للمخلوقاتِ الكلامَ والنطقَ والإسماعَ بلا حاجةٍ لذلك، وهي جماداتٌ؛ كما قال تعالى عن السمواتِ والأرضِ: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال عن الجِبال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، وقال عن الجوارحِ إنها تقولُ: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]؛ وهذا في مخلوق؛ فكيف بخالِقٍ ليس كمثلِهِ شيءٌ؟ !
ثُمَّ إنَّ هذا التأصيلَ يَنسحِبُ على جميعِ الصفات؛ كالبصَر؛ فهل يَصِحُّ أن يقالَ: إنَّ البصَرَ يحتاجُ إلى حَدَقةٍ ونُور؛ كما يحتاجُ الكلامُ لحَلْقٍ وهَوَاء؟ !
وهؤلاءِ يتوهَّمون أنهم إنْ نَفَوُا الصوتَ والحرفَ، وأثبَتُوا الكلامَ النفسيَّ: أنهم يُثبِتُونَ صفةَ الكلامِ لله، وكما قال أحمدُ عن الجهميَّة: "قالوا: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ ولا يتكلَّمُ، إنما كوَّن شيئًا، فعبَّر عن الله، وخلَقَ صوتًا، فأسمَعَ" (١).
وكلامُ متقدِّمي المالكيَّةِ يجري مَجرَى السلفِ؛ فكلامُهم جارٍ في إثباتِ أنَّ كلامَ اللهِ كلَّه غيرُ مخلوق، وقد سأل محمَّدُ بن سُحْنُونٍ مَن قالَ بخلقِ القرآنِ: "أرأَيْتَ كلَّ مخلوقٍ: هل يَذِلُّ لخالقِهِ؟ فسكَتَ الرجلُ! ثُمَّ قال ابنُ سُحْنُونٍ: إنْ قال: كلُّ مخلوقٍ يَذِلُّ لخالقِه، فقد كفَرَ؛ لأنه جعَلَ القرآنَ ذليلًا على مَذْهَبِهِ الذي يَرَى القرآنَ مخلوقًا، واللهُ يقولُ: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، وإنْ قال: إنه لا يَذِلُّ، فقد رجَعَ إلى مذهبِ أهلِ الحقِّ" (٢).
стр. 142
وكلامُهُ هذا كلُّه لا يجري على الكلامِ النَّفْسيِّ فحَسْبُ؛ لأنه استَدَلَّ بالكلامِ المكتوبِ المنزَّلِ؛ كما في الآية: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾، ﴿تَنْزِيلَ﴾، والمكتوبُ والمنزَّلُ على قولِهم، ليس هو الكلامَ المَعْنِيَّ القائمَ بالنَّفْس.
وهكذا في كلامِ أبي عَمْرو الدانيِّ في "منظومتِه":
وَالقَوْلُ فِي كِتَابِهِ المُفَصَّلْ ... بِأنَّهُ كَلَامُهُ المُنَزَّلْ
عَلَى رَسُولِهِ النَّبِيِّ الصَّادِقِ ... لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِخَالِقِ
مَنْ قَالَ فِيهِ إِنَّهُ مَخْلُوقُ ... أَو مُحْدَثٌ فَقَوْلُهُ مُرُوقُ
وَالْوَقْفُ فِيهِ بِدْعَةٌ مُضِلَّهْ ... وَمِثْلُ ذَاكَ اللَّفْظُ عِنْدَ الجِلَّهْ (١)
وكلامُهُ: في الكلامِ المنزَّلِ أنَّه غيرُ مخلوق، بل بدَّع القائلَ بالوقفِ فيه.
وكلامُ اللهِ الذي كلَّمه لجبريلَ ولنبيِّنا ﷺ ، هو ما نَسمَعُهُ ونَقرَؤُهُ، وهو غيرُ مخلوقٍ، ولو كانت أصواتُ المخلوقِينَ وأفواهُهُمْ وألسنَتُهُمْ مخلوقةً؛ كما هم مخلوقون.
وقد كان الأئمَّةُ يُنكِرُونَ القولَ بخلقِ القرآنِ لِعِلَّةِ كونِهِ مسموعًا في الأرض، ومنزَّلًا إليها؛ كما قال أسَدُ بن الفُرَاتِ، وهو مِن تلاميذِ مالكٍ: "وَيْحَ أهلِ البِدَعِ؛ هلَكَتْ هَوَالِكُهم؛ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ خلَقَ كَلَامًا؛ يقولُ ذلك الكلامُ المخلوقُ: ﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤]؟ ! " (٢).
وأهلُ اللسانِ العَرَبيِّ يَعلَمُونَ أنَّ المقصودَ بكلامِ اللهِ غيرِ المخلوقِ: هو المنزَّلُ والمقروءُ والمسموعُ؛ ولهذا ذكَرَ غيرُ واحدٍ منهم؛ كأبي عُبَيْدٍ القاسمِ بنِ سَلَّامٍ: "أنَّ الرجلَ لو حلَفَ ألَّا يَتكلَّمَ بشيءٍ، فقرَأَ
стр. 143
القرآنَ، لم يَحنَثْ؛ لأنَّ القرآنَ كلامُ الله" (١).
ومِن الجهلِ بالعربيَّةِ: التفريقُ بين كلامِ اللهِ لفظِهِ ومعناهُ، وزعمُ أنَّ هذا مخلوقٌ، وهذا غيرُ مخلوق؛ كما قال ابنُ الأعرابيِّ اللُّغَويُّ: "ما رأيتُ قومًا أكذَبَ على اللغةِ مِن قومٍ يزعُمُونَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ" (٢).
* الواقفةُ في خَلْقِ القرآن، وسببُ التشديد عليهم:
ولا يجوزُ الوقوفُ في مسألةِ القرآنِ بزعمِ التوسُّطِ والإمساكِ عن قول: مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلوق؛ لأنَّ هذا شكٌّ في صفاتِ الله، والواقِفُونَ في مسألةِ كلامِ اللهِ يُسمَّوْنَ: واقفةً؛ لأنَّهم لا قاموا بالحَقّ، ولا ناموا عن الباطل، وقد قال أحمدُ عمَّن يقول بقولِ الواقِفة: "لا يكون مِن أهلِ السُّنَّةِ، ولا كَرَامةَ! " (٣)، وكان عبدُ اللهِ بن محمَّدٍ الضعيفُ يقول: "قُعَّدُ الخوارجِ أخبَثُ الخوارجِ، وقُعَّدُ الجهميَّةِ هم الواقِفة" (٤).
وسببُ تشديدِ الأئمَّة على الواقِفة: أنَّ ظاهِرَ الحالِ أنهم أهوَنُ مِن الخَلْقيَّة؛ لأنَّ القولَ بالوَقْفِ يُغرِي ضعفاءَ أهل الحقِّ به؛ توهُّمًا للسلامةِ والتوسُّط، فهو يُخرِجُ أهلَ الحقِّ إلى الباطل، ويُخرِجُ أهلَ الباطلِ إلى باطلٍ آخَر؛ ولهذا يقولُ إسحاقُ بن راهويه: الواقفةُ شرٌّ عندي ممن يقول: القرآنُ مخلوق؛ لأنَّه يَقتدي به غيرُه (٥).
стр. 144
* مِن أدلة القائلينَ بخَلقِ القرآن:
هذا؛ ويستدِلُّ الجَهْمِيَّةُ والمعتزِلةُ على خَلْقِ القرآنِ بعموماتِ القرآنِ وإطلاقاتِه:
- وذلك: كإدخالِ القرآنِ في عمومِ خَلْقِ اللهِ لكلِّ شيءٍ في قولِه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرَّعْد: ١٦، والزُّمَر: ٦٢]؛ لأنَّهم يَرَوْنَ كلامَ الله شيئًا غيرَ الله، فيُدخِلُونَهُ في غيرِه.
لكنَّ كلامَهُ منه، ثُمَّ إنَّه قد جاء في القرآنِ والحديثِ: أنَّ اللهَ شيءٌ؛ كقولِه تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩]؛ فهل يجوزُ أن يقالَ: إنَّ الله تعالى خلَقَ نَفْسَه؟ ! ومِثلُه: القرآنُ، فيسمَّى شيئًا؛ كما في قولِه تعالى: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣]، وفي حديثِ سَهْلٍ؛ قال ﷺ : (أَمَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ ) (١)، فإذا لم يدخُلِ اللهُ في الشيءِ المخلوقِ، فكذلك كلامُه؛ لأنَّه منه.
وكذلك: فإنَّ العمومَ يُطلَقُ في القرآنِ، وله ما يخصِّصُهُ مِن الحِسِّ وغيرِه؛ كقولِهِ تعالى عن رِيحِ قَوْمِ عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقولِ الله تعالى عن بِلْقِيسَ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النَّمْل: ٢٣]؛ وهذا لا يُمكِنُ القولُ بعمومِه.
- ومِن الأخذِ بالعموماتِ عند الجَهْمِيَّةِ والمعتزِلةِ: استدلالُهم على خَلْقِ القرآنِ بقولِهِ تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩، والسَّجْدة: ٤]؛ لأنَّ القرآنَ موجودٌ بينهما.
ولو قِيلَ بالعمومِ، لَلَزِمَ القولُ بأنَّ ما كان فوقَ السمواتِ غيرُ
стр. 145
مخلوقٍ؛ لأنَّ الآيةَ جعَلَتْ خَلْقَ اللهِ هو السمواتِ والأرضَ وما بينَهما، ومعلومٌ أنَّه فوق السمواتِ أشياءُ مخلوقةٌ، فإذا جاز أن يكونَ فوق السمواتِ شيءٌ مخلوقٌ، فيجوزُ كذلك أن يكونَ بينهما شيءٌ غيرُ مخلوقٍ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ فرَّق بين كلامِه، وهو (أَمْرُهُ)، وبين خَلْقِ السمواتِ والأرضِ وما بينَهُنَّ؛ في قولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]؛ فوصَفَ الأمرَ بالتنزيل، والسمواتِ والأرضَ بالخَلْقِ، وأَمْرُ اللهِ: كلامُهُ وقَوْلُه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
- وكذلك: فإنَّ استدلالَهم بمجيءِ البقرةِ وآلِ عِمْرانَ يومَ القيامةِ على كونِهما مخلوقتَيْنِ -كما في الحديثِ (١) - لازِمٌ للقولِ بذلك على اللهِ؛ لأنَّ اللهَ يقولُ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفَجْر: ٢٢]، وكلامُهُ منه تعالى.
- وقولُهُ تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، يرادُ به: مُحدَثٌ مِن العَرْش؛ لأنَّه آخِرُ ما نزَلَ مِن الكتبِ مِن العَرْش؛ كما قاله إسحاقُ بن راهويه (٢).
والنزولُ قد يتكرَّرُ، فيسمَّى آخِرُها: أَحْدَثَها؛ فاللهُ تعالى يَنزِلُ كُلَّ لَيْلةٍ نزولًا يَلِيقُ به وحدَه، ونزولُهُ الليلةَ أحدَثُ مِن نزولِهِ ليلةَ أَمْسِ.
وقد وصَفَ اللهُ بعضَ كلامِهِ بالسَّبْقِ بقولِه: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩، وهود: ١١٠، وطه: ١٢٩، وفُصِّلَت: ٤٥، والشُّورى: ١٤]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ [الصافَّات: ١٧١].
стр. 146
ويقابِلُهُ قولُهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: ١٤٥، وآل عمران: ٦١]؛ فهنا حدوثُ المَجِيءِ لكلامِ الله وهو عِلْمُه، وهكذا يكونُ في الصفاتِ الفِعْليَّةِ؛ مِن الخَلْقِ والرَّزْق، والإحياءِ والإماتة، والقَبْضِ والبَسْط، ثُمَّ إنَّ غضَبَ الله على فِرْعَوْنَ سابِقٌ لغَضَبِهِ على أبي لَهَبٍ.
وكلمةُ: ﴿مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢، والشُّعَراء: ٥] في الآيةِ: لا يرادُ بها المعنى الاصطلاحِيُّ عند المتكلِّمِينَ الذي أصَّلوه على المخلوقاتِ؛ فنزَّلوه على الخالِقِ، فغلَبَ هذا المعنى لدَيْهِم؛ ولهذا كان بعضُ السلفِ يَنهَى عن وصفِ القرآنِ بـ: "مُحدَثٍ"؛ كقَبِيصةَ؛ فقد كان يقولُ: "مَن قال: "مُحدَثٌ"، فهو يقولُ: إنَّه مخلوقٌ، ومَن قال: إنه مخلوقٌ، فهو كافِرٌ باللهِ" (١).
ومَهْما كان القرآنُ على جهةٍ أو تصريفٍ -مسموعٍ أو مكتوبٍ، أو مقروءٍ أو محفوظٍ أو متدبَّرٍ- فهو كلامُ اللهِ غيرُ مخلوقٍ، ومِن الله، وربَّما يتهيَّبُ الإنسانُ لأجلِ خَيَالِ المماثَلةِ والتشبيهِ مِن قولِ ذلك، فيستبشِعُ الكلامَ بما ورَدَ بالنصِّ؛ ولهذا كان أحمدُ يقولُ لبعضِ أصحابِه: "لا تَجزَعْ أن تقولَ: ذلكَ كلامُ الله مِن الله، ومِن ذاتِ اللهِ" (٢).
وفي خبرِ ابنِ عبَّاسٍ: (أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ القَلَمَ) (٣): دليلٌ على أنَّ كلامَهُ غيرُ مخلوقٍ؛ لأنَّ اللهَ لم يَخْلُ مِن الكلامِ والعِلْمِ؛ فلا يقالُ: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ إلَّا بعدَ خَلْقِ القَلَم، ولكنَّ كلامَهُ غيرُ مخلوقٍ، وهو مِن ذاتِ اللهِ؛ ولهذا لا يُذكَرُ في مخلوقاتِه.
стр. 147
* صفةُ التَّجَلِّي للهِ تعالى:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَتَجَلَّى لِلْجَبَلِ فَصَارَ دَكًّا مِنْ جَلَالِهْ):
تجلِّي اللهِ للجبلِ: حقيقةٌ تليقُ به، لا كتجلِّي المخلوقين؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، والتجلِّي: صفةٌ فعليَّةٌ خبريَّةٌ، وهي بمعنى الظهورِ والبيانِ (١)، ومقتضى اللسانِ العَرَبيِّ: حَمْلُهُ على ذلك؛ فالقرآنُ نزَلَ به، وقد جاء إثباتُ التجلِّي على الحقيقةِ في حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁، في "المسنَد" (٢).
وعلى هذا المعنى مِن الإثباتِ يَجرِي السلفُ وأهلُ السُّنَّةِ؛ فلا يَتأوَّلون ما ورَدَ على معنًى يَتكلَّفونَهُ لِيَخْرُجوا به عن المعنى المتوهَّمِ الذي يَحذَرُونَ.
وقد قال ابنُ عبد البَرِّ: "وقولُ رسولِ الله ﷺ : (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)، عندَهم مِثْلُ قولِ الله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ومِثْلُ قولِهِ: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ كلُّهم يقولُ: يَنْزِلُ وَيتَجَلَّى ويجيءُ، بلا كيفٍ، لا يقولونَ: كيفَ يجيءُ؟ وكيف يَتَجَلَّى؟ وكيف يَنْزِل؟ ولا: مِن أينَ جاء؟ ولا: مِنْ أينَ تَجَلَّى؟ ولا: مِن أينَ يَنْزِل؟ لأنَّه ليس كشيءٍ مِن خَلْقِه، وتعالى عن الأشياء، ولا شَرِيكَ له.
وفي قولِ اللهِ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالةٌ واضحةٌ أنه لم يكنْ قبلَ ذلك متجلِّيًا للجبَلِ، وفي ذلك ما يفسِّرُ معنى حديثِ التنزيلِ.
стр. 148
ومَنْ أراد أن يَقِفَ على أقاويلِ العلماءِ في قولِهِ : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فلْيَنظُرْ في تفسيرِ بَقِيٍّ بنِ مَخْلَدٍ، ومحمَّدِ بنِ جَرِيرٍ، وليقفْ على ما ذكَرَا مِن ذاك، ففيما ذكَرَا منه كفايةٌ" (١).
* صِفَةُ نُزولِ الله تعالى:
ويُثبَتُ النزولُ كما جاء في الحديثِ على الحقيقةِ بلا تأويلٍ ولا تشبيه، ولا تكييفٍ ولا تعطيل، ومَن يتأوَّلُ النزولَ أو يعطِّلُهُ يستحضِرُ أحوالًا تُشابِهُ المخلوقَ، والحرَكةُ والانتقالُ لم يَرِدْ بها النصُّ، فتُترَكُ، ولا تُثبَتُ ولا تُنفَى؛ وقوفًا على النصِّ؛ كما كان الإمامُ أحمَدُ يأمُرُ بذلك، يقول عبد الله بن أحمد: "كنتُ أنا وأبي في المَسجِد، فسَمِعَ قاصًّا يَقُصُّ في حديثِ النزولِ؛ فقال: "إذا كان ليلةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، يَنزِلُ اللهُ إلى سماءِ الدنيا بلا زَوَالْ، ولا انتقالْ، ولا تغيُّرِ حالْ"؛ فارتعَدَ أبي واصفَرَّ لَوْنُه، ولَزِمَ يدي، فأمسكتُهُ حتى سكَنَ، ثم قال: قِفْ بنا على هذا المتخرِّصِ، فلمَّا حاذاه، قال: يا هذا؛ رسولُ اللهِ أغيَرُ على ربِّكَ منك؛ قُلْ كما قال رسولُ الله ﷺ "، وانصرَفَ (٢).
ومِن الأئمَّةِ: مَن يُثبِتُ ذلك؛ كحَرْبٍ الكِرْمانيِّ (٣)، وعُثْمانَ الدارميِّ (٤).
ومنهم: مَن يَنفِيه؛ كأبي الحسَنِ التميميِّ (٥)، وأبي محمَّدٍ مَكِّيِّ بنِ أبي طالبٍ في كتابِ "الهِدَايهْ، إلى بلوغِ النِّهَايهْ" (٦)، ومنهم ابنُ عبد البَرِّ (٧).
стр. 149
وطائفةٌ ثالثةٌ: تُثبِتُ المعنى، وتتوقَّفُ عن اللفظ؛ لعدَمِ ورودِه (١).
والإمساكُ عن الزيادةِ على النصِّ أحوَطُ؛ كما فعَلَهُ أحمد؛ وهذا لا يُنافِي الحقيقةَ بإثباتِ النزولِ والتجلِّي للهِ حقيقةً؛ بلا تأويلٍ ولا تشبيهٍ ولا تكييف.
والزيادةُ على النصِّ قد تَدفَعُ صاحبَها إلى تأويلِ صفاتٍ أخرى عن حقيقتِها أو القولِ بما لم يَرِد فيه النَّصُّ؛ كمسألةِ خلوِّ المكانِ عند النزول، فلمَّا سُئِلَ ابنُ المبارَك؛ فقيل له: "كيفَ يَنزِلُ الله؛ أليس يخلو ذلك المكانُ؟ فقال: يَنزِلُ كيفَ شاءَ" (٢)؛ فلم تَدفَعِ ابنَ المبارَكِ زيادةُ السائلِ على النصِّ إلى تأويلِ الصفة، بل أثبَتَها، وأرجَعَ السائلَ إلى مشيئةِ الله، بما تضمَّن تخطِئةَ السائل.
ومَن أثبَتَ صفةَ الاستواءِ والنزولِ على حقيقةٍ تَلِيقُ باللهِ لا كما يَلِيقُ بالمخلوقِ، لا يُبدَّعُ لنفيِ الحَرَكةِ والانتقال، وإنْ كانت السُّنَّةُ الوقوفَ على النصِّ؛ وقد سأَلَ عبدُ اللهِ بن طاهِرٍ إسحاقَ مستَنْكِرًا عن الأحاديثِ التي فيها: يَصعَدُ، ويَنزِلُ؟ فقال إسحاقُ: "تقولُ: إنَّ اللهَ يَقدِرُ على أن يَنزِلَ ويَصعَدَ ولا يَتحَرَّكَ؟ قال: نَعَمْ، قال: فلِمَ تُنكِرُ؟ ! " (٣).
والمتكَلِّمُون يتأوَّلُون النزولَ والمجيءَ وغيرَهما لاستحضارِ ما لا يَرَوْنَ صِحةَ نِسبَتِه للخالق، ولو سَلِمُوا مِن هذا الاستحضارِ المبنيِّ على القياس لصَحَّ لهم الاعتقاد، وكثيرٌ منهم يُظهِرُون التأويل ويَكتُمون التوهُّمات، وهي أصلُ ما ظَهَر مِن تأويلِهم، وكان الأئمةُ يُثبِتون النُّزولَ حقيقةً ويَنُصُّون على بُطلانِ تأويلِهم له؛ كما قال عبدُ القادر الجِيلانيُّ في
стр. 150
أصولِ الدِّين -لَمَّا أثبَتَ النزولَ حقيقةً-: لا بمعنى نزولِ رحمتِه وثوابِه على ما ادَّعَتِ المعتزِلةُ والأشعرية (١).
* القرآنُ كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ القُرْآنَ كَلَامُ الله، لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدْ، وَلَا صِفَةٍ لِمَخْلُوقٍ فَيَنْفَدْ):
أراد ابنُ أبي زَيْدٍ أن يبيِّنَ: أنَّ المرادَ بكلامِ اللهِ: هو ما بين أيدينا مِن المسموعِ والمتلوِّ، والمكتوبِ والمحفوظِ، وليس قَصْرَهُ على ما في النَّفْسِ؛ فإنَّ هذا القصرَ ليس بمعروفٍ في كلامِ السلفِ، وكلامُهُ هذا مأخوذٌ مِن كلامِ مالكٍ؛ كما نقَلَهُ عنه في "الجامع": "القُرْآنُ كَلَامُ الله، وَكَلَامُهُ لا يَبِيدُ وَلَا يَنْفَدُ، وَلَيْسَ بِمَخْلُوقٍ" (٢).
لأنَّ الله باقٍ، فيبقَى كلامُهُ، وليس بمخلوقٍ، حتى يخلُقَ كلامَه، وحكمُ الصفةِ حكمُ الذاتِ، ومَن قال بخلقِ الصفة، فيَلزَمُهُ القولُ بخلقِ الذات؛ تعالى الله عن ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا.
والسَّلَفُ يَعلَمُونَ: أنَّ كلامَ الله هو هذا الخارِجُ منه المسموعُ والمقروء، والمكتوبُ والمحفوظ، وليس الكلامَ النَّفْسيَّ في الذات؛ كما يقولُ بعضُ المتكلِّمين (٣)؛ ولهذا نقَلَ عَمْرُو بن دِينارٍ ما أدرَكَ عليه الصحابةَ؛ وهو: "أنَّ اللهَ الخالِقُ، وما سواهُ مخلوقٌ؛ إلا القرآنَ؛ فإنَّه كلامُ الله، منه خرَجَ، وإليه يَعُودُ" (٤)، ونحوَ هذا قال ابنُ عُيَيْنةَ: "القرآنُ
стр. 151
خرَجَ مِن اللهِ" (١)، وبنحوِهِ قال أحمدُ (٢)، وكونُهُ مسموعًا ومقروءًا لا يعني: أنَّه ليس منه، أو أنَّه بائِنٌ عنه؛ كما قال أحمدُ (٣): "كلامُ اللهِ منه، وليس ببائِنٍ منه، وليس منه شيءٌ مخلوقٌ".
ويقولُ بِشْرُ بن الحارِثِ الحافي: "نَشهَدُ أنَّ اللهَ يقولُ ويخلُقُ، وقولُهُ قولٌ، وخَلْقُهُ خَلْقٌ، وقولُهُ بائِنٌ مِن خَلْقِه، وخَلْقُهُ بائِنٌ مِن قَوْلِه" (٤).
وقولُهم هذا دفعًا لتوهُّمِ أنَّ المسموعَ والمقروءَ والمكتوبَ يجعَلُه سَمْعُه وقراءتُه وكِتابتُه مخلوقًا؛ بل هو مبايِنٌ للخَلْق، وهذا لا يقالُ لما قام بذاتِ اللهِ؛ كما يقولُ المتكلِّمون مِن الكلامِ النَّفْسيِّ؛ لأنَّه لا يُتوهَّمُ بَيْنُونَتُه.
* الإيمانُ بالقَدَرِ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَالإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهْ، حُلْوِهِ وَمُرِّهْ، وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ قَدَّرَهُ اللهُ رَبُّنَا، وَمَقَادِيرُ الأُمُورِ بِيَدِهْ، وَمَصْدَرُهَا عَنْ قَضَائِهْ):
والإيمانُ بالقدَرِ خيرِهِ وشرِّهِ واجبٌ؛ كَمُلَ علمُ الله، فكَمُلَ تقديرُه؛ قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨].
وعندما سُئِلَ النبيُّ ﷺ عن الإيمان، قال: (الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَاِتكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٥)، وقال ﷺ : (كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزُ وَالْكَيْسُ) (٦).
стр. 152
ولا يَختلِفُ السلفُ أهلُ السُّنَّةِ في ذلكِ؛ كما قاله ابنُ عبد البَرِّ، وغيرُه (١)، وقد كان ابنُ عبَّاس يسمِّي القدَرَ: "نظامَ التوحيدِ" (٢).
وفطرةُ الإنسانِ قاطعةٌ بالإيمانِ بالقدَرِ؛ لأنَّ مِن كمالِ الخالقِ كمالَ عِلْمِه، ومَن كَمُلَ علمُهُ، كَمُلَ تقديرُهُ وتدبيرُهُ لِمَا خلَقَ، وقد كانت العرَبُ حتى في الجاهليَّةِ تُؤمِنُ بالقدَرِ، ولا تكذِّبُهُ؛ وقد قال عَمْرُو بن كُلْثُومٍ:
وَأَنَّا سَوْفَ تُدْرِكُنَا المَنَايَا ... مُقَدَّرَةً لَنَا وَمُقَدَّرِينَا (٣)
ويقولُ لَبِيدُ بن رَبِيعةَ:
............................ ... إِنَّ المَنَايَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا (٤)
ويقولُ عَنْتَرةُ:
يَا عَبْلَ أَيْنَ مِنَ المَنِيَّةِ مَهْرَبِي ... إِنْ كَانَ رَبِّي فِي السَّمَاءِ قَضَاهَا (٥)
ويقول هانئُ بن مسعودٍ الشَّيْبانيُّ لما خطَبَ في الجاهليَّةِ في يومِ ذي قارٍ: "إِنَّ الحَذَرْ، لَا يُنْجِي مِن القَدَرْ" (٦).
ويُروَى فيه حديثٌ مرفوعٌ: (لا يُغنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ) (٧)؛ وهذا نظيرُ ما جاء عن ابن عبَّاس: "إذا جاءَ القَدَرْ، حالَ دُونَ البَصَرْ" (٨).
стр. 153
وكلُّ مَن صحَّ له العقلُ، آمَنَ أنَّ مَن ثبَتَ له كمالُ العلم، فإنه يثبُتُ له كمالُ التقدير، وهذا الكونُ والخلقُ بنظامِهِ ودِقَّتِهِ وثباتِه، وتلازُمِ أسبابِهِ بمسبَّباتِه، آمادًا لا يُحصِيهَا إلا اللهُ، لا يكونُ إلَّا بتمامِ علمٍ، وإحكامِ خلقٍ، ودِقَّةِ تقدير.
وقد جعَلَ اللهُ ذلك الخلقَ متلازِمًا مع العلمِ والتقدير؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا كان لله كمالُ العلمِ والقُدْرةِ، فذلك يُثبِتُ له التقديرَ؛ لأنه لا يقدِّرُ إلا عالمٌ قادر، ومَن نفى التقديرَ، فيُلزَمُ بنفيِ العلمِ والقُدْرةِ؛ فالقادرُ على خلقِ الأشياءِ هو الأعلَمُ بها؛ قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]؛ والعالِمُ والقادِرُ هو المقدِّرُ لها أفعالَها، والمدبِّرُ لها أرزاقَها، ونظامَ حَيَاتِها؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٣].
وقد كان غيرُ واحدٍ مِن الأئمَّةِ؛ كأحمدَ، يسمِّي القدَرَ: "قُدْرةَ اللهِ" (١).
وكان مالكٌ يشدِّدُ على مُنكِري القدَر، ويرى أنَّهم يُستتابُونَ: فإنْ تابوا، وإلا قُتِلُوا، وكان لا يَرَى الصلاةَ خَلْفَهم، ولا يَرَى تزويجَهم؛ ويستدِلُّ بقولِهِ تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١].
* تقديرُ الخَيْرِ والشَّرّ:
وكلُّ شيءٍ بتقديرِ اللهِ؛ خيرًا كان أو شرًّا؛ كما في حديثِ جبريلَ؛
стр. 154
قال ﷺ : (وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (١)، ويُروَى في حديثِ جابرٍ؛ قال ﷺ : (لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٢).
واللهُ لا يقدِّرُ لعبادِهِ شرًّا محضًا، كما أنَّه لا يخلُقُ شرًّا محضًا ولا راجحًا على الخيرِ ولا مساوِيًا له، إلَّا وهو يَؤُولُ إلى خيرٍ في عمومِه، وقد يَرَى العبادُ وجهًا مِن وجوهِ التقدير، فيَرَوْنَ شرًّا محضًا أو غالبًا أو مساويًا، ويخفى عنهم ما لَوْ رأَوْهُ، لَعَلِموا عظيمَ خلقِ الله وتقديرِهِ وحكمتِه.
وقد شرَعَ اللهُ الاستعاذةَ مِن الشرِّ النِّسْبيِّ الذي يراهُ العبدُ مِن القضاءِ عليه؛ كما في "الصحيحَيْنِ"؛ قال ﷺ : (تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ البَلَاءْ، وَدَرَكِ الشَّقَاءْ، وَسُوءِ القَضَاءْ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءْ) (٣).
والعقلُ قبلَ النقلِ دالٌّ على أنَّ الخالقَ لا يَخلُقُ شرًّا محضًا، بل يُقِرُّ بهذا فلاسفةٌ؛ كبَارُوخْ سِبِينُوزَا؛ كما في "الرسالةِ الموجَزةِ في الله والإنسان"، وكان مِن أصلٍ يهوديٍّ، فيَرَى بُدُوَّ الشرِّ في الدنيا؛ لأنَّ إدراكَ الناسِ ضعيفٌ محدودٌ؛ لكونِهِ ينظُرُ مِن ناحيةٍ؛ فينقُصُ نظرُهُ للأحداثِ؛ حيثُ يتلقَّى الشرَّ مِن ناحيتِهِ التي يَرَى فحسبُ.
ومَن لم يسلِّمْ للنقلِ، لم يَستقِرَّ له رأيٌ على قدَمٍ؛ فالعقولُ مهما بلَغَتْ، تتبايَنُ نتائجُها في الأمرِ الواحدِ:
فأَفْلَاطُونُ يَرَى الشرَّ مِن الجهل، ليس مِن الآلهةِ وتقديرِها، وسُقْراطُ ينفي القدَرَ كلَّه.
стр. 155
* لا يُنسَبُ الشرُّ إلى الله:
وليس مِن الأدبِ مع اللهِ نسبةُ الشرِّ إليه على سبيلِ التخصيص؛ وقد قال النبيُّ ﷺ ؛ كما في "مسلِمِ": (وَالخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكْ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكْ) (١).
ومِن أدَبِ إبراهيمَ الخليلِ مع ربِّه: قولُهُ: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]؛ فنسَبَ المرَضَ إلى نَفْسِه، والشفاءَ إلى الله، مع أنَّ كلَّ شيءٍ مِن الله.
وكذلك في قولِ الخَضِرِ لمَّا كان يَخرِقُ السفينةَ، وظاهرُهُ شَرٌّ؛ قال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]؛ فنسَبَ عَيْبَها إلى نَفْسِه، ولكنَّه لمَّا ذكَرَ الخيرَ الحاصلَ للغلامَيْن، نسَبَهُ إلى اللهِ؛ فقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]، مع أنه هو الذي خرَقَ السفينةَ، وهو الذي أقام الجِدَارَ، ولكنَّ اللهَ جعَلَهُ سببًا، واللهُ لا يُقدِّرُ شرًّا محضًا؛ فنسَبَ الخيرَ إلى الله، ونسَبَ الشرَّ الظاهِرَ إلى غيرِه.
والشبهةُ التي جعَلَتْ قدماءَ الفلاسِفةِ مِن أربابِ المِلَل، يَنفُونَ علمَ الله بخلقِه، هي وجودُ الشَّرِّ في الكَوْن، وقد بيَّن مذهبَهم وشرَحَهُ ابنُ ميمونٍ القُرْطُبيُّ الفيلسوفُ اليهوديّ (٢).
وقد فَرَّ بعضُ الفلاسفةِ والمتكلِّمينَ إلى نفيِ نسبةِ تقديرِ الشرِّ إلى الله، وأراد تنزيهَ الله، فوقَعَ فيما هو أعظَمُ مِن ذلك، وهو: أن يَجعَلَ في الكونِ مدبِّرًا وخالِقًا غيرَ الله، وأنه يكونُ في كونِهِ ما لا يُرِيدُه؛ فيُعصَى وهو لا يُرِيدُ العصيانَ قَدَرًا؛ تعالى اللهُ عن ذلك.
стр. 156
ولم تكنِ العرَبُ تَعرِفُ إنكارَ القدَرِ حتى دخَلَتْ فيهم العلومُ الفلسفيَّةُ والكلاميَّةُ، اليونانيَّةُ والفارسيَّةُ والهنديَّة؛ فظهَرَ نفيُ القدَرِ في العراقِ والشامِ قبلَ غيرِهما.
وكان أَوَّلَ مَن أشهَرَ القدَرَ: مَعْبَدٌ الجُهَنيُّ، وقد أخَذَهُ مِن نَصْرانيٍّ يقالُ له: سَوْسَنٌ (١)، ولم تكنِ النصارى على قولٍ واحدٍ في القدَرِ:
فمنهم: جَبْريَّةٌ؛ كالنُّسْطُورِيِّينَ.
ومنهم: قَدَرّيَّةٌ؛ كاليَعَاقِبة.
ومنهم: متوسِّطونَ؛ كأُوغَسْطِين.
ومَن كذَّب بالقدَر، لَزِمَهُ زوالُ أشياءٍ عظيمةٍ لا يصحُّ بزوالِها إيمانٌ؛ فلا يصحُّ مِن نافي القدَرِ توكُّلٌ على الله، ولا رجاءٌ، ولا دعاءٌ له، ولا رِضًا بما يُنزِلُ مِن البلاء؛ إذْ كيف يُسأَلُ مَن لا يَقدِرُ على العطاءِ والاختيارِ في الكونِ؟ ! وكيف يُتوكَّلُ عليه ويُرجَى ويُرضَى على تقديرِه، وهو لم يقدِّر؟ !
* الجدالُ في القَدَرِ:
والقَدَرُ: مِن أسرارِ الله التي لا يجوزُ الخوضُ فيها بغيرِ ما ورَدَ في الشرعِ؛ فلا مجالَ للعقلِ أن يَصِلَ إلى غايتِهِ ونتيجتِهِ التي ينتهي إليها، والعقولُ إنما تَبحَثُ في مُمكِناتِ الإدراكِ العقليِّ، لا في مُحالَاتِه، فبَحْثُها في محالاتِهِ ليس لها؛ فالله نهى عن الخوضِ في كلِّ ما لا سبيلَ لإدراكِه، ولا العلمِ به؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦].
стр. 157
والنهيُ عن بحثِ غيبِ القدَرِ إنما هو لعجزِ العقلِ عن إدراكِه، لا لكونِهِ في ذاتِهِ لا يُدرَكُ؛ فاللهُ يَعلَمُهُ؛ لأنه مقدِّرُهُ، وقادرٌ سبحانه أن يَجعَلَ مَن شاء مِن خلقِهِ مُدرِكًا له، ولكنَّه جعَلَ ذلك في دِينِهِ سِرًّا يُؤمَنُ بِهِ، ولا يُبحَثُ عنه.
ولهذا جاء الوحيُ بالإيمانِ بالقدَرِ فقطْ، وجاء في الأدلَّةِ ما يقتضي الإمساكَ، بل ويأمُرُ به؛ فقد كان النبيُّ ﷺ يُسأَلُ عن العمَلِ والقضاءِ، فيقولُ: (اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ) (١)، وقد دخَلَ على أصحابِهِ وهم يَتنازَعُونَ في القدَر، فاحمَرَّ وجهُهُ، وقال: (أَبِهَذَا أْمِرْتُمْ؟ ! أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ ! إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ) (٢)، ويُروَى عن ابن مسعودٍ: "إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ، فَأمْسِكُوا" (٣)، وهو كما قال ابن عبد البَرِّ: "لا يُدرَكُ بجِدَالْ، ولا يَشفِي منه مَقَالْ" (٤).
* أفعالُ العِبَادِ وخَلْقُها:
وأفعالُ العبادِ مخلوقةٌ كذواتِهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، وأفعالُهم شيءٌ، ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، ولكنَّ ذَوَاتِهم خُلِقَتْ بلا اختيارٍ منهم، وأمَّا أفعالُهم، فخُلِقَتْ باختيارِهم، والقرآنُ مليءٌ بالدَّلَالةِ على ذلك، وتلك الآياتُ الدالَّةُ على خلقِ أفعالِ العباد، هي أثقَلُ الآياتِ على المعتزِلة؛ حتى كتَبَ القاضي عبدُ الجبَّارِ كتابَيْنِ؛ تعسُّفًا وتكلُّفًا في تأويلِها وتحريفِها (٥).
стр. 158
ولم يكنِ السلفُ وأئمَّةُ الصَّدْرِ الأوَّلِ يَشُكُّونَ في خلقِ أفعالِ العباد، حتى قيل بنفيِ القدَرِ؛ فتَبِعَهُ القولُ بخلقِ العبادِ لأفعالِهم، وقد قال رسولُ الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ) (١)، وقال حُذَيْفةُ: "إِنَّ الله خَلَقَ صَانِعَ الْخَزَمِ وَصَنْعَتَهُ" (٢).
وقد نشَأَ القولُ بنفيِ القدَرِ في المشرِقِ، ولم يكن معروفًا في المغرِبِ، حتى انتقَلَتْ أقوالُ المعتزِلةِ إلى المغرِبِ، وكان الأئمَّةُ يُنكِرُونَهُ على مَن أظهَرَهُ فيهم، وقد كان محمَّدُ بن سُحْنُونٍ يقولُ في رَدِّ قولِ بعضِ أهلِ الاعتزالِ: "الإقرارُ غيرُ مخلوقٍ، وما سوى ذلك مِن الأعمالِ مخلوقة" (٣).
وجعَلَ الله للمكلَّفِينَ مشيئةً يختارونَ بها الخيرَ والشرَّ، ثُمَّ يُحاسِبُهم على ما اختارُوه، فإذا ارتفَعَ الاختيارُ منهم، ارتفَعَ التكليفُ عليهم؛ كالفَرْقِ بين القائِمِ والنائِم، والعاقِلِ والمجنون، والعامِدِ والمخطِئ، والذاكِرِ والناسي، والعالِمِ والجاهِل؛ فهؤلاءِ قد يتساوَى تصرُّفهم في الظاهِرِ بالذنبِ بفعلِ المحظور، وتركِ المأمور؛ فيُحاسَبُ الأوَّلُ، ولا يُحاسَبُ الثاني؛ لأنَّ الاختيارَ في الأوَّلِ وُجِدَ، وفي الثاني فُقِدَ؛ فتَبِعَهُ الحسابُ والعقابُ، وجودًا وعدَمًا.
* أمرُ اللهِ ونهيُهُ وقدَرُهُ، وتوهُّمُ بعضِ النفوسِ الظُّلْمَ:
وقد توهَّمَتِ القَدَريَّةُ -مِن المعتزِلةِ وغيرِهم-: أنَّ القولَ بإثباتِ القدَرِ يَلزَمُ منه القولُ بظلمِ الله لعبادِهِ؛ فيكونُ ذلك حُجَّةً للعبادِ على
стр. 159
ربِّهم؛ فيريدون تنزيهَ اللهِ عن فعلِ القبيحِ مِنَ الظلمِ والتعسُّف؛ فنفَوُا القدَرَ بشيءٍ متوهَّم دخَلُوا فيه؛ فشبَّهوا قدَرَ الله بإكراهِ المخلوقِ للمخلوق.
والتشبيهُ المتوهَّمُ: أصلُ ضلالِ الفِرَقِ في الله، وفي أسمائِهِ وصفاتِه؛ قال الله مثبِتًا لِقَدَرِهِ: ﴿كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وقال مثبِتًا لحُجَّتِهِ التامَّةِ على الخلقِ: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، وقال نافيًا الظلمَ عن نفسِهِ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
ولا يَلزَمُ مِن إثباتِ ما في هذه الآياتِ القولُ بالتناقُض، وقد كان توهُّمُ الظلمِ يقَعُ في بعضِ النفوسِ حتى في الصدرِ الأوَّلِ؛ وذلك لضعفِ العقلِ وقصورِهِ عن فهمِ دقائقِ القدَرِ وسِرِّه:
ففي "صحيح مسلم"، عن أبي الأسوَدِ الدِّيَلِيِّ؛ قال: "قال لي عِمْرانُ بن الحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ ما يَعمَلُ الناسُ اليَوْمَ، ويَكدَحُونَ فيه؛ أَشَيْءٌ قُضِيَ عليهم، ومَضَى عليهم مِن قَدَرٍ مَّا سبَقَ، أو فيما يَستقبِلُونَ به مما أَتَاهُمْ به نبيُّهم، وثبَتَتِ الحُجَّةُ عليهم؟
فقلتُ: بل شيءٌ قُضِيَ عليهم، ومَضَى عليهم.
قال: فقال: أفلا يكونُ ظُلْمًا؟
قال: ففَزِعْتُ فَزَعًا شديدًا، وقلتُ: كلُّ شيءٍ خَلْقُ الله، ومِلْكُ يَدِهِ؛ فـ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فقال لي: يَرْحَمُكَ اللهُ؛ إنِّي لم أُرِدْ بما سأَلْتُكَ إلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ" (١).
وكان الأئمَّةُ مِن السلَفِ -ومَن تَبِعَهم مِن أهلِ الحديثِ والفقهِ والعربيَّةِ- يُدرِكُونَ أنْ لا تناقُضَ بين الإيمانِ بالقدَر، وبين إيجابِ العمَلِ
стр. 160
والحسابِ عليه؛ يقولُ أبو عمرِو بن العَلَاءِ: "أَشهَدُ أنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ، ويَهدِي مَن يَشَاءُ، وللهِ علينا الحُجَّةُ، ومَن قال: تَعَالَ أُخَاصِمْكَ، قلتُ له: أَغْنِ عنَّا نَفْسَكَ" (١)؛ فيُثبِتُ القدَرَ، ويُمسِكُ عن الجدالِ فيه.
وكان ابنُ العَلَاءِ -وهو مِن أهلِ القرنِ الثاني- مِن أعلمِ أهلِ العربيَّةِ باللسان، وحُجَّتُهُ وعلمُهُ العربيُّ عامَّتُهُ مِن كلامِ وبيانِ الجاهليِّينَ وفَصَاحَتِهم؛ قال الأصمعيُّ: "جلَسْتُ إلى أبي عَمْرِو بنِ العَلَاءِ عَشْرَ حِجَجٍ، فلم أَسْمَعْهُ يَحتَجُّ ببيتٍ إسلاميٍّ" (٢).
وبنحوِ هذا قال يونُسُ بن حَبِيب لمَّا سُئِلَ عن القدَرِ؟ قال: "لا فِكْرَ لي فيه" (٣).
* العلمُ بالأسباب لا يُخرِجُ صاحبَه مِن قَدَرِ الله:
ولا يُمكِنُ أن يخرُجَ الخلقُ عن مرادِ اللهِ ومشيئتِهِ، حتى لو عَلِمَ الأسبابَ التي تُخرِجُهُ عنها، فلن يتمكَّنَ؛ فإنَّ الله يُغلِقُها عليه؛ ليبيِّنَ له ضعفَهُ وعجزَهُ أمامَ قدرةِ الله ومشيئتِه.
وقد جاء رجلٌ إلى الخليلِ بنِ أحمدَ، فقال: "إنَّه قد وقَعَ في نَفْسِي شيءٌ مِنَ القَدَر؛ فبَيِّنْ لي ذلك، قال الخليلُ: تُبصِرُ شيئا مِن مَخارِجِ الكلامِ؟ قال: نَعَمْ، قال: أين مَخْرَجُ الحاءِ؟ قال: مِن أصلِ اللسانِ، قال: أين مَخْرَجُ الثاءِ؟ قال: مِن طرَفِ اللسان، قال: اجْعَلْ هذا مكانَ هذا، وهذا مكانَ هذا، قال: لا أَسْتَطِيعُ، قال: فأنتَ عَبْدٌ مدبَّرٌ" (٤).
стр. 161
* عِلْمُ اللهِ بكلِّ شيءٍ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهْ؛ فَجَرَى عَلَى قَدَرِهْ، لَا يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إِلَّا وَقَدْ قَضَاهْ، وَسَبَقَ عِلْمُهُ بِهْ؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤]):
كلُّ ما في الوجودِ خلقُ الله، وهو عالمٌ محيطٌ بهم، لا يعزُبُ عنه شيءٌ مِن ذلك؛ جليلُهُ وعظيمُه، كثيرُهُ وقليلُه، كليَّاتُهُ مهما كَثُرَتْ، وجزئيَّاتُهُ مهما دَقَّتْ، يَرَى الذَّرَّهْ، كما يَرَى المَجَرَّهْ، لا يزيدُ علمُهُ في النُّور، ولا ينقُصُ في الظلامِ، يَعلَمُ ما كان وما يكونُ وما لم يَكُنْ لو كان كيف كان يكونُ.
قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]، وقال: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَو فِي السَّمَاوَاتِ أَو فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦]، وقال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: ٢].
ويَعلَمُ الله ما لم يكنْ مِن العبادِ لو كان: كيفَ كان يكونُ، وكيفَ يَؤُولُ إليه أمرُه؛ فقد قال الله عن الكافِرِينَ الذين يَتمنَّوْنَ الرجوعَ إلى الدنيا بعدَ معايَنةِ النار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال تعالى عن حال المعانِدِينَ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣].
стр. 162
وزعَمَ بعضُ الفلاسفةِ والمتكلِّمينَ عدَمَ علمِ اللهِ بالجزئيَّات؛ فيَرَوْنَ أنَّ الله يَعلَمُ الأشياءَ على وجهٍ ثابتٍ كليٍّ، لكنَّه لا يَدخُلُ تحتَ عَجَلةِ الزمانِ؛ فلا يَعلَمُ الجزئيَّاتِ التي يكونُ حدوثُها يُوجِبُ تجدُّدَ الإحاطةِ بها؛ فيُحدِثُ تغيُّرًا في ذاتِ العالِم.
وقد أشار إلى هذا الجُوَيْنِيُّ في "البُرْهان" (١)؛ وهذا ضلالٌ مُبِين؛ فكلُّ ما في الوجودِ خلقُ الله، وإذا كان خلَقَهُ، فهو عالمٌ به، وقد استنكَرَ الله على مَن فصَلَ بين العلمِ والخلقِ: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وقد ردَّ أئمَّةُ السُّنَّةِ هذه الضلالةَ، ووُجِدَتْ في بعضِ مقالاتِ المغارِبةِ، ورَدَّ عليهم أئمَّتُها؛ كابنِ العَرَبيِّ (٢)، بل قال المازَرِيُّ لِشِدَّةِ فسادِها: "وبوُدِّي لو مَحَوْتُ هذا مِن هذا الكتاب بماءِ بَصَرِي" (٣)؛ يعني: مِن كتابِ الجُوَيْنيِّ.
* مشيئةُ اللهِ وقدرتُهُ على خلقِ أفعالِ العِبَادِ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فَيَخْذُلُهُ بِعَدْلِهْ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَيُوَفِّقُهُ بِفَضْلِهْ؛ فكُلٌّ مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِهْ، إِلَى مَا سَبَقَ مِنْ عِلْمِهِ وَقَدَرِهْ؛ مِنْ شَقِيٍّ أَو سَعِيدٍ):
لا يخرُجُ الناسُ عن تقديرِ اللهِ لهم، وتقديرُهُ لهم لا يَعنِي: أنَّه سبحانَهُ لا يريدُ مِن الكافِرِينَ شرعًا الإيمانَ، ولا يرضاهُ لهم، ولكنَّه سبَقَ في علمِهِ ما هم فاعِلُونَ؛ فمَن أرادَ الخيرَ، هداهُ، ومَن أراد الشرَّ أضلَّه؛
стр. 163
فالله لا يَحرِمُ مريدَ الخيرِ منه؛ وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ في "جامعِه": "وَكُلٌّ يَنْتَهِي إِلَى سَابِقِ عِلْمِهْ؛ لَا مَحِيصَ لِأَحَدٍ عَنْه" (١)، وقال: "وَخَذَلَ مَنْ عَصَاهُ وَكَفَرَ بِهْ، فَأَسْلَمَهُ وَيَسَّرَهُ لِذَلِكَ فَحَجَبَهُ وَأَضَلَّهْ؛ ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: ١٧] " (٢)، وقال هنا: "يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ فَيَخْذُلُهُ بِعَدْلِهْ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَيُوَفِّقُهُ بِفَضْلِهْ".
وأمَرَ النبيُّ ﷺ كما تقدَّم بالإمساكِ عما سكَتَ عنه الشرعُ في القدَر، ووجوبِ الإيمانِ والتسليمِ؛ لعجزِ العقولِ عن الإدراكِ؛ فمَن دخَلَهُ، بحَثَ فيما تَعجِزُ عنه العقولُ والأفكارُ، فتتحيَّرُ وتَضِلُّ وتَزِيغ، وقد دخَلَ في هذا البابِ طوائفُ، فانتهى بهم إلى ضلال.
* المُخالِفونَ في القَدَر:
وقد خالَفَ في القدَرِ طوائفُ: جُفَاةٌ، وغُلَاةٌ، وأشباهُ غُلَاةٍ قائلونَ بالكَسْب:
* أمَّا الجُفَاةُ الذين يَنفُونَ القدَرَ: فيَجعَلُونَ تصرُّفَ المخلوقِ منفرِدًا كتصرُّفِ الخالق، ولا مشيئةَ للخالِقِ فوقَ مشيئةِ المخلوق بعدَ خَلْقِه، وأنَّ اللهَ خلَقَهُمْ ودبَّرهم، وسبَّب لهم وترَكَهُم.
وهؤلاءِ هم القدريَّة، وقد أظهَرَ هذا القولَ مَعْبَدٌ الجُهَنيُّ، وغَيْلانُ الدِّمَشْقِيُّ، وغيرُهما مِن أهلِ الاعتزال.
وقد قال مالكٌ: "والقَدَريَّةُ أشَرُّ الناسِ، ورأَيْتُهم أهلَ طَيْشٍ وسَخَافةِ عقولٍ وبِدَعٍ، بآيٍ كثيرةٍ عليهم؛ منها قولُ اللهِ : ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠]، ومنها: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ
стр. 164
يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وقال: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وقال: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٢ - ١٦٣]، وقال: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]، في آيٍ كثيرة" (١).
والقَدَرِيَّةُ أصَّلوا لقولِهم بالكلامِ والنَّظَر، ثُمَّ استدَلُّوا بأدلَّةٍ متشابِهةٍ في قلوبِهم، توهَّموها حُجَّة لقولِهم:
وذلك كالآياتِ التي تبيِّن أنَّ العبادَ يَفعَلُونَ ويترُكُونَ، فيُؤمِنونَ ويَكْفُرونَ ويفسُقُونَ، ويطيعون ويَعصُون.
وهذا كلُّه داخلٌ في مشيئةِ العبد، ولا يُخرِجُ مشيئةَ الله النافِذةَ عليه.
وكاستدلالِهم بأدلَّةِ إتقانِ الله لخلقِهِ وصنعتِهِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]؛ فجعَلُوا لازمَ ذلك نَفْيَ نِسْبةِ تصرُّفاتِ الناسِ إلى الله؛ لِمَا تتضمَّنُهُ مِن عدَمِ إتقانٍ وإخلالٍ، وضلالٍ وكفر.
واللهُ سبحانه يُرِيدُ أصلَ خلقِهِ حيثُ أبدَعَهُ وأتقَنَهُ، وأمَّا فسادُ أعمالِ الناسِ: فمِن مشيئَتِهِمُ التي أَذِنَ اللهُ بها لِحِكْمةٍ، فلم يخرُجُوا عن إرادتِهِ وتقديرِه، والآيةُ نفسُها دالَّةٌ على إثباتِ الفعلِ للناسِ؛ فالله قال: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨]، فلمَّا ذكَرَ صُنْعَ الخالقِ، أضافَهُ إلى نفسِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾؛ لأنه لا مشيئةَ لأحدٍ معه فيه، ولمَّا ذكَرَ فعلَ الناسِ، أضافَهُ إليهم: ﴿بِمَا تَفْعَلُونَ﴾؛ لِمَا لهم مِن اختيارٍ ومشيئةٍ بعد مشيئتِه.
وليس ما يَستقبِحُهُ الناسُ مِن ذواتٍ وأفعالٍ دليلًا على نِسْبَتِها
стр. 165
لغيرِ اللهِ؛ فاللهُ يقولُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وهناك مِن الناسِ مَن يُولَدُ مشوَّهًا مريضًا خَدِيجًا؛ كالمبتورِ والمشلولِ، ومَن يُولَدُ برِجْلٍ أو يَدٍ أو عَيْنٍ، أو بأكثَرَ مِن عشَرةِ أصابِعَ، أو برأسَيْنِ؛ وهذا كلُّه لا يُجِيزُ نِسْبةَ تلك الأجسادِ لخالقٍ غيرِ الله؛ وإنما جعَلَها اللهُ كذلك لِحِكْمةٍ.
وقد كان لازمُ قولِهم: أنَّ العبادَ يَخلُقُونَ ما يَفعَلُونَ؛ فجعَلُوا إلهَيْنِ وخالقًا غيرَ الله؛ فشابَهُوا بذلك المَجُوسَ الذين يَتَّخِذُونَ إلهَيْنِ: إلهَ الخير، وهو النُّورُ، وإلهَ الشَّرِّ، وهو الظُّلْمة.
* وأمَّا الغُلَاةُ: فهم الذين يقولونَ بالجَبْرِ؛ أي: أنَّه لا اختيارَ للمكلَّفين، ولا مشيئةَ، وحالُ المكلَّفِ كحالِ الجَمَاداتِ؛ فالملائكةُ والإنسانُ والجانُّ؛ كالكواكبِ والأجرامِ؛ فالإنسانُ مسيَّرٌ بلا اختيارٍ: يقومُ ويقعُدُ ويتكلَّمُ، كما تطلُعُ الشمسُ وتغرُبُ.
وهؤلاءِ هم الجبريَّة، وقابَلُوا نفاةَ القَدَرِ بغُلُوٍّ، وأَوَّلُ مَن أشهَرَهُ: الجَهْمُ بن صَفْوانَ، وقد كان شيخُهُ الجَعْدُ بن دِرْهَمٍ يقولُ به.
وهم كسابِقِيهِمْ قالوا بالجبر، أرادوا تنزيهَ اللهِ مِن وجهٍ مقابِلٍ للنفاةِ بالكلامِ والنَّظَر، ثُمَّ استدَلُّوا بأدلَّةِ الوحيِ:
- وذلك؛ كالآياتِ الدالَّةِ على أنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ، وعلى نفيِ خالقٍ غيرِهِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ٦٢]، وقولِه: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣].
- وكذلك الأدلَّةُ التي تَجعَلُ تصرُّفَ الإنسانِ تحتَ مشيئةِ الله وتدبيرِهِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وجعَلُوا ذلك سَلْبًا لإرادةِ الإنسانِ.
стр. 166
وحمَّلُوا الأدلَّةَ ما لا تَحتمِل، وهي أدلَّةٌ عليهم لا لهم، أدلَّةٌ للحقِّ الذي يقولُ به السلفُ؛ فالله تعالى خَلَقَ الناسَ وأفعالَهم؛ فهو خالقُ كلِّ شيءٍ، وجعَلَ لهم مشيئةً تدُلُّ على اختيارِهم وتصرُّفِهم، ولكنْ بعدَ إذنِ الله ومشيئتِه، فلو كان للكواكبِ مشيئةٌ كمشيئةِ الناس، لَذَكَرَها، وهم يَجعَلُونَ الناسَ كالكواكبِ وسائرِ الجَمَادات؛ فلماذا خَصَّ اللهُ الناسَ بالمشيئةِ، ولم يَخُصَّ الكواكبَ بمِثْلِها إلا لتمايُزٍ بينهم، وقد قال الله مضيفًا فعلَ النبيِّ ﷺ بالرميِ إليه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]؛ فأثبَتَ لنبيِّهِ رميًا واختيارًا: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، وأثبَتَ لنفسِهِ القُدْرةَ والمشيئةَ المُمضِيَةَ لذلك: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾.
ولازمُ قولهم: أنَّ التكاليفَ الشرعيَّةَ جَبْرٌ، وأنَّ الطاعةَ والمعصيةَ مِن العبادِ جَبْر.
وقد أثبَتَ الله لعبادِهِ مشيئةً بعدَ مشيئتِه، وإرادةً بعد إرادتِه؛ قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٢٩ - ٣٠]، وقال: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١ - ١٢].
فقولُه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، إبطالٌ لقولِ الجَبْريَّة، وقولُه: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، إبطالٌ لقولِ القَدَريَّة؛ فكيف لعبدٍ أن يَفعَلَ ما لا يَشاؤُهُ اللهُ؟ ! لا يَفعَلُ أحدٌ في الكونِ شيئًا بغيرِ عِلْمِهِ وإِذْنِه.
وأدلَّةُ الجَبْريَّةِ هي أدلَّةٌ يُعرَفُ بها فسادُ قولِ القَدَريَّة، وأدلَّةُ القَدَريَّةِ هي أدلَّةٌ يُعرَفُ بها فسادُ قولِ الجَبْريَّة، وكثيرًا ما يُعرَفُ فسادُ قولِ طائفةٍ
стр. 167
بأدلَّةِ خصومِها عليها، وفي طوائفِ الضلالِ مِن المجادَلةِ والنَّقْضِ بعضِها لبعضٍ ما لا يُوجَدُ عند غيرِهم، خاصَّةً في الطوائفِ التي تَتقابَلُ في قولٍ باطلٍ: واحدةٍ في أقصاهُ يمينًا، وثانيةٍ في أقصاهُ شمالًا.
وكان أئمَّةُ السُّنَّةِ في المغرِبِ يَرُدُّونَ قولَ القَدَريَّةِ والجَبْريَّة، ويُحاجُّونَ مَن قال به؛ يقولُ عَوْنُ بن يُوسُفَ الخُزَاعيُّ -وهو مِن علماءِ القَيْرَوان، وكان أكبَرَ مِن سُحْنُونٍ، ومِن أصحابِ عبد الله بنِ وَهْبٍ-: "إذا أَرَدتَّ أن تكفِّرَ القَدَريَّ، فقُلْ له: ما أرادَ الله مِن خَلْقِه؟ فإنْ قال: أراد منهم الطاعةَ، فقد كفَرَ؛ لأنَّ منهم مَن عَصَى؛ وكلُّ إلهٍ لا تَتِمُّ إرادتُهُ، فليس بإله، وإنْ قال: أراد منهم المعصيةَ، فقد كفَرَ؛ لأنَّ منهم مَن أطاعَ؛ وكلُّ إلهٍ لا تَتِمُّ إرادتُهُ، فليس بإله" (١).
* وأمَّا القائلونَ بالكَسْبِ: فجمهورُ الأشاعِرةِ ومتأخِّروهم؛ يُثبِتُونَ لله الخلقَ والمشيئةَ، ولكنَّهم يَجعَلُونَ أفعالَ العبادِ الاختيارَيَّةَ بإرادةِ الله وقُدْرتِهِ وحدَهُ، لا باختيارِ العبدِ ولا قُدْرَتِه، ولا أثَرَ له في ذلك، وإنَّما هو كاسِبٌ لها، وكسبُ العبدِ عندَهم هو مقارَنَتُهُ لقدرتِهِ مِن غيرِ أن يكونَ هناك مِن تأثيرٍ أو مَدخَلٍ في وجودِهِ سوى كونِهِ مَحَلًّا له؛ كما يقولُهُ صاحبُ "المَواقِف" (٢).
وقد تأثَّر الأشاعِرةُ القائلُونَ بالكَسْبِ بالضِّرَاريَّةِ والنَّجَّاريَّةِ قَبْلَهم.
وهذا القولُ يُشابِهُ قولَ الجَبْريَّة، ومِن أشَدِّ ما شنَّع به المعتزِلةُ عليهم؛ فهم يَنفُونَ أيَّ قدرةٍ للعبدِ أو تأثيرٍ في أفعالِه؛ فإنَّ الله قادِرٌ على إيجادِ الحوادِثِ التي يُرِيدُها الإنسانُ بدونِ فِعْلِه، فهو مُوجِدُها وحدَهُ، ولو كان الإنسانُ مشارِكًا مقتَرِنًا في إحداثِها في الظاهِر، فلا أثَرَ له في الحقيقة.
стр. 168
وقولُهم هذا قريبٌ مِن حَمْلِ رجُلٍ كبيرٍ قويٍّ حجارةً ثقيلةً يَقدِرُ عليها وحدَهُ، فيُشارِكُهُ فيها طفلٌ صغيرٌ -بيدٍ ضعيفةٍ- لا يَقوَى على تحريكِ الحجارةِ، فضلًا عن حَمْلِها؛ فيَدُ الطفلِ مقترِنةٌ بالفعل، لكنَّها غيرُ مؤثِّرةٍ في الحَمْل.
وهذا القولُ مِن الأقوالِ التي لا يَقبَلُها النصُّ، ولا يعضُدُها العقل، ولا يؤيِّدُها الحِسّ؛ فالعاقلُ يفرِّقُ بين الرَّعْشةِ التي تَغلِبُ بَدَنَهُ بلا اختيار، وبين فِعْلِهِ باختيارِه.
وقد كان جماعةٌ مِن فضلاءِ الأشاعِرةِ لا يقولونَ بذلك؛ كالباقِلَّانِيِّ (١)، وغيرِه.
* الحتميَّةُ السَّبَبِيَّةُ:
ونشَأَ قولُ القائلينَ بالحتميَّةِ السببيَّة؛ وهم الذين يَجعَلُونَ الكونَ منتظِمًا بنظام محكومٍ لا يخرُجُ عنه، وكلُّ واقعةٍ لا يُمكِنُ أن تكونَ إلَّا كذلك، ولا شأنَ لأحدٍ فيها؛ فإنَّ اختيارَ اللهِ إنَّما كان في أصلِ الإيجاد، لا في تتبُّعِ المعادَلاتِ ونتائجِها؛ فلا يَرَوْنَ أنَّ للإلهِ إرادةً تتعرَّضُ لذلك النظامِ بالتبديلِ والتغييرِ.
وهؤلاءِ جبريَّةٌ في المبتدَأِ، وقدريَّةٌ في المنتهَى؛ وبهذا يقولُ كثيرٌ مِن الفلاسفةِ الغربيِّينَ مثلِ سِبِينُوزَا، وكَانْتْ، وهِيجِل، ومنهم مَن يستثني الرُّوحَ؛ فيرى أنَّ كلَّ جسَدٍ محكومٌ بقوانينِ الطبيعة، إلا الروحَ؛ فهي طليقةٌ مِن هذه القوانين، ويَرَى أنَّ عليها أنْ تُجاهِدَ الجسَدَ، وتَلتمِسَ العَوْنَ مِن الله بالمعرِفةِ في جِهَادِها.
стр. 169
* نفيُ القَدَر يَلزَمُ منه العجز:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (تَعَالَى أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدْ، أَو يكُونَ لِأَحَدٍ عَنْهُ غِنًى، أَو يَكُونَ خَالِقٌ لِشَيْءٍ إِلَّا هُوَ، رَبُّ الْعِبَادِ وَرَبُّ أَعْمَالِهِمْ، وَالمُقَدِّرُ لِحَرَكَاتِهِمْ وَآجَالِهِم، الْبَاعِثُ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ؛ لإِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ):
ذكَرَ المؤلِّفُ ذلك؛ لأنَّ مقتضى نفيِ القدَرِ: أنه يكونُ في مُلْكِ الله ما لا يريدُهُ الله؛ فإمَّا أن تكونَ حوادثُ الكَوْنِ بتقديرِهِ؛ فهو أرادَها قَدَرًا، وإمَّا أن تكونَ مِن غيرِهِ؛ فلا شَكَّ أنه لا يتوافَقُ أحدٌ مع غيرِهِ في كلِّ مرادٍ؛ فلا بُدَّ أن يكونَ أحدُهما يريدُ ما لا يريدُهُ الآخَرُ؛ فلازمُ نفيِ القَدَرِ: أن يُتصرَّفَ في كونِهِ بما لا يريدُهُ، ويَعجِزُ عن دفعِهِ؛ تعالى الله علوًّا كبيرًا؛ فلا يكونُ في مُلْكِ الله إلا ما يريدُهُ الله، ويقدِّرُهُ مِن خيرٍ أو شَرٍّ، محبوبٍ أو مكروهٍ؛ ولهذا جاء في الحديثِ القُدْسيِّ في "مسلِمٍ": (وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ) (١)، وفي "المسنَدِ" بلفظِ: (وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيرٌ) (٢).
وبعضُهم (٣): يَكرَهُ إطلاقَ قولِ: "وَاللهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ"؛ لأنَّ قدرةَ اللهِ أوسَعُ:
وفي هذا التعليلِ نظَرٌ؛ فالحديثُ فيه ثابتٌ، وهو يتضمَّنُ إثباتًا لله، وتنزيهًا له:
* فأمَّا الإثباتُ: فهو إثباتُ القدَرِ والحِكْمةِ له.
стр. 170
* وأمَّا التنزيهُ: فإنَّ اللهَ لا يشاءُ مِن الأقدارِ إلا ما هو خيرٌ كامِلٌ أو غالِبٌ، وله حكمةٌ فيه كلِّه، وما لا يشاؤُهُ اللهُ، لم يُذكَرْ في الحديثِ؛ لأنَّ الله ينزَّهُ عن العبَثِ؛ فما اختار الله مِن التقديرِ إلَّا ما هو أحسَنُ مِن غيرِه، وأتَمُّ وأحكَم، وما لم يَشَأْهُ دون ما شاءَهُ حُسْنًا وتمامًا وحِكْمةً، ويَختلِفُ التبايُنُ في ذلك بحسَبِ اختلافِ الأعيانِ والأفعالِ والأحوالِ، والأزمانِ والأمكِنة.
وقد جعَلَ اللهُ خَلْقَهُ على نوعَيْنِ في بابِ الاختيارِ والمشيئةِ:
* خَلْقٌ: لا اختيارَ لهم ولا مشيئةَ؛ كالجَمَاداتِ مِن الكواكبِ والنجوم، والحَجَرِ والتُّرَاب؛ فهذه غيرُ مكلَّفةٍ؛ لأنَّها غيرُ مختارة.
* وخَلْقٌ: لهم اختيارٌ ومشيئةٌ؛ وهم على قسمَيْنِ:
أوَّلًا: مكلَّفونَ بالدِّينِ والدنيا؛ وهم العُقَلاء؛ كالملائكةِ والإنسِ والجِنّ؛ فهؤلاءِ يُمدَحُونَ بحسَبِ ما يختارونَهُ مِنَ الامتثالِ لله، وبحسَبِ ما يجدونَهُ مِن صبرٍ على ذلك ومشقَّةٍ وشِدَّة:
وقد جعَلَ اللهُ في بعضِهم: شَهَواتٍ ورَغَباتٍ يَبتلِيهِمْ بها، ويَختَبِرُهُمْ في اتباعِ أمرِه، وتقديمِهِ على شَهَواتِهم ورَغَباتِهم؛ وهذا كالإنسِ والجِنّ.
ولم يَجعَلْ في خِلْقةِ بعضِهم شيئًا مِن الشهواتِ والغرائزِ تُنازِعُهم الحقَّ؛ ولهذا فهؤلاءِ الملائكةُ لا يَخرُجُونَ عن أمرِ الله؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
ومِن هنا: فضَّل أكثَرُ العلماءِ مِن أهلِ السُّنَّةِ: الصالِحِينَ مِن بني آدَمَ على الملائكةِ.
ثانيًا: مكلَّفونَ بالدنيا بلا عَقْلٍ؛ وهي البهائِمُ؛ فاللهُ خلَقَها، وجعَلَ فيها إدراكًا، ولم يَجعَلْ فيها عقلًا؛ فتُدرِكُ دنياها، ولا تَفهَمُ تكاليفَ
стр. 171
العبادةِ كما يَفهَمُهُ البشَرُ، وعبادتُها تسخيريَّةٌ مِن جنسِ عبادةِ الجَمَادات، ولكنْ لها اختيارٌ ومشيئةٌ دنيويَّةٌ، تَعمَلُ وتدبِّرُ باختيارِها، وتُحاسَبُ على خَطَئِها الذي تَفهَمُهُ في الدنيا والآخِرة؛ ومِن ذلك قولُهُ ﷺ : (لَيَقْتَصَّنَ اللهُ لِلشَّاةِ الجَمَّاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ) (١)، وفي "الصحيحَيْن": أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ أُمَّ شَرِيكٍ بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ، وَقَالَ: (كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (٢).
ومِن ذلك: إدراكُ الفأرِ لبعضِ ما تفعَلُهُ مِن شيء؛ كما روى البخاريُّ عن جابرِ بنِ عبد الله ﵄؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (أَطْفِئُوا المَصَابِيحَ؛ فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الفَتِيلَةَ؛ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ) (٣).
وإدراكُ البهائِمِ للأوامِرِ الدنيويَّةِ مفطورةٌ عليه بطَبْعِها؛ ولهذا فهي تَختلِفُ وتَتبايَنُ بحسَبِ جِنْسِها ونَوْعِها؛ فبهيمةُ الأنعامِ ليست كالسِّبَاع؛ فالشِّيَاهُ إنْ تَناطَحَتْ، تحاسَبَتْ، ولو أكَلَ السَّبُعُ الشاةَ، لم يُحاسَبْ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ رزقَ السَّبُعِ فيها، ولم يَجعَلْ رزقَ الشياهِ بعضِها مِن بعضٍ.
* رسالةُ النبيِّ ﷺ ، وكتابُه:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (ثُمَّ خَتَمَ الرِّسَالَةَ وَالنِّذَارَةَ وَالنُّبُوَّةَ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ ﷺ ؛ فَجَعَلَهُ آخِرَ المُرْسَلِينَ، بَشِيرًا وَنَذِيرَا، وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرَا):
بعَثَ اللهُ في كلِّ أُمَّةٍ رسولًا؛ لتبليغِ عبادتِهِ وحقِّه عليهم؛ لأنَّ العبادةَ هي الحِكْمةُ مِن الخَلْق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقد ذكَرَ اللهُ أنه لم يَدَعْ أُمَّةً مِن الأُمَمِ إلا وقد أقام عليهِمْ
стр. 172
حُجَّتَه، وبلَّغهم رسالتَه؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ [يونس: ٤٧]؛ فكانتِ الرسُلُ تَتَتابَعُ للبلاغِ، نبيًّا بعدَ نبيّ؛ حتى لا يَغِيبَ الحقُّ مِن الأرضِ بالكليَّة؛ قال تعالى عن تتابُعِ رُسُلِهِ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون: ٤٤].
وتتابُعُ الرسُلِ حتى تقومَ الحُجَّةُ في الأرضِ على العالمين، وتَنقطِعَ أعذارُهم؛ كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١].
والإيمانُ بجميعِ الرسُلِ واجبٌ، والكافِرُ بواحدٍ منهم كافِرٌ بجميعِهم؛ قال تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٥٠]؛ فجعَلَ الكفرَ به وبرسُلِهِ واحدًا، ولا يَلزَمُ مِن الإيمانِ برسولٍ اتباعُ شريعتِه، بل إنَّ الإيمانَ به يقتضي تصديقَ الخبَر، والإقرارَ بالمنزِلةِ والفضل، وأمَّا الاتِّبُاعُ، فقد ختَمَ الله جميعَ الشرائعِ برسالةِ النبيِّ محمَّدٍ ﷺ .
* خِتَامُ رسالةِ النبيِّ ﷺ للرِّسالات:
وكلُّ نَبِيٍّ يَبْعَثُهُ اللهُ لأُمَّتِهِ وقومِه، ويَجعَلُ رسالتَهُ مقيَّدةً بزمانٍ تنتهي به، إلا رسالةَ النبيِّ ﷺ ؛ فقد جعَلَها الله عامَّةً للعالَمِينَ جِنًّا وإنسًا، وجعَلَها دائِمةً وخاتِمةً للرسالاتِ السابقة؛ فلا يجوزُ التديُّن بأيِّ رسالةٍ سماويَّةٍ سابقةٍ بعد بعثةِ محمَّدٍ ﷺ .
أمَّا عمومُ رسالةِ النبيِّ ﷺ لجميعِ الأُمَمِ، فلقولِهِ تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا
стр. 173
النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وقولِهِ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقولِهِ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]، وفي الحديثِ: قال ﷺ : (كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً) (١).
وأوجَبَ اللهُ على جميعِ الأنبياءِ اتِّبَاعَ محمَّدٍ لو بُعِثَ وهم أحياءٌ، وأخَذَ الميثاقَ عليهم بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]؛ وهذا في الرُّسُل، وهو في العالَمِينَ مِن بابِ أولى؛ قال ابن عبَّاس ﵄: "ما بعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا أخَذَ عليه الميثاقَ: لَئِنْ بُعِثَ محمَّدٌ، وهو حَيٌّ؛ لَيُومِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وأمَرَهُ أنْ يأخُذَ على أُمَّتِهِ المِيثَاقَ: لَئِنْ بُعِثَ محمَّدٌ، وهم أحياءٌ؛ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ" (٢).
وقد كان النبيُّ ﷺ يُكاتِبُ الناسَ برسالتِه، ويأمُرُهم بإجابتِهِ عليها؛ فيَبعَثُ إلى اليهودِ والنصارى، والصابِئةِ والمشرِكين، ويَبعَثُ إلى العرَبِ والعجَم، والأحمَرِ والأبيَضِ والأسوَد، ولم يفرِّقْ بينَهم في الخطابِ إلا بما يُوجِبُ تركَ ما كانوا عليه مِن دِينٍ سابق؛ فكلُّ داخلٍ في الإسلامِ، فإنه يجبُ عليه أن يدَعَ ما كان عليه قبلَ ذلك.
فالله أمَرَ اليهودَ والنصارى باتباعِ النبيِّ ﷺ ، وهم أقرَبُ الأممِ إلى أمَّةِ محمَّد، وكتُبُهم أقرَبُ الكتبِ المنزَّلةِ إلى القرآن؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا
стр. 174
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧]، وقد خاطَبَهُمُ الله في القرآنِ كثيرًا بـ: "يا أهلَ الكتابِ"، وبـ "يا بَنِي إسرائيلَ".
* حكمُ اتِّباعِ دِينٍ غيرِ الإسلام:
ومَن زعَمَ: أنَّ أحدًا مِن الناسِ بعد النبيِّ ﷺ ، يجوزُ له اتِّبَاعُ ما شاء مِن الشرائعِ والكتبِ الأُخرى، وأنْ يَتديَّنَ للهِ بغيرِ الإسلام، وأنه ناجٍ في الآخِرة، مع عِلْمِهِ بالرسالةِ المحمَّديةِ -: فهو كافرٌ بالله؛ قال ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحمَّدٍ بِيَدِه، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ) (١).
وعدَمُ تجويزِ بقاءِ اليهوديِّ والنَّصْرانيِّ على مِلَّتِه، لا يعني تعيُّنَ قَتْلِه، بل عدَمُ الجوازِ: لبيانِ كفرِهِ، وعدَمِ صحةِ عَمَلِه، وأنَّ مَن قامت عليه الحُجَّةُ، فهو مِن أهلِ النارِ إنْ مات على مِلَّتِه، ولا يَنفَعُهُ إيمانُهُ برسالةِ محمَّدٍ ﷺ ؛ إذا كان لم يَتَّبِعْها وَينْقَدْ لها؛ كمَنْ يرى أنَّها خاصَّةٌ بالعرَب، أو أنَّ الناسَ يُخيَّرونَ بين المِلَلِ، وكلُّها تؤدِّي إلى الجنَّة؛ فقد بيَّن اللهُ نسخَ جميعِ الشرائعِ السابقة، وأخبَرَ بتحريفِ ما سبَقَ مِن الكتبِ ممَّا بأيدي أهلِ الكتاب.
* والكفرُ -حينئذٍ- جاء مِن جهاتٍ، أعظَمُها:
الأُولى: عدَمُ اتباعِ النبيِّ ﷺ ، وتجويزُ الخروجِ عن رسالتِه، وأنَّ الأوامرَ المتواتِرةَ في الكتابِ والسُّنَّةِ باتباعِهِ لا معنَى لها عندَهم.
الثانية: الإيمانُ بصِحَّةِ كُتُبٍ أخبَرَ الله بتحريفِها، ونَسْخِها بالقرآن؛
стр. 175
وهذا تكذيبٌ للهِ ولرسولِه، ورُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ وجَدَ قِطْعةً مِن التَّوْراةِ معَ عُمَرَ بنِ الخَطَّاب، فقال له: (لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، مَا حَلَّ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي) (١)، حتى إنَّ عيسى ﵇ يَنزِلُ في آخِرِ الزمان، ويقتُلُ الدَّجَّالَ والخِنْزِيرَ، ويَكسِرُ الصليبَ، ولا يقضي إلا بشريعةِ محمَّدٍ ﷺ (٢).
الثالثةُ: أنَّ كلَّ جهادِ النبيِّ ﷺ للأممِ الكافِرةِ يهودًا ونصارَى، ومشرِكِينَ ومَجُوسًا: أنه عُدْوانٌ، وأنَّ قتالَهم كان سفكًا لدمٍ معصومٍ، وغنائِمُهُمْ سَلْبٌ لمالٍ معصوم، وسَبيُهُمُ استعبادٌ لأنفُسٍ حُرَّة؛ إذْ إنَّه قاتَلَهُمْ وهم غيرُ مُلزَمِينَ برسالتِه؛ وهذا كفرٌ عظيم، وضلالٌ مُبِين.
الرابعةُ: أنَّ جميعَ الأحكامِ في الشريعةِ التي تدُلُّ على تمايُزِ المسلِمِينَ عن الكفَّارِ -أو بعضِهم- باطلةٌ، كأبوابِ المُوالَاةِ والمُعادَاة، والنِّكَاحِ والذبائح، والدِّيَاتِ والمواريث، وأحكامِ الرِّدَّةِ ودخولِ البيتِ الحرامِ، والقَرَارِ بجزيرةِ العرَب، وغيرِ ذلك.
وأمَّا كونُ النبيِّ ﷺ خاتَمَ الأنبياء، ولا نبيَّ بعدَهُ: فلقولِهِ تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقولِهِ ﷺ في "الصحيحَيْنِ": (أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) (٣)، وفيهما مِن حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، أنَّ النبيِّ ﷺ قال لعليٍّ: (مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) (٤).
وكلُّ دَعْوةٍ للنبوَّةِ بعدَهُ، فهي كَذِب، ومُدَّعِيها كافِرٌ، يُحكَمُ بقتلِهِ ولو زعَمَ أنَّه لا يخرُجُ عن هديِ الأنبياءِ وأنَّه لا جديدَ لَدَيْهِ عنهم؛ لأنَّ وحيَ
стр. 176
السماءِ انقطَعَ بموتِ النبيِّ ﷺ إلى قيامِ الساعة، ولم يَبْقَ منه إلا الرؤيا الصالِحة.
ومَن زعَمَ أنه يأتِيهِ وحيٌ؛ فإنْ كان صادِقًا، فهو مِن الشياطينِ يسوِّلُونَ له؛ فالله سمَّى وَسْوَاسَهُمْ وحيًا ومنزَّلًا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
* الإسلامُ وحُرِّيَّةُ الدِّين:
ولم يَجعَلِ اللهُ لأحدٍ خيارًا غيرَ الإسلامِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩].
وأمَّا حُرِّيَّةُ الدِّينِ: فاللهُ تعالى كما أنه أمَرَ الناسَ كافَّةً باتباعِ نبيِّه ﷺ ، وعدَمِ الخروجِ عنه، إلَّا أنه خَصَّ أهلَ الكتابِ اليهودَ والنصارَى بعدَمِ القتالِ على الدخولِ في الإسلامِ؛ وإنَّما خيَّرهم عند قُدْرةِ المسلِمِينَ وقُوَّتِهم عليهم: بين الإسلام، أو الجِزْيةِ، أو القتال، وتجوزُ المهادَنةُ والموادَعةُ والمسالَمةُ -بينهم وغيرِهم مِن المشرِكِينَ، وبين المسلِمِينَ- بشروطِها المعروفة؛ كما بَيَّنْتُها في "التفسير" (١).
ومَن دخَلَ الإسلامَ مِن أيِّ مِلَّةٍ كانت، فلا يَسَعُهُ الخروجُ مِن الإسلامِ بحالٍ، ولا يأخُذُ أحكامَهُ السابِقةَ قبلَ دخولِ الإسلامِ لو كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، ويجبُ على إمامِ المسلِمِينَ إقامةُ حَدِّ الرِّدَّةِ عليه، وقد استفاضت في ذلك الأحاديثُ، وبه قضَى معاذٌ وأبو موسى في اليمَنِ؛
стр. 177
فيمن ارتَدَّ مِن اليهودِ (١)، وفيه قال ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ) (٢)، وقد قاتَلَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ والصحابةُ المرتدِّين.
ومَن كان له شَوْكةٌ وقُوَّةٌ مِن المرتدِّينَ، ولا قِبَلَ للمسلِمِينَ به، فتجوزُ مهادَنتُهُ ومسالَمَتُهُ لمصلحَتِهِمْ، وحفاظًا على شَوْكَتِهم؛ كما كانت طوائفُ مِن الفِرَقِ تقيمُ بين المسلِمِينَ وهي واقعةٌ في مكفّراتٍ كثيرةٍ، وكان المسلِمُونَ يترُكُونَهُمْ ويُهادِنُونَهُمْ، وربَّما عامَلُوهم عند الحاجة؛ وذلك لكثرةِ الطوائفِ وانشغالِ المسلِمينَ بأمورِ جَمَاعَتِهم، وربَّما بعدوٍّ مِن خارِجِهم يَخشَوْنَ تربُّصَهُ بهم.
* شُبُهاتٌ في حُرِّيَّةِ تَركِ الإسلام:
وأمَّا الاستدلالُ ببعضِ الأدلَّةِ التي يَظهَرُ منها قَبُولُ الرِّدَّةِ، أو زعَمَ بعضُهم منها مساواةَ الإسلامِ بغيرِهِ؛ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]-: فهذه ليست أدلَّةً لمسألتِنا هذه:
* أمَّا قولُهُ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: فقد نزَلَتْ في اليهودِ الذين بَقُوا على يهوديَّتهم، وأراد بعضُ الصحابةِ إكراهَهُمْ على الدخولِ ابتداءً في الإسلام.
وهذا لا إشكالَ فيه؛ فإنَّه لا يجوزُ إكراهُ أهلِ الكتابِ عليه ابتداءً؛ كما تقدَّم بيانُه؛ وهذا -مع كونِهِ لا يعني الإقرارَ بصِحَّةِ دِينِهم، ولا أنَّهم لو دخَلُوا الإسلامَ، جاز لهم الخروجُ منه- فتلك مسائلُ مختلِفةٌ؛ كما
стр. 178
روى أبو داودَ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ؛ قال: "كَانَتِ المَرْأةُ تكونُ مِقْلَاتًا، فتَجعَلُ على نَفْسِها إنْ عاشَ لها وَلَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فلمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِير، كان فيهم مِنْ أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا؛ فأنزَلَ الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (١).
والقائلُ بأنَّ هذه الآيةَ تدُلُّ على جوازِ الخروجِ مِن الإسلام، أو أنَّه مساوٍ لغيرِهِ، ضَرَبَ بفهمِ ظاهِرِ آيةٍ ألفَ آيةٍ وحديثٍ وأبطَلَها؛ وهذا لا يقولُهُ مِن جهةِ الشرعِ عالِمٌ، ولا مِن جهةِ النظَرِ صاحبُ فِكْر؛ فالدليلُ لا يُضرَبُ به دليلٌ آخَرُ يُخالِفُهُ مِن وجهٍ ويُفارِقُهُ مِن وجه؛ فكيف بإبطالِ ألفِ دليلْ، بظاهرِ دليلْ؟ !
* وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]: فقد حمَلَ بعضُهم (٢) هذه الآيةَ على التخييرِ بين الإسلامِ وغيرِهِ، والمساواةِ بينهما؛ وهذا لا تَدُلُّ عليه الآيةُ؛ لا في ظاهِرِها، ولا في باطِنِها:
* أمَّا المساواةُ: فالآيةُ تَنفِيها؛ فقد سَمَّتِ الإيمانَ بالنبيِّ ﷺ إيمانًا، وسمَّت الإيمانَ بغيرِهِ كفرًا.
* وأمَّا القولُ بأنها تفيدُ التخييرَ بين الإيمانِ والكفرِ: فهذا كلامُ مَن لا يَفهَمُ لسانَ العرب؛ فالآيةُ هي تهديدٌ ووعيد، وهوأسلوبٌ معروفٌ عند وضوحِ الحُجَّةِ وإقامتِها على أحدٍ يَتِمُّ تهديدُهُ وتحدِّيهِ بقولهم: "إنْ شِئْتَ افْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْ"؛ يعني: ستَجِدُ ثوابَكَ وعقابَك.
وهذا يدُلُّ عليه كمالُ الآيةِ؛ فإنَّ الله لما قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ
стр. 179
وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، قال بعد ذلك متوعِّدًا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ وبهذا فسَّرها الصحابةُ والتابِعُونَ، ولا خلافَ بينهم في ذلك (١).
ولكنْ مَن نظَرَ في هذه الآية، نظَرَ إلى كلمةٍ منها؛ وهي قولُهُ: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ولم ينظُرْ إلى السياقِ؛ فتوهَّم أنَّ المشيئةَ تعني حرِّيَّةَ الاختيار، والمشيئةُ هنا هي كقولِهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
ولم يَختلِفِ المفسِّرونَ مِن السَّلَفِ على صِحَّةِ هذا المعنى؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، وابنُ زَيْد (٢).
وجاء بمعناه الحديثُ؛ كما في قولِهِ ﷺ : (الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؛ فَحَافِظْ عَلَى وَالِدَيْكَ أَوِ اتْرُكْ) (٣)؛ وليس هذا تخييرًا بين العقوقِ والبِرِّ؛ وهو معروفٌ في لسانِ العرَبِ؛ فتأمُرُ بالشيءِ وتخيِّرُ فيه، والمرادُ: الوعيدُ والتهديد؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]؛ وليس في هذا أمرٌ بالكفرِ، ولكنَّه تهديد.
وكما يكونُ في التهديدِ والوعيدِ يكونُ في الرجاءِ؛ لكنَّه لا يُفهَمُ مِن مثلِ هذا السياقِ التخييرُ؛ كما في قولِ النبيِّ ﷺ : (لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (٤)؛ فلا يقولُ عاقلٌ: "إنه يجوزُ لأهلِ بَدْرٍ الكفرُ والفسوقُ والعِصْيانُ"، ولكنَّ الآيةَ السابقةَ
стр. 180
تهديدٌ ووعيدٌ، والحديثُ رجاءٌ، وليس فيها جميعًا تخييرٌ وإبطالٌ لأوامِرِ الله.
* الإيمانُ بالكُتُبِ السماويَّة، والحِكْمةُ مِن إرسالِ الرسلِ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْحَكِيمْ، وشَرَحَ بِهِ دِينَهُ القَوِيمْ، وَهَدَى بِهِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمْ):
الإيمانُ بالكتُبِ السماوَيَّةِ مِن أركانِ الإيمان؛ فيجبُ الإيمانُ بها جميعِها؛ كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].
والمكذِّبُ بواحدٍ منها مكذِّبٌ بها جميعِها؛ لأنَّها جميعًا كلامُ الله وخبَرُهُ، وحُكْمُهُ وتشريعُه، وقد وصَفَ اللهُ الكافِرَ بها بالضلالِ البعيد؛ كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].
وكلُّ الكتُبِ تدعو إلى أصلٍ واحدٍ؛ وهو توحيدُ الله، وإفرادُهُ بالعبوديَّة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد قال اللهُ عن القرآنِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
والإيمانُ بالكتُبِ لا يَلزَمُ منه الاختيارُ مِن شرائعِها ما يشاءُ الناسُ؛