← Акыда

Акыда · id 151173

المغربية في شرح العقيدة القيروانية

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (344 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

السماءِ انقطَعَ بموتِ النبيِّ ﷺ إلى قيامِ الساعة، ولم يَبْقَ منه إلا الرؤيا الصالِحة. ومَن زعَمَ أنه يأتِيهِ وحيٌ؛ فإنْ كان صادِقًا، فهو مِن الشياطينِ يسوِّلُونَ له؛ فالله سمَّى وَسْوَاسَهُمْ وحيًا ومنزَّلًا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١]. * الإسلامُ وحُرِّيَّةُ الدِّين: ولم يَجعَلِ اللهُ لأحدٍ خيارًا غيرَ الإسلامِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]، وقولِهِ تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. وأمَّا حُرِّيَّةُ الدِّينِ: فاللهُ تعالى كما أنه أمَرَ الناسَ كافَّةً باتباعِ نبيِّه ﷺ ، وعدَمِ الخروجِ عنه، إلَّا أنه خَصَّ أهلَ الكتابِ اليهودَ والنصارَى بعدَمِ القتالِ على الدخولِ في الإسلامِ؛ وإنَّما خيَّرهم عند قُدْرةِ المسلِمِينَ وقُوَّتِهم عليهم: بين الإسلام، أو الجِزْيةِ، أو القتال، وتجوزُ المهادَنةُ والموادَعةُ والمسالَمةُ -بينهم وغيرِهم مِن المشرِكِينَ، وبين المسلِمِينَ- بشروطِها المعروفة؛ كما بَيَّنْتُها في "التفسير" (١). ومَن دخَلَ الإسلامَ مِن أيِّ مِلَّةٍ كانت، فلا يَسَعُهُ الخروجُ مِن الإسلامِ بحالٍ، ولا يأخُذُ أحكامَهُ السابِقةَ قبلَ دخولِ الإسلامِ لو كان يهوديًّا أو نصرانيًّا، ويجبُ على إمامِ المسلِمِينَ إقامةُ حَدِّ الرِّدَّةِ عليه، وقد استفاضت في ذلك الأحاديثُ، وبه قضَى معاذٌ وأبو موسى في اليمَنِ؛

стр. 177

فيمن ارتَدَّ مِن اليهودِ (١)، وفيه قال ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ، فَاقْتُلُوهُ) (٢)، وقد قاتَلَ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ والصحابةُ المرتدِّين. ومَن كان له شَوْكةٌ وقُوَّةٌ مِن المرتدِّينَ، ولا قِبَلَ للمسلِمِينَ به، فتجوزُ مهادَنتُهُ ومسالَمَتُهُ لمصلحَتِهِمْ، وحفاظًا على شَوْكَتِهم؛ كما كانت طوائفُ مِن الفِرَقِ تقيمُ بين المسلِمِينَ وهي واقعةٌ في مكفّراتٍ كثيرةٍ، وكان المسلِمُونَ يترُكُونَهُمْ ويُهادِنُونَهُمْ، وربَّما عامَلُوهم عند الحاجة؛ وذلك لكثرةِ الطوائفِ وانشغالِ المسلِمينَ بأمورِ جَمَاعَتِهم، وربَّما بعدوٍّ مِن خارِجِهم يَخشَوْنَ تربُّصَهُ بهم. * شُبُهاتٌ في حُرِّيَّةِ تَركِ الإسلام: وأمَّا الاستدلالُ ببعضِ الأدلَّةِ التي يَظهَرُ منها قَبُولُ الرِّدَّةِ، أو زعَمَ بعضُهم منها مساواةَ الإسلامِ بغيرِهِ؛ كقولِ اللهِ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقولِهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]-: فهذه ليست أدلَّةً لمسألتِنا هذه: * أمَّا قولُهُ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: فقد نزَلَتْ في اليهودِ الذين بَقُوا على يهوديَّتهم، وأراد بعضُ الصحابةِ إكراهَهُمْ على الدخولِ ابتداءً في الإسلام. وهذا لا إشكالَ فيه؛ فإنَّه لا يجوزُ إكراهُ أهلِ الكتابِ عليه ابتداءً؛ كما تقدَّم بيانُه؛ وهذا -مع كونِهِ لا يعني الإقرارَ بصِحَّةِ دِينِهم، ولا أنَّهم لو دخَلُوا الإسلامَ، جاز لهم الخروجُ منه- فتلك مسائلُ مختلِفةٌ؛ كما

стр. 178

روى أبو داودَ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسِ؛ قال: "كَانَتِ المَرْأةُ تكونُ مِقْلَاتًا، فتَجعَلُ على نَفْسِها إنْ عاشَ لها وَلَدٌ أنْ تُهَوِّدَهُ، فلمَّا أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِير، كان فيهم مِنْ أبناءِ الأنصارِ، فقالوا: لَا نَدَعُ أَبْنَاءَنَا؛ فأنزَلَ الله : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (١). والقائلُ بأنَّ هذه الآيةَ تدُلُّ على جوازِ الخروجِ مِن الإسلام، أو أنَّه مساوٍ لغيرِهِ، ضَرَبَ بفهمِ ظاهِرِ آيةٍ ألفَ آيةٍ وحديثٍ وأبطَلَها؛ وهذا لا يقولُهُ مِن جهةِ الشرعِ عالِمٌ، ولا مِن جهةِ النظَرِ صاحبُ فِكْر؛ فالدليلُ لا يُضرَبُ به دليلٌ آخَرُ يُخالِفُهُ مِن وجهٍ ويُفارِقُهُ مِن وجه؛ فكيف بإبطالِ ألفِ دليلْ، بظاهرِ دليلْ؟ ! * وأمَّا قولُهُ تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]: فقد حمَلَ بعضُهم (٢) هذه الآيةَ على التخييرِ بين الإسلامِ وغيرِهِ، والمساواةِ بينهما؛ وهذا لا تَدُلُّ عليه الآيةُ؛ لا في ظاهِرِها، ولا في باطِنِها: * أمَّا المساواةُ: فالآيةُ تَنفِيها؛ فقد سَمَّتِ الإيمانَ بالنبيِّ ﷺ إيمانًا، وسمَّت الإيمانَ بغيرِهِ كفرًا. * وأمَّا القولُ بأنها تفيدُ التخييرَ بين الإيمانِ والكفرِ: فهذا كلامُ مَن لا يَفهَمُ لسانَ العرب؛ فالآيةُ هي تهديدٌ ووعيد، وهوأسلوبٌ معروفٌ عند وضوحِ الحُجَّةِ وإقامتِها على أحدٍ يَتِمُّ تهديدُهُ وتحدِّيهِ بقولهم: "إنْ شِئْتَ افْعَلْ، وَإِنْ شِئْتَ فَاتْرُكْ"؛ يعني: ستَجِدُ ثوابَكَ وعقابَك. وهذا يدُلُّ عليه كمالُ الآيةِ؛ فإنَّ الله لما قال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ

стр. 179

وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، قال بعد ذلك متوعِّدًا: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]؛ وبهذا فسَّرها الصحابةُ والتابِعُونَ، ولا خلافَ بينهم في ذلك (١). ولكنْ مَن نظَرَ في هذه الآية، نظَرَ إلى كلمةٍ منها؛ وهي قولُهُ: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ [الكهف: ٢٩]، ولم ينظُرْ إلى السياقِ؛ فتوهَّم أنَّ المشيئةَ تعني حرِّيَّةَ الاختيار، والمشيئةُ هنا هي كقولِهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. ولم يَختلِفِ المفسِّرونَ مِن السَّلَفِ على صِحَّةِ هذا المعنى؛ وبهذا قال ابنُ عبَّاسٍ، ومجاهِدٌ، وابنُ زَيْد (٢). وجاء بمعناه الحديثُ؛ كما في قولِهِ ﷺ : (الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الجَنَّةِ؛ فَحَافِظْ عَلَى وَالِدَيْكَ أَوِ اتْرُكْ) (٣)؛ وليس هذا تخييرًا بين العقوقِ والبِرِّ؛ وهو معروفٌ في لسانِ العرَبِ؛ فتأمُرُ بالشيءِ وتخيِّرُ فيه، والمرادُ: الوعيدُ والتهديد؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]؛ وليس في هذا أمرٌ بالكفرِ، ولكنَّه تهديد. وكما يكونُ في التهديدِ والوعيدِ يكونُ في الرجاءِ؛ لكنَّه لا يُفهَمُ مِن مثلِ هذا السياقِ التخييرُ؛ كما في قولِ النبيِّ ﷺ : (لَعَلَّ اللهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (٤)؛ فلا يقولُ عاقلٌ: "إنه يجوزُ لأهلِ بَدْرٍ الكفرُ والفسوقُ والعِصْيانُ"، ولكنَّ الآيةَ السابقةَ

стр. 180

تهديدٌ ووعيدٌ، والحديثُ رجاءٌ، وليس فيها جميعًا تخييرٌ وإبطالٌ لأوامِرِ الله. * الإيمانُ بالكُتُبِ السماويَّة، والحِكْمةُ مِن إرسالِ الرسلِ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ الْحَكِيمْ، وشَرَحَ بِهِ دِينَهُ القَوِيمْ، وَهَدَى بِهِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمْ): الإيمانُ بالكتُبِ السماوَيَّةِ مِن أركانِ الإيمان؛ فيجبُ الإيمانُ بها جميعِها؛ كما قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦]. والمكذِّبُ بواحدٍ منها مكذِّبٌ بها جميعِها؛ لأنَّها جميعًا كلامُ الله وخبَرُهُ، وحُكْمُهُ وتشريعُه، وقد وصَفَ اللهُ الكافِرَ بها بالضلالِ البعيد؛ كما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦]. وكلُّ الكتُبِ تدعو إلى أصلٍ واحدٍ؛ وهو توحيدُ الله، وإفرادُهُ بالعبوديَّة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقد قال اللهُ عن القرآنِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. والإيمانُ بالكتُبِ لا يَلزَمُ منه الاختيارُ مِن شرائعِها ما يشاءُ الناسُ؛

стр. 181

فإنَّ هذا لا يجوزُ في شريعةِ محمَّدٍ ﷺ ، وهو خاتِمُ الأنبياءِ والمرسَلِين؛ فإنَّ في شريعتِهِ الناسخَ، وفيها المنسوخ؛ فلا يجوزُ العمَلُ بالمنسوخِ؛ فالإيمانُ بالكتابِ وتعظيمُهُ شيءٌ، والعمَلُ به شيءٌ آخَر، والقرآنُ نسَخَ ما قبلَهُ مِن تشريعاتِ الكتُبِ السابِقة؛ فالقرآنُ قاضٍ على شرائعِ ما سبَقَ، وحاكِمٌ عليها؛ كما قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. * * * * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَشَرَحَ بِهِ دِينَهُ القَوِيمْ، وَهَدَى بِهِ الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمْ): بيانٌ لمنزِلةِ القرآنِ والحِكْمةِ منه؛ فقد جعَلَهُ الله حُجَّةً على عبادِه؛ فجعَلَهُ بيِّنًا محكَمًا، واضِحًا مفصَّلًا؛ كلُّ مَن أراد الحقَّ فيه، وجَدَهُ، ومَن في قلبِهِ زَيْغٌ، زاغ، وأمَّا القرآنُ، فكلُّهُ حقٌّ؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. * مصدرُ تفسير القرآن: ومِن اللهِ إنزالُه، وعليه بيانُه؛ فليس لأحدٍ أن يَجتهِدَ فيه برأيِهِ وهواه؛ قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]؛ وهذا البيانُ مِن الله، لا مِن غيرِه؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨ - ١٩]، ولكنَّ البيانَ نُسِبَ إلى النبيِّ ﷺ باعتبارِ بلاغِهِ له؛ وإلَّا فإنَّ النبيِّ ﷺ مأمورٌ بالاتباعِ لأمرِ الله؛ كما قال الله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]. ومَن صَحَّ لسانُهُ العَرَبيُّ، وفَهِمَ لغاتِ العرَب، لم يَحتَجْ إلى تكلُّفٍ

стр. 182

وتنطُّعٍ في تأويلِ القرآن؛ فالأصلُ فيه: أنْ يَفهَمَهُ العرَبيُّ عند نزولِه، ولكنْ لمَّا بَعُدَ الزمانُ، وضَعُفَ اللسانُ، احتاج الناسُ إلى الرجوعِ إلى تأويلِ السلَفِ مِن الصحابةِ والتابِعِينَ؛ حتى لا يَحمِلُوا القرآنَ على غيرِ مرادِ الله. وقد عصَمَ الله نبيَّهُ ﷺ ؛ فكان مفسّرًا للقرآنِ بقولِهِ وفعلِه، ومترجِمًا لمعانِيهِ بحياتِه، وقد كان يتخلَّقُ به، ويقومُ بما أمَرَ الله فيه؛ وقد قالت عائشةُ ﵂: "كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ" (١)، وقد أمَرَهُ الله بتلاوةِ كلامِهِ وبتعليمِهِ للناسِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، والحكمةُ هي سُنَّتُهُ؛ فإنَّها لا تتعارَضُ مع القرآنِ لعصمتِهِ ﷺ ، وإنما هي مبيِّنةٌ مفسِّرةٌ له. وكلُّ ما استقَرَّ عليه فهمُ الصَّدْرِ الأوَّلِ مِن القرآنِ، فهو مرادُ الله فيه؛ لأنَّ اللهَ أنزَلَهُ بلسانِهِمْ لِيَفْهَمُوهُ، ولا يسكُتُ النبيُّ ﷺ معنًى باطلٍ استقَرَّ في نفوسِهم؛ فهذا يُخالِفُ مقتضَى الرسالة، واللهُ مُطَّلِعٌ على ما في نفوسِهم مِن فَهْم. ولو عَلِمَ الله أنَّ عامَّتَهم أو أكثَرَهم فَهِموا القرآنَ على غيرِ مرادِ الله، لَأَنْزَلَ اللهُ البيانَ في ذلك؛ لأنَّ هذا مقتضى حفظِ دِينِهِ وتمامِهِ وكمالِه؛ فكمالُ القرآنِ وتمامُ الدِّينِ هو للمعاني كما هو للحروفِ؛ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]. ويجبُ الإيمانُ بكلِّ ما جاء في كلامِ الله وكلامِ رسولِه؛ فكلُّ ذلك وحيٌ مِن الله، وقد قرَنَ الله طاعتَهُ بطاعةِ نبيِّه، ومعصيتَهُ بمعصيتِه؛ لأنَّ

стр. 183

النبيَّ ﷺ الآمِرُ بأمرِ الله، الناهي بنهيِه، ولا يخرُجُ عن ذلك؛ فمَن أحبَّ الله، ولم يُطِعْ نبيَّه، فدعواهُ كاذبةٌ؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ومَن جَهِلَ شيئًا مِن كلامِ الله، وجَبَ عليه السؤالُ عن مرادِ اللهِ عند مَن يَعلَمُهُ مِن الصحابة والتابِعِينَ ومَن سار على نَهْجِهم مِن أهلِ العلمِ؛ وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ في "الجامع": "وَنُصَدِّقُ بِمَا جَاءَنَا عَنِ الله في كِتَابِهْ، وَمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَخْبَارِهْ: يُوجِبُ العَمَلَ بِمُحْكَمِهْ، وَنُقِرُّ بِنَصِّ مُشْكِلِهِ وَمُتَشَابِهِهْ، وَنَكِلُ مَا غَابَ عَنَّا مِنْ حَقِيقَةِ تَفْسِيرِهْ، إِلَى الله سُبْحَانَهْ، والله يَعْلَمُ تَأْوِيلَ المُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِهْ، وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: إِنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ مُشكِلَهُ، وَلَكِنَّ الأَوَّلَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ؛ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الكِتَابُ" (١). * الإيمانُ بالقيامةِ وما فيها: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَنْ يَمُوتُ، كَمَا بَدَأَهُمْ يَعُودُونَ): الإيمانُ بالبعثِ بعد الموتِ مِن أركانِ الإيمان، ولا يَصِحُّ إيمانُ أحدٍ إلا به، وقد قال النبيُّ ﷺ لمَّا سأَلَهُ جبريلُ عن الإيمانِ-: (الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٢). ولعَظَمةِ البعثِ والإيمانِ به أقسَمَ الله عليه في مواضعَ ثلاثةٍ؛ قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]،

стр. 184

وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]؛ وتكرارُ الإقسامِ مِن اللهِ على وَعْدٍ واحدٍ، يدُلُّ على شِدَّةِ عَظَمَتِه، وشدَّةِ كفرِ المكذِّبِ به. وقد قرَنَ الله الكفرَ باليومِ الآخِرِ بالكفرِ به سبحانه؛ كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]. وكلَّما كان الإنسانُ أكثَرَ يقينًا بالبعثِ والحساب، والثوابِ والعقابِ، كان أكثَرَ عملًا في الدنيا، وأشَدَّ خشيةً لله؛ فإنَّ مَن عَلِمَ حسابًا، خافه، ومَن رجا لقاءً، استعَدَّ له، وطولُ الأمَلِ يُضعِفُ ذلك في القلوبِ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: ٧]. ولمَّا ذكَرَ الله كفرَ الكافِرِينَ وعنادَهم، ذكَرَ سبَبَ ذلك؛ فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٧ - ٢٨]، وقال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: ١ - ٣]. وكثيرًا ما يذكِّرُ الله باليومِ الآخِرِ؛ ليستقيمَ الناسُ على أمرِ الله؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، وقال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨، ١٢٣]، وقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان: ٣٣]. * النَّفْخ في الصُّور: وقد أخبَرَ اللهُ بالنفخِ في الصُّورِ في القرآنِ نَفَخاتٍ: للفزَعِ، وللصَّعْق، وللقيامِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي

стр. 185

السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. واختُلِفَ في النَّفَخاتِ: فقيل: إنَّها اثنتانِ. وقيل: إنَّها ثلاثٌ. وقيل: إنها أربَعٌ. وقد بيَّنتُ ذلك في "الخُراسَانيَّة" (١). * بعثُ الأجسادِ وجزاؤُها: واللهُ يُعِيدُ أجسادَ الناسِ التي كانت في الدنيا، لا غيرَها، ويُحيِي العظامَ التي كانت في الدنيا، لا غيرَها؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [العنكبوت: ١٩]، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَو حَدِيدًا (٥٠) أَو خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥٠ - ٥١]، ولكنَّ الله يزيدُ في أحجامِهم وحالِهم مِن جنسِ ما يزيدُهُ الله فيهم في الدنيا؛ فيَكْبَرُ الصغير، ويَهزَلُ العظيم، ويَسْمَنُ الضعيف، ويضعُفُ السمين، والزيادةُ فيهم لا تعني: أنَّ الأبدانَ ليستِ الأبدانَ، ولا أنَّ الجلودَ ليستِ الجلودَ، ولا أنَّ العِظامَ ليستِ العِظامَ. وقد قال ابنُ أبي زيدٍ في عقيدتِهِ في "الجامع": "وَأَنَّ الَّتِي أَطَاعَتْ

стр. 186

وَعَصَتْ هِيَ الَّتِي تُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِتُجَازَى، وَالجُلُودُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي تَشْهَدُ، وَالأَلْسِنَةُ وَالأَيْدِي وَالأَرْجُلُ هِيَ الَّتِي تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ تَشْهَدُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ" (١). ومَن كفَرَ مِن الدهريِّينَ ممَّن يُؤمِنُ بالخلق، لم يكفُرْ بالبعثِ إلا بأنَّ الله يُعِيدُ ذاتَهُ كما هي؛ فهو يُحِيلُ هذا، وأمَّا خلقُ غيرِهِ مِن جديدٍ، فهو يُؤمِنُ بأنَّ اللهَ هو الذي خلَقَهُ وأوجَدَهُ، ومع ذلك ضَلُّوا وكفَرُوا. * أشراطُ الساعةِ: ويجبُ الإيمانُ بما قبلَ الساعة مِن علَاماتٍ وأماراتٍ وأشراط؛ قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨]، وما جاء في الكتابِ والسُّنَّةِ في ذلك كثيرٌ؛ كخروجِ الدَّجَّال، والدابَّة، ويأجوجَ ومأجوجَ، ونزولِ عيسى، وخروجِ الشمسِ مِن مَغْرِبِها. وللساعةِ أشراطٌ كبرى وصغرى، وعامَّةُ الصغرى سابقةٌ للكبرى، ومنها ما يدخُلُ فيها، والأحاديثُ في هذا البابِ كثيرةٌ؛ منها الصحيحُ المتواتِرُ، ومنها دُونَ ذلك، ومنها الضعيفُ يسيرُ الضعف، يُستأْنَسُ به ولا يُجزَمُ به، ومنها الواهي والمطروحُ والمكذوبُ؛ وهذا مما لا يجوزُ روايتُهُ إلا لبيانِ نَكَارَتِه. * تنزيلُ أشْراطِ الساعةِ عَلَى الواقعِ: ولا يجوزُ تركُ الأوامرِ الشرعيَّةِ الظاهِرةِ؛ لأجلِ ظَنٍّ في أنَّ نازِلةً أو شخصًا هو المقصودُ في حديثٍ يَسبِقُ الساعةَ؛ لأنَّ الأوامِرَ قطعيَّةٌ، وتطبيقُ أشراطِ الساعةِ على الحوادثِ والأشخاصِ ظَنِّيٌّ؛ فلا يُترَكُ قطعيٌّ

стр. 187

لظَنِّيٍّ؛ وهذا مِن الأمورِ التي يَغفُلُ فيها العوامُّ، وربَّما بعضُ المتعلِّمينَ: بإنزالِ أشراطِ الساعةِ على حوادثَ وأعيانٍ، ثم يَعمَلُونَ بمقتضى تنزيلِهم، ويظُنُّونَ أنَّهم يَعمَلُونَ بالنصِّ الثابتِ، وهم يعملونَ بظنِّهم، لا بالنصِّ، وكثيرًا ما سُفِكَتْ دماءٌ، ووقَعَتْ فِتَنٌ في الناس، واستُبِيحَتْ حُرُماتٌ؛ بسبَبِ ذلك. وتجويزُ السلفِ لتنزيلِ أشراطِ الساعةِ، بابٌ غيرُ البابِ الذي يَتبَعُهُ عمَلٌ وتشريع؛ فإنَّهم كانوا ينزِّلُونَ ذلك على بعضِ الحوادثِ والأشخاصِ؛ لأنَّ ذلك مِن بابِ الاحتياط، ثُمَّ إنَّهم يَجعَلُونَ ذلك استئناسًا، لا أصلًا يَستقِلُّ به العمَلُ والتَّرْك. وقد جعَلَ اللهُ للساعةِ أماراتٍ؛ رحمةً بالناسِ لِيعتَبِرَ مَن أُرِيدَ له الاعتبار، ويَرجِعَ مَن كُتِبَ له العَوْدة؛ حتى لا تقومَ الساعةُ إلا وقد انقطَعَتْ أعذارُ الناس، وقامتِ الحُجَجُ الشرعيَّةُ والكونيَّةُ عليهم. وعلمُ الساعةِ عند اللهِ لا يجلِّيها لوقتِها إلا هو؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ومَن زعَمَ علمَهُ أو ادَّعَى لغيرِهِ العلمَ بيومٍ معيَّنٍ محدودٍ تقومُ فيه الساعةُ، فقد كفَرَ بالله، وكذَّبَ خَبَرَه. * الحسابُ والعقابُ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ اللهَ ضَاعَفَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ الحَسَنَاتْ، وَصَفَحَ لَهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَنْ كَبَائِرِ السَّيِّئَاتْ، وَغَفَرَ لَهُمُ الصَّغَائِرْ، بِاجْتِنَابِ الكَبَائِرْ، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَتُبْ مِنَ الكَبَائِرِ صَائِرًا إِلَى مَشِيئَتِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]):

стр. 188

يُحصِي اللهُ على عبادِهِ كلَّ أعمالهم، دقيقَها وجليلَها، صغيرَها وكبيرَها، لا يترُكُ مِن أعمالِهم دقيقَ حَسَنةٍ ولا سيِّئةٍ؛ قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]، وقال: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]. وقد جعَلَ اللهُ الحسَنةَ التي يَكسِبُها العبدُ تُكتَبُ له بعَشَرةٍ، والسيِّئةُ لا تُكتَبُ عليه إلا بمِثْلِها؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقد ثبَتَ الحديثُ في ذلك عن جماعةٍ مِن الصحابةِ؛ مِن حديثِ ابنِ عبَّاسٍ (١)، وأبي هُرَيْرةَ (٢)، وأنسٍ (٣)، وأبي ذَرٍّ (٤)، وغيرِهم (٥). ومِن لُطْفِهِ: أنْ فتَحَ بابَ التوبةِ لمن تاب؛ فمَن تابَ وأنابَ، تابَ اللهُ عليه، مهما كان ذنبُهُ ولو كان كُفْرًا؛ فاللهُ لا يَتعاظَمُهُ ذنب؛ فمغفرتُهُ تَعُمُّ جميعَ الذنوبِ صغيرَها وكبيرَها؛ قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. بل إنَّ اللهَ يَفرَحُ بتوبةِ عبدِهِ؛ قال ﷺ : (للهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ؛ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِه، وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ ... ) (٦)، وقال:

стр. 189

(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ اللهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ) (١)؛ لأنَّ اللهَ جبَلَهُمْ على الخطأِ؛ ففي الحديث: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (٢). * حكمُ مَن ماتَ ولم يَتُبْ مِن ذَنْبِه: ومَنِ ارتكَبَ الصغائرَ، واجتنَبَ الكبائرَ، كفَّر اللهُ صغائرَهُ عنه، ولم يُؤاخِنْهُ بها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، وجعَلَ لذلك أسبابًا كثيرةً: منها: عمَلُهُ الصالحُ؛ كالصلواتِ الخمس، والجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ، ورَمَضانَ إلى رمضانَ، والحجِّ المبرور، وغيرِ ذلك مِن العمَلِ الصالح. وقد يَغفِرُ اللهُ للمُذنِبِ ذنبَهُ بمشيئتِهِ ولُطْفِه، وإنْ لم يَفعَلِ العبدُ سببًا؛ وهذا مقتضَى رحمةِ الله، وسَعَةِ فضلِه، وسَبْقِ رحمتِهِ لغضَبِه. وأمَّا أصحابُ الكبائر، إنْ لم يتوبوا، فهم تحتَ مشيئةِ الله: إنْ شاء عذَّبهم، وإنْ شاء غفَرَ لهم، والذي دلَّت عليه نصوصُ الوحي، وأجمَعَ عليه السلَفُ: أنَّ أصحابَ الكبائِرِ غيرَ التائِبِينَ على فريقَيْن: فريقٌ: يَغفِرُ الله له برحمتِهِ، وبما يهيِّئُهُ اللهُ مِن أسبابٍ خارجةٍ عن العاصي؛ كدعاءِ ولَدِهِ أو غيرِه، أو عمَلٍ له صالحٍ آخَرَ، عظَّمه الله فغلَبَ عمَلَهُ السيِّيءَ، أو أنْ يَقبَلَ شفاعةَ غيرِهِ له مِن زوجةٍ أو ولَدٍ أو غيرِهما، أو أنْ يُجرِيَ الله عليه مِن أسبابٍ فيه، يكفِّرُ بها مِن معاصِيه؛ كالمَصائِبِ والهمومِ في الدنيا، أو ما يَلحَقُهُ مِن كربٍ وشدَّةٍ في البَرْزَخِ، والمَوقِفِ

стр. 190

والعَرْضِ على اللهِ وهولِ الصراط، وغيرِ ذلك (١). وفريقٌ: لا يَغفِرُ اللهُ له كبيرتَهُ؛ فيعذِّبُهُ بما يطهِّرُهُ الله به في النار، ثُمَّ مآلُهُ إلى الجنَّة. والأصلُ: أنَّ الفريقَ الأوَّلَ أكثَرُ مِن الفريقِ الثاني؛ لِسَعَةِ رحمةِ اللهِ وسَبْقِها لِغَضَبِه. * مصيرُ مَن دخَلَ النارَ مِن عُصاةِ المُسلِمِين: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَمَنْ عَاقَبَهُ اللهُ بِنَارِهْ، أَخْرَجَهُ مِنْهَا بِإِيمَانِهْ، فَأَدْخَلَهُ بِهِ جَنَّتَهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]): مَنْ شاء اللهُ عقابَهُ مِن عصاةِ المسلِمِينَ، فلا خلافَ في أنه لا يخلَّدُ فيها كالكافِرِين؛ لأنَّ اللهَ وعَدَ بالإثابةِ على ذَرَّةِ الإيمانِ بالجنَّة؛ ففي "الصحيحَيْنِ"، قال ﷺ : (أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ) (٢)، وفيهما قال: (حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللهُ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُود، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ؛ فَكُلُّ ابْنِ آدمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ؛ فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا) (٣)، وفيهما قال ﷺ : (يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) (٤)، وفي "الصحيحَيْنِ" أو أحدِهما، مِن هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ مِن حديثِ أبي هريرةَ، وأنسٍ، وأبي سعيدٍ،

стр. 191

وجابرٍ (١)، وعبدِ الله (٢). * وخالَفَ في هذا الخوارجُ والمعتزِلةُ، والمرجِئةُ: فدهَبَتِ الخوارجُ والمعتزِلةُ: إلى سلبِ الإيمانِ منه، وأنَّه لا يدخُلُ الجنَّةَ، ويخلَّدُ في النار. وذهَبَتْ طوائفُ مِن المرجِئةِ: إلى أنَّه لا يدخُلُ النارَ أحدٌ مِن المسلِمِينَ مهما بلَغَ ذنبُه. وقد دَلَّ الدليلُ في "الصحيحَيْنِ" (٣) على تعذيبِ أقوامٍ في النارِ مِن عصاةِ بني آدَمَ، وإخراجِ أقوامٍ مِن النارِ قد امتُحِشُوا واحتَرَقُوا، إلا مواضعَ السجودِ فيهم، وأنه يخرُجُ مِن النارِ مَن كان في قلبِهِ ذَرَّةٌ مِن إيمان. وهذه الأحاديثُ تَشهَدُ لصحَّةِ ما ذهَبَ إليه أهلُ السُّنَّةِ في حكمِ مرتكِبِ الكبيرة، وفيها رَدٌّ على مذاهبِ هذه الطوائِفِ المخالِفة. * الشفاعةُ وأحكامُها: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَيُخرِجُ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، مَنْ شَفَعَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ): الشفاعةُ ثابتةٌ؛ وهي حقٌّ قطعيٌّ لا يُنكِرُ أصلَها مسلِمٌ، والشفعُ ضدُّ الوَتْر؛ وهو: ضمُّ واحدٍ أو أكثَرَ إلى واحدٍ أو أكثَرَ؛ ليصلَ إلى حاجةٍ يَعجِزُ عنها بنَفْسِه.

стр. 192

وهذا مِن رحمةِ الله، وسَعَةِ فضلِه: أنْ جعَلَ الأسبابَ المُنجِيةَ مِن النارِ والمُدخِلةَ للجَنَّةِ متعدِّدةً. والشفاعةُ تكونُ للنجاةِ والسَّلَامةِ مِن العذابِ أو الكَرْب، وتكونُ لتخفيفِ العذابِ، وتكونُ لزوالِ العذاب، وتكونُ لدخولِ الجَنَّة، وتكونُ للارتفاعِ فيها دَرَجةَ فوقَ ما يستحِقُّهُ العبدُ مِن غيرِ الشفاعة: * أمَّا الشفاعةُ التي تكونُ للنجاةِ والسلامةِ: فكالشفاعةِ لأهلِ المَوقِفِ بتخفيفِ الكَرْبِ عليهم: بأن يعجِّلَ اللهُ في حسابِهم (١)، وكالشفاعةِ للنجاةِ مِن العذابِ لمن كتَبَ اللهُ عليه النارَ، فيُنجِيهِ الله منها بشفاعةِ غيرِه (٢). * وأمَّا الشفاعةُ التي تكونُ لتخفيفِ العذابِ: فكشفاعةِ النبيِّ ﷺ لعَمِّهِ أبي طالبٍ (٣)، وشفاعتِهِ وشفاعة غيرِهِ للعصاةِ مِن المؤمِنِينَ التخفيفَ عنهم (٤). * وأمَّا الشفاعةُ التي تكونُ لزوالِ العَذَابِ: فكالشفاعةِ في أهلِ النارِ مِن عصاةِ الموحِّدِينَ بخروجِهم مِن النار؛ فإنَّ الأدلَّةَ استفاضَتْ أنَّ أقوامًا مِن أهلِ الكبائِرِ الموحِّدينَ يُعذَّبُونَ في النارِ؛ إذا لم يَرحَمْهُم اللهُ قبلَ ذلك (٥). * وأمَّا الشفاعةُ التي تكونُ لدخولِ الجَنَّةِ: فكشفاعةِ النبيِّ ﷺ لِلْأُمَمِ أن تدخُلَ الجَنَّةَ بعدما يُجاوِزُونَ الصِّرَاطَ (٦).

стр. 193

* وأمَّا الشفاعةُ التي تكونُ للارتفاعِ في الجَنَّةِ: فهي شفاعةُ النبيِّ ﷺ وغيرِهِ مِن الملائكةِ والأنبياءِ والصالِحِينَ لغيرِهم: بأنْ يَلحَقُوا بهم، أو مَن دُونَهم ممَّن قَصُرَ عمَلُهم عن بلوغِ تلك المَرْتَبة (١)، وكشفاعةِ الأزواجِ والآباءِ والأبناءِ والأرحامِ بعضِهم لبعضٍ (٢). ولا يَشفَعُ إلَّا مؤمِنٌ، ولا تُقبَلُ الشفاعةُ مِن غيرِه؛ لأنَّ اللهَ لا يَرْضَى عن الكافِر: وكلَّما ضَعُفَ إيمانُ العبد، ضَعُفَ احتمالُ شفاعتِه؛ حتى يكونَ أضعَفُ الأُمَّةِ إيمانًا لا يَشفَعُ لأحدٍ؛ لأنه لن يَشفَعَ لمن فَوْقَهُ؛ لأنه أقوى إيمانًا منه، وليس تحتَهُ أحدٌ يَشفَعُ له. وكلَّما علَتْ مَرْتَبةُ المؤمِن، قَلَّ الشافِعُونَ له؛ لِعُلُوِّهِ عليهم، وبلوغِهِ مرتبةَ تمامِ الرضا أو مقارَبَتِها؛ ولهذا لم يثبُتْ أنَّ النبيَّ ﷺ يَشفَعُ له أحدٌ؛ لأنه أفضَلُ الأنبياءِ والناسِ أجمعين؛ فكان أعظَمَهُمْ شفاعةً لغيرِهِ، وغيرُهُ عديمُ الشفاعةِ له. ولا يأذَنُ بالشفاعةِ إلا اللهُ، وليس الإذنُ لأحدٍ مِن الخَلْقِ؛ مهما علَتْ منزلتُهُ وارتفَعَ شأنه؛ قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. والشفاعةُ لا تكونُ مِن أحدٍ حتى يكونَ فيها أمرانِ: - إذنُ اللهِ للشافعِ أن يَشفَعَ. - ورضاهُ عن المشفوعِ له.

стр. 194

قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]؛ فالكافِرُ لا يَشفَعُ، ولا يُشفَعُ له؛ لأنَّ الله لا يرضى عن الكافِرِينَ؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]، والشفاعةُ لا بُدَّ فيها مِن رضاهُ سبحانَهُ، والكافِرُ لا يَنتفِعُ بالشفاعةِ؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]. وقد أنكَرَ بعضُ الطوائفِ الشفاعةَ بحسَبِ أصولِهم، وفرَّعوا على ذلك نَقْضَها وإبطالَها، ومنهم: مَن يُنكِرُها عامَّةً، ومنهم: مَن يُنكِرُ بعضَها: فالخوارجُ والمعتزِلةُ لا يَرَوْنَ صاحبَ الكبيرةِ مؤمِنًا؛ وعلى هذا: فلا شفاعةَ عندَهم للعصاةِ مِن المسلِمِينَ؛ لأنَّهم سلَبُوهم اسمَ الإيمان، ويُقابِلُهم المرجِئةُ الذين لا يَرَوْنَ الشفاعةَ للعصاة أيضًا؛ لأنَّ المعصيةَ لا تؤثِّرُ على الإيمانِ عندَهم؛ وعلى هذا: فلا يدخُلُونَ النارَ بها أصلًا، فضلًا عن تخفيفِ العذابِ عليهم؛ فلا يدخُلُ النارَ عندَ الخوارجِ والمعتزِلةِ والمُرجِئةِ إلا نَفْسٌ كافِرة. فالخوارجُ والمعتزِلةُ والمرجِئةُ أنكَرُوا باعتبارِ ما قرَّروا. وإطلاقُ أنَّ الخوارِجَ والمعتزِلةَ والمرجِئةَ يقولونَ بإنكارِ جميعِ أنواعِ الشفاعةِ غلَطٌ عليهم. * رؤيةُ اللهِ في الآخِرة: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ قَدْ خَلَقَ الجَنَّةَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِأَوْليَائِهْ، وَأَكْرَمَهُمْ فِيهَا بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمْ):

стр. 195

استفاضَتِ النصوصُ على رؤيةِ اللهِ في الآخِرة، ولم يَختلِفِ الصحابةُ والتابِعُونَ ولا معروفٌ بعلمٍ مِن أَتْباعِهم في ذلك: قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]؛ أي: تنظُرُ إلى ربِّها بعينَيْ رَأْسِها؛ وهذا ما قرَّره السلَفُ في تأويلِها. وقد سأَلَ أَشْهَبُ مالكَ بنَ أنسٍ عنها؟ فقال: "أَيَنظُرُونَ إلى اللهِ؟ قال: نَعَمْ؛ بأَعْيُنِهم هاتَيْن، قال أَشْهَبُ: فإنَّ قَوْمًا يقولونَ: ناظِرةٌ، بمعنى: منتظِرةٌ إلى الثوابِ، قال: كذَبُوا، بل تنظُرُ إلى اللهِ؛ أَمَا سَمِعْتَ قولَ موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ أَتُرَاهُ سَأَلَ مُحَالًا؟ ! ... وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] " (١). فإذا كان هناك محجوبونَ، فهناك ناظِرون؛ وهذا لازِمُ القول، وقد استدَلَّ بهذه الآيةِ على الرؤيةِ: مالكٌ (٢)، والشافِعِيُّ (٣)، وجماعةٌ مِن أهلِ العربيَّةِ؛ كثَعْلَبٍ (٤)، وغيرِه (٥). وقد جاء اللقاءُ بالله يومَ القيامةِ في مواضِعَ مِن الوحيِ؛ ومِن ذلك قولُهُ تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] ولازِمُ اللقاءِ: الرؤيةُ عندَ العرَب (٦)، وحُكِيَ الإجماعُ على ذلك؛ كما حكاهُ ثَعْلَبٌ (٧). وقد كان سُحْنُونٌ يلقِّنُ ابنَ القَصَّارِ في مرَضِ موتِهِ: "أنَّ اللهَ يُرَى يومَ القيامةِ" (٨)، وكان أبو العَبَّاسِ بنُ طالبٍ يَستفتِحُ خُطْبةَ الجُمُعةِ على

стр. 196

مِنْبَرِ القَيْرَوانِ بإثباتِ رؤيةِ اللهِ في الآخِرة (١). ومِن الأدلَّةِ: قولُهُ تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ فاللهُ منَعَ مُوسَى مِن رؤيتِهِ في الدنيا، ولازمُ ذلك تمكينُهُ منها في الآخِرة. ثُمَّ إنَّ موسى لا يَسأَلُ إلا المُمكِنَ، لا يَسأَلُ المُحَالَ. وكذلك: فإنَّ اللهَ تَجَلَّى للجبَلِ بنفسِهِ؛ لِيُرِيَ موسى أنْ لا طاقةَ في خِلْقَتِهِ -التي هو عليها في الدنيا- على رؤيةِ اللهِ؛ لأنَّ الجبَلَ -وهو أقوَى منه، وأشَدُّ خَلْقًا- لم يَتحمَّلْ؛ فأصبَحَ دكًّا. وقد جعَلَ ابنُ عبد البَرِّ دَلَالةَ الآيةِ واضحةً على رؤيةِ اللهِ في الآخِرة (٢)؛ وبهذا يقولُ أهلُ العربيَّةِ في معنى التجلِّي؛ كالخليلِ وغيرِه؛ قالوا: "تَجَلَّى: ظهَرَ وبان" (٣). ومَن يُعارِضُ هذه الآيةَ بقولِهِ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقد أخطَأ؛ لأنَّ الإدراكَ هنا؛ بمعنى: الإحاطة، وعدَمُ الإدراكِ والإحاطةِ لا ينفي الرؤيةَ؛ فقد تَرَى مَن لا تُدرِكُهُ ولا تحيطُ به، والإدراكُ في الآيةِ الإحاطةُ، وهي قدرٌ زائدٌ عن مجرَّدِ الرؤية، وهو ممتنِعٌ في الدنيا والآخِرة؛ فاللهُ فرَّق بين الرؤيةِ والإدراكِ بقولِهِ عن أصحاب موسى وفِرْعَوْنَ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]؛ رأَوْهم أوَّلًا، ثُمَّ خافوا إدراكَهُمْ ثانيًا. وكان مالكٌ وأصحابُهُ يشدِّدونَ على منكِرِ رؤيةِ اللهِ مِن أهلِ الكلام،

стр. 197

قيل لمالكٍ: "إنَّهم يزعُمُونَ أنَّ اللهَ لا يُرَى! "، فقال مالكٌ: "السَّيْفَ السَّيْفَ" (١). وقد ضرَبَ أسدُ بن الفُرَاتِ في مجلسِهِ بالمسجِدِ بنَعْلَيْهِ رَجُلًا أنكَرَ رؤيةَ اللهِ في الآخِرة، وكان يقولُ: "واللهِ، لو أُدخِلْتُ الجَنَّةَ، فحُجِبْتُ عن رؤيةِ الله، لَشَكَكْتُ، ولَأَنَا أَسَرُّ برؤيةِ رَبِّي مِنِّي بالجَنَّةِ" (٢). وللشافعيِّ كلامٌ قريبٌ مِن هذا (٣). وقال ابنُ الماجِشُونِ: "مَن زعَمَ أنَّ اللهَ لا يُرَى يومَ القيامة، استُتِيبَ" (٤). وصنَّف غيرُ واحدٍ مِن المغارِبةِ في رؤيةِ اللهِ رَدًّا على المُنكِرِينَ لها مِن المتكلِّمينَ؛ فكتَبَ يحيى بن عُمَرَ كتابَ "الرؤيةِ"، وكتَبَ ابنُ وضَّاحٍ كتابَ "ما جاء مِن الحديثِ في النظَرِ إلى اللهِ تعالى"، وأكثَرَ مِن روايةِ الحديثِ والأثَرِ في الرؤيةِ؛ حتى كان عُمْدةً للمغارِبةِ في هذا البابِ؛ حتى قال أبو موسى الأنصاريُّ: "كان المَغارِبةُ يَرْوُونَ أقوالَ رؤيةِ اللهِ عن محمَّدِ بنِ وَضَّاحٍ الأَنْدَلُسيِّ". قال ابنُ أبي زيد في "الجامع": "وَأَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَرَاهُ أَوْلِيَاؤُهُ فِي المَعَادِ بِأَبْصَارِ وُجُوهِهِمْ لَا يُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ؛ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ؛ قَالَ الرَّسُولُ ﷺ فِي قَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، قَالَ: (الحُسْنَى: الجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ: النَّظَرُ إِلَى

стр. 198

وَجْهِ اللهِ تَعَالَى) (١)، قِيلَ لِمَالِكٍ: أَيُرَى اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ يَقُولُ اللهُ : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] , وَقَالَ فِي أُخْرَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، قَالَ مَالِكٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: دُونَ اللهِ سُبْحَانَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ" (٢). * الجَنَّةُ والنَّارُ، ولِمَنْ أَعَدَّهُما اللهُ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَهِيَ الَّتِي أَهْبَطَ مِنْهَا آدَمَ نَبِيَّهُ وَخَلِيفَتَهُ إِلَى أَرْضِهْ، بِمَا سَبَقَ فِي سَابِقِ عِلْمِهْ، وَخَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهْ، وَأَلْحَدَ فِي آيَاتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهْ، وَجَعَلَهُمْ مَحْجُوبِينَ عَنْ رُؤَيَتِهْ): ذكَرَ اللهُ الجَنَّةَ التي أدخَلَها آدَمَ وزوجَهُ، ولم يقيِّدْ: ﴿قُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]. والأصلُ: كونُها جَنَّةَ الخُلْدِ التي يَؤُولُ إليها أمرُ المؤمِنِينَ جميعًا، وقد كان آدمُ وحَوَّاءُ -ومعهم عَدُوُّهم إبليسُ- في جَنَّةِ السماءِ؛ ولهذا أهبَطَهم اللهُ إلى الأرضِ؛ فقال: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، وقال: ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦]، وقد ثبَتَ في "الصحيح": أنَّ آدَمَ تُطلَبُ منه الشفاعةُ في الموقفِ يومَ القيامةِ، فيَعتذِرُ منها، ثم يقولُ: (وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ آدمَ؟ ! ) (٣)؛ فدَلَّ على أنَّ الجنةَ التي خرَجَ منها هي التي سيَعُودُونَ إليها.

стр. 199

وقد جاء ذِكْرُ الجَنَّةِ التي دخَلَها آدَمُ في القرآنِ معرَّفةً بلامِ التعريفِ، ولم يذكُرْها منكَّرةً؛ قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقال: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧] ولا جَنَّةَ يَعهَدُها المخاطَبونَ ويَعرِفُونها عند سَمَاعِها إلا جَنَّةُ الخُلْد. وقولُ ابن أبي زَيْد: "وَخَلَقَ النَّارَ فَأَعَدَّهَا دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِهْ"، لا يريدُ به: أنَّ بعضَ عصاةِ الموحِّدينَ لا يدخُلُونَ النارَ، وإنما هذا ذكَرَهُ بقيدِ الخلود، والمؤمِنُ لا يخلَّدُ في النارِ ولو عُذِّبَ فيها؛ ولهذا قيَّد، فقال: "دَارَ خُلُودٍ لِمَنْ كَفَرَ بِه". ولا يَرَى الكُفَّارُ ربَّهم يومَ القيامةِ؛ لأنَّ رؤيتَهُ نعيمٌ، ولا نعيمَ لهم؛ وقد قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، وقال رجلٌ لمالكٍ: يا أبا عبد الله، هل يَرَى المؤمِنُونَ ربَّهم يومَ القيامةِ؟ فقال مالكٌ: "لو لم يَرَ المؤمِنُونَ ربَّهم يومَ القيامة، لم يعيِّرِ اللهُ الكُفَّارَ بالحِجَابِ؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] " (١). وبهذا استدَلَّ الشافعيُّ وأحمدُ (٢). * خَلْقُ الجَنَّةِ والنارِ: قال في "الجامع": "وَأَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ قَدْ خُلِقَتَا؛ أُعِدَّتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينْ، وَالنَّارُ لِلْكَافِرِينْ، لَا تَفْنَيَانِ ولا تَبِيدَانِ" (٣): أخبَرَ اللهُ بخَلْقِ الجَنَّةِ والنار، وأنَّه أَعَدَّهُما قبلَ يومِ القيامةِ لأهلِهما؛ كما قال تعالى عن الجَنَّةِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]،

стр. 200

وقال عن النارِ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤, وآل عمران: ١٣١]؛ فإعدادُها سابقٌ لعمَلِ العامِلِين، وأعدَّها اللهُ لسابِقِ علمِهِ وتقديرِه، ولمَّا عُرِجَ بالنبيِّ ﷺ إلى السماء، أُرِيَ الجَنَّةَ؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]، وقد أُرِيَ الجنةَ والنارَ في أحاديثَ كثيرةٍ (١). وقد رأى النبيُّ ﷺ الجَنَّةَ والنارَ في المنام، ورؤيا الأنبياءِ حَقّ، ليست كأحلامِ الناس؛ وبهذا يستدِلُّ أحمدُ على أنَّ الجَنَّةَ والنارَ قد خُلِقَتا؛ كما نقَلَهُ عنه حَنْبَل (٢)، وأدلةُ خلقِ الله للجنة والنار صريحةٌ متواتِرة، وقد جَزَم أحمدُ بكفرِ منكِرِ ذلك؛ كما نقله عنه الأندرانيُّ وغيرُه (٣). وكلُّ مَن نَفَى القَدَرَ، لَزِمَهُ القولُ بنفيِ سَبْقِ خَلْقِ الجنَّةِ والنار. * خُلود الجَنَّة والنار: وقد قالت بعضُ الطوائفِ: إنَّ أفعالَ اللهِ لها آخِرٌ، ومنها الجَنَّةُ والنارُ، وعلى هذا تَفْنيَانِ؛ وهو قولُ الجَهْمِ بنِ صَفْوانَ (٤). وربَّما استدَلَّ بعضُهم ببعضِ عموماتِ القرآنِ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. ويُجمِعُ السلَفُ على أنَّ الجنَّةَ والنارَ لا تَفْنَيَانِ، وإنَّما ثَمَّةَ كلامٌ قليلٌ لبعضِهم في فناءِ النار (٥)، وقد ذكَرَ اللهُ أبديَّةَ النارِ في مواضعَ مِن

стр. 201

كتابِهِ قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ١٦٩, والأحزاب: ٦٥، والجِن: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤]، وقد صحَّ الحديثُ بالإتيانِ بالمَوْتِ في صورةِ كبشٍ أملَحَ، فيُذبَحُ بين الجنَّةِ والنار (١)، والقولُ بفَنَاءِ الجنة أعظَمُ مِن القول بفناء النار، وقد جزَمَ أحمدُ بن حنبلٍ بكفرِ مَن قال بفناء الجَنةِ خاصةً؛ كما في رسالتِه إلى مسدَّد (٢). وقد تكلَّمنا على ذلك بالتفصيلِ في "الخُراسَانيَّة" (٣). * صفةُ المجيءِ للهِ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ اللهَ ﵎ يَجِيءُ يَوْمَ القِيَامَة، ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]؛ لِعَرْضِ الأُمَمِ وَحِسَابِهَا، وَعُقُوبَتِهَا وَثَوَابِهَا): تُثبَتُ صفةُ المجيءِ للهِ تعالى حقيقةً كما يليقُ به، لا كما يليقُ بالمخلوق، وإثباتُها كإثباتِ سائِرِ أفعالِهِ الاختياريَّة؛ كالاستواءِ والنزولِ وغيرِهما، وقد ذكَرَ ابنُ أبي زيدٍ إثباتَها حقيقةً بقولِهِ في "الجامع": "بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ جَائِيًا" (٤). والإتيانُ والمجيءُ: مِن الصفاتِ الفعليَّةِ الخبريَّة؛ وقد قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]، وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].

стр. 202

وقد حكى أبو الحسَنِ الأشعَرِيُّ الإجماعَ على إثباتِ المجيءِ للهِ يومَ القيامةِ؛ كما في "رسالتِهِ إلى أهلِ الثَّغْر" (١). وقد رَوَى حنبلٌ عن أحمدَ: أنَّه تأوَّل المجيءَ بمجيءِ قُدْرَتِه، وأنَّ الإتيانَ إتيانُ أمرِهِ. ولم يَرْوِ ذلك عن أحمدَ أحدٌ غيرُه، وقد أنكَرَهُ عليه بعضُ الأصحابِ؛ لأنَّه لا يَجرِي على أصولِه؛ قال أبو إسحاقَ بنُ شَاقِلَّا: "هذا غلَطٌ مِن حنبَلٍ، لا شَكَّ فيه"، وأراد أبو إسحاقَ بذلك: أنَّ مذهبَهُ حملُ الآيةِ على ظاهرِها في مجيءِ الذاتِ؛ هذا ظاهِرُ كلامِه (٢). وهذا لو صَحَّ عن أحمَدَ، فليس هو يَجْرِي على أصولِ أهلِ التأويل؛ لأنَّ أصولَ أحمدَ: الإثباتُ لأفعالِ اللهِ الاختياريَّةِ على وجهِ الحقيقة. وربَّما استحضَرَ نفاةُ الأفعالِ الاختياريَّةِ للهِ كيفيَّةً معيَّنةً؛ فحمَلَهُمْ ذلك على التأويلِ أو التعطيلِ. وقد سَمِعَ الإمامُ أحمدُ قاصًّا يَروِي حديثَ النزولِ، ويقولُ: "بلا زَوَالْ، ولا انتقالْ، ولا تغيُّرِ حالْ، فارتعَدَ أحمدُ، واصفَرَّ لَوْنُه، وقال لابنِهِ عبد اللهِ: قِفْ بنا على هذا المتخرِّصِ، فلمَّا حاذاهُ، قال: يا هذا؛ رسولُ اللهِ أَغْيَرُ على رَبِّهِ مِنْكَ؛ قُلْ كما قال رسولُ اللهِ ﷺ "، وانصرَفَ (٣). والإتيانُ والمجيءُ للهِ يُثبَتُ حقيقةً تليقُ به، بلا تأويلٍ ولا تكييفٍ

стр. 203

ولا تمثيل، وقد بيَّن ابنُ أبي زيدٍ ثبوتَ ذلك حقيقةً؛ كما هو ظاهِرُ كلامِهِ في "الجامع"؛ حيثُ قال: "وَمِمَّا جَاءَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَضَعُ كُرْسِيَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لِفَصْلِ القَضَاءِ" (١). وإثباتُ المجيءِ والإتيان، والنزولِ لله، حقيقةً تليقُ به، لا يَلزَمُ منه التشبيهُ. وربَّما جرَى بعضُ أهلِ السُّنَةِ على الأصولِ الكلاميَّةِ؛ فجعَلُوا لوازمَ لا دليلَ عليها إثباتًا ونفيًا، عند إثباتِ المجيءِ والإتيانِ والنزولِ؛ كالحَرَكةِ والانتقالِ وخُلُوِّ العرشِ؛ فأرادُوا تنزيهَ اللهِ عن تلك اللوازم؛ فرجَعُوا إلى ما أثبَتَهُ الشرعُ، فتأوَّلوه. والحقُّ: الإمساكُ عن تلك اللوازم؛ فكونُها لازِمةً للمخلوق، لا يجوِّز الخوضَ فيها في حقِّ الخالق؛ فمَن لا يُشبِهُهُ شيءٌ في صفاتِهِ لا يُشبِهُهُ شيءٌ في لوازمِها. واستنكارُ ابنِ عبد البَرِّ للفظةِ: "إنَّه يَنزِلُ بذاتِهِ" في "الاستذكار"، مِن هذا البابِ؛ قال: "وقد قالت فِرْقةٌ منتسِبةٌ إلى السُّنَّة: إنه يَنزِلُ بذاتِهِ؛ وهذا قولٌ مهجورٌ؛ لأنه تعالى ذكرُهُ ليس بمَحَلٍّ للحَرَكاتْ، ولا فيه شيءٌ مِن علاماتِ المخلوقاتْ" (٢). ومثلُهُ: قولُهُ في "المجيءِ" في كتابِهِ "التمهيد": "وليس مجيئُهُ حَرَكةً، ولا زوالًا، ولا انتقالًا؛ لأنَّ ذلك إنما يكونُ إذا كان الجائي جسمًا" (٣)؛ وهذا مِن ابنِ عبد البَرِّ هو قولُ أبي الحسَنِ في "الرسالةِ إلى أهلِ الثَّغْر" (٤).

стр. 204

وقد كان الإمامُ أحمدُ يُنكِرُ مَن يُورِدُ هذه اللوازمَ: "الزوالَ، والانتقالَ، وتغيُّرَ الحالِ"؛ بحُجَّةِ نفيِها عند إثباتِ النزول، وقد سَمِعَ أحمدُ قاصَّا يَروِي حديثَ النزولِ، ويقولُ: "بلا زوالْ، ولا انتقالْ، ولا تغيُّرِ حالْ، فارتعَدَ أحمَدُ، واصفَرَّ لَوْنُه، وقال لابنِهِ عبد اللهِ: قِفْ بنا على هذا المتخرِّص، فلمَّا حاذاهُ، قال: يا هذا؛ رسولُ اللهِ أَغْيَرُ على رَبِّهِ مِنْكَ، قُلْ كما قال رسولُ اللهِ ﷺ "، وانصرَفَ (١). وابنُ عبد البَرِّ مُثبِتٌ للاستواءِ على ظاهِرِه؛ وهو على طريقةِ السلَفِ في الصفات، وإنْ جرَى في مواضعَ قليلةٍ مِن كلامِهِ التقريرُ على ما يُشَابِهُ في الظاهر طريقةَ أهلِ الكلام؛ وهذا لا يُخرِجُهُ عن أصلِهِ الذي هو عليه؛ في عامَّةِ تقريرِهِ المجمَلِ والمفصَّل. * المِيزَانُ والوَزْن: * قَالَ ابْنُ أَبَي زَيْدٍ: (وَتُوضَعُ المَوَازِينُ لِوَزْنِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ؛ ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨]): المِيزَانُ حَقٌّ؛ كما قال مالكُ بن أنَسٍ وغيرُه (٢)، وقد عدَّه أحمدُ وابنُ المَدِينِيِّ مِن أصولِ السُّنَّة (٣)، وقد جاء ذلك في الكتاب، وتواتَرَ في السُّنَّة، وأجمَعَتْ عليه الأُمَّة؛ قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]. ويضَعُ الله الميزانَ؛ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ على عبادِه، فيَرَوْا أعمالَهم، ويَقْرَؤُوا صُحُفَهم، ويُبصِرُوا مَوازِينَهُمْ بأنفُسِهم؛ لِيَعْرِفُوا ما يَستحِقُّونَ، مِن

стр. 205

النعيمِ والعذاب، ويَعرِفُوا مقدارَ ذلك، وإذا جاءَتْهم رحمةٌ مِن الله، عرَفُوا قَدْرَها؛ قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١]. وتُوزَنُ جميعُ الأعمالِ؛ ويَجعَلُ اللهُ لكلِّ عمَلٍ وزنًا بالعَدْل، وفي "الصحيح" قال ﷺ : (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانْ، وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَأُ المِيزَانْ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالحَمْدُ للهِ تَمْلَأَانِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ" (١). وتُوزَنُ كدلك الأبدانُ؛ كما في الحديثِ: (يُؤْتَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِالرَّجُلِ السَّمِين، فَلَا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ)، ثُمَّ قرَأَ: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] (٢)، وفي فضلِ ابنِ مسعودٍ قال ﷺ : (أَتَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ؟ ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه، لَهُمَا فِي المِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ أُحُدٍ) (٣). وكذلك تُوزَنُ الكُتُبُ؛ كما في حديثِ صاحبِ البطاقة، وفيه: (فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ) (٤). ولا يثبُتُ في حجمِ المِيزَانِ حديثٌ، وقد رُوِيَ أنَّ له كِفَّتَيْنِ؛ لظاهرِ حديثِ عمرِو بنِ العاصِ؛ وهو حديثُ البطاقةِ، وفيه: (فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ؛ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ) (٥)؛ وبهذا يقولُ الأكثَرُ، وحكى أبو إسحاقَ الزَّخَّاجُ الإجماعَ على ذلك (٦).

стр. 206

ومنهم: مَن أنكَرَ الكِفَّتَيْنِ؛ كابنِ حَزْمٍ (١). ورُوِيَ عن بعضِ الصحابةِ؛ كسَلْمانَ، وابنِ عَبَّاسٍ (٢)، وبعضِ التابعين؛ كالحسَنِ (٣): أنَّ له لسانًا؛ يعني: ما بين الكِفَّتَيْنِ مما يبيِّنُ الرجحانَ، واللهُ أعلَمُ بِصِفَتِه. * صحائفُ الأعمال، وكيفيَّةُ استلامِها يومَ القيامة: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَيُؤتَوْنَ صَحَائِفَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ؛ فـ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٨]، وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (فِي "الجامع": بِشِمَالِهِ) (٤) فَأُولَئِكَ يَصْلَوْنَ سَعِيرَا): يكتُبُ الملائكةُ ما يعمَلُهُ العِبادُ مِن حسَناتٍ وسيِّئات، ويُحصُونَ عليهم ذلك في كتاب؛ حتى يرى العبدُ ما كُتِبَ عليه يومَ القيامةِ بعَيْنِه، وَيقرَأَهُ؛ سواءٌ كان قارِئًا في الدنيا، أو لم يكن قارئًا؛ قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، وطائِرُهُ: عمَلُهُ؛ قاله ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه (٥). والمؤمِنُ يُؤتَى كتابَهُ بيمينِهِ إكرامًا وبشارةً له؛ فهذا ظاهِرٌ؛ حيثُ إنَّه يبشَّرُ بكتابِه، ويريدُ أن يقرأَهُ الناسُ معه؛ لِمَا بُشِّرَ بما فيه مِن خيرٍ؛ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩].

стр. 207

وأمَّا الكافِرُ، فيُؤتَى كتابَهُ بشمالِهِ مِن وراءِ ظهرِه، لا يُؤتَى به مِن أمامِهِ؛ لأنَّ الأَمَامَ إكرامٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠]. واختُلِفَ في صاحبِ الكبيرةِ الذي لم يَغفِرِ اللهُ له مِن المسلِمِينَ، وأراد عذابَهُ؛ هل يأخُذُ كتابَهُ بيمينِهِ أو بشمالِهِ، على قولَيْنِ: - فمنهم (١) مَنْ قال: بشِمَالِهِ؛ لأنَّ اللهَ كتَبَ عليه العذابَ في النارِ إلى أمَدٍ؛ وهذا ينافي استبشارَهُ بالنجاة، ومثلُهُ لا يقالُ فيه: إنَّ حسابَهُ يسيرٌ؛ كما في أصحابِ اليمينِ؛ كما في قولِهِ تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ٧ - ٩]؛ فمَن كتَبَ اللهُ عليه النارَ مِن عصاةِ الموحِّدِينَ، لا يَنقلِبُ مسرورًا إلى أهلِه. - وذهَبَ آخَرونَ (٢): إلى أنه يأخُذُهُ بيمينِهِ؛ ولكنَّه لا يستبشِرُ استبشارَ الناجِينَ، ولا يُسرُّ كسرورِهم؛ فالناسُ على مَراتِبَ في هذا. - وفي ذلك قولٌ ثالثٌ: أنَّ العصاةَ يأخُذُونَ كُتُبَهم وراءَ ظهورِهم، وأمَّا المؤمنونَ: فيأخُذُونَها بأيمانِهم، وأمَّا الكفَّارُ: فبشِمَالهم؛ وبهذا قال ابنُ حَزْمٍ (٣)؛ وفيه نظَر. * الصراطُ وأحوالُ الناسِ فيه: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ الصِّرَاطَ حَقٌّ، يَجُوزُهُ العِبَادُ بِقَدْرِ أَعْمَالِهمْ؛ فَنَاجُونَ مُتَفَاوِتُونَ فِي سُرْعَةِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَقَوْمٌ أَوْبَقَتْهُمْ فِيهَا أَعْمَالُهُمْ):

стр. 208

والصراطُ حَقٌّ باتفاقِ السلف، وهو جِسْرٌ مورودٌ على متنِ جهنَّمَ، وهو المرادُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؛ يعني: جهنَّمَ، والورودُ يكونُ على الصراطِ، لا يَصِلُ أحدٌ إلى مكانِهِ مِن الجَنَّةِ إلا مِن فوقِهِ إنْ كان مؤمِنًا، وإنْ كان غيرَ مؤمِنٍ، فيسقُطُ ويَهلِكُ مع الهالِكِين، وفي "الصحيحَيْن" مِن حديثٍ طويلٍ، فيه: (وَيُضْرَبُ جِسرُ جَهَنَّمَ)، قال رسولُ اللهِ ﷺ : (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجِيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ، سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ؛ أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ ! قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عَظَمَتِهَا إِلَّا اللهُ تَعَالَى، فَتَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ المُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمُ المُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو ... ) (١)؛ الحديثَ. ويَمُرُّ الناسُ عليه بحسَبِ إيمانِهم، وسُرْعةُ سقوطِهم بمقدارِ كُفْرِهم وفجورِهم، وأثبَتُ الناسِ على صراطِ الدنيا أثبَتُهُمْ وأسرَعُهُمْ على صراطِ الآخرة؛ كما في "الصحيحَيْنِ" في الحديثِ؛ قال: (المُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ، وَكَالبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ؛ حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا) (٢). وهو دقيقٌ مَزلَّةُ قدَمٍ إلا لمن ثبَّته اللهُ؛ كما قال ابنُ مسعودٍ: "وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ، دَحْضُ مَزِلَّةٍ" (٣)، وقال سَلْمانُ: "إنه كحَدِّ المُوسَى" (٤).

стр. 209

ودِقَّةُ الصراطِ إنَّما هي مِن أقوالِ الصحابةِ والسلف، وليس في ذلك شيءٌ مرفوع، وما لم يَختلِفْ عليه السلفُ، فالأصلُ: أنَّ له أصلًا. ولا يجوزُ إنكارُ الصراطِ لمجرَّدِ الاستنكارِ العقليِّ؛ كما يَفعَلُ ذلك طوائفُ مِن المادِّيِّينَ والمعتزِلة؛ فإنَّ العقلَ لو كان حَكَمًا على النصِّ، لكان إنكارُهُ لغيرِ ذلك مِن أمورِ القيامةِ أَوْلى مِن إنكارِ الصراط؛ ولكنْ ما ثبَتَ به النصُّ مِن الغيبيَّاتِ لا يجوزُ لأحدٍ إنكارُهُ بالعَقْل؛ فإنه ليس في صريحِ العقلِ ما يُحِيلُ ذلك. * الحَوْضُ المورودُ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَالإِيمَانُ بِحَوْضِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، تَرِدُهُ أُمَّتُهُ؛ لَا يَظْمَأُ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ، وَيُذَادُ عَنْهُ مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ): حوضُ النبيِّ ﷺ حَقٌّ، وقد استفاض فيه الحديثُ واشتَهَر، بل تواتَرَ حتى رواه أكثَرُ مِن خمسين صحابيًّا، باسمِهِ ومعناه، وكان يَعرِفُهُ عوامُّ أهلِ الصدرِ الأوَّلِ، وهو رجاءُ الجميعِ ودعاؤُهم؛ قال ﷺ : (حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ؛ مَنْ شَرِبَ مِنْهَا، فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا) (١). ولا يَشرَبُ مِن الحَوْضِ إلا نَفْسٌ مؤمِنةٌ مِن أُمَّةِ محمَّدٍ ﷺ ؛ وذلك أنَّ مَن شَرِبَ منه لا يَظمَأُ أبدًا، ومَن كتَبَ اللهُ عليه النارَ، فلا بُدَّ أنْ يَظمَأُ، وفي الحديثِ قال ﷺ : (إِنِّي عَلَى الحَوْضِ حَتَّى أَنْظُرَ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَارَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أمَّتِي؛ فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ ! وَاللهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ) (٢).

стр. 210

والحَوْضُ قبلَ الصراطِ في المَوقِفِ عند طُولِ المقامِ، بعد البَعْثِ ودُنُوِّ الشمسِ وشِدَّةِ العطش؛ فذلك أعظَمُ في المِنَّة، وأظهَرُ في النعيم. والأظهَرُ: أنَّ للأنبياءِ حوضًا لهم ولأَمَمِهم، ولم يثبُتْ تخصيصُ النبيِّ ﷺ به، وأنَّه ليس للأنبياءِ مِثْلُه، والموقفُ فيه أنبياءُ وأولياءُ مِن غيرِ الأُمَّةِ، وحوضُ النبيِّ خاصٌّ به وبأمَّته، ومقتضَى رحمةِ اللهِ وفضلِهِ: عمومُ ذلك لأمثالِهم، وإنِ اختلَفَ النوعُ والسَّعَة؛ فالحاجةُ في ذلك الموقفِ عامَّةٌ لهذه الأمَّةِ وغيرِها. وقد أنكَرَ الحوضَ بعضُ المادِّيِّينَ والمعتزِلةِ (١)، مع كثرةِ الأدلَّةِ وتواتُرِها؛ وهذا مِن أعظَمِ البِدَعِ والضلالِ أنْ يُرَدَّ الدليلُ للنظر. * حقيقةُ الإيمان: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ الإِيمَانَ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَإِخْلَاصٌ بِالقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالجَوَارِح): الإيمانُ: قولٌ وعمَلٌ واعتقادٌ؛ وهذه حقيقتُهُ؛ فللإيمانِ ظاهِرٌ وباطِنٌ؛ وهما متلازِمان، الباطنُ: الاعتقاد، والظاهِرُ: قولُ اللسانِ، وعمَلُ الجَوَارِح، وإنِ اختلَفَتْ عباراتُ السلفِ في بيانِ ذلك، إلا أنَّهم لا يَختلِفُونَ على حقيقةِ الإيمانِ تلك، وقد حكَى ابنُ عبد البَرِّ الإجماعَ على ذلك (٢). وقد كان مالكٌ يعبِّرُ عن ذلك بعباراتٍ: فتارَةً يقولُ: الإيمانُ: المعرِفةُ، والإقرارُ، والعمَل (٣).

стр. 211

وتارَةً يقولُ: الإيمانُ: قولٌ وعمَلٌ (١). وجميعُ أصحابِ مالِكٍ على هذا، لا يُحفَظُ عن واحدٍ منهم مخالَفةٌ فيه، وكان أبو مُصعَبٍ أحمدُ بنُ أبي بكرٍ -وهو مِن أصحاب مالِكٍ، وفقيهُ المدينة- يقول: "الإيمانُ قولٌ وعَمَل، يزيدُ ويَنقُص، فمَن قال غيرَ هذا فهو كافِر" (٢). * والطوائِفُ المخالِفةُ في هذا البابِ على سبيلِ الإجمالِ طائفتان: الطائفةُ الأُولى: المرجِئةُ: وهم على فِرَقٍ ومذاهِبَ؛ منهم: الغُلَاة، ومنهم: دُونَ ذلك: فأقرَبُهم مَنزِلةً: مَن جعَلَ العمَلَ مِن الإيمانِ؛ ولكنَّه لم يَجعَلْ له أثَرًا على أصلِه، وإنَّما أثَرُهُ على فرعِهِ؛ أي: أنَّ وجودَ العملِ ونقصَهُ وزوالَهُ يزيدُ الإيمانَ وينقُصُه، ولكنَّ فقدَ العملِ لا يُزِيلُ الإيمانَ. وهذا القولُ أقرَبُ أقوالِ طوائِفِ الإرجاءِ في الإيمانِ إلى السلَف؛ وبهذا القولِ يقولُ جماعةٌ مِن أئمَّةِ الحديثِ وشُرَّاحِهِ المتأخِّرين (٣)؛ فهم لم يُخرِجُوا العمَلَ مِن مسمَّى الإيمانِ تفريعًا، ولكنَّهم أخرَجُوهُ أصلًا؛ فوافَقُوا السلَفَ في التعبير، وخالَفُوهُمْ في الأثَر. ومِن المرجِئة: مَن نزَلَ مَرتَبةً عن أولئك (٤)؛ فأخرَجَ العمَلَ كلَّه مِن مسمَّى الإيمان؛ فجعَلَ الإيمانَ قولًا واعتقادًا؛ إذْ لم يكنْ للعمَلِ عندهم أثَرٌ على زوالِ الإيمانِ، فأخرَجُوهُ منه بالكليَّة؛ فوافقَتْ هذه الفِرْقةُ السلَفَ

стр. 212

بأنْ جعَلُوا للإيمانِ ظاهرًا وباطنًا، ولكنَّهم قَصَرُوا الظاهِرَ على القولِ فقطْ، ويأتي الكلامُ على حقيقةِ الإيمان وحُكمِ المخالفينَ فيه. ومِن المرجِئة: مَن نزَلَ مرتبةً؛ فأخرَجَ القولَ مِن الإيمانِ أيضًا؛ فلم يَجعَلُوا للإيمانِ ظاهرًا بالكليَّةِ، وجعَلُوهُ في القلبِ فقطْ، وللقلبِ قولٌ وعمَلٌ؛ وهؤلاءِ على طائفتَيْن: - طائفةٌ (١): جعَلَتِ الإيمانَ: قولَ القلبِ؛ وهو المعرِفةُ والتصديقُ؛ وهؤلاءِ غُلَاةُ المُرجِئةِ؛ وهم الجهميَّةُ. - وطائفةٌ (٢): جعَلَتْ قولَ القلبِ وعمَلَهُ كِلَيْهِما الإيمانَ؛ فقولُ القلبِ: معرفتُهُ وتصديقُه، وأمَّا عمَلُهُ: فخوفُهُ ورجاؤُهُ، ومحبَّتُهُ وتوكُّلُهُ وإخلاصُه. وقولُ هذه الطائفةِ مع كونِهِ أخفَّ ضلالًا مِن الطائِفةِ الأُولى، إلا أنه يُناقِضُ نَفْسَه؛ وذلك أنَّ عمَلَ القلبِ محبَّةً وخوفًا ورجاءَ وتوكُّلًا، لا يُمكِنُ وجودُهُ إلا مع قولِ اللسانِ وعمَلِ الجوارح. وكان الأئمَّةُ المغارِبةُ يُنكِرُونَ إخراجَ العمَلِ مِن الإيمان، وجَعْلَهُ في منزِلةٍ مختلِفةٍ عن الاعتقادِ والقول (٣)، ولمَّا نُسِبَ هذا القولُ إلى يحيى بنِ سَلَّامٍ بلا بيِّنةٍ، أنكَرَ عليه الناسُ حتى بلَغَ ذلك ابنَ وَهْبٍ في المشرِقِ، ووصَفَهُ بالمُرجِئ، ثُمَّ زالت التُّهَمةُ عن يحيى ببيانِه، وأنه على ما كان عليه مَن سلفَ؛ كمالكٍ، وسُفْيانَ، وغيرِهما: أنَّ الإيمانَ قولٌ وعمَل (٤).

стр. 213

الطائفةُ الثانية: الخوارجُ والمعتزِلةُ؛ وهم الوعيديَّة: ولم يكنْ مذهبُ الخوارجِ له أصولٌ وكتبٌ يدرُسُها الناسُ في المغرِب، وإنما يكفي في أهلِهِ الجهلُ، وأخذُ مطلَقاتِ الشريعةِ وعموماتِها ومتشابِهَاتِها، وتغييبُ مخصِّصاتها ومقيِّداتها ومحكَماتها. وفتنةُ الخوارجِ: في التكفيرِ بغيرِ مكفِّرٍ مِن الذنوبِ وسائرِ الأعمال، وبهذا عَظُمَتْ فِتْنَتُهم في المسلمين؛ فأضحَوْا يَستطِيلُونَ شرًّا، ويتربَّصونَ بالمسلمينَ فسادًا، ولو تمكَّنوا مِن المسلِمِينَ، لَكَانَ فِعْلُهم فيهم يقرُبُ مِن فعلِ الرافضةِ، وقد فعَلُوا في القيروانِ قريبًا مما فعَلَهُ الرافضة، إلا أنَّهم أَوغَلُ في التستُّر باستعمالِ الشريعةِ؛ فسفَكُوا الدماءَ تكفيرًا، وانتهَكُوا الأعراضَ سَبْيًا، وسلَبُوا المالَ غنيمةً. وقد أراد قبلَ ذلك علماءُ المغرِبِ القتالَ مع أبي يَزِيدَ مَخْلَدِ بنِ كَيْدَادَ الخارجيِّ ضدَّ الرافضةِ العُبَيْدِيِّينَ، وقد أظهَرَ أبو يَزِيدَ التنسُّكَ، واستعظَمَ المسلِمُونَ ما فعَلَهُ الرافضةُ؛ فقاتَلُوا معه، وكان يَرمِي بمَن تَبِعَهُ مِن أهلِ السُّنَّةِ في وجهِ خصومِهِ لِيُفْنُوهم، فيكونَ الأمرُ له؛ فلا يَشقَى بهم مَن بعدَهُ؛ فكان يقولُ لأتباعِهِ: "إذا التقَيْتُمْ مع القومِ -يعني: الرافضةَ- فانكَشِفُوا عن أهلِ القَيْرَوانِ؛ حتى يَتمكَّنَ أعداؤُكُمْ مِن قَتْلِهم؛ فيكونوا هم الذين قتَلُوهُمْ، لا نحنُ؛ فنَسترِيحَ منهم" (١). والرافضةُ والخوارجُ لا يُؤتَمَنُونَ في إِمْرةٍ على المسلِمِينَ؛ وخاصَّةً في القتال؛ وكلُّهم يَعمِدُ إلى قتلِ العلماءِ قبلَ غَيْرِهم. وقد اختُلِفَ في تكفيرِ الخوارجِ (٢).

стр. 214

والأكثَرُ: على عدَمِ كُفْرِهم؛ ما لم يقَعُوا في إنكارِ معلوم مِن الدِّينِ بالضرورةِ؛ فإنَّهم طوائفُ متنوِّعة، ومَشارِبُ كثيرة؛ منهم غُلَاةٌ، ومنهم دُونَ ذلك، وقد توقَّف مالكٌ وأحمَدُ وغيرُهما في تكفيرِهم (١)، وقد قيل لمالك: "فالحديثُ: (مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) (٢)؟ قَالَ: أُرَاهُ فِي الحَرُورِيَّة، قِيلَ: فَتَرَاهُمْ بِذَلِكَ كُفَّارًا؟ قَالَ: مَا أَدْرِي يَا هَذَا" (٣). * أسبابُ الافتتانِ برَأْيِ الخوارِج: وأكثَرُ مَن يَفتتِنُ بالخوارجِ: فبسبَبِ شجاعتِهم؛ فإنَّهم يقاتِلُونَ: إمَّا أن يَفْنَوْا أو يُفْنُوا، وبسببِ انتصارِهم لكلِّ مَن تسلَّط عليه السُّلْطانُ، ولا يفرِّقُونَ بين مظلومٍ وغيرِ مظلومٍ، كما فعَلَ الأَزَارِقةُ حينَما كسَرُوا سِجْنَ البَصْرةِ، فلَحِقَ بهم مَن كان فيه وبايَعَهُمْ. وهم أشدُّ الناسِ توهُّمَا لنُصْرةِ الدِّينِ والمظلومِ، ولا يُعِزُّونَ دِينًا، ولا ينصُرُونَ مظلومًا، وربَّما أَضَرُّوا بالدِّينِ والمظلوم؛ قال عاصِمُ بن أبي النَّجُودِ في خارجِيٍّ: "واللهِ! ما أَعَزَّ هذا مِن دِينٍ، ولا دفَعَ عن مظلومٍ! " (٤). وكذلك: يُفتَنُ الناسُ بثَبَاتِهم وتمسُّكِهم برأيِهم كما لو كان وَحْيًا؛ فلم يتزَحْزَحُوا وهم يقاتِلُونَ المهاجِرِينَ والأنصارَ، وليس في صَفِّهِم صحابيٌّ واحِدٌ (٥)، وحينما توعَّد أبو أَيُّوبَ الأنصاريُّ ﵁ أحدَهُمْ بالنارِ،

стр. 215

رَدَّ عليه: "سَتَعْلَمُ أيُّنا أَوْلَى بها"! (١)، وكما قال شَبِيبٌ الخارِجِيُّ: "مِن دِينِنا: قَتْلُ مَن كان على غيرِ رَأْيِنا؛ مِنَّا كان أو مِن غيرِنا" (٢)! حتى إنَّهم لا يحابُونَ قريبًا ولا بعيدًا بفَهْمِهم؛ حتَّى إنَّ الأَزْرَقَ والِدَ نافِعٍ -وكان رَجُلًا سنِّيًّا- لما ماتَ، لم يصلِّ عليه نافِعٌ! (٣). وثَبَاتُهم على باطِلِهم بسببِ شِدَّةِ ثِقَتِهم في فَهْمِهم لكتابِ الله، وقد كانوا يَرَوْنَ أنفسَهم أعلَمَ بكتاب الله من عليِّ بنِ أبي طالِبٍ! وهم لم يَقصِدُوا معارَضةَ القرآنِ، ولكنَّهم فَهِمُوهُ بالخَطَأِ، فتعصَّبُوا لفَهْمِهم، وفي الخوارِجِ مِن صلابةِ الرأيِ وضعفِ السياسةِ ما يستخدِمُهم به أهلُ الكتابِ والرافضةُ على المسلِمِينَ، وهم لا يشعُرُونَ. ومِن الصحابةِ: مَن يُشفِقُ على حالِهم؛ لشِدَّةِ تمسُّكِهم بباطِلٍ يتوهَّمُونَهُ حقًّا؛ فقد دمَعَتْ عَيْنَا أبي أُمَامةَ لمَّا رآهم قَتْلَى؛ فسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: "رَحْمةً لهم؛ لأنَّهم كانوا مِن أهلِ الإسلام" (٤). * الصِّفَةُ الجامِعةُ للخَوارجِ: ولا يَجمَعُ الخوارِجَ مِن الصفاتِ إلا صِفَتَانِ: - التكفيرُ بغيرِ مكفِّرٍ. - واستباحةُ الدَّمِ بذلك. وأمَّا ما يذكُرُهُ بعضُ الفقهاءِ مِن عقائدِ الخوارجِ وضلالاتِهم، ولا يذكُرُهُ الآخَرُ، فلِأَنَّ كُلَّ فقيهٍ أضاف وصفًا رآهُ فيهم أو بلَغَهُ عنهم؛
следующие страницы →