الإجمالِ والتفصيل، ولم يكونوا يُوغِلُونَ في التفضيلِ بينهم؛ لعدَمِ قيامِ المُوجِبِ لذلك، ولأنَّهم على الفِطْرةِ الصحيحةِ، ولم تَظهَرِ البدعُ في الوقيعةِ في الصحابةِ والطعنِ فيهم؛ فكانوا يَعرِفُونَ مقاديرَهُمْ وفضلَهُمْ ويَحكُونَه، ويَعرِفُونَ تفاضُلَهُمْ في صدورِهم، وإنْ أمسَكُوا عن التعبيرِ عن ذلك:
كما قال مالكٌ: "إنَّ التفاضُلَ بين الصحابةِ ليس مِن أمرِ الناسِ الذين مضَوْا، وإنما كان مِن هَدْيِهِمُ الإمساكُ عن مِثْلِ هذا" (١).
وقولُ مالك هذا مِن جنسِ قولِ النبيِّ ﷺ : (لَا تَخَيَّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ) (٢)، وقولِهِ ﷺ : (لَا تَخَيَّرُونِي عَلَى مُوسَى) (٣)، وفي حديثٍ ثانٍ، قال- ﷺ : (لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى) (٤)؛ لأنَّ مِن التفضيلِ ما يَتوهَّمُ به السامعُ نقصَ المفضولِ وعَيْبًا فيه.
وقد كان مالكٌ نفسُهُ يفضِّلُ أبا بكرٍ وعُمَرَ على غيرِهما (٥).
وتفاضُلُ الصحابةِ في بعضِ الخِصَالِ، لا يعني الفَضْلَ المطلَقَ؛ فقد يفضُلُ واحدٌ الصحابةَ في خَصْلةٍ -كالشجاعةِ والكَرَمِ والحِلْمِ- وغيرُهُ أفضَلُ منه؛ ومِن هذا قولُ ابنِ عُمَرَ: "ما رأيتُ أسوَدَ مِن معاوِيةَ! "، فقيل لابنِ عُمَرَ: هو كان أسوَدَ مِن أبي بَكْرٍ؟ قال ابنُ عُمَرَ: "أبو بكرٍ واللهِ أخيَرُ منه، وهو واللهِ أسوَدُ مِن أبي بَكْرٍ! " (٦)، وقال ابنُ عُمَرَ -أيضًا-:
стр. 247
"إنَّه أسوَدُ مِن عُمَرَ وعُثْمانَ" (١)، و"أسوَدُ"؛ بمعنى: أَسْخَى (٢)، وفي هذا يقولُ أحمدُ: "أَعْطَى معاوِيةُ أهلَ المدينةِ عَطَايَا ما أَعْطَاها خَلِيفةٌ كان قَبْلَه" (٣).
* التوسُّع في التفضيل بين الصحابة:
وقد بدَأَ التوسُّعُ في أبوابِ التفضيلِ بين الصحابةِ، والنزاعُ فيه: في العَجَم، وكان مَدْخَلًا لتنقُّصِ المفضول؛ فبدَؤُوا بالتفضيلِ، ثم تدرَّجوا والتمَسُوا أسبابَ الكمالِ في الفاضلِ، ثم تدرَّجوا والتمَسُوا أسبابَ النقصِ في المفضول، ثم استَدْرَجَهم الشيطانُ للدخولِ في أبوابِ النقائصِ وثَلْبِ الصحابةِ وعَيْبِهم.
وقد قال عبدُ اللهِ بن أبي حَسَّانَ -تلميذُ مالكٍ- لمَّا سُئِلَ عن التفاضُلِ بينَ خيارِ الصحابةِ؟ فرفَعَ يدَهُ، وضرَبَ السائلَ، وقال: "ليس هذا دِينَ قُرَيْشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أهلِ قُمّ" (٤)؛ وهو يُدرِكُ تفاضُلَ الصحابةِ على الحقيقةِ، ولكنَّه يَعلَمُ ما يُرادُ مِن فتحِ هذا البابِ، ولمَّا فُتِحَ في المشرِق، وانتَهَى بأصحابِهِ إلى ما انتَهَى إليه، كان المغارِبةُ أوَّلَ الأمرِ يُغلِقُونَ فتحَ هذا الباب؛ حتى لا يَنتهِيَ في المغربِ إلى ما انتَهَى إليه في المشرق؛ وهذا مِن كمالِ العِلْمِ والحِكْمة.
ومِن هذا الباب: إمساكُ مالكٍ وغيرِهِ في إحدى الروايتَيْنِ عن التفضيلِ بين عُثْمانَ وعليٍّ، وقولُهُ: "مَا أَدْرَكْتُ أحدًا أَقتدِي به يفضِّلُ أحدَهما على صاحبِهِ" (٥).
ولا يَختلِفُ المسلِمُونَ في فضلِ الصحابةِ، وأنَّ فَضْلَهم فرعٌ عن
стр. 248
فضلِ النبيِّ ﷺ ، وكما يتفاضَلُ الأنبياءُ، فإنَّ الصحابةَ يتفاضَلُونَ فيما بينَهم مِن بابِ أَوْلى.
وقد كان سُحْنُونٌ يلقِّنُ ابنَ القصَّارِ في مرَضِ موتِهِ: "أنَّ أفضَلَ هذه الأمَّةِ بعد نبيِّها أبو بكرٍ وعُمَرُ" (١).
ولا يَختلِفُ السلَفُ في هذا، ووقَعَ في قِلَّةٍ منهم نزاعٌ في التفاضُلِ بين عثمانَ وعليٍّ (٢):
فمنهم: مَن فضَّل عثمانَ على عليٍّ.
ومنهم: مَن فضَّل عليًّا على عُثْمانَ.
ومنهم: مَن توقَّف.
ثُمَّ استقَرَّ الأمرُ على أنَّ ترتيبَهم في الفَضْلِ؛ كترتيبِهم في الخلافةِ: عُثْمانُ ثم عليّ، وقد قال عبدُ الرحمن بن عوفٍ: واللهِ ما بايعتُ لعثمانَ حتى سألتُ صِبْيانَ المدينةِ؛ فقالوا: عثمانُ خيرٌ من علِيٍّ (٣).
وقد وصَفَ ابنُ أبي زيدٍ هذا القولَ في "جامعِهِ"، بأنَّه قولُ أهلِ الحديثِ؛ قال: "وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الحَدِيثِ، ثُمَّ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ أهْلُ بَدْرٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، ثُمَّ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمِنْ جَمِيعِ أَصْحَابِهِ؛ عَلَى قَدْرِ الهِجْرَةِ وَالسَّابِقَةِ وَالفَضِيلَةِ" (٤).
* ظُهورُ الطَّعْنِ في الصحابةِ في المَغْربِ:
وقد انتشَرَ الطعنُ في الصحابةِ في زمَنِ بني عُبَيْدٍ في المغرِبِ، خاصَّةً القَيْرَوانَ، وامتُحِنَ الناسُ في ذلك؛ حتى أُكرِهُوا على سبِّ
стр. 249
الصحابةِ على المَنابِر، وقُتِلَ جماعةٌ مِن العلماءِ لأجلِ ذلك، وقد قام جماعةٌ مِن أهلِ العِلْمِ في وجهِ تلك الفِتْنةِ، وعلى رأسِهِمُ ابنُ الحدَّادِ.
وقد شبَّه بعضُهم مقامَهُ في فتنةِ الرفضِ في المغرِبِ، بمقامِ أحمَدَ في المشرِقِ في فتنةِ القرآن (١).
وقد كان له حُجَّةٌ وبيانٌ وقوةٌ في الحقِّ، وقد سأله أبو عبد اللهِ الرافضيُّ: "أنتم تفضِّلُونَ على الخمسةِ أصحابِ الكِسَاءِ غَيْرَهم؟ -يعني بأصحابِ الكساءِ: محمَّدًا ﷺ ، وعليًّا وفاطمةَ، والحسَنَ والحُسَيْنَ ﵃، ويعني بغيرِهم: أبا بكرِ ﵁ فقال ابنُ الحدَّادِ: أيُّما أفضَلُ؟ خمسةٌ سادِسُهُمْ جبريلُ ﵇، أو اثنانِ اللهُ ثالِثُهما؟ ! فبُهِتَ الرافضيُّ" (٢).
* ما شجَرَ بين الصحابة:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَأَلَّا يُذْكَرَ أَحَدٌ مِنْ صَحَابَةِ الرَّسُولِ ﷺ إِلَّا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ، وَالْإِمْسَاكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، وَأَنَّهُمْ أَحَقُّ النَّاسِ (فِي "الجامع": أَنْ تُنْشَرَ مَحَاسِنُهُمْ) (٣)؛ أَنْ يُلْتَمَسَ لَهُمْ أَحْسَنُ المَخَارِجْ، وَيُظَنَّ بِهِمْ أَحْسَنُ المَذَاهِبْ):
لا يُتحدَّثُ بما وقَعَ بين الصحابةِ مِن خِلافٍ ونِزاع، ما لم يكنْ في ذلك فِقْهٌ للخاصَّة؛ فذِكْرُ الخِلافِ والنِّزاعِ بينهم يُوغِرُ الصدورَ، ويُسقِطُ هَيْبَتَهم وجَلَالَتَهم في بعضِ النفوسِ، وكان أحمدُ يقولُ: "هذه الأحاديثُ تُورِثُ الغِلَّ في القَلْبِ" (٤).
ولم يكنِ الصحابةُ يتحدَّثُونَ بخِلافِهم عند غَيْرِهم، ولا كذلك فقهاءُ
стр. 250
التابِعِينَ: كانوا لا يذكُرُونَ خلافَ الصحابة، وإنَّما تفرَّغ لأكثرِهِ أهلُ سِيَرٍ وأخْبارِيُّونَ، فنقَلُوا وزادُوا ونقَصُوا، ومِن فِقْهِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ قولُهُ: "لقد رأيتُ عَلِيًّا وعُثْمانَ يَسْتَبَّانِ سِبَابًا ما أخبَرْتُ به أحدًا بَعْدُ" (١).
وقد كان أحمدُ يعتزِلُ مجلِسَ عبد الرَّزَّاقِ إذا حدَّث بأحاديثِ الخلافِ بين الصحابة، فإذا انتَهَى، رجَعَ، وربَّما وضَعَ إِصبَعَيْهِ في أُذُنَيْهِ طويلًا، حتى مَرَّتْ بعضُ الأحاديثِ، ثم يُخرِجُهما، ثم يَرُدُّهُما ... حتَّى مَضَتِ الأحاديثُ كلُّها (٢)؛ لا يُرِيدُ أن يَعلَقَ بقلبِهِ شيءٌ منها.
وأكثرُ تلك الأحاديثِ ليس فيها أحكامٌ وعَمَلٌ، وإنَّما هي حكاياتٌ وأقوالٌ وأفعالٌ لقَرْنٍ فاضِلٍ انصرَمَ، ويُستَثْنَى مِن ذلك: ما يتضمَّنُ فِقْهًا وحلالًا وحرامًا، وكان أحمدُ يقولُ: "لا أُحِبُّ لأحدٍ أن يكتُبَ هذه الأحاديثَ التي فيها ذِكْرُ أصحابِ النبيِّ ﷺ ؛ لا حَلَالٌ ولا حَرَامٌ ولا سُنَنٌ" (٣).
وتعرُّضُ الصحابةِ بعضِهم لبعضٍ، ليس كتعرُّضِ غيرِهم لهم؛ فهم مجتهِدُونَ، وفي منزِلةٍ وفضلٍ عالٍ، ولدَيْهِم مِن العمَلِ الصالحِ العظيمِ مِن صُحْبةِ النبيِّ ﷺ : ما يُوجِبُ تكفيرَ ذنوبِهم، وليس لدى مَن بَعْدَهم مِن الحَسَناتِ ما يَقْوَى على تكفيرِ الوَقِيعةِ في أعراضِ الصحابةِ، إلا أن يَشَاءَ اللهُ.
ولمَّا كاد الوليدُ أن يقَعَ في عائشةَ، ذكَّره الزُّهْريُّ بقولِ أبي مسلِمٍ الخَوْلانيِّ لأهلِ الشامِ؛ لمَّا أرادوا الوقيعةَ في عائشةَ: "أَلَا أُخبِرُكُم بمَثَلِكُمْ ومَثَلِ هذه؟ ! كمَثَلِ عينَيْنِ في رأسٍ يُؤذِيَانِ صاحِبَهما، ولا يستطِيعُ
стр. 251
أن يعاقِبَهُما، إلَّا بالذي هو خَيْرٌ لهما" (١).
والوَقِيعةُ في الصحابةِ ذَنْبٌ عظيمٌ، لا يَبتلِي اللهُ به أحدًا إلا لسُوءِ طَوِيَّة، وقُبْحِ نِيَّة، وما رأَيْنا أحدًا طعَنَ في أصحابِ النبيِّ ﷺ إلَّا وله خَبِيئةُ سُوءٍ تخرُجُ ولو بعدَ حِينٍ، لا نَعلَمُ الغَيْبَ، ولكنْ رأَيْناهم يَبدَؤُونَ بالطعنِ في الصحابةِ، ثم لا يَصبِرُونَ، فيُظهِرُ اللهُ خفايَا ومَخَازِيَ أخرى، كانوا يُخفُونَها؛ وفي هذا يقولُ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ: "ما انتقَصَ أحدٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ إلَّا له دَاخِلةُ سُوءٍ" (٢).
وعلى ذلك: فيجبُ الإمساكُ عمَّا وقَعَ بين الصحابة؛ لأنه وقَعَ في طَبَقةٍ فاضلةٍ؛ فليس للمفضولِ الفصلُ بين الفاضِلِينَ عليه فيما لا يَعْنِيهِ؛ فإنَّ لهم حَسَناتٍ لا يَنَالُها مَن بَعْدَهم يَغفِرُ اللهُ لهم بها بإِذْنِه، والوقيعةُ فيهم بالسَّبِّ واللَّعْنِ سِّيئةٌ عظيمة؛ حتى تَصِلَ في بعضِ الأحيانِ بصاحِبِها إلى الكُفْر، وحِينَها فلن تُقاوِمَها حَسَنةٌ مِن حَسَناتِ المتأخِّرين؛ فتَمْحُوَها.
وكان مالكٌ يَرَى أنْ لا نصيبَ في الفيءِ لمن سَبَّ الصحابةَ والتابِعِين؛ لأنَّ اللهَ ذكَرَ الفيءَ وأهلَهُ بقولِهِ تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]، إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠].
* امتحانُ أهلِ المَغْربِ بالصحابةِ:
ولا تَعرِفُ بلادُ الغربِ الوقيعةَ في الصحابةِ والطعنَ فيهم، وذِكْرَ مَثَالِبِهم وسَبَّهم، وكانوا يَعلَمُونَ أنَّ بِدْعةَ الوقيعةِ في الصحابةِ جاءت مِن المَشرِقِ الأقصى مِن بلادِ خُرَاسانِ العَجَم.
ولمَّا سُئِلَ عبدُ اللهِ بنُ أبي حَسَّانَ اليَحْصَبيُّ -وهو مِن تلاميذِ مالكٍ-
стр. 252
عمَّا يقولُهُ الناسُ في التفضيلِ بين أبي بكرٍ وعُمَرَ، والتفاضُلِ بينهما وغيرِهما؟ فقال: "ليس هذا دِينَ قُرَيْشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أَهْلِ قُمّ" (١)، وكان يقولُ: "واللهِ، لا يَخفَى علينا نحنُ مَن يَستحِقُّ الوَلَايةَ بعدَ وَالِينَا، ولا مَن يَستحِقُّ القضاءَ بعد قَاضِينَا؛ فكيف يَخفَى على أصحابِ النبيِّ ﷺ الأَمْرُ بعدَ نبيِّهم؟ ! " (٢).
وبنو أُميَّةَ في المغرِبِ لم يكونوا يَقَعُونَ في عليِّ بنِ أبي طالبٍ، مع ما يَجِدُونَهُ لِأَثَرةِ المُلْكِ عليهم؛ تعظيمًا للصحابةِ، ولقرابتِهِ خاصَّةً.
على خلافِ ما يَفعَلُهُ بعضُ بني أُميَّةَ في المشرِقِ؛ مِن النيلِ منه بغيًا ﵁.
حتى جاء بنو عُبَيْدٍ؛ فامتحَنُوا الناسَ في ذلك، وقتَلُوا مَن خالَفَهم، ومنَعُوا الفتوى بمذهبِ مالكٍ؛ حتى كان الواحدُ منهم يَستتِرُ بمدحِ الصحابةِ؛ كاستتارِ الذِّمِّيِّ بعبادتِه؛ كما ذكَرَهُ القاضي عِيَاضٌ وغيرُه (٣)، وقد قتَلُوا خلقًا مِن العلماءِ، وفَرَّ كثيرٌ منهم.
حتى قال أبو الحسَنِ القابِسِيُّ: "إنَّ مَن قتَلَهُمْ عُبَيْدُ اللهِ وبنوهُ: أربعةُ آلافٍ بين عالِمٍ وعابِدٍ؛ ممَّن يَترضَّوْنَ عن الصحابةِ، حتى خصَّص دارًا للقتلِ سمَّاها: "دارَ النَّحْر"، حتى لُعِنَ الصحابةُ على المنابِرِ، وانقطَعَ الناسُ عن الجُمُعةِ بالقَيْرَوانِ مُدَّةً" (٤).
* فِتْنةُ الرَّافضةِ إذا تمكَّنُوا:
وفتنةُ الرافضةِ إنْ تمكَّنوا على أهلِ السُّنَّةِ، أشَدُّ مِن فتنةِ اليهودِ
стр. 253
والنصارى فيهم؛ لِمَا يجدونَهُ مِن شديدِ الحِقْدِ والغِلِّ عليهم، يكتمونَهُ ويُرَبُّونَ صِغَارَهم عليه، ويُنشِدُونَ الأشعارَ فيه؛ حتى تَمتلِئَ النفوسُ، فيترقَّبُونَ تمكينًا، فإنْ تمكَّنوا، بَغَوْا بغيًا لا يَبْغِيهِ غيرُهم؛ وهذا معروفٌ في كلِّ زَمَن؛ ولهذا لا يمكَّنُون في الدُّوَل والولايات، ومَن مكَّنَهم فلا بد أن يتآمروا عليه إن كانوا قِلَّةً، أو ينقلِبوا عليه إن كانوا كَثْرة.
وقد قال جَبَلةُ بن حَمُّودٍ الصَّدَفيُّ؛ وقد هرَبَ مِن الرافضةِ في الرِّبَاطِ، ونزَلَ القيروانَ، فكُلِّمَ في ذلك؟ فقال: "كنَّا نحرُسُ عَدُوًّا بَيْنَنا وبينَهُ البَحْرُ، والآنَ حَلَّ هذا العَدُوُّ بِسَاحَتِنا؛ وهوأشَدُّ علينا مِن ذلك" (١).
وكان يُنكِرُ على مَن خرَجَ مِن القَيْرَوانِ إلى سُوسَةَ، أو نحوِها مِن الثغورِ، ويقولُ: "جِهَادُ هؤلاءِ أفضَلُ مِن جهادِ أهلِ الشِّرْك" (٢).
* الطاعةُ لأئمَّةِ المسلِمِينَ بالمعروفِ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَالطَّاعَةُ لِأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ؛ مِنْ وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، وَعُلَمَائِهِمْ):
تواتَرَتِ النصوصُ في وجوبِ السمعِ والطاعةِ لأئمَّةِ المسلِمِينَ بالمعروفِ، وتحريم الخروجِ عليهم؛ وقد قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، وقال ﷺ : (عَلَى المَرْءِ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ؛ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) (٣).
стр. 254
ولا يجوزُ أن يَبقَى مسلِمٌ بلا بَيْعةٍ لإمامٍ؛ إلا إنْ كان في أرضٍ ليس فيها حاكمٌ مُسلِم، أو كان فيها نزاعٌ على الولاية ولم يتمكَّنْ فيها أحد.
ولا يجوزُ أن يُخرَجَ على الحاكِمِ المسلِمِ ما لم يأتِ بكفرٍ بَوَاحٍ؛ وقد قال عُبَادةُ بن الصامتِ ﵁: "بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؛ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيَسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَّا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ"، قال: (إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا؛ عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ) (١).
ولا يجوزُ الخروجُ بشبهةِ كفرٍ أو توهُّمِ مكفِّر؛ ولذا قال في الحديثِ: (بَوَاحًا؛ عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ).
والبَيْعةُ؛ إنما هي للحاكِمِ المسلِمِ بالمعروف، وأمَّا الكافِرُ: فلا تصحُّ له بَيْعةٌ أصلًا، والطاعةُ له تكونُ بما يُقِيمُ الدنيا، ويَحفَظُ حُرُماتِ الناسِ وحقوقَهم، وما يَحفَظُ العدلَ الذي أمَرَ اللهُ به.
وكان السلَفُ يعظِّمُونَ أبوابَ السمعِ والطاعةِ للأئمَّةِ، ويَجعَلُونَها في أبوابِ العقائدِ؛ لأنَّها مِن المسائِلِ التي خالَفَتْ فيها الفِرَقُ البدعيَّةُ؛ فأصبَحَتْ عَلَمًا وفارِقًا بين أهلِ السُّنَّةِ وغيرِهم مِن الطوائفِ؛ كالخوارجِ والمعتزِلة.
* الخُرُوجُ على الأَئِمَّةِ وأحوالُه:
والفتنةُ بالخروجِ على أئمَّةِ الجَوْرِ المسلِمِينَ شرٌّ أعظَمُ مما يُرجَى دفعُه، والخروجُ عليهم يُتساهَلُ في أوَّلِهِ، والشَّرُّ كامِنٌ في آخِره.
стр. 255
وقد كان سُحْنُونٌ يُلقِّنُ ابنَ القَصَّارِ في مرضِ موتِهِ: "أَلَّا تَخرُجَ على الأئمَّةِ بالسَّيْفِ، وإنْ جارُوا" (١).
وأكثَرُ مَن يتجرَّأُ في هذا الباب: مَن يتوهَّمُ نصرةَ العامَّة، والعامَّةُ يُطلِقُونَ الألسُنَ، ويجبُنُونَ عند إطلاقِ الرِّمَاح، والعالِمُ لا تَخدَعُهُ كثرةُ العامَّةِ عند تقريرِ الحقّ.
وقد كان ابنُ فَرُّوخٍ قاضي القَيْرَوانِ مِن تلامذةِ مالكٍ، رأى الخروجَ على العَكِّيِّ؛ حيثُ كان رجُلَ سُوءٍ، وتواعَدَ ابنُ فَرُّوخٍ مع قومٍ على أن يكونَ اجتماعُهم ببابِ تُونُسَ، فذهَبَ ابنُ فروخٍ لمكانِ المَوْعِد، وتخلَّفوا عنه؛ فلم يأتِ إلا محمَّدُ بنُ منوتا مِن المدنيِّين، وابنُ مُحرِزٍ القاضي مِن العراقيِّين، فرجَعَ ابنُ فروخ.
وحينما أراد الذَّهَابَ إلى مِصْرَ، وشيَّعه الناس، التفَتَ إلى أصحابِهِ، فقال: "اشهَدُوا أنِّي رجَعْتُ عما كنتُ أقولُ به مِن الخروجِ على أئمَّةِ الجَوْر، وتائبٌ إلى اللهِ منه".
وكان ابنُ فَرُّوخٍ يرى الخروجَ قبل ذلك؛ إذا اجتمَعَ ممَّن يأمُرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكَر عدَدُ أهلِ بَدْرٍ، وليس كلُّ مَن صحَّ الخروجُ عليه تأصيلًا، جاز عملًا وتطبيقًا، حتَّى تكونَ القُدْرةُ ويَغلِبَ الظنُّ لا توهُّمًا واغترارًا (٢).
وقد رجَعَ ابنُ عُمَرَ عن قتالِ نَجْدةَ الحروريِّ لما رأى العامَّةَ معه؛ حتى قيل له: "إنَّ الناسَ لن تخرُجَ معك إليه، وستترُكُكَ وَحْدَك" (٣)؛ مع أنَّ قتالَ نَجْدةَ مشروعٌ، ومندوبٌ إليه.
стр. 256
ومَن أجازتِ الشريعةُ الخروجَ عليه مِن الحُكَّامِ، يُشترَطُ في ذلك: القُدْرةُ، وألَّا تكونَ بالتوهُّمِ، وأن يَغلِبَ على ظنِّهم أنَّ الحاكِمَ الموضوعْ، أفضلُ مِن الحاكِمِ المدفوعْ، والحالَ اللاحِقهْ، أفضَلُ مِن السابِقهْ، وكثيرٌ مِن الناسِ يفكِّرُونَ في الخلاصِ مِن الحالْ، ويَغِيبُ عنهُمُ المَآلْ، والتفكيرُ في أَذَى السُّلْطانِ الموجودِ لا ينبغي أن يُنسِيَ الحالَ بعدَه، فإنْ كان خيرًا بغَلَبةِ ظَنٍّ مع قُدْرةٍ، جاز، وهذا نادِرٌ؛ فإنَّ مَن أخَذَ المُلْكَ كَرْهًا، لن يَترُكَهُ طَوْعًا إلا بمَوْتِهِ، وبذلِ الوُسْعِ في قتلِ الناسِ وإفسادِ حياتِهم بعدَه؛ ولهذا سمَّى اللهُ زَوَالَ المُلْكِ: نَزْعًا؛ مشابَهةً له بنَزْعِ الرُّوحِ: ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦].
ويجِبُ النظرُ إلى صلاحِ الدِّين والدنيا، وتغليبُ صلاحِ الدِّين على صلاح الدُّنيا عند التزاحُم، فإنَّ المرجئةَ ميزانُهم صلاحُ الدنيا وحدَها ولو فسَدَ الدِّينُ كلُّه، وإنَّ الخوارجَ ميزانُهم صلاحُ الدِّين وحدَه ولو فسَدَتِ الدُّنيا كلُّها، فلا يفرِّقون بين حفظِ أصل الدِّين وبين حفظِ فرعِه، ولا بين إضاعةِ أصلِ الدُّنيا وبين إضاعة فرعِها، فإنَّ للدُّنيا أصلًا لا يقومُ الدِّينُ إلا به، وإنَّ لها فرعًا لا يضيَّعُ الدينُ لأجلِه.
وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ في "الجامع": "وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ المُسْلِمِينَ عَنْ رِضًا أَوْ عَنْ غَلَبَةٍ؛ فَاشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ مِنْ بَرٍّ أَو فَاجِرٍ-: فَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ، جَارَ أَو عَدَلَ، وَيُغْزَى مَعَهُ العَدُوُّ، وَيُحَجُّ البَيْتُ، وَدَفْعُ الصَّدَقَاتِ إِلَيْهِمْ مُجْزِيَةٌ إِذَا طَلَبُوهَا، وَتُصَلَّى خَلْفَهُمُ الجُمُعَةُ وَالعِيدَانِ" (١).
стр. 257
* نُصحُ الأَئِمَّةِ:
ويجبُ مع السمعِ والطاعةِ: النصحُ لأئمَّةِ المسلِمِينَ بعِلْمٍ وحِكْمة، ولا يَلزَمُ مِن منعِ الخروجِ عليهم في النصوصِ: تركُ النكيرِ عليهم بالقِسْط.
والفرقُ بين أهلِ السُّنَّةِ والمرجِئةِ في هذا البابِ: أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يَرَوْنَ الإنكارَ على مَن جار مِن الأئمَّةِ على حَقِّ اللهِ وحَقِّ المسلِمِين، ولا يَتخِذونَ الإصلاحَ بابًا للخروج، وأمَّا المرجِئةُ: فيَتخِذُونَ خوفَ الفتنةِ بابًا لإغلاقِ الإنكارِ على الأئمَّة.
والإصلاحُ يكونُ بعِلْمٍ وحِكْمةٍ وعَدْل، ولا يكونُ بذكرِ ما يُخفِيهِ الأئمَّةُ مِن عيوبٍ وذنوبٍ تَخُصُّهم، ولا تُتَّبَعُ زَلَّاتُهم، ولا تُذكَرُ عند مَن لا تَعْنِيهِ تلك الزَّلَّات؛ فتلك لا تكونُ إلَّا مِن أهلِ الهَوَى والغِلِّ، ويتوهَّمونَهُ إصلاحًا.
وجَوْرُ أئمَّةِ المسلِمِينَ وظُلْمُهم وأخطاؤُهم على نوعَيْن:
النوع الأوَّل: ما يَخُصُّهم مِن تقصيرٍ في حَقِّ اللهِ بفعلِ المحرَّم، وتركِ الواجب، ولا يَدْعُونَ إليه العامَّةَ، ولا يشرِّعونه فيهم:
فهذا يُشرَعُ إنكارُهُ عليهم عند العلمِ به، ويكونُ بين المُصلِحِ وبينهم؛ لأنه خاصٌّ لا عامٌّ، وكلُّ حاكمٍ مسلِمٍ، فلعِرْضِهِ حُرْمةٌ كالمسلِمِينَ بل أشَدَّ، ولا تجوزُ إلا بشروطِها المعروفة.
ومَن خَشِيَ أَذَى السلطانِ وضرَرَهُ في هذا البابِ، جاز له تركُ نُصْحِه؛ لأنَّ ضررَهُ خاصٌّ بفاعِلِهِ، لا عامٌّ للناس، والأذيَّةُ فيه مُضِرَّةٌ بالعالِمِ، ومَصلَحةُ الناسِ بالعالِم عامَّة؛ ومِن هذا قولُ مالك: "أدرَكْتُ
стр. 258
سَبْعةَ عشَرَ تابعيًّا؛ فما سَمِعْتُ أنَّهم قاموا إلى إمامٍ جائِرٍ يَعِظُونَهُ" (١).
وكان حَمْدِيسُ مِن أصحابِ سُحْنُونٍ يُسأَلُ عن الإمامِ الذي يَعمَلُ بالمعصيةِ: أكُنْتَ تأمُرُهُ وتنهاه؟ قال: "لا"؛ واحتَجَّ بقولِ النبيِّ ﷺ : " (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ)، قِيلَ: كَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قالَ ﷺ : (يَتَعَرَّضُ مِنَ البَلَاءِ مَا لَا يُطِيقُ) " (٢)، ثم ذكَرَ عن مالكٍ قولَهُ السابق (٣).
وهذا ليس في تركِ نصحِ الأئمَّةِ بكلِّ حال، وإنما مرادُهُ ما خصَّهم مِن ذنوبٍ، وقد قِيلَ لِحَمْدِيسَ: "فلو أنَّ إمامًا دعا إلى بِدْعةٍ، وأمَرَ بها؟ قال: نُجاهِدُهُ" (٤)؛ يعني: لا نَدَعُهُ، بل يُجاهَدُ حسَبَ مقدارِ البِدْعةِ الواقعةِ منه على المراتِبِ المشروعةِ؛ ما لم تُخرِجْهُ البدعةُ مِن الإسلامِ؛ فيُجاهَدُ باللسانِ مع العدل، وما أخرَجَهُ مِن الإسلامِ، فيُجاهَدُ باليَدِ مع القُدْرة.
النوعُ الثاني: جَوْرُهُ وظلمُهُ المتعدِّي مِن نفسِهِ إلى غيرِه:
فيُنتصَرُ للظالِمِ عندَهُ بنصحِه، وعند المظلومِ ببيانِ حقِّهِ له بعَدْل.
وإنْ كان ظلمُهُ في حَقِّ اللهِ وإظهارِ الشرِّ والمنكَرِ، ودعوةِ الناسِ إليه، فهذا يقتضي أنَّ على القادِرِ بيانَ المُنكَرِ وحَدِّهِ في الشريعةِ عند مَن أخَذَ بقولِ السلطانِ؛ فللعامَّةِ تأثُّرٌ بتقليدِ السلطانِ ومحاكاتِه، ويكونُ ذلك ببيانِ المُنكَرِ ومنزلتِهِ في الشريعة.
ولا يَلزَمُ منه تسميةُ السلطانِ؛ لأنَّ اللهَ أمَرَ بإزالةِ المنكَرِ، لا بتعيينِ فاعليه، وقد يكونُ في تعيينِ فاعِلِيهِ مِن الفِتْنةِ لهم ما يَدْفَعُهم للاستمساكِ
стр. 259
بالشرِّ وتشريعِه؛ فيكونُ المُصلِحُ في مِثْلِ هذه الحالِ عظَّم فسادَ الحاكِمِ ووسَّعه، ولم يُضعِفْهُ ويضيِّقْه.
وهذا كلُّه يُنظَرُ فيه: الزمانُ، وتغيُّرُ الحال، ومآلاتُ الأمورِ وتقديرُها، وعِظَمُ الشرِّ والخيرِ مِن الجهتَيْنِ زيادةً ونقصًا، وأحوالُ السلاطينِ، ونَوْعُ مُنكَرِهم وقَدْرُهُ، وسَعَةُ أخذِ الناسِ به وضِيقُه.
وهذا البابُ مِن أحوَجِ الأبوابِ للسياسةِ الشرعيَّة، وكثيرًا ما تؤثِّرُ فيه طبائعُ النفوسِ وهواها على العدلِ والإنصافِ بين أربعةِ حقوقٍ: حَقِّ الحاكِم، وحَقِّ الناصِح، وحَقِّ المحكوم، وحَقِّ الله.
* الخطأُ في نُصوص السَّمْع والطاعة:
وعَدَمُ العَدْلِ في نصوصِ السمعِ والطاعةِ قد يَدخُلُ على طائفتَيْنِ مِن المتديِّنةِ:
طائفةٍ: تأخُذُ نصوصَ التحذيرِ مِن الدخولِ على السُّلْطانِ وإمامِ الجَوْرِ المُسلِمِ وما جاء في ذَمِّه، فتقَعُ في المحظورِ مِن جهةِ استحلالِ ما حرَّم اللهُ مِن عِرْضِهِ، وهَتْكِ سِتْرِه، والنُّفْرةِ مِن نصوصِ السمعِ والطاعةِ ولزومِ الجماعةِ، والزُّهْدِ فيها، والاقتصارِ على نصوصِ المنابَذةِ والمجاهَدة.
وطائفةٍ: تأخُذُ نصوصَ السمعِ والطاعةِ والصبرِ على إمامِ الجَوْرِ المُسلِمِ ومَنْعِ الخروجِ عليه، فتقَعُ في المحظورِ مِن جهةِ تعظيمِهِ وإطرائِهِ ومَدْحِهِ بما لا يستحِقُّهُ -أو يستحِقُّهُ، لكنَّه يَغُرُّهُ ويُفسِدُهُ ويُطغِيهِ- والزهدِ في نصوصِ النُّصْحِ له، والاقتصارِ على نصوصِ السمعِ والطاعة.
والمُرجِئةُ: يوالُونَ مَن كان شديدَ الوَلَاءِ للسلطانِ، ولو كان شديدَ العداءِ للهِ ودِينِه.
стр. 260
وأهلُ السُّنَّةِ: جعَلُوا الوَلَاءَ للإمامِ تحتَ الولاءِ لله؛ كما قال اللهُ عن بَيْعةِ الصحابةِ لنبيِّه ﷺ وهو معصومٌ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وجعَلَ النبيُّ ﷺ الطاعةَ بالمعروفِ لا في معصيةِ الله في أحاديثَ متواتِرةٍ.
وربَّما يبلُغُ ببعضِ غُلَاةِ المُرجِئةِ: بُغْضُ مَن يُبغِضُهُ السُّلْطانُ، وحُبُّ مَن يُحِبُّه، وقد يبلُغُ ببعضِهم عَقْدُ الولاءِ والبراءِ على السُّلْطانِ مَبْلَغًا أعظَمَ مِن عَقْدِهِ لله، ولو لم يَظْهَرْ ذلك مِن قولِهم، فربَّما ظهَرَ مِن فِعْلِهم؛ فيوالُونَ مَن والى الحاكِمَ ولو عادى اللهَ بالزَّنْدَقةِ والمُجُونِ، موالاةً أكبَرَ مِن الولاءِ لمَن عادى السُّلْطانَ ونابَذَهُ -سواءٌ كان مُصِيبًا أو مُخطِئًا- ولو كان مِن أهلِ الوَلَايةِ للهِ بالعلمِ والدِّيَانة، وقد كان ابنُ أبي دُؤَادٍ يوالي الجاحِظَ؛ لكونِهِ يوافِقُ السُّلْطانَ، ويعادي أحمدَ بنَ حَنْبلٍ؛ لأنَّه يخالِفُه.
مع كونِ الجاحِظِ -مع أَدَبِهِ وبَلَاغَتِه- مُتَّهَمًا بالزَّنْدَقة، وقد ذمَّه تلميذُهُ ابنُ قُتَيْبةَ ووصَفَهُ بأنَّه مِن أَكذَبِ الأُمَّة، وأَوضَعِهم لحديث، وأنصَرِهِم لباطِل (١)، وأنَّه لا يصلِّي ولا يصومُ، وقال بِعُذْرِ عَوَامِّ اليهودِ والنصارى والمَجُوسِ (٢)، وكفَّر بعضَ أقوالِهِ جماعةٌ؛ كالباقِلَّانِيِّ، وابنِ قُدَامةَ (٣).
ومع هذا يعادُونَ أحمدَ بنَ حَنْبلٍ، ويقرِّبُونَ الجاحِظَ، ويَلِينُونَ معه؛ لأنَّ ولاءَهم ليس لله؛ وإنَّما لِمَا عليه السُّلْطانُ، وإذا كان العالِمُ لَيِّنًا مع زِنْدِيقٍ، وشديدًا على عالِمٍ مجتهِدٍ، فتلك مِن أظهرِ علاماتِ الهَوَى، ولو سوَّد الصُّحُفَ بنصوصِ السُّنَّةِ والأَثَر!
стр. 261
وربَّما فسَّر بعضُهُمُ الفِتْنةَ بمقدارِ ما يُسخِطُ الحاكِمَ، لا بمقدارِ ما يُسخِطُ اللهَ؛ فيتناقَضُونَ في تقديرِ أشياءَ مُتساوِيات، بل يَعكِسُونَ المُتبايِنات، فربَّما هان في أنفُسِهم ما أسخَطَ اللهَ، وعَظُمَ فيها ما أسخَطَ السُّلْطانَ.
وصِلَةُ المحكومِ بالحاكِمِ تؤثِّرُ فيها العِلَلُ النَّفْسيَّةُ والأطماعُ بطَرَفَيْها: الإفراطِ والتفريطِ:
فمنها: نفوسٌ تُحِبُّ التذلُّلَ والغُلُوَّ بتعظيمِ رؤوسِ الناسِ، ورُبَّما يَكسُونَ عِلَّتَهم النَّفْسيَّةَ وأطماعَهم بالدِّينِ والاستدلالِ بأدلَّته، وهذا يُوجَدُ في كلِّ مِلَّةٍ قديمًا وحديثًا؛ لأنَّ الله عظَّم الاجتماعَ لمصالِحِ الناسِ، فرأَوْا أنَّ هناك رعايةً إلهيَّةً للملوكِ، وليسوا محلَّا لتقويمٍ ولا اعتراضٍ مِن أَحَد؛ لأنَّ لديهم تفويضًا إلهيًّا؛ كما عند الرُّومَانِ واليُونَانِ! وفي اليابانِ: يَرَوْنَ المِيكادُو (المَلِكَ) هو اللهَ! وفي الهِندِ: يَرَوْنَ أنَّ للملوكِ سُلْطةً مِن الإلهِ الأكبَرِ (بَرَاهْمَا)! ونحوُهم الصِّينِيُّونَ، وفي مِصرَ: اعتقَدَ الفَرَاعِنَةُ المِلْكِيَّةَ الإلهيَّةَ (١)!
ويستَغِلُّ النصوصَ السماويَّةَ في السمعِ والطاعةِ سَلَاطِينُ وأتباعٌ لهم يَرَوْنَ طاعتَهُمْ دِينًا بلا استثناءٍ؛ كالحَجَّاجِ بنِ يُوسُفَ في الإسلام، وكان حَسَّانُ أبو المُنذِرِ حَجَّاجِيًّا؛ يقولُ: "مَن خالَفَ الحَجَّاجَ، فقد خالَفَ الإسلامَ! " (٢).
стр. 262
وهذا في النصارى كذلك؛ فقد ذكَرَ لُويس الرابعَ عشَرَ في "مذكِّراتِه": أنَّ سُلْطةَ الملوكِ مستمَدَّةٌ مِن اللهِ، وهم مسؤولُونَ أمامَهُ وحدَهُ، لا مِن الشَّعْب، وكان يقولُ: "المَلَكيَّةُ وَكَالةٌ إلهيَّةٌ"! وبنحوِه يقولُ لُويس الخامسَ عشَرَ (١)، وكذلك غُلْيُومُ الثاني قيصَرُ ألمانيا (٢).
ويقابِلُ تلك النفوسَ: نفوسٌ تُحِبُّ المخالَفةَ وإظهارَ الشجاعةِ والقُوَّةِ والتمرُّدِ تُجَاهَ كلِّ رأسٍ في الناس، وربَّما يَكسُونَ عِلَّتَهُم النَّفْسيَّةَ بالدِّينِ والاستدلالِ بأدلَّتِه؛ وهذا -كذلك- يُوجَدُ في كلِّ مِلَّةٍ، تَحمِلُ شجاعةُ الإنسانِ وحُبُّ الظهورِ والذِّكْرِ وحَمْدِ الناسِ: على الجُرْأةِ على الحُكَّامِ في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وإسماعِ الناسِ ما يريدونَ؛ كما يُذكَرُ أنَّ فاكِهةَ مجالسِ العامَّةِ الكلامُ في السلاطينِ، وتَحمِلُهُ شجاعتُهُ لاستدعاءِ مصالِحِ الخروجِ وأدلَّتِهِ وغيابِ مفاسدِهِ وأدلَّتِها، وتحضُرُ في نَفْسِهِ البدايات، وتَغِيبُ عنها النِّهايات؛ فقد يُبتَلَى الإنسانُ بالشجاعةِ في غيرِ موضِعِها؛ كما يُبتَلَى بالجُبْنِ في غيرِ موضعِه، ويَجِبُ على العاقِلِ أن يجاهِدَ نفسَهُ قبلَ أن يجاهِدَ بها غيرَه، وإذا اجتمَعَ في الإنسانِ العِلْمُ والتجرُّدُ، أصاب الحقَّ.
والناسُ في حاجةٍ إلى عالِمٍ متجرِّدٍ، لا إلى متجرِّدٍ جاهلٍ، ولا إلى عالِمٍ يَخافُ ويَطمَعُ؛ فالعالِمُ بلا تجرُّدٍ يعطِّلُ الأُمَّةَ بإحجامِهْ، والمتجرِّدُ بلا عِلْمٍ يُهلِكُ الأمَّةَ بإقدامِهْ، وأعظَمُ الشرورِ تأتي إذا قاد الناسَ جاهِلٌ غيرُ متجرِّدٍ!
стр. 263
* ابتلاءُ المُصلِح:
وقد يُبتَلَى العالِمُ المُصلِحُ بالمحرِّشِينَ بينه وبين السُّلْطان، ويستَغِلُّونَ خلافَهُ مع السُّلْطانِ في بابٍ، فيَجعَلُونَهُ في كلِّ الأبوابِ؛ كما ابتُلِيَ أحمدُ بن حَنْبلٍ لمَّا كانت فِتْنةُ خَلْقِ القرآنِ؛ فقد وَشَى به قومٌ -منهم ابنُ الثَّلْجِيِّ -عند الخليفةِ: أنَّه لا يَرَى البَيْعةَ، ويُؤوِي في بَيْتِهِ عَلَوِيِّينَ لا يَرَوْنَ بَيْعةً للعبَّاسِيِّين؛ فبعَثَ السُّلْطانُ إليه، فاستحلَفَهُ باللهِ وبالطلاقِ، فحلَفَ، ولم يَقنَعِ الخليفةُ، وجاء برَجُلَيْنِ وامرَأَتَيْنِ يفتِّشُونَ بيتَهُ وبيتَ ابنِهِ صالِحٍ -حتَّى النساءَ والعَوْراتِ- يَبحَثُونَ عمَّن يخبِّئُهُ مِن طَلِبَةِ الخليفةِ (١).
وكثيرًا ما يدخُلُ أمثالُ هؤلاءِ على السُّلْطانِ مِن بابِ خوفِهِ على مُلْكِه؛ فيكونُ أسرَعَ تصديقًا للظنونِ والأوهام.
* تجرُّد المُصلِح:
ويَجِبُ أن يكونَ العالِمُ عَدْلًا في مصالِحِ الناسِ، فلا يَحمِلَهُ كُرْهُ الحاكِمِ ولا حُبُّهُ على إضاعةِ مصالِحِ المسلِمِينَ التي بين يَدَيْه، وأن يكونَ رأيُهُ في الشدائدِ حِفْظًا للإسلامِ والمسلِمِينَ، لا تشفِّيًا منه، ولا طَمَعًا فيه.
فقد وجَدَ أحمدُ مِن المأمونِ والمعتصِمِ شَرًّا عظيمًا في دِينِهِ ودُنْياهُ: بحَبْسِهِ وضَرْبِهِ وحَمْلِ الناسِ على القولِ بخَلْقِ القرآن، ولمَّا ظهَرَتِ الخُرَّمِيَّةُ بقيادةِ الزِّنْدِيقِ بَابَكَ الخُرَّمِيِّ، كتَبَ أحمدُ إلى العلماءِ والولاةِ -ككتابِهِ لابنِ المَدِينِيِّ، ووالي البَصْرةِ- يستحِثُّهُمْ على قتالِ بَابَكَ، وأن يَحُثُّوا مَن حَوْلَهم على ذلك (٢).
стр. 264
وقد كان مِن قادةِ الجيشِ ضِدَّ بَابَكَ: إسحاقُ بن إبراهيمَ والي شُرْطةِ بغدادَ، وجَلَّادُ أحمَدَ (١)؛ لأنَّ شرَّ بَابَكَ على المسلِمِينَ أعظَمُ مِن شرِّ المأمونِ والمعتصِمِ؛ وهذا مِن فقهِ أحمَدَ وتجرُّدِهِ وصِدْقِه.
* فضلُ السَّلَفِ واتِّباعِهم:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَاتِّبَاعُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَاقْتِفَاءُ آثَارِهِمْ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ):
السلفُ الصالحُ هم الصَّدْرُ الأوَّلُ وما اتصَلَ بهم: الصحابةُ والتابِعُونَ وأَتْبَاعُهم، وسُمُّوا سَلَفًا؛ لأنَّهم بالنسبةِ لمن جاء بعدَهم: سالِفون، ومَن بعدَهم: خالِفون، وسُمُّوا بالصالحين؛ لغَلَبةِ الصلاحِ عليهم، وعلى زَمَانِهم.
وقد يكونُ السلفُ اسمًا نسبيًّا بحسَبِ الزمان؛ فالصحابةُ سَلَفٌ بالنِّسْبةِ للتابِعِينَ، والتابِعُونَ خَلَفٌ بالنسبةِ للصحابة، وهكذا بالنسبةِ للتابِعِينَ مع أَتْباعِهم، وأتباعِ الأتباعِ مع أتباعِ أتباعِ التابِعِين.
ويَغلِبُ إطلاقُ السلفِ الصالحِ على أصحابِ القرونِ المفضَّلة، وخاصَّةً الطبقتَيْنِ: الصحابةَ والتابِعِين، وكلُّ طبقةٍ منهم يعظِّمُ اللاحقُ منهم السابقَ؛ فالصحابةُ يتبايَنُونَ في الفضلِ، ومِثْلُهم التابِعُونَ وأتباعُهم، وقد جاء في الحديثِ؛ قال ﷺ : (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (٢).
стр. 265
* سببُ تَفْضِيلِ السَّلفِ:
وعِلَّةُ التفضيلِ ليست لمجرَّدِ احتواءِ الزمان، وإنما لِقُرْبِهم مِن العهدِ الأوَّلِ، ونزولِ الوحيِ، وأقرَبُهم إليهم أفضَلُهُمْ غالبًا؛ وإلَّا ففي زمانِهِمْ مِن الكُفَّارِ والمنافِقِينَ والعُصَاةِ ما هو معلومٌ، ولكنْ مَن قام بالدِّينِ منهم والحَقِّ، فهو أصَحُّ قولًا، وأصوَبُ عملًا، وأصدَقُ نِيَّةً؛ لطهارةِ قلوبِهم، وصِحَّةِ لسانِهم، وقُرْبِهم مِن النبيِّ ﷺ وعَهْدِه؛ فلم يَتباعَدْ بهم العهدُ حتى يقَعَ الخلافُ والفتنةُ؛ كما وقَعَ فيمن جاء بعدَهم.
فالخلافُ كان زمَنَ الصحابةِ أضيَقَ منه في زمَنِ التابعين، وهو في زمَنِ التابعين أضيَقُ منه في زمَنِ الصحابةِ، وهكذا، ومَن نظَرَ في كتبِ فقهِ السلفِ، وجَدَ ذلك ظاهرًا، ولا يعني ذلك سُوءَ القصدِ، ولكنَّه بُعْدُ العهد.
وقد قرَنَ النبيُّ ﷺ ذَهَابَ الصحابةِ وأثَرَهُ على مَن بعدَهم، بذَهَابِهِ وأثَرِهِ على الصحابة؛ فقال ﷺ : (أَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي؛ فَإِذَا ذَهَبْتُ، أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي؛ فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي، أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) (١).
وذلك الاقترانُ لبيانِ أنَّ العلةَ في الأمانِ هي القُرْبُ مِن الوحيِ والاعتصامُ به؛ فلا أعظَمَ وأشدَّ قربًا مِن ربِّه كالنبيِّ ﷺ ، ثُمَّ يليه أصحابُهُ؛ فكان الأمانُ للصحابةِ والأُمَّةِ بالنبيِّ ﷺ أعظَمَ مِن غيرِه، والأمانُ بالصحابةِ للتابِعِينَ والأُمَّةِ أعظَمُ مِن غيرِهم ممَّن جاء بعدَهم.
стр. 266
* تعظيمُ فقه الصَّحَابَةِ:
وكلُّ سُنَّةٍ لا تنتهي إلى الصحابةِ يُتوقَّفُ فيها؛ فهم أعلَمُ الناسِ بالنبيِّ ﷺ وسُنَنِه، والناسخِ والمنسوخِ مِن شريعتِه، فإذا دَلَّ الحديثُ على تشريع، ودلَّ الدليلُ على تركِ الصحابةِ له، فليس لأحدٍ أن يَتعبَّدَ به، ليس لأنَّ مَنزِلَتَهُمْ أرفَعُ مِن الوحيِ، ولا مِن النبيِّ ﷺ ، ولكنْ لأنَّ مَنزِلَتَهم وفَهْمَهم أعظَمُ مِن منزِلةِ مَن بعدَهم وفَهْمِه.
وقد كان الأئمَّةُ يشدِّدونَ في مخالَفةِ قولِ الصحابةِ وفَهْمِهم للسُّنَّة، ولو كان المخالِفُ لهم مِن التابِعِين؛ كما كان يَنُصُّ على ذلك مالكٌ، وأحمَدُ، وغيرُهما، وقد قال الهَيْثَمُ بنُ جَمِيلٍ: "قلتُ لمالكِ بنِ أنسٍ: يا أبا عبد اللهِ، إنَّ عِنْدَنا قَوْمًا وضَعُوا كُتُبًا يقولُ أحدُهم: حدَّثَنا فلانٌ، عن فلانٍ، عن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، بكذا، وحدَّثنا فلانٌ، عن إبراهيمَ، بكذا، ونأخُذُ بقولِ إبراهيمَ؟ قال مالكٌ: صَحَّ عندهم قولُ عُمَرَ؟ قلتُ: إنما هي روايةٌ؛ كما صحَّ عندَهم قولُ إبراهيمَ؟ فقال مالكٌ: هؤلاءِ يُستتابُونَ" (١).
وإذا صحَّ إجماعُ الصحابةِ، فلا تجوزُ المنازَعةُ في ذلك؛ فالإجماعُ إجماعُهم، ومَن بعدَهم تبَعٌ لهم؛ كما قاله أحمد (٢).
وإنْ قال واحدٌ من الصحابةِ قولًا، واشتَهَرَ ولم يُخالَفْ، فلا يُخرَجُ عنه، خاصَّةً في العبادات (٣).
стр. 267
وإذا ثبَتَ إجماعُ التابِعِينَ، فلا يجوزُ الخروجُ عنه كذلك (١).
وإنْ قال واحدٌ منهم بقولٍ، فالأمرُ فيه سَعَةٌ، فأمرُهم ليس كأمرِ الصحابة، إلا أنَّ قولَ الواحدِ منهم الذي لا يُخالَفُ فيه، فالأصلُ: أنه أخَذَهُ مِن صحابيٍّ، ولو لم يذكُرْهُ، وقد نصَّ على هذا أحمد.
* الاستدلالُ بحديثٍ يخالِفُ الصحابةَ:
ولا يجوزُ لأحدٍ مِن المتأخِّرينَ أن يَستنبِطَ مِن نصٍّ سُنَّةً تُخالِفُ قولَ أهلِ الصدرِ الأوَّل، وقد كان التابِعونَ وأتباعُهم -مع قُرْبِ عَهْدِهم- يعظِّمونَ أقوالَ الصحابةِ، وفَهْمَهم للوحيِ، ويقدِّمونَهُ على فَهْمِهم؛ لتزكيةِ اللهِ لهم، وقُرْبِ عَهْدِهم، وصِدْقِهم، وسلامةِ قلوبهم؛ فلا يُمكِنُ أن يقولوا بقولٍ يُخالِفُ النصَّ، فضلًا عن أن يُجمِعُوا عليه؛ قال النَّخَعيُّ: "لو رأَيْتُ الصحابةَ يَتوضَّؤُونَ إلى الكُوعَيْنِ، لَتَوَضَّأْتُ كذلك، وأنا أَقْرَؤُهَا: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] " (٢).
وذلك لأنَّهم لا يُتَّهَمُونَ في تركِ السُّنَن الثابتة عن النبيِّ ﷺ لعلمهم وحرصهم وورعهم؛ فلا يظُنُّ ذلك بهم أحدٌ إلا وهو متَّهَمٌ في دِينه.
وكان عُمَرُ بن عبدِ العزيزِ يَجعَلُ ما فعَلَهُ الخلفاءُ الراشِدونَ بعد النبيِّ ﷺ مِن التصديقِ بكتابِ الله، وكان الإمامُ مالكٌ يُعجِبُهُ عزمُ عُمَرَ في قولِه: "سَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ ووُلَاةُ الأمرِ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنًا، الأَخْذُ بها تصديقٌ بكتابِ الله، واستكمالٌ لطاعةِ اللهِ، وقوةٌ على دِينِ الله، ليس لأحدٍ تبديلُها ولا تغييرُها ولا النظَرُ فيما خالَفَهَا؛ مَنِ اقتَدَى بها مُهتَدٍ، ومَنِ استنصَرَ
стр. 268
بها منصورٌ، ومَنْ ترَكَها واتَّبَعَ غيرَ سبيلِ المؤمِنِين، وَلَّاهُ اللهُ ما تَوَلَّى، وأَصْلَاهُ جَهَنَّمَ، وساءت مصيرًا" (١).
قال مالكٌ: "أعجَبَنِي عَزْمُ عُمَرَ في ذلك" (٢).
وكان الأئمَّةُ مِن التابِعِينَ ومَن بَعْدَهم يعظِّمونَ عمَلَ الصحابةِ، وخاصَّةً الخلفاءَ، ويقدِّمُونَهُ على ظاهِرِ الحديثِ؛ ليس لأنه أجَلُّ منه، ولكنْ لأنَّهم أعلَمُ الناسِ بتفسيرِه.
قال مالكٌ: "والعمَلُ أثبَتُ مِن الأحاديثِ؛ قال مَنْ أَقْتَدِي به: إنه لَضَعِيفٌ أن يُقالَ في مِثْلِ ذلك: "حَدَّثَني فلانٌ عن فلانِ"، وكان رجالٌ مِن التابِعِينَ تَبْلُغُهم عن غيرِهم الأحاديثُ، فيقولون: ما نَجهَلُ هذا؛ ولكنْ مضى العمَلُ على خلافِهِ" (٣).
وكان محمَّدُ بن أبي بكرِ بنِ حَزْمٍ ربَّما قال له أخوهُ: لِمَ لَمْ تَقْضِ بحديثِ كذا؟ فيقولُ: "لم أَجِدِ الناسَ عليه" (٤).
* حقيقةُ العملِ الذي يقدَّمُ عَلى الحديثِ:
وليس كلُّ عمَلٍ متقدِّمٍ يقدَّمُ على الحديث، بل ما قَرُبَ مِن الوحيِ زمانًا ومكانًا؛ فليس قربُ الزمانِ وحدَهُ كافيًا في تقديمِ العملِ؛ فلا يقدَّمُ قولُ كلِّ بلدٍ -مهما تباعَدَ- على الحديثِ، ولا قُرْبُ المكانِ وحدَهُ كافيًا في تقديمِهِ على الحديث؛ فليس كلُّ عمَلِ أهلِ المدينةِ مهما تباعَدَ زمانُهُ وتأخَّرَ كافيًا في تقديمِهِ على الحديث، بل قد يكونُ تقديمُهُ ضلالةً وشرًّا.
стр. 269
وإنَّما الذي يقدَّمُ مِن العمَلِ ما جمَعَ القُرْبَيْنِ: قربَ الزمانِ، وقربَ المكان؛ قال عبدُ الرحمنِ بن مَهْدِيٍّ: "السُّنَّةُ المتقدِّمةُ مِن سُنَّةِ أهلِ المدينةِ خيرٌ مِن الحديثِ" (١).
وليس هذا تأخيرًا للحديثِ، وإنَّما هو تقديمٌ لِفَهْمِهم على فَهْمِ غيرِهم؛ فإنَّ عمَلَ أهلِ المدينةِ المتقدِّمَ لم يفضَّلْ إلا لأجلِ الحديثِ؛ ففضلُهُ فرعٌ عن فَضْلِه، وإلَّا فمكَّةُ أفضلُ مِن المدينةِ، وليس فضلُها بمقدِّمٍ لها في فضلِ العمَلِ على غيرِها؛ فالمدينةُ مَنزِلُ أكثَرِ الحديثِ والعمَلِ به.
ومَن كان جاهلًا بعمَلِ الصدرِ الأوَّلِ وفِقْهِهم، كَثُرَ خَطَؤُهُ، وجاء بشذوذِ الأقوالِ، ولو كان معه ظاهِرُ الحديثِ؛ قال ابنُ عُيَيْنةَ: "الحديثُ مَضَلَّةٌ إلا للفُقَهاءِ" (٢).
وقد قال ابنُ أبي زَيْدٍ في بيان ذلك: يريدُ: أنَّ غيرَهم قد يَحمِلُ شيئًا على ظاهِرِه، وله تأويلٌ مِن حديثٍ غيرِهِ، أو دليلٍ يخفى عليه، أو متروكٍ وجَبَ تركُهُ؛ غيرَ شيءٍ مما لا يقومُ به إلا مَن استبحَرَ وتفقَّه.
ومِن هذا قولُ ابنِ وهبٍ: "كلُّ صاحبِ حديثٍ ليس له إمامٌ في الفقهِ، فهو ضالُّ، ولولا أنَّ اللهَ أنقَذَنا بمالكٍ والليثِ، لَضَلَلْنَا" (٣).
وربَّما أجمَعَ الصحابةُ والتابِعونَ على تركِ العمَلِ بحديثٍ، وهو صحيحٌ؛ لأنَّهم يَعلَمُونَ سببًا مشروعًا لتركِ العمَلِ وإنْ لم يبيِّنوه؛ فصار مجرَّدُ تَرْكِهم دليلًا مستقلًّا في ذاتِهِ على التركِ، لا أنَّ تَرْكَهم لذاتِه أفضَلُ مِن الحديثِ لذاتِه.
стр. 270
فلا يُمكِنُ أنْ يَجتمِعُوا على تركِ سُنَّةٍ، ولا أنْ يَجتمِعُوا على فعلِ خطأٍ، وقد قال ابنُ أبي زيدٍ في "جامعِهِ": "وَالتَّسْلِيمُ لِلسُّنَنِ لا تُعَارَضُ بِرَأْيٍ، وَلَا تُدَافَعُ بِقِيَاسٍ، وَمَا تَأَوَّلَهُ مِنْهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ تَأَوَّلْنَاهُ، وَمَا عَمِلُوا بِهِ عَمِلْنَاهُ، وَمَا تَرَكُوهُ تَرَكْنَاهُ، وَيَسَعُنَا أَنْ نُمْسِكَ عَمَّا أَمْسَكُوا، وَنَتَّبِعَهُمْ فِيمَا بَيَّنُوا، وَنَقْتَدِيَ بِهِمْ فِيمَا اسْتَنْبَطُوهُ وَرَأَوْهُ فِي الحَوَادِثِ، وَلَا نَخْرُجَ عَنْ جَمَاعَتِهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ أَوْ فِي تَأْوِيلِهِ" (١).
وكان ابنُ أبي زيدٍ معظِّمًا للسُّنَّةِ، بصيرًا بها، عالمًا بأقوال السلف، عارفًا بتاريخ البِدَعِ ونشأتِها، وقد كان يقولُ في بِدَعِ أصولِ الدِّين: "بنو أُمَيَّةَ لم يكن فيهم خليفةٌ ابتَدَعَ في الإسلامِ بِدْعةً" (٢).
ولا تنتشِرُ البدعُ إلا عند مَن عطَّل الأثرَ وجَهِل منزلةَ الصحابةِ والتابعينَ في حِفظِ الدِّين، فمَن جَهِلَ الأثرَ استحسَنَ العملَ بالرأي فعَبَدَ اللهَ بذَوْقِه وما يُعجِبُه، حتى يَجِدَ مِن المَيْلِ والنشاطِ في عبادة الله بالبدعةِ أكثَرَ مِن السُّنَّةِ، حتى مِنهم مَن لا يزكِّي ولا يتصدَّقُ في الواجبات ويُنفِقُ الأموالَ الطائلةَ على الاحتفالِ بالمولِدِ النبوي، ويسوَّلُ له أنَّ مَن ينهاهُ عن ذلك لا يعظِّمُ النبيَّ ﷺ ، وما تعظيمُه إلا باتِّباع عملِه مِن صلاةٍ وصدقةٍ وصِلَةٍ وإحسانٍ، وتركِ ما يَكرَهُه مِن الأفعال، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، فإذا كانَتْ محبةُ الله -وهي أعظَمُ محبَّةٍ- لا تتحقَّقُ إلا باتِّباعِ فعلِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّ محبةَ نبيِّه مِن بابِ أَوْلَى.
стр. 271
* تركُ المِرَاءِ والجِدَالِ:
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَتَرْكُ المِرَاءِ وَالجِدَالِ فِي الدِّينْ، وَتَرْكُ مَا أَحْدَثَهُ المُحْدِثُونْ):
وقد أنزَلَ اللهُ وحيَهُ كتابًا وسُنَّةً؛ ليكونَ دليلًا للعالَمِينَ إلى معرِفةِ دِينِهم، ولو كانت العقولُ المجرَّدةُ كافيةً في ذلك، لَأَمَرَ بالأخذِ بها مِن غيرِ وحيٍ ولا رسول، وكلُّ مَن أراد أن يَصِلَ إلى اللهِ بطريقٍ غيرِ وحيِهِ، فهو في ضلالٍ وتِيهٍ؛ قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وحبلُ اللهِ: وَحْيُهُ ودِينُه (١).
وكلُّ نزاعٍ وخلافٍ في الدِّينِ يجبُ ردُّهُ إلى الوحي، لا إلى الرجالِ والأذواقِ والأهواءِ؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩].
وقد قال عُمَرُ بن الخَطَّاب: "قد سُنَّتْ لكم السُّنَنُ، وفُرِضَتْ لكم الفرائضُ، وتُرِكْتُمْ على الواضحةِ، إلا أن تَمِيلُوا بالناسِ يمينًا وشمالًا" (٢).
* طُرُقُ معرفةِ حقِّ الله:
وكلُّ سبيلٍ يُرادُ به أن يَدُلَّ صاحبَهُ إلى ربِّه مِن غيرِ الوحيَيْنِ، فهو مما حذَّر اللهُ منه مِن تلك الأهواءِ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ
стр. 272
سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، ولن يُوصِلَ صاحبَهُ إلى شيءٍ؛ لأنه حتى وإنْ أصاب الحقَّ صُدْفةً، فقد ضَلَّ بأن اتخَذَ وسيلةً للدَّلَالةِ على اللهِ غيرَ ما شرَعَهُ الله؛ وهذا بذاتِهِ محادَّةٌ للهِ ولرسولِه؛ لأنَّ اللهَ جعَلَ الدِّينَ كاملًا مِن جهتَيْهِ: جهةِ الطريق، وجهةِ الغاية:
أمَّا جهةُ الطريقِ: فقد جعَلَ اللهُ في وحيِهِ كفايةً؛ لهذا أمَرَ بالأخذِ منه، وحذَّر مِن الأخذِ مِن غيرِه، ومَن لم يَجِدْ ما يُرشِدُهُ مِن وحيِهِ، أو قَصُرَ نظرُهُ عن الفهمِ، فهو معذور، ولا يجوزُ له التماسُ حَقِّ اللهِ مِن غيرِ طريقِ اللهِ؛ قال ﷺ : (قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ، ومَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ، فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ) (١).
وأمَّا جهةُ الغايةِ: فهي العبادةُ التي لأجلِها خلَقَ اللهُ الخلقَ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ فليس لأحدٍ أن يَزِيدَ في العبادةِ ما شاء، ولا أن ينقُصَ منها ما شاء؛ فاللهُ أكمَلَ دِينَهُ وأتمَّه، وكلُّ مَن زاد فيه، فقد اتهمَهُ بالنقصان، وكلُّ مَن نقَصَ منه، فقد اتهَمَهُ بالزيادة؛ واللهُ تعالى يقولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
* المجتهِدُ ببِدْعة:
والمجتهِدُ في طريقٍ غيرِ مشروعٍ يؤدِّيه اجتهادُهُ إلى بِدْعةٍ، ليس بمعذورٍ؛ لأنَّ ضلالَهُ: في سلوكِ الطريقِ، قبلَ وصولِهِ إلى الفهم، فهو
стр. 273
ضَلَّ في طريقِهِ قبلَ فَهْمِه، بخلافِ مَن أخطَأَ في فهمِ نصِّ الوحيِ؛ فضلالُهُ في اجتهادِهِ في الفهمِ، لا في الطريقِ؛ لأنَّ طريقَهُ الوحيُ.
ولو كان كلُّ مُجتهِدٍ معذورًا بغضِّ النظَرِ عن صِحَّةِ الوسائلِ والطرقِ، فلا قيمةَ لإنزالِ الوحيَيْنِ، وحصرِ التشريعِ فيهما، وقد قال ابنُ أبي زيدٍ: "وَمِنْ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّهُ لَا يُعْذَرُ مَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى بدْعَةٍ؛ لِأَنَّ الخَوَارِجَ اجْتَهَدُوا فِي التَّأْوِيلِ؛ فَلَمْ يُعْذَرُوا؛ إِذْ خَرَجُوا بَتَأْوِيلِهِمْ عَنِ الصَّحَابَةِ؛ فسَمَّاهُمْ ﵇ مَارِقِينَ مِنَ الدِّينِ، وَجَعَلَ المُجْتَهِدَ فِي الأَحْكَامِ مَأْجُورًا وَإِنْ أَخْطَأَ" (١).
* التحذيرُ مِن الجِدَالِ والمِرَاءِ في الدِّين:
والجِدَالُ والمِرَاءُ ليس طريقًا موصِّلًا إلى الحقِّ بذاتِه؛ فمتى بانتِ الحُجَّةُ، واتضَحَ الدليلُ، وجَبَ اتباعُهُ والعمَلُ به، وتركُ الجدالِ والمراءِ فيه؛ فإنما هلَكَ أصحابُ العقولِ باستحسانِهِمْ رأيَهُمْ، واستنباطِهِمُ المجرَّدِ عن النصِّ؛ فاستُدرِجُوا إلى الأهواءِ خُطْوةً خُطْوةً، حتى انتهَوْا إلى غيرِ ما قصَدُوا البَدَاءَةَ به.
ولهذا حذَّر العلماءُ مِن المراءِ والجدالِ في الدِّين؛ فاللهُ تعالى لم يُنزِلْ كتابَهُ إلا واضحًا وبيِّنًا لقاصدِهِ مِن أهلِ لُغَته، وليس مغلَقًا مقفَلًا يحتاجُ إلى جدالٍ ومراءٍ لِيُعرَفَ ما فيه؛ فاللهُ وصَفَ كتابَهُ بالبيِّنِ والشفاء، والنُّورِ والهداية، والحُجَّةِ والمُحكَم، والمفصِّلِ والتِّبْيان، وإنْ كان هناك استغلاقٌ في الفهم، فهو في العقولِ والقلوبِ، لا فيه؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]؛ فجعَلَ القُفْلَ على القلبِ، لا على القرآن.
стр. 274
* حسنُ القصدِ وسُوءُهُ، وأثَرُهُ على فهمِ القرآن:
ومَن لم يَفهَمِ القرآنَ مِن أهلِ اللسانِ العربيِّ، فليُحسِنْ قصدَهُ يُحسِنِ اللهُ له الوصولَ إلى مرادِه، وإنْ لم يَصِلْ يَسأَلْ مَن هو أعلَمُ منه؛ كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
ومَن نظَرَ في القرآنِ بلا قصدٍ حسَنٍ، وفي قلبِهِ مرضٌ يتصيَّدُ ما يريدُ بالهوى-: زاده النظَرُ فيه حَيْرةً وهوًى؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
واللهُ لا يُضِلُّهم وهم يُرِيدُونَ الهدايةَ، ولو أرادوا الهدايةَ، لَوَفَّقَهُمْ إليها: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣]، ولكنَّه لمَّا عَلِمَ قَصْدَهم، أعطاهم إيَّاه؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥]؛ لأنَّ قصدَهم مِن النظَرِ في القرآنِ والحديثِ: اتِّبَاعُ المتشابِهِ؛ كما قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧].
قال مالكٌ: "ولقد قال رجُلٌ: لقد دخَلْتُ هذه الأديانَ كلَّها، فلم أرَ شيئًا مستقيمًا، فقال له رجُلٌ مِن أهلِ المدينةِ مِن المتكلِّمين: أنا أُخبِرُكم لِمَ ذلك؛ لأنَّك لا تَتَّقِي اللهَ تعالى، ولو اتَّقَيْتَهُ، لجعَلَ لك مَخْرَجًا" (١).
ولو كان الجدالُ والمراء الزائدُ عن البيان طريقًا لمعرِفةِ دِينِ اللهِ، لَأَرْشَدَ اللهُ إليه؛ وقد قال مالك: "وليس هذا الجدَلُ مِن الدِّينِ بشيءٍ" (٢).
стр. 275
وما سلَكَ أحدٌ طريقًا غيرَ الوحيِ لِيَصِلَ به إلى اللهِ، إلا كَثُرَ تحوُّلُهُ وتنقُّلُهُ مِن قولٍ إلى قول، ومِن مذهبٍ إلى مذهب، ومِن رأيٍ إلى رأي؛ لأنه يَبدَأُ يريدُ شيئًا فيستأنِسُ في البداية، ثم يَستوحِشُ بالنهاية، فيتحوَّلُ؛ كسالكِ طريقِ البَرِّيَّةِ بلا دليلٍ: يَستوحِشُ كلَّما طال سَيْرُهُ، حتى يتخبَّطَ يَمْنةً ويَسْرةً مِن الحَيْرة، عكسَ مَن كان على بيِّنةٍ مِن ربِّه في أوَّلِ طريقِهِ وأوسَطِهِ ومنتهاهُ؛ قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: "مَنْ جعَلَ دِينَهُ غَرَضًا لِلْخُصُومَاتِ، أكثَرَ التنقُّلَ" (١).
* هَجْرُ الجِدَالِ والمِرَاءِ وأهلِهِ:
وهذا النوعُ من الجدالِ والمراءِ في كلامِ اللهِ وسُنَّةِ نبيِّه: مِن الخوضِ المحرَّم، وقد نَهَى اللهُ عنه في كتابِهِ: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨].
وإنما نُهِيَ عن المخالَطةِ للباطِلِ؛ لأنَّ القلوبَ تتشرَّبُ ما تَسمَعُ، فتَستنكِرُ أوَّلَ مرَّةٍ، ثُمَّ ينقُصُ استنكارُها حتى تَألَفَهُ، فأمَرَ اللهُ بالهجرِ حتى لا تَألَفَهُ القلوبُ، فربَّما تأثَّر القلبُ حتى يَعجِزَ صاحبُهُ عن تركِه؛ لضعفِ قلبِهِ، ولقُوَّةِ الشبهةِ عليه؛ فمِن الشبهاتِ مَا يتعلَّقُ بقلبِ صاحبِه، كما يتعلَّقُ به المرَضُ المُعدِي يَكرَهُهُ ولا يَجِدُ خلاصًا منه.
كما قال مالكٌ: وكان يقالُ: "لا تمكِّنْ زائغَ القلبِ مِن أُذُنَيْكَ؛ فإنَّكَ لا تَدرِي ما يَعْلَقُكَ مِن ذلك، ولقد سَمِعَ رجلٌ مِن الأنصارِ مِن أهلِ المدينةِ شيئًا مِن بعضِ أهلِ القدَرِ، فعَلِقَ بقَلْبِه؛ فكان يأتي إخوانَهُ الذين
стр. 276
يَستنصِحُهُمْ، فإذا نَهَوْهُ، قال: فكيفَ بما عَلِقَ بقلبي، ولو عَلِمْتُ أنَّ اللهَ رَضِيَ أنْ أُلْقِيَ بنفسي مِن فوقِ هذه المَنَارةِ، لَفعَلْتُ" (١).
وقد كان السلفُ يَنْهَوْنَ عن مخالَطةِ أهلِ الأهواءِ ومُجالَسَتِهم، وقلَّما يقيِّدون؛ لأنَّ كثيرًا مِن العقولِ تَغتَرُّ بنفسِها، وتَنخدِعُ بعِلْمِها القاصِر؛ فأكثَرُ النفوسِ تَظُنُّ كمالَ عَقْلِها، وقُوَّتَها على معرِفةِ ما يَنفَعُها ويَضُرُّها، ويَغُرُّها الشيطانُ عند نفسِها، ويُظهِرُ لها مِن المعاني القليلةِ ما تُدْرِكُه، وربَّما أوحَى إليها مِن الاستنباطِ الدقيقِ ما تَنخدِعُ به: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].
وربَّما كان القصدُ مِن هذا النوعِ مِن الوحيِ الشيطانيِّ: أنْ تسيرَ النفسُ إلى مَضَايِقِ الجَدَلِ والمراءِ؛ حتى تقَعَ في شِرَاكِ الجَهَالات، وحبالِ مَن هو أعلَمُ منها بالباطلِ؛ فتَغتَرُّ به وتنقادُ له.
وكثيرًا ما يأتي بعضُهم أهلَ الأهواءِ الذين هم أكثَرُ منه علمًا بالجدَلِ والمراءِ؛ لِيَسْمَعَ منهم، أو يَرُدَّ باطِلَهم؛ فيقَعُ في باطِلِهم حتى يَفتِنُوهُ لضعفِهِ لا لقوَّتهم؛ فإنَّ الأضعَفَ يرى الضعيفَ قويًّا.
وقد رأيتُ شابًّا جاهلًا في أوَّلِ طلَبِه يَقصِدُ صاحبَ هوًى يريدُ الانتفاعَ منه، فحذَّرْتُهُ منه، فقال: "إنَّه إناءٌ مُلِئَ عِلْمًا"، فقلتُ له: صدَقْتَ؛ هو فِنْجَانٌ، وأنتَ نَمْلةٌ؛ فتراهُ كجبَلِ أُحُدٍ، ولو كَبُرْتَ علمًا، رأيتَهُ كما هو، ولكنَّك لِصِغَرِكَ وضَعْفِكَ ترى كِبَرَهُ وقُوَّتَهُ عليك، لا في العلمِ والمعرِفة.
وقد قيل لمالكٍ: "مَن قَوِيَ على كلامِ الزنادقةِ والإباضيَّةِ والقَدَريَّةِ
стр. 277
وأهلِ الأهواءِ؛ أَيُكلِّمُهم؟ قال: لا؛ وإنَّ الذين خرَجُوا إنما عابوا المَعَاصِيَ، وهؤلاءِ تكلَّموا في أمرِ الله، وقال ذلك الرجلُ -يعني: ابنَ عُمَرَ-: أمَّا أنا، فعلى بيِّنةٍ مِن ربِّي، وأمَّا أنتَ، فاذهَبْ إلى شاكٍّ مِثْلِكَ خَاصِمْهُ" (١).
* * *
* قَالَ ابْنُ أَبي زَيْدٍ: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا).
وقد ختَمَ مقدِّمتَه بالصلاة على النبيِّ -صلَّى الله وسلَّم عليه وآلِه وأزواجه وذرِّيَّتِه- تيمُّنًا بذلك، وإجلالًا لمبلِّغ الدِّين عن ربِّه، والتماسًا لشفاعتِه، ونَحمَدُ اللهَ على تمامه وفضلِه وإحسانه، ونسألُه السَّدَادَ والهداية، وبهذا انتهى الشرحُ لمقدِّمة الرسالة، مع بُعدٍ عن كثيرٍ مِن الكُتُب، جبَرَ اللهُ الخَلَل، وأحسَنَ القَصْد، ومنه القَبُول!
* * *
стр. 278
فهرس الآثار وأقوال الأئمة والعلماء
الأثر/ القول ..................... الصفحة
إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، أبو إسحاق الحربي
- كان أهلُ البَصْرةِ أهلَ العربيَّةِ، منهم أصحابُ الأهواءِ إلا أربعةً ............... ٦٧
إبراهيم بن يزيد بن عمرو أبو عمران النخعي الكوفي الأعور
- لِمَلَكِ الموتِ أعوانٌ مِن الملائكةِ، يَتَوَفَّوْنَ عن أمرِهِ .............................. ٢٤٥
- لو رأَيْتُ الصحابةَ يَتوضَّؤُونَ إلى الكُوعَيْنِ، لَتَوَضَّأْتُ كذلك .................... ٢٧٢
أبو إسحاق الفزاري
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) .......................................................... ١٣٩
أبو البَخْتَرِيِّ
- كلُّ حاجةٍ ليس فيها تشهُّدٌ، فهي بَتْراءُ .............................................. ٧١
أبو العباس بن طالب
- كان يَستفتِحُ خُطْبةَ الجُمُعةِ بإثباتِ رؤيةِ اللهِ في الآخِرة .......................... ٢٠٠
أبو بكر بن أبي أويس
- أكفُرُ باللهِ بعد نيِّفٍ وتسعينَ سنةً، ومجالَسةِ مالك؟! .............................. ١٣٩
أبو بكر المروزي
- رأيتُ أبا عبد اللهِ يُشِيرُ بِإِصْبَعٍ إِصْبَعِ ............................................. ١٠٣
أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط
- كافِرٌ، ومَن لم يَقُلْ: إنه كافِرٌ، فهو كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) .................. ١٣٩
أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله البصري
- أَشهَدُ أنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ، ويَهدِي مَن يَشَاءُ، وللهِ علينا الحُجَّةُ ............... ١٦٥
стр. 279
الأثر/ القول ..................................................................... الصفحة
أبو مالك الأشعري
- الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ ..................................................... ١١٨
أحمد بن محمد بن حنبل، أبو عبد الله الشيباني المروزي
- أَدعُو لهم بالصلاح ........................................................... ٢٣٠
- إذا أَصَبتَ الكوفيَّ صاحبَ سُنَّةٍ، فهو يَفُوقُ الناس ......................... ٧٨
- إذا رأيتَ رجلًا يذكُرُ أصحابَ رسولِ اللهِ بسُوءٍ، فاتَّهِمْهُ على الإسلامِ .. ٢٥٠
- إذا عَمِلْتَ الخيرَ زادَ، وإذا ضَيَّعْتَ نَقَصَ .................................. ٢٢٦
- أَشهَدُ أنَّ اللهَ ﵎ يقولُ، وقولُهُ الحَقُّ، خَلْقُهُ خَلْقٌ، وقَوْلُهُ بائنٌ مِن خَلْقِهِ ............................................................................ ١٤١
- أَعْطَى معاوِيةُ أهلَ المدينةِ عَطَايَا ما أَعْطَاها خَلِيفةٌ كان قَبْلَه ............. ٢٥٢
- أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ ........................................................... ٩٥
- إنَّ اللهَ تَكَلَّمَ بالصَّوْتِ والحَرْفِ .............................................. ١٤٤
- بل تَكَلَّمَ بصَوْتٍ؛ هذه الأحاديثُ تُروَى كما جاءَتْ ........................ ١٤٤
- فحُبُّهُمْ سُنَّة، والدُّعَاءُ لهم قُرْبَة، والاقتداءُ بهم وسيلة (الصحابة) ........ ٢٤٨
- قاتَلَهُ اللهُ! الخبيثُ عمَدَ إلى كتابِ اللهِ، فغَيَّرَهُ ............................... ٤٥
- قالوا: إنَّ اللهَ لم يتكلَّمْ ولا يتكلَّمُ، إنما كوَّن شيئًا، فعبَّر عن اللهِ (الجهمية) .. ١٤٦
- قالوا: هو شيءٌ لا كالأشياءِ! .................................................. ٩٣
- قطَعَها اللهُ! قطَعَها اللهُ! ........................................................ ١٠٣
- قِفْ بنا على هذا المتخرِّصِ ............................... ٢٠٩، ٢٠٧، ١٥٣، ١٠٥
- كَانَ يُسَمِّي القدَرَ: قُدْرةَ اللهِ .................................................. ١٥٨
- كان يُشَدِّدُ في مخالَفةِ قولِ الصحابةِ وفَهْمِهم للسُّنَّة ......................... ٢٧١
- لا تَجزَعْ أن تقولَ: ذلكَ كلامُ اللهِ مِن اللهِ، ومِن ذاتِ اللهِ ................... ١٥١
- لَا كَيْفَ، وَلَا مَعْنَى ........................................................... ٩٩
- لا نُزِيلُ عنه صفةً مِن صفاتِهِ؛ لِشَنَاعَةٍ شُنِّعَتْ ............................. ٩٩
- لا يكون مِن أهلِ السُّنَّةِ، ولا كَرَامةَ (الواقفة) ............................. ١٤٨
- ما أُرَاهُ على الإسلامِ ........................................................ ٢٤٩
- ما أعلَمُ أني حدَّثتُ به إلا لمحمدِ بن داودَ المصِّيصِي .................... ١٠٤
стр. 280
الأثر/ القول ..................................................................... الصفحة
- ما انتقَصَ أحدٌ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ إلَّا له دَاخِلةُ سُوءٍ ... ٢٥٦
- نَعَمْ؛ أَعْطِهِ لعلَّ اللهَ يَنفَعُهُ به! ...................................................... ٢٢٢
- نفيُ الصوتِ والحرفِ هو قولُ الجهميَّة .......................................... ١٤٤
- نُقْصَانُهُ بتَرْكِ العَمَل ................................................................ ٢٢٦
- هذه الأحاديثُ تُورِثُ الغِلَّ في القَلْبِ .............................................. ٢٥٤
- يا هذا؛ رسولُ اللهِ أَغْيَرُ على رَبِّهِ مِنْكَ .................... ١٠٥، ١٥٣، ٢٠٧، ٢٠٩
أحمد بن محمد بن زياد، أبو سعيد، ابن الأعرابي
- ما رأيتُ قومًا أكذَبَ على اللغةِ مِن قومٍ يزعُمُونَ أنَّ القرآنَ مخلوقٌ ........... ١٤٨
أحمد بن يحيى بن يسار الشيباني، أبو العباس ثعلب
- خرَجَ الشكُّ الذي كان يدخُلُ في الكلامِ ........................................... ١٣٨
أرسطو طاليس بن نيقوماخوس بن ماخاؤن
- لماذا كلَّما تجاوَزْنا المستوى المتوسِّطَ في الفلسفةِ، تملَّكَتْنا الأحزان، ولازَمَتْنا الأمراض ................................................................... ٦٠
إسحاق بن إبراهيم بن مخلد، أبو يعقوب الحنظلي النيسابوري، ابن راهويه
- إنَّ اللهَ يَقدِرُ على أن يَنزِلَ ويَصعَدَ ولا يَتحَرَّكَ .................................. ١٥٤
- إنما يكونُ التشبيهُ إذا قال: يدٌ كيَدٍ أو مثلُ يدٍ .................................... ١٣٤
- مُحدَثٌ مِن العَرْش ................................................................. ١٥٠
أسد بن الفرات
- واللهِ، لو أُدخِلْتُ الجَنَّةَ، فحُجِبْتُ عن رؤيةِ اللهِ، لَشَكَكْتُ ......................... ٢٠٢
- وَيْحَ اْهلِ البِدَعِ؛ هلَكَتْ هَوَالِكُهم؛ يَزْعُمُونَ أنَّ اللهَ خلَقَ كَلَامًا ................. ١٤٧
الحسن بن يسار، أبو سعيد البصري
- أهلَكَتْهُمُ العُجْمةُ؛ يتأوَّلون القرآنَ على غيرِ تأويلِه .............................. ٦٢
- نَعَم، بغيرِ مِثال .................................................................... ٩٢
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم، أبو عبد الرحمن الفراهيدي
- تُبصِرُ شيئًا مِن مَخارجِ الكلامِ؟ قال: نَعَمْ ........................................ ١٦٥
- تَجَلَّى: ظهَرَ وبان ................................................................. ٢٠١
стр. 281
الأثر/ القول ........................................................................ الصفحة
صُدَيُّ بن عجلان بن وهب، أبو أمامة الباهلي
- رَحْمةً لهم؛ لأنَّهم كانوا مِن أهلِ الإسلام ...................................... ٢٢٠
القاسم بن سلام الأزديّ البغداديّ، أبو عبيد القاضي
- إذا قِيلَ: كَيْفَ وضَعَ قَدَمَهُ؟ وكَيْفَ ضَحِكَ؟ قلتُ: لا يُفسَّرُ هذا ............... ٩٩
- لأهلِ العربيَّةِ لُغَةٌ، ولأهلِ الحديثِ لُغَةٌ، ولغةُ أهلِ العربيَّةِ أقيسُ ........... ٦٥
- لو حلَفَ الرجلُ ألَّا يَتكلَّمَ بشيءٍ، فقرَأَ القرآنَ، لم يَحنَثْ ..................... ١٤٧
- نحنُ نروي هذه الأحاديثَ، ولا نُرِيغُ لها المعانيَ ............................ ٩٩
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري
- أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ ............................................................. ٩٥
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) .................................................... ١٣٩
المختار بن عوف الأزدي أبو حَمْزةَ
- الناسُ مِنَّا ونحنُ منهم، إلا عابِدَ وَثَنٍ، أو كفَرَةَ أهلِ الكتابِ ................ ٢٢١
النعمان بن ثابت الكوفي، أبو حنيفة الإمام
- لعَنَ اللهُ عَمْرَو بنَ عُبَيْدٍ؛ فإنَّه فتَحَ للناسِ الطريقَ إلى الكلامِ ................ ٥٨
الوليد بن أبان الكرابيسي
- إنِّي أُوصِيكُم بما عليه أصحابُ الحديثِ؛ فإنِّي رأيتُ الحقَّ معهم ........... ٥٩
- هل تَعلَمُونَ أحدًا أعلَمَ بالكلامِ منِّي؟ ........................................... ٥٩
الوليد بن مسلم
- أَمِرُّوهَا بِلَا كَيْفٍ ................................................................ ٩٥
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) ..................................................... ١٣٩
جبلة بن حمود الصدفي
- جِهَادُ هؤلاءِ أفضَلُ مِن جهادِ أهلِ الشِّرْك ................................... ٢٥٨
- كنَّا نحرُسُ عَدُوًّا بَيْنَنا وبينَهُ البَحْرُ، والآنَ حَلَّ هذا العَدُوُّ بِسَاحَتِنا ......... ٢٥٨
حسان أبو المنذر
- مَن خالَفَ الحَجَّاجَ، فقد خالَفَ الإسلامَ ...................................... ٢٦٦
стр. 282
الأثر/ القول ....................................................................... الصفحة
حمديس
- يُجاهَدُ حسَبَ مقدارِ البِدْعةِ الواقعةِ منه على المراتِبِ المشروعةِ .......... ٢٦٣
سحنون بن سعيد بن حبيب، أبو سعيد التنوخي القيرواني
- أفضَلُ هذه الأمَّةِ بعد نبيِّها أبو بكرٍ وعُمَرُ .................................... ٢٥٣
- ألَّا تَخرُجَ على الأئمَّةِ بالسَّيْفِ، وإنْ جارُوا .................................. ٢٦٠
- قل: مُؤمِنٌ، ولا تَخلِطْ معها غيرَها ............................................ ٢٢٨
- كان يلقِّنُ ابنَ القَصَّارِ في مرَضِ موتِهِ أن اللهَ يُرَى يومَ القيامةِ ............. ٢٠٠
- ما هذا القَلَقُ؟ ................................................................... ٤٥
سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب، أبو محمد المخزومي
- لقد رأيتُ عَلِيًّا وعُثْمانَ يَسْتَبَّانِ سِبَابًا ما أخبَرْتُ به أحدًا بَعْدُ ................. ٢٥٥
سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي
- أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ .............................................................. ٩٥
سفيان بن عيينة بن ميمون أبو محمد الهلالي الكوفي
- الحديثُ مَضَلَّةٌ إلا للفُقَهاءِ ....................................................... ٢٧٤
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) ...................................................... ١٣٩
- هِيَ كَمَا جَاءَتْ؛ نُقِرُّ بِهَا، وَنُحدِّثُ بِهَا بِلَا كَيْفٍ ................................ ٩٥
سلمان الفارسي، أبو عبد الله
- الصِّرَاطُ إنه كحَدِّ المُوسَى ...................................................... ٢١٣
- لو تقطَّعْتَ أعضاءً، ما بَلَغْتَ الإيمانَ .......................................... ٢٢٦
شبيب الخارجي
- مِن دِينِنا قَتْلُ مَن كان على غيرِ رَأْيِنا؛ مِنَّا كان أو مِن غيرِنا ................ ٢٢٠
عاصم بن أبي النجود
- واللهِ! ما أَعَزَّ هذا مِن دِينٍ، ولا دفَعَ عن مظلومٍ .............................. ٢١٩
عبد الرحمن بن عمرو، أبو عَمْرو الأوزاعي الفقيه
- أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ .............................................................. ٩٥
стр. 283
الأثر/ القول ................................................................... الصفحة
عبد الرحمن بن مهدي بن حسان اللؤلؤي، أبو سعيد البصري
- السُّنَّةُ المتقدِّمةُ مِن سُنَّةِ أهلِ المدينةِ خيرٌ مِن الحديثِ .................... ٢٧٤
- مَن طلَبَ الكَلَامَ، فآخِرُ أمرِهِ زَنْدَقةٌ ........................................ ٥٩
عبد العزيز بن أبي سلمة، الماجشون
- مَن زعَمَ أنَّ اللهَ لا يُرَى يومَ القيامةِ، استُتِيبَ ............................. ٢٠٢
- هذا الكلامُ هَدْمٌ بلا بناء، وصفةٌ بلا معنًى ................................ ٩٦
عبد الغني بن عبد الواحد بن علي، أبو محمد المقدسي
- بلا تنزيهٍ ينفي حقيقةَ النزولِ .............................................. ١٠٠
عبد الله بن أبي حسان
- ليس هذا دِينَ قُرَيْشٍ، ولا دِينَ العرَبِ؛ هذا دِينُ أهلِ قُمّ ................. ٤٢، ٢٥٢، ٢٥٧
- واللهِ، لا يَخفَى علينا نحنُ مَن يَستحِقُّ الوَلَايةَ بعدَ وَالِينَا ................. ٢٥٧
عبد الله بن إدريس
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) ................................................ ١٣٩
عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، أبو عبد الرحمن المروزي
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) ................................................ ١٣٩
- يَنزِلُ كيفَ شاءَ ............................................................. ١٥٤
عبد الله بن طالب، أبو العباس
- الحمدُ للهِ الذي يُشكَرُ على ما به أنعَمْ .............................. ٤٦، ١٠٨، ١٢٢، ٢٠٠
عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو محمد الهاشمي
- إذا جاءَ القَدَرْ، حالَ دُونَ البَصَرْ ........................................... ١٥٧
- الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ .................................................... ١١٨
- كان يسمِّي القدَرَ: نظامَ التوحيدِ ............................................ ١٥٧
- لا أَعلَمُ الصلاةَ تَنبغِي مِن أحَدٍ على أحَدٍ إلَّا على رسولِ اللهِ ............. ٨٤
- ليسوا بأشَدَّ من اليهود والنصارى وهم يَضِلُّون (الخوارج) .............. ٢٢١
- ما بعَثَ اللهُ نبيًّا إلَّا أخَذَ عليه الميثاقَ: لَئِنْ بُعِثَ محمَّدٌ .................... ١٧٨
- مَا فَرَقُ هَؤُلَاءِ؟! يَجِدُونَ عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ! .......... ٩٤
стр. 284
الأثر/ القول .................................................................... الصفحة
عبد الله بن عثمان بن عامر التيمي، أبو بكر الصديق
- تَشَهَّدَ في خُطْبةِ غيرِ الجُمَع ................................................. ٧٠
عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العدوي
- أبو بكرٍ واللهِ أخيَرُ منه، وهو واللهِ أسوَدُ مِن أبي بَكْرٍ! ................... ٢٥١
- أمَّا أنا، فعلى بيِّنةٍ مِن ربِّي، وأمَّا أنتَ، فاذهَبْ إلى شاكٍّ مِثْلِكَ خَاصِمْهُ .. ٢٨٢
- جمَعَ بَنِيهِ وأهلَهُ في إثباتِ بيعتِهِ يَزِيدَ لمَّا خلَعَهُ الناسُ .................... ٧٠
- ما رأيتُ أسوَدَ مِن معاوِيَةَ! ................................................. ٢٥١
- مُعَاويةُ أسوَدُ مِن عُمَرَ وعُثْمانَ! ............................................ ٢٥٢
عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو محمد السهمي
- شرُّ واديينِ في الناس: وادي الأحقاف، ووادٍ بحضرموت يقالُ له: بَرَهُوت .. ٢٣٨
عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري
- الكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ ...................................................... ١١٨
عبد الله بن لَهِيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري القاضي
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) ................................................... ١٣٩
عبد الله بن محمد الضعيف
- قُعَّدُ الخوارجِ أخبَثُ الخوارجِ، وقُعَّدُ الجهميَّةِ هم الواقِفة .................. ١٤٨
عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن
- إِذَا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْي، سَمِعَ صَوْتَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ .............................. ١٤٣
- إِذَا ذُكِرَ القَدَرُ، فَأَمْسِكُوا ...................................................... ١٦٢
- التشهُّدُ في كلِّ حاجةٍ يخطُبُ لها ............................................. ٧١
- بَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَالَّتِي تَلِيهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ ............................................................................... ١٢٠
- عبَّرَ عن الاستواءِ بالجلوسِ .................................................. ١٢٤
- وَالصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ، دَحْضُ مَزِلَّةٍ ........................................ ٢١٣
عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد الفهري القرشي
- كلُّ صاحبِ حديثٍ ليس له إمامٌ في الفقهِ، فهو ضالٌّ ....................... ٢٧٤
стр. 285
الأثر/ القول ......................................................................... الصفحة
- لولا أنَّ اللهَ أنقَذَنا بمالكٍ والليثِ، لَضَلَلْنَا ........................................ ٢٧٤
عبد الله بن يزيد المقرئ
- يَعْنِي أنَّ اللهَ سميعٌ بصيرٌ ......................................................... ١٠١
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف، أبو المعالي الجويني إمام الحرمين
- أموتُ على ما يموتُ عليه عجائزُ نَيْسَابُور ..................................... ٥٩
عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي، أبو سعيد الأصمعي البصري
- إذا سَمِعْتَ الرجُلَ يقولُ: الاسمُ غيرُ المسمَّى، فاحكُمْ عليه بالزَّنْدَقة ............ ١٣٣
- جلَسْتُ إلى أبي عَمْرِو بن العَلَاءِ عَشْرَ حِجَجِ .................................... ١٦٥
- هي كافِرةٌ بهذه المَقَالَة ............................................................. ١٢٨
عبدة بن سليمان الكلابي
- كافِرٌ (القائل بخلق القرآن) ........................................................ ١٣٩
عثمان بن سعيد بن عثمان، أبو عمرو الداني
- أئمَّةُ القُرَّاءِ لا تَعمَلُ في شيءٍ مِن حروفِ القرآنِ على الأَفشَى في اللغةِ، والأقيَسِ في العربيَّةِ .................................................................. ٦٥
عثمان بن عفان بن أبي العاص الأموي
- تشهَّدَ في كلامِهِ لمَّا أقام الحَدَّ على الوليدِ بنِ عُقْبة ............................... ٧٠
عقبة بن نافع
- اللَّهُمَّ، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ بَلَغْتُ المَجْهُودَ، وَلَوْلَا هَذَا البَحْرُ، لَمَضَيْتُ فِي البِلَادِ أُقَاتِلُ مَنْ كَفَرَ بِكَ ...................................................................... ٢٢
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحسن الهاشمي
- أَرْجُو أن يكونوا هم؛ فإنَّهم سفَكُوا الدَّمَ الحَرَامَ .................................... ٢٢١
- تَشَهَّدَ في خُطْبةِ غيرِ الجُمَع ......................................................... ٧٠
- خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَالثَّانِي عُمَرُ ﵁ .................. ٨١
- شرُّ واديينِ في الناس: وادي الأحقاف، ووادٍ بحضرموت يقالُ له: بَرَهُوت ..... ٢٣٧
- صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ ........................................................................ ٨٤