضْرِبُ لكم مَثَلًا برجلٍ أمَرَ ابْنَه أن يأتيَ إليه بشيءٍ، فتوانى الإبْنُ وبقيَ ساعةً أو ساعتين ثم جاء بالشَّيءِ؛ فهل يُقالُ: إن الإبْنَ امتثلَ امتثالًا كاملًا؟ لا، فالإمتثالُ الكاملُ بالمبادَرةِ، وهذا معنى قولِهِ: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: العنايةُ بإقامةِ الصَّلاةِ، وَجْهُ ذلك: أن اللهَ نَصَّ عليها بَعْدَ التعميمِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ يَشْمَلُ الصَّلاةَ وغيْرَهَا، فلمَّا قال: أقاموا الصَّلاةَ

стр. 284

نَصَّ عليها بخُصُوصِها، وهذا دليلٌ على العنايةِ بها، وحُقَّ واللهِ أن يُعْتَنَى بها؛ لأنَّه ليس هناك عبادةٌ أقوى صلةً بك للهِ من الصَّلاةِ، الإنسانُ يَتَصَدَّقُ، لكن لا يَشْعُرُ بالصِّلةِ بينه وبين رَبِّهِ، يصُومُ، يَحُجُّ، لكن الصَّلاةَ الحقيقيَّةَ الشَّرعيَّةَ أن الإنسانَ يَشْعُرُ بأنه في صلةٍ بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ، ومن أجْلِ ذلك سُمِّيَتْ صلاةً؛ لأنَّها صلةٌ بَيْنَ الإنسانِ وبَيْنَ اللهِ، إذا قال الإنسانُ: الحمدُ للهِ، قال اللهُ: حَمِدَني عَبْدِي؛ وهكذا محاورةً، ثم هو يَشْعُرُ بأنَّه إذا رَكَعَ ففوقه رَبٌّ يُعَظِّمُهُ، وإذا سَجَدَ فكذلك يَضَعُ أَشْرَفَ أعضائِه في مواطِئِ الأقدامِ، ولذلك صارت العنايةُ بالصَّلاةِ؛ حيث قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾. وفُرِضَتِ الصَّلاةُ لَيْلَةَ المعراجِ، من اللهِ إلى الرَّسولِ بدون واسطةٍ، وهذا يَدُلُّ على أهَمِّيَّتِهَا والعنايةِ بها، ثم إنَّها فُرِضَتْ خمسين صلاةً، وخَفَّفَ اللهُ على العِبادِ فَجَعَلَها خَمْسَ صلواتٍ، لكنَّها في الواقعِ خمسون صلاةً، بمعنى أنَّك إذا صَلَّيْتَ فريضةً واحدةً كأنَّما صَلَّيْتَ عَشْرًا، ليس هو من أَجْلِ أن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالهِا؛ لأنَّ هذا لجميعِ الحسناتِ، لكن كأنَّك صَلَّيْتَ الظُّهْرَ مثلًا عَشْرَ مَرَّاتٍ، صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ، صَلَّيْتَ وسلَّمْتَ حتَّى بَلَغْتَ عَشْرًا، وبهذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بينها وبين سائرِ العباداتِ في الثَّوابِ الحسنةُ بعشْرِ أمثالهِا، لكنَّ هذه كأنَّك فعلًا صَلَّيْتَ خمسين صلاةً. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مراعاةُ الأحوالِ الإجتماعيَّةِ، وأنَّ الأمورَ العامَّةَ يجبُ التَّشاوُرُ فيها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ولا تَدُلُّ الآيةُ على أنَّ الإنسانَ إذا أراد أن يَفْعَلَ فعلًا خاصًّا فيه يُشَاوِرُ، لكنَّ المشاوَرَةَ مشروعةٌ إذا أَشْكَلَ عليك شيءٌ فلديك شيئان: الإستخارةُ والمشاورةُ، لكنَّ الأمْرَ العامَّ لا بدَّ من التَّشاوُرِ فيه، يُسْتَثْنَى من ذلك إذا بان الأمْرُ لِوَلِيِّ الأمْرِ فإنَّه لا حاجَة للمشاوَرَةِ فيه؛ يعني لو تَبَيَّنَ للأميرِ

стр. 285

أو الرَّئيسِ أو المَلِكِ مصلحةُ ما يريدُ فلا حاجةَ للتَّشاوُرِ؛ لأنَّ التَّشاوُرَ يُرْجَعُ إليه عند الإشكالِ والتَّردُّدِ، أمَّا مع ظهورِ المصلحةِ فلا حاجةَ لأنْ يُشَاوِرَ؛ لأنَّ المشورةَ حينئذٍ لا تزيدُ الأمْرَ إلا إشكالًا وفوضى، فالنَّاس ليسوا على رأيٍ واحدٍ، إذا أَرَدْتَ أن يَتَمَزَّقَ الأمرُ فَضَعْهُ بَيْنَ يَدَيْ عَشَرَةٍ، وإن أَرَدْتَ أن يَذُوبَ بالكُلِّيَّةِ فَضَعْهُ بين يَدَيْ عِشْرِين، لا بدَّ من اختلافِ النَّاسِ. والأصْلُ أنه - ولي الأمر- مُؤْتَمَنٌ، وإذا أراد أن يَخُونَ مَنَعَ الشُّورَى ولو احتاجَ لها، وليسَ علينا بذِمَّتِهِ، لأنَّنا لو قلنا: إنَّ وَلِيَّ الأمْرِ يُشَاوِرُ في كلِّ شيءٍ فهذِه مُشْكِلَةٌ، ولا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِيمَ الحالُ، معناه لو يكتب للشُّرْطَةِ: احْبِسُوا فلانًا لأنَّه أساء يقولُ: واللهِ أَجْمَعُ الناسَ أُشَاوِرُ. وهل نقولُ: كلُّ مسألةٍ تَتَعَلَّقُ بالعامَّةِ لا بُدَّ أن تُشَاوِرَ فيها، لا يُمْكِنُ هذا، وقد بَيَّنَّا أن عُمَرَ ﵁ من أشدِّ الخلفاءِ مشاورةً ومع ذلك تكادُ تُحْصىَ مشاوراتُهُ، لا بدَّ من هذا وإلا فلا يستقيمُ الأمرُ. فإن قال قائلٌ: إذا أَشْكَلَ على الإنسانِ الشَّيءُ هل يبدأُ بالإستخارةِ أو الإستشارةِ؟ فالجوابُ: يبدأُ بالإستخارةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ قال: "إذا هَمَّ أَحَدُكم بالأمْرِ فليصلِّ ركعتين" (١) (هَمَّ) يعني أصابه الهَمُّ فيه وتَرَدَّدَ وشَكَّ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ أمرٍ تَهُمُّ به تصلِّي ركعتين أوَّلا، لكن إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمرِ، إذا هَمَّ الإنسانُ أن يَذْهَبَ للغداءِ يُصَلِّي ركعتين يستخيرُ؟ لا، إذن "إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ" يعني إذا أَهَمَّهُ الأمْرُ ولم يَتَبَيَّنْ له شيءٌ فليصلِّ ركعتين، فنقولُ: ابدأْ أوَّلًا

стр. 286

بالإستخارةِ؛ لوجهين: الأوَّلُ أنَّه ظاهرُ الحديثِ، والثَّاني أن كَوْنَكَ تَرْجِعُ إلى اللهِ خيرٌ من كونك ترجعُ إلى آراءِ النَّاسِ. إذَن: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ يُسْتَثْنَى منه ما ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُه لوَلِيِّ الأمْرِ، فإنه لا حاجةَ إلى أن يُشَاوِرَ، ويَدُلُّ لهذا الإستثناءِ عملُ السَّلفِ الصالِحِ، فها هو عُمَرُ ﵁ وهو من أشدِّ الخلفاءِ اهتمامًا بالرَّعيَّةِ لا يُشاورُ إذا كانتِ المصلحةُ ظاهرةً له، وإنما يشاوِرُ إذا أَشْكَلَ عليه الأمْرُ، لو أَحْصَيْتَ ما شاور فيه ما بَلَغَ إلا العشراتِ أو أقَلَّ، وقد بَقِيَ عَشْرَ سنواتٍ في الخلافةِ، هذا العملُ السَّلفِيُّ من الخلفاءِ الرَّاشدين يُقَيِّدُ قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ من صفاتِ الَّذين آمَنوا وعلى ربِّهِم يَتَوَكَّلون بَذْلَ المالِ في طاعةِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهل يُطْلَبُ من الإنسانِ أن يُنْفِقَ جميعِ مالِهِ؟ هذا يَنْبَنِي على (مِنْ) هل هي للتَّبعيضِ أو للجنسِ؟ إذا قُلْنا: للتَّبعيضِ صار المدحُ على مَن أَنْفَقَ بعضَ مالِهِ، وإذا قُلْنا: للجنسِ؛ أي: أنهم ينفقون من هذا الجنسِ الَّذي رَزَقَهُم اللهُ، صار عامًّا، والتَّفصيلُ هو التَّأصيلُ إن شاء اللهُ إذا كان الإنسانُ لا يَنْقُصُ إنفاقُهُ شيئًا من واجباتِ الإنفاقِ على الأهلِ فلا حَرَجَ أن يُنْفِقَ جميعَ مالِهِ، مثلَ أن يَكُونَ عِنْدَ إنسانٍ مئةُ ريالٍ لا يَحْتَاجُهَا للإنفاقِ على أَهْلِهِ، وليس عنده سواها نقولُ هنا: أَنْفِقْ جميعَ المئَةِ، ثم اكتسبْ للإنفاقِ على أَهْلِكَ، كما فعل أبو بكرٍ ﵁ (١)، أمَّا إذا كان يحتاجُ المالَ للإنفاقِ الواجبِ على أهْلِهِ وهو ضعيفُ الإكتسابِ، فهنا نقولُ: لا تُنْفِقْ جميعَ مالِكَ، أَمْسِكْ عليك بَعْضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك.

стр. 287

الآية (٣٩) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. * * * قولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ الواوُ حرفُ عطفٍ، والمعطوفُ هنا باعتبارِ الصِّفاتِ؛ أي: من صفاتِهِم أنَّهم إذا بغى عليهم أحدٌ انتصروا لأنفسِهم. وقوله: ﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ أي: العدوانُ من أحدٍ عليهم. وقوله: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ ينتصرون لأنفسهم، لا يَظْهَرون مَظْهَرَ الضعيفِ الذَّليلِ، بل ينتصرُ لنفْسِه، والإنتصارُ للنَّفْسِ في مقامِ العزِّ أمْرٌ مطلوبٌ، أمَّا في مقامِ التَّواضعِ فهذا شيءٌ آخَرُ يأتي إن شاء اللهُ في المستقبلِ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ صنف] المفسِّرُ ﵀ ذَكَرَ أنَّ الَّذين آمنوا وعلى ربِّهِم يتوكَّلون صنفان، ولكنَّ الصَّحيحَ أنَّ هذا كُلَّه وَصْفٌ لموصوفٍ واحدٍ، وليس هناك أصنافٌ؛ وعليه فنقولُ: من صفاتِ الَّذين آمنوا وعلى ربِّهِم يتوكلون أنَّهم ينتصرون لأنْفُسِهم إذا ظلموا؛ أي: يَنْتَقِمون ممن ظَلَمَهم بمِثْلِ ظُلْمِه بدونِ عُدْوانٍ، على أنَّ قولَهُ: ﴿هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ لا يَسْتَلْزِمُ أن يأخذوا لأنْفُسِهم بحقِّها، بل إذا انتصروا فلهم أن يعفوا، وإذا عَفَوْا مع القُدرةِ كان ذلك أَكْمَلَ.

стр. 288

من فوائدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من صفاتِ الَّذين آمنوا وعلى ربِّهِم يَتَوَكَّلون: أنَّهم لا يَرْضُون بالذُّلِّ والإنخناثِ عن الأخذِ بحقِّهِم؛ لقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ وهل من لازِمِ الإنتصارِ أن يقتصَّ، أو أن يَكُونَ له اليدُ العليا سواءٌ بالقِصاصِ، أو بالعفْوِ، أو بغيْرِ هذا؟ الظَّاهرُ الثَّاني؛ لأنَّه أعمُّ، لأنَّ من عفا عن قُدْرَةٍ وعزَّةٍ فإنَّه لا شكَّ منتصرٌ، ومن أَخَذَ بحقِّهِ فهو منتصرٌ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هؤلاء لا ينتصرون لأنْفُسِهم إلَّا إذا تحقَّقوا البغْيَ عليهم، وأمَّا مجرد التُّهمةِ فلا يعتبرونها؛ يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ فلو اتَّهَموا أحدًا أنَّه ظَلَمَهم فإنَّهم لا يتحركون، لكن إذا أصابَهَم البغيُ حينئذٍ ينتصرون. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يجبُ على من انتصر إذا أصابه البغْيُ ألَّا يتجاوزَ الحدَّ في الإستيفاءِ. * * *

стр. 289

الآية (٤٠) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠]. * * * قولُهُ: [﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ سُمِّيَت الثَّانيةُ سَيِّئَةً؛ لمُشَابَهَتِها للأُولى في الصُّورةِ، وهذا ظاهرٌ فيما يُقْتَصُّ فيه من الجِراحاتِ، قال بعضُهُم: وإذا قال له أخزاك اللهُ، فيجيبُه أخزاك اللهُ] قولُهُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ هذه في الحقيقةِ قاعدةٌ أنَّ للإنسانِ أن ينتقم لنفْسِه السَّيِّئَةِ بمِثْلِها لا يَزيدُ؛ لأنَّه إن زاد فقد ظَلَمَ، والزِّيادةُ قد تكونُ في الكمِّيَّةِ، وقد تكونُ في الكيفيَّةِ، وقد تكونُ في النَّوعيَّةِ. فإذا انتصر لنفْسِه فَضَرَبَ من ظَلَمَه ثلاثًا وقد ظَلَمَه باثْنَتَيْنِ هذا من بابِ الكمِّيَّةِ. وإذا ضَرَبَ من ضَرَبَه ضَرْبًا خفيفًا فانتصر لنفْسِه بِضَرْبٍ ثقيلٍ. هذا من بابِ الكيفيَّةِ، وإذا ضَرَبَ من اعتدى عليه بسوْطٍ ضعيفٍ بسوْطٍ أكْبَرَ، هذا من بابِ النَّوعيَّةٍ. المهِمُّ: أنَّه لابدَّ أن تكونَ المُجازاةُ بمثْلِ السَّيِّئَةِ الَّتي أُسِيءَ إليه فيها ولا تزيدُ، فإن زاد فهو ظالمُ: ولهذا يُقالُ: هذه بهذه والبادئُ أَظْلَمُ. فإن قال قائلٌ: إذا ظُلِمَ فدعا على الظَّالِمِ فهل لا يجوزُ له أن يَدْعُوَ عليه بأكثَرَ من مَظْلمَتِهِ.

стр. 290

فالجوابُ: هذا هو الواجِبُ؛ لكن قد يَظُنُّ الظانُّ أنَّ هذه المَظْلِمَةَ لا يسوغُ أن يُتَجَاوَزَ فيها، وهي مَظْلِمَةٌ عظيمةٌ؛ كدُعاءِ سعدٍ ﵁ على من ظَلَمَه، وقال: إنَّه يَظْلِمُ الرَّعيَّةَ، ولا يَقْسِمُ في السَّوِيَّةِ، ويؤخِّرُ الصَّلاةَ عن وَقْتِها. فدعا عليه بدعوةٍ عظيمةٍ: اللهمَّ أَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَطِلْ عُمرَهُ، وَعَرِّضْهُ للفِتَنِ (١). فهذه قد يقولُ القائلُ: إن هذه أكبرُ من ظُلْمِه، ولكنَّها في الحقيقةِ ليست أكبرَ؛ لأنَّ ظُلْمَهُ له يَتَضَمَّنُ القَدْحَ في وَلِيِّ الأمْرِ، حيث وَلَّى على النَّاسِ مِثْلَ هذا. مسألة: إذا ضَرَبَ مثلما ضُرِبَ يكفي، ونعلمُ أنَّ الضَّربةَ أكثرُ العُلَمَاءِ يقولون: لا قِصاصَ فيها؛ إلَّا أن يموتَ، ونَعْلَمُ أنَّ مِثْلَ هذه الضَّربةِ تَقْتُلُ غالبًا، فيُقْتَصُّ منه. لكن لِنَقُلْ غَيْرَ هذه المسألةِ: فقيرٌ أخَذ منه غنيٌّ عَشَرَةَ ريالاتٍ، صار الفقيرُ مُعْدَمًا، هذا الَّذي أَخَذَ منه عَشَرَةُ ريالاتٍ عنده ملايينُ، إذا أُخِذَ منه عَشَرَةُ ريالاتٍ ما ضَرَّه شيءٌ، فنقولُ: العدلُ أن يُعْطى هذا مِثْلَ ما أُخِذَ منه فقط. فإن قال قائلٌ: أحيانًا يموتُ الظَّالمُ ولم يُقتصَّ منه، فهل يجوزُ الدُّعاءُ عليه بعد موتِهِ؟ فالجوابُ: لا بَأْسَ، له أن يَدْعُوَ عليه ولو بعد موتِهِ؛ مع أنَّ المظلومَ لو فُرِضَ أنَّه لم يَدْعُ؛ فإنَّ حَقَّه سوف يأتيه يومَ القيامةِ، وهو إذا استوفى بالدُّعاءِ عليه لم يَأْخُذْ من حسناتِهِ يومَ القيامَةِ.

стр. 291

وقوْلُ المفسِّرِ ﵀: [سُمِّيَتِ الثَّانيةُ سَيِّئَةً لمشابَهَتِها الأُولى في الصُّورةِ]، فيه نظرٌ واضحٌ فالمقاصَّةُ سيئةٍ، لكن ليست سيئةً بالنِّسبةِ للفاعِلِ، بل هي سيئةٌ بالنِّسبةِ لمن اقْتُصَّ منه، تسوؤُه وتؤلمُه وترُدُّ اعتبارَه إذا كان يرى أنَّه فوق صاحبِه، فهي سيئةٌ لا باعتبارِ الفاعِلِ ولكن باعتبارِ المُقْتَصِّ منه. وأمَّا قولُهُ: [لمشابَهَتِها الأُولى] فلا يُمْكِنُ أن تُطْلَقَ السَّيِّئةُ لمُطْلَقِ المشابَهَةِ، أو لمجرَّدِ المشابَهةِ ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ هذا في الواقِعِ هذه قاعدةٌ في جميعِ الإقتصاصِ، فلننظرْ إذا شقَّ ثَوْبَكَ فهل تشقُّ ثوبَهُ؟ ظاهرُ الآيةِ نعم، لكن إذا كان ثوبُك رديئًا يساوي عَشَرَةً وثوبُهُ جيدًا يساوي مئةً، إذا شَقَقْتَه يَنقُصُ العُشْرَ، مثلًا هذا الثوبُ يساوي عشرةَ ريالاتٍ شَقَّه المعتدي بشقٍّ يُنْزِلُ قيمتُه العُشْرَ، أي: ريالًا واحدًا، فهل نقولُ: العِبْرةُ بالمعنى فإنه لمَّا شقَّ ثوْبَكَ أَذَلَّكَ وأنت إذا اقْتَصَصْتَ منه وشَقَقْتَ ثَوْبَهُ أَذْلَلْتَه، وهو البادئُ، فَنَشُقُّ ثَوْبَهُ ولو كان أغلى؛ لأنَّ هذا الَّذي ثوْبُهُ بعَشَرَةٍ يَنْكَسِرُ اعتبارُه كالَّذي ثوبُهُ بمئةٍ، والمقصودُ إذلالُ المعتدي وكسْرُ اعتبارِهِ. وعلى هذا فنقولُ: من شَقَّ ثَوْبَكَ فَشُقَّ ثَوْبَهُ. وهل المُعْتَبَرُ المساحةُ أو المُعْتَبَرُ النِّسبةُ؟ يعني مثلًا: هذا إنسانٌ قصيرٌ شُقَّ ثَوْبُه بمقدارِ شِبْرٍ، الشِّبْرُ هذا يُساوي العُشْرَ مثلًا من ثوْبِه، والآخرُ طويلٌ جدًّا شُقَّ ثَوْبُهُ بمقدارِ شِبْرٍ، هل يتساوى في النِّسبةِ مع ذاك؟ الجوابُ: لا يتساوى، إذن: العدلُ أن يَكُونَ المُعْتَبَرُ النِّسبةَ؛ فإذا شُقَّ نِصْفُ هذا الثوْبِ القصيرِ، مساحتُهُ ذراعٌ، والطَّويلُ شَقَّهُ بمساحةِ ذراعٍ، لكنه طويلٌ، طولَ الأوَّلِ مرتين، لا يكفي. نقولُ شُقَّ إلى أن تَبْلُغَ النِّسبةَ، إذا كان العُشْرَ فهذا العُشْرُ؛ لأنَّ هذا هو العدلُ في الحقيقةِ، لأنَّ المعتديَ أَفْسَدَ عُشْرَ ثوبِ المُعْتَدَى عليه،

стр. 292

فَلْنُفْسِدْ عُشْرَ ثَوْبِه مع أنَّه هو المعتدي، وهذا ينطبقُ تمامًا على قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشُّورَى: ٤٠]. مثال ذلك: رجلٌ غاضِبٌ قال لشخصٍ: أنت حمارٌ، فهل يقولُ له: أنت الحمارُ؟ الجوابُ: يقولُهُ، لكن هل يقولُ: أنت حمارٌ وأبوك حمارٌ؟ الجوابُ: لا، هذا عُدْوَانٌ، لكن يقولُ: أنت حمارٌ. فإذا قال له: لَعَنَكَ اللهُ، هل يقولُ: بل لعنك أنت؟ الجوابُ: معكم كتابُ اللهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فله أن يقولَ هذا؛ ولذلك إذا لَعَنَ الإنسانُ شخصًا لم يَكُنْ أهلًا له تَرْجِعُ اللَّعنةُ إلى الأوَّلِ؛ فَيُعَاقَبُ بمثلِ ما فَعَلَ. واسْمَعْ كلامَ المفسِّرِ ﵀ يقولُ: [وهذا ظاهرٌ فيما يُقْتَصُّ فيه من الجراحاتِ] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ الَّذي يُقْتَصُّ فيه من الجراحاتِ كُلُّ عُضْوٍ قَائِمٍ بنَفْسِه، وكلُّ جُرْحٍ ينتهي إلى عَظْمٍ، هذا فيه القِصاصُ. وكلُّ عُضْوٍ قائمٍ بنَفْسِه مِثْلَ: العينِ والإصْبَعِ وما أَشْبَهَ ذلك، هذا يُقْتَصُّ، رَجُلٌ قَطَعَ خِنْصَرَكَ تُقْطَعُ خِنْصَرَه. أو جُرْحٌ يَنْتَهِي إلى عَظْمٍ، جَرَحَه في رَأْسِه حتَّى بان عَظْمُ رأْسِه يُقتصُّ منه، جَرَحَهُ في ساقِه حتَّى بان العظْمُ يُقْتَصُّ؛ حتَّى لو كانت طبقةُ اللَّحمِ الَّتي على العظمِ في الجاني أَغْلَظَ، يُقْتَصُّ حتَّى يَصِلَ إلى العظْمِ، فإذا كان الجُرْحُ لا يَصِلُ إلى العَظْمِ؛ مِثْلَ أن جَرَحَه في فَخِذِه جُرْحًا لم يَنْتَهِ إلى العَظْمِ؛ يقولُ الفقهاءُ: إنَّه لا يُقْتَصُّ منه، وذلك لعدَمِ انضباطِ القِصاصِ، فهو لا يَنْضَبِطُ إلَّا إذا وَصَلَ للعَظْمِ، لكن نظرًا لتقدُّمِ الطِّبِّ، نقولُ: إذا أمكن أن يُقْتَصُّ منه اقْتُصَّ منه.

стр. 293

إذا قَطَعَ يَدَه من نِصْفِ الذِّراعِ الفقهاءُ يقولون: لا يُقْتَصُّ منه؛ لعدمِ الإنضباطِ، لكن إذا كان من المِفْصَلِ، كما لو قُطِعَ كَفُّهُ من مِفْصَلِهَا، يُقْتَصُّ منه. والصَّحيحُ: أنَّه في الصُّورةِ الأولى: إذا قَطَعَ يَدَهُ من نِصْفِ الذراعِ، أنَّه إذا أَمْكَنَ القِصَاصُ؛ فإنه يُقْتَصُّ منه. وفي عَصْرِنا الآن يُمْكِنُ على الشَّعْرَةِ، أو أدنى من الشَّعْرَةِ؛ فإذا كان لا يُمْكِنُ، وقال المَجْنِيُّ عليه: اقطعوا يَدَهُ وأنا أعفو عما قَطَعَ من الذِّراعِ، الصَّحيحُ أنَّه يُقْتَصُّ منه؛ فتُقْطَعُ كَفُّ الجاني، وإذا أَسْقَطَ الزَّائدَ - أعني: المجنيَّ عليه - سَقَطَ. فإن قال المجنيُّ عليه: أنا أريدُ أن تَقُصُّوا كَفَّه وآخُذَ أَرْشَ الزَّائِدِ؛ له ذلك؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدةِ: ٤٥] وهنا يقولُ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. إذن الَّذي يُقْتَصُّ به من الجراحاتِ كُلُّ عُضْوٍ مُسْتَقِلٍّ أو عَظْمٍ أو جُرْحٍ ينتهي إلى عَظْمٍ، والباقي فيه خلافُ. قال المفسِّرُ ﵀: [قال بعضُهُم] يعني بعضَ العُلَمَاءِ [وإذا قال له: أخزاك اللهُ فيجيبُه أخزاك اللهُ]؛ لقولِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. أما إذا قال: لَعَنَ اللهُ أباك فهل تقول: لَعَنَ اللهُ أباك؟ الجوابُ: لا؛ قال النَّبيُّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ من لَعَنَ وَالِدَيْهِ"، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وهل يَلْعَنُ الرَّجُلُ والديه؟ قال: "نعم، يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" (١) هذا يَدُلُّ على

стр. 294

عدمِ الجوازِ؛ لأنَّ قولَ الرَّسولِ ﵊ هذا، لبيانِ الواقعِ لا لبيانِ الحُكْمِ الشَّرعِيِّ، يعني: إن جرت العادةُ في المُسَابَّةِ بين النَّاسِ أنَّ الرَّجلَ إذا سَبَّ أبا الرَّجُلِ سَبَّ أباه. وانْزِلْ إلى الأسواقِ انظُرِ المسابَّةَ بين النَّاسِ، إذا سبَّ أباه سبَّ أباه، فيكونُ قولُ الرَّسولِ هذا بيانًا للواقِعِ، وبيانُ الواقعِ لا يعطي الجوازَ شَرْعًا، والدَّليلُ على أنَّ بيانَ الواقعِ لا يُعطِي الجوازَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ من كَانَ قَبْلَكُم" (١)، اليهودِ والنَّصارى، فليس لنا أن نَتَّبعَ اليهودَ والنصارى، ولكنَّ هذا لبيانِ الواقِعِ. كذلك أيضًا أخبر أنَّ المرأةَ تُسافِرُ من كذا إلى كذا وَحْدَها، لبيانِ الواقِعِ، وليس لبيانِ الحُكْمِ الشرعِيِّ. فإذا قال قائلٌ: ما هو الَّذي حَمَلَكَ على أن تَجْعَلَ قولَهُ: "يَسُبُّ أبا الرجُلِ فَيَسُبُّ أباه، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ" لبيانِ الواقِعِ لا لبيانِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؟ فالجوابُ: الَّذي حَمَلَني على هذا أنَّه لا يجوزُ العدْوانُ على أحدٍ لم يقعْ منه عدوانٌ، هذا ظُلْمٌ، كيف أسبُّ أباه؟ ! هذا ظُلْمٌ لا شكَّ، والظُّلمُ لا يَأْذَنُ به الشَّرعُ، لكن لو قال قائلٌ: إنَّه إذا لَعَنَ والديه فلا تَطِيبُ نفسُ الَّذي لُعِنَ والداه إلَّا إذا لَعَنَ وَالِدَيِ الآخَرِ؛ لأنَّ لَعْنَ الوالدين إذلالٌ للولدِ، وهو يُريدُ أن يُطَيِّبَ نَفْسَه. نقولُ: الحمدُ للهِ، هذا ليس هناك ضرورةٌ؛ إذا لَعَنَ والديك الْعَنْه هو، وهذا أشدُّ في الإذلالِ.

стр. 295

فالحاصلُ: أنَّه إذا دعا على أبيك وأُمِّكَ لا تَدْع على أبيه وأمِّهِ؛ لأنَّه لا ذَنْبَ لهما، والحديثُ تقدم الجوابُ عنه، أنَّه بيانٌ للواقِعِ لا للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، ولكن لك أن تُحَوِّلَ السَّبَّ واللَّعْنَ إلى نَفْسِ الفاعِلِ لا إلى والديه. فإن قال قائلٌ: هل القاتلُ يُقْتَلُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ به أو يُقْتَلُ بالسَّيْفِ؟ فالجوابُ: يُقْتَلُ بِمِثْلِ ما قَتَلَ به؛ لأنَّ النَّبى- صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - رَضَّ رَأْسَ اليهوديِّ بين حَجَرَيْنِ، لأنَّه رَضَّ رَأْسَ الجاريةِ بين حَجَرَيْنِ (١)، وقال : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرةِ: ١٩٤] لكن استثنى العُلَمَاءُ أن تكونَ الوسيلةُ مُحَرَّمَةً لذاتِها، فلا يُقْتَصُّ منه، قالوا: فلو تَلَوَّطَ رجلٌ بطفلٍ صغيرٍ، وهو يَعْرِفُ أنَّ هذا الفِعْلَ يَقْتُلُه، ثمَّ مات الطفلُ من أَجْلِ هذا، فلا نُقِيمُ رجلًا يتلوَّطُ بهذا. قال بعضُ العُلَمَاءِ: لا نَفْعَلُ. وهذا معلومٌ؛ لأنَّ اللِّواطُ مُحَرَّمٌ لذاتِهِ، لكن هل نُدْخِلُ خشبةً في دُبُرِهِ حتَّى يموتَ؟ وهذا له وِجْهَةُ نظرٍ؛ لكن عندي أنَّ فيه نظرًا، وذلك لأنَّ الْخشَبَةَ أشدُّ ألمًا من اللِّوَاطِ، فلا يُمْكِنُ القِصاصُ. قولُهُ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (مَنْ) هذه شَرْطِيَّةٌ، وفِعْلُ الشَّرْطِ ﴿عَفَا﴾، والمعطوفُ عليه جملةُ ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ هي جوابُ الشَّرْطِ. يقولُ اللهُ : ﴿فَمَنْ عَفَا﴾؛ أيْ: لم يُؤاخَذْ بالذَّنْبِ، يعني: عمَّن ظَلَمَه، ﴿وَأَصْلَحَ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [الوُدّ بينه وبين المَعْفُوِّ عنه ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾؛ أي: أنَّ اللهَ تعالى يَأجُرُه لا محالةَ].

стр. 296

قال المفسِّرُ ﵀: [﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عن ظَالمِه] والعفوُ عنه يعني: عدمُ مؤاخَذَتِه. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ يقولُ: [الوُدُّ بينه وبين ظالمِه]. وهذا تفسيرٌ قاصرٌ جدًّا، بل المرادُ أَصْلَحَ في عَفْوِه، أي: صار عَفْوُه مشتملًا على الإصلاحِ، وإنَّما قلنا ذلك؛ لأنَّ ما ذَكَرْنَاه أعمُّ وأنْفَعُ بالنِّسبةِ للمعنى. إذن ﴿وَأَصْلَحَ﴾ المُفَسِّرُ يراها قاصرةً على إصلاحِ الوُدِّ بينه وبين من ظَلَمَه، والصَّوابُ: أنَّ المُرادَ أَصْلَحَ في عَفْوِهِ؛ أي: كان عَفْوُهُ إصلاحًا. ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ يقولُ المفَسِّرُ: [أي أنَّ اللهُ يَأْجُرُه لا محالةَ] أَجْرٌ بمعنى ثوابٍ، وسمَّى اللهُ - سبحانه - الثَّوابَ أجرًا؛ لأنَّه في مُقابِلِ عملٍ؛ كأُجْرَةِ الأجيرِ إذا قام بعمَلِه، وفيه أيضًا إيماءٌ إلى أنَّ هذا الثَّوابَ واجبٌ، كما يجبُ إعطاءُ الأجيرِ أَجْرَه، وقولُ المفَسِّرِ: [أي فإنَّ اللهَ يَأْجُرُه لا محالةَ] أَخَذَ هذا المعنى؛ يعني: قولَه: [لا محالةَ] من كَوْنِ الجملةِ اسميَّةً؛ لأنَّ الجُملةَ الإسميَّةَ تفيدُ الثُّبوتَ والإستمرارَ. قولُهُ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: البادئين بالظُّلْمِ فَيَتَرَتَّبُ عليهم عقابُهُ]. قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ﴾ الضَّميرُ يَعُودُ على اللهِ ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: المعتدين سواءٌ ظلموا أنْفُسَهم أو ظلموا غَيْرَهم؛ فصاحبو المعاصي غَيْرُ محبوبين إلى اللهِ والمعتدي على عبادِ اللهِ غيرُ محبوبٍ للهِ وقولُ المفَسِّرِ ﵀: [أي: البادئين بالظُّلْمِ]، فيه نظرٌ؛ فالآيةُ عامَّةٌ، تَشْمَلُ الظَّالمين ابتداءً والظَّالمين في الثَّاني. بمعنى: أنَّ المبتدئَ بالظُّلمِ غيرُ محبوبٍ إلى اللهِ، وكذلك من تجاوَزَ في حَقِّهِ؛ فإنه غيرُ محبوبٍ عند اللهِ؛ فإبقاءُ الآيةِ على إطلاقِهَا أَوْلَى؛ أي: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ابتداءً، ولا اقْتِصاصًا.

стр. 297

مسألةٌ: إن قال قائل: إنَّ بَعْضَ العُلَمَاءِ أَخَذَ من قولِهِ تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ أنَّ الإنسانَ لو جَحَدَ لك مالًا؛ فلك أن تَأْخُذَ من ماله بمقدارِ ما جَحَدَ بدونِ عِلْمِه؟ الجوابُ: نعم، هذا ظاهرُ الآيةِ، أنَّه إذا أَخَذَ من مَالِكَ وَقَدَرْتَ على استردادِه من مالِهِ فلك هذا، ولكن قال النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ -: "أَدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ ولا تَخُنْ مَن خَانَكَ" (١). ولو فُتِحَ هذا البابُ لكانت الأمورُ فوضى، كلُّ واحدٍ يَأْخُذُ من مالِ الثَّاني، ويقولُ: قد جَحَدَ لي مالي، فلا يَسْتَقِيمُ هذا، عمليًّا لا يَسْتَقيمُ. وأمَّا قضيَّةُ هِنْدَ فإنَّ السَّببَ فيها ظاهرٌ، كلُّ النَّاسِ يعرفون أنَّ هذه زَوْجَتُه، وأنَّه يجبُ عليه أن يُنْفِقَ، فإذا أَخَذَتْ من مالِهِ بغيْرِ عِلْمِهِ؛ وقالتْ: إنَّه لا يُنْفِقُ عليَّ، لم يَقُلِ النَّاسُ شيئًا، لأنَّ السَّببَ ظاهِرٌ، ومِثْلُهَا: لو نَزَلَ الضَّيفُ على أَحَدٍ، ولم يُقَدِّمْ له الضِّيافَةَ، وقَدَرَ على أن يَأْخُذَ شيئًا من مالِهِ بِقَدْرِ ضِيَافَتِهِ؛ فله ذلك لأنَّ السَّببَ ظاهرٌ. وبهذا يتمُّ الجمْعُ بين الأدلَّةِ. من فوائِدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَجِبُ أن تكونَ المُقَاصَّةُ على وَجْهِ العدْلِ؛ فيكونُ جزاءُ السَّيِّئةِ سيئةً مِثْلَهَا، فلا يجوزُ أن يَعْتَدِيَ في القِصاصِ؛ لا القوليِّ ولا الفعليِّ، فلو أنَّ رجلًا سَبَّكَ بوَصْفَيْنِ، وَسَبَبْتَه بثلاثةِ أوصافٍ فلا يجوزُ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. ولو أن رجلًا قَطَعَ يَدَ إنسانٍ، وطلبَ القِصاصَ؛ فقال الجاني: أنا أُريدُ أن أَضَعَ بِنْجًا في يدي حتَّى لا أُحِسَّ بالألمِ، وقال المجنيُّ عليه: لا، فالقولُ قولُ المَجْنِيِّ

стр. 298

عليه؛ لأنَّ الجانيَ أتى مَفْسَدَتَيْنِ: الإيلامَ، وَفَقْدَ العُضْوِ. فلا تتمُّ المُقاصَّةُ إلا إذا حَصَلَ هذان الأمْران بالنِّسبةِ للجاني. ولو أنَّ سارقًا حُكِمَ عليه بقطعِ اليدِ، وطَلَبَ أن تُبَنَّجَ يَدُهُ؛ فيجوزُ هذا؛ لأنَّ المقصودَ - بالنِّسبةِ للسَّارقِ - إعدامُ اليدِ المتعديةِ، وهو حاصلٌ؛ وليس هناك قِصاصٌ حتَّى نقولَ: لا بدَّ أن يَكُونَ المِثْلُ بالمِثْلِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تأكيدُ المُقاصَّةِ بالعدْلِ؛ لقولِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فأكَّدَ ذلك بقولِهِ: ﴿مِثْلُهَا﴾ لو أراد المجنيُّ عليه أنْ يأخُذَ بعضَ حقِّه؛ يجوزُ. يعني: معناه إذا أردْنا العدْلَ فهذا هو؛ وإذا عفا الإنسانُ عن حقِّهِ الخاصِّ به فلا بَأْسَ، كما أنَّه لو عفا مطلقًا فلا حَرَجَ عليه. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحثُّ على العفْوِ إذا كان إصلاحًا؛ فإن لم يكن إصلاحًا فالأخْذُ بالحزْمِ أَوْلى، دليلُ هذا أنَّ اللهَ قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ يتفرَّعُ على هذا مسألةٌ مهمةٌ: لو أنَّ الجانيَ معروفٌ بالشَّرِّ والفسادِ؛ فاعتدى على شخصٍ، هل نقولُ: الأفضلُ أن يَعْفُوَ عنه؟ الجوابُ: لا نقولُ. بل نشترطُ أن يَكُونَ ذلك إصلاحًا، هذا الرَّجلُ الشِّرِّيرُ المعروفُ بالشَّرِّ، إذا جنى على شخصٍ لا نقولُ للشَّخصِ المجنيِّ عليه: اعفُ عنه، وأَجْرُكَ على اللهِ، لأنَّنا لو عَفَوْنا عن هذا الرَّجلِ الشِّرِّيرِ في هذه القضيَّةِ المعيَّنةِ، فَعَلَ مِثْلَهَا، أو أشدَّ بعد ذلك؛ لأنَّه أَخَذَ على العفْوِ، فكان يُؤَمِّلُ أن يعفى عنه في كلِّ فِعْلٍ. يجبُ أن نَعْلَمَ أنَّ قولَهُ ﵎: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، هذه الآيةُ المُطْلَقَةُ تُقَيَّدُ بهذه الآيةِ، بل كلُّ نَصٍّ فيه الحثُّ على العفْوِ فإنه مُقَيَّدٌ بهذه الآيَةِ. إذن لا بُدَّ أن يَكُونَ العفْوُ إصلاحًا، وليُنتبه لهذا.

стр. 299

ولو أنَّ أحدًا صَدَمَ شخصًا وهو يقودُ السَّيَّارَةَ فمات؛ فهل الأفضلُ لأولياءِ المقتولِ أن يَعْفُوا عن الدِّيَةِ، أو أن يأخذوا بالدِّيَةِ؟ فيه تفصيلٌ، وهو إن كان هذا الرَّجُلُ معروفًا بالتَّهَوُّرِ، وعدمِ المُبالاةِ؛ وكما يقولُ بعضُ السُّفهاءِ: الدِّيَةُ في دُرْج السَّيارة، فهذا لا ينبغي أن يُعْفَى عنه، وأمَّا إذا كان رجلًا ذا مروءةٍ، ونَعْلَمُ أنَّ هذا أمْرٌ حَصَلَ منه - كما يقولُ العوامُّ - فواتَ الحِرْصِ؛ فإن الأفضلَ أن يُعْفَى عنه، وهذه الآيةُ هي ميزانُ العفْوِ المحمودِ، وغيرِ المحمودِ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَفَضَّلَ اللهُ ﵎ على عبادِه؛ حيث أَوْجَبَ على نَفْسِهِ أجرَ العافي، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ضَمِنَ اللهُ لهذا العافي الأجْرَ، لكن بشرطِ أن يَكُونَ ذلك إصلاحًا. * * *

стр. 300

الآية (٤١) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤١]. * * * اللَّامُ في قولِهِ: ﴿وَلَمَنِ﴾ اللَّامُ للابتداءِ، و (مَنْ) اسْمُ شرطٍ جازمٌ، وفِعْلُ الشَّرْطِ ﴿انْتَصَرَ﴾، وجوابُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾. قوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ يعني: أخذ بحقِّ نَفْسِه ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: ظُلْمِ الظَّالِمِ إِيَّاهُ]؛ فظُلْمٌ هنا مَصْدَرٌ، هل هو مضافٌ إلى الفاعِلِ أو إلى المفعولِ به؟ كلامُ المفسِّرِ يدلُّ على أَنَّه مضافٌ إلى المفعولِ به، [أي ظلُمْ الظَّالِمِ إياه] وعلى هذا فالمصدرُ مضافٌ إلى مفعولِهِ، لا إلى فاعلِهِ، ولا يَصِحُّ أن يَكُونَ مضافًا إلى فاعِلِه؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان المعنى: ولمن انتصر بعد أن يَظْلِمَ النَّاسَ، فأولئك ما عليهم من سبيلٍ، والظَّالمُ غير معتدٍ عليه، حتَّى ينتصرَ لنفْسِه. إذن فالمصدرُ مضافٌ إلى المفعولِ. فقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وقد سبق أنَّ اللهَ تعالى مَدَحَ الَّذين إذا أصابَهُم البغْيُ انتصروا لأنْفُسِهم. وقولُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [مُؤَاخَذَةٍ]، وأصْلُ السَّبيلِ الطريقُ؛ أي: ليس عليهم طريقٌ لِلَّوْمِ والمؤاخَذَةِ، وقولُهُ: ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾

стр. 301

﴿مِنْ﴾ حرفُ جرٍّ زائدٌ، و ﴿سَبِيلٍ﴾ مبتدأٌ مؤخَّرٌ مرفوعٌ بضمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ على آخِرِهِ، مَنَعَ من ظهورِها اشتغالُ المحَلِّ بحركةِ حرْفِ الجرِّ الزَّائِدِ. والمعنى: فأولئك ما عليهم سبيل. فإذا قال قائلٌ: ما هي فائدةُ حروفِ الجرِّ الزَّائدةِ؟ فالجوابُ: أنَّ فائدَتَها التَّأكيدُ، يعني: تأكيدَ النَّفْيِ. من فوائد الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: إثباتُ محبَّةِ اللهِ لذوي العدْلِ والقِسْطِ، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ : ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ مفهومُه أنَّ غيرَ الظَّالِمِ يحبُّهُ اللهُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ثبوتُ صفةِ المحبَّةِ للهِ وهذه مسألةُ بَحْثٍ عَقَدِيٍّ. وجْهُ الدِّلالةِ: أنَّه لمَّا نفى مَحَبَّتَه للظَّالمين دلَّ ذلك على أنَّه يُحِبُّ العادلين ذوي القِسْطِ، وهذا الإستدلالُ يُشابِهُ استدلالَ الإمام الشَّافعيِّ (١) ﵀ على أنَّ المؤمنين يَرَوْنَ اللهَ؛ لقولِهِ تعالى في الفُجَّارِ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطفِّفِين: ١٥]، فقال: لو كان مُحْتَجَبًا على الجميعِ مثلًا فلا فائدةَ للنَّفْيِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحذيرُ من الظُّلْمِ، وجهُهُ أنَّ في الظُّلْمِ انتفاءَ محبَّةِ اللهِ للعبْدِ، وما أَعْظَمَ الخَسارةَ فيمن خَسِرَ محبَّةَ اللهِ له، اللهمَّ إنَّا نَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ من يُحِبُّكَ، وحُبَّ العملِ الَّذي يُقَرِّبُنَا إلى حُبِّكَ. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ من انتصر لنَفْسِه بعد أن يُظْلَمَ فلا اعتراضَ عليه؛ لقولِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤١].

стр. 302

الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ انتفاءَ السَّبيلِ عَمَّنْ انتصرِ لنفْسِهِ مشروطٌ بِتَحَقُّقِ الظُّلْم؛ لقولِهِ: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ [الشُّورَى: ٤١] أمَّا الأخذُ بالتُّهَمِ فإنه لا يَجُوزُ؛ لا بدَّ أن تَتَحَقَّقَ أَنَّك مظلومٌ حتَّى تَنْتَصِرَ لنفْسِكَ. * * *

стр. 303

الآية (٤٢) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشُّورَى: ٤٢]. * * * قال المفسِّرُ ﵀: [﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ﴾ يَعْمَلُونَ ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بالمعاصِي ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ]. قولُهُ: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ﴾ هذه الجُمْلَةُ فيها أداةُ حصرٍ وهي (إنَّما)، والحَصْرُ إثباتُ الحُكْمِ في المذكورِ، ونفْيُه عمَّا سواه؛ فكأَنَّه قال: لا سبيلَ إلَّا على هؤلاء ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ يعني: الطَّريقَ إلى اللَّوْمِ والقَدْحِ والمؤاخَذَةِ ﴿عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ سواءٌ بأموالهِم أو دمائِهِم أو أعراضِهِم؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْلَنَ في حَجَّةِ الوداعِ؛ فقال: "إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ" (١) فَظُلْمُ النَّاسِ يدورُ على هذه الأشياءِ الثَّلاثةِ: الدِّماءِ، والأموالِ، والأعراضِ. فمن اغتاب أحدًا فقد ظَلَمَه، ومن أخذ مَالَهُ فقد ظَلَمَه، ومن خانَه في معامَلةٍ بينه وبينه فقد ظَلَمَه، وهذه لا حَصْرَ لأمثِلَتِها، المُهِمُّ أنَّ الَّذين يظلِمون النَّاسَ عليهم اللَّومُ. وقولُهُ: ﴿وَيَبْغُونَ﴾ فَسَّرَها المُفَسِّرُ بقولِهِ: [يعملون] وكأنَّه تحاشى أن يَجْمَعَ بين

стр. 304

البغْيِ وبين القوْلِ بغيْرِ الحقِّ؛ فقال: [يعملون] من أجْلِ أن يَكُونَ الفِعْلُ يبغون له معنًى مستقلٌّ، وبغيْرِ الحقِّ له معنًى مستقلٌّ؛ والصَّوابُ: إبقاءُ الآيةِ على ظاهِرِهَا، ومعنى (يبغون): أي: يعتدون، من بغى على غيْرِه؛ أي: اعتدى عليه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾. فقولُهُ: ﴿وَيَبْغُونَ﴾ معناها: يعتدون على غيْرِهم، ويتجاوزون حَدَّهم في معامَلَتِهم؛ ويكونُ قولُهُ: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ صفةً كاشفةً تُبَيِّنُ أنَّ كلَّ بَغْيٍ فهو بغيرِ حقٍّ؛ فإبقاءُ النَّصِّ القرآنيِّ على ظاهِرِهِ هو الواجبُ، لا سيَّما أنَّ هذا التَّفسيرَ يَجْعَلُه قاصرًا. إذن: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يعتدون فيها ويتجاوزون الحَدَّ ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بيانٌ للواقِعِ؛ فهو صفةٌ كاشفةٌ إذ إنَّ كلَّ بَغْيٍ فإنَّه بغيْرِ حقٍّ. والصِّفةُ الكاشفةُ معناها أنَّها كالتَّعليلِ لما سبق، وأيضًا ليس لها مفهومٌ، وهذا هو المُهِمُّ. وقولُهُ: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ فَسَّرَها بأنَّها المعاصي، ونعم المعاصي كُلُّهَا بغيْرِ حَقٍّ؛ لكن لا تفهمْ من هذا أنَّ ذلك خاصٌّ بحقِّ اللهِ، بل هو عامٌّ في حقِّ اللهِ وغيْرِهِ؛ فالبغْيُ في حقِّ اللهِ مُحَرَّمٌ، وكذلك البغْيُ في حقِّ الآدميِّ. وقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ المشارُ إليه الَّذين يَظْلِمون النَّاسَ وَيبْغُون في الأرضِ بغيْرِ الحقِّ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلِمٌ، والإيلامُ بمعنى: الإيجاعِ؛ أي: أَنَّه مُوجِعٌ.

стр. 305

من فوائد الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من ظَلَمَ النَّاسَ فإنه مؤاخَذٌ، وجْهُه: أَنَّه حَصَرَ المؤاخذةَ بمن ظَلَمَ النَّاسَ وبَغَى في الأرضِ بغيْرِ الحقِّ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ البغْيَ ظلمٌ لا حقَّ فيه، لقولِهِ: ﴿وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تهديدُ أولئك الَّذين يَظْلِمون النَّاسَ ويبغون في الأرضِ بغيْرِ الحقِّ بالعذابِ الأليمِ؛ لقولِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ عَذابَ هؤلاء عظيمٌ؛ لأنَّه أتى به بالجملةِ الإسميَّةِ، على هذه الصِّيغةِ المُعَيَّنَةِ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. * * *

стр. 306

الآية (٤٣) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشُّورَى: ٤٣]. * * * قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ فلم يَنْتَصِرْ ﴿وَغَفَرَ﴾ تَجَاوَزَ] يعني: عن الجاني [﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الصَّبْرَ والتَّجاوُزَ ﴿لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي: مَعْزُومَاتِها، بمعنى المطلوباتِ شَرْعًا]. قولُهُ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ اللَّامُ هذه لامُ الإبتداءِ، وتُفيدُ التَّوكيدَ، و (مَن) اسمُ شرطٍ جازمٌ، وفعلُ الشَّرْطِ ﴿صَبَرَ﴾ وجوابُ الشَّرْطِ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾. انتبِهوا لهذا الإعرابِ، (مَن) شرطيَّةٌ، فِعْلُ الشَّرْطِ ﴿صَبَرَ﴾ وما عُطِفَ عليه جوابُ الشَّرْطِ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾. وهنا إشكالٌ: وهو أنَّه: إذا كان جوابُ الشَّرْطِ جملةً اسميَّةً، وَجَبَ اقترانُ الجوابِ بالفاءِ، كالآيةِ الَّتي قَبْلَها، الآيةُ الَّتي قَبْلها ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤١]، وهنا حُذِفَتِ الفاءُ، الإشكالُ هنا كيف حُذِفَتِ الفاءُ في جوابِ الشَّرْطِ وهو جملةٌ اسميَّةٌ؟ الجوابُ: أنَّ الفاءَ قد تُحْذَفُ وإن كانت الجملةُ - أي جملةُ جوابِ الشَّرطِ - اسميَّةً، وأنشدوا على هذا قولَ الشَّاعِرِ: مَنْ يَفْعَلِ الحسَنَاتِ اللهُ يشكُرُها ... ...................... (١)

стр. 307

(من يَفْعَلِ الحسناتِ) هذه شرطيَّةٌ؛ فِعْلُ الشَّرْطِ (يَفْعَلُ)، جوابُ الشَّرْطِ: (اللهُ يَشْكُرُها) وليس فيها فاءٌ. فقالوا: إنَّه يجوزُ أحيانًا حَذْفُ الفاءِ، واستدلُّوا بالآيةِ، واستدلُّوا بالبيتِ. قال بعضُهُم في الإعرابِ في الآيةِ: حَذْفُ الفاءِ يدلُّ على أن (مَن) ليست شرطيَّةً، وإنَّما هي اسمٌ موصولٌ، وعليه يكونُ المعنى: وللَّذي صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذلك من عزمِ الأمورِ. والحقيقةُ: أنَّ الإعرابَ الأوَّلَ والثَّانيَ جائزٌ؛ لكنَّ كَوْنَنَا نَجْعَلُ (مَن) اسمَ شرطٍ كالآيةِ الَّتي قَبْلَها أَوْلَى من حيث تلاؤُمُ السِّياقِ بعضِهِ مع بعضٍ، ويكونُ الإشكالُ في حذفِ الفاءِ في الجوابِ، وجوابُهُ: أنَّها قد تُحْذَفُ أحيانًا. قولُهُ : ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾؛ أي: صَبَرَ على ظُلْمِ الظَّالِمِ إياه؛ وإن شئْتَ فقل: إنَّها عامَّةٌ، تَشْمَلُ كُلَّ من صَبَرَ على أَذِيَّةٍ من مَرَضٍ، أو سفرٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك، ولكنَّ العمومَ قد يَمْنَعُ القولَ به قولُهُ: ﴿وَغَفَرَ﴾ فإنَّ ظاهرَ هذا السِّياقِ أنَّ المرادَ صَبَرَ عن مؤاخذةِ الظَّالِمِ؛ ﴿وَغَفَرَ﴾؛ أي: ستَرَ ما حَصَلَ عليه من ظُلْمٍ. وقوله ﵀: [﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي: معزوماتِها]، يعني: لدليلٌ على أنَّ الرَّجلَ من ذوي العزْمِ؛ لأَنَّه تَحَمَّلَ وَسَتَرَ، تحَمَّلَ فَصَبَرَ وعفا فَغَفَرَ ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾. من فوائِدِ الآيةِ الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: الحثُّ على الصَّبْرِ والمغفرةِ، لقولِهِ: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ

стр. 308

لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشُورَى: ٤٣]، ولكن يَجِبُ أن تُلاحظوا الآيةَ السَّابقةَ. أن يَكُونَ في ذلك إصلاحٌ. فإن قال قائلٌ: إنَّ رجلًا شرِّيرًا اعتدى على آخَرَ فعفا عنه الآخرُ؛ فهل له أجْرٌ؟ فالجوابُ: ننظرُ إذا كان هذا لم يَعْلَمْ أنَّ الرَّجلَ شِرِّيرٌ وعفا يُريدُ الإصلاحَ؛ فله أجْرٌ، أمَّا إذا كان يَعْلَمُ ولكن يَقُولُ أعفو عنه، ولا أبالي سواءٌ سعى في الأرضِ فسادًا أو لا، فإنه يَأْثَمُ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الأمورَ تَخْتَلِفُ في العزَماتِ، وما دونها؛ لقولِهِ: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشُّورَى: ٤٣]، ولا شكَّ أنَّها تختلفُ، فبعضُها يكونُ المقدَّمُ عليه ذا عزيمةٍ صادقةٍ، ومروءةٍ تامَّةٍ وبعضُها دون هذا. * * *

стр. 309

الآيتان (٤٤، ٤٥) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٤، ٤٥]. * * * قوُلهُ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (مَنْ) هذه شرطيَّةٌ، وهي للعمومِ يعني: أيُّ أحدٍ يُقدِّرُ اللهُ تعالى أن يُضِلَّ فإنَّه لا يُمْكِنُ أن يتولَّاه أحدٌ بَعْدَ اللهِ، ومعنى هذا: أَنَّه لا يُمْكِنُ أن يَهْدِيَه أحدٌ، كما قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثيةِ: ٢٣]. واقترن جوابُ الشَّرطِ بالفاءِ في قولِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ لأنه مقترنٌ بـ (ما). وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يقولُ المفسِّرُ ﵀: [أيُّ أحدٍ يلي هدايتَه بَعْدَ إضلالِ اللهِ إياه]. وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ بَصَرِيَّةٌ، و ﴿الظَّالِمِينَ﴾ مفعولٌ به، و ﴿يَقُولُونَ﴾ جملةٌ حاليَّةٌ، و ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ (لمَّا) هذه جازمةٌ، بمعنى حِينَ ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ﴾ والمرادُ بالظَّالمين هنا الكافرون، كما قال اللهُ : ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].

стр. 310

وقوله: ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ أي: حين رأوُا العذابَ بأعيُنِهم يقولون: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (هل) استفهامٌ للتَّمنِّي يعني: يَتَمَنَّوْنَ أن يَكُونَ لهم سبيلٌ إلى الرَّدِّ، وقولهم: ﴿إِلَى مَرَدٍّ﴾ وأي: إلى مَرْجِعٍ، والمرادُ: مَرْجِعٌ للدُّنيا ليعملوا صالحًا، ولكنَّ هذا التَّمَنِّيَ باءَ بالفشلِ؛ لأنَّ ذلك أمرٌ غيرُ مُمْكِنٍ، بل قد قال اللهُ : ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] فهم يَتَمَنَّوْنَ هذا ويدَّعُون أنَّهم إذا رَجَعُوا صَلُحُوا ولكنَّ الأمْرَ ليس بذلك. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ أي: من طريقٍ]: والجوابُ: لا سبيلَ، وكما تقدَّم لو رُدُّوا لعادوا لما نُهُوا عنه، كما أنَّهم إذا غَشِيَهم موجٌ كالظُّلَلِ في البحارِ ودَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ له الدِّينَ؛ إذا نَجَوْا عادوا إلى الشِّرْكِ قال: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ غُدُوًّا وعَشِيًّا كلمةُ (ترى) هنا والَّتي قبلها هل المرادُ بها الرَّسولُ ﷺ وَحْدَهُ أو ترى أيُّها المخاطَبُ؟ الجوابُ: الثَّاني؛ لأنَّنا إذا قلنا بالثَّاني صار أعمَّ ممَّا إذا قلنا بالأوَّلِ ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ أيُّها الرَّائي ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾. ثُم قال المفسِّرُ: [﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾؛ أي: على النَّارِ] ﴿خَاشِعِينَ﴾ خائفين مُتَوَاضِعِينَ ﴿مِنَ الذُّلِّ﴾ (مِنَ) للسَّببيَّةِ؛ أي: بسببِ ذُلِهِّم، هؤلاء الَّذين كانوا في الدُّنيا مُسْتَكبِرين مُتَعَنْجِهِين لا يَرَوْنَ النَّاسَ شيئًا ولا يَقْبَلُون الحقَّ يُعْرَضُون على النَّارِ على هذا الوصْفِ ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾ يعني: قد امتلأت قلوبُهُم ذلًّا. فيُعْرَضُون عليها قبل أن يَدْخُلُوها، والكفَّارُ لا يحاولون الصُّعودَ على الصِّراطِ؛ لأنَّهم يُصْرَفُون إلى جهنَّم في عَرَصَاتِ القيامةِ.

стр. 311

قال المفسِّرُ ﵀: [﴿يَنْظُرُونَ﴾ إليها ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ضعيفِ النَّظَرِ مُسَارَقَةً]؛ يعني: ينظرون إلى النَّارِ - والعياذُ باللهِ - ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ أي: من بَصَرٍ ﴿خَفِيٍّ﴾؛ أي: ضعيفٍ، يُسَارِقُونَ النَّظَرَ، كالإنسانِ الَّذي هو خائفٌ من شيءٍ تَجِدُهُ ينظرُ إليه نظرًا ضعيفًا ثمَّ يَصْرِفُ النَّظرَ على الفورِ؛ وذلك لشدَّةِ ذُلِّهِم، أعاذنا اللهُ وإيَّاكم من حالهِم. (ومن) ابتدائيَّةٌ أو بمعنى الباءِ (من) في قولِهِ: ﴿مِنْ طَرْفٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [ابتدائيَّةٌ أو بمعنى الباءِ]؛ أي: ينظرون بطَرَفٍ خَفِيٍّ، وإذا دار الأمْرُ بين أن تكونَ ابتدائيَّةً على بابِها أو بمعنى الباءِ فالأولى أن تُجْعَلَ على بابِها؛ يعني: يبتدئُ نَظَرُهم من الطَّرَفِ الخَفِيِّ ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالوا مُثْنِينَ على اللهِ مُتَحَدِّثِينَ بِنِعَمِه قالوا: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقوله: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ تحتاجُ إلى اسمٍ وخبرٍ، فاسمُها ﴿الْخَاسِرِينَ﴾ خبرُها ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: فَقَدُوها فَقَدُوا أنْفُسهم وأَهْلِيهم يومَ القيامةِ. قال المفسِّرُ ﵀: [بتخليدِهِم في النَّارِ وعدمِ وصولهِم إلى الحُورِ المُعَدَّةِ لهم في الجنَّةِ]. الخاسرون حقيقةً ليسوا الَّذين فقدوا المالَ، ولا الَّذين فقدوا الأهْلَ في الدُّنيا، الخاسرون حقيقةً هم الَّذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهْلِيهم، أمَّا خُسرانُ أهليهم فظاهرٌ؛ لأنَّه لا يُجْمَعُ بينهم وبين أهْلِيهم في النَّارِ بخلافِ أهلِ الجنَّةِ، فإِن أهْلَ الجنَّةِ يقولُ اللهُ

стр. 312

فيهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطُّورِ: ٢١]، يعني: حتَّى لو كانتِ الذُّرِّيَّةُ نازلةَ المَرْتَبَةِ، فإن اللهَ يَرْفَعُهُم إلى آبائِهِم هؤلاء - والعياذُ باللهِ - يُفَرَّقُ بينهم وبَيْنَ أَهْلِيهم في النَّارِ، حتَّى لو جُمِعَ بينهم فماذا يكونُ؟ فخُسْرَانُهُم أَهْلِيهم واضحٌ، لكن كيف خسروا أنْفُسَهم؟ خسروا أنْفُسَهم لأنَّهم لم يستفيدوا من الحياةِ الدُّنيا شيئًا، حياتهم خَسارةٌ؛ لأنَّهم لم يستفيدوا منها شيئًا فلم يؤمِنوا باللهِ ورُسُلِهِ. وقولُ المفسِّرُ ﵀: [بتخليدِهِم في النَّارِ وعدمِ وصولهِم إلى الحُورِ المُعَدَّةِ لهم في الجنَّةِ لو آمنوا] في هذا نظرٌ ظاهرٌ، والمرادُ بـ ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ أَهْلُوهم في الدُّنيا وليس المرادُ الحُورَ المُعَدَّةَ لهم في الآخرةِ لو آمنوا؛ لأنَّ هذا قد عُلِمَ من قَبْلُ فإنَّه يقالُ للميِّتِ إذا دُفِنَ في قبْرِه: هذا مقعدُك من الجنَّةِ يعني لو آمَنْتَ، ويُقالُ للمؤمِنِ: هذا مَقْعَدُك من النَّارِ يعني لو لم تُؤْمِنْ. فالمرادُ بالأهلين هنا: أهلوهم في الدُّنْيا لم يربحوا، وقولُ المفسِّرِ ﵀: [والموصولُ خبرُ إنَّ] ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ هذا هو الموصولُ، ونَبَّهَ على ذلك؛ لئلَّا يظنَّ الظانُّ أنَّ الَّذين خَسِروا صفةٌ للخاسرين. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ دائم وهو من مَقُولِ اللهِ ﵎] يعني: ليس من مَقُولِ الَّذين آمنوا ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٥]. ولو نَظَرْنا إلى السِّياقِ لقلنا: إن هذا بقيَّةُ كلامِ المؤمنين لكنَّ المفَسِّرَ نَبَّهَ على أنَّ هذا من كلامِ اللهِ، وليس من كلامِ الَّذين آمنوا، والسِّياقُ مُحْتَمِلٌ لهذا وهذا، محتمِلٌ أن يَكُونَ كما قال المفسِّرُ من كلامِ اللهِ، ومحتمِلٌ أن يَكُونَ من كلامِ الَّذين آمنوا، والَّذين آمنوا يعلمون أنَّ الظالمين في عذابٍ مُقيمٍ من الوقتِ الَّذي هم فيه في الدُّنيا؛ لأنَّهم

стр. 313

قرؤوا كتابَ اللهِ وسُنَّةَ رسولِهِ ﷺ . وقولُهُ: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ هذه الجملةُ مؤكَّدَةٌ بمُؤَكِّدَيْنِ: الأوَّلُ: ﴿أَلَا﴾؛ لأنَّ ﴿أَلَا﴾ هنا للتَّنبيهِ، والتَّنبيهُ يقتضي التَّوكيدَ، والمؤكِّدُ الثَّاني: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ (إنَّ)؛ لأنَّ إنَّ حَرْفُ توكيدٍ ﴿فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ أي: دائمٍ، والعياذُ باللهِ. من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من أَضَلَّه اللهُ فلا أَحَدَ يَهْدِيهِ، مهما كانت منزلةُ هذا الَّذي حاول أن يَهْدِيَه؛ لقولِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشُّورَى: ٤٤]، ويَشْهدُ لهذا الحُكْمِ العظيمِ المخوفِ ما جرى للنَّبيِّ ﷺ مع عمِّه أبي طالبٍ. أبو طالبٍ شقيقُ أبي الرَّسولِ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - كان يَنْصُرُ الرَّسولَ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - ويَحُوطُه ويدافعُ عنه، ولمَّا حَضَرَتْه الوفاةُ كان عنده النَّبيُّ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - ورجلان من قريشٍ فكان يَعْرِضُ عليه الإسلامَ يقولُ: "يا عمُّ قلْ: لا إلهَ إلَّا اللهُ كلمةً أحاجُّ لك بها عند اللهِ"، فقال له الرَّجلان: أترغبُ عن ملَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهي مِلَّةُ الكُفْرِ والشِّرْكِ فأعاد عليه النَّبيُّ ﷺ فأعاد فكان آخِرُ ما قال: هو على ملَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (١). نسألُ اللهَ العافيةَ والسَّلامةَ، مع محبَّتِهِ للرَّسولِ ﷺ وشهادتِهِ له بالرِّسالةِ لكنَّه لم يُذْعِنْ ولم يَقْبَلْ، فكان آخِرُ حياتِهِ أن قال: (على مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ)، ومات على الشِّرْكِ. أَذِنَ اللهُ تعالى لرسولِهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ أن يَشْفَعَ له في تخفيفِ

стр. 314

العذاب عنه، فَشَفَعَ له فكان في ضَحْضَاحٍ من نارٍ وعليه نعلان من نارٍ يغلي منهما دماغُه (١) والعياذُ باللهِ دماغُهُ أعلى شيءٍ في بَدَنِهِ والنَّعلان في أسفلِ شيءٍ، وإذا كان الأعلى يغلي فما دونه أشدُّ وأشدُّ، قال النَّبيُّ ﷺ : "ولولا أنا لكان في الدَّرْكِ الأسفلِ من النَّارِ" (٢)، لولا أنا في رسالتي الَّتي كان يدافعُ عنها أبو طالب الظَّاهرُ أنَّه للأمْرَيْنِ جميعًا لأنَّ اللهَ شَكَرَ له؛ بل لأنَّ اللهَ تعالى أَذِنَ لرسولِهِ ﷺ أن يَشْفَعَ فيه لمِا قَدَّمَه للإسلامِ من نَصْرٍ. ويُؤْخَذُ منه أنَّ مَن نَصَرَ الإسلامَ ولو من الكافرين فله فَضْلٌ؛ لأنَّ الإسلامَ دينُ العدلِ يعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فمثلًا إذا أعان الكفَّارُ المسلمين إعانةً صادقةً نَعْلَمُ أنَّه ليس لهم طَمَعٌ في ذلك، وانتفع المسلمون بهذا النَّصْرِ فإنه يَجِبُ أن نَعْتَرِفَ بفضْلِهم في هذا البابِ؛ لأنَّهم صَنَعوا إلينا مَعْروفًا؛ ولأنَّ الدِّينَ الإسلاميَّ دينُ العدلِ لا يَظْلِمُ أحدًا حَقَّهُ، وأمَّا قولُ بعضِ النَّاسِ لن نَعْتَرِفَ لهم بالفضلِ؛ لأنَّهم كفَّارٌ، فكفْرُهُم بينهم وبين اللهِ وتفضُّلُهم علينا حقٌّ يَجِبُ أن نَعْتَرِفَ به. أضربُ مثلًا لذلك في قضيَّةِ كوسوفا، فقضيَّةُ كوسوفا حصل فيها ما سَمِعَه كثيرٌ منكم والَّذي انتصر لهم هم الكفَّارُ، فالحلفُ الأطلسيُّ وَضَعَ كلَّ ما يَمْلِكُ من مُعَدَّاتٍ يُمْكِنُه أن يقاتِلَ بها ودافع عنهم، ولم نَسْمَعْ أحدًا من المسلمين أَرْسَلَ طائرةً أو قذيفةً، ولعلَّ له عذرًا وأنت تلومُه، لكنَّ كَوْنَنَا نَجْحَدُ هذا الفضلَ غلطٌ نقول:

стр. 315

هؤلاء لهم فَضْلٌ وكُفْرُهم بينهم وبين اللهِ، ونحن لا نُحِبُّهم على كُفْرِهم أبدًا، بل نَشْكُرُ لهم الفضلَ وإن كنَّا نَكْرَهُهم غايةَ الكراهةِ؛ لأنَّهم أعداءُ اللهِ ورسولِهِ. وهذا إذا عَلِمْنَا أنَّ النِّيَّةَ صادقةٌ، أمَّا إذا عَلِمْنَا أنَّه مَكْرٌ وخديعةٌ عِلْمًا يقينيًّا فهنا نَذُمُّهُم على ما فَعَلوا ولا نَمْدَحُهم، ولا نعترفُ لهم بفضلٍ؛ لأنَّ الحُكْمَ يدورُ مع عِلَّتِه وُجُودًا وعَدَمًا. مسألة: ما الجمْعُ بين حديثِ: "لولا أنا" وبين النَّهْيِ عن "لو"؟ الجوابُ: نسبةُ الشَّيءِ إلى سَبَبِهِ إذا كان سببًا صحيحًا لا بَأْسَ بها، فمثلًا لو أنَّ رجلًا سقط في البحْرِ، فقام آخَرُ فَأَنْقَذَهُ يجوزُ أن يقولَ: لولا فلانٌ لَغَرِقْتُ؛ لأنَّه نَسَبَهُ إلى سببٍ معلومٍ، لكن لو قال: لولا فلانٌ وهو مدفونٌ في قَبْرِه فهذا ليس سببًا معلومًا، إنسانٌ غَرِقَ في الماءِ وقال: واللهِ لولا الوليُّ فلانٌ سَيِّدي لَغَرِقْتُ، هذا لا يَصْلُحُ، هذا شِرْكٌ. المهمُّ خُذْ قاعدةً: نسبةُ الشَّيءِ إلى سَبَبِهِ المعلومِ يجوزُ، لكن لا يُقْرَنُ مع اللهِ بالواوِ، فإن قُرِنَ مع اللهِ بالواوِ صار حرامًا، مثلَ أن يقولَ: لولا اللهُ وفلانٌ لَغَرِقْتُ، هذا لا يجوزُ، فنذكرك السُّؤالَ إذا قال: لولا اللهُ قَيَّدَ لي فلانًا لغَرِقْتُ. هذا يصحُّ، وهو أعلى الأنواعِ؛ لأنَّه ذَكَرَ المسبِّبَ والسَّبَبَ، إذا قال: لولا فلانٌ لغَرِقْتُ، هذا جائزٌ؛ لأنَّه أضافه إلى سببٍ معلومٍ وصحيحٍ، إذا قال: لولا اللهُ وفلانٌ لَغَرِقْتُ، هذا لا يجوزُ؛ لأنَّه شرَّكَ بين اللهِ وغيْرِه بحرفٍ يقتضي التَّسويةَ، إذا قال: لولا اللهُ ثم فلانٌ لغَرِقْتُ، يجوزُ. وإذا قال: لولا اللهُ ففلانٌ لغَرِقْتُ. الفاءُ ليست مثلَ الواوِ، الفاءُ تقتضي التَّرتيبَ، لكنَّها في الواقعِ في منزلةٍ بين منزلتين ليست كـ (ثمَّ)؛ لأنَّ (ثمَّ) تدلُّ على

стр. 316

التَّرتيبِ والتَّراخي، وليست كالواوِ؛ لأنَّ الواوَ تقتضي التَّسويةَ، فهي في منزلةٍ بين منزلتين، فهل نقولُ: إنَّها كـ (ثُمَّ)؛ لأنَّها دالَّةٌ على التَّرتيبِ، أو إنَّها كالواوِ؛ لأنَّ ترتيبَها يقتضي التَّعقيبَ؟ الأوَّلُ هو الصَّوابُ؛ يعني: لولا اللهُ ففلانٌ؛ لأنَّك جعلْتَ فلانًا بعد اللهِ وكونُهُ متراخيًا أو متعاقبًا هذا شيءٌ آخَرُ. فإن قال قائلٌ: يُشْكِلُ علينا في هذه المسألةِ ما نُقِلَ عن ابْنِ عبَّاسٍ أنَّه كان يقولُ: قولُ القائلِ لولا الرُّبَّانُ لغَرِقَتِ السَّفينةُ كان يَعُدُّ هذا من الشِّرْكِ الأصغرِ (١) فما وَجْهُهُ؟ فالجوابُ: وجْهُهُ أمران: أوَّلًا: الحديث رواه ابْنُ أبي حاتمٍ فيحتاجُ إلى تصحيحٍ. ثانيًا: أنَّ ابْنَ عبَّاسٍ ﵄ لعلَّه في وقتٍ النَّاسُ قريبون من الشِّرْكِ، فأراد أن يُشَدِّدَ في هذا الأمرِ حتَّى ينتهيَ النَّاسُ عنه؛ لأنَّ قولَ الرَّسولِ ﵊: "لولا أنا" واضحٌ أنَّه أضاف الشَّيءَ إلى سَبَبِه دون أن يَقْرِنَه بمشيئةِ اللهِ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ مَن هداه اللهُ فقد تولَّاه؛ لأنَّه لمَّا نفى الوَلايةَ عن الظَّالمين فإنَّها تَثْبُتُ للمؤمنين، وبذلك جاء التَّصريحُ في قولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يُلِحَّ على اللهِ دائمًا أن يَهْدِيَهُ من الضَّلالِ؛ لأنَّه إذا كان المَرْجِعُ في الإضلالِ إلى اللهِ فإلى من نلتجئُ؟ إلى اللهِ ، فما دام

стр. 317

الإضلالُ والهدايةُ بيدِ اللهِ فلنرْجِعْ إليه. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَحَسُّرُ وذُلُّ الظَّالمين إذا رأوُا العذابَ؛ لقولِهِ: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٤]، تَحَسُّرُهُم بقولهِم: ﴿هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾؛ لأنَّ هذا تَمَنٍّ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ هؤلاء الظَّالمين يُعْرَضُون على النَّارِ على أَكْمَلِ ذُلٍّ، وأخزى حالٍ خاشعين؛ أي: ذليلين خائفين من الذُّلِّ. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ المُسْتكْبِرِين على الحقِّ المعانِدِين يُجازَوْنَ بعقابٍ يناسبُ مَعْصِيَتَهُم، وجْهُ ذلك أنَّهم يُعْرَضُون على النَّارِ خاشعين ذليلين، ومعلومٌ أنَّ العقوبةَ بالذُّلِّ مناسِبَةٌ للمعصيةِ بالإستكبارِ. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ الظَّالمِين يَلْحَقُهم الذُّلُّ ظاهرًا وباطنًا: الباطنُ في قولِهِ: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ﴾. والظَّاهرُ في قولِهِ: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: تَحَدَّثَ الَّذين آمنوا بِنِعَمِ اللهِ ؛ لقولِهِ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ فكأنَّهم يُثْنُونَ على اللهِ بكوْنِهم رَبِحُوا دنياهم وأخراهم. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ العاصيَ قد خَسِرَ نَفْسُه، وعلى حَسَبِ مَعْصِيَتِه تَكُونُ الخَسارةُ؛ لأنَّه لم يَسْتَفِدْ من وُجُودِه في الدُّنيا شيئًا، ويتفرَّعُ على هذا أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يُحَاسِبَ نَفْسَه ويَنْظُرَ ماذا صَنَعَ فإن رأى أنَّه قد ملأَ زَمَنَه من الخيْرِ المقصودِ والوسيلةِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وإن رأى أنَّه أضاعه فَلْيُسْتَعْتَبْ؛ يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.

стр. 318

ولْنَضْرِبْ لهذا مثلًا: رَجُلٌ قام يُصَلِّي ويَقْرَأُ القرآنَ لمدَّةِ ساعةٍ وآخَرُ يَلْعَبُ هذه المُدَّةَ، مَن الرابحُ؟ الأوَّلُ هو الرَّابحُ؛ لأنَّه ملأ هذا الفراغَ عبادةً، والثَّاني خاسرٌ ضائعٌ حتَّى إنَّ بعضَ أهلِ العِلْمِ قال: إنَّه يَحْرُمُ عليه ألَّا يشغلَ الزَّمنَ بالطَّاعةِ؛ لأنَّه كالَّذي عنده مالٌ فلم يُنْفِقْه في سبيلِ اللهِ، لكنَّ الصَّحيحَ أنَّه إذا لم يُعَمِّرْه بالمعصيةِ فلا له ولا عليه، إلَّا أَنَّه يُعْتَبَرُ خاسرًا بالنِّسبةِ لمن شغله بطاعةِ اللهِ، وأنت فَكِّرْ في هذا: عندما تقومُ تصلِّي قلْ لنَفْسِك: إنَّ عُمُرَكَ هو هذا الزَّمنُ الَّذي أَمْضَيْتَهُ في طاعةِ اللهِ، عَوِّدْ نَفْسَك على هذا؛ من أَجْلِ أن تَحْرِصَ على أن تُعَمِّرَ زَمَنَكَ بِطَاعَةِ اللهِ. مسألةٌ: قِراءة القرآن حَسَبِ نشاطِ الشَّخص، لكن قال العُلَمَاءُ: ينبغي أن يَجْعَلَ حزبًا معينًا يتلوه كلَّ يومٍ تنظيمًا لقراءتِه؛ لأنَّ الإنسانَ إذا جَعَلَها مفتوحةً هكذا مرَّت به الأَيَّامُ وهو لم يُحَصِّلْ شيئًا، وهذا وإن كان يعني: ليس معهودًا فيمن سَلَف، إلَّا إن كان دلَّ عليه حديثٌ أظنُّهُ عبدَ اللهِ بْنَ عَمْرو قال: "أستطيعُ أن أقرأَه في شَهْرٍ في أسبوعٍ في ثلاثة أيامٍ" فقال ﷺ : "لا تَقْرَأْه في أقلَّ من ثلاثةِ أيامٍ" (١). الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ عذابَ الكافرين دائمٌ؛ لقولِهِ: ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تأكيدُ هذه العقوبةِ؛ لئلَّا يقولَ قائلٌ: إنَّ العذابَ قد يَنْقَطِعُ. * * *

стр. 319

الآية: (٤٦) * * * * قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشُّورَى: ٤٦]. * * * قولُهُ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: غَيْرِهِ يَدْفَعُ عقابَه عنهم]، وما كان لهم؛ أي: للظَّالمين ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ (مِنْ) زائدةٌ إعرابًا، وهي للتَّوكيدِ ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ يَنْصُرونهم؛ يعني: ليس لهم من يَتَوَلَّاهم وَينْصُرُهم من دونِ اللهِ أي: من عذابِهِ، و ﴿دُونِ﴾ هنا بمعنى غَيْرُ كما فَسَّرَها المفسِّرُ ﵀؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَدْفَعَ عذابَ اللهِ عمَّن أراد اللهُ أن يُعَذِّبَه أبدًا ولا يَنْصُرَه منه، في الدُّنْيا لو أراد ظالمٌ أن يَظْلِمَ أحدًا أَمْكَنَ أن نَدْفَعَه، لكن عقوبةَ اللهِ لا يُمْكِنُ أحدًا أن يَدْفَعَهَا. وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ جملةٌ شرْطِيَّةٌ، وهي كما سبق جوابُها مقرونٌ بالفاءِ؛ لأنَّه اتَّصل بـ (ما) ﴿فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [أي: طريقٍ إلى الحقِّ في الدُّنيا وإلى الجنَّةِ في الآخرةِ] بل يكونُ أعمى - والعياذُ باللهِ -، ليس له سبيلٌ إلى الحقِّ؛ ولذلك تجدُ الَّذين قضى اللهُ بإضلالهِم يُقَدَّمُ لهم الحقُّ كالشَّمسِ في رابعةِ النهارِ ولكن لا يفهمونه، قد حِيلَ بينهم وبينه. واستمعْ إلى قولِ اللهِ تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطفِّفِين: ١٣]، قال اللهُ : ﴿كَلَّا﴾ يعني: ليست أساطيرَ الأولينَ ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

стр. 320

[المطفِّفين: ١٤] الذُّنوبُ جَعَلَتْه يرى الحقَّ باطلًا ويرى الباطلَ حقًّا، تُتْلى عليه آياتُ اللهِ كالقرآنِ أو التَّوراةِ حين لم تُنْسَخْ، ولكنَّه يقولُ: هذه أساطيرُ الأوَّلينَ قد حِيلَ بينه وبين فَهْمِها؛ ولذلك كلَّما رأيْتَ قَلْبَك مطمئنًّا بالقرآنِ محبًّا له متدبرًا له، فاعلمْ أنَّه نَقِيٌّ من الذُّنوبِ، وكلَّما وجدْتَ الأمرَ بالعكْسِ فَطَهِّرِ القَلْبَ. من فوائدِ الآية الكريمةِ: الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الظَّالمين لا أحدَ يَنْصُرُهم من دونِ اللهِ؛ لأنَّهم استحقُّوا العذابَ، ولا مانعَ لما أعطى اللهُ ولا مُعْطِيَ لما مَنَعَ. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الإضلالَ بيدِ اللهِ، وأن من أَضَلَّهُ اللهُ لا يُمْكِنُ أن يَرْجِعَ للحقِّ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه يجبُ على المرءِ أن يَلْجَأَ إلى اللهِ دائمًا ويسألَ اللهَ الهدايةَ، وها هو النبيُّ ﷺ يسألُ رَبَّه أن يَهْدِيَه، أوَّلَ ما يدعو في صلاةِ اللَّيلِ يدعو بالإستفتاحِ المشهورِ: "اللهمَّ رَبَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السَّمواتِ والأرضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادةِ، أنت تَحْكُمُ بين عبادِك فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذْنِكَ، إنَّك تهدي من تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ" (١)؛ يقولُ: "اهْدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذْنِك" فكيف بنا؟ ! . فالمُهِمُّ: أنَّه يُؤْخَذُ من الآيةِ: أن يرجعَ الإنسانُ في طلبِ الهدايةِ إلى اللهِ تعالى وَحْدَهُ وأن يُعِيذَهُ من الضَّلالِ. * * *
следующие страницы →