← Акыда

Акыда · id 151173

المغربية في شرح العقيدة القيروانية

عبد العزيز الطريفي

Полный текст (344 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وتارَةً يقولُ: الإيمانُ: قولٌ وعمَلٌ (١). وجميعُ أصحابِ مالِكٍ على هذا، لا يُحفَظُ عن واحدٍ منهم مخالَفةٌ فيه، وكان أبو مُصعَبٍ أحمدُ بنُ أبي بكرٍ -وهو مِن أصحاب مالِكٍ، وفقيهُ المدينة- يقول: "الإيمانُ قولٌ وعَمَل، يزيدُ ويَنقُص، فمَن قال غيرَ هذا فهو كافِر" (٢). * والطوائِفُ المخالِفةُ في هذا البابِ على سبيلِ الإجمالِ طائفتان: الطائفةُ الأُولى: المرجِئةُ: وهم على فِرَقٍ ومذاهِبَ؛ منهم: الغُلَاة، ومنهم: دُونَ ذلك: فأقرَبُهم مَنزِلةً: مَن جعَلَ العمَلَ مِن الإيمانِ؛ ولكنَّه لم يَجعَلْ له أثَرًا على أصلِه، وإنَّما أثَرُهُ على فرعِهِ؛ أي: أنَّ وجودَ العملِ ونقصَهُ وزوالَهُ يزيدُ الإيمانَ وينقُصُه، ولكنَّ فقدَ العملِ لا يُزِيلُ الإيمانَ. وهذا القولُ أقرَبُ أقوالِ طوائِفِ الإرجاءِ في الإيمانِ إلى السلَف؛ وبهذا القولِ يقولُ جماعةٌ مِن أئمَّةِ الحديثِ وشُرَّاحِهِ المتأخِّرين (٣)؛ فهم لم يُخرِجُوا العمَلَ مِن مسمَّى الإيمانِ تفريعًا، ولكنَّهم أخرَجُوهُ أصلًا؛ فوافَقُوا السلَفَ في التعبير، وخالَفُوهُمْ في الأثَر. ومِن المرجِئة: مَن نزَلَ مَرتَبةً عن أولئك (٤)؛ فأخرَجَ العمَلَ كلَّه مِن مسمَّى الإيمان؛ فجعَلَ الإيمانَ قولًا واعتقادًا؛ إذْ لم يكنْ للعمَلِ عندهم أثَرٌ على زوالِ الإيمانِ، فأخرَجُوهُ منه بالكليَّة؛ فوافقَتْ هذه الفِرْقةُ السلَفَ

стр. 212

بأنْ جعَلُوا للإيمانِ ظاهرًا وباطنًا، ولكنَّهم قَصَرُوا الظاهِرَ على القولِ فقطْ، ويأتي الكلامُ على حقيقةِ الإيمان وحُكمِ المخالفينَ فيه. ومِن المرجِئة: مَن نزَلَ مرتبةً؛ فأخرَجَ القولَ مِن الإيمانِ أيضًا؛ فلم يَجعَلُوا للإيمانِ ظاهرًا بالكليَّةِ، وجعَلُوهُ في القلبِ فقطْ، وللقلبِ قولٌ وعمَلٌ؛ وهؤلاءِ على طائفتَيْن: - طائفةٌ (١): جعَلَتِ الإيمانَ: قولَ القلبِ؛ وهو المعرِفةُ والتصديقُ؛ وهؤلاءِ غُلَاةُ المُرجِئةِ؛ وهم الجهميَّةُ. - وطائفةٌ (٢): جعَلَتْ قولَ القلبِ وعمَلَهُ كِلَيْهِما الإيمانَ؛ فقولُ القلبِ: معرفتُهُ وتصديقُه، وأمَّا عمَلُهُ: فخوفُهُ ورجاؤُهُ، ومحبَّتُهُ وتوكُّلُهُ وإخلاصُه. وقولُ هذه الطائفةِ مع كونِهِ أخفَّ ضلالًا مِن الطائِفةِ الأُولى، إلا أنه يُناقِضُ نَفْسَه؛ وذلك أنَّ عمَلَ القلبِ محبَّةً وخوفًا ورجاءَ وتوكُّلًا، لا يُمكِنُ وجودُهُ إلا مع قولِ اللسانِ وعمَلِ الجوارح. وكان الأئمَّةُ المغارِبةُ يُنكِرُونَ إخراجَ العمَلِ مِن الإيمان، وجَعْلَهُ في منزِلةٍ مختلِفةٍ عن الاعتقادِ والقول (٣)، ولمَّا نُسِبَ هذا القولُ إلى يحيى بنِ سَلَّامٍ بلا بيِّنةٍ، أنكَرَ عليه الناسُ حتى بلَغَ ذلك ابنَ وَهْبٍ في المشرِقِ، ووصَفَهُ بالمُرجِئ، ثُمَّ زالت التُّهَمةُ عن يحيى ببيانِه، وأنه على ما كان عليه مَن سلفَ؛ كمالكٍ، وسُفْيانَ، وغيرِهما: أنَّ الإيمانَ قولٌ وعمَل (٤).

стр. 213

الطائفةُ الثانية: الخوارجُ والمعتزِلةُ؛ وهم الوعيديَّة: ولم يكنْ مذهبُ الخوارجِ له أصولٌ وكتبٌ يدرُسُها الناسُ في المغرِب، وإنما يكفي في أهلِهِ الجهلُ، وأخذُ مطلَقاتِ الشريعةِ وعموماتِها ومتشابِهَاتِها، وتغييبُ مخصِّصاتها ومقيِّداتها ومحكَماتها. وفتنةُ الخوارجِ: في التكفيرِ بغيرِ مكفِّرٍ مِن الذنوبِ وسائرِ الأعمال، وبهذا عَظُمَتْ فِتْنَتُهم في المسلمين؛ فأضحَوْا يَستطِيلُونَ شرًّا، ويتربَّصونَ بالمسلمينَ فسادًا، ولو تمكَّنوا مِن المسلِمِينَ، لَكَانَ فِعْلُهم فيهم يقرُبُ مِن فعلِ الرافضةِ، وقد فعَلُوا في القيروانِ قريبًا مما فعَلَهُ الرافضة، إلا أنَّهم أَوغَلُ في التستُّر باستعمالِ الشريعةِ؛ فسفَكُوا الدماءَ تكفيرًا، وانتهَكُوا الأعراضَ سَبْيًا، وسلَبُوا المالَ غنيمةً. وقد أراد قبلَ ذلك علماءُ المغرِبِ القتالَ مع أبي يَزِيدَ مَخْلَدِ بنِ كَيْدَادَ الخارجيِّ ضدَّ الرافضةِ العُبَيْدِيِّينَ، وقد أظهَرَ أبو يَزِيدَ التنسُّكَ، واستعظَمَ المسلِمُونَ ما فعَلَهُ الرافضةُ؛ فقاتَلُوا معه، وكان يَرمِي بمَن تَبِعَهُ مِن أهلِ السُّنَّةِ في وجهِ خصومِهِ لِيُفْنُوهم، فيكونَ الأمرُ له؛ فلا يَشقَى بهم مَن بعدَهُ؛ فكان يقولُ لأتباعِهِ: "إذا التقَيْتُمْ مع القومِ -يعني: الرافضةَ- فانكَشِفُوا عن أهلِ القَيْرَوانِ؛ حتى يَتمكَّنَ أعداؤُكُمْ مِن قَتْلِهم؛ فيكونوا هم الذين قتَلُوهُمْ، لا نحنُ؛ فنَسترِيحَ منهم" (١). والرافضةُ والخوارجُ لا يُؤتَمَنُونَ في إِمْرةٍ على المسلِمِينَ؛ وخاصَّةً في القتال؛ وكلُّهم يَعمِدُ إلى قتلِ العلماءِ قبلَ غَيْرِهم. وقد اختُلِفَ في تكفيرِ الخوارجِ (٢).

стр. 214

والأكثَرُ: على عدَمِ كُفْرِهم؛ ما لم يقَعُوا في إنكارِ معلوم مِن الدِّينِ بالضرورةِ؛ فإنَّهم طوائفُ متنوِّعة، ومَشارِبُ كثيرة؛ منهم غُلَاةٌ، ومنهم دُونَ ذلك، وقد توقَّف مالكٌ وأحمَدُ وغيرُهما في تكفيرِهم (١)، وقد قيل لمالك: "فالحديثُ: (مَنْ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا) (٢)؟ قَالَ: أُرَاهُ فِي الحَرُورِيَّة، قِيلَ: فَتَرَاهُمْ بِذَلِكَ كُفَّارًا؟ قَالَ: مَا أَدْرِي يَا هَذَا" (٣). * أسبابُ الافتتانِ برَأْيِ الخوارِج: وأكثَرُ مَن يَفتتِنُ بالخوارجِ: فبسبَبِ شجاعتِهم؛ فإنَّهم يقاتِلُونَ: إمَّا أن يَفْنَوْا أو يُفْنُوا، وبسببِ انتصارِهم لكلِّ مَن تسلَّط عليه السُّلْطانُ، ولا يفرِّقُونَ بين مظلومٍ وغيرِ مظلومٍ، كما فعَلَ الأَزَارِقةُ حينَما كسَرُوا سِجْنَ البَصْرةِ، فلَحِقَ بهم مَن كان فيه وبايَعَهُمْ. وهم أشدُّ الناسِ توهُّمَا لنُصْرةِ الدِّينِ والمظلومِ، ولا يُعِزُّونَ دِينًا، ولا ينصُرُونَ مظلومًا، وربَّما أَضَرُّوا بالدِّينِ والمظلوم؛ قال عاصِمُ بن أبي النَّجُودِ في خارجِيٍّ: "واللهِ! ما أَعَزَّ هذا مِن دِينٍ، ولا دفَعَ عن مظلومٍ! " (٤). وكذلك: يُفتَنُ الناسُ بثَبَاتِهم وتمسُّكِهم برأيِهم كما لو كان وَحْيًا؛ فلم يتزَحْزَحُوا وهم يقاتِلُونَ المهاجِرِينَ والأنصارَ، وليس في صَفِّهِم صحابيٌّ واحِدٌ (٥)، وحينما توعَّد أبو أَيُّوبَ الأنصاريُّ ﵁ أحدَهُمْ بالنارِ،

стр. 215

رَدَّ عليه: "سَتَعْلَمُ أيُّنا أَوْلَى بها"! (١)، وكما قال شَبِيبٌ الخارِجِيُّ: "مِن دِينِنا: قَتْلُ مَن كان على غيرِ رَأْيِنا؛ مِنَّا كان أو مِن غيرِنا" (٢)! حتى إنَّهم لا يحابُونَ قريبًا ولا بعيدًا بفَهْمِهم؛ حتَّى إنَّ الأَزْرَقَ والِدَ نافِعٍ -وكان رَجُلًا سنِّيًّا- لما ماتَ، لم يصلِّ عليه نافِعٌ! (٣). وثَبَاتُهم على باطِلِهم بسببِ شِدَّةِ ثِقَتِهم في فَهْمِهم لكتابِ الله، وقد كانوا يَرَوْنَ أنفسَهم أعلَمَ بكتاب الله من عليِّ بنِ أبي طالِبٍ! وهم لم يَقصِدُوا معارَضةَ القرآنِ، ولكنَّهم فَهِمُوهُ بالخَطَأِ، فتعصَّبُوا لفَهْمِهم، وفي الخوارِجِ مِن صلابةِ الرأيِ وضعفِ السياسةِ ما يستخدِمُهم به أهلُ الكتابِ والرافضةُ على المسلِمِينَ، وهم لا يشعُرُونَ. ومِن الصحابةِ: مَن يُشفِقُ على حالِهم؛ لشِدَّةِ تمسُّكِهم بباطِلٍ يتوهَّمُونَهُ حقًّا؛ فقد دمَعَتْ عَيْنَا أبي أُمَامةَ لمَّا رآهم قَتْلَى؛ فسُئِلَ عن ذلك؟ فقال: "رَحْمةً لهم؛ لأنَّهم كانوا مِن أهلِ الإسلام" (٤). * الصِّفَةُ الجامِعةُ للخَوارجِ: ولا يَجمَعُ الخوارِجَ مِن الصفاتِ إلا صِفَتَانِ: - التكفيرُ بغيرِ مكفِّرٍ. - واستباحةُ الدَّمِ بذلك. وأمَّا ما يذكُرُهُ بعضُ الفقهاءِ مِن عقائدِ الخوارجِ وضلالاتِهم، ولا يذكُرُهُ الآخَرُ، فلِأَنَّ كُلَّ فقيهٍ أضاف وصفًا رآهُ فيهم أو بلَغَهُ عنهم؛

стр. 216

لأنَّهم يتجدَّدُونَ في الفَهْم، ويتنوَّعُونَ في الآراء؛ لأنَّ إمامَهم: فَهْمُهم! ولكنَّهم يَتَّفِقُون في هذَيْنِ الأصلَيْنِ في كلِّ العصورِ؛ وبهذا استدَلَّ عليهم عليُّ بن أبي طالِبٍ؛ إذْ لمَّا حدَّث بحديثِ الخوارِجِ، قال عن أهلِ النَّهْرَوَانِ: "أَرْجُو أن يكونوا هم؛ فإنَّهم سفَكُوا الدَّمَ الحَرَامَ"؛ رواه مسلم (١)؛ فعضَدَ رأيَهم بكُفْرِ المسلِمِينَ بفِعْلِهم باستحلالِ دَمِهِم، ولم يَبحَثْ صفةً أخرى غيرَ ذلك. وقد يُطلِقُ الخوارجُ مِن الكلامِ المُجمَلِ ما يوافِقُ الحَقَّ، ولكنَّهم يَضِلُّونَ في تفسيرِهِ وتطبيقِه، ويغتَرُّ بهم العامَّةُ نَظَرًا لأقوالِهم، وإهمالًا لتفسيراتِهم، وقد كان أبو حَمْزةَ المختارُ بن عَوْفٍ الأَزْدِيُّ -أحدُ أئمَّةِ الخوارِجِ في القرنِ الثاني- يقولُ: "الناسُ مِنَّا ونحنُ منهم، إلا عابدَ وَثَنٍ، أو كفَرَةَ أهلِ الكتابِ، أو سُلْطانًا جائِرًا، أو شَادًّا على عَضُدِه" (٢)؛ يتأوَّلُ بذلك حديثَ: (أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي، لَا يَقْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي؛ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُمْ ... ) (٣). ومَن نظَرَ لشِدَّةِ عبادةِ الخوارِجِ، وحُسْنِ كلامِهم، تحيَّر في أمرِهم؛ كما تحيَّرَ في ذلك بعضُ السلف فسأَلَ ابنَ عبَّاسٍ؟ فقال: "ليسوا بأشَدَّ من اليهود والنصارى وهم يَضِلُّون" (٤)، ولمَّا قتَلَ عليٌّ أهلَ النَّهْرَوَانِ، انفَضَّ عنه بعضُ أنصارِهِ لأجلِ ذلك (٥).

стр. 217

* ويُشرَعُ نُصْحُهم قبل قتالِهم: وكان بعضُ السلفِ يرى عدَمَ قتالِهم حتَّى يَبدَؤُوا المسلِمِينَ بالقتالِ كما فَعَل عليُّ بن أبي طالب، وبه قال الشافعيُّ (١)؛ فتعليمُهُمْ يَرفَعُ الجهلَ عن كثيرٍ منهم ويَعُودُون، وقد بعَثَ عليٌّ ابنَ عبَّاسٍ (٢)، وبعَثَ عُمَرُ بن عبد العزيزِ عَوْنَ بنَ عبد اللهِ (٣)؛ لمناظَرَتِهم ونُصْحِهم، وقد سُئِلَ أحمدُ عن إسماعِ الخارجِيِّ الحديثَ؟ فقال: "نَعَمْ؛ أَعْطِهِ لعلَّ اللهَ يَنفَعُهُ به! " (٤). ورُوِي عن بعضِ السلف التفريقُ بين قِتالِ الخوارجِ لإمامِ جَوْرٍ وبينَ قِتالِهم لإمامِ عَدْل؛ فرَأَوُا اعتزالَه عند قتالِهم لإمامِ جَوْرٍ على الولاية، ورُوِي هذا عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ أنَّه قال: "وإنْ خالَفُوا إمامًا جائرًا فلا تقاتِلُوهم" كما رواه الطَّبَريُّ (٥)، وفيه رجلٌ لا يُعرَف (٦)، وبهذا قال مالِكٌ وأحمدُ -في روايةٍ- وابنُ القاسم (٧). * الموقِفُ عند اجتماع الضلالات: وإذا اجتمَعَتِ الضلالاتُ في زمَنٍ مِن الأَزْمِنةِ وتقاتَلَ أهلُها، فلا يَنتصِرُ المسلمُ لطائفةٍ دُونَ أخرى، وإنَّما يَنظُرُ ما كان لصالِحِ المسلِمِين،

стр. 218

وإنْ تقارَبَتْ أو شَكَّ، توقَّف واعتزَلَ؛ فهو أسلَمُ لدِينِه ونَفْسِه. والخوارِجُ يَجعَلُون رأيَهم دِينًا، والزنادقةُ يَجعَلُونَ الدِّينَ رأيًا، وأهلُ السُّنَّةِ يَفرُقُونَ بين الدِّينِ والرَّأْي، ومواضِعِ القطعِ ومواضِعِ الاجتهاد، وأئمَّةُ الجَوْرِ والمُرجِئةُ يُحِبُّونَ الإكثارَ مِن ذَمِّ الخوارِج، والخوارِجُ يُحِبُّونَ الإكثارَ مِن ذمِّ أئمَّةِ الجَوْرِ والمُرجِئة. وكُلُّ فِئَةٍ تَسحَبُ ذَمَّ الأخرى على كلِّ مخالِفِيها ولو كان وَسَطًا بينهم مِن أهلِ الاعتدال. والعالِمُ المُنصِفُ لا يتكلَّمُ بما تُحِبُّهُ كُلُّ فئةٍ في خَصْمِها، بل بما يُحِبُّهُ اللهُ فيهم؛ فكم تأذَّى الحَقّ، بمحاباةِ الخَلْق! * المُوازنةُ بين المُرجِئَةِ والخَوارجِ: والمُرجِئةُ أشَدُّ خطَرًا وأثَرًا على الإسلامِ مِن الخوارجِ في البلاد، والخوارجُ أشَدُّ عليه مِن المُرجِئةِ في مواضعِ الجهاد؛ لأنَّهم يقدِّمونَ قتالَ المسلِمينَ في زمَنِ شِدَّةِ الحاجةِ بصدِّ عادِيَةِ الكافِرِين، ويُعِينُونَ -وإنْ لم يشعُرُوا- الكُفَّارَ على الإسلامِ مِن خارِجِه، والمُرجِئةُ عليه مِن داخِلِه، وبفعلِ الخوارجِ ذلك يتخلَّلُ الكفرُ والبِدْعةُ مِن خلالِ ثغورٍ شَغَلُوا المسلِمِينَ عن حِمَايَتِها، وربَّما أعانَهم الكُفَّارُ على المسلِمِينَ خديعةً بما يتوهَّمونه غنيمةً ونصرًا. * زيادةُ الايمانِ ونقصانُه: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ (يَزِيدُ بِزِيَادَةِ الأَعْمَالِ، وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهَا؛ فَيَكُونُ فِيهَا النَّقْصُ، وَبِهَا الزِّيَادَةُ): والإيمانُ يزيدُ وينقُصُ؛ يزيدُ بالطاعة، وينقُصُ بالمعصية، وقد عبَّر

стр. 219

ابنُ أبي زيدٍ بنحوِ هذا في كتابِهِ "الجامع" (١)، ولكنَّه هنا جعَلَ الزيادةَ والنقصانَ بزيادةِ الأعمالِ ونقصِها؛ ليكونَ أشمَلَ في المعنى؛ فإنَّ الإيمانَ ينقُصُ إنْ نقصَتِ الطاعاتُ ولو لم يَرتكِبِ المؤمِنُ معصيةً؛ فمَن كان يقومُ الليلَ ويُحْيِيه، يزيدُ إيمانُهُ، فإنْ ترَكَ قيامَ الليلِ، لم يكنْ إيمانُهُ بدونِ القيامِ مِثْلَهُ مع القيام. وقد تواتَرَتِ الأدلَّةُ في زيادةِ الإيمانِ ونقصانِهِ مِن الكتابِ والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]، وقال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. وفي "الصحيحِ" مِن حديثِ أبي سَعِيدٍ ﵁ مرفوعًا: (يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ : أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ... ) (٢). ومِن ذلك: قولُهُ ﷺ (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً) - وَفِي رِوَايَة: (بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً) - (أَفْضَلُهَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا اِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا: اِمَاطَةُ الأذَى مِنَ الطَّرِيق، وَالْحَيَاءُ: شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) (٣). وليس في المسألةِ خلافٌ عند الصحابةِ والتابِعِينَ وأَتْباعِهم؛ جاء

стр. 220

ذلك عن معاذٍ (١)، وأبي هُرَيْرة (٢)، وابنِ عبَّاسٍ (٣)، وجُنْدُبٍ (٤)، وعُمَيْرِ بنِ حَبِيبٍ (٥)، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ (٦)؛ قال يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ: "ما أدرَكْتُ أحدًا مِن أصحابِنا إلا على سُنَّتِنا في الإيمانِ، ويقولونَ: الإيمانُ يزيدُ وينقُصُ" (٧). وقد حكَى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ؛ كعبدِ الرزَّاقِ (٨)، وأحمدَ (٩)، والبخاريِّ (١٠)، وأبي حاتمٍ (١١)، وأبي زُرْعةَ (١٢)، وأبي عُبَيْدٍ (١٣)، وابنِ عبد البَرِّ (١٤)، وغيرِهم (١٥)، ولصراحةِ الأدلَّةِ على ذلك من الكِتاب والسُّنةِ جَزَم بعضُ أصحابِ مالكٍ بكفرِ منكِر زيادة الإيمان ونقصانِه؛ كأبي مُصعَبٍ أحمدَ بنِ أبي بكرٍ فقيهِ المدينة (١٦). والإيمانُ كما يزيدُ بالطاعة، فإنَّه ينقُصُ بتَرْكِها، ولو لم يكنِ التركُ حرامًا؛ كما في الخَبَرِ في الحائِضِ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِهَا؟ قَالَ: (تَمْكُثُ كَذَا

стр. 221

وَكَذَا يَوْمًا لَا تُصَلِّي للهِ سَجْدَةً) (١) فصار تركُ الطاعةِ -ولو كان بأمرٍ خارجٍ عن الإرادةِ- مؤثِّرًا على الإيمانِ، فكيف بتَرْكِ النوافِلِ التي يُسَنُّ فِعْلُها، وقد قال أحمدُ: "إذا عَمِلْتَ الخيرَ زادَ، وإذا ضَيَّعْتَ نَقَصَ" (٢)، ونقَلَ صالحٌ عن أبيه أحمدَ: "نُقْصَانُهُ بتَرْكِ العَمَل" (٣). * زوال الإيمان وكماله: والإيمانُ ينقُصُ حتَّى يَزُولَ كُلُّه، ويَزِيدُ ولكنْ لا يبلُغُ أحدٌ مرتبةَ الكمالِ التامِّ، والكمالُ ممكِنٌ لكنَّه لا يحصُلُ في الناسِ؛ فإمكانُ الشيءِ شيءٌ، وحصولُهُ شيءٌ آخَرُ، واستثنى إسحاقُ الأنبياءَ؛ فرَأَى أنه يُشهَدُ لهم باستكمالِ الإيمانِ، وبُلوغِ غايتِه، ولكن الأنبياء يتفاضَلُون فيما بينهم في الإيمانِ المستحَبِّ؛ ولهذا قال مالِكٌ: "ليس للإيمانِ مُنتَهًى؛ هو في زيادةٍ أبدًا" (٤). وقال سَلْمانُ الفارِسِيُّ: "لو تقطَّعْتَ أعضاءً، ما بَلَغْتَ الإيمانَ! " (٥). * نُقصان الإيمان عند مالك: ولا يَختلِفُ القولُ عن مالكِ بنِ أنَسٍ في زيادةِ الإيمانِ، وله في نقصانِهِ روايتانِ: الأولى: القولُ بنقصانِهِ؛ وقد حكاها عنه ابنُ نافعٍ، ومحمَّدُ بنُ

стр. 222

يحيى، وغيرُهما (١). والثانيةُ: يُمسِكُ فيها عن الكلامِ في نقصانِهِ (٢)؛ لا لعدَمِ تحقُّقه، وإنَّما لأنَّ النصوصَ لم تنُصَّ عليه بلفظِه، فأرادَ الامتثال. ومَن نقَلَ عنه أنَّه يقولُ بعدَمِ نقصانِ الإيمانِ والجزمِ بذلك، فقد أخطَأَ في النقلِ أو في فهمِ قولِه. وكان ابنُ أبي زيدٍ -كما في "الجامع" (٣) - يَجعَلُ توقُّفَ مالكٍ عن النقصانِ خوفًا مِن الذريعةِ أن تُتأوَّلَ أنه ينقُصُ حتى يَذهَبَ كلُّهُ؛ فيَؤُولُ ذلك إلى قولِ الخوارجِ الذين يُحبِطُونَ الإيمانَ بالذنوب، ويَجعَلُ قولَ مالكٍ في النقصِ فيما وقَعَتْ فيه الزيادةُ؛ وهو العمَلُ؛ ولهذا نقَلَ عنه ابنُ أبي زيدٍ أنَّه قيل لمالكٍ: "فبعضُهُ -يعني: الإيمانَ- أفضَلُ مِن بعض؟ قال: نَعَمْ" (٤). * الاستثناءُ في الإيمانِ: ولمَّا كان الإيمانُ شيئًا واحدًا عند طوائفَ مِن المرجِئةِ، فلا يَرَوْنَ أنَّ الإيمانَ يزيدُ وينقُصُ-: تَبِعَ ذلك عندهم القولُ بعدَمِ الاستثناءِ في الإيمان، وهو أنَّ المؤمِنَ يقولُ: "أنا مُؤمِنٌ"، ولا يستثني، فيزيدُ على ذلك: "إنْ شاءَ اللهُ"، ومنهم: مَن يَمنَعُ مِن الاستثناءِ ويحرِّمُه. والذي عليه عامَّةُ السلفِ: الاستثناءُ في الإيمانِ؛ لأنَّ الإيمانَ يزيدُ

стр. 223

وينقُصُ، والاستثناءُ يقَعُ على مقدارِه، لا على أصلِ ثبوتِه، وفيه دفعٌ لتزكيةِ النَّفْس (١). وأمَّا الاستثناءُ شَكًّا في الإيمانِ، فلا يجوزُ؛ وعلى هذا: يُحمَلُ ما جاء عن مالكٍ، لمَّا قيل له: "أقولُ: مُؤمِنٌ، واللهُ محمودٌ، أو: إنْ شاءَ الله؟ فقال: قل: مُؤمِنٌ، ولا تَخلِطْ معها غيرَها" (٢). وبنحوِ هذا قال سُحْنُونٌ (٣). فالاستثناءُ في الإيمانِ الذي عليه السَّلَفُ، هو أن يقولَ: "أنا مُؤمِنٌ إنْ شاء اللهُ". ومِن أدلَّةِ ذلك: ظاهِرُ الكتابِ والسُّنَةِ والأَثَرِ؛ فاللهُ تعالى يقولُ لنبيَّه ﷺ وأصحابِه: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفَتْح: ٢٧]، ويقولُ النبيُّ ﷺ للمَوْتَى: (وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ) (٤)، ولا بُدَّ أنَّهم داخِلُونَ مَكَّةَ، ولا بُدَّ أنَّهم ميِّتون؛ فالاستثناءُ وقَعَ على أشياءَ، منها: الإيمانُ، وأنَّهم داخِلُونَ مكَّة، وأنَّهم لَاحِقُونَ بهم على الإيمانِ. وأمَّا في الإسلامِ، فيقولُ: "أنا مسلِمٌ"، ولا يَستثنِي؛ كما نصَّ عليه أحمدُ وغيرُه (٥)؛ لأنَّ الإسلامَ أوسَعُ دائِرةً مِن الإيمانِ. * الإيمانُ قولٌ وعمَل: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَلَا يَكْمُلُ قَوْلُ الإِيمَانِ إِلَّا بِالعَمَلِ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ﴾:

стр. 224

الإيمانُ: قولٌ وعمَلٌ واعتقاد؛ وبهذا يقولُ السلَفُ بإجماعِهم (١)، ولا يَصِحُّ واحدٌ مِن هذه الثلاثةِ إلا بالآخَر: فمَن انتَفَى منه العمَلُ كلُّه؛ كمَن انتَفَى منه القولُ كلُّه، أو الاعتقادُ كلُّه، ومَن انتَفَى منه القولُ كلُّه؛ كمَن انتَفَى منه الاعتقادُ كلُّه، أو العمَلُ كلُّه، ومَن انتَفَى منه الاعتقادُ كلُّه؛ كمَنِ انتَفَى منه القولُ كلُّه، أو العمَلُ كلُّه؛ وانتفاءُ واحدٍ مِن الثلاثةِ بجميعِهِ كانتفاءِ الثلاثة. ولكنْ ليس المرادُ مِن ذلك انتفاءَ أيِّ جزءٍ مِن الثلاثةِ؛ فهذا قولٌ يوافِقُ أصولَ الخوارج؛ فإنَّ السلَفَ وأهلَ السُّنَّةِ لا يكفِّرونَ أحدًا بتركِ شيءٍ معيَّنٍ مِن الباطِنِ أو الظاهِرِ، إلا بدليلٍ خاصًّ، ويفرِّقون بين التركِ الكُلِّيَّ وبين التركِ الجُزْئيَّ؛ كما كان يقولُهُ أئمَّةُ السَّلَفِ؛ كسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وابنِ عُيَيْنةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، والحُمَيْديِّ، وأبي ثَوْر (٢). وقال الوليدُ بن مسلِم: "سَمِعْتُ الأوزاعيَّ، ومالكَ بنَ أنَسٍ، وسعيدَ بنَ عبد العزيزِ، يُنكِرونَ قولَ مَن يقولُ: إنَّ الإيمانَ قولٌ بلا عمَل، ويقولونَ: لا إيمانَ إلَّا بعمَل، ولا عمَلَ إلا بإيمان" (٣). * حكمُ تاركِ العمل كلِّه: ومَن آمَنَ بقلبِهِ، وأقَرَّ بلسانِهِ، ولم يَعمَلْ بأركانِهِ شيئًا مِن العمَلِ -: لم يَصِحَّ إيمانُهُ عند السلف، وكان الأئمَّةُ يعنِّفُونَ على مَن يقولُ بخلافِ ذلك.

стр. 225

وكان أحمدُ لا يكفِّرُ مَن يَجعَلُ الإيمانَ قولًا واعتقادًا بلا عَمَلٍ، ويَصِفُهُ بالبِدْعةِ والإرجاء، ويقول: "أَدعُو لهم بالصلاح" (١). وعن أحمدَ روايةٌ أُخرَى رواها حَنْبلٌ: أنَّ مَن ترَكَ العمَلَ كُلَّهُ حتَّى يموتَ، ولا يَرَى العَمَلَ كُلَّهُ له أَثَرٌ في ثبوتِ الإيمانِ ولا نَفْيِه: "أنَّه كافِرٌ باللهِ" (٢)؛ وهو قولُ الحُمَيْدِيِّ (٣). والأحاديثُ التي فيها: أنَّ مَن نطَقَ بالشهادتَيْن، دخَلَ الجَنَّةَ، حمَلَها السلفُ على أنَّها قبلَ أن تُحَدَّ الحدودُ، وتَنزِلَ الفرائِضُ؛ قال ذلك الضَّحَّاكُ بن مُزَاحِمٍ (٤)، والزهريُّ (٥)، وأحمدُ (٦)، وغيرُهم. وقال أبو ثَوْرٍ: "فأمَّا الطائفةُ التي ذهَبَتْ إلى أنَّ العمَلَ ليس مِن الإيمانِ، فيقالُ لهم: ماذا أَرَادَ اللهُ مِن العبادِ؛ إذْ قال لهم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ الإقرارَ، بذلك، أو الإقرارَ والعمَلَ؟ : فإنْ قالت: إنَّ اللهَ أرادَ الإقرارَ، ولم يُرِدِ العمَلَ، فقد كفَرَتْ عند أهلِ العلمِ؛ مَن قال: إنَّ اللهَ لم يُرِدْ مِن العبادِ أن يُصَلُّوا، ولا يُؤتُوا الزكاةَ! وإنْ قالت: أرادَ منهم الإقرارَ والعمَلَ، قيل: فإذا كان أرادَ منهم الأمرَيْنِ جميعًا، لِمَ زَعَمْتُمْ أنَّه يكونُ مؤمِنًا بأحدِهما دُونَ الآخَر، وقد أرادَهُما جميعًا؟ ! أرأيتُمْ لو أنَّ رجلًا قال: أعمَلُ جميعَ ما أمَرَ به اللهُ، ولا أُقِرُّ به؛ أيكونُ مؤمنًا؟ :

стр. 226

فإنْ قالوا: لا. قيل لهم: فإنْ قال: أُقِرُّ بجميعِ ما أمَرَ اللهُ به، ولا أَعمَلُ به؛ أيكونُ مؤمنًا؟ ! فإنْ قالوا: نعم. قيل لهم: ما الفَرْقُ؟ فقد زعَمْتُمْ أنَّ اللهَ أراد الأمرَيْنِ جميعًا، فإنْ جاز أن يكونَ بأحدِهما مؤمِنًا إذا ترَكَ الآخَرَ، جاز أنْ يكونَ بالآخَرِ إذا عَمِلَ به ولم يُقِرَّ مؤمِنًا؛ لا فرقَ بين ذلك. فإنِ احتَجَّ، فقال: لو أنَّ رجلًا أسلَمَ، فأقَرَّ بجميعِ ما جاء به النبيُّ ﷺ : أيكونُ مؤمِنًا بهذا الإقرارِ قبلَ أن يجيءَ وقتُ عمَلٍ؟ قيل له: إنما يُطلَقُ له الاسمُ بتصديقِهِ أنَّ العمَلَ عليه بقولِهِ أنْ يَعمَلَهُ في وقتِهِ إذا جاء، وليس عليه في هذا الوقتِ الإقرارُ بجميعِ ما يكونُ به مؤمِنًا، ولو قال: أُقِرُّ ولا أَعمَلُ، لم يُطلَقْ عليه اسمُ الإيمان" (١). * أَثَرُ إِخْرَاجِ العَمَلِ مِن الإِيمانِ: والأصلُ: أنَّ مَن أخرَجَ شيئًا مِن الإيمانِ؛ سواءٌ القَلْبيُّ أو القَوْليُّ أو العمَليُّ، فإنَّه لا يَجعَلُ للذنوبِ الواقعةِ في الشيءِ الذي أخرَجَهُ أثرًا على الإيمان؛ لأنَّها ليست منه أصلًا؛ فمَن أخرَجَ قولَ اللسانِ مِن الإيمانِ، فلا يَرَى ذنوبَ اللسانِ وكُفْرَهُ مؤثِّرًا على الإيمانِ؛ لأنَّ القولَ عندَهُ ليس مِن الإيمانِ؛ فتبَعًا لذلك لا يأتِي منه كفرٌ أو ذنبٌ مؤثِّرٌ عليه. وكلُّ طوائفِ الإرجاءِ التي تُخرِجُ العمَلَ مِن الإيمانِ بالكليَّةِ، لا تَجعَلُ لأفعالِ الذنوبِ أثرًا عليه؛ فتقولُ: "لا تَضُرُّ الذنوبُ مع

стр. 227

التوحيدِ"، وقد كان أئمَّةُ المغربِ يُنكِرُونَهُ؛ كما كان محمَّدُ بنُ سحنونٍ يقولُ: "لا أقولُ ما قالَتِ المُرجِئةُ: لا تَضُرُّ الذنوبُ معَ التوحيدِ" (١). وأما تعبيرُ ابنِ أبي زَيْدٍ بالكمالِ في قولِه: "وَلَا يَكْمُلُ قَوْلُ الإِيمَانِ إِلَّا بِالعَمَلِ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ"، فلا يعني مِن ذلك: أنَّ مَن ترَكَ العمَلَ بالكليَّةِ: أنه مؤمِنٌ، ولكنَّه عبَّر بالكمال، يُريدُ: كمالَ الإيمانِ في واحدٍ، لا يتحقَّقُ إلا بكمالِ البقيَّةِ، لا أصلَ وجودِ الإيمان؛ فلا يمكِنُ أن يكونَ الرجلُ كاملَ الإيمانِ بالأقوالِ، وهو غيرُ كاملٍ في العمَل، ولا يكمُلُ قولُهُ وعملُهُ ظاهِرًا، وهو بلا نِيَّةٍ؛ فلا بُدَّ أن ينقُصَ مِن الثلاثةِ مقدارٌ متقارِبٌ أو متطابِقٌ، وكمالُ واحدٍ منها يعني كمالَ الاثنَيْن. ويدُلُّ على ذلك أنه قال: "وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ"؛ فيستحيلُ أنه يصحِّحُ القولَ والعمَلَ الصالحَ بلا وجودِ شيءٍ مِن النيَّة؛ فيكونُ قولُهُ أنَّ المُرائِيَ مقبولُ العمَلِ، ولكنَّ عمَلَهُ ناقصٌ؛ وهذا غلَطٌ. وكذلك قولُه: "وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ"؛ فيستحيلُ أيضًا: أنه يصحِّحُ العمَلَ بالبِدْعة، وأنَّ مَن جاء ببِدْعةٍ أنَّ عمَلَهُ صحيحٌ، لكنه ناقصٌ. فسياقُ قولِهِ يقتضي أنَّه أراد كمالَ الثلاثةِ جميعًا، ونقصانَهَا جميعًا؛ وهذا يوافِقُ ما سبَقَ مِن قولِ الأئمَّةِ: أنَّه لا إيمانَ إلا بعمَل، ولا عمَلَ إلا بإيمان. والباطنُ والظاهِرُ كلُّه مؤثِّرٌ في إيمان الإنسانِ ولو كان دقيقًا،

стр. 228

وأعمالُ القلوبِ -كالخَوْفِ والرجاءِ والمحبَّةِ، والتوكُّلِ والاستعانةِ والاستغاثةِ- يؤاخَذُ العبدُ عليها إذا وضَعَها في غيرِ مَوضِعِها، فللمخلوقِ قَدْرٌ يناسِبُ ما أعطاه اللهُ، والزيادةُ على ذلك أخذٌ مِن حَقِّ اللهِ، وجَعْلُهُ في المخلوقِ؛ كالخوفِ؛ حينما يُوضَعُ في الوَهْمِ، خطأٌ، وقد يأثَمُ صاحِبُه؛ يقولُ النبيُّ ﷺ في الحَيَّاتِ: (مَنْ تَرَكَ مِنْهُنَّ شَيْئًا خِيفَتَهُنَّ، فَلَيْسَ مِنَّا) (١). * التكفيرُ بالذنوبِ، وأحوالُ الطوائفِ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّهُ لا يَكْفُرُ أَحَدٌ بِذَنْبٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ": أهلُ القِبْلةِ: مَن توجَّهَ مع المسلِمِينَ إلى قِبْلَتِهم وهي الكَعْبةُ؛ سُمُّوا بذلك للمفارَقةِ بينهم وبين أربابِ المِلَلِ الأخرى الذين لا يتوجَّهون إليها؛ لأنَّ كُفْرَهم أصليٌّ ثابت؛ فلم يثبُتْ حتى يقالَ برفعِهِ؛ فإنه لا يرتفِعُ الإيمانُ مِن العبدِ إلا بالكُفْرِ والشِّرْك، مهما وقَعَ في الذنوبِ والمعاصي ولو كانتْ كبائِرَ أو موبِقاتٍ. وقد وقَعَ جماعةٌ مِن الناسِ في زمَنِ النبيِّ ﷺ في ذنوبٍ؛ كالقَتْلِ والسَّرِقةِ والزِّنَى، والكذبِ والغِيبَةِ والنميمةِ، ولم يُخرِجْ هو ولا خلفاؤُهُ واحدًا منهم عن الإسلام، ولا عاملوه معامَلةَ الكافِر؛ بل كان يَنْهَى عن لَعْنِ شارِبِ الخَمْرِ مَرَّاتٍ، ويَعتذِرُ له بأنه يُحِبُّ اللهَ ورسولَه (٢). فلا يُحبِطُ الإيمانَ والعمَلَ إلا الكفرُ والشركُ، لا الذنبُ وإنْ كان كبيرًا؛ فإنَّ الذنوبَ قد تؤثِّرُ على بعضِ حَسَناتِ العبدِ إذا شاء اللهُ ذلك،

стр. 229

ولكنْ لا تُحبِطُها جميعَها؛ قال سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]. ولا يَختلِفُ الصحابةُ والتابِعُونَ وأئمَّةُ الإسلامِ في ذلك: قال مالكٌ: "أهلُ الذنوبِ مؤمِنُونَ مذنِبُونَ" (١). وقال زُهَيْرُ بن عَبَّادٍ: "كلُّ مَن أدرَكْتُ مِن المشايِخِ -مالكُ بن أنس، وسُفْيانُ بن عُيَيْنةَ، وعيسى بن يُونُسَ، وفُضَيْلُ بنُ عِيَاضٍ، وعبدُ اللهِ بنُ المبارَك، ووَكِيعُ بنُ الجَرَّاح، وغيرُهم- لا يكفِّرون أحدًا بذَنْب، ولا يَشهَدُونَ لأحدٍ أنه في الجَنَّة" (٢). وقد خالَفَ في هذا البابِ بعضُ الطوائفِ: - كالخوارجِ والمعتزِلةِ: فسلَبُوا الإيمانَ عن مرتكِبِ الكبيرة. - وكالمُرجِئةِ: فلم يَجعَلُوا الذنبَ مؤثِّرًا على الإيمان. وكلُّ هذه الطوائفِ التزَمَتْ بالأصلِ الذي اتفَقُوا عليه: أنَّ الإيمانَ شيءٌ واحدٌ لا يتجزَّأُ: إنْ زال بعضُهُ، زال كلُّه؛ ففرَّطَتْ طائفة، وأفرَطَتْ أُخرى. والخوارجُ والمعتزِلةُ: محجوجون بما تواتَرَ في النصوصِ مِن إيمانِ مرتكِبِ الكبيرة، ومِن هذا البابِ: أنزَلَ اللهُ أحكامَ الحدودِ على السارقِ والزاني، والقاتِلِ وشارِبِ الخَمْر، ولو كانتْ كفرًا، لكان حدُّها واحدًا؛ وهو الردَّةُ؛ لأنه لا فرقَ عند الخوارجِ في حقيقةِ سلبِ الإيمانِ بين مرتكِبِ الكبيرةِ عندَهم، وفاعلِ الكفرِ الذي يَتَّفِقُونَ فيه مع غيرِهم مِن أهلِ السُّنَّة.

стр. 230

والمُرجِئةُ: محجوجون بما تواتَرَ مِن أدلَّةِ زيادةِ الإيمانِ بالطاعاتِ، ونقصانِهِ بالمعاصي، وما يَتبَعُ ذلك مِن لوازمِ تفاوُتِ مراتبِ المؤمِنِينَ في الجَنَّة، وتعذيبِ بعضِ عصاةِ المؤمِنِينَ في النار، ثُمَّ إخراجِهم منها برحمةِ الله. * أرواحُ المَوْتَى وأحوالُها: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ الشُّهَدَاءَ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونْ، وَأَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ بَاقِيَةٌ نَاعِمَةٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونْ، وَأَرْوَاحُ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ مُعَذَّبَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينْ): الأرواحُ كائِنةٌ قائِمةٌ بذاتِها، تُنعَّمُ وتُعذَّبُ، وتَشقَى وتَسعَدُ بنَفْسِها، ولا يَلزَمُ أنْ يكونَ معها البدَنُ في ذلك؛ لأنَّها مغايِرةٌ له، فليستْ عضوًا منه كاليَدِ والوجهِ، وهي مخلوقةٌ بلا خلافٍ؛ فاللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ، وهي مِن أمرِ اللهِ يَعلَمُ حقيقتَها وكُنْهَها؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. وللأرواحِ مستقَرٌّ غيرُ الأبدانِ بعد مَوْتِها، ويُعِيدُها اللهُ إلى الأبدانِ في حياةِ البَرْزَخِ عند سؤالِ الفَتَّانِ؛ كما يُعِيدُ اللهُ رُوحَ النبيِّ ﷺ إليه في قَبْرِه؛ قال ﷺ : (مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي؛ حَتَّى أَرُدَّ ﵇ (١)، وقد كانت قبلَ ذلك في الرَّفِيقِ الأعلى؛ كما قال ﷺ لما حضَرَتْهُ الوفاةُ: (اللَّهُمَّ، الرَّفِيقَ الأَعْلَى) (٢).

стр. 231

وقد جاءتِ الأدلَّةُ في مستقَرِّ الأرواح، بعد موتِ الأبدان: * أمَّا أرواحُ الشهداءِ: فكما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وقد روى ابنُ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ قولَهُ: (أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ القَنَادِيلِ) (١). * وأمَّا أرواحُ المؤمِنِينَ عامَّةً: فإنها تكونُ طيورًا تُعلَّقُ في شجَرِ الجنَّة؛ كما قال النبيُّ ﷺ : (إِنَّمَا نَسَمَةُ المُسْلِمِ طَيْرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَهَا اللهُ إِلَى جَسَدِهِ اِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) (٢)، وإنْ كانت أرواحُ المؤمنينَ في الجَنَّةِ، فإنَّ اللهَ يُعِيدُها إلى أبدانِها متى شاء. وكونُ أرواحِ المؤمنين في الجَنَّةِ: يَشهَدُ به ظاهرُ الحديثِ؛ وبه قال الشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهما (٣). ومنهم مَن قال: إنَّ أرواحَهُمْ بأَفْنِيَةِ القبورِ؛ باعتبارِ أنه يقالُ له: "هذا مَقْعَدُكَ"، وأنه يُسلَّمُ على أهلِ القبورِ؛ وبهذا قال ابنُ عبد البَرِّ (٤). وفيه نظَر؛ فالحديثُ صريحٌ في أنها في الجنَّة، والمَقعَدُ إنما هو للبَدَن، واللهُ يُعِيدُ الرُّوحَ متى شاء؛ فيُنزِلها مِن الجنَّة، ثم يَرفَعُها. ورُوِيَ عن مالكٍ أنه قال: "بلَغَنِي أنَّ الأرواحَ مُرسَلةٌ تَذهَبُ حيثُ شاءَتْ" (٥).

стр. 232

وهذا باعتبارِ ما ورَدَ مِن نصوصٍ تُفِيدُ حضورَها في أماكنَ؛ منها: عندَ سؤالِ الملكَيْنِ (١)، وعن يمينِ آدَمَ في السماءِ (٢)، وفي الجَنَّة، ولكنْ مع صحةِ الحديثِ يُقالُ: إنَّ أصلَها في الجَنَّة، واللهُ يأذنُ لها بالخروجِ متى شاء. * وأمَّا أرواحُ الكافِرِينَ: ففي الهَاوِيةِ؛ كما في الحديثِ: (أَنَّ المَلَائِكَةَ تَقْبِضُ رُوحَ العَبْدِ المُؤْمِنِ، وَتَرْقَى بِهِ إِلَى السَّمَاء، فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ! فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدَمُ عَلَيْه، فَيَسْألُونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ ! مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ ! فيَقُولُونَ: دَعُوهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ، أَمَا أَتَاكُمْ؟ قَالُوا: ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الهَاوِيَةِ) (٣). وفيه: أنَّ المكانَ في باطنِ الأرضِ؛ حيثُ قال: (تَخرُجُ مِنْهُ كَأَنْتَنِ رِيحٍ، حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ بَابَ الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَدِهِ الرِّيحَ! حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الكُفَّارِ) (٤). وقد جاء عن بعضِ السلف أنَّ أرواحَ الكافرينَ في بئرِ بَرَهُوت وهو بحَضْرَمَوْت، كما رَوَى عبدُ الرزَّاق بسندٍ جيَّدٍ عن عليِّ بنِ أبي طالب أنه قال: "شرُّ واديينِ في الناس: وادي الأحقاف، ووادٍ بحضرموت يقالُ له: بَرَهُوت" (٥).

стр. 233

وبنحوِه رُوِي عن عبد الله بنِ عمرٍو (١) ومُقاتِلِ بنِ سليمان (٢)، وليس فيه شيءٌ مرفوع. وقد جزَمَ ابنُ أبي زيدٍ في "الجامع": "أَنَّ أَرْوَاحَ الكُفَّارِ بَاقِيَةٌ فِي سِجِّينٍ" (٣). وقد صَحَّ الدليلُ: أنَّ العذابَ والنعيمَ في حياةِ البرزخِ، يكونُ للرُّوحِ والبدَنِ جميعًا، واللهُ أعلَمُ بأجَلِ كلِّ عذابٍ ونعيمٍ، ومقدارِهِ ونوعِه، وقد قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وعن ابنِ عُمَرَ رضي الله تعالى عنهما؛ قال: "وَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ على قَلِيبِ بَدْرٍ، فَقَالَ: (هَلْ وَجَدتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟! ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُمُ الآنَ يَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ) " (٤). وروى أحمَدُ مِن حديثِ عائشةَ مرفوعًا: (فَإذَا كَانَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزِعٍ، وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ، أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا) (٥). * القَبْرُ وفِتْنَتُهُ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ المُؤمِنِينَ يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَيُسْأَلُونَ؛ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]):

стр. 234

يجبُ الإيمانُ بـ "حياةِ البَرْزَخ"، وهي: ما بين الدنيا وقيامِ الساعة؛ فالناسُ يَمُرُّونَ في ثلاثٍ: الحياةِ الدنيا، وحياةِ البَرْزَخ، والحياةِ الآخِرة. وإنَّما سُمَّيَتْ حياةَ البَرْزَخِ؛ لكونِها بَرْزَخًا حاجِزًا بين الدنيا والآخرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]. وتَبدَأُ حياوةُ البَرْزَخِ مِن خروجِ الرُّوحِ ومفارَقةِ الدنيا بالمَوْت. وقد تواتَرَتِ النصوصُ في حياةِ البَرْزَخِ وفتنةِ القبرِ وعذابِه، وقد جاء مِن حديثِ عُمَرَ، والبَرَاء، وأبي هريرةَ، وأنسِ بنِ مالكٍ، وأبي قتادةَ، وغيرِهم (١). أمَّا فتنةُ القبرِ: فالمرادُ بها: ما يَتعرَّضُ له الميِّتُ مِن امتحانٍ وابتلاءٍ وسؤال، وما يَلحَقُهُ مِن كربٍ وشِدَّة، وفَزَعٍ وهَلَع، وقد قال ﷺ : (إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا) (٢)، وقال: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ أَو قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) (٣). وتعادُ رُوحُ الميِّتِ إليه؛ كما جاء في حديثِ البَرَاءِ (٤)، فيَحْيَا حياةً كحياتِهِ في الدنيا بيَقَظةٍ وانتباهٍ، وليست مَنَامًا وخيالًا؛ قال عمر: "أَيُرَدُّ إِلَيْنَا عُقُولُنَا؟ قال النبيُّ ﷺ : (نَعَمْ؛ كَهَيْئَتِكُمُ اليَوْمَ) " (٥). ورُوِيَ في "التِّرْمِذي": أنَّ اسمَ الفَتَّانَيْنِ مُنْكَرٌ ونَكِيرٌ، وأنَّهما أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ (٦)، والفِتْنةُ بالسؤالِ عن ثلاثٍ؛ كما جاء في حديثِ

стр. 235

البَرَاءِ؛ قال ﷺ : (فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ شَدِيدًا الانْتِهَار، فَيَنْتَهِرَانِهِ وَيُجْلِسَانِه، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ مَا دِينُكَ؟ مَنْ نَبِيُّكَ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى المُؤْمِنِ؛ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللهُ : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينِيَ الإِسْلَامُ، وَنَبِيِّيَ مُحَمَّدٌ ﷺ ؛ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي) (١). وأمَّا عذابُ القَبْرِ: فهو حقٌّ كذلك؛ ثبَتَ فيه الدليلُ مِن وجوهٍ كثيرةٍ، وقد أخبَرَ به الأنبياءُ مِن قبلُ، وثبَتَ به النصُّ في الكتابِ والسُّنَّة؛ قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]، وفي "الصحيحَيْن" أيضًا: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ في دعائِهِ في الصلاةِ: (اللَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ) (٢). وعذابُ القبرِ: يَلحَقُ الكافِرِينَ ومَن شاء اللهُ مِن المسلِمِينَ المقصِّرينَ، وقد مَرَّ النبيُّ ﷺ بقَبْرَيْنِ؛ فقال: (إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَان، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ) (٣)، وهذان مُسلِمانِ؛ فلو كانا كافِرَيْن، لكان عذابُهما على الكفرِ أَوْلى مِن عَذَابِهما على البَوْلِ والنَّمِيمة، ولم يَتَّخِذِ النبيُّ ﷺ سَبَبًا للتخفيفِ عنهما. وقد ذكَرَ ابنُ أبي زَيْدٍ في "جامِعِهِ": "أَنَّ النَّاسَ يُضْغَطُونَ ويُبْلَوْنَ، ويُثَبِّتُ اللهُ مَنْطِقَ مَنْ أَحَبَّ تَثْبِيتَهُ" (٤).

стр. 236

وضَمَّةُ القبرِ قد جاء فيها عِدَّةُ أحاديثَ مِن وجوهٍ متعدِّدةٍ، وفيها جملةٌ مِن الآثارِ عن الصحابةِ والتابعين؛ فقد جاء في "المسنَد" مِن حديثِ عائشةَ: (إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً، لَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا، لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) (١)؛ وله طرقٌ متعدِّدة مِن حديث ابنِ عُمَرَ (٢)، وابنِ عبَّاسٍ (٣)، وغيرِهما (٤). وقد أنكَرَ بعضُ طوائفِ الضلالِ والمادِّيُّونَ عذابَ القبر؛ باعتبارِ رُؤْيَتِهم للميِّتِ وليس عليه عذابٌ يُرَى، واللهُ قادرٌ على أنْ يحجُبَ عنهم ما يشاءُ؛ كما حجَبَ عنهم الرُّوحَ التي بها حياتُهم ولا يَرَوْنَها، وكما يَرَى الجِنُّ الإنسانَ ولا يَرَاهُمْ. * كتابةُ الأعمالِ على المكلَّفين * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأنَّ عَلَى العِبَادِ حَفَظَةً يَكْتُبُونَ أَعْمَالَهُمْ، وَلَا يَسْقُطُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عِلْمِ رَبِّهِمْ): يجبُ الإيمانُ بالملائكةِ؛ فالإيمانُ بهم رُكْنٌ مِن أركانِ الإيمانِ، وأنَّهم عبادٌ للهِ مقرَّبون، وفي حديثِ جبريلَ لمَّا سأل النبيَّ ﷺ عن الإيمان؟ قال: (الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِر، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) (٥). وقد قرَنَ اللهُ الإيمانَ بالملائكةِ بالإيمانِ به سبحانه؛ فقال: ﴿كُلِّ

стр. 237

آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. والملائكةُ كثيرٌ لا يُحصِيهم عَدًّا إلا اللهُ؛ ولكنْ قد يأتي في الوحيِ بيانٌ لعَدَدِ بعضِهم في عمَلٍ معيَّنٍ، أو موضِعٍ معيَّنٍ، أو زمانٍ معيَّن: منهم: الواحدُ؛ كالموكَّلِ بالوحيِ، وخازنِ الجنَّةِ، وخازنِ النارِ، وملَكِ الجِبَالِ، وقابضِ الأرواحِ، ونافِخِ الصُّور، ونافِخِ الرُّوح. ومنهم: اثنانِ؛ كالمُوكَّلَيْنِ بالكتابةِ: رَقِيبٍ وعَتِيد. ومنهم: ثمانيةٌ؛ كحمَلَةِ العَرْش. ومنهم: تِسْعةَ عشَرَ؛ وهم خَزَنةُ النار، ومقدَّمُهُمْ مَالِكٌ. ومنهم: سَبْعُونَ أَلْفًا؛ وهم الذين يطوفونَ بالبيتِ المعمورِ؛ كما في الحديثِ قال ﷺ : (. . . فَرُفِعَ لِيَ البَيْتُ المعْمُورُ، فَسَألْتُ جِبْرِيلَ؟ فَقَالَ: هَذَا البَيْتُ المعْمُورُ؛ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ؛ إذَا خَرَجُوا، لَمْ يَعُودُوا إلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيهِمْ)؛ متفَقٌ عليه (١). ومِن الملائكةِ: الحفَظَةُ الذين يُحصُونَ على العبادِ أفعالَهم، ويكتُبُونَها؛ لإقامةِ الحُجَّةِ عليهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]، وقال: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧ - ١٨]. واللهُ يَعلَمُ أفعالَ العبادِ وأقوالَهم ونِيَّاتِهم، ولا يَحتاجُ اللهُ إلى أحدٍ يُحصِي ذلك له لِيَعْلَمَ ويُحاسِبَ، ولكنَّ اللهَ أرادَ إقامةَ الحُجَّةِ على عبادِهِ وقطعَ أعذارِهم بإحصاءٍ محسوسٍ.

стр. 238

وأمَّا علمُ اللهِ وإحاطتُهُ، فلا يَحتاجُ إلى كَتَبَةٍ وحَفَظةٍ؛ فكلُّ ذلك يسيرٌ عليه؛ فقد فرَّق اللهُ بين عِلْمِهِ وبين الكتاب، وأنَّ علمَ كلِّ شيءٍ عليه يسيرٌ بكتابٍ وقبلَ الكتابِ؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: ١١]. وكلُّ الملائكةِ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، ليس لهم مِن خصائصِ الربوبيَّةِ والألوهيَّةِ شيءٌ، خلَقَهُمُ اللهُ مِن نُور؛ قال الله عن عبادتهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠]، وقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]. * الأرواحُ وقَبْضُها: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ مَلَكَ المَوْتِ يَقْبِضُ الأَرْوَاحَ (فِي الجَامِعِ: كُلَّهَا) (١) بِإِذْنِ رَبِّهِ): خَلَق اللهُ الأرواحَ كما خَلَق الأجساد، وخَلْقُه للأرواح سابقٌ لخلقِه للأجساد، وقد حكى الإجماعَ على ذلك إسحاقُ وغيرُه (٢). وقد وكَّل اللهُ بالأرواحِ مَلَكًا يَبدَأُ مع الإنسانِ في تكوينِهِ في بطنِ أمِّه، ويستأذِنُ ربَّه في كلِّ عمَلٍ يعملُهُ؛ كما في "الصحيحَيْنِ" عن أنسِ بنِ

стр. 239

مالكٍ -ورفَعَ الحديثَ- أنه قال: (إِنَّ اللهَ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ؛ أَيْ رَبِّ، عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ، مُضْغَةٌ؛ فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَال: قَالَ المَلَكُ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَو أُنْثى؟ شَقِيٌّ أَو سَعِيدٌ؟ فَمَا الرَّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ) (١). ثُمَّ يُنفَخُ فيه الرُّوحُ؛ كما جاء في حديثِ ابنِ مسعودٍ في "الصحيحَيْن" (٢). والملَكُ الموكَّلُ بالرُّوحِ عند نَفْخِها، غيرُ المَلَكِ الموكَّلِ بالرُّوحِ عند قَبْضِها. ثُمَّ إنَّ المَلَكَ الموكَّلَ مِن اللهِ بالتخليقِ وبنَفْخِ الرُّوحِ واحدٌ، ليس معه أحَدٌ؛ في ظاهِرِ النصوصِ. وأمَّا ملَكُ قبضِ الرُّوحِ، فواحدٌ مقدَّمٌ، ومعَهُ غيرُه: أمَّا كونُهُ واحدًا مقدَّمًا، ففي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١]. وأمَّا كونُهُ معَهُ غيرُهُ، ففي قولِهِ تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٧]، وقولِهِ تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١]. وملَكُ الموتِ المقدَّمُ يَقبِضُ، والبقيَّةُ يُعِينُونَ في قبضِ الروح، وتجهيزِها، ورفعِها؛ كما في حديثِ البَرَاءِ في "المسنَد"؛ قال ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ،

стр. 240

نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ؛ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَر، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ ... )؛ الحديثَ (١). قال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: "لِمَلَكِ الموتِ أعوانٌ مِن الملائكة، يَتَوَفَّوْنَ عن أمرِهِ" (٢). ويكونُ قبضُ الأرواحِ بعلمِ اللهِ وحدَهُ، لا يَستقدِمونَ ساعةً ولا يَستأخِرُون. * فضلُ خيرِ القُرُون: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَنَّ خَيْرَ القُرُونِ: القَرْنُ الَّذِينَ رَأَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَآمَنُوا بِه، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ): أفضَلُ الأزمِنةِ الذي فيه بُعِثَ النبيُّ ﷺ ، وأصحابُهُ خيرٌ مِن أصحابِ غيرِه؛ لأنَّه أفضَلُ مِن غيرِه، وقد تعدَّى فضلُ النبيَّ ﷺ إلى ما اتصَلَ به مِن الزمانِ؛ فكان أفضَلُ القرونِ بعد قَرْنِهِ الذي يليهم، ثُمَّ الذي يليهم؛ فالتابِعونَ لأصحاب النبيِّ ﷺ أفضَلُ مِن التابِعِينَ لأصحابِ غيرِهِ مِن الأنبياء، وهكذا فيَ أتباعِ الأتباع؛ قال ﷺ : (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (٣).

стр. 241

* معنى القَرْن: والمرادُ بالقَرْنِ: الطَّبَقةُ، وأوَّلُهم: الصحابةُ، ثُمَّ التابِعُونَ، ثُمَّ أتباعُ التابِعِين، وليس المرادُ بذلك: القرنَ الذي هو مِئَةُ سَنَةٍ، والذي يؤرِّخُ عليه المؤرِّخون. والقرنُ المفضَّلُ: أوَّلُهُ أفضَلُ مِن آخِرِه؛ لأنَّ فضلَهُ بفضلِ أهلِه، وفضلُ أهلِهِ بسبقِهِمْ وقُرْبِهم مِن النبيِّ ﷺ . ويَذهَبُ فضلُ ذلك القرنِ بذَهَابِ جمهورِ أهلِه. وقد انصرَمَتْ عامَّةُ القرونِ المفضَّلةِ بأتباعِ التابعين؛ وذلك قبل تمامِ المئةِ الثانية، وليس في المئةِ الثالثةِ منهم كبيرُ أحدٍ، مع فضلِ كثيرٍ مِن أهلِها في العلمِ والعَمَل. والفضلُ المتعلِّقُ بالقرنِ إنما هو لجمهورِهِمْ، وجمهورُ الصحابةِ كان في زمَنِ الخلفاءِ الراشِدِينَ الأربعة، ومَن بَقِيَ مِن الصحابة، فلا يُنتزَعُ فضلُهُ؛ ففضلُهُ معه ولو تأخَّر بقاؤُه. وهكذا في التابِعِينَ، وذهَبَ جمهورُهم قبلَ تمامِ المئة. ومِثْلُهم أتباعُ التابِعِينَ؛ فذَهَابُ جمهورِهم قُبَيْلَ منتصَفِ المئةِ الثانية، ومَن تأخَّر منهم، ففضلُهُ باقٍ معه؛ إلا أنَّ فضلَ زمانِهِ ضَعُفَ وقَلّ. والقرنُ يُطلَقُ على الحِقْبةِ مِن الزمنِ التي يعيشُ فيها الجِيلُ مِن ولادتِهِ إلى وفاتِه، ويُطلَقُ كذلك على المئةِ عامٍ؛ ومِن ذلك: ما يُروَى عند الحاكمِ مرفوعًا: (يَعِيشُ هَذَا الغُلَامُ قَرْنًا؛ فَعَاشَ مِئَةَ سَنَةٍ) (١)؛ يعني: عبدَ اللهِ بنَ بُسْرٍ.

стр. 242

* فضلُ الصحابةِ، وتفاضُلُهُمْ: ولا خلافَ في فضلِ الصحابةِ عامَّةً، وأنَّهم خيرُ الناسِ بعد الأنبياء، وخيرُ الأمَّةِ بعد نبيِّها ﷺ ، وفضلُهُمْ مِن فضلِ النبيِّ ﷺ ، والنبيُّ ﷺ أفضَلُ الأنبياء، وقد ذكَرَ اللهُ فضلَهُمْ في التوراةِ والإنجيلِ والقرآن؛ قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. ومَن رأى النبيَّ ﷺ ولو ساعةً مؤمِنًا به، فهو صَحَابيٌّ، وهوأفضَلُ ممَّن جاء ولم يَرَ النبيَّ ﷺ ؛ كما قال ابنُ أبي زيدٍ في "جامعِهِ "؛ قال: "وَكُلُّ مَنْ صَحِبَهُ وَلَوْ سَاعَةً، أَو رَآهُ وَلَوْ مَرَّةً، فَهُوَ بِذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ أَفْضَلِ التَّابِعِينَ" (١). وأفضَلُ الصحابةِ: مَن جمَعَ مع الإيمانِ به نُصْرَتَهُ، وأكثَرُهُمْ جمعًا لهذَيْنِ وأقدَمُهم فيهما، فهوأفضَلُهم؛ ولهذا فضَّل اللهُ المهاجِرِينَ على الأنصار، وفضَّل اللهُ السابِقِينَ على اللاحِقِين، وفضَّل مَن أسلَمَ قبلَ الفتحِ على مَن أسلَمَ بعدَهُ. وفي هذا قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]؛ فلم يذكُرِ اللهُ سبقَ الإيمانِ فقطْ، وإنَّما ذكَرَ معه ما يدُلُّ

стр. 243

على النصرةِ؛ فقال: "أَنْفَقَ وَقَاتَلَ"، وكلما كان إسلامُ الصحابيِّ في زمَنٍ أشَدَّ مِن غيرِه، كان أفضَلَ منه، ولما كانت حالُ المهاجِرِينَ أشَدَّ مِن الأنصار، فُضِّلُوا عليهم، ولم يكنْ في المهاجِرِينَ نفاقٌ؛ كما قاله أحمَدُ فيما نقَلَهُ عنه المَرُّوذِيّ (١). وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. ومِن هذا: كان فضلُ مَن شَهِدَ بَدْرًا على مَن شَهِدَ أُحُدًا فقطْ، ومَن بايَعَ تحتَ الشجرةِ على مَن لم يُبايِعْ؛ لتحقُّقِ النصرةِ في هذه المواقِفِ مع الإيمان؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. * الوقوعُ في الصَّحَابةِ: حُبُّ الصحابةِ وتوقيرُهم: مِن أعظَمِ القُرُباتِ؛ لأنَّه مِن تعظيمِ النبيِّ ﷺ تعظيمُ أصحابِه، ومِن إجلالِ اللهِ إجلالُ أصحابِ نبيِّه: فعن عبد اللهِ بنِ مغفَّلٍ المُزَنيِّ؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي! اللهَ اللهَ فِي أَصْحَابِي! لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي؛ فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبِّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ ﵎، وَمَنْ آذَى اللهَ فَيُوشِكُ أنْ يَأْخُذَهُ) (٢). وقال أحمدُ بن حنبل: "فحُبُّهُمْ سُنَّة، والدُّعَاءُ لهم قُرْبَة، والاقتداءُ

стр. 244

بهم وسيلة، والأخذُ بآثارِهِمْ فضيلة" (١). ولا يقَعُ فيهم إلَّا مبتلًى في دِينِه. ومَن طعَنَ في الصحابةِ أو في واحدٍ منهم، فلا يخلو مِن الوقوعِ في البِدْعَتَيْنِ: امَّا الكبرى المكفِّرة، وإمَّا الصغرى المضلِّلةِ: أمَّا البِدْعةُ الكبرى المكفِّرةُ: فكمَن تنقَّصَهم، أو سبَّهم في شيءٍ ثبَتَ بالتواتُرِ خلافُه؛ وهذا كمَن سَبَّ جميعَ الصحابةِ أو عامَّتَهم؛ فهذا أراد صُحْبَتَهم، ولم يُرِدْ أعيانَهم، ولو زعَمَ خلافَ ذلك، وفضلُهُمْ جميعِهم أو عامَّتِهِمْ متواتِرٌ لا خلافَ فيه. ومثلُ ذلك: مَن طعَنَ في عِرْضِ عائشةَ، واللهُ قد برَّأها في القرآن، ونحوُ ذلك، أو طعَنَ في المهاجِرِينَ أو الأنصار، أو مَن بايَعَ تحت الشَّجَرةِ، أو طعَنَ في عمومِ أهلِ بَدْرٍ وأُحُدٍ؛ فأولئك تواتَرَ فضلُهُمْ وثبَت؛ فالطعنُ في جميعِهِمْ أو عامَّتِهم كُفْرٌ. ومثلُهُ: الطعنُ في واحدٍ تواتَرَ فضلُهُ كأبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعائشةَ؛ قال مالك: "مَنْ سَبَّ عائشةَ، قُتِلَ، قيل له: لِمَ؟ قال: مَنْ رَمَاهَا، فقد خَالَفَ القرآنَ" (٢). وقد جاء عن أحمدَ: أنَّه سُئِلَ عمَّن يشتُمُ أبا بكرٍ وعُمَرَ وعائشةَ؛ ﵃ أجمعين؟ فقال: "ما أُرَاهُ على الإسلامِ" (٣). وقد جَعَل اللهُ مَن حَمَل غيظًا في قلبِه على الصحابةِ كافرًا، كما في قولِه تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّار﴾ [الفتح: ٢٩]؛ وبهذا استدَلَّ مالكٌ (٤)

стр. 245

وأبو معمرٍ الكرخي (١) وغيرُهما. وأمَّا البِدْعة الصغرى المضلِّلةُ: فكمَنْ وقَعَ في شيءٍ فيهم لم يثبُتْ بالتواتُرِ خلافُه، وإنْ صحَّ فيه الخبَر. فهذا مبتاِعٌ؛ لعدوانِهِ على جَنَابِ الصحابةِ ولو كان واحدًا. وخرَجَ مِن بِدْعةِ الكفرِ؛ لكونِهِ لم يُنكِرْ متواتِرًا معلومًا مِن الدِّينِ ضرورةً؛ كمَن يسُبُّ مَن صحَّ فضلُهُ ولم يتواتَرْ، أو ذَمَّ خَصْلةً فيه لم يثبُتْ بالتواتُرِ خلافُها؛ كالبُخْلِ والكذبِ والجُبْن، وإنما بُدِّعَ لعدوانِهِ على أصحابِ النبيِّ ﷺ ، ومخالفتِهِ لوصيَّتِهِ فيهم؛ كما قال ﷺ في "الصحيحَيْن": (لَا تَسُبُّوا أصْحَابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (٢)، وروى أحمدُ والترمذيُّ عنه ﷺ ؛ قال: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (٣). وقد قال الإمامُ أحمد: "إذا رأيتَ رجلًا يذكُرُ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ بسُوءٍ، فاتَّهِمْهُ على الإسلامِ" (٤). * التفاضُلُ بين الصحابةِ: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَفْضَلُ الصَّحَابَةِ: الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونْ: أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيُّ؛ ﵃ أَجْمَعِينْ): كان الصَّدْرُ الأوَّلُ يُجِلُّونَ الصحابةَ، ويعظِّمونَ قَدْرَهُمْ على سبيلِ

стр. 246

الإجمالِ والتفصيل، ولم يكونوا يُوغِلُونَ في التفضيلِ بينهم؛ لعدَمِ قيامِ المُوجِبِ لذلك، ولأنَّهم على الفِطْرةِ الصحيحةِ، ولم تَظهَرِ البدعُ في الوقيعةِ في الصحابةِ والطعنِ فيهم؛ فكانوا يَعرِفُونَ مقاديرَهُمْ وفضلَهُمْ ويَحكُونَه، ويَعرِفُونَ تفاضُلَهُمْ في صدورِهم، وإنْ أمسَكُوا عن التعبيرِ عن ذلك: كما قال مالكٌ: "إنَّ التفاضُلَ بين الصحابةِ ليس مِن أمرِ الناسِ الذين مضَوْا، وإنما كان مِن هَدْيِهِمُ الإمساكُ عن مِثْلِ هذا" (١). وقولُ مالك هذا مِن جنسِ قولِ النبيِّ ﷺ : (لَا تَخَيَّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) (٢)، وقولِهِ ﷺ : (لَا تَخَيَّرُونِي عَلَى مُوسَى) (٣)، وفي حديثٍ ثانٍ، قال- ﷺ : (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) (٤)؛ لأنَّ مِن التفضيلِ ما يَتوهَّمُ به السامعُ نقصَ المفضولِ وعَيْبًا فيه. وقد كان مالكٌ نفسُهُ يفضِّلُ أبا بكرٍ وعُمَرَ على غيرِهما (٥). وتفاضُلُ الصحابةِ في بعضِ الخِصَالِ، لا يعني الفَضْلَ المطلَقَ؛ فقد يفضُلُ واحدٌ الصحابةَ في خَصْلةٍ -كالشجاعةِ والكَرَمِ والحِلْمِ- وغيرُهُ أفضَلُ منه؛ ومِن هذا قولُ ابنِ عُمَرَ: "ما رأيتُ أسوَدَ مِن معاوِيةَ! "، فقيل لابنِ عُمَرَ: هو كان أسوَدَ مِن أبي بَكْرٍ؟ قال ابنُ عُمَرَ: "أبو بكرٍ واللهِ أخيَرُ منه، وهو واللهِ أسوَدُ مِن أبي بَكْرٍ! " (٦)، وقال ابنُ عُمَرَ -أيضًا-:

стр. 247

"إنَّه أسوَدُ مِن عُمَرَ وعُثْمانَ" (١)، و"أسوَدُ"؛ بمعنى: أَسْخَى (٢)، وفي هذا يقولُ أحمدُ: "أَعْطَى معاوِيةُ أهلَ المدينةِ عَطَايَا ما أَعْطَاها خَلِيفةٌ كان قَبْلَه" (٣). * التوسُّع في التفضيل بين الصحابة: وقد بدَأَ التوسُّعُ في أبوابِ التفضيلِ بين الصحابةِ، والنزاعُ فيه: في العَجَم، وكان مَدْخَلًا لتنقُّصِ المفضول؛ فبدَؤُوا بالتفضيلِ، ثم تدرَّجوا والتمَسُوا أسبابَ الكمالِ في الفاضلِ، ثم تدرَّجوا والتمَسُوا أسبابَ النقصِ في المفضول، ثم استَدْرَجَهم الشيطانُ للدخولِ في أبوابِ النقائصِ وثَلْبِ الصحابةِ وعَيْبِهم. وقد قال عبدُ اللهِ بن أبي حَسَّانَ -تلميذُ مالكٍ- لمَّا سُئِلَ عن التفاضُلِ بينَ خيارِ الصحابةِ؟ فرفَعَ يدَهُ، وضرَبَ السائلَ، وقال: "ليس هذا دِينَ قُرَيْشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أهلِ قُمّ" (٤)؛ وهو يُدرِكُ تفاضُلَ الصحابةِ على الحقيقةِ، ولكنَّه يَعلَمُ ما يُرادُ مِن فتحِ هذا البابِ، ولمَّا فُتِحَ في المشرِق، وانتَهَى بأصحابِهِ إلى ما انتَهَى إليه، كان المغارِبةُ أوَّلَ الأمرِ يُغلِقُونَ فتحَ هذا الباب؛ حتى لا يَنتهِيَ في المغربِ إلى ما انتَهَى إليه في المشرق؛ وهذا مِن كمالِ العِلْمِ والحِكْمة. ومِن هذا الباب: إمساكُ مالكٍ وغيرِهِ في إحدى الروايتَيْنِ عن التفضيلِ بين عُثْمانَ وعليٍّ، وقولُهُ: "مَا أَدْرَكْتُ أحدًا أَقتدِي به يفضِّلُ أحدَهما على صاحبِهِ" (٥). ولا يَختلِفُ المسلِمُونَ في فضلِ الصحابةِ، وأنَّ فَضْلَهم فرعٌ عن

стр. 248

فضلِ النبيِّ ﷺ ، وكما يتفاضَلُ الأنبياءُ، فإنَّ الصحابةَ يتفاضَلُونَ فيما بينَهم مِن بابِ أَوْلى. وقد كان سُحْنُونٌ يلقِّنُ ابنَ القصَّارِ في مرَضِ موتِهِ: "أنَّ أفضَلَ هذه الأمَّةِ بعد نبيِّها أبو بكرٍ وعُمَرُ" (١). ولا يَختلِفُ السلَفُ في هذا، ووقَعَ في قِلَّةٍ منهم نزاعٌ في التفاضُلِ بين عثمانَ وعليٍّ (٢): فمنهم: مَن فضَّل عثمانَ على عليٍّ. ومنهم: مَن فضَّل عليًّا على عُثْمانَ. ومنهم: مَن توقَّف. ثُمَّ استقَرَّ الأمرُ على أنَّ ترتيبَهم في الفَضْلِ؛ كترتيبِهم في الخلافةِ: عُثْمانُ ثم عليّ، وقد قال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: واللهِ ما بايعتُ لعثمانَ حتى سألتُ صِبْيانَ المدينةِ؛ فقالوا: عثمانُ خيرٌ من علِيٍّ (٣). وقد وصَفَ ابنُ أبي زيدٍ هذا القولَ في "جامعِهِ"، بأنَّه قولُ أهلِ الحديثِ؛ قال: "وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الحَدِيثِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ أهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ؛ عَلَى قَدْرِ الهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالفَضِيلَةِ" (٤). * ظُهورُ الطَّعْنِ في الصحابةِ في المَغْربِ: وقد انتشَرَ الطعنُ في الصحابةِ في زمَنِ بني عُبَيْدٍ في المغرِبِ، خاصَّةً القَيْرَوانَ، وامتُحِنَ الناسُ في ذلك؛ حتى أُكرِهُوا على سبِّ

стр. 249

الصحابةِ على المَنابِر، وقُتِلَ جماعةٌ مِن العلماءِ لأجلِ ذلك، وقد قام جماعةٌ مِن أهلِ العِلْمِ في وجهِ تلك الفِتْنةِ، وعلى رأسِهِمُ ابنُ الحدَّادِ. وقد شبَّه بعضُهم مقامَهُ في فتنةِ الرفضِ في المغرِبِ، بمقامِ أحمَدَ في المشرِقِ في فتنةِ القرآن (١). وقد كان له حُجَّةٌ وبيانٌ وقوةٌ في الحقِّ، وقد سأله أبو عبد اللهِ الرافضيُّ: "أنتم تفضِّلُونَ على الخمسةِ أصحابِ الكِسَاءِ غَيْرَهم؟ -يعني بأصحابِ الكساءِ: محمَّدًا ﷺ ، وعليًّا وفاطمةَ، والحسَنَ والحُسَيْنَ ﵃، ويعني بغيرِهم: أبا بكرِ ﵁ فقال ابنُ الحدَّادِ: أيُّما أفضَلُ؟ خمسةٌ سادِسُهُمْ جبريلُ ﵇، أو اثنانِ اللهُ ثالِثُهما؟ ! فبُهِتَ الرافضيُّ" (٢). * ما شجَرَ بين الصحابة: * قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَلَّا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَّا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ (فِي "الجامع": أَنْ تُنْشَرَ مَحَاسِنُهُمْ) (٣)؛ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ المَخَارِجْ، وَيُظَنَّ بِهِمْ أَحْسَنُ المَذَاهِبْ): لا يُتحدَّثُ بما وقَعَ بين الصحابةِ مِن خِلافٍ ونِزاع، ما لم يكنْ في ذلك فِقْهٌ للخاصَّة؛ فذِكْرُ الخِلافِ والنِّزاعِ بينهم يُوغِرُ الصدورَ، ويُسقِطُ هَيْبَتَهم وجَلَالَتَهم في بعضِ النفوسِ، وكان أحمدُ يقولُ: "هذه الأحاديثُ تُورِثُ الغِلَّ في القَلْبِ" (٤). ولم يكنِ الصحابةُ يتحدَّثُونَ بخِلافِهم عند غَيْرِهم، ولا كذلك فقهاءُ

стр. 250

التابِعِينَ: كانوا لا يذكُرُونَ خلافَ الصحابة، وإنَّما تفرَّغ لأكثرِهِ أهلُ سِيَرٍ وأخْبارِيُّونَ، فنقَلُوا وزادُوا ونقَصُوا، ومِن فِقْهِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ قولُهُ: "لقد رأيتُ عَلِيًّا وعُثْمانَ يَسْتَبَّانِ سِبَابًا ما أخبَرْتُ به أحدًا بَعْدُ" (١). وقد كان أحمدُ يعتزِلُ مجلِسَ عبد الرَّزَّاقِ إذا حدَّث بأحاديثِ الخلافِ بين الصحابة، فإذا انتَهَى، رجَعَ، وربَّما وضَعَ إِصبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ طويلًا، حتى مَرَّتْ بعضُ الأحاديثِ، ثم يُخرِجُهما، ثم يَرُدُّهُما ... حتَّى مَضَتِ الأحاديثُ كلُّها (٢)؛ لا يُرِيدُ أن يَعلَقَ بقلبِهِ شيءٌ منها. وأكثرُ تلك الأحاديثِ ليس فيها أحكامٌ وعَمَلٌ، وإنَّما هي حكاياتٌ وأقوالٌ وأفعالٌ لقَرْنٍ فاضِلٍ انصرَمَ، ويُستَثْنَى مِن ذلك: ما يتضمَّنُ فِقْهًا وحلالًا وحرامًا، وكان أحمدُ يقولُ: "لا أُحِبُّ لأحدٍ أن يكتُبَ هذه الأحاديثَ التي فيها ذِكْرُ أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ لا حَلَالٌ ولا حَرَامٌ ولا سُنَنٌ" (٣). وتعرُّضُ الصحابةِ بعضِهم لبعضٍ، ليس كتعرُّضِ غيرِهم لهم؛ فهم مجتهِدُونَ، وفي منزِلةٍ وفضلٍ عالٍ، ولدَيْهِم مِن العمَلِ الصالحِ العظيمِ مِن صُحْبةِ النبيِّ ﷺ : ما يُوجِبُ تكفيرَ ذنوبِهم، وليس لدى مَن بَعْدَهم مِن الحَسَناتِ ما يَقْوَى على تكفيرِ الوَقِيعةِ في أعراضِ الصحابةِ، إلا أن يَشَاءَ اللهُ. ولمَّا كاد الوليدُ أن يقَعَ في عائشةَ، ذكَّره الزُّهْريُّ بقولِ أبي مسلِمٍ الخَوْلانيِّ لأهلِ الشامِ؛ لمَّا أرادوا الوقيعةَ في عائشةَ: "أَلَا أُخبِرُكُم بمَثَلِكُمْ ومَثَلِ هذه؟ ! كمَثَلِ عينَيْنِ في رأسٍ يُؤذِيَانِ صاحِبَهما، ولا يستطِيعُ
следующие страницы →