وإنْ قالوا: بأنَّه خلَقَ الخَلْقَ خارِجَ نَفْسِه، وهم على ذلك، فقد سلَّموا بالحقِّ عقلًا.
واللهُ تعالى تجلَّى للجَبَل، ويَطَّلِعُ على خَلْقِه، ويباهي بهم يومَ عَرَفةَ، وإذا كان تجلَّى للجَبَلِ -وعَرَفةُ فيه، وهو فيها- فكيف يَصِحُّ التجلِّي لشيءٍ هو فيه؟ ! ولكنَّ اللهَ فوقَ عَرْشِهِ ويتجلَّى لشيءٍ ليس فيه سبحانَه.
والآياتُ التي يستَدِلُّونَ بها على أنَّ اللهَ في كُلِّ مكانٍ هي دالَّةٌ بنَفْسِها على خلافِ ذلك، وأنَّ اللهَ على عرشِهِ، وهو مع الناسِ بعِلْمِه؛ فقولُهُ تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]؛ يعني: بالعِلْمِ؛ فليس هو في الوريدِ؛ فقد قال: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦]، فبدَأَ بالعِلْمِ؛ ليبيِّنَ أنَّه هو المقصودُ بالقُرْبِ.
وكذلك قولُهُ تعالى: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]؛ يريدُ: بعِلْمِه، وبهذا استفتَحَ اللهُ الآيةَ، وختَمَها؛ ففي أوَّلها قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المجادلة: ٧]، وفي آخِرِها قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]، ولم يَقُلْ: إنَّه في كُلِّ مكانٍ بذاتِه، وإنَّما بعِلْمِه.
* نفيُ بعضِ الصفات لأجل توهُّم إحاطةِ المخلوقاتِ بالخالق:
لا يَلزَمُ مِن إثبات العلوِّ والاستواءِ والنزولِ لله إحاطةُ مخلوقاتِه به، واحتواؤها له، لا مُنفرِدةً ولا مجتمِعة؛ لأنَّه أكبَرُ مِن كلِّ شيء، ويَتوهَّمُ مَن ينفي تلك الصفاتِ أن في إثباتِها لزومَ إحاطةِ المخلوقات به، وهذا باطلٌ عقلًا وشرعًا:
стр. 107
- أمَّا بطلانُه عقلًا: فإنه لا يَصِحُّ أن يَحوِيَ الشيءُ ويُحيطَ بما هو أكبَرُ منه، وهذا معلومٌ في كلِّ المحسوسات، فلا يُمكِنُ أن تُتصوَّرَ إحاطةُ الأرض بالسموات، ولا إحاطةُ النَّمْلَة بالجَبَل، ولا إحاطةُ الذَّرَّةِ بكَفِّ الرجلِ يَقبِضُها، فإذا كان دافعُ النُّفَاةِ توهُّمَ الإحاطة كما في المخلوقات فهذا غيرُ لازمٍ حتى فيها، مع أنَّ اللهَ ليس كمِثلِه شيء، والسمواتُ تُحيط بالأرضِ ولكنَّ الأرضَ لا تُحيط بها، فإذا كان الله تعالى أكبَرَ مِن كل المخلوقات مجتمعةً، فكيف يُقَالُ بإحاطتِها به عقلًا، ويُروى في الحديث: (مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ، إلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ، كَفَضْلِ تِلْكَ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ) (١)، ويُروى في بعضِ ألفاظِه: (وَمَا جَمِيعُ ذَلِكَ فِي قَبْضَةِ اللهِ إِلَّا كَالحَبَّةِ وَأَصْغَرُ مِنَ الحَبَّةِ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ؛ وَذَلِكَ قَوْلُهُ -تَعَالَى-: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزُّمَر: ٦٧]) (٢)، وللحديثِ طُرُقٌ وألفاظٌ تَدُلُّ أن له أصلًا.
- وأما بطلانُه شرعًا: فلأنَّ الله ليس كمِثْلِه شيءٌ في ذاتِه، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، فكلُّ ما أخبَرَ اللهُ به عن نَفْسهِ فيجبُ إثباتُه له على الحقيقة، والتوقُّفُ عن لوازِمه التي تقتضي التشبيه، فإذا لم يُشبِهْهُ أحدٌ في ذاته فكيف يُشبِهُه أحدٌ في صفاتِه ولوازمِ صفاته؟ ! ولو أنَّ أذهانَ المعطِّلة خَلَت مِن القياسِ لَخَلَتْ مِن التعطيل.
стр. 108
* الاستواءُ على العَرْش:
قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهْ، وَهُوَ فِي كُلِّ مَكَانٍ بِعِلْمِهْ):
يجبُ إثباتُ استواءِ اللهِ على عَرْشِه، وذِكْرُ ابنِ أبي زيدٍ لاستواءِ الذاتِ في قولِهِ: "بذاتِهِ" دفعٌ لمقالةِ التأويلِ التي تنفي إثباتَ الاستواءِ حقيقةً بلا تشبيهٍ ولا تكييفٍ، ممن يتوهَّمُ أنَّ إثباتَ الحقيقةِ لازمٌ للتشبيهِ والتكييفِ.
وقد قرَّر إثباتَ الاستواءِ على العرشِ حقيقةً المصنِّفُ في "الجامع"، فقال: "وَأَنَّهُ فَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ دُونَ أَرْضِهِ" (١).
وقد نَصَّ على استواءِ اللهِ بذاتِهِ السلَفُ، وجاء عن مالكٍ النصُّ على "الذاتِ"؛ حكاه غيرُ واحدٍ؛ قال أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ في كتابِهِ "الإبانة": "فأئمَّتُنا -كسُفْيانَ الثَّوْريِّ، ومالكٍ، وسُفْيانَ بنِ عُيَيْنةَ، وحمَّادِ بنِ سَلَمةَ، وحمَّادِ بنِ زَيْدٍ، وعبدِ اللهِ بنِ المبارَكِ، وفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ، وأحمدَ بنِ حَنْبلٍ، وإسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحَنْظَليِّ -مُتَّفِقُونَ على أنَّ اللهَ سبحانه بذاتِهِ فوقَ العرش، وأنَّ عِلْمَهُ بكلِّ مكان، وأنَّه يُرَى يومَ القيامةِ بالأبصارِ فوقَ العَرْشِ، وأنَّه يَنزِلُ إلى سماءِ الدنيا، وأنَّه يَغضَبُ ويَرْضَى ويَتكلَّمُ بما شاءَ؛ فمَن خالَفَ شيئًا مِن ذلك، فهو منهم بَرِيءٌ، وهم منه بَرَاءٌ" (٢).
وقال أبو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ في كتابِه "الأصول": "أجمَعَ المسلِمونَ مِن أهلِ السُّنَّةِ على أنَّ اللهَ استَوَى على عَرْشِهِ بذاتِه" (٣).
стр. 109
والأئمَّةُ يذكُرُونَ بعضَ الألفاظِ غيرِ الواردةِ بنصِّها في الوحيِ، لا لعدَمِ كفايةِ الوحيِ في الإفهامِ، وإنَّما لورودِ معنًى باطلٍ جديدٍ بعدَ انقطاعِ الوحيِ، فأرادوا دفعَهُ بلفظٍ جديدٍ، مِن غيرِ أن يؤثِّرَ على مَقصِدِ الشارعِ ومُرَادِه، ولو لم يُوجَدِ المعنى الجديدُ الباطلُ، لم يُوجَدِ اللفظُ الجديدُ؛ لأنه لا حاجةَ إليه.
وقد ذكَرَ لفظةَ "بذاته" غيرُ ابن أبي زيدٍ مِن الأئمَّة؛ لمَّا شاعَتْ مقالةُ التأويلِ والتعطيلِ، ممَّن يُثبِتُ لفظَ "الاستواء"، ويتأوَّلُ أو يعطِّلُ معناه؛ فكان إثباتُ اللفظِ القرآنيِّ للناس، مِن غيرِ زيادةٍ تَدفَعُ الباطلَ الجديدَ في الآذان، مُوجِبةً لهذه اللفظةِ عندَهم، وقد ذكَرَ أبو بكرٍ المُرادِيُّ القيروانيُّ في "الإيماءْ، في مسألةِ الاستواءْ" (١) جماعةً ممُّن نَصُّوا على ذكرِ استواءِ الذاتِ، ونسَبَهُ إلى ابنِ جريرٍ، والقاضي عبد الوهَّابِ، وظاهرِ كلامِ أبي الحسَنِ الأشعريِّ، والباقِلَّانيِّ.
وقد انتصَرَ ابنُ عبد البَرِّ وغيرُهُ لابنِ أبي زيدٍ (٢): بأنَّ اللهَ أثبَتَ الفوقيَّةَ لنفسِهِ بقولِهِ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، وقولِهِ: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]؛ فدَلَّ على علوِّ ذاتِهِ واستوائِها على العرشِ على الحقيقةِ التي تليقُ به، لا كما تليقُ بالمخلوقِ.
والإتيانُ بألفاظٍ مطابِقةٍ لم تَرِدْ في الشرعِ لإثباتِ حقيقةِ الصفاتِ بلا تشبيهٍ عند مَن تعسَّف بتأويلِها لإفهامِهِ: شيءٌ، ومقابَلةُ الإفراطِ بالتأويلِ بالإفراطِ بالتشبيهِ: شيءٌ آخَرُ غيرُ جائز.
стр. 110
وهذه اللفظةُ التي أورَدَها ابنُ أبي زَيْدٍ: "فَوْقَ عَرْشِهِ المَجِيدِ بِذَاتِهِ" أخطَأَ في التعامُلِ مع قولِه: "بذاتِهِ" كثيرٌ مِن المتكلِّمِينَ مِن الشُّرَّاحِ وغيرِهم؛ لأنَّها تُثبِتُ الاستواءَ حقيقةً، وكان خَطَؤُهم فيها على وجهَيْنِ:
الوجهُ الأوَّل: شكَّكوا في ثبوتِها عنه، وزعَمَ بعضُهم إقحامَها في كتابِه، منهم: أبو عَلِيٍّ البِجَائِيُّ؛ كما ذكَرَهُ الفاكِهانيُّ عنه (١)، وزَعْمُ إقحامِها عسيرٌ؛ فهي في كتبِ الشروحِ قديمِها وحديثِها، حتَّى شروحِ المتكلِّمين، ورَدَّ تلك الدَّعْوَى المتكلِّمُونَ أنفُسُهم؛ كابنِ نَاجِي التَّنُوخيِّ (٢)، وهذه اللفظةُ: "بذاتِهِ" في الأصولِ الخَطِّيَّةِ لكتابِ "الرسالةِ"، وعليها سَمَاعاتُ الأئمَّة، وكثيرٌ مِن المتكلِّمِينَ استنكَرَها على المؤلِّف، وتأوَّلها، ولم يقلْ: بأنَّها مدسوسةٌ؛ لاستحالةِ ذلك، ولو كان ثَمَّةَ بابٌ مُحتمِلٌ لكونِها مدسوسةً، لَأَظْهَرَهُ المحقِّقون منهم؛ فإنَّه أيسَرُ مِن تكلُّفِ التأويلِ.
وقد أثبَتَها طُلَّابُ ابنِ أبي زَيْدٍ والقَرِيبُونَ منه زَمَنًا في شَرْحِهم لها؛ كأبي بَكْرٍ محمَّدِ بنِ مَوْهبٍ، وأبي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيِّ، وعبدِ الوَهَّابِ البَغْداديِّ، ومَن جاء بعدَهم (٣)، وهي عبارةٌ مستعمَلةٌ في زمَنِ ابنِ أبي زَيْدٍ وقبلَه.
وقد رأيتُها في نسخةٍ خَطِّيَّةٍ عتيقةٍ من "الرسالة"، لابن أبي زَيدٍ القَيرَوانيِّ، عليها سماعُ البقاعِيِّ عن ابنِ حجَرٍ العَسْقَلانيِّ بإسنادِهِ المتصِلِ
стр. 111
بالأئمَّةِ إلى المؤلِّفِ أبي محمَّدِ بنِ أبي زيدِ القَيْرَوانيِّ (١).
الوجهُ الثاني: تأوَّلوا معناها بتأويلِ إعرابِها، والمقصودِ منها؛ فجعَلُوا عُلُوَّ اللهِ: عُلُوَّ قَهْرِ وقَدْرٍ، وتأوَّلوا عُلُوَّ الذاتِ في كلام ابنِ أبي زَيْدٍ بتأويلَيْنِ:
الأوَّل: أنَّهم جعَلُوا لفظةَ "المَجِيدِ" صفةً لله، لا للعَرْشِ؛ فرَأَوْا أنَّه قد تَمَّ الكلامُ بقولِه: "فَوْقَ عَرْشِهِ"، وقولُهُ: "المَجِيدُ بِذَاتِهِ" كلامٌ مستأنَفٌ؛ فجعَلُوا المعنى: أنَّ اللهَ مَجِيدٌ بذاتِه، لا مستَحِقٌّ للمَجْدِ بغيرِه؛ فكان الكلامُ يتضمَّنُ صفتَيْنِ: صفةَ الاستواءِ، وصفةَ المَجْدِ لله، ولكنَّهم تأوَّلوا قولَه: "بذاتِهِ": أنَّه سبحانَهُ استَوَى بذاتِهِ بلا مُعِينٍ مِن مالٍ وأَعْوانٍ.
الثاني: أنَّهم جَعَلُوا اسمَ "المجيدِ" بالكَسْرِ صفةً للعَرْشِ، ولكنْ جعلوا الباءَ في قولِه: "بِذَاتِهِ" بمعنى "في"؛ يعني: في ذاتِهِ؛ يعني: أنَّ العَرْشَ عظيمٌ في ذاتِه.
стр. 112
وهذا كُلُّه غَلَطٌ، وتكلُّفٌ، وتحريفٌ للنصوصِ وتأويلٌ لها لا حَدَّ له؛ فإنَّ التحريفَ المتوهَّمَ بلَغَ القرآنَ وعلى أستارِ الكعبةِ زمَنَ ابنِ أبي دُؤَادٍ؛ حيثُ كُتِبَ عليها: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ"! فأبدَلَها عن قولِهِ تعالى: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ كُلُّ هذا لِيَنفِيَ صفةَ السمعِ والبَصَرِ عنِ الله؛ فكيف بكلامِ عالِمٍ في مذهبٍ متبوعٍ؟ !
والذي فَهِمَهُ تلامِذةُ ابنِ أبي زَيْدٍ: هو استواءُ اللهِ بذاتِهِ على الحقيقةِ؛ كما قال أبو بكرِ بن مَوْهَبٍ مبيِّنًا مرادَهُ: "ثُمَّ بيَّن أنَّ عُلُوَّهُ فوقَ عَرْشِهِ إنَّما هو بذاتِهِ؛ لأنَّه تعالى بائِنٌ عن جميعِ خَلْقِه ... " (١)، وكان الطَّلَمَنْكِيُّ على هذا الاعتقادِ، وهو مِن أعلَمِ الناسِ بكلامِ شَيْخِهِ يقولُ: "وأنَّ اللهَ فوقَ السمواتِ بذاتِه، مُسْتَوٍ على عرشِه، كيفَ شاءَ" (٢)؛ فقدَّم لفظَ الذاتِ على ذِكْرِ العرشِ؛ لأنه يعودُ إلى الله، بل هذا هو قولُ مالكٍ المنقولُ عنه؛ كما نقَلَهُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ عنه؛ أنَّه وغيرَهُ متَّفِقُونَ على أنَّ اللهَ بذاتِهِ فوقَ العرشِ، وعِلْمُهُ في كُلِّ مكانٍ.
وهذا لا يَحتمِلُ غيرَ حَمْلِ استواءِ الذاتِ لله على الحقيقةِ بلا تشبيهٍ، وعلى هذا المعنى حمَلَهُ جملةٌ مِن الأئمَّةِ في المغرِبِ وغيرِه؛ كابنِ جُزَيٍّ في "التسهيل" (٣).
وقد كان جملةٌ مِن المخالِفِينَ لابنِ أبي زَيْدٍ مِن الأئمَّةِ، لم يتأوَّلوا
стр. 113
قولَهُ؛ لإنصافِهم مِن هذا الوجه، وحمَلُوا قولَهُ على ظاهِرِهِ بلا تكلُّفٍ؛ كأبي بكرِ بنِ العربيِّ (١)، والعِزِّ بنِ عبد السلامِ (٢)، والسُّبْكيِّ (٣)، وابنِ جَمَاعةَ (٤)، وأبي عبد الله العِكْرِميِّ (٥).
وقد استعمَلَ لفظةَ الذاتِ للهِ عندَ استوائِهِ جماعةٌ قبلَ ابنِ أبي زَيْدٍ؛ كالمُزَنِيِّ صاحبِ الشافعيِّ (٦)، وابنِ جَرِيرٍ الطَّبَريِّ (٧)، وأبي أحمدَ الكَرَجيِّ القَصَّابِ (٨)، ويَحيَى بنِ عَمَّارٍ السِّجِسْتانيِّ (٩)، وغيرِهم.
* الكُرْسِيّ:
ويُثبِتُ أنَّ للهِ كرسيًّا؛ كما قال : ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفَهْمُ ذلك على ما تَفهَمُهُ العرَبُ الأولى مِن كلامِها مِن أهلِ الصدرِ الأوَّل، وقد قال ابنُ عبَّاس: "الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ" (١٠).
وصحَّ هذا القولُ عن وَهْبِ بنِ منبِّه (١١)، ويُروَى عن أبي موسى (١٢)،
стр. 114
وأبي مالك (١)؛ وبهذا فسَّره ابنُ أبي زَمَنِينَ الأندلسيُّ في "أصول السُّنَّة" (٢).
ولا يجوزُ تكييفُ فِعْلِ اللهِ فيه، ولا تشبيهُهُ؛ فاللهُ ليس كمثلِهِ شيءٌ، وقد ورَدَ في بيانِ حجمِ الكرسيِّ في الحديثِ: (مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأَرْضِ فَلاةٍ، وَفَضْلُ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الْفَلاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ) (٣).
ورُوِيَ: أنَّ الكُرْسِيِّ: هو عِلْمُ اللهِ (٤)، وقيل: قُدْرَتُهُ (٥)، وقيل: هو العَرْشُ (٦).
والأصحُّ: أنه مَوضِعُ القَدَمَيْنِ على ما يليقُ بالله، لا على ما يليقُ بالمخلوق.
وأمَّا القولُ بأنَّ الكرسيَّ: عِلْمُ اللهِ؛ فقد رُوِيَ هذا عن ابن عبَّاس، وفيه عن ابن عبَّاس لِينٌ، واستدَلَّ بعضُهم عليه بقولِ الشاعِر:
مَا لِي بِأَمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكَاتِمُهُ ... وَلَا يُكَرْسِئُ عِلْمَ اللهِ مَخْلُوقُ (٧)
وهذا مخالِفٌ لوضعِ العرَبِ عند إطلاقِ الكُرْسِيِّ، والكُرْسِيُّ لا يُهمَز (٨).
стр. 115
وأمَّا القولُ بأنَّه: قدرةُ الله، فيُروَى عن ابن عبَّاس؛ وفيه ضعفٌ.
وأمَّا القولُ بأنَّ الكُرْسيَّ: هو العَرْشُ، فمَرْوِيٌّ عن الحسَنِ، والضَّحَّاكِ، وغيرِهما.
وهذا ليس فيه شيءٌ يَصِحُّ عن الصحابةِ والتابعينَ، وأصحُّ ما جاء فيه: أنه مَوضِعُ القَدَمَيْنِ على ما قاله ابن عبَّاسٍ فيما سبَقَ، ولم يُخالِفْهُ أحدٌ مِن الصحابةِ.
وقد كان ابنُ مسعودٍ يَعُدُّ الكرسيِّ غيرَ العرشِ؛ كما رَوَى ابنُ خُزَيْمةَ في "التوحيد" عنه؛ قال: "بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالْكُرْسِيِّ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ الكُرْسِيِّ وَالمَاءِ خَمْسُ مِئَةِ عَام، وَالعَرْشُ فَوْقَ المَاءِ، واللهُ فَوْقَ العَرْشِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِكُمْ" (١).
وهذا لا يقولُهُ الصحابيُّ مِن رأيِهِ.
وإنَّما حمَلَ بعضُ المتكلِّمِينَ الكرسيِّ على علمِ الله، أو قُدْرَتِهِ؛ لإنكارِهم الصفاتِ الخبريَّة، والأفعالَ الإلهيَّة؛ لأنَّ العرشَ والكرسيَّ لا بُدَّ أنْ يكونا مَحَلًّا للفعلِ.
والحقُّ: أنَّ العرشَ: للاستواءِ، والكرسيَّ: موضعُ القدمَيْنِ، واللهُ أعلَمُ بالكيفيَّةِ التي لا تُشبِهُ المخلوقَ.
* إحاطةُ عِلْمِ اللهِ بكلِّ شيء:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (خَلَقَ الإِنْسَانَ، وَيَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيد، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]:
стр. 116
كلُّ ما في الوجودِ خلقُ الله، وهو عالِمٌ محيطٌ بهم، لا يعزُبُ عنه شيءٌ مِن ذلك؛ جليلُهُ وعظيمُهُ، كثيرُهُ وقليلُه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]، وقال: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
ويأتي الكلامُ على ضلالِ بعضِ الفلاسِفةِ والمتكلِّمِينَ في نفيِ علمِ اللهِ للجزئيَّات.
* عودةٌ إلى الكلامِ على استواءِ اللهِ على العَرْش:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى، وَعَلَى المُلْكِ احْتَوَى): ويجبُ إثباتُ أنَّ اللهَ استَوَى على عرشِهِ حقيقةً، وقد ذكَرَ اللهُ استواءَهُ في كتابِهِ في سبعةِ مواضعَ؛ قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وقد تواتَرَتْ في ذلك الأحاديثُ والآثار؛ أن اللهَ: "فَوْقَ العَرْشِ".
ويُثبَتُ استواءٌ يليقُ بجلالِه، ويَتنزَّهُ عما يليقُ بالمخلوقِ؛ لأنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ وكان السلفُ على ذلك لا يَختلِفُونَ عليه.
ولمَّا ظهَرَتِ البدعُ الكلاميَّةُ التي أدَّت إلى إنكارِ حقيقةِ الاستواءِ وتأويلِه، ضلَّلوا مَن قال بذلك، وقد كان سُحْنُونٌ يُلقِّنُ ابنَ القصَّارِ في مرَضِ موتِهِ: "أنَّ اللهَ على العرشِ استَوَى" (١).
стр. 117
وكان أبو العبَّاسِ بن طالبٍ يخطُبُ في القَيْرَوان، ويقولُ: "الحمدُ للهِ الذي على عَرْشِهِ استَوَى، وعلى مُلْكِهِ احتَوَى، وهو في الآخِرةِ يُرَى" (١)، وإثباتُهم للاستواءِ على الحقيقة، لا يَحمِلُهم على القول بالتشبيه، وتوهُّمُ لزومِ إثبات الحقيقةِ للتشبيه لا يَحمِلُهم على التفويض؛ ولهذا يقولُ القرطبيُّ: "لم يُنكِرْ أحدٌ مِن السلفِ الصالح أنَّه استَوَى على عرشِه حقيقةً ... وإنَّما جَهِلُوا كيفيةَ الاستواء" (٢).
والعرَبُ تُطلِقُ العرشَ على السريرِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقال أُمَيَّةُ بن أبي الصَّلْتِ:
مَجِّدُوا اللهَ وَهْوَ لِلْمَجْدِ أَهْلٌ ... رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كبِيرَا
بِالبِنَاءِ الأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّا ... سَ وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرَا (٣)
وإثباتُ هذا التعبيرِ لا يعني إثباتَ التشبيهِ بين عرشِ الخالقِ وعرشِ المخلوقِ، ولا بين استوائِهما، ومثلُ ذلك السريرُ؛ فإنَّ للمخلوقِ عرشًا، وورودُ المشابَهةِ في الاسمِ لا تعني المشابَهةَ في الحقيقة؛ فضلًا عن المشابَهةِ بين الخالقِ والمخلوقِ في الفعلِ.
* الحذرُ مِن التشبيه، وحكمُ التعبيرِ عن الصفات بما لم يَرِدْ في الشريعةِ مِن الإشارةِ والكَلَام:
ويُقتصَرُ على اللفظِ الواردِ في الوحيِ؛ وهو: "الاستواء"، ولو تقارَبَ مع اللفظِ غيرُهُ بالمعنى أو اتحَدَ؛ التزامًا باللفظِ المشروعِ الذي اختارَهُ اللهُ لِنَفْسِه، ودفعًا لتوهُّمِ اللَّبْسِ الذي قد يقَعُ في قلوبِ الناسِ مِن
стр. 118
الألفاظِ المجمَلةِ غيرِ المحكَمة، وقد كان مالكُ بن أَنَسٍ يَكرَهُ التحديثَ ببعضِ أحاديثِ الصفاتِ للعامَّة؛ وذلك حتى لا يَسبِقَ إلى أذهانِهم معنًى محظورٌ مِن التشبيه؛ كما قاله يحيى بنُ مُزَيْنٍ (١)، وابنُ عبد البَرِّ القُرطبيانِ (٢).
فإذا كان هذا عند مالكٍ في اللفظِ الواردِ في الحديث، فكيف بألفاظٍ لم تَرِدْ تقَعُ في ذهنِ السامعِ مَوقِعًا لا يليقُ بالله، وكان مالكٌ يشدِّدُ في إشارةِ الإنسانِ بيدِهِ عند ذكرِهِ لصفاتِ الله بما يُوهِمُ تشبيهًا؛ قال مالكٌ: "مَن وصَفَ شيئًا مِنْ ذاتِ اللهِ؛ مِثْلُ قولِهِ تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأشارَ بِيَدِهِ إلى عُنُقِه، ومثلُ قولِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فأَشَارَ إِلَى عَيْنِهِ وأُذُنَيْهِ، أو شَيِء مِن بَدَنِهِ -: قُطِعَ ذلك منه؛ لأنَّه شَبَّهَ اللهَ بِنَفْسِهِ".
وهذا مِن مالك فيمَن قصَدَ التشبيهَ، أو فُهِمَ منه ذلك، وأمَّا عند الأمنِ مِن ذلك عند مَن صَحَّ معتقَدُهُ، وسَلِمَ لسانُهُ، لإثباتِ حقيقةِ الصفةِ لا تكييفِها -: فذلك ورَدَ فيه الحديثُ؛ كما في حديثِ أبي هُرَيْرةَ؛ أنه قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُذُنِه، وَسَبَّابَتَهُ عَلَى عَيْنِهِ"؛ رواه أبو داودَ (٣).
وربَّما أجاز بعضُ السلفِ التعبيرَ بلفظٍ آخَرَ طابَقَ المعنى في موضعٍ، فيَظُنُّهُ بعضُ الناسِ جائزًا في غيرِه، فيقَعُ التشبيهُ والتعطيلُ؛ ولهذا
стр. 119
يقولُ ابنُ عبد البَرِّ: "نقولُ: استوَى مِنْ لَا مَكَانٍ إلى مَكَانٍ، ولا نقولُ: انتَقَلَ؛ وإنْ كان المعنى في ذلك واحدًا؛ أَلَا تَرَى أنَّا نقولُ: له عَرْشٌ، ولا نقولُ: له سَرِيرٌ؛ ومعناهما واحدٌ؟ ! ونقولُ: هو الحَكِيمُ، ولا نقولُ: هو العاقِلُ، ونقولُ: خليلُ إبراهيمَ، ولا نقولُ: صَدِيقُ إبراهيمَ؛ وإنْ كان المعنى في ذلك كلِّه واحدًا؟ ! لا نسمِّيه، ولا نَصِفُهُ، ولا نُطلِقُ عليه، إلَّا ما سَمَّى به نَفْسَهُ" (١).
وقد كان بعضُ السلَفِ يعبِّرُ عن الاستواءِ بغيرِه؛ كما صَحَّ عن خارجةَ بنِ مُصعَبٍ (٢)، والحسَنِ البَصْريِّ، وعِكْرِمةَ: أنهم عبَّروا عن الاستواءِ بالجلوسِ (٣)، وجاء عن الشَّعْبيِّ، عن ابنِ مسعود أيضًا؛ وفيه انقطاع (٤)، وتَبِعَهم وكيعٌ، وأحمَدُ؛ كما نقَلَهُ ابنُهُ عبدُ اللهِ في "السُّنَّة" (٥)، والدارِميُّ في "رَدِّهِ على بِشْر" (٦)، والدارَقُطْنيُّ في بعضِ كتبِهِ (٧)، وهذا الذي أرادَهُ النَّسَائيُّ في "سننه" في بابِ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٨) [فصلت: ١١]؛ حيثُ أورَدَ حديثَ ابنِ عُمَرَ في استواءِ المسافِر، وقد عبَّر عن الاستواءِ عبدُ الوهَّابِ الورَّاقُ بالقعودِ (٩)، وجاء عن مُجاهِدٍ تفسيرُ قولِهِ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]: "يُقعِدُهُ مَعَهُ على العَرْش" (١٠)،
стр. 120
وبهذا عبَّر ابنُ العربيِّ في سورة الأحزاب من "أحكام القرآن"، وهو على طريقة المتكلِّمِين.
والثابتُ في الحديثِ المرفوعِ: أنَّ المقامَ المحمودَ هو الشفاعةُ العُظْمَى (١).
وكثيرٌ مِن الأئمَّةِ: يذكُرُونَ الاستواءَ، ويذكُرُونَ معناه في اللغةِ؛ كالجلوسِ، والاستقرارِ، والتمكُّنِ في الشيءِ؛ كما فعَلَ ابنُ عبد البَرِّ (٢)، وغيرُهُ (٣)، ويريدونَ مِن ذلك: بيانَ الحقائقِ، والابعادَ عن المجازِ؛ وليس التمثيلَ؛ تعالى اللهُ!
وربَّما نَفَى بعضُ الأئمَّةِ مثلَ هذه الألفاظِ؛ كالجلوسِ؛ لِمَا يرى لها مِن لوازمَ تليقُ بالمخلوق؛ كابنِ رشدٍ في "البيان والتحصيل" (٤)؛ فقد جعَلَ الجلوسَ عليه، والتحيُّزَ فيه، والمماسَّةَ، مستحيلًا في صفاتِ اللهِ تعالى؛ لأنه مِن التكييفِ الذي هو مِن صفاتِ المخلوق، مع أنَّ ابنَ رشدٍ لم يَمنَعْ أن يكونَ الاستواءُ مِن صفاتِ اللهِ الفعليَّة.
وهذه اللوازمُ والأعراضُ التي ذكَرَها لم تَرِدْ في الشريعة، وإنما لمَّا لَزِمَتْ للجواهِر، نفاها عن الخالق، ولو تُرِكَتْ تلك اللوازمُ، وسُكِتَ عنها لسكوتِ الشارعِ، وأُثبِتَ ما جاء في الوحي وفسَّرَهُ السلفُ-: لكان أسلَمَ وأعلَمَ وأحكَم.
وتعبيرُ بعضِ السلَفِ بالجلوسِ والقعودِ (٥): مِن بابِ إثباتِ
стр. 121
الحقيقةِ، ونفيِ التأويلِ عن الظاهِر، لا لتقريرِ لفظٍ مغايِرٍ، وتجويزِ مِثْلِهِ في كلِّ موضعٍ؛ فهؤلاءِ حينما يعبِّرونَ عنِ الاستواءِ بغيرِه، لا يَجعَلُونَ تعبيرَهم تشبيهًا؛ فهم يُثبِتُونَ اللفظَ الآخَرَ بلا تشبيهٍ ولا تمثيل؛ فيذكُرُونَهُ دفعًا للتعطيلِ والتأويل، وإثباتًا للحقيقةِ التي تليقُ بالخالق، ونفيًا لِمَا يليقُ بالمخلوق؛ فكما أنَّهم يَنفُونَ التشبيهَ عند التعبيرِ بالاستواء، فكذلك يَنفُونَهُ عند التعبيرِ بالجلوسِ والقعودِ.
ولمَّا كان بعضُ المفوِّضةِ الذين يتوقَّفون في إثباتِ حقيقةِ الاستواءِ التي تليقُ بالله، وبعضُ المتأوِّلةِ الذين يَحمِلُونَهُ على معنًى غيرِ الحقيقة، يَستنكِرُونَ على بعضِ السلفِ إطلاقَ مِثْلِ هذه التعابيرِ؛ لأنَّهم يفوِّضونَ أو يتأوَّلونَ اللفظَ الوارِدَ، فيَستثقِلُونَ اللفظَ غيرَ الواردِ -: فهم فوَّضوا وتأوَّلوا؛ فرارًا مِن التشبيهِ المتوهَّمِ؛ فتأويلُهُمْ للتعبيرِ بغيرِ الواردِ ثقيلٌ على ما يعتقِدُونَ؛ لأنه يرسِّخُ إثباتَ الحقيقة، وهم يَفِرُّون منها؛ وإلَّا فإنَّ السلَفَ الذين يعبِّرون بما لم يَرِدْ، لا يُرِيدُونَ التشبيهَ به؛ فهم إذا لم يشبِّهوا باللفظِ الواردِ في النصِّ، فغيرُ الوارِدِ مِن بابِ أَوْلى.
وقد جاء في حديثِ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ: "إِذَا جَلَسَ الرَّبُّ عَلَى الْكُرْسِيِّ" (١)؛ رواه عنه عبدُ اللهِ بن خَلِيفَةَ؛ أَخرجَهُ الدارِميُّ، وعبدُ اللهِ بن أحمدَ في "السُّنَّة".
وربَّما عبَّر بعضُ السلفِ عن الاستواءِ ببعضِ لوازمِهِ؛ كالعلوِّ، والارتفاعِ؛ لأنَّه لا يَستوِي إلا مرتفِعٌ وعالٍ على غيرِه، ويَظهَرُ هذا في قولِهِ تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ [طه: ٥]؛ فـ "على" تَدُلُّ على العلوِّ والفوقيَّة.
ولا يَلزَمُ مِن إثباثِ حقيقةِ الاستواءِ: القولُ بالتشبيه؛ وهذا اللازمُ
стр. 122
المتوهَّمُ هو الذي دفَعَ إلى تعطيلِ الصفاتِ وتأويلِها، والجهلُ بكيفيَّةِ الشيءِ لا يُجِيزُ تأويلَهُ أو نفيَهُ؛ كما قال ابنُ عبد البَرِّ: "لقد أَدْرَكْنا بحَوَاسِّنا: أنَّ لنا أَرْوَاحًا بأبدانِنا، ولا نَعلَمُ كيفيَّةَ ذلك، وليس جَهْلُنَا بكيفيَّةِ الأرواحِ يُوجِبُ أنْ ليس لنا أرواحٌ، وكذلك ليس جهلُنا بكيفيَّةِ [استوائِه] على عرشِه، يُوجِبُ أنه ليس على عَرْشِه" (١).
فيجبُ إثباتُ الاستواءِ حقيقة، وتفويضُ كيفيَّته؛ لأنَّ اللهَ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقد قال رجلٌ لمالكٍ: "يا أبا عبد اللهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]؛ كَيْفَ استَوَى؟ قال: الاستواءُ غيرُ مجهولْ، والكيفُ منه غيرُ معقولْ، والسؤالُ عنه بِدْعة، والإيمانُ به واجب، وأَرَاكَ صاحبَ بِدْعةٍ؛ أَخْرِجُوهُ! " (٢).
فقد نفى مالكٌ معرفةَ الكيفيَّةِ وفوَّضَها، ولم يفوِّضِ الحقيقةَ؛ ولذا قال: "الاستواءُ معلومْ، والكيفُ مجهولْ"، ولا يكونُ الكيفُ إلَّا لِمَا له حقيقةٌ، وما لا حقيقةَ له لا يُحتاجُ إلى تفويضِ تكييفِهِ؛ لأنه ليس صفةً للذاتِ التي ليس كمِثْلِها شيءٌ.
وقد نفَتِ المعتزِلةُ الاستواءَ، وفسَّروه بالاستيلاءِ؛ وهذا ما لا تَعرِفُهُ العرَبُ ولا هو جائزٌ في كلامِها؛ كما قاله الخليلُ بنُ أحمَدَ (٣).
وكلُّ ما لا مَجَالَ للعقلِ فيه، فلا يجوزُ الخوضُ فيه، ومِن ذلك: ذاتُ اللهِ وصفاتُهُ، وإنما يُكتفَى بالقَدْرِ الوارِدِ في السمع، ولا يُزادُ عليه؛ فما دَلَّ السياقُ على حقيقتِهِ تُثبَتُ حقيقتُهُ؛ لأنَّ هذا مقتَضَى اللسانِ العرَبيِّ الأوَّلِ بلا تكلُّفٍ، وتفوَّضُ كيفيَّتُه.
стр. 123
وقد كان غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ المَغارِبةِ على هذا؛ كما قال ابنُ رُشْدٍ في "المقدِّمات": "وأمَّا ما وصَفَ به نفسَهُ تعالى في كتابِهِ: أنَّ له وجهًا ويَدَيْنِ وعينَيْنِ، فلا مَجَالَ للعقلِ في ذلك، وإنَّما يُفهَمُ ذلك مِن جهةِ السمعِ؛ فيجبُ اعتقادُ ذلك والإيمانُ به مِن غيرِ تكييفٍ ولا تحديدٍ" (١).
وقد كان بعضُ أهلِ المَغرِبِ يتأوَّلونَ ما ثبَتَ مِن الصفاتِ بالسمعِ، ويصفونَ المُثبِتةَ بـ "المجسِّمةِ"، و "المشبِّهةِ"، و "الحَشَويَّةِ"؛ توهُّمًا أنَّ مَن يُثبِتُ الحقيقةَ يأخُذُ بلوازمِها التي يَستحضِرُها الذهنُ عند التفكُّر.
وهذه لوازمُ لا يجوزُ الإلزامُ بها؛ لأنَّ مَن كانت ذاتُهُ لا شبيهَ لها، فصفاتُهُ لا شبيهَ لها كذلك، ومَن كانت لوازمُ ذاتِهِ لا شبيهَ لها، فلوازمُ صفاتِهِ لا شبيهَ لها كذلك.
وقد تَعقَّبَ الإلبيريُّ ابنَ رشدٍ في إثباتِهِ ما ثبَتَ بالسمعِ مِن الصفات (٢)، وقد أخطَأَ لأجلِ تلك المقدِّماتِ والإلزاماتِ والتوهُّمات.
وأصلُ تأويلِ الاستواءِ: توهُّمُ التشبيهِ بالمخلوقِ: إمَّا بذاتِ الصفة، وإمَّا بلوازمِها مِن الحَدِّ وغيرِه؛ وهذا يَرِدُ على المخلوق، ولا يَرِدُ على الخالقِ؛ لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]؛ كما سَمِعَتِ امرأةُ جَهْمِ بنِ صَفْوانَ رجلًا يقولُ: اللهُ على عَرْشِه، فقالتْ: محدودٌ على محدودٍ؛ فقال الأصمعيُّ: "هي كافِرةٌ بهذه المَقَالَة" (٣)؛ فقد توهَّمَتْ تشبيهًا؛ فصارت إلى التعطيل، ولو سَلِمَتْ مِن التشبيهِ، لم تعطِّلْ.
стр. 124
* الأسماء والصفات:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَلَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى، وَالصِّفَاتُ الْعُلَا، لَمْ يَزَلْ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ؛ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ صِفَاتُهُ مَخْلُوقَهْ، وَأَسْمَاؤُهُ مُحْدَثَهْ):
قولُ ابنِ أبي زَيْدٍ هنا في مقدِّمةِ "الرسالةِ"، وفي "الجامِعِ" (١): "لَمْ يَزَلْ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ"؛ أي: أنَّه سبحانَهُ على كمالِه، لا يغيِّرُهُ الزمان، لا يَحتاجُ إلى علمٍ يَكتسِبُه، ولا ينقُصُهُ شيءٌ فيُتِمَّه، ولا فيه شيءٌ زائدٌ فيَنقُصَه.
وقد أخَذَ بعضُ المتكلِّمين مِن قولِ ابنِ أبي زَيْدٍ: "لَمْ يَزَلْ بِجَمِيعِ صفَاتِهِ": نفيَ الصفاتِ الفِعْلِيَّةِ كالاستواءِ؛ لأنَّ اللهَ لم يَكُنْ مستوِيًا قبلَ خَلْقِ العَرْش؛ وهذا باطِلٌ؛ فمِن صفاتِ اللهِ: أنَّه ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧، والبروج: ١٦]، وأنَّه ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠، والحج: ١٨]؛ فلم يَزَلْ على ذلك، فلا يجوزُ نفيُ صفةِ الخَلْقِ؛ لأنَّه لم يَكُنْ خالِقًا قبلَهم؛ على قولِهم بعدمِ تَسلْسُلِ الحوادِثِ:
فإنْ كان مِن صفاتِهِ: أنَّه يَفعَلُ ما يُرِيدُ، فهذا دليلٌ على أنَّ أفعالَهُ تكونُ منه في زمانٍ دُونَ زمانٍ؛ كالاستواءِ، والنزولِ، كما تكونُ منه في مكانٍ دُونَ مكانٍ؛ كتَجَلِّيهِ سبحانه للجَبَل، وهم يعترِضُونَ على الصفاتِ الفِعْليَّةِ تنزيهًا لله عن الحوادِث، وأنَّ الحوادِثَ لم تكنْ موجودةً، فحدَثَتْ، فهي مخلوقةٌ، ويُنزَّهُ اللهُ عن أن يكونَ شيءٌ منه مخلوقًا.
стр. 125
وهذا كلُّه تأصيلٌ لقاعدةِ الجَوْهَرِ والعَرَضِ والحوادِث، وانضباطُها على الإنسانِ لا يُجِيزُ تنزيلَها على اللهِ؛ فاللهُ تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورَى: ١١]؛ فمَن ليس كمِثْلِهِ شيءٌ في ذاتِه، ليس كمِثْلِهِ شيءٌ في صفاتِه.
والسلَفُ يُثبِتُونَ للهِ الأسماءَ والصفاتِ؛ كما أثبَتَها اللهُ لنفسِه، وأثبَتَها له نبيُّهُ ﷺ ؛ مِن غيرِ تشبيهٍ ولا تمثيلْ، ولا تعطيلٍ ولا تكييفٍ ولا تأويلْ، والذي عليه السلفُ: إثباتُ ما أثبَتَهُ اللهُ لنفسِه، وما أثبَتَهُ له نبيُّه ﷺ ، والإيمانُ بذلك، وأنَّه على الحقيقةِ؛ فلا يؤوَّلُ، ولا يَلزَمُ مِن إثباتِ الحقيقةِ: التشبيهُ؛ كما أنه لا يَلزَمُ مِن إثباتِ ذاتِ اللهِ على الحقيقةِ: إثباتُ الشبيهِ لها، ومَن جعَلَ ذلك لازمًا، فيَلزَمُهُ إنكارُ حقيقةِ الذاتِ؛ كما يُنكِرُ حقيقةَ الصفاتِ؛ فالعِلَّةُ التي تَستوجِبُ نفيَ الحقيقتَيْنِ واحدةٌ.
* ما وَرَدَ مِن الأسماءِ والصفاتِ عن الصحابةِ والتابِعِين:
الأصلُ: ألَّا تُثبَتَ الأسماءُ والصفاتُ لله إلا بما ثبَتَ في الوحيَيْن؛ لأنَّ مسائلَ الغيب مَرَدُّها إلى علمِ الله، لا مجالَ فيها للاجتهادِ والنَّظَر؛ فاللهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ حتى يُقاسَ على غيرِه، أو يُقاسَ غيرُهُ عليه.
وأمَّا ما يُثبِتُهُ الصحابةُ مِن الصفاتِ والأسماءِ لله؛ فهم لا يقولونَ على اللهِ بلا عِلْم، وليستِ العقائدُ مِن موارِدِ النِّزَاعِ عندَهم؛ ولهذا لا يُحفَظُ عنهم خلافٌ في الأسماءِ والصفاتِ وتوحيدِ الله؛ فقَوْلُ الواحدِ في ذلك هو قولُ البَقِيَّة، ولَمَّا أَذِنَ الشرعُ لهم بالحديثِ عن بني إسرائيلَ مما لا يُخالِفُ الشريعةَ، في قولِهِ ﷺ : (حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،
стр. 126
وَلَا حَرَجَ) (١)، كان الصحابةُ في الأسماءِ والصفاتِ على قسمَيْنِ:
القِسْم الأوَّل: الذين لا يُعرَفُونَ بالنقلِ عن بني إسرائيلَ؛ وهم الأصلُ والأغلَبُ؛ فهؤلاءِ يُجزَمُ أنَّهم لا يتخرَّصُونَ على الله بالعَقْل، وأنَّ نَقْلَهم إنما هو عن وَحْي.
وإثباتُ ذلك صحيحٌ؛ كما جاء عن ابنِ عبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، وأبي مُوسَى: إثباتُ القَدَمَيْنِ لله (٢)؛ فهذا يقوِّيهِ إثباتُ صفةِ القَدَم لله تعالى في "الصحيحَيْنِ"؛ مِن حديثِ أنسٍ وأبي هُرَيْرةَ مرفوعًا (٣)، وفي "المسنَدِ"، وعند ابنِ خُزَيْمةَ في "التوحيد"؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (٤)، وله ما يعضُدُهُ مِن مرفوعٍ عن ابنِ عبَّاسٍ في "المسنَدِ"، وغيرِه (٥).
ونقَلَ الآجُرِّيُّ في "الشريعة" (٦): "أنَّ عمَلَ مذهبِ أهلِ الحقِّ والعلماءِ: أنَّهم يَصِفُون اللهَ بما وصَفَ به نَفْسَهُ ، وبما وصَفَهُ به رسولُهُ ﷺ ، وبما وصَفَهُ به الصحابةُ ﵃".
ولأنَّ مجرَّدَ كلامِ الصحابيِّ في الأسماءِ والصفاتِ وفيما لا يجوزُ له أن يتكلَّمَ به إلا بالوَحْي، فذلك كأنَّما أسنَدَهُ ورفَعَهُ إلى النبيَّ ﷺ ؛ ويؤكِّدُ ذلك: أنَّ الصحابةَ لم يَقَعْ بينَهُمُ اختلافٌ ونزاعٌ في هذا البابِ؛ كما وقَعَ بينَهم في الفروع؛ لأنَّ الفروعَ مَحَلُّ رأيٍ واجتهاد.
стр. 127
وكان أحمدُ وغيرُهُ (١) يجعَلُونَ مِن أصولِ السُّنَّةِ: التمسُّكَ بما عليه الصحابةُ.
القِسْم الثاني: مَن عُرِفَ بالأخذِ والروايةِ عن بني إسرائيلَ؛ فذلك مما يُتوقَّفُ فيه، ولا يُثرَّبُ على مَن حكى المَرْوِيَّ كما حكاه الصحابيُّ؛ ما لم يَكُنْ في ذلك شُبْهةٌ على سامِع.
وأمَّا التابِعونَ: فما جاء عنهم مِن مَرْوِيَّاتٍ في الصفاتِ؛ كصفةِ الرُّكْبةِ -رواها مجاهِدٌ عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ (٢) - فإذا لم يَكُنْ في الباب ما يعضُدُها مِن مرفوعٍ أو مقطوعٍ، فالأصلُ عدمُ الاحتجاجِ بذلك؛ لأنَّ التابِعِينَ -خاصَّةً الحجازيِّين- وإنْ لم يختلِفُوا في هذا الباب، ولا يقولونَ برأيِهم فيه، إلا أنَّ قولَهم في ذلك مِن جِنْسِ المُرسَلَاتِ إلى النبيِّ ﷺ ؛ فالأصلُ التوقُّفُ، حتى يَصِحَّ مَرْوِيُّهُمْ إلى صحابيٍّ.
والأئمَّةُ -كمالِكٍ وأحمدَ وغيرِهما- لا يجعَلُون قولَ التابعيِّ حُجَّةً مقطوعةً في الفروعِ والأصولِ، ولكنَّه يُستأنَسُ به ويُحتَجُّ به؛ لعَضْدِ أصلٍ قد ثبَتَ بدليلٍ آخَرَ.
* أسماءُ اللهِ:
للهِ الأسماءُ الحسنى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وليس له مَن يُشابِهُهُ في أسمائِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وكلُّ اسمٍ له معنًى؛ فيُثبَتُ الاسمُ والمعنى جميعًا؛ وذلك أنه مِن إحصائِها معرِفةُ مَعانِيها، والعمَلُ بمقتضَاها؛ كما قال ﷺ :
стр. 128
(إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا؛ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ) (١).
ولا يُقال بنفيِ الأسماءِ؛ كما تقولُ الجهميَّةُ، ولا بإثباتِها مجرَّدةً عن مَعانِيها؛ كما تقولُ المعتزِلة، بل بإثباتِها مع مَعانِيها.
وأسماءُ اللهِ: عَلَمٌ للمسمَّى، ودالةُ عليه، وإنْ أُرِيدَ بها ذاتُهُ، فالاسمُ هو المسمَّى، ولا يجوزُ القولُ بأنَّ الاسمَ غيرُ المسمَّى، ما لم يُرَدْ بذلك اللفظُ العرَبيُّ لا كلامُ الله، أو كان في سياقِ الإعرابِ؛ فهنا يُرادُ الاسمُ، لا المسمَّى ذاتُه.
وقد أظهَرَ المتكلِّمونَ إطلاقَ أنَّ أسماءَ اللهِ مخلوقة؛ ليُخرِجُوها عن ذاتِهِ سبحانه؛ فلا يَلتزِمُوا بما تتضمَّنُهُ الأسماءُ مِن الصفات؛ وهذا قولُ الجهميَّةِ والمعتزِلة (٢).
وقد كان أهلُ العربيَّةِ مِن الصَّدْرِ الأوَّلِ يُنكِرُونَ ذلك؛ كما قال الأصمَعيُّ: "إذا سَمِعْتَ الرجُلَ يقولُ: الاسمُ غيرُ المسمَّى، فاحكُمْ عليه بالزَّنْدَقة" (٣).
* حقيقةُ الصفاتِ:
وللصفاتِ حقيقةٌ ظاهِرة؛ وهي على نوعَيْنِ:
النوعُ الأوَّلُ: حقيقةٌ ظاهِرةٌ تليقُ بالخالق، وهي تَظهَرُ عند إضافةِ الصفةِ إلى اللهِ تعالى، وهذه يَجِبُ إثباتُها للهِ سبحانَهُ.
стр. 129
النوعُ الثاني: حقيقةٌ ظاهِرةٌ تليقُ بالمخلوقِ، وهي تَظهَرُ عند إضافةِ الصفةِ إلى المخلوق؛ وهذه تُثبَتُ لصفةِ المخلوق، ويجبُ نفيُها عن صفة الخالِقِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]؛ وهذه الحقيقةُ اللائِقةُ بالمخلوقِ لا تَظهَرُ مِن إضافةِ الصفةِ إلى اللهِ تعالى، إلَّا عندَ المعطِّلةِ والمشبِّهةِ؛ وهو ما أدَّى بهما إلى نفيِ الصفةِ بحقيقتِها اللائِقةِ باللهِ تعالى وتعطيلِها.
وقد كان السلفُ يَنفُونَ أن يكونَ إثباتُ الحقيقة يَلزَمُ منه التشبيه؛ ولذا يقولُ إسحاقُ بنُ راهويه: "إنما يكونُ التشبيهُ إذا قال: يدٌ كيَدٍ أو مثلُ يد، أو سَمْعٌ كسَمْعٍ أو مثلُ سَمْع، فإذا قال: سَمْعٌ كسَمْعٍ أو مثلُ سَمْعٍ فهذا التشبيه، وأما إذا قال -كما قال الله تعالى-: يدٌ وسمعٌ وبَصَر، ولا يقولُ: كَيْف، ولا يقول: مِثل سَمْع، ولا: كسَمْع، فهذا لا يكونُ تشبيهًا" (١).
وقد أراد إسحاقُ أن يدفَعَ التوهُّمَ الذي يَقَعُ في بعض النُّفوس؛ أن إثباتَ الحقائق يلزَمُ منه القولُ بتشبِيهها.
فقد كان المعطِّلةُ يَنفُونَ حقائقَ الصفاتِ خوفًا مما يَلِيقُ بالمخلوقِ؛ فحمَلَهُمْ ذلك على تأويلِ الصفات، ثُمَّ هم تأوَّلوا الصفاتِ على معانٍ لا تخرُجُ عمَّا فرُّوا منه مِن حقائقِ الصفات؛ فالذي انتَهَوْا إليه مِن تأويلِها تضمَّن محظورَيْن:
الأوَّلُ: أنَّ قولهم هذا هو تعطيلٌ في صورةِ تأويل؛ فصرَفُوا الصفةَ عن الحقيقةِ المرادةِ إلى غيرِها؛ فتعطَّلَتْ عن المقصود.
стр. 130
الثاني: أنَّ المعنى الذي أثبَتُوهُ بعدَ تأويلِهِمْ، هو نَفْسُ المعنى الذي يكونُ مِن المخلوقِ عند صرفِ حقيقةِ صفتِهِ عن ظاهِرِها:
فمثَلًا: الاستواءُ والنزولُ: فمَن يُثبِتُهما على الحقيقةِ التي تليقُ بالخالق، وينزِّهُهما عن الحقيقةِ التي تليقُ بالمخلوق، لم يُشبِّهْ خالقًا بمخلوقٍ، ولم يتأوَّلْ، ومَن نفى الحقيقةَ التي تليقُ بالخالقِ، فتأوَّلَ الاستواءَ بالعلوِّ، والنزولَ بالرحمةِ، استعمَلَ لغةَ العرَبِ في هذا الموضعِ على المعنى الذي يَصِحُّ مِن المخلوقِ والخالقِ جميعًا كذلك، وإنِ اختلَفَ علوُّ الخالقِ ونزولُهُ عن علوِّ المخلوقِ ونزوله، فليست رحمةُ اللهِ كرحمةِ المخلوقِ، ولا علوُّهُ كعلوِّه؛ فلماذا لا يُثبِتُونَ الصفاتِ على الحقيقةِ، ويَنفُونَ ما يليقُ بالمخلوقِ؛ كما يُثبِتُونَ المعانيَ بالتأويل، ويَنفُونَ ما يليقُ بالمخلوق؟ !
* الإقرار بإثبات الصفة يُبطِلُ التفويض:
والله لا يُنزِلُ شيئًا في كتابِه، ويريدُ أن يتلُوَ الناسُ الحروفَ، ولا يَفهَمُونَ شيئًا مِن المعاني بإطلاق، والذين يقولونَ بتفويضِ الصفات، وأنه لا يُعلَمُ معناها، يَتناقَضُون؛ وذلك أنَّهم يسمُّونها صفةً، ثم يفوِّضون معناها كلَّه، ويَنفُونَ حقيقَتَها؛ فكيف عرَفُوا أنها صفةٌ إِذَنْ؟ ! فالحكمُ على المعنى بكونِهِ صفةً إثباتٌ للعلمِ بقَدْرٍ من معناه؛ فإنَّ مجرَّدَ إضافةِ الشيءِ للربِّ ليس دليلًا وحدَهُ لكونِ المضافِ صفةً للمضافِ إليه؛ فالإضافةُ لله قد تكونُ إضافةَ تشريف، وقد تكونُ إضافةَ صفةٍ، وتحديدُ إحدى الإضافتَيْنِ إقرارٌ بالمعنى حقيقةً.
وقد صنَّف جماعةٌ مِن المَغارِبةِ كُتُبًا في إثباتِ حقيقةِ الصفاتِ، والردِّ على المتكلِّمينَ والمعطِّلةِ؛ كسعيدِ بنِ الحدَّادِ في كتابِ "الاستواء"،
стр. 131
وقد قال: "قَصَدْنا مِن هذا الكتابِ إلى الرَّدِّ على النافيةِ للهِ بنَفْيِهم لصفاتِه" (١).
وعلى هذا المحقِّقون منهم؛ كما نقَلَ ذلك ابنُ رشدٍ في "البيان والتحصيل"؛ قال: "بأنَّ للهِ يَدَيْنِ ووجهًا وعينَيْنِ" (٢)، ثم عزا لبعضِ الشيوخِ تأويلَ ذلك، وأنَّ المرادَ بالوجهِ: الذاتُ، وبالعينَيْنِ: إدراكُ المرئيَّات، والمرادُ باليدَيْنِ: النعمتان، ثم قال: "والصوابُ: قولُ المحقِّقينَ الذين أثبَتُوها؛ وهو الذي قاله مالِك" (٣).
وهذا ما قرَّره أبو القاسمِ السُّهَيْلِيُّ المغربيُّ المالكيُّ في كتابِهِ "نتائج الفِكْر"، عند كلامِهِ على صفةِ اليَد، وأنها لا تؤوَّلُ بالنِّعْمةِ ولا بالقُدْرة، بل على الحقيقة، وقال: "كان معناها مفهومًا عند القومِ الذين نزَلَ القرآنُ بلُغَتِهم؛ ولذلك لم يَستَفْتِ أحدٌ مِن المؤمنين رسولَ اللهِ ﷺ عن معناها، ولا خاف على نَفْسِهِ توهُّمَ التشبيهْ، ولا احتاجَ مع فهمِهِ إلى شرحٍ وتنبيهْ" (٤).
وذلك أنَّ إثباتَ حقيقةِ الصفةِ لله، لا يعني القولَ بمشابَهَتِها لحقيقةِ صفةِ المخلوق؛ فلكلِّ حقيقةٌ تليقُ به، واللهُ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقد كان متقدِّمو الأشاعرة؛ كالباقِلَّانيِّ، يُثبِتُونَ للهِ تعالى الوجهَ واليَدَ على الحقيقة، بل عَدَّ الباقِلَّانيُّ في "التمهيد" (٥) نفيَ ذلك مِن مَخَازِي المعتزِلة، وضلالِهم وقبيحِ مَذْهَبِهم، وعدَّ الفخرُ الرازيُّ إثباتَ
стр. 132
الأشعريِّ لليَد، وأنها غيرُ القُدْرة، وللوجه، وأنه غيرُ الوجودِ: أنَّ ذلك إثباتٌ، لا توقُّفَ فيه؛ كما في كتابه "المحصَّل" (١)؛ حيثُ خالَفَ فيه رأيَ الأشعريِّ، وتوقَّف وفوَّض.
ومِن شُبُهاتِ المعطِّلة: قولُهم بحدوثِ الأسماءِ والصفاتِ؛ وبهذا استدَلَّ بعضُ متكلِّمي المغرِبِ؛ وهو سُلَيْمانُ الفرَّاءُ؛ "فقد سأَلَ ابنَ سُحْنُونٍ يستدرِجُهُ: يا أبا عبد الله، اللهُ سَمَّى نَفْسَهُ؟ فقال ابنُ سُحْنُونٍ: اللهُ سَمَّى نفسَهُ، ولم يَزَلْ له الأسماءُ الحُسْنَى" (٢).
* كلامُ اللهِ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (كَلَّمَ مُوسَى بِكَلَامِهِ الَّذِي هُوَ صِفَةُ ذَاتِهْ، لَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهْ):
واللهُ متكلِّمٌ متى شاء بما شاء، والقرآنُ كلامُهُ، وكلامُهُ بائنٌ مِن خلقِهِ، وخلقُهُ خلقٌ، ولا يكونُ كلامُهُ مخلوقًا؛ لكونِهِ مسموعًا ومقروءًا، ومحفوظًا ومكتوبًا ومتدبَّرًا، بل المخلوقُ الأداةُ، وهي: أُذُنُ الإنسانِ ولسانُهُ وشفتاهُ، ورِيقُهُ ولَهَوَاتُهُ، وقلبُهُ وعقلُهُ، والوَرَقُ والحِبْر؛ قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقد أُكِّدَ الكلامُ بالمصدَرِ: "تكليمًا"؛ لِيُعلَمَ أنه كلامٌ على الحقيقةِ.
والعرَبُ تسمِّي ما يَصِلُ من القول إلى الإنسانِ كلامًا، بأيِّ طريقٍ وصَلَ إليه؛ كتابةً أو غيرَها، ولكنْ لا تحقِّقُهُ بالمصدَر، فإذا أُكِّدَ الفعلُ بالمصدَرِ،
стр. 133
لم يُحمَلْ إلا على الحقيقةِ مِن غيرِ واسطةٍ، وقد قال ثَعْلَبٌ في قولِهِ: ﴿تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]: "خرَجَ الشكُّ الذي كان يدخُلُ في الكلامِ" (١).
وهذا إجماعُ النحويِّينَ؛ كما حكاه عنهم أبو جَعفَرٍ النَّحَّاسُ (٢).
والقولُ بخلقِ القرآنِ بِدْعةٌ، لم يَقُلْ بها معروفٌ بصلاحٍ، فضلًا عن معروفٍ بعلمٍ في الصدرِ الأوَّل.
* شِدَّة مالك وأصحابِه على القول بخَلْقِ القرآن:
قال مالكٌ: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُ اللهِ منه، وليس مِن اللهِ شيءٌ مخلوقٌ" (٣).
وقال أيضًا: "القرآنُ كلامُ الله، وكلامُهُ لا يَبِيدُ ولا يَنفَدُ، وليس بمخلوقٍ" (٤).
وكان يصفُ مَن قال بخلقِ كلامِ اللهِ بالزَّنْدَقةِ، ويأمُرُ بقَتْلِه، ولم يكنْ أحدٌ مِن أصحابِ مالكٍ في المغرِبِ والمشرِقِ ولا مِن أصحابِهم: مَن يُخالِفُ في أنَّ القرآنَ كلامُ الله، ليس بمخلوقٍ، وهو إجماعُ القرونِ المفضَّلةِ ومَن تَبِعَهم.
وقد بلَغَتْ فتنةُ القولِ بخلقِ القرآنِ أصحابَ مالكٍ في المدينةِ وإفريقيَّة، وثبَتُوا على الحقِّ الذي كان عليه أهلُ العلم بالمدينةِ وغيرِها؛ يقولُ موسى بن الحسَن: "سمعتُ أبا بكرِ بنَ أبي أُوَيْسٍ، ومطرِّفَ بنَ عبد الله، وقد دُعِيَا إلى المحنةِ في القرآنِ بالمدينة، فلمَّا قُرِئَ عليهما
стр. 134
الكتابُ، قال أبو بكرٍ: أكفُرُ باللهِ بعد نيِّفٍ وتسعينَ سنةً، ومجالَسةِ مالك، ورجالٌ مِن أهلِ العلمِ بالمدينةِ متوافِرون؟ ! فقيل له: لِيَكُنْ بيتُكَ سِجْنَك" (١).
وقد قال أبو محمَّدٍ يحيى بن خلَفٍ المُقْرِئُ: "كنتُ عند مالكِ بنِ أنَسٍ سنةَ ثمانٍ وسِتِّينَ، فأتاه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقولُ فيمن يقولُ: القرآنُ مخلوقٌ؟ قال: كافِرٌ زِنْدِيقٌ؛ اقتُلُوهُ، قال: إنما أَحكِي كلامًا سَمِعْتُهُ، قال: لم أَسمَعْهُ مِن أحدٍ؛ إنما سَمِعْتُهُ منك.
قال أبو محمَّدٍ: فغَلُظَ ذلك عَلَيَّ، فقَدِمْتُ مِصْرَ، فلَقِيتُ الليثَ بنَ سَعْدٍ، فقلتُ: يا أبا الحارثِ، ما تقولُ فيمن قال: القرآنُ مخلوقٌ، وحكَيْتُ له الكلامَ الذي كان عند مالكٍ؟ فقال: كافِرٌ، فلَقِيتُ ابنَ لَهِيعةَ، فقلتُ له مثلَ ما قلتُ لِلَّيْثِ بنِ سَعْدٍ، وحكَيْتُ له الكلامَ؟ فقال: كافِرٌ.
فأتيتُ مَكَّةَ، فلَقِيتُ سُفْيانَ بنَ عُيَيْنةَ، فحكَيْتُ له كلامَ الرجلِ؟ فقال: كافِرٌ، ثُمَّ قَدِمْتُ الكوفةَ، فلَقِيتُ أبا بكرِ بنَ عَيَّاشٍ، فقلتُ له: ما تقولُ فيمن يقولُ: القرآنُ مخلوقٌ، وحكَيْتُ له كلامَ الرجلِ؟ فقال: كافِرٌ، ومَن لم يَقُلْ: إنه كافِرٌ، فهو كافِرٌ، فلَقِيتُ عليَّ بنَ عاصمٍ، وهُشَيْمًا، فقلتُ لهما، وحكَيْتُ لهما كلامَ الرجلِ؟ فقالا: كافِرٌ، فلَقِيتُ عبدَ اللهِ بنَ إدريسَ، وأبا أسامةَ، وعَبْدةَ بنَ سُلَيْمانَ الكِلَابِيَّ، ويحيى بنَ زَكَرِيَّا، ووَكِيعًا، فحكَيْتُ لهم؟ فقالوا: كافِرٌ، فلَقِيتُ ابنَ المبارَك، وأبا إسحاقَ الفَزَاريَّ، والوليدَ بنَ مسلِمٍ، فحكَيْتُ لهم الكلامَ؟ فقالوا كلُّهم: كافِر" (٢).
стр. 135
وقد ذكَرَ اللهُ القرآنَ في أربعةٍ وخمسينَ موضعًا منه؛ فلم يُشِرْ في شيءٍ منها إلى خَلْقِه، وذكَرَ الإنسانَ في ثمانيةَ عشَرَ موضعًا ثُلُثِ ذلك العدَدِ؛ فصرَّح في جميعِها بخَلْقِه؛ كما ذكَرَهُ ابنُ عطيَّة، وقال: "وهذا يدُلُّ على أنه غيرُ مخلوق" (١).
* ظهورُ القول بخَلقِ القرآن في المغرب:
ولمَّا ظهَرَ القولُ بخلقِ القرآن في المغربِ مِن بعض المتكلِّمين؛ كسُلَيْمانَ الفرَّاء، ومحمَّدِ بنِ الكَلَاعِيِّ، ردَّه أئمَّةُ السُّنَّةِ، وكتَبُوا فيه، وقد كتَبَ ابنُ الحدَّادِ وإبراهيمُ الضَّبِّيُّ كتبًا في ردِّ بدعةِ القولِ بخلقِ القرآن.
ولم يكنِ المسلمون في المغرِبِ يَعرِفُونَ القولَ بخلقِ القرآنِ في القرونِ الأُولى، حتى ظهَرَتْ فتنتُهُ في المشرِقِ، وقد همُّوا بقتلِ سُلَيْمانَ الفرَّاء، حينما قال بخلقِ القرآنِ؛ كما ذكَرَهُ ابنُ عذاري المراكشي في "البيان" (٢).
وكان أهلُ الإسلام في المغرِب يَصِفُونَ القائلَ بخلقِ القرآنِ مِن المَغارِبةِ بأنَّهم: "أهلُ العِرَاقِ"؛ لأنَّهم ساروا على نَهْجِهم، وأخَذُوا بقَوْلهم؛ أي: أنَّ هذا القولَ لا يُعرَفُ مِن قبلُ في بلادِهم عند المسلمين، وإنَّما يقولُ به بعضُ فلاسفةِ أهلِ الكِتاب المغارِبةِ في التَّوْرَاةِ والإنجيل، الذين أدخَلُوا الفلسفةَ وعلمَ الكلام في دينِهم على الطريقةِ التي سَلَكَتْها بعضُ الطوائفِ الإسلامية، وقد كان الفيلسوفُ موسى بنُ ميمونٍ القرطبيُّ اليهوديُّ يقول: "بإجماعِ أُمَّتِنا أنَّ التوراةَ مخلوقةٌ"! (٣)، وأصلُ فلاسفةِ
стр. 136
أهل الكتابِ الذي دعاهم للقول بهذا الكلامِ هو أصلُ الفلاسفةِ المنتسبينَ للإسلام، الذين قالوا: إنَّ القرآنَ مخلوق!
* أصلُ فِتنة خَلْق القرآن، والكلام النَّفْسي:
وكان أصلُ الفِتْنةِ في القولِ بخلقِ القرآنِ في المشرِقِ والمغرِبِ:
إنما هو في المسموعِ والمقروءِ والمكتوب، والمحفوظِ والمتدبَّرِ؛ وبهذا يقولُ الجهميَّةُ والمعتزِلةُ.
حتى جاء ابنُ كُلَّابٍ، وأثبَتَ الكلامَ النَّفْسيَّ، وقال بخلقِ ما عداه مِن المسموعِ والمقروءِ والمحفوظِ، والمكتوبِ والمتدبَّرِ، وظنَّ هو ومَن قال بقولِهِ: أنهم يُثبِتُونَ الكلامَ، وأنَّ قولَهم خارجٌ عن محلِّ النزاع؛ توهُّمًا أنَّ النزاعَ إنَّما هو في الكلامِ النَّفْسيِّ مع الجهميَّةِ والمعتزِلةِ فحسبُ، وإنما النزاعُ في الكلامِ كلِّه، وجرَى مع ابنِ كُلَّابٍ الأشاعرةُ؛ فأخَذُوا يُثبِتُونَ الكلامَ لله، ويريدونَ به: ما قام في النَّفْسِ، لا ما أدرَكَهُ الإنسانُ بسمعِهِ وبصَرِه، وقلبِهِ وعقلِه، وبلَّغه الإنسانُ بصوتِهِ ولسانِه.
وهذا التفريقُ لا يُعرَفُ قبلَ ابنِ كُلَّاب، وكان الأئمَّةُ عند ظهورِ فتنةِ القولِ بخلقِ القرآنِ لا يفرِّقون، ويَعرِفُونَ أنَّ فتنةَ القولِ بخلقِ القرآن، كانت لشُبُهاتٍ مِن أعظَمِها: شُبْهةُ أنَّ المسموعَ والمقروءَ منفصِلٌ عن الذاتِ؛ فلا يكونُ منها؛ ولهذا قال أحمدُ بن حنبلٍ في "عقيدتِهِ" التي رواها عنه قاضي قُرْطُبةَ أسلَمُ بن عبد العزيزِ أبو الجَعْدِ: "أَشهَدُ أنَّ اللهَ ﵎ يقولُ، وقولُهُ الحَقُّ، خَلْقُهُ خَلْقٌ، وقَوْلُهُ بائنٌ مِن خَلْقِهِ : ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ فقولُهُ: ﴿كُنْ﴾ ليس بمخلوقٍ" (١).
стр. 137
فانظُرْ كيف ذكَرَ أحمدُ بَيْنُونةَ كلامِ اللهِ مِن خَلْقِهِ، ويريدُ بذلك: المسموعَ والمقروءَ وبقيَّةَ جهاتِه؛ لأنَّ الكلامَ النَّفْسيَّ لا حاجةَ للقولِ ببينونَتِهِ مِن خَلْقِه.
وهذا الكلامُ عن أحمدَ مما انفرَدَ به المَغارِبةُ عنه؛ ذكَرَهُ الخُشَنيُّ في "أخبارِ الفقهاءِ والمحدِّثينَ" (١)؛ مسنَدًا.
وعلى هذا جرَى تقريرُ أئمَّةِ السُّنَّةِ في القَيْرَوانِ وما وراءَها، ومنهم: ابنُ أبي زَيْدٍ؛ كما قال ابنُ أبي زَيْدٍ: "يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَسْمَعَ مُوسَى ﵇ كَلَامَهُ القَائِمَ بِذَاتِهْ، لَا كَلَامًا قَامَ بِغَيْرِهْ"؛ نقَلَهُ عنه القَرَافيُّ في "الذَّخِيرة" (٢)، وبنحوِهِ قاله هو في "الجامع" (٣).
وقد قال ابنُ الحدَّاد: "كُلُّ مَن زعَمَ أنَّ موسى سَمِعَ الكلامَ مِن الشَّجَرةِ على الحقيقةِ، فقد كفَرَ؛ لأنه يعني: أنَّ اللهَ تعالى لم يكلِّمْ موسى، ولم يفضِّلْهُ بكلامِه" (٤)، وقولُهُ هنا: "مِن الشَّجَرةِ على الحقيقةِ"؛ يعني: أنه يَقصِدُ الكلامَ المسموعَ؛ فاللهُ تكلَّم به، وأسمَعَهُ موسى حقيقةً، ولم يَخلُقْهُ في الشجرة، أو أمَرَها فتكلَّمَتْ به حقيقةً.
ويُخطِئُ طوائفُ مِن المتكلِّمينَ؛ حيثُ يظنُّونَ أنَّ خلافَ السلفِ مع أهلِ البِدَع، إنما هو في الكلامِ النَّفْسيِّ وحدَهُ، ويظنُّون أنَّهم بعيدونَ عن النزاعِ بإثباتِهم له، وقولِهم بأنَّ كلامَ اللهِ المسموعَ والمقروءَ والمحفوظَ مخلوقٌ، ويسمُّونه كلامَ اللهِ مجازًا؛ كما يقولُ بعضُ أهلِ الكلامِ؛ كالأشاعِرةِ.
стр. 138
* الحَرْفُ والصَّوْت:
ومِن هنا نشَأ الكلامُ على مسألة "الحَرْفِ والصَّوْتِ"، وأنَّ الله تكلَّم بكلامٍ حرفًا وصوتًا؛ لأنَّ الكلامَ في اللغةِ في الأصلِ لا يُطلَقُ إلا على ما كان بحرفٍ وصوت، وأمَّا غيرُهُ، فيحتاجُ إلى تقييدٍ؛ كأنْ يقال: "كلامٌ مكتوبٌ"، و "كلامٌ في النَّفْس"، واللهُ أثبَتَ الصوتَ لنفسِهِ بقولِه: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾ [النازعات: ١٥ - ١٦]، والنداءُ لا يكونُ إلا بصوتٍ، ويقولُ النبيُّ ﷺ : (إِنَّ هَذَا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) (١)، وقال ﷺ : (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ) (٢)، ويقولُ كما في "الصحيح": (يُنَادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرَّيتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ) (٣)، وفي السنن أن المناديَ هو الله (٤).
وقد سمَّى اللهُ المسموعَ كلامَهُ ووَحْيَهُ: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣]، وقال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ولا يكونُ السمعُ في لغةِ العرَبِ إلا بصوتٍ.
وهذا ما يقرِّرُهُ السلَفُ صحابةً وتابِعِينَ، وأتباعَهم وأتباعَهم؛ قال ابن مسعود: "إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْي، سَمِعَ صَوْتَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ" (٥)؛ وهذا ما يُثبِتُهُ الأئمَّة؛ كأحمدَ والبخاريِّ، وصنَّف فيه أئمَّةٌ مصنَّفاتٍ؛ كابن مَنْدَه، وأبي نَصْرٍ السِّجْزيِّ، والنوويِّ، وكان الأئمَّةُ يشدِّدون على المخالِفِ في
стр. 139
ذلك، وحُكِيَ إجماعُ الخلقِ والعقلاءِ على إثباتِ الصوتِ والحرف، وأنَّ القولَ بنفيِهِ لا يُعرَفُ قبلَ ابنِ كُلَّابٍ والقَلانِسيِّ، والصالحيِّ والأشعريّ، إلا ما كان مِن الجَهْميةِ والمعتزلة مِن نَفْيِهم لكلام الله كُلِّه.
قال أحمدُ بن حنبلٍ: "إنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بالصَّوْتِ والحَرْفِ"؛ فكان يُبطِلُ الحكايةَ، ويُضِلُّ القائلَ بذلك؛ كما نقَلَهُ عنه عبدُ الواحدِ بنُ الحارِثِ التميميُّ في "اعتقاد أحمد" (١)، وقد نصَّ على ذلك البخاريُّ في كتابِهِ "خَلْقِ أفعالِ العباد" (٢)؛ فقال: "صوتُ اللهِ لا يُشبِهُ صوتَ الخَلْق؛ لأنَّ صوتَ اللهِ يُسمَعُ مِن بُعْدٍ، كما يُسمَعُ مِن قُرْبٍ".
ولا يَمنَعُ صوتَ الله حواجز، ولا يحتاجُ في إبلاغه إلى هواء، وإنما يُسمِعُه اللهُ مَن يشاء، ويَحجِزُ عنه مَن يشاء.
وكان أحمَدُ يَجعَلُ نفيَ الصوتِ والحرفِ هو قولَ الجهميَّة؛ لأنه يؤدِّي إلى أصلٍ واحدٍ، وهو التعطيلُ (٣).
وقد نقَلَ عبدُ الله، عن أبيهِ أحمدَ بنِ حنبلِ: "أنه سُئِلَ عن قومِ يقولونَ: لمَّا كلَّم اللهُ مُوسَى، لم يَتكلَّمْ بصوتٍ، فقال أبي: بل تَكَلّمَ بصَوْتٍ؛ هذه الأحاديثُ تُروَى كما جاءَتْ" (٤)، ونقَلَ عنه عبدُ اللهِ والمَرْوَزِيُّ وصفَهُ مَن ينفي الصوتَ بالجَهْميِّ (٥).
* من حُجَجِ نُفَاةِ الصوت والحرف لله:
وأعظَمُ ما جعَلَ طوائفَ المتكلِّمينَ يقولونَ بنفيِ الصوتِ والحرفِ: أنَّهم أصَّلوا قواعدَ كلاميَّةً تجري على المخلوقاتِ؛ فأرادوا إجراءَها على
стр. 140
الخالِقِ وصفاتِه؛ فعطَّلوا صفاتِ الخالِقِ، وأظهَرُ حُجَجِهم في هذا البابِ هي:
الأُولى: أنَّ الحروفَ والأصواتَ متعاقِبةٌ، وأنَّ الكلمةَ لا تكونُ كلمةً إلا وحروفُها متوالِيَةٌ، وهذا التعاقُبُ يعني حدوثَهَا، واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث؛ وهذا يَطَّرِدُونَ فيه، فيتصوَّرون التعاقُبَ في صفةِ الاستواءِ والنزول، والقَبْضِ والبَسْط، فينفون تلك؛ لأنها حوادثُ، واللهُ منزَّهٌ عنها، ولو اطَّرَدُوا، لنَفَوْا تعاقُبَ السمعِ والبصَرَ؛ لأنه على أصلهم فالنظَرُ يقتضي سماعَ اللهِ لكلامِ خلقِهِ متواليًا؛ فقولُ العبدِ: "يا رَبِّ" يَلزَمُ منه أنَّ السمعَ يَسمَعُ الياءَ قبل الألفِ والراءِ والباء؛ وهذا حدوثٌ في السمعِ، كما هو حدوثٌ في المسموعِ؛ وسَمْعُ اللهِ منزَّهٌ عن الحوادث، ومثلُهُ البصَرُ؛ فصلاةُ العبدِ ركعتَيْنِ؛ يُبصِرُ اللهُ ببصَرِهِ تكبيرةَ الإحرامِ قبل التسليمتَيْن؛ وهذا حدوثٌ في البصَر، كما هو حدوثٌ في المُبصَر؛ واللهُ منزَّهٌ عن الحوادث.
وَيلزَمُ مِن هذا التأصيلِ: نفيُ السمعِ والبصَر، وجعلُ السمعِ والبصَرِ هو العلمَ فقطْ! ولكنَّ الله يَعلَمُ بالفِعلِ قبلَ حدوثِه، ويراهُ عند حدوثِه، ويَعلَمُ بدُعاءِ العبد له قبل حدوثه، ويَسمَعُه عند حدوثه.
وذلك التأصيلُ الفاسِدُ يَرجِعُ إلى أنهم اتخَذُوا قواعدَ تَجرِي على حوادثِ المخلوقين؛ فجعَلُوها تجري على اللهِ وصفاتِه، واللهُ يَفعَلُ ما يشاء، كيفما شاء، متى شاء، ومِن ذلك كلامُهُ؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فعلَّق اللهُ الكلامَ بالمشيئة، وقال: ﴿إِذَا﴾ الدالَّةَ على المستقبَل.
الثانية: أنَّ إثباتَ الحرفِ والصوتِ يَلزَمُ منه إثباتُ الحَلْقِ واللسان، والحاجةِ للهواء؛ وهذا عَيْنُ التشبيهِ الذي يستقِرُّ في نفوسِهم؛ والحقُّ أنه لا يَلزَمُ مِن إثباتِ الصوت والحرف حَتْمِيَّةُ إثباتِ تلك اللوازم، فاللهُ أثبَتَ
стр. 141
للمخلوقاتِ الكلامَ والنطقَ والإسماعَ بلا حاجةٍ لذلك، وهي جماداتٌ؛ كما قال تعالى عن السمواتِ والأرضِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال عن الجِبال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال عن الجوارحِ إنها تقولُ: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]؛ وهذا في مخلوق؛ فكيف بخالِقٍ ليس كمثلِهِ شيءٌ؟ !
ثُمَّ إنَّ هذا التأصيلَ يَنسحِبُ على جميعِ الصفات؛ كالبصَر؛ فهل يَصِحُّ أن يقالَ: إنَّ البصَرَ يحتاجُ إلى حَدَقةٍ ونُور؛ كما يحتاجُ الكلامُ لحَلْقٍ وهَوَاء؟ !
وهؤلاءِ يتوهَّمون أنهم إنْ نَفَوُا الصوتَ والحرفَ، وأثبَتُوا الكلامَ النفسيَّ: أنهم يُثبِتُونَ صفةَ الكلامِ لله، وكما قال أحمدُ عن الجهميَّة: "قالوا: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ ولا يتكلَّمُ، إنما كوَّن شيئًا، فعبَّر عن الله، وخلَقَ صوتًا، فأسمَعَ" (١).
وكلامُ متقدِّمي المالكيَّةِ يجري مَجرَى السلفِ؛ فكلامُهم جارٍ في إثباتِ أنَّ كلامَ اللهِ كلَّه غيرُ مخلوق، وقد سأل محمَّدُ بن سُحْنُونٍ مَن قالَ بخلقِ القرآنِ: "أرأَيْتَ كلَّ مخلوقٍ: هل يَذِلُّ لخالقِهِ؟ فسكَتَ الرجلُ! ثُمَّ قال ابنُ سُحْنُونٍ: إنْ قال: كلُّ مخلوقٍ يَذِلُّ لخالقِه، فقد كفَرَ؛ لأنه جعَلَ القرآنَ ذليلًا على مَذْهَبِهِ الذي يَرَى القرآنَ مخلوقًا، واللهُ يقولُ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وإنْ قال: إنه لا يَذِلُّ، فقد رجَعَ إلى مذهبِ أهلِ الحقِّ" (٢).
стр. 142
وكلامُهُ هذا كلُّه لا يجري على الكلامِ النَّفْسيِّ فحَسْبُ؛ لأنه استَدَلَّ بالكلامِ المكتوبِ المنزَّلِ؛ كما في الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾، ﴿تَنْزِيلَ﴾، والمكتوبُ والمنزَّلُ على قولِهم، ليس هو الكلامَ المَعْنِيَّ القائمَ بالنَّفْس.
وهكذا في كلامِ أبي عَمْرو الدانيِّ في "منظومتِه":
وَالقَوْلُ فِي كِتَابِهِ المُفَصَّلْ ... بِأنَّهُ كَلَامُهُ المُنَزَّلْ
عَلَى رَسُولِهِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ ... لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِخَالِقِ
مَنْ قَالَ فِيهِ إِنَّهُ مَخْلُوقُ ... أَو مُحْدَثٌ فَقَوْلُهُ مُرُوقُ
وَالْوَقْفُ فِيهِ بِدْعَةٌ مُضِلَّهْ ... وَمِثْلُ ذَاكَ اللَّفْظُ عِنْدَ الجِلَّهْ (١)
وكلامُهُ: في الكلامِ المنزَّلِ أنَّه غيرُ مخلوق، بل بدَّع القائلَ بالوقفِ فيه.
وكلامُ اللهِ الذي كلَّمه لجبريلَ ولنبيِّنا ﷺ ، هو ما نَسمَعُهُ ونَقرَؤُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، ولو كانت أصواتُ المخلوقِينَ وأفواهُهُمْ وألسنَتُهُمْ مخلوقةً؛ كما هم مخلوقون.
وقد كان الأئمَّةُ يُنكِرُونَ القولَ بخلقِ القرآنِ لِعِلَّةِ كونِهِ مسموعًا في الأرض، ومنزَّلًا إليها؛ كما قال أسَدُ بن الفُرَاتِ، وهو مِن تلاميذِ مالكٍ: "وَيْحَ أهلِ البِدَعِ؛ هلَكَتْ هَوَالِكُهم؛ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ خلَقَ كَلَامًا؛ يقولُ ذلك الكلامُ المخلوقُ: ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]؟ ! " (٢).
وأهلُ اللسانِ العَرَبيِّ يَعلَمُونَ أنَّ المقصودَ بكلامِ اللهِ غيرِ المخلوقِ: هو المنزَّلُ والمقروءُ والمسموعُ؛ ولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ منهم؛ كأبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ: "أنَّ الرجلَ لو حلَفَ ألَّا يَتكلَّمَ بشيءٍ، فقرَأَ
стр. 143
القرآنَ، لم يَحنَثْ؛ لأنَّ القرآنَ كلامُ الله" (١).
ومِن الجهلِ بالعربيَّةِ: التفريقُ بين كلامِ اللهِ لفظِهِ ومعناهُ، وزعمُ أنَّ هذا مخلوقٌ، وهذا غيرُ مخلوق؛ كما قال ابنُ الأعرابيِّ اللُّغَويُّ: "ما رأيتُ قومًا أكذَبَ على اللغةِ مِن قومٍ يزعُمُونَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ" (٢).
* الواقفةُ في خَلْقِ القرآن، وسببُ التشديد عليهم:
ولا يجوزُ الوقوفُ في مسألةِ القرآنِ بزعمِ التوسُّطِ والإمساكِ عن قول: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوق؛ لأنَّ هذا شكٌّ في صفاتِ الله، والواقِفُونَ في مسألةِ كلامِ اللهِ يُسمَّوْنَ: واقفةً؛ لأنَّهم لا قاموا بالحَقّ، ولا ناموا عن الباطل، وقد قال أحمدُ عمَّن يقول بقولِ الواقِفة: "لا يكون مِن أهلِ السُّنَّةِ، ولا كَرَامةَ! " (٣)، وكان عبدُ اللهِ بن محمَّدٍ الضعيفُ يقول: "قُعَّدُ الخوارجِ أخبَثُ الخوارجِ، وقُعَّدُ الجهميَّةِ هم الواقِفة" (٤).
وسببُ تشديدِ الأئمَّة على الواقِفة: أنَّ ظاهِرَ الحالِ أنهم أهوَنُ مِن الخَلْقيَّة؛ لأنَّ القولَ بالوَقْفِ يُغرِي ضعفاءَ أهل الحقِّ به؛ توهُّمًا للسلامةِ والتوسُّط، فهو يُخرِجُ أهلَ الحقِّ إلى الباطل، ويُخرِجُ أهلَ الباطلِ إلى باطلٍ آخَر؛ ولهذا يقولُ إسحاقُ بن راهويه: الواقفةُ شرٌّ عندي ممن يقول: القرآنُ مخلوق؛ لأنَّه يَقتدي به غيرُه (٥).
стр. 144
* مِن أدلة القائلينَ بخَلقِ القرآن:
هذا؛ ويستدِلُّ الجَهْمِيَّةُ والمعتزِلةُ على خَلْقِ القرآنِ بعموماتِ القرآنِ وإطلاقاتِه:
- وذلك: كإدخالِ القرآنِ في عمومِ خَلْقِ اللهِ لكلِّ شيءٍ في قولِه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرَّعْد: ١٦، والزُّمَر: ٦٢]؛ لأنَّهم يَرَوْنَ كلامَ الله شيئًا غيرَ الله، فيُدخِلُونَهُ في غيرِه.
لكنَّ كلامَهُ منه، ثُمَّ إنَّه قد جاء في القرآنِ والحديثِ: أنَّ اللهَ شيءٌ؛ كقولِه تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ فهل يجوزُ أن يقالَ: إنَّ الله تعالى خلَقَ نَفْسَه؟ ! ومِثلُه: القرآنُ، فيسمَّى شيئًا؛ كما في قولِه تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وفي حديثِ سَهْلٍ؛ قال ﷺ : (أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ ) (١)، فإذا لم يدخُلِ اللهُ في الشيءِ المخلوقِ، فكذلك كلامُه؛ لأنَّه منه.
وكذلك: فإنَّ العمومَ يُطلَقُ في القرآنِ، وله ما يخصِّصُهُ مِن الحِسِّ وغيرِه؛ كقولِهِ تعالى عن رِيحِ قَوْمِ عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقولِ الله تعالى عن بِلْقِيسَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْل: ٢٣]؛ وهذا لا يُمكِنُ القولُ بعمومِه.
- ومِن الأخذِ بالعموماتِ عند الجَهْمِيَّةِ والمعتزِلةِ: استدلالُهم على خَلْقِ القرآنِ بقولِهِ تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩، والسَّجْدة: ٤]؛ لأنَّ القرآنَ موجودٌ بينهما.
ولو قِيلَ بالعمومِ، لَلَزِمَ القولُ بأنَّ ما كان فوقَ السمواتِ غيرُ
стр. 145
مخلوقٍ؛ لأنَّ الآيةَ جعَلَتْ خَلْقَ اللهِ هو السمواتِ والأرضَ وما بينَهما، ومعلومٌ أنَّه فوق السمواتِ أشياءُ مخلوقةٌ، فإذا جاز أن يكونَ فوق السمواتِ شيءٌ مخلوقٌ، فيجوزُ كذلك أن يكونَ بينهما شيءٌ غيرُ مخلوقٍ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ فرَّق بين كلامِه، وهو (أَمْرُهُ)، وبين خَلْقِ السمواتِ والأرضِ وما بينَهُنَّ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فوصَفَ الأمرَ بالتنزيل، والسمواتِ والأرضَ بالخَلْقِ، وأَمْرُ اللهِ: كلامُهُ وقَوْلُه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
- وكذلك: فإنَّ استدلالَهم بمجيءِ البقرةِ وآلِ عِمْرانَ يومَ القيامةِ على كونِهما مخلوقتَيْنِ -كما في الحديثِ (١) - لازِمٌ للقولِ بذلك على اللهِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْر: ٢٢]، وكلامُهُ منه تعالى.
- وقولُهُ تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، يرادُ به: مُحدَثٌ مِن العَرْش؛ لأنَّه آخِرُ ما نزَلَ مِن الكتبِ مِن العَرْش؛ كما قاله إسحاقُ بن راهويه (٢).
والنزولُ قد يتكرَّرُ، فيسمَّى آخِرُها: أَحْدَثَها؛ فاللهُ تعالى يَنزِلُ كُلَّ لَيْلةٍ نزولًا يَلِيقُ به وحدَه، ونزولُهُ الليلةَ أحدَثُ مِن نزولِهِ ليلةَ أَمْسِ.
وقد وصَفَ اللهُ بعضَ كلامِهِ بالسَّبْقِ بقولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩، وهود: ١١٠، وطه: ١٢٩، وفُصِّلَت: ٤٥، والشُّورى: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافَّات: ١٧١].