Полный текст (169 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَي: مُطيقِينَ، لَوْلَا أن اللهَ تعالى سخَّر البَعِيرَ لَنَا مَا أَطَقْنَاهَا، فالبَعِيرُ أقْوَى منَّا، وأكبَرُ منَّا جِسْمًا، لَوْ أَنَّ اللهَ جعَلَهَا صَعْبَةً فَلَا يُمكِنُ لأَحَدٍ أَنْ يَستَقِرَّ علَيهَا، أَوْ أَنْ يَحمِلَ علَيهَا، أَوْ أَنْ يدخِلَها إِلَى أيِّ مَكَانٍ شَاءَ، أَوْ أَنْ يُخرِجَها مَتَى شَاءَ، ولكِنَّ اللهَ سخَّر هَذَا لَنَا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: اعتِرَافُ العبْدِ بقُصُورِهِ وضعْفِهِ؛ لقَولِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أَي: مُطيقِين.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن الإنسَانَ إذَا رَكِبَ هذِهِ المَركُوباتِ يَتَذكَّرُ الرُّكوبَ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الدُّنيا؛ لقَولِهِ: ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ وتَفْسِيرُ المفسِّر ﵀ لها بالانْصِرَافِ أَي: (لمُنصَرِفُونَ إِلَى اللهِ) فِيه قُصُورٍ، والصَّوابُ: مَا ذكَرْنا أنَّكَ إِذَا رَكِبْتَ تَتذَكَّرُ رُكوبَكَ عَلَى النَّعشِ حِينَ تَنقَلِبُ إِلَى اللهِ ، فيَكُونُ فِي هَذَا تذَكُّرٌ للحَالِ المُستَقْبَلَةِ لبَنِي آدَمَ، وهِيَ حَالُ الانقِلَابِ إِلَى اللهِ ، وهَذَا الذِّكرُ عَامٌّ، كُلَّما رَكِبْتَ السَّيَّارةَ أَو البَعِيرَ أَو الطَّائِرَةَ تَذْكُرُ هَذَا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾.
فإنْ قَال قَائِلٌ: المصْعَدُ الكهرَبَائيُّ يُشرَعُ فِيهِ هَذَا الدُّعاءُ: (سُبْحَانَ الَّذِي سخَّر لَنَا هَذَا)؟
فالجَوابُ: هَذَا محَلُّ نظَرٍ؛ لأَنَّ هَذَا المصعَدَ الكهرَبَائيَّ فِي مَنزِلَةِ الدَّرَجِ، ولَيسَ بمنْزِلَةِ الرَّاكبِ الَّذِي يَسِيرُ، بَلْ هَذَا يَصعَدُ إِلَى فَوْقُ، فَفِي كَونِهِ مِنْ بَابِ المَركُوباتِ نَظَرٌ.
مَسْألةٌ: دُعَاءُ نُزُولِ المكَانِ: (أَعُوذُ بكلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ) هَلْ خَاصٌّ بالسَّفرِ أَوْ عَامٌّ؟
стр. 72
فالجَوابُ: عَامٌّ، حتَّى إِذَا نَزَلْتَ بَيتًا تَقُول: (أَعُوذُ بكلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)، وعنْدَ النَّومِ تَقُولُ: (أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)، وفِي أَوْرَادِ اللَّيلِ والنَّهارِ تَقُولُ: (أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ)، أمَّا المَسجِدُ فلَهُ ذِكْر خَاصٌّ، فالإنسَانُ لَيسَ نَازِلًا في المَسْجِدِ، إنَّما هُوَ مُقِيمٌ لطَاعَةِ مُعيَّنةٍ وَيمضِي.
* * *
стр. 73
الآية (١٥)
* قَال اللهُ : ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥].
قَوُلهُ: ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى مُشرِكي قُريشٍ. أَي: صَيَّروا ﴿لَهُ﴾ أَي: لله ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ أَي: مِنْ مَخلُوقَاتِهِ، وجَمِيعُ المَخلُوقَاتِ عِبَادٌ لله ، والمُرادُ بالعِبَادِ هُنَا: الملائِكَةُ ﴿جُزْءًا﴾ أَي: بَعْضًا مِنْهُ، حَيثُ قَالُوا: الملائِكَةُ بنَاتُ اللهِ، واليَهُودُ قَالُوا: عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ، والنَّصارَى: قَالُوا المَسيحُ ابْنُ اللهِ.
وقَولُهُ: ﴿جُزْءًا﴾، لأنَّ الولَدَ جُزْءٌ مِنْ أَبيهِ، كما قَال النَّبيُّ ﷺ فِي ابْنَتِهِ فاطَمَةَ ﵂: "إِنَّهَا بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُهَا مَا رَابَنَي" (١)، وَذلِكَ حِينَما تَحدَّثَ النَّاسُ أن عليَّ بْنَ أَبِي طالِبٍ يُرِيدُ أَنْ يَتزَوَّجَ علَيها بنْتَ أَبِي جَهْل فأَنْكَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ذَلِكَ وقَال: "لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُوْنَ بِنْتُ نَبِيِّ اللهِ مَعَ بِنْتِ عَدُوِّ اللهِ".
إذَنِ: الجُزْءُ البعْضُ، والقَائِلُ ثلَاثَةُ أصنَافٍ مِنَ النَّاسِ: المُشرِكُونَ، واليَهُودُ، والنَّصارَى.
فهَؤُلاءِ المُشرِكُونَ -والعِيَاذُ باللهِ- جعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا، وتَأمَّلْ قَولَهُ: стр. 74
﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ يَتبيَّنْ لَكَ أن كونَهُم مِنْ عِبَادِ اللهِ يَمْنَعُ غَايَةَ المَنع أَنْ يَكُونُوا جُزْءًا مِنَ اللهِ عَزَّ جلَّ؛ لأَنَّ المعبُودَ غيرُ العَابِدِ، فَلَا يُمكِنُ أَنْ يكُونَ العَابِدُ جُزءًا مِنَ المَعبُودِ.
وقولُهُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ المرَادُ الجِنْسُ. يَعْنِي أن جِنْسَ الإنسَانِ ﴿لَكَفُورٌ﴾ بَيِّنُ الكُفْرِ، فَلَا يَرِدُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَال: مِنَ الإنسَانِ مَنْ هُوَ مُؤمِنٌ كَامِلُ الإيمَانِ؛ لأنَّنَا نَقُولُ: إنَّهُ قَدْ يُرَادُ بِهِ الجِنْسُ، كقَولِهِ: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، والمُؤمِنُ لَيسَ ظَلُومًا جَهُولًا، لكِنَّ جِنْسَ الإنسَانِ ظَلُومٌ جَهُولٌ.
وقَولُهُ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ أَي: بيِّنُ الكُفْرِ، وذَلِكَ لأنَّ (بانَ) بمَعْنَى (ظَهَرَ) تَكُونُ بالهَمْزَةِ وتَكُونُ بغَيرِ الهمْزَةِ، بمَعْنَى أنّه يجوزُ لغَةً أَنْ تَقُولَ: بَانَ الفَجْرُ، وأبَانَ الفَجْرُ. وعَلَيه فيَكُونُ مَعْنَى ﴿مُبِينٌ﴾ أَي: وَاضِحُ الكُفْرِ، ولا شَكَّ أن الَّذِي يَقُولُ: الملائِكَةُ بنَاتُ اللهِ، أَوْ عِيسَى ابْنُ اللهِ، أَوْ عُزَيرٌ ابْنُ اللهِ. لَا شكَّ أنّه قَدْ كَفَرَ كُفرًا بَيِّنًا.
وتُستَعْمَلُ (أبانَ) بالهمْزَةِ متَعدِّيةً، يُقَالُ: أبانَ الشَّيءَ بمَعْنَى: أظْهَرَهُ، ومِنْهُ قَولُهُ تعَالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ الَّذِي سَبَقَ فِي أوَّلِ السُّورَةِ، أيِ: المُظهِرُ للحقَائِقِ المُبيِّنُ لها.
فإِذَا قَال قَائِل: هَلْ كُلَّما جَاءَ مِثْلُ هَذَا التَّعبِيرِ نَحمِلُهُ عَلَى الجِنْسِ؟
فالجَوابُ: لَا نَحمِلُهُ عَلَى الجِنْسِ إلَّا إذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى هَذَا، وإِلَّا فالْأَصْلُ العُمُومُ، فقَوْلُهُ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٨]، المُرادُ كُلُّ الإنسَانِ، لكِنْ إِذَا تَعَذَّرَ أَنْ نَحمِلَها عَلَى العُمُومِ جعَلْناهَا للجِنْسِ، وأَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا يَتبَيَّنُ بِهِ المَقَامُ: الرَّجُلُ خَيرٌ مِنَ المرأَةِ. المُرادُ الجِنْسُ، ولَيسَ المَعْنَى: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجالِ
стр. 75
خَيْرٌ مِنْ كُلِّ امرَأةٍ مِنَ النِّساءِ؛ لأَنَّ مِنَ النِّساءِ مَنْ هُوَ خَير مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الرِّجالِ، لكِنَّ المُرادَ الجِنْسُ. يَعْنِي: هَذَا الجِنْسُ خَير مِنْ هَذَا الجِنْسِ.
وإِنْ قَال قَائِلٌ: بَدَأَ اللهُ فِي هَذه السّورَةِ بقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾، ثُمَّ قَال : ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ جَعَلَ، جَعَلَ، جَعَلَ؛ ثُمَّ جَاءَ بَعْدَها ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ فهَلْ هُنَاكَ تَنَاسُبٌ بَينَ هَذه؟
فالجَوابُ: يُقَالُ: إنَّ هَذَا تَنَاسُبٌ لفظِيٌّ؛ لأنَّه أحيَانًا يَكُونُ الكَلَامُ -إِذَا كَانَ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ- أَبلَغَ، فيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ التَّناسُبِ اللَّفظيِّ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن الولَدَ جُزْءٌ مِنْ وَالده، لقَولِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾؛ ولذَلِكَ كَانَ الولَدُ فِي التَّعصِيب فِي بَابِ الميرَاثِ مُقدَّمًا عَلَى الوَالِدِ، بمَعْنَى: أنَّه لَوْ مَاتَ ميّتٌ عَنْ أَبيهِ وابْنِهِ، فلأَبيهِ السّدُسُ فَرْضًا، والبَاقِي للابْنِ تَعْصِيبًا، فسَهْم الابْنِ الْآنَ خمسَةٌ مِنْ سِتَّةٍ، وسهْمُ الأَبِ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّة؛ لأنَّ الابْنَ جُزْءٌ مِنْ أَبِيهِ فقُدِّم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يجوزُ للأَبِ أَنْ يَتمَلَّك مِنْ مَالِ ولَده؛ لأَنَّ ولدَهُ جُزْؤُه، وإِذَا كَانَ جُزْءًا مِنْهُ، صَارَ كسَائِرِ جَسَده، ولهذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ" (١) فلِلْأَبِ أَنْ يَتملَّك مِنْ مَالِ وَلَده مَا شَاءَ، بشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الولَدُ مُحتَاجًا стр. 76
إِلَيهِ، أَوْ تَتعَلَّق بِهِ نفْسُهُ، فمَثلًا إِذَا كَانَ عنْدَ الابْنِ أَمَةٌ قَدْ تَسرَّاها وتَعلَّقَتْ بِهَا نفْسُهُ؛ فإنَّه لَا يجوزُ للأَبِ أَنْ يَتمَلَّكها، مَعَ أنّه لَا يُمكِنُ أَنْ يَطَأَها؛ لأنَّها حَلِيلَةُ ابْنِه، لكِنْ حتَّى وَلَا التَّملُّك؛ لأَنَّ حاجَتَهُ مُتعلِّقَةٌ بِهَا.
وكذَلِكَ لَوْ تَعلَّقَتْ بمَالِهِ ضَرُورةٌ، كابْنٍ عنْدَهُ مَالٌ أَعَدَّه للمَهْرِ حِينَ يَتزَوَّجُ، فليسَ للأَبِ أَنْ يَأخُذَ مِنْهُ شَيئًا، كذَلِكَ لَوْ كَانَ عنْدَهُ سيَّارةٌ أَعَدَّها لحَاجتِهِ وضَرُورتهِ، فليسَ للأَبِ أَنْ يَتَملَّكَها، إنَّما يَتَملَّك الفَضْلَ فقَطْ، دَلِيلُ هَذَا قَولُهُ ﷺ : "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيَانُ عُتُوِّ المُشرِكينَ واليَهودِ والنَّصارَى، حيثُ جعَلُوا الَّذِي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٣ - ٤] جعَلُوه وَالِدًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإنسَانَ بطبِيعَتِهِ كَفُورٌ مُبينٌ، هَذَا إذَا جعَلْنا (الإنسَانَ) للجِنْسِ، أمَّا إِذَا جعَلْنا (الإنسَانَ) يَعُودُ عَلَى الَّذِي جَعَل مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا، فإنَّه يَكُونُ خَاصًّا، لكِنَّ المَعْنَى الأوَّلَ هُوَ ظَاهِرُ قَولِهِ : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢] فأَصْلُ الإنسَانِ الطلمُ والجَهْلُ إلَّا أَنْ يَمُنَّ اللهُ عَلَيهِ بالعِلْمِ والإِيمَانِ.
* * * стр. 77
الآية (١٦)
* قَال اللهُ : ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ [الزخرف: ١٦].
ثُمَّ قَال اللهُ : ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: ﴿أَمِ﴾ هُنَا مُنقطِعَةٌ، بمَعْنى بَلْ والهمْزَةُ، واعْلَمْ أن (أَمْ) تَأتِي مُتَّصِلَةً إِذَا كَانَتْ بَينَ شَيئَينِ مُتسَاويَين، ومُنقطِعَةً إذَا كَانَ مَا بعْدَها مُنقطِعًا عمَّا قبْلَها، فَفِي قَولِهِ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: ٦] هَذه مُتَّصِلةٌ، وفِي مِثْل هذِهِ الْآيةِ ﴿أَمْ﴾ مُنقطِعَة، المُنقطِعَةُ يُقدِّرُها النَّحويُّون بـ (بَلْ) والهمْزَةِ.
قَال المفسِّر ﵀: [﴿أَمِ﴾ بمَعْنَى هَمْزَةِ الإنْكَارِ، والقَوْلُ مُقدَّر، أَي: أتقُولُونَ ﴿اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ لنَفْسِهِ ﴿وَأَصْفَاكُمْ﴾ أخْلَصَكُم ﴿بِالْبَنِينَ﴾ اللَّازِم مِنْ قَولِكُم السَّابقِ فهُوَ مِنْ جملَةِ المُنكَرِ].
قَولُهُ تعَالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ قدَّرهُ المفسِّر بمَعْنَى: (بَلْ يَقُولُونَ)، ولَا حَاجَةَ لهذَا التَّقدِيرِ، بَلْ هُوَ كَلامٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ أَنْكَرَ عَلَى هَؤُلاءِ، يَعْنِي: بَلْ عَلَى قَولِكُم: ﴿اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ لأنَّهُم قَالُوا: الملائكَةُ بنَاتُ اللهِ، ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ يَعْنِي: أَخلَصَكُم بالبَنينَ وخصَّكُم بهَا؛ لأنَّهُم يَقُولُونَ: البنَاتُ للهِ، والبَنُون لَنَا. فهَلْ هَذَا عَدْلٌ، هَلْ هَذَا حَقٌّ؟ !
стр. 78
الجوابُ: هَذَا مُنكَرٌ وجَوْرٌ، عَلَى الأقَلِّ لَو قَالُوا: إنَّهُم سوَاءٌ لكَانَ أهْوَنَ، مَعَ أنَّهُ مُنكَرٌ، لكِنْ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ هَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ الجَورِ والظُّلمِ.
وقولُه: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهُمُ الملَائِكَةُ الَّذِين زَعَمُوا أنَّهُم بنَاتُ اللهِ ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ فالهمْزَةُ إذَنْ مُقدَّرةٌ للإنْكَارِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: الإنْكَارُ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِين جعَلُوا لله ولَدًا؛ لقَوْلِهِ: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ كيفَ يَكُونُ المخْلُوقُ وَلَدًا للخَالق؟ ! ولهَذَا قَال: ﴿مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، وهَذَا لَا يُمكِن؛ لأنَّ المخلُوقَ مُنفصِل بائِنٌ عَنِ الخَالق فلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الإشَارَةُ إِلَى جَوْرِ أولَئِكَ القَائلِينَ بأنَّ الملائِكَةَ بنَاتُ اللهِ؛ لقَولِهِ: ﴿وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِين﴾ يَعْنِي: أيعقَل أَنْ يَكُونَ هكَذَا! .
* * *
стр. 79
الآية (١٧)
قَال اللهُ : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [الزخرف: ١٧].
قَولُهُ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ يَعْنِي: بذَلِكَ قُريشًا وأشبَاهَهم ممَّنْ يَكرَهُون البنَاتِ ويَئِدُونَهم.
قَوُلهُ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ﴾ أَي: أُخبِرَ بأنهُ وُلدَ لَهُ بنْتٌ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾.
وقَولُهُ هُنَا: ﴿ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ ولَمْ يقُلْ كَمَا قَال فِي الْآية الثَّانيَةِ ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾؛ لأنَّها سَبَقَها ذِكْرُ قَولِ هَؤُلاءِ: إنَّ الملائِكَةَ بنَاتُ اللهِ. فضَرَبُوها مثَلًا لله ، فإذَا بُشِّر أحدُهُم بهَذَا الَّذِي ضربَه مَثلًا للرَّحمنِ ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أَي: صَارَ وجهُه مُسوَدًّا.
و(ظَلَّ) هُنَا بالظَّاء المُشالةِ؛ لأنَّها بمَعْنَى: صَارَ، أمَّا (ضَلَّ) الَّتِي هِيَ بالضَّادِ فهِيَ بمَعْنَى: تَاهَ وضَاعَ، تَقُولُ: ضَلَّ الطَّريقَ. بمَعْنَى: تَاهَ وضَاعَ.
أمَّا ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ فهُوَ بمَعْنَى صَارَ وَجْهُه مُسودًّا. أَي: بعْدَ أَنْ كَانَ أبْيضَ.
فإنْ قَال قَائِلٌ: قَولُهُ: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ هذه فِي الدُّنيَا والآخِرَةِ أَمْ فِي الدُّنيَا؟
стр. 80
فالجَوابُ: لَا، فِي الدُّنيَا.
وقَولُهُ: ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أَي: مُملوءٌ غَيظًا وحُزْنًا.
قَال المفسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ جعَلَ لَهُ شَبَهًا بنِسبَةِ البنَاتِ؛ لأَنَّ الوَلَدَ يُشبِهُ الوالِدَ، والمَعْنَى: إذَا أُخبِر أحدُهُم بالبِنْتِ تُولَدُ لَهُ، ﴿ظَلَّ﴾ صَارَ، ﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ مُتغيِّرًا تَغيُّرَ مُغتَمٍّ ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مُمتَلِئٌ غمًّا، فكَيفَ يَنسُب البنَاتِ إلَيهِ تعَالى عَنْ ذَلِكَ، ، وهَذَا مَعْنَى مَا تَكلَّمْنا فِيهِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: ذِكْرُ حَالِ هَؤُلاءِ عنْدَما يُبشَّرون بالبَنَاتِ: أن الوَاحِدَ مِنْهُم يَتغَيَّر ظَاهِرُه وباطِنُه، ظَاهِرُه في اسْودادِ وَجْهِهِ، وبَاطنُهُ بامتِلَائِهِ ظنًّا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّندِيدُ التَّامُّ بهؤُلاءِ؛ حيثُ إنَّهُم إِذَا بُشِّروا بالأُنْثَى صَارَتْ لهُمْ هذ الحَالُ، وهُمْ يَدَّعونها للخَالِق .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبَاتُ اسْمِ الرَّحمنِ لله ، والرَّحمنُ يَعْنِي: ذُو الرَّحمَةِ الوَاسِعَةِ، وهَذَا الاسْمُ الكَرِيمُ تُنكِرُه قُريشٌ، قَال تَعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، ولمَّا أَرَادَ النَّبيُّ أَنْ يَكتُبَ كتَابَ الصُّلح فِي الحُدَيبيةِ وقَال للكَاتِبِ: "اكْتُبْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" (١) أبى رَسُولُ قُريشٍ وقَال: إنَّنا لَا نَعرِفُ الرَّحمنَ، ولكِنِ اكتُبْ: باسْمِكَ اللَّهُمَّ. ولَيسَ هَذَا مِنْ بَابِ التَّنزُّل، ولكِنْ مِنْ بَابِ التَّألِيفِ وإمضَاءِ المُعاهَدَةِ. стр. 81
ورَحمَةُ اللهِ تشْمَلُ الكَافِرِينَ، فلَوْلَا رَحمَةُ اللهِ مَا بَقِيَ الكَافِرُ لحْظَةً واحِدَةً، فالكَافِرُ مَرحُومٌ، والمُؤمِن مَرحُومٌ، لكِنَّ الفَرْقَ أن المُؤمِنَ مَرحُوم فِي الدُّنيا والآخِرَةِ، والكَافِرُ مَرحُومٌ فِي الدُّنيا، قَدْ أَغْدَق اللهُ علَيهِ النِّعَمَ، وعجَّل لَهُ الطَّيِّبات، لكنَّه فِي الآخِرَةِ يُعامَل بالعَدْلِ، ويُجازَى بِمَا يَستَحِقُّ.
إذَنْ نَقُولُ: الرَّحمَةُ العَامَّةُ تشْمَلُ المُؤمِنَ والكَافِرَ، والخاصَّةُ تَختَصُّ بالمُؤمنِينَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَغيَّرُ البشَرَةِ بمَا يَسُرُّ أَوْ يَسُوء، فإِذَا بُشِّر الإنسَانُ بمَا يَسُرُّ فإِنَّ وَجْهَهُ يَبرُقُ مِنَ السُّرورِ، وتُحِسُّ بأنه مَسرُورٌ بِهِ، والعَكْسُ بالعَكْسِ.
ويَتَفرَّعُ عَلَى هَذه الفَائِدَةِ: أن الجِسْمَ تبَع للقَلْبِ، فإذَا استَنَارَ القَلْبُ وفَرِحَ فكذَلِكَ الجِسْمُ، والعَكْسُ بالعَكْسِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن المُشرِكينَ لَا يَرضَوْنَ بتقْدِيرِ اللهِ فإِنَّهُم يَتَغَيَّرونَ ظَاهِرًا وبَاطِنًا، ظَاهِرًا باسْودَادِ الوُجُوهِ، وبَاطِنًا بالامتِلَاءِ ظنًّا.
* * *
стр. 82
الآية (١٨)
* قَال اللهُ : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ [الزخرف: ١٨].
ثُمَّ قَال : ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾، الهمزَةُ للاستِفهَامِ، والوَاوُ حرْفُ عطْفٍ، و (مَنْ) اسْم مَوصُولٌ يَعْنِي: أَو الَّذِي يُنشَّأُ فِي الحِلْيةِ أَي: يُربَّى فِيهَا ويَحتَاجُ إِلَيهَا.
وقَولُه: ﴿أَوَمَنْ﴾ يَقُولُ المُفسِّر ﵀: [همْزَةُ الإنكَارِ، وَاوُ العَطْف بجُمْلَةِ أَي: يَجعَلُونَ لله ﴿يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ يَعْنِي: أن العطْفَ هُنَا عَلَى تَقْدِير يَجعَلُون، بَقِيَ عنْدَنا: أينَ المُعادِل؟ المُعَادِلُ كمَنْ لَيسَ كذَلِكَ.
ومَعْنَى ﴿يُنَشَّأُ﴾ أَي: يُربَّى ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ قَال المُفسِّر: [أَيِ: الزِّينَةِ ﴿فِي الْخِصَامِ﴾ عنْدَ الخُصُومَةِ ﴿غَيرُ مُبِينٍ﴾ غَيرُ مُظهِرٍ للحُجَّةِ؛ لضَعْفِهِ عَنْهَا بالأُنوثَةِ].
وقَولُه: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾ أي: مُظهِر لمَا فِي نَفْسِهِ يَعْنِي: كمَنْ لَيسَ كذَلِكَ. والإشارَةُ بهَذَا الوصْفِ إِلَى الأُنثَى؛ لأنَّ الأُنثَى تُنشَّأُ فِي الحِليَةِ وتُحلَّى لتَتجَمَّلَ فتَحْتَاجُ إِلَى مَا يُكمِّلُها، وهِيَ أيضًا ليسَتْ ذَاتَ خصُومةٍ، بَلْ هِيَ فِي الخِصَامِ غَيرُ مُبينٍ، كمَنْ لَيسَ كذَلِكَ.
فالمرَأةُ ليسَتْ جميلَةً بذَاتِهَا، ولكنَّها محُتَاجَة إِلَى مَا يُجمِّلُها، ولهذَا تَجِدُ عنْدَ النِّساءِ
стр. 83
مِنَ المَوضَاتِ، كمَنْ لَيسَ لهُنَّ هَمٌّ إلَّا المَوضَاتُ والتَّجمُّل والتَّحسِين، ومَا أشْبَهَ ذَلِكَ؛ لأنَّها بنَفْسِهَا قَاصِرَةٌ، كذَلِكَ أيضًا بقَولها قَاصِرَةٌ: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ﴾ عنْدَ المَخاصمَةِ تَكُونَ مغلُوبَةً لا تُظهِرُ الحُجَّةَ؛ لأنَّها ضَعِيفةٌ بالأنوثَةِ.
بَقِي: مَا هُوَ المُقابِلُ؟ ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ لا بُدَّ مِنْ مُقَابِلٍ: كمَنْ لَيسَ كذَلِكَ، أَي: كَمَنْ لَا يَحتَاجُ إِلَى أَنْ يُنَشَّأَ فِي الحِلْيَةِ، وكمَنْ هُوَ فِي الخِصَامِ مُبِين، وهُوَ الذَّكَرُ، المَعْنَى: أن اللهَ يُضِيفُ لَوْمًا إِلَى لَوْمٍ عَلَى هَؤُلَاءِ حيثُ يَجعَلُون لله القَاصِرَ فِي مقَالِهِ وفِعَالِهِ، ويَجعَلُونَ لهُمُ الكَامِلَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: قصُورُ المَرْأَةِ، وأنَّهُ لَا يُمكِنُ أَنْ تُساويَ الرَّجُل فِي عَقْلِهَا ودَلِّها؛ لقَولِهِ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ ... ﴾ إِلَى آخِرَهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المَرْأةَ لَيسَ لَهَا همٌّ إلَّا التَّجمُّلُ والعِنَايَةُ بمَظْهَرِهَا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن المَرْأةَ لَيسَتْ ذَاتَ خِصَامٍ، بَلْ هِيَ ضَعِيفَةٌ لَا تَستَطِيعُ أَنْ تُخاصِمَ ولَا تُبِين مَا فِي قَلْبِهَا مِنَ الحُجَّةِ، ولهَذَا لمَّا تَولَّت بِنْتُ كِسْرَى عَلَى الفُرْسِ، وبَلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ قَال: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْلم وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأةَ" (١).
واختَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى قَولِهِ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْلم وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأة" هَلْ هَذَا خَاصٌّ بهَذ القَضيَّةِ المُعيَّنةِ، بمَعْنَى: أن هؤُلَاءِ لَنْ يُفلِحُوا؛ لأَنَّهُم وَلَّوْا أَمرَهُمُ امرَأةً، أَوْ أن هَذَا عَامٌّ لكُلِّ مَنْ ولَّى أَمرَهُ امرَأةً. стр. 84
فإِنْ نظَرْنا إِلَى العُمُومِ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" قُلْنا: هَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ قَوْمٍ وَلَّوْا أمْرَهُمُ امْرَأةً، وإِنْ نظَرْنا إِلَى القَضيَّةِ المُعيَّنةِ قُلْنا: إنَّهُ خَاصٌّ. وإِذَا نظَرْنا إِلَى الوَاقِعِ فهَلِ المرْأَةِ الَّتِي تَتَولَّى أُمُورَ الرِّجالِ هَلْ تُفلِحُ؟
الجَوابُ: إِنْ أَفلَحَتْ فذَلِكَ بمَعْونَةِ الرِّجالِ، أَوْ فَلاحٌ نِسبيٌّ؛ يَعْنِي: امرَأةٌ مَثَلًا تَكُونُ رَئيسَةَ وُزارَةٍ، لَنْ يُفلِحَ قَومُها إلا بمُسانَدَةِ الرِّجالِ لها، هذه واحِدَةٌ، أَوْ يُقَالُ: هُوَ فَلاحٌ نِسبيٌّ، فلَوْ تَولَّى غيرهَا مِنَ الرِّجالِ؛ لكَانَ ذَلِكَ أفْلَحَ لهمْ.
وكذَلِكَ أيضًا لَنْ يُفْلِحَوا إِذَا وَلَّوْا أمرَهُمْ فِي غَيرِ الرِّئاسَةِ كالوَزَارَةِ مَثلًا، لَنْ يُفلِحُوا، ومَنْ عَرَفَ النِّساءَ وكثْرَةَ خُصُومِهنَّ ومَشاكِلِهنَّ إِذَا تَولَّوْا حتَّى إدارَةَ مَدرَسَةٍ؛ عَرَفَ أن المرَأةَ لَا تَصلُح إطْلَاقًا للوَلايةِ، اللَّهُمَّ إلَّا عَلَى بَنِي جِنْسِهَا، فهَذَا رُبَّما؛ لأَنَّ الضَّعيفَ للضَّعيفِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الثَّناءُ عَلَى الرِّجالِ؛ لأَنَّهم إِذَا كَانَتِ النِّساءُ لَا تَكمُلُ بذَاتِهَا، ولَا بالفِعْالِ، ولَا بالمَقَالِ، فهَذَا يَعْنِي أن الرِّجال كُمَّلٌ، وانْظُرْ إِلَى قَوْلِ اللهِ تعَالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ [التحريم: ١٢] يَتبَيَّنْ لَكَ أن القُنُوتَ والعِبَادَةَ فِي الرِّجالِ أكْثر؛ ولهذَا جَاءَ فِي الحدِيثِ: "كمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إلا أَرْبَعٌ: آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بنْتُ خَوَيلِدٍ، وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ" (١). стр. 85
كُلُّ هَذَا نُرِيدُ أَنْ يَبقَى فِي أَذْهَانِنا أنَّ المَرْأةَ قَاصِرَةٌ، وأنَّ مَنْ يُحاولُون أَنْ يَجعَلُوها كالرِّجالِ؛ فإِنَّهم مُخالِفُون للفِطْرةِ والطَّبيعَة، كَمَا أنَّهُم مُخالِفُون للشَّريعَةِ.
خطَبَ النَّبيُّ ﷺ النِّساءَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، يَومَ الفَرَحِ والسُّرورِ، وبيَّنَ حَالَهُنَّ فقَال: "مَا رَأَيتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" (١) مَعَ أنَّه يَومُ فَرَح ويَوْمُ سُرُورٍ، كَانَ مِنَ المُتوقَّعِ أَنْ يُدخِلَ عَلَيهِمُ النَّبيُّ ﷺ السُّرورَ، لكِنْ لَا بُدَّ أنْ يُبيِّن حَالهنَّ الْآنَ، أُولَئِكَ القَومُ مِنَ الكُفَّارِ وغَيرِهِمُ الَّذِين سَاوَوُا النِّساءَ بالرِّجالِ فِي أكْثَرِ الأشيَاءِ أحوَالهمْ غَيرُ مُستَقِيمَةٍ، وغَيرُ تامَّةٍ، مَعَ أنهم لَنْ يَستَطِيعُوا أَنْ يُلحِقُوا النِّساءَ بالرِّجالِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، هَذَا مُستَحيل.
* * * стр. 86
الآية (١٩)
قَال اللهُ : ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾ [الزخرف: ١٩].
قَولُه تعَالى: ﴿وَجَعَلُوا﴾ الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى المُشرِكينَ، ومَعْنَى: ﴿وَجَعَلُوا﴾ أَي: صَيَّروا؛ ولذَلِكَ نَصَبَتْ مَفْعُولَينِ ﴿الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الَّذِين أتمّوا العُبوديَّةَ عَلَى الوَجْهِ الأكْمَلِ؛ حَيثُ وَصفَهُمُ اللهُ بأَنَّهُم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ وذَلِكَ بقَوْلهِم: إنَّ الملائِكَةَ بِنَاتُ اللهِ. انْظُرُوا هَذَا الافِتَراءَ!
أوَّلًا: افْتَرَوْا بأَنَّهُم بنَاتُ اللهِ.
ثانِيًا: افْتَرَوْا بأنَّهُم بنَات، ومَا يدْريهِمْ أن الملائكَةَ بنَات؟ لكِنْ لمَّا كَانَ وَصْفُ الأنوثَةِ وَصْفًا رَدِيئًا -عِنْدَهُم- قَالُوا: هُمْ إنَاث وَالبَنُونَ لهمْ.
وقَال اللهُ مُنكِرًا علَيهِم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ يَعْنِي: أَحَضَرُوا خَلْقَهُم، وعَرَفُوا أنَّهُم إنَاث، والاستِفْهَامُ هُنَا للإنكَارِ أَوْ للتَّحدِّي. يَعْنِي: أن اللهَ أَنْكَرَ علَيهِمْ، أَوْ تَحدَّاهُم هَلْ حَضَرُوا أَوْ لَا، وهَذَا كقَولِهِ تعَالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١].
стр. 87
قَال المفسِّر ﵀: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ بأنَّهُم إنَاثٌ] ﴿سَتُكْتَبُ﴾ تكتَبُ عَلَى أنَّها فِريَةٌ وشهَادَةُ زُورٍ، ويُعاقَبُون عَلَيها، والسِّينُ هُنَا للتَّقرِيبِ والتَّحقِيقِ، وتُكْتَبُ لَمْ يُبيِّنْ فَاعِلَ الكِتَابَةِ، فاللهُ أعْلَمُ، هَلْ يَكتبها اللهُ أَو المَلَائِكَةُ؟ والظَّاهِرُ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ؛ لأَنَّ المَلَائِكَةَ مُوَكَّلُون بعَمَلِ بَنِي آدَمَ يَكتُبونَ ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨].
قَال المفسِّر ﵀: [﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عَنْهَا فِي الآخِرَةِ فيَتَرتَّبُ عَلَيهَا العِقَابُ].
فإِنْ قَال قَائِل: عَلَى قِرَاءَةِ نَافِعٍ: "وَجَعَلُوا المَلَائكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ" عَلَى قرَاءَةِ نَافِعٍ كيفَ نُفسِّرُ عِنْدَهُ؟
فالجَوابُ: ﴿عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ كَمَا جَاءَ فِي القُرْآنِ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيَانُ افتِرَاءِ هؤُلَاءِ المُشرِكينَ مِنْ وَجْهَينِ:
الوجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُم جعَلُوا المَلائِكَةَ إنَاثًا، ومَا يُدرِيهِمْ؟ !
الوجْهُ الثَّانِي: أنَّهُم نَسَبُوهُمْ إِلَى اللهِ .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تحَدِّي هؤُلَاءِ المُفتَرِينَ بقَوْلِهِ: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ والجَوابُ: لَا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَهْدِيدُ أُولَئِكَ المُفترِينَ بأَنَّ شَهَادَتَهُم ستكتَبُ، ويعاقَبُون عَلَيهَا؛ لقَولِهِ: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثْبَاتُ الحِسَابِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن أقْوَال الإنسَانِ تكتَبُ عَلَيهِ كأفعَالِهِ؛ لأَنَّ الشَّهادَةَ هُنَا بالقَوْلِ.
стр. 88
الآية (٢٠)
* قَال اللهُ : ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ [الزخرف: ٢٠].
ثُمَّ قَال المفسِّر ﵀: [﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أَيِ: الملَائِكَةَ فعِبَادَتُنَا إيَّاهُم بمَشيئَتِهِ، فهُوَ رَاضٍ بِهَا ... ] إِلَى آخِرِهِ.
﴿وَقَالُوا﴾ أيِ: المُشرِكُونَ ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾: ﴿لَوْ﴾ هَذه حَرْفُ امتِنَاعٍ لامتِنَاعٍ ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ لكِنَنّا عبَدْنَاهُم لمَشيئَةِ اللهِ، والعَجَبُ أنَّهُم قَالُوا: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ فإِنْ كَانُوا يُريدُونَ الملَائِكَةَ فقَدْ تَنَاقَضُوا، وإِنْ كَانُوا يُريدُون الأصنَامَ، فهَذَا لَهُ كَلامٌ آخَرُ، إِذَا كَانُوا يُريدُونَ الملائِكَةَ فهُمْ قَالُوا: ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ مَعَ أنَّهُم جَعَلُوا الملَائِكَةَ إنَاثًا، وكَانَ مُقتَضَى ذَلِكَ أَنْ يقُولُوا: (مَا عبَدْنَاهُنَّ) فيَرْجِعُ الضَّمِيرُ إِلَى الملائِكَةِ ضَمِيرَ مُؤنَّث، أمَّا إِذَا كَانَ المُرادُ ﴿مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ أَي: مَا عبدنا آلهتنا؛ فَلَا إشْكَال.
قَال المفسِّر ﵀: [﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ القَوْلِ مِنَ الرِّضَا بعِبَادَتِها ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ﴾ أَي: مَا هُمْ ﴿إلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يَكذِبُون فيَتَرَتَّب علَيهِمُ العِقَابُ بِهِمْ].
قَال اللهُ : ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ هُنَا تُعرَبُ زَائِدةً إعْرَابًا،
стр. 89
لكِنَّها فِي المَعْنَى مُفيدَةٌ، تُفِيدُ التَّوكِيدَ، ولَوْلَا القُرآنُ لكَانَ السِّياقُ: (مَا لهمْ بذَلِكَ عِلْمٌ)، لكِنْ تُزادُ الحُرُوفُ للتَّوكيدِ؛ لتَوكِيدِ النَّفيِ فِي هَذه الآيةِ يَعْنِي: أن قَولهمْ: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ قَوْلٌ مَبنِيٌّ عَلَى الخرْصِ والظَّنِّ، والمُحَاجَّةِ بالبَاطِلِ، وإلَّا فهُمْ عَمِلُوا وعَبَدُوا بدُونِ أَنْ يَعلَمُوا أنَّهُ مَكتُوب علَيهِمْ؛ لأنهُ لَا يُعلَمُ المَكتُوب إلَا إِذَا وَقَعَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن هؤُلَاءِ احتَجُّوا بالقَدَرِ فقَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بُطْلَانُ الاحتِجَاجِ بالقَدَر؛ لقَولِهِ: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾.
وقَولهمْ: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ صَحِيحٌ، لكِنَّ الاحتِجَاجَ بِهِ غَيرُ صَحِيحٍ، لَوْ شَاءَ الرَّحمنُ مَا عبَدُوهُم كقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فهَذَا القَوْلُ صَحِيح، لكِنَّ الاحتِجَاجَ بِهِ غَيرُ صَحِيحٍ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ صَحِيحٌ، لأَنَّ اللهَ تعَالى يَشَاءُ كُلَّ شَيءٍ، كُل شَيءٍ فهُوَ وَاقِعٌ بمَشيئَةِ اللهِ، لكِنْ لَا حُجَّةَ بشَيءٍ لَا تَعْلَمُه أنْتَ، إِذْ إِنَّك لَا تَعْلَمُ أن هَذَا مُقدَّرٌ عَلَيكَ إلا إذَا وَقَعَ، فالقَدَرُ سِرّ مَكْتُومٌ لَا يُعلَم إلَّا إِذَا وَقَعَ المَقْدُورُ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ عَلَى القَدَريَّةِ الَّذِينَ يُنكِرُون أن اللهَ تعَالى يَشَاءُ أفعَال العِبَادِ، فالقَدَريَّةُ -وهُمُ المُعتَزِلَةُ- يَقُولُون: إنَّ الإنسَانَ خَالِقُ عمَلِهِ، مُريدٌ لَهُ، مُستَقِلّ بِهِ، وأنَّ اللهَ لَا إرَادَةَ لَهُ بِهِ، سُبْحَانَ اللهِ! أيقُولُ اللهُ : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩] وتَقُولُون أنْتُم: لَا؟ !
стр. 90
قابَلَهُم قَوم آخَرُون، وهُمُ الجَبْرِيَّةُ، وقَالُوا: كُلُّ شَيءٍ وَاقِع فهُوَ بمَشيئَةِ اللهِ، والإنسَانُ مُجبَرٌ عَلَى العَمَلِ ولَيسَ مُختَارًا، وهَذَا أيضًا قَولٌ باطِلٌ، وكلّ يَعْرِفُ الفَرْقَ بَينَ الفِعْلِ الاختِيَاريِّ وبينَ الفِعْلِ الاضْطِرَارِيِّ، فكُلّ يعرِفُ الفَرْقَ بَينَ أَنْ يَنْزِلَ الإنسَانُ مِنَ السَّطْحِ مِنْ عَلَى الدَّرَجِ شيئًا فشَيئًا وبَينَ أَنْ يَتَدَحْرَجَ بدُونِ اختِيَارٍ مِنْهُ.
وهُمْ -أَعْنِي: الجَبريَّةَ- يَقُوُلونَ: إنَّ الكُلَّ سَوَاءٌ، يَنْزِلُ باختِيَارٍ، أَوْ يَتدحْرَجُ بغَيرِ اختيَارٍ، الكُلُّ سَوَاءٌ، ومَا حرَكَةُ الإنسَانِ إلَّا كحَرَكَةِ السَّعفةِ فِي الرِّيحِ.
وهَذَا أيضًا قَوْلٌ بَاطِلٌ، ولَا يُمكِنُ أَنْ تَقُومَ بِهِ أُمَّة، ولَا أَنْ تَقُومَ بِهِ مِلَّة، ولَا أَنْ تَقُومَ بِهِ دُنْيَا ولَا أُخْرَى، وإلَّا لقُلْنَا: كُلُّ إنسَانٍ يَتَسَلَّط عَلَى آخَرَ، ثُمَّ يَقُولُ: هَذَا بقَضَاءِ اللهِ وقدَرِهِ، مَا أَمْلِكُ، هَلْ يَرضَى هؤُلَاءِ أَنْ يَأتِيَ شَخْصٌ ويَرُضُّهم رَضًّا، ثُمَّ يقُولُ: هَذَا بقَدَرِ اللهِ؟
الجَوابُ: لَا أحَدَ يَرضَى بذَلِكَ، ولمَّا أَمَرَ عُمرُ بْنُ الخطَّابِ ﵁ أَنْ تُقطَعَ يَدُ السَّارِقِ قَال: مَهْلًا يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، واللهِ مَا سرَقْتُ إلَّا بقَدَرِ اللهِ. قَال: ونحْنُ لَا نَقْطَعُ يَدَكَ إلا بقَدَرِ اللهِ.
فكُلُّ إنسَانٍ يَعْرِفُ أن الإنسَانَ مُختَارٌ، ولَهُ إرادَةٌ تَامَّةٌ بِهَا يَفْعَلُ، لَوْ أننا قُلْنَا بقَوْلِ الجَبرَّيةِ لكَانَتْ عُقُوبةُ اللهِ للمُجرِمِينَ ظُلْمًا؛ لأَنَّهُم سيَقُوُلون: يَا رَبَّنا فعَلْنا هَذَا بغَيرِ اختِيَارِنَا، والَّذِين يَقُولُون: إنَّ اللهَ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بفِعْلِ العَبْدِ فهُمْ أيضًا مخطِئُون.
ولهذَا يُسمَّى هؤُلَاءِ القدَريَّةُ مَجُوسَ هَذه الأُمَّةِ؛ لأَنَّهُم جَعَلُوا للحوَادِثِ خالِقَينِ، حوَادِثُ بشَرِيَّة مِنْ خَلْقِ البشَرِ، وحوَادِثُ إلهيَّة مِنْ خَلْقِ اللهِ ، فسُمُّوا مَجُوسَ هذ الأُمَّةِ؛ لأنَّ المَجُوسَ يَقُولُونَ: إنَّ الحوادِثَ لَهَا خَالِقَانِ: الشَّرُّ تَخْلُقه الظُّلمَةُ،
стр. 91
والنُّورُ يَخْلُقُ الخَيرَ، هذ عَقِيدَةُ المَجُوس، وفي ذَلِكَ يَقُولُ المُتنبِّي فِي مَمدُوحِهِ:
وكَمْ لِظَلَامِ اللَّيلِ عِنْدَكَ مِنْ يَدِ ... تُخَبِّرُ أَنَّ المَانَويَّةَ تَكْذِبُ (١)
ظَلَامُ اللَّيلِ ظُلْمَةٌ، وَأنتَ أَيُّهَا المَمْدُوحُ لَكَ الْكَرَمُ فِي اللَّيلِ والنَّهارِ.
فقَولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ صَحِيحٌ لكِنْ لَيسَ حُجَّةً؛ ولهذَا قَال اللهُ : ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن المُحتَجَّ بالقَدَرِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ. وكَيفَ لَا يَكُونُ عنْدَهُ عِلْمٌ، وهُوَ يَعْلَمُ أنّه إنَّمَا وقَعَ بمَشِيئَةِ اللهِ؟
فالجَوابُ: هُوَ إنَّما عُلِمَ بعْدَ الوُقُوعِ، لكِنْ قَبْلَ الوُقُوعِ لَا يُعلَمُ؛ إِذَنْ لَا حُجَّةَ لَهُ، لأَنَّ الحُجَّةَ دَلِيلٌ، والدَّلِيلُ لَا بُدَّ أَنْ يَسبِقَ المَدلُولَ، فعِلْمُهُم لَاحِقٌ، ولَيسَ بسَابِقٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن قَولهمْ هَذَا مَبنيٌّ عَلَى الكَذِبِ، لقَوْلِهِ : ﴿إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ﴾ أَي: يَكْذِبُونَ. ولَنَا أَنْ نَقُولَ: ﴿يَخْرُصُونَ﴾ بمَعْنَى يَظُنُّون، كَمَا قَال اللهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿إِنْ هُمْ إلا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤].
* * * стр. 92
الآية (٢١)
قَال اللهُ : ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ [الزخرف: ٢١].
ثُمَّ قَال المُفسِّر رَحَمَهُ آللهُ: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أيِ: القُرآنَ بعِبَادَةِ غَيرِ اللهِ ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾.
﴿أَمْ آتَينَاهُمْ﴾: ﴿أَمْ﴾ بمَعْنَى (بَلْ)، وهمْزَةٍ للاستِفْهَامِ، والمَعْنَى: بَلْ هَلْ نَحْنُ آتينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِ القُرْآنِ فهُمْ بِهِ مُستَمْسِكُون؟
الجَوابُ: لَا، لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ، فأَوَّلُ كِتَابٍ نَزَلَ عَلَى العَرَبِ هُوَ القُرآنُ، وهُوَ آخِرُ كِتَابٍ؛ لأنه لَمْ يُبعَثْ مِنَ العَرَبِ رَسُول إلا محُمَّد ﷺ ، كَمَا قَال اللهُ فِي دُعَاءِ إبْراهِيمَ وإسمَاعِيلَ ﵉: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩].
ولهَذَا لَوْ قَال لنَا قَائِل: هَلْ فِي العرَبِ رَسُولٌ سِوَى محُمَّدٍ ﵊؛ لقُلْنَا: لَا، لَا يُوجَدُ إلَّا وَاحِد.
﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾؟
الجَوابُ: لَا.
стр. 93
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَكرَارُ الحُجَجِ بقَدْرِ إنْكَارِ الخَصْمِ، وكُلَّما تَكرَّرْتِ الحُججُ ازدَادَ الأَمْرُ قوَّةً.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّكَ إِذَا أتيتَ بدَلِيلٍ مُقنِع فَلَا لَوْمَ عَلَيكَ، إذَا آليتَ بدَلِيلٍ آخَرَ وثَالِثٍ، مَا دَامَ المَقَامُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، انْظُروا إِلَى الَّذِين يُجادِلُون أهْلَ البَاطِلِ، وبالأخَصِّ شَيْخُ الإسلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ وتلميذُهُ ابنُ القَيِّمِ رَحَمَهُمَا اللَّهُ -كَيفَ يَأتونَ بالأدِلَّة مُتَتابِعَةً مُتكَاثِرَةً مَعَ أن المَدلُولَ يُمكِنُ أَنْ يَثبُتَ بدَلِيلٍ وَاحِدٍ؟
والجَوابُ: أنَّ هَذا مِنْ أَجْلِ التَّقويةِ، شَيخُ الإسلَامِ لَهُ كِتَاب اسْمُه (التِّسعينيَّة فِي الرَّدِّ عَلَى الأَشْعرِيَّة) الَّذِين قَالُوا: إنَّ الكَلَامَ هُوَ المعْنَى القَائِمِ بالنَّفسِ، أَبطَلَ ﵀ هَذَا القَوْلَ مِنْ تِسعِينَ وَجْهًا، ويَكفِي فِي إبطَالِهِ وَجْهٌ واحِدٌ، يَعْنِي: كُلَّما تَكَرَّرتِ الأدِلَّةُ قَويَتِ الحُجَّةُ.
أرَأَيتُمُ الْآنَ فِي الأُمُورِ المحسُوسَةِ لَوْ أَنَّ شَخْصًا أتَى وأَخْبَرَكُمْ بخَبَرٍ وهُوَ ثِقَةٌ عِندَكُم صدَّقتُمُوه، فإِذَا جَاءَ آخَرُ ازدَادَتِ الثِّقةُ، وإِذَا جَاءَ ثَالِثٌ ازدَادَتِ الثِّقةُ؛ ولهذَا قَال العُلمَاءُ ﵀: إنَّ المُتواتِرَ يُفِيدُ القَطْعَ؛ لكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُ، المُتواتِرُ يَعْنِي: الحَدِيثُ الَّذِي يَأتِي مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنّه لم يَنْزِلْ عَلَى العَرَبِ كِتَابٌ سِوَى القُرْآنِ؛ لقَوْلِهِ : ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: مِنَّةُ اللهِ عَلَى العَرَبِ؛ حَيثُ أنزَلَ عَلَيهِمْ كِتَابًا وَاحِدًا هِدَايةً للخَلْقِ أَجْمَعِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، بينَما الرُّسُلُ الآخَرُونَ تَنْزِلُ عَلَيهِمُ الكُتُب
стр. 94
هدَايةً لأَقْوامِهِمْ، فهِيَ -أيِ: الكُتُبُ- هدَايَةٌ فِي قَوْمِ مُعيَّنِينَ، وفِي وَقْتٍ مُعيَّنٍ، لكِنَّ هَذَا الكِتَابَ -جعَلَنِي اللهُ وإيَّاكُم مِنَ المُتمسِّكينَ بِهِ- نَازِلٌ صَالِحًا لكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ وأُمَةٍ.
* * *
стр. 95
الآية (٢٢)
قَال اللهُ : ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾ [الزخرف: ٢٢].
﴿بَلْ﴾ هَذه للإِضْرَاب، إضرَابُ انتِقَالٍ، يَعْنِي: انتَقَلُوا إِلَى شَيءٍ آخَرَ، قَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أَي: عَلَى مِلَّةٍ، وإنَّا مَاشُونَ عَلَى آثَارِهِمْ، مُهتَدُون بهِمْ، وكَانُوا يَعبُدونَ غَيرَ اللهِ.
هذ حُجَّة مِنْ حُجَجِهِمُ، احتَجُّوا فِي الأوَّلِ بالقَدَرِ، الْآنَ احتَجُّوا بالقُدوَةِ، قَالُوا ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ نَتكَلَّمُ عَلَى مَعْنَى (أُمَّةٍ)، يَقُولُ المُفسِّر ﵀: [مِلَّة] وقَدْ ذَكَرْنا قَرِيبًا أن (أُمَّة) فِي القُرآنِ تَدُلُّ عَلَى عِدَّة معَانٍ:
١ - أنَّها تَكُونُ بمَعْنَى: إمَامٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠].
٢ - تَكُونُ بمَعْنى: وَقْتٍ، كقَوْلِهِ تعَالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥].
٣ - تَكُونُ بمَعْنَى: طَائِفَةٍ مِنَ النَّاسِ، كقَوْلِهِ تعَالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾.
٤ - تكونُ بمَعْنَى الدِّينِ، كقَولِهِ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أَي: عَلَى مِلَّة.
стр. 96
إِذَا قَال قَائِلٌ: هَذِه الكلِمَاتُ الَّتِي تَأتِي لعِدَّةِ مَعَانٍ مَا الَّذِي يُعيِّن المَعْنَى؟
فالجَوابُ: السِّياقُ، وقرَائِنُ الأحْوَالِ، إِذَا قُلْتَ لرَجُلٍ غَنِيٍّ: الْبَسِ العَبَاءَةَ. ولرَجُلٍ فقِيرٍ: الْبَسْ عَبَاءَةً. هَلْ تَختَلِفُ العَبَاءَتَانِ؟ الأوَّلُ: الغَنِيُّ يَعْنِي: الْبَسْ عَبَاءَةَ غَنِيٍّ، والثَّاني: الْبَسْ عَبَاءَةَ فَقِيرٍ. اختَلَفَ المَعْنَى لحَالِ المُخَاطَبِ، فالمُهِمُّ أن الَّذِي يُعين المَعْنَى هُوَ السِّياقُ.
ومنْ ثَمَّ قُلْنَا: إنَّهُ لَا مَجَازَ فِي اللُّغةِ العَربيَّةِ إطْلَاقًا، ولَا فِي الْقُرآنِ أيضًا، والمسأَلةُ هَذِهِ فِيهَا أقْوَال ثلَاثَة:
القَولُ الأوَّلُ: أن المجَازَ وَاقِعٌ فِي اللُّغةِ العَربيَّةِ والقُرآنِ، وهَذَا الَّذِي عَلَيهِ جُمهُورٌ العُلماءِ.
القَولُ الثَّانِي: أنّه وَاقِعٌ فِي اللُّغةِ غَيرُ وَاقِعٍ فِي القُرآنِ، اختَارَهُ طَائِفَةٌ مِنْهُم: الشَّيخُ محُمَّد الأَمِينُ الشِّنْقيطيُّ صاحِبُ كِتَابِ (أضوَاء البَيَانِ).
القَوْلُ الثَّالثُ: منْهُمْ مَنْ قَال: لَا مَجَازَ فِي القُرآنِ ولَا فِي اللُّغةِ. وهَذَا اختِيَارُ شَيخِ الإسلَامِ ابْنِ تَيمِيَّةَ (١) وتلمِيذِهِ ابْنِ القَيِّمِ (٢) رَحَمَهُمَا اللهُ، وهَذَا هُوَ الحقُّ؛ لأَنَّ الكَلِمَةَ ليسَ لَهَا معْنًى ذَاتِيٌّ، الكلِمَةُ فِي ضِمْنِ جملَةٍ، فإِذَا دلَّتِ الكلِمَةُ في مَوْقِعٍ مَا عَلَى معْنًى مِنَ المعَانِي فهُوَ الحقِيقَةُ، لَوْ قُلْتَ: رَأَيتُ أَسَدًا يَحْمِلُ الحَقيبَةَ إِلَى المسْجِدِ ليَقْرَأَ، لَا يُمكِنُ أَنْ يَتبَادَرَ إِلَى ذِهْنِ واحِدٍ مِنَ النَّاسِ أن المُرادَ بالأَسَدِ السَّبُعُ المعرُوفُ، بَلْ لَو ادَّعى هَذَا مُدَّعٍ لرَدَّ علَيهِ كُلُّ أحَدٍ، فالَّذِي منَعَ هَذَا هُوَ السِّياقُ. стр. 97
إذَن: الأَسَدُ هُنَا حقِيقَةٌ فِي مَوضعِها، وهِيَ تَدُلُّ عَلَى الشَّجاعَةِ، فبَدَلًا مِنْ أَنْ أقُولَ: رَأيتُ رَجُلًا شجَاعًا يَحمِلُ حَقيبَة، أقُولُ: رأيتُ أسَدًا.
وانتَبِهُوا لهذَا ففِيهِ فائِدَةٌ عظِيمَةٌ، وكثِيرًا ما يَحتَجُّ النَّاسُ فيقُولُونَ: كَيفَ لَا يَكُونُ فِي القُرآنِ مجَازٌ واللهُ يَقُولُ: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، أَي: مَائِلًا، والجِدَارُ لَيس لَهُ إرَادَةٌ؟
فالجَوابُ:
أوَّلًا: نَمْنَعُ قَولَكَ: الجِدَارُ لَيسَ لَهُ إرادَةٌ. بَلْ لَهُ إرادَةٌ، بِلَا شَكٍّ، قَال اللهُ : ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، فهَذه المخْلُوقَاتُ تُسبِّح بإرادَةٍ بِلَا شَكٍّ، وإِلَّا لَمْ يكُنْ فِي هَذَا ثَنَاءٌ عَلَى اللهِ.
ثَانيًا: نَقُولُ: مَا الَّذِي يَمْنَع الإرادَةَ فِي الجَمادِ والنَّبيُّ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ أنّه قَال فِي أُحُدٍ، وهُوَ جَبَلٌ حَصًى: "جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ" (١) فأَثْبَتَ المَحبَّةَ لهذَا الجَبَلِ، والمَحَبَّةُ أخَصُّ مِنَ الإِرادَةِ.
ثَالِثًا: نَقُولُ: إرادَةُ كُلِّ شَيءٍ بحَسَبِهِ، فمَيلُ الجِدَارِ، يَعْنِي أنّه يُرِيدُ أَنْ يَسقُط، كمَيلِ الإنسَانِ، فنَعرِفُ أنّه يُرِيدُ أَنْ يَرْكَعَ مَثَلًا، ولَا مَانِعَ.
قَالُوا: إِذَنْ تَخَلَّصْتُم مِنْ هَذَا، فَمَا تَقُوُلون فِي قَولِهِ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، المعْنَى: تَواضَعْ لهما رحْمَةً بِهِما، فيقُولُون: الذُّلُّ هَلْ لَهُ جَنَاحٌ؟ стр. 98
فنَقُولُ: أمَّا الذُّلُّ فهُوَ أمْرٌ مَعنَويٌّ، والإنسَانُ إِذَا لَمْ يَذِلَّ تَرفَّع وعَلَا بنَفْسِهِ، فقَال: اخفِضْ جَنَاحَ الذُّلِّ، بدَلَ جَنَاحِ التَّرفُّعِ، وذَكَرَ الجَنَاحَ؛ لأنَّهُ هُوَ الَّذِي يَطِيرُ بِهِ الطَّيرُ إِلَى السَّماءِ، فالْآيَةُ واضِحَةٌ أن المعْنَى تطَامَن للوَالدِينِ، وتَذَلَّلْ لهما، واخفِضْ لهُمَا الجنَاحَ، وهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ التَّذلُّل لهُمَا.
فإِنْ قَال قَائِلٌ: مَا المَحْذُورُ الشَّرعيُّ فِي إثبَاتِ المجَازِ إِذَا قُلْنَا بالمجَازِ؟
فالجَوابُ:
أوَّلُ مَحذُورٍ: أن المجَازَ باتِّفاقِ القَائِلِينَ بِهِ يَصِحُّ نَفْيُهُ، وهَذَا يَعْنِي: أنَّهُ يَصِحُّ تكذِيبُ القُرآنِ، فيَقُولُ مَثَلًا: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الجِدَارُ لَيس لَهُ إرادَةٌ)، وهَذَا لَا يَصِحُّ؛ ولهَذَا اعتَمَدَ الشِّنْقيطيُّ ﵀ هذ الحُجَّةَ اعتِمادًا قويًّا، قَال: أبرَزُ عَلَامَاتِ المَجَازِ أنَّهُ يَصِحُّ نفْيُه، وليسَ فِي القُرآنِ شَيءٌ يَصِحُّ نفْيُه (١).
ثَانيًا: أن هَذَا المجَازَ الَّذِي سَمَّاهُ ابْنُ القَيِّمِ ﵀ (٢) طَاغُوتًا تَوصَّلوا بِهِ إِلَى إنْكَارِ الصِّفاتِ، وقَالُوا: اليَدُ مَجَازٌ عَنِ النِّعمَةِ، والاستِوَاءُ مجَازٌ عَنِ الاستِيَلاءِ، والعَينُ مجَازٌ عَنِ الإحَاطَةِ، وهَلُمَّ جرًّا، ومَنْ قَال: إنَّ شيخَ الإسلَامِ وابْنَ القَيِّم أَنْكَرَا ذَلِكَ - وشدَّدَا فِي الإنكَارِ- لأَنَّ أهْلَ التَّعطِيل تَوصَّلُوا بالمجَازِ إِلَى إنكَارِ الصِّفاتِ-، فهَذَا كذِبٌ علَيهِما، بَلْ هُمَا أَنكَرَاه مُطْلَقًا حتَّى فِي أبْسَطِ الأشيَاءِ.
فإِنْ قَال قَائِلٌ: مَا الرَّدُّ عَلَى القَائِلِينَ بأَنَّ المجَازَ يَدُلُّ عَلَى فصَاحَتِهِ وإعْجَازِ القُرآنِ؟
فالجَوابُ: هَذَا غلَطٌ، كيفَ يَدُلُّ عَلَى فصَاحتِهِ وهُوَ يَصِحُّ أَنْ يُنفَى ويكذَّبَ. стр. 99
فإِنْ قَال قَائِلٌ: فِي كِتَابِ (فتْح رَبِّ البِرَّيةِ) كأنَّهُ يُفهَمُ مِنَ الكَلَامِ إثبَاتُ أصْلِ المَجَازِ؛ لأنَّكَ قُلْتَ: المعْنَى المجَازِيُّ لا يُقبَل إلَّا بثَلاثَةِ شُرُوطٍ، ومنْ حُجَجِ الَّذِين يُثبِتُونَ المجَازَ يَقُوُلون: إنَّ القُرآنَ جَاءَ عَلَى أسَالِيبِ اللُّغةِ، فاللُّغةُ فِيهَا مَجَازٌ، فمِنْ إعجَازِ القُرآنِ لَمْ يَخرُجْ عَنْ أسَالِيبِ اللُّغةِ؟
فالجَوابُ: نحْنُ نَقُوُل: اللُّغةُ لَيسَ فِيهَا مجَازٌ أصْلًا. يَعْنِي: نُنكرُ الأصْلَ، فنَقُول: اللُّغةُ لَيسَ فِيهَا مجَازٌ.
ومَا كتبْنَاهُ أوَّلًا فِي أُصُولِ الفِقْهِ حيثُ ذكَرْنا المجَازَ، فإنَّنَا مَاشُونَ عَلَى خُطَّة رُسمِتْ لَنَا مِنْ قِبَلِ المَعَاهِدِ، ولَيسَ عَنِ اعتقَادٍ مِنَّا، ولقَدْ نَبَّهنَاهُم بأنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكتُبوا حاشِيَةً عَلَى هَذَا فتَقُوُلوا: هَذَا عَلَى القَوْلِ بالمجَازِ، وأنَّنا لَا نرَى ذَلِكَ.
* * *
стр. 100
الآية (٢٣)
قَال اللهُ : ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣].
يَعْنِي: مِثْلُ هَذَا الَّذِي قِيل لَكَ قِيلَ لمِنْ قَبلَكَ: ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ والحِكْمَة مِنْ هَذَا تَسليَةُ النَّبيِّ ﷺ مِنْ وَجْهٍ، وإنذَارُ هؤُلَاء المُكذِّبينَ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وأنَّه سيُصِيبُهم مَا أَصَابَ غَيرَهُم ممَّا أَصَرُّوا عَلَى تقْلِيدِ آبائِهِم البَاطِلَ.
قَال المفسِّر ﵀: [﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا﴾ أي: مُنَعَّمُوها مِثْلَ قَوْلِ قَومِكَ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ مِلَّةٍ ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ مُتَّبِعُون].
الحِكمَةُ مِنْهُ هُوَ تَسلِيةُ النَّبيِّ ﷺ ، وإنذَارُ هَؤُلاءِ المُكذِّبينَ أن جمِيعَ الأُمَم السَّابِقَةِ يَقُولُونَ لأقَوامِهِمْ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أَي: عَلَى مِلَّةٍ ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أَي: مَا يَسيرُون عَلَيهِ مِنَ الدِّينِ ﴿مُقْتَدُونَ﴾ أَي: مُتَّبِعُون مُقلِّدونَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تَسليَةُ النَّبيِّ ﷺ بأنَّ هَذَا الَّذِي قِيلَ لَهُ قَدْ قِيلَ لمِنْ قبْلَهُ، كقَولِهِ تعَالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت: ٤٣].
стр. 101
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: اتِّفَاقُ أهْلِ البَاطِلِ عَلَى هَدَفٍ وَاحِدٍ، أَلَا وَهُوَ تَكْذِيبُ الرُّسلِ، واتِّبَاعُ آبَائِهِمْ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَحرِيمُ التَّقلِيدِ بالبَاطِلِ، وأمَّا التَّقلِيدُ بالحَقِّ فَلَا بَأْسَ بِهِ، فإِذَا كَانَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ حُكْمَ مَسأَلةٍ فِي دِينِ اللهِ، ولَيسَ عنْدَهُ قُدرَةٌ عَلَى الاجتِهَادِ، فإِنَّ فَرْضَهُ التَّقلِيدُ؛ لقَولِ اللهِ تعَالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]؛ ولقَوْلِ اللهِ تعَالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ ولقَولِهِ : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وأمَّا مَنْ حرَّمَ التَّقلِيدَ مُطلَقًا فقَوُلهُ بَاطِلٌ مُخالِفٌ لظَاهِرِ القُرآنِ، وأمَّا مَنْ أَلْزَمَ بِهِ مُطْلقًا فقَولُهُ بَاطِلٌ مخُالِفٌ لمِا يَجِبُ الإيمَانُ بِهِ مِنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ.
فالصَّوابُ: أن التَّقلِيدَ للضَّرُورَة جَائِزٌ؛ ولهَذَا قَال شيخُ الإسلَامِ ابْنُ تَيمِيَّةَ ﵀: "التَّقلِيدُ بمَنزِلَةِ أَكْلِ المَيتَةِ، إنِ اضطر إنسَانٌ إلَيهِ فهُوَ جَائِزٌ، وإلَّا فَلَا" (١).
ولكِنْ لَا يُمكِنُ أَنْ نَقُولَ للعَامِّيِّ صَاحِبِ السُّوقِ: اجْتَهِدْ فِي هذ المسأَلَةِ حتَّى تَعرِفَ حُكْمَ اللهِ، ولَوْ بَقِي يَجْتَهِدُ لخبَّطَ، لكِنَّ فرضَهُ أَنْ يَسْأَلَ.
فإِنْ قال قائِلٌ: هَلْ يجوزُ التَّقلِيدُ فِي أُصُولِ الدِّين، أَوْ فِي فُرُوعِ الدِّينِ فَقَطْ؟ فالجَوابُ: أوَّلًا تَقْسِيمُ الدِّين إِلَى أُصُولِ وفُرُوعٍ حَادِثٌ لَم يَكُنْ مَعرُوفًا فِي عهْدِ الصَّحابَةِ، وَيدُلُّ عَلَى بُطلَانِهِ أنَّهُم يَجعَلُونَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصَّيامَ والحَجَّ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ، مَعَ أنَّها أركَانُ الإسلَامِ، فالصَّوابُ: أن الشَّرعَ لَا يَنْقَسِمُ إِلَى أُصُولٍ وفُرُوع، وأنَّ هَذَا اصطِلَاحٌ حادِثٌ، لكنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى أُصُولٍ عِلميَّةٍ، وأُصُولٍ عَمَليَّةٍ، стр. 102
فالأُصُولُ العِلميَّةُ هُوَ الاعتِقَادَاتُ، والعمَليَّةُ هُوَ العِبَادَاتُ المُكلَّف بِهَا، هَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيهِ النَّصُّ.
إذَنْ نَقُولُ: قَولُنا: هَلْ يَجُوزُ التَّقليدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، أَوْ فِي فُرُوعِهِ فَقَطْ؟ أصْلُ التَّقسيمِ حَادِثٌ مُبتَدَعٌ، ولَوْ كَانَ عَلَيهِ أكْثَرُ العُلمَاءِ الْآنَ، وَهُوَ أيضا غَيرُ صَحِيح. وَجْهُ بُطَلانِهِ أنَّهُ جَعَل الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصِّيامَ والحجَّ مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ وهِيَ أصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ أَرْكَانِ الإسلَامِ.
ثُمَّ نَقُولُ: التَّقلِيدُ فِيمَا تُسمِّيه أَصْلَ الدِّينِ وفُرُوعَه جائِز، قَال تعَالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، والرِّسالةُ عَلَى تَقْسِيم هؤُلاءِ إِلَى أُصُول وفُرُوعٍ مِنَ الأُصُولِ، ومَعَ هَذَا يَقُولُ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ اسْألُوا: هَلْ أَرْسَلْنا رِجَالًا، أَوْ أَرسَلْنا مَلَائِكَةً، ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
والقَاعِدَةُ: أن كُلَّ مَنْ عَجَزَ أَنْ يُدرِكَ الحقَّ بنَفسِهِ وَجَبَ علَيهِ التَّقلِيدُ، سَوَاءٌ فِي الأُمُورِ العِلميَّةِ أَو العمَليَّةِ، لَا فَرْقَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤُلَاءِ القَوْمَ المُكذِّبينَ للرُّسلِ لَيسَ عنْدَهُم حُجَّة إلَّا مُجرَّد مَا كَانَ عَلَيهِ الآبَاءُ، وهَذَا لَيسَ بِحُجَّة، وعَلَى هَذَا فلَا يجوزُ الاحتِجَاجُ بعَمَلِ النَّاسِ، كَمَا يَفْعَلُهُ بعضُ القَومِ، فإِذَا نُهيتَ عَنْ شَيءٍ يَفعلُهُ كُلُّ النَّاسِ فهَذَا لَيسَ بِحُجَّةٍ، ولَا يُمكِنُ أَنْ تُقابِلَ اللهَ بهَذ الحُجَّةِ، كُلُّ النَّاسِ يَفْعَلُون هَذَا، فهَذَا لَا يُمكِنُ أَنْ يَنْفَعَكَ عنْدَ اللهِ، قُلْ: هَذَا دَلَّ الكِتَابُ أَو السُّنَّة عَلَى جَوازِهِ.
* * *
стр. 103
الآية (٢٤)
قَال اللهُ : ﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤].
قَال المفسِّر ﵀: [﴿قَال﴾ أَي: لهُمْ ﴿أَوَلَوْ﴾ تَتَّبِعُونَ ذَلِكَ ﴿جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أنْتَ وَمَنْ قَبْلَكَ ﴿كَافِرُونَ﴾].
﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾: ﴿قَال﴾ أيِ: الرَّسُول الَّذِي يُرسِلُه اللهُ ، ويُقابَل بأَنَّهُم وجَدُوا آبَاءَهُم عَلَى أُمَّةٍ، ﴿قَال﴾ لهُمْ: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾ يَعْنِي: أتَرُدُّون قَولِي وتَتَّبِعُون مَا كَانَ عَلَيهِ آبَاؤُكم ولَوْ جِئْتكم بأَهْدَى مِنْهُ؟ ! والاستِفْهَامُ هُنَا وَاضِحٌ أنَّهُ للإنكَارِ والتَّوبِيخِ. يَعْنِي: كَيفَ تَتَّبِعُون مَا عَلَيهِ آبَاؤُكُم، وأَنَا قَدْ جِئْتكم بأَهْدَى؟ ! ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾ وَهُوَ شَرْعُ اللهِ .
وَمَعَ هَذَا فالرَّدُّ وَاحِدٌ: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ وهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ العِنَادِ، يَعْنِي: حتَّى ولَوْ جِئْتَنا بأَهْدَى ممَّا وجَدْنا عَلَيهِ آبَاءَنا فإِنَّا كَافِرُون، ولَا نَقُولُ كَمَا قُلْنَا أوَّلًا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ بَلْ نَقُولُ: كَافِرُون مُطْلَقًا، وهَذَا أبلَغُ مَا يَكُونُ فِي العِنادِ -نَسأل اللهَ العَافِيةَ- وهَذَا كقَولِ الَّذِين استكْبَرُوا مِنْ قَوْمِ صَالِحٍ ﴿قَال الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الأعراف: ٧٦].
стр. 104
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيَانُ معَالجَةِ الرُّسلِ عليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ للمُكذِّبين، أنَّهُم يُدْلُون عليهِمْ بالحُججِ المُقنَعِة، ولكِنْ الكَافِرُون يُعانِدُون.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: جوَازُ التَّفضِيل بَينَ شَيئَين قَدْ لَا يَكُونُ فِي الطَّرفِ الآخَرِ شَيءٌ مِنَ المعْنَى، لقَولِهِ: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾: ﴿بِأَهْدَى﴾ اسْمُ تَفْضِيلٍ، ومَعَ ذَلِكَ فإنَّا نَقُولُ: مَا وجَدُوا علَيهِ آباءَهُمْ لَيسَ فِيهِ هُدًى؛ لكنَّ التَّنزُّلَ مَعَ الخَصْمِ لَا بَأْسَ بِهِ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الطَّرَفِ الآخَرِ شَيءٌ.
وانْظُرْ إِلَى قوْلِ اللهِ : ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] ﴿أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ هَذ الأصْنَامَ، وهَلْ فِي الأصنَامِ خَيرٌ؟
لَا، لكِنْ مِنْ أَجْلِ مُجَادَلَةِ الخَصْمِ نَقُولُ لهم: هَلِ اللهُ خَيرٌ أَمْ آلهَتُكَ، وإنَّا نَعْلَمُ أنَّ آلهَتَهُ لَيسَ فِيهَا خَيرٌ؛ فهُنَا قَال: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾ نَعلَمُ أن مَا كَانَ عَلَيهِ آباؤُهُمْ لَيسَ فِيهِ هُدًى، بَلْ هُوَ ضَلَالٌ، ولكنَّنَا نُخَاطِبُ مَنْ يَرَى أنَّهُ هُدًى، فنُخاطِبُهُ عَلَى قَدْرِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الفَهْمِ.
ومنْ ذَلِكَ مَا يَستَعْمِلُهُ شَيخُ الإسلَامِ ابْنُ تيمِيَّةَ وغَيرُه مِنَ العُلمَاءِ ﵏ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الكَلَامِ؛ حيثُ يَتمشَّى فِيمَا يُجادِلهُم بِهِ عَلَى حسَبِ اصطِلَاحِهِمْ وإِنْ كَانَ يُنكِر أصْلَ مَا هُمْ عَلَيه، لكِنَّ المُجادَلَةَ مَعَ الخَصْمِ لَا بَأْسَ أَنْ يَنزِلَ الإنسَانُ عَلَى حسَبِ فَهْمِ الخَصْمِ حتَّى يَكونَ ذَلِكَ أبلَغَ فِي الاحتِجَاجِ عَلَيهِ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أُولئِكَ المُعانِدِينَ الَّذِين يَتَّبِعُون مَا وَجَدُوا عَلَيهِ آباءَهُمْ لَيسَ عنْدَهُم نِيَّةٌ فِي أَنْ يُؤمِنُوا، لأَنَّهُم لمَّا غُلِبُوا فِي الحُجَّةِ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ
стр. 105
كَافِرُونَ﴾ يَعْنِي: لَنْ نُؤمِنَ، مهْمَا أُوتيتُمْ مِنَ الحُجَّة فلَنْ نُؤمِنَ، وهَذَا غَايَةُ مَا يَكُونُ مِنَ الاستِكْبَارِ عَنِ الحَقِّ.
стр. 106
الآية (٢٥)
قَال اللهُ : ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥].
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أَي: أَنزَلْنا بهِمُ النِّقمَةَ، وهِيَ العُقُوبةُ، ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ انظُرْ يَا محُمَّدُ، أَو انظُرْ أيُّها المخَاطَبُ كيفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكذِّبينَ، إِذَا نظَرْنَا وَجَدْنا العَاقِبَةَ الهَلاكَ والدَّمارَ، فلْنَعتَبِرْ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيَانُ قُدرَةِ اللهِ سُتحَانَهُ وَتَعَالى، وأنَّهُ ﵎ يُمِلي للظَّالِمِ حتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفلِتْه، فإِنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنتَقِمَ منِهُمْ بأَوَّلِ مَرَّةٍ، لكِنْ يُمِلي للظَّالِمِ، فإِذَا أخَذَهُ أخَذَهُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقتَدِرٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الأمْرُ بالاعتِبَارِ والنَّظرِ فِي الأُمُورِ؛ لقَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ والنَّظرُ هُنَا نَظَرُ قَلْبٍ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عاقِبَةَ المُكذِّبينَ الهَلَاكُ والدَّمارُ؛ لأَنَّ اللهَ أهْلَكَ كُلَّ المُكذِّبينَ، أهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ، وقَوْمَ هُودٍ، وقَوْمَ صَالِحٍ، وقَوْمَ لُوْطٍ، وفِرعَونَ، كُلُّ المُكذِّبينَ أهلكَهُمُ اللهُ ، لكنَّ هَذ الأُمَّةَ -ولله الحمْدُ- جعَلَ اللهُ هلَاكَ عَدُوِّهَا عَلَى يَدِهَا، وذَلِكَ بالحُرُوبِ؛ لأَنَّ هلَاكَ عَدُوِّك علَى يَدِكَ أَشْفَى للقَلْبِ مِنْ هَلاكِهِ
стр. 107
بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ .
ولهَذَا كَانَ هلَاكُ المُكذِّبين للرَّسُولِ محُمَّدٍ ﷺ علَى أَيدِيهِمْ كَمَا قَال : ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجُوبُ النَّظرِ والاعتِبَارِ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن عَاقِبَةَ المُكذِّبينَ للرُّسلِ هِيَ الهَلَاكُ والدَّمارُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ تَكذِيبِ رَسُولهِا أَنْ يُصيبَهُم مَا أَصَابَ غَيرَهُمْ.
стр. 108
الآيتان (٢٦، ٢٧)
قَال اللهُ : ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧].
﴿وَإِذْ﴾ مَفعُولٌ لفِعْلٍ محذُوفٍ، التَّقدِيرُ: واذْكُرْ إِذْ قَال إبْرَاهِيمُ، وإنَّمَا ذَكَرَ إبْرَاهِيمَ لأَنَّ إبْراهِيمَ تَنتمِي إِلَيهِ جَمِيعُ الأُمَمِ، اليَهودُ قَالُوا: إنَّهُ يَهودِيٌّ. والنَّصارَى قَالُوا: إنَّه نَصرَانيٌّ. والعَرَبُ قَالُوا: إنَّهُم مُتِّبِعُون مِلَّتَه. فأَرَادَ اللهُ أَنْ يُبيِّن أن إبْرَاهيمَ ﵇ كَانَ بَرِيئًا مِنَ الشِّرْكِ وأهْلِهِ.
﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ﴾ التَّقدِيرُ: واذْكُرْ إِذْ قَال إبْرَاهِيمُ، إبرَاهِيمُ الخَلِيلُ ﵇ هُوَ إمَامُ الحُنَفَاءِ الَّذِي قَال اللهُ تعَالى فِيهِ لنَبِيِّهِ محُمَّدٍ: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وكَانَ إبراهِيمُ ﵇ كغَيرِهِ مِنَ الأنبِيَاءِ بُعِثَ إِلَى قَومِهِ خَاصَّةً، كَمَا قَال النَّبيُّ ﷺ : "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي مِنْهَا: وَكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١).
وقولُه: ﴿لِأَبِيهِ﴾ وهُوَ آزَرُ ﴿وَقَوْمِهِ﴾ الَّذِين أُرسِلَ إلَيهِمْ. стр. 109
وقَدْ ذَكَرَ اللهُ محُاجَّةَ إبرَاهِيمَ لأَبِيهِ فِي سُورَةِ مَرْيمَ عَلَى وَجْهٍ مَبسُوطٍ، وفِي غَيرِهَا عَلْى وَجْهٍ مُختَصَرٍ أحيانًا، ومُتوسِّطٍ أحيانًا، فجَرَتْ محُاورَةٌ بينَهُ وبَينَ أَبِيهِ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ فقَال : ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا﴾ إِنْ دَعوتَهُ لَمْ يَسمَعْكَ، وإِنْ وَافَقْتَهُ لَمْ يَرَكَ، وإِنِ استَعَنْتَ بِهِ لَمْ يَنفَعْكَ، ولَا يُغنِي عنْكَ شَيئًا ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم: ٤١ - ٤٣].
والخِطَابُ الْآنَ مَبنيٌّ عَلَى التَّرقِيق، والتَّلطِيفِ، والتَّنزُّل أمَامَ الأَبِ؛ قال: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: يَا أَبتَي إنَّك جَاهِلٌ وأنَا عَالِم، بَلْ قَال: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ وهَذَا مِنْ أَدَبِهِ ﵇، فقَد جَاءَهُ مِنَ العِلْمِ الوَحْيُ وأبُوهُ لَيسَ كذَلِكَ، جَاءَهُ مِنَ العِلْمِ التَّوحيدُ وأَبُوه لَيسَ كذَلِكَ.
فقَال: ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ الولَدُ يَقُوُل لأَبيهِ: (اتَّبِعْنِي)، لأَنَّ الابْنَ معَهُ حَقٌّ، والأَبُ لَيسَ كذَلِكَ ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٣ - ٤٤] ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ يَعْنِي: عِبَادَةَ الطَّاعَةِ، وكُلُّ مَنْ أَطَاعَ شَيئًا فقَدْ عبَدَهُ عَلَى حَسَبِ الحالِ ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ أَي: عَاصِيًا ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: ٤٥]، أَي: يُصيبَكَ ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، فجعَلَ وَلايتَهُ للشَّيطَانِ مِنَ العذَابِ، لأَنَّ إعْراضَ الإنسَانِ عَنِ الحَقِّ مُصيبَةٌ ببعْضِ الذُّنُوبِ، كَمَا قَال : ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: ٤٩].
نحْنُ نظُنُّ أن العُقوبَاتِ هِيَ البَلاءُ يَنْزِل بالإنسَانِ مِنْ مرَضٍ وفَقْرٍ، ومَا أَشْبَهَ
стр. 110
ذَلِكَ، وهَذَا -حَقًّا- عُقُوبةٌ، ولكِنْ هُناكَ عُقوبةٌ أشَدُّ وهِيَ الإعْرَاضُ عَنِ الحَقِّ ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ هَذَا أعظَمُ مِنْ عُقُوبَةِ البَلَاءِ الحِسِّيِّ الجَسَدِيِّ؛ ولهَذَا قَال: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٥] كَانَ جَوَابُ الأَبِ جَوابًا قَاسِيًا: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: ٤٦]، أَنكَرَ علَيهِ الرَّغبَةَ.
ولهَذَا قَال أهْلُ البلَاغَةِ: الَّذِي يَلي همْزَةَ الاستِفْهَامِ هُوَ المُنكَر، يَعْنِي: لَمْ يقُلْ: يَا إبراهِيمُ أَرَاغِبٌ. بَلْ بَدَأَ بالإنكَارِ عَلَى الطَّريقَةِ، قَال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ وهَذَا استِفهَامُ إنكَارٍ وتَوبيخٍ.
ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ يَعْنِي: عَنْ دعوَتِك إيَّايَ عَنِ التَّوحيدِ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ وعيدٌ يَقُولُه الأَبُ لابْنِهِ، وابْنُه يَتَرقَّقُ لَهُ، ويَتحنَّن إلَيهِ بقَولِهِ: ﴿يَاأَبَتِ﴾ ﴿يَاأَبَتِ﴾ ﴿يَاأَبَتِ﴾ وهَذَا جَوابُ الأَبِ.
وهَذَا القَولُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قَالهُ أيضًا غيرُهُ مِنَ المُكذِّبينَ للرُّسُلِ؛ فِرعَونُ قَال لمُوسَى ﵇: ﴿لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩].
ثُم قال: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]، يَعْنِي: اتْرُكْنِي ﴿مَلِيًّا﴾ أَي: زَمَنًا طَويلًا، يَعْنِي: يَقُولُ: دَعْنِي عَلَى مَا أنَا علَيهِ ولَا تُكلِّمْني، قَال: ﴿قَال سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ [مريم: ٤٧] هذِهِ النِّهايَةُ مِنْ إبراهِيمَ، فَمَا أَحلَمَهُ عَلَيهِ ألصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ! ولهَذَا قَال اللهُ : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، قَال: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]، فاستَغْفَرَ لَهُ حتَّى نَهَاهُ اللهُ .
الشَّاهِدُ مِنْ هَذَا: أَنَّ أبَا إبراهِيمَ كَانَ مُشرِكًا اسْمُه آزرُ، كَمَا قَال : ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]، العجَبُ أن بعْضَ النَّاسِ
следующие страницы →