فإنه لا يسمى بذلك إلا لكون ظاهره مما يتبادر إلى الذهن في الدلالة على المعنى المراد حتى ظهر معناه للمخاطب، ولا يصار إلى ما يمكن أن يحتمله الدليل من المعنى المرجوح إلا لقرينة.
يقول الإمام الشنقيطى (١) ﵀: "اعملوا أن المقرر في الأصول أن الكلام إن دل على معنى لا يحتمل غيره فهو المسمى نصًا، كقوله مثلًا: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
فإذا كان يحتمل معنيين أو أكثر فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون أظهر في أحد الاحتمالين من الآخر، وإما أن يتساوى بينهما.
فإن كان الاحتمال يتساوى بينهما فهذا الذي يسمى في الاصطلاح المجمل، وحكم المجمل أن يتوقف عنه إلا بدليل على التفصيل.
أما إذا كان نصًا صريحًا فالنص يعمل به، ولا يعدل عنه إلا بثبوت النسخ.
فإذا كان أظهر في أحد الاحتمالين فهو المسمى بالظاهر، ومقابله يسمى محتملًا مرجوحًا، والظاهر يجب الحمل عليه إلا لدليل صارف عنه." (٢)
إذًا فالأصل في حكم الأخذ بالظاهر هو الوجوب، فأين منه هذه المقولة الظالمة التي جعلت الأصل في الأخذ به المنع الذي يقتضى الخروج من الدين بالكلية؟ لا شك أن هذا إجحاف وضلال يطعن في أصل الإيمان بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة.
ومن العجب أن الصاوى عند بيان الآداب التي يجب التمسك بها في الأخذ عن الشيخ؛ أوجب على التلميذ أن يحمل كلام الشيخ على ظاهره، ولا يعمد إلى
стр. 107
تأويله، معللًا ذلك بأنه أعلم بمراده من كلامه، لقد كان هذا الأدب أولى مع كلام رب العالمين، الذي وصفه المولى ﵎ بالحكمة، والبيان، والشفاء، والتمام، وأمر بتدبره، وإقامة. أمره، وتصديق خبره قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
وقد رد عليه الإمام الشنقيطى ﵀ مقولته تلك مبينًا ضلاله فيها، كما نبه إلى ما نتج عنها من انحراف الكثير ممن تأثر بالصاوى، كل ذلك بأسلوب شديد وحجة قوية رام بها هدم هذا الأصل المبتدع، الذي مؤداه الطعن فىٍ كلام رب العالمين، الذي قال فيه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢].
وفيما يلى نص كلامه ﵀ الذي شدد فيه محرجًا على الصاوى مقولته تلك: "أما قوله إن الاخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، سبحانك هذا بهتان عظيم.
والتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وعامة علماء المسلمين أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في حال من الأحوال بوجه من الوجوه، حتى يقوم دليل صحيح شرعى صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.
والقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ , وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا، لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس" إلى آخر ما ذكر ﵀. (١)
стр. 108
والصاوى لدفع هذا التعارض الذي يراه بين ظاهر النص وما يجب أن يفسر بها اتباعًا للعقل فإنه يقرر مذهب التأويل أو التفويض، فمرة يوجب تأويل النص بما يوافق مذهبه الأشعري، ومرة يوجب التفويض بحيث يمتنع تعيين المعنى لمعارضته العقل المحكم في فهم النصوص المتعلقة بتوحيد الرب تعالى عنده. ولبيان هذا فإنه يتعين الحديث عن:
مسلك التأويل والتفويض:
وأصله المعتمد في انتهاج مسلك التأويل أو التفويض - كما سبقت الإشارة إليه - هو الوصول إلى معنى لا يعارض الأساس العقلى الذي تم به معرفة الله تعالى وهو تنزيهه عن مماثلة الحوادث الذي هو محصلة أصلهم المبتدع الذي اعتمدوه في إثبات وجود الباري تعالى وهو قولهم بأن: كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
وعليه فإنه ما من دليل من كتاب أو سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها.
يقول شارحًا قول اللقانى:
وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها
"وحاصل ما في هذا المقام أنه لما قدم - أي: اللقانى - أنه سبحانه وجبت له المخالفة للحوادث عقلًا وسمعًا، وورد في القرآن والسنة الصحيحة والحسنة ما يوهم إثبات الجهة والجسمية، وكان مذهب أهل الحق من السلف والخلف تأويل الظواهر لوجوب تنزيهه تعالى عنه، أشار إلى ذلك مقدمًا طريق الخلف لأرجحيته لقول أهل الفن: طريق الخلف أعلم وأحكم؛ لما فيه من مزيد الإيضاح والرد على الخصوم، وطريقة السلف ومنهم الأئمة الأربعة أسلم للسلامة من تعيين معنى يكون غير مراد له تعالى، والخلاف إنما هو في الأولوية وإلا فارتكاب كل كافٍ". (١)
стр. 109
"فظهر مما قررنا اتفاق السلف والخلف على تنزيهه تعالى عن معنى المحال، وعلى الإيمان بأنه من عند الله جاء به رسول الله، لكنهم اختلفوا في تعيين معنى صحيح وعدم تعيينه بناء على أن الوقف على قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أو على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. (١) "وهذه هي طريقة السلف، وأما طريقة الخلف فهى أحكم؛ فالوقف على أولى الألباب. فالراسخون معطوف على لفظ الجلالة". (٢)
* * *
ومما تقدم تبين أنه جعل تنزيه المولى عن ظاهر النص مجمعًا عليه بين السلف والخلف ولكن اختلفت طريقتهم في ذلك، يقول مقررًا هذا المبدأ: فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة". (٣)
ولكنه في تحليله السابق لمنهج السلف لم يصب الحقيقة، لأنه جعل مذهبهم - ومنهم الأئمة الأربعة - قائمًا على اعتقاد أن ظاهر النصوص يجب تنزيه المولى تعالى عنه لأن فيه مماثلة للحوادث - وهو ما عبر عنه بالمعنى المحال - وما كان كذلك وجب تفويضه للسلامة من تعيين ما لا يليق به سبحانه.
وهذا الذي توصل إلى فهمه من مذهب السلف لا يسلم له، فلم يؤثر عنهم اعتقاد كون النصوص يقتضى ظاهرها ما يخالف التمثيل الذي توهمه، كما تقدم بيانه؛ إذ هو مخالف لما هو معلوم من الدين بالضرورة من التسليم لدلالة النصوص واعتقاد ظاهرها دون ميل عن التوسط والاعتدال، وهذا الأصل دل عليه قول المولى تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فهذا إثبات للظاهر المعلوم من اللفظ، مع التحذير من التعمق الذي يؤدي إلى التكييف والتمثيل، يقول شيخ الإسلام: "ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمون هذا ظاهرًا
стр. 110
ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن كفرًا وباطلًا والله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال". (١)
والحق أن السلف - رضوان الله تعالى عليهم - إنما كانوا يفوضون في الكيف فقط، والعمدة في ذلك قول الإمام مالك ﵀: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (٢)
والتفويض في الكيف كما هو صريح في كلام الإمام مالك لا يعني تفويض المعنى، بل المعنى مفهوم كما أقر به - رضى الله عنه - ولكن الكيف هو الذي تفوض حقيقته لله تعالى؛ لأنه سبحانه كما أن له ذاتًا لا تماثل حقيقتها الذوات كذلك له صفات لا تماثلها الصفات. (٣)
وقد تطرق الصاوى أثناء عرضه للقضية إلى مسألة هامة وهى بيان السبب الذي دعا إلى اختلاف المنهج بين المتقدمين والمتأخرين وجعل محل النزاع فيها مرتبطًا بالوقف في الآية الكريمة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ومناقشته ترجع:
أولًا: إلى بيان المراد بالمتشابه المذكور في الآية الكريمة، وهل يدخل فيه آيات الصفات كما ذكر؟
ثانيًا: بيان المراد بالتأويل الذي ورد فيها، وهل كان الوقف هو سبب لنشوء الخلاف؟
ثالثًا: ما مدى سلامة ما توصل إليه الصاوى من أنه على القول بجواز الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يصحح ما ذهب إليه المتكلمون من تعيين المعنى المراد بمثل ما ذهبوا إليه؟
стр. 111
فأقول مستعينة بالله تعالى:
- أولًا المراد بالمتشابه:
- المتشابه في اللغة: "أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان كقوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: ٢٥] " (١):
للسلف الصالح أقوال في بيان المراد بالمتشابه في هذه الآية الكريمة وكلها لا تخرج عن هذين القولين:
الأول: تحديد أمور معينة مما ورد في الشرع قصر السلف وقوع التشابه عليها، لكثرة الاختلاف الواقع بين الناس في المراد بها. وضربوا لذلك أمثلة منها الحروف المقطعة في أوائل السور. (٢) وحقيقة ما أخبر الله تعالى به من أمور الغيب كالجنة والنار والميزان وما اتصف به من صفات، يشهد لهذا قول الإمام مالك ﵀: [الكيف مجهول].
وهذا مما اتفق السلف على أنه من المتشابه. (٣)
الثاني: القول بنسبية التشابه، بمعنى أنه قد يشتبه أمر على شخص دون آخر فكل من وقع في أمر التبس عليه فهو مشتبه بالنسبة له، وبهذا المعنى تكون آيات القرآن كلها من المحكم وإنما يقع الناس في الاشتباه نتيجة لاختلاف قدراتهم وما وصل إليهم من بيان المعنى المراد بالآيات الكريمة، من ذلك قول المصطفى ﵊: (الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) (٤). حيث لم يقطع بامتناع علمها لكل الناس فتحصل من ذلك أنها عدت من المتشابه لكونها مما لا يتأتى علمه لكل الناس. (٥)
стр. 112
وبناء على ما تقدم اختلفت مواقف السلف في مكان الوقف في الآية الكريمة. فمن اعتقد أن التشابه أمر نسبى ولا يلزم من وقوعه لبعض الناس أن يعمم حكمه فلا يعلم لأحد، قالوا بجواز الوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وكان هذا قول لابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس - رضى الله عنهم أجمعين -.
ومن قال بتعيينه: أوجب الوقف على لفظ الجلالة: [الله] وقد قال به ابن عباس - في أحد قوليه - وعائشة وابن مسعود وأبى بن كعب - رضى الله تعالى عنهم -. (١)
وعند تحليل الموقفين السابقين نصل إلى أن من أوجب الوقف على لفظ الجلالة فمنع بذلك علم المتشابه لأحد إلا الله تعالى حمل التشابه المذكور إلى المتعين على جهة بيان حقيقته كأخبار الغيب من الجنة والنار وغير ذلك.
أما من رأى الوقف على الراسخين في العلم فنسب بذلك العلم بالمتشابه إليهم، فإنه قصد به المتشابه النسبى الذي يلتبس فهمه على بعض الناس دون البعض. وبهذا يتضح موقف حبر الأمة في كلا القولين. (٢)
وبهذا يعلم أن آيات الصفات لا تدخل في المتشابه - كما اعتقد الصاوى وبنى عليه مذهبه في التأويل - إلا من حيث الكيفية والحقيقة أما من حيث المفهوم والمعنى فهى من المحكم الذي لا يلتبس فهمه على الراسخين في العلم وهذا ما قرره الإمام مالك ﵀، حيث قال: [الاستواء معلوم] ولا يمكن بحال حمل الصفات على المتشابه المطلق الذي ذهب البعض إلى اشتمال القرآن عليه كالحروف المقطعة في أوائل السور.
يقول شيخ الإسلام مؤيدًا ما سبق حاكيا: "اتفاق الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسمائه وآياته". (٣)
стр. 113
دل على هذه الحقيقة أمر الله تعالى عباده بتدبر آياته حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
ومقتضى الأمر من الشارع الحكيم - كما هو معلوم - أن يكون الامتثال في مقدور المكلف، وعليه فإنه لا يمكن القول بأن صفاته تعالى مما لا يفهم له معنى وهذا ما كان عليه سلف الأمة الذين فسروا القرآن كله ولم يتوقفوا عند خبر من أخباره. (١)
- ثانيًا: المراد بالتأويل:
يرجع التأويل في اللغة إلى: التفسير والبيان، والمرجع والمآل والحقيقة، والسياسة والإصلاح (٢)
يرجع معنى التأويل في هذه الآية الكريمة إلى ما سبق بيانه من المراد بالمتشابه، فعلى القول بأن المراد به هو التشابه النسبى يكون معنى التأويل هنا هو: التفسير والبيان.
أما على القول بأن المتشابه المذكور في الآية هو ما يرجع إليه الأمر في حقيقته ومآله فيكون المراد بالتأويل هنا: الحقيقة والمآل (٣).
ومن هذا العرض المختصر لمعتقد أهل السنة والجماعة في قضية الوقف في الآية الكريمة يتبين لنا ما هو أساس الخطأ في تصور الصاوى للقضية والذي كان دافعًا له لتبرير ما ذهب إليه سلفه من المتكلمين، حيث أعاد اختلاف المنهج بين السلف والخلف من المتكلمين إلى مسألة الوقف، فجعل طريقة السلف هي الوقف على لفظ الجلالة، مع أن هذه المسألة قد اختلف فيها منذ عهد الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم - وكان منهم من رأى العطف - كما سبق بيانه - ومع ذلك لم يحمله هذا القول على انتهاج مسلك التأويل وفقًا لما ذهب إليه المتكلمون.
стр. 114
ومن جهة أخرى فإنه جعل علم الراسخين منطبقًا على ما ذهب إليه المتكلمون، فخالف بذلك الحقيقة الشرعية واللغوية للتأويل الذي ثبت حصوله لاهل العلم، إذ ينحصر مفهومه - عند السلف - في معرفة النصوص الشرعية، لانه قد أجمع - كما تقدم - على أن الحقيقة والمآل مما استأثر الله تعالى بعلمه فلا يدخل في علم الراسخين بحال.
ويكون بهذا قد حمل التأويل المذكور في الآية الكريمة على ما هو معهود عند المتأخرين وهو: صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى يحتمله لقرينة. (١)
ومعلوم أن هذا المفهوم مستحدث، ليس بعمدة في المسائل المتعلقة بأصل الاعتقاد، بل الواجب في مثل هذه المهمات هو الرجوع إلى أقوال الأئمة من السلف - رضوان الله تعالى عليهم - والاكتفاء بما ذهبوا إليه، وذلك لاعتمادهم على ما أثر عن النبي ﷺ ، وأقوال الصحابة والتابعين، واللغة العربية، فلا يجوز الخروج عن أقوالهم قدر أنملة في هذه المسائل؛ لأنها مبنية على الاتباع، فلا اجتهاد فيها بحال، وكل خروج عن ذلك هو في عداد البدع التي ذمها الشرع وحذر منها أيما تحذير.
هذا من حيث الجملة، وإلا فإنه ليس فيما أوردوه من النصوص ما يدل على وجوب صرفها عن ظاهرها على القول بالمجاز (٢) - لأنهم اشترطوا وجود القرينة وليس ثمة قرينة إلا ما رأوه هم مما لا أصل له في الشرع يعتمد عليه في مثل هذه المهمات.
وقد أجمل شيخ الإسلام ﵀ الشروط التي يجب توفرها حتى يصح تأويل النص وفقًا لما ذهب إليه المتأول في ما يلى:
стр. 115
-: "بيان احتمال اللفظ للمعنى الذي ادعاه.
- وبيان الدليل الموجب للصرف إليه عن المعنى الظاهر". (١)
ولما كانت أدلة الأشاعرة لا تقوى على إثبات هذه الدعوى وتطرق إليها المنع لضعفها عن ذلك صارت مناقشتهم فيها من حيث التفصيل تتأتى من عدة اتجاهات، وهذا سيتضح عند مناقشة الصاوى فيما أورده من شبه في صفات الله تعالى (٢).
ويبقى هنا التأكيد على وجوب ملازمة النهج السوى في التمسك بالكتاب والسنة المطهرة؛ اقتداء بما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الأطهار، إذ كل خروج عن طريقهم في هذا المسلك يؤدى إلى هدم الحقائق العقلية والدينية، لانه إذا ثبت انتفاء المعارضة بينهما فقد تأكد وجود التلازم والارتباط، بحيث يصير مؤدى أي طعن في الدليل الشرعي طعنا بطريق أولى في الدليل العقلى الذي سلم له القياد عند استسلام الفؤاد لرب العباد، وفى بيان مآل المتكلمين في هذه المسالك البدعية، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "فهؤلاء يخالفون أقوال الأنبياء، إما بالتكذيب وإما بالتحريف من التأويل وإما بالإعراض عنها وكتمانها، فإما ألَّا يذكروها أو يذكروا ألفاظها ويقولون ليس لها معنى يعرفه مخلوق. . .
وكذلك هم مخالفون للأدلة العقلية فالأنبياء كملوا الفطرة، وبصروا الخلق، ومخالفوهم يفسدون الحس. والعقل كما أفسدوا الأدلة السمعية والحس والعقل الذين بهما تعرف الأدلة، والطرق ثلاثة: الحس، والعقل، والخبر، فمخالفوا الأنبياء أفسدوا هذا وهذا وهذا وأما إفسادهم لما جاء عن الأنبياء فظاهر، وإما إفسادهم للحس والعقل، فإنهم قسمان: قسم أصحاب خوارق حسية كالسحرة والكهان وضلال العباد، وقسم أصحاب كلام واستدلال بالقياس والمعقول، وكل منهما يفسد الحس والعقل". (٣)
стр. 116
الباب الثاني: (آراؤه في العقيدة)
ويتضمن عشر فصول:
الفصل الأول: معرفة الله والاستدلال على وجوده.
الفصل الثاني: آراؤه في التوحيد.
الفصل الثالث: آراؤه في الأسماء، والصفات.
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان.
الفصل الخامس: آراؤه في الملائكة، والجن.
الفصل السادس: آراؤه في الكتب.
الفصل السابع: آراؤه في النبوات.
الفصل الثامن: آراؤه في اليوم الآخر.
الفصل التاسع: آراؤه في القضاء، والقدر.
الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة، والإمامة.
стр. 117
الفصل الأول: (آراؤه في معرفة الله والاستدلال على وجوده)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: معرفة الله.
المبحث الثاني: الاستدلال على وجود الله.
стр. 118
(المبحث الأول): معرفة الله تعالى
(تمهيد)
لما كانت معرفة الله تعالى هي أساس الإيمان به؛ كان من رحمته أن فطر الناس على تلك المعرفة وجبلهم على الإقرار بها، ولمكانة هذا الأصل وما له من أهمية، وجدت أدلته كثيرة، ومتنوعة الدلالة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ ، وفى أقوال السلف المتقدمين، بل وفي حال الأمم السابقة واللاحقة؛ لذلك كان معتقد أهل السنة والجماعة في المسألة مقتضى تلك الأدلة وهو الإقرار بفطرية معرفته سبحانه.
ومن تلك الأدلة التي تقرر هذه الحقيقة، قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]
حيث فسرت الفطرة هنا بالإسلام وكان هذا هو قول كبار السلف من الصحابة والتابعين فقد روى عن: أبي هريرة، ومعاذ بن جبل، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، (١) وهذا "هو المعروف عند عامة السلف من أهل العلم بالتأويل" (٢)
ويستند تأويل الفطرة المذكورة في الآية الكريمة بالإسلام إلى وجود الأمر بالالتزام به؛ وبيان أن الله تعالى قد فطر الناس عليه وجبلهم على التمسك به، فيصبح الأمر بالإيمان هو أمر بمقتضى تلك الخلقة التي جبلوا عليها، فيتحقق بذلك التلازم بين الأمر بالإسلام دين الله، وكونه فطرة قد جبل الناس على الإقرار بها، يدل على هذا حذف العامل فإنه لا يحذف في لغة العرب إلا إذا كان معلومًا من سياق الكلام.
стр. 119
يقول الشيخ السعدى - (١) ﵀: "وهذا الأمر الذي أمرناك به. هو ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ووضع في عقولهم حسنها، واستقباح غيرها". (٢) فينتفى بذلك وجود الموانع من داخل النفس البشرية. ولكن مع ذلك إذا تمكنت الشبهات من النفس البشرية، واستطاعت أن تحجب تلك الحقيقة لوجود الموانع الصارفة من الخارج؛ أمكن حينئذ تدخل طرق المعرفة الأخرى من النظر أو الكشف، فقط لتزيل ذلك الحجاب، وتنبه النفس من تلك الغفلة التي عرضت لها.
ومما يشهد لذلك حال الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - الذين هم أعلم الناس بالله تعالى وما يجب في حقه - في دعوتهم للأمم، حيث افتتحوا تلك الدعوة بالأمر بالتوحيد الذي يعني حقيقته إخلاص العبادة لله وحده، مما يدل على أن تلك الأمم كانت مقرة بربوبية الله تعالى على خلقه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومع وضوح هذا الأصل وبعده عن الغموض والتعقيد، إلا أن الافتراق الذي حدث للأمة المسلمة قد أثر على صفاء ذلك المعتقد، حيث داخله خلط كبير منذ اتساع رقعة بلاد الإسلام واختلاط عدد كبير من أصحاب الديانات السابقة والنحل المختلفة بأبناء المسلمين، ونتيجة لذلك تصدى عدد من المتكلمين للرد على شبهات المخالفين بغية الدفاع عن عقيدة المسلمين. ومع الابتعاد عن منهج السلف في تقرير العقيدة والدفاع عنها، وتعظيم العقل والاغترار به، حدث الابتداع المنهى عنه وأدخل في الدين ما ليس منه. وبذلك احتل منهج الرد على المخالف مكان تقرير العقيدة الحقة، وأصبحت هذه المسألة من أهم مسائل علم الكلام.
стр. 120
والمعتزلة هم أول من عرف عنهم تزعم هذا الفكر والذب عنه، حيث بنت معتقدها في قضية المعرفة على أساس المنهج العقلى الذي وضعته في تقرير العقائد والذي يعتمد في أساسه على قضية التحسين والتقبيح العقليين، وبذلك صار الإيمان بالعدل والتكليف ضرورة تقتضى عدم إمكان تحقق المعرفة بغير النظر، فنفوا بذلك إمكان تحققها بالضرورة؛ إذ لو أمكن معرفة "الله ضرورة أو بالمشاهدة لسقط التكليف، أو لو عرف بالطبع سقط أيضًا التكليف، فالتكليف عندهم أساس تتفرع عليه آراؤهم في مشكلة المعرفة" (١).
وانتقل هذا التصور الذي نشأ في أحضان المعتزلة للفكر الأشعري، حيث يبرهن أبو الحسن الأشعري على نظرية المعرفة بأنه لو كانت معرفته تعالى تحصل ضرورة لما أمر بها ولما ترتب المدح والذم عليها، يقول: "إن معرفة الله تعالى مأمور بها. . ." إلى أن يقول: "وإذا كان ذلك كذلك دل أنها اكتساب لأن الأمر لا يتعلق بنوع الضرورة، ولا الذم على تركه، والمدح على فعله". (٢)
ونتيجة لما تقدم ذهب الجم الغفير منهم إلى القول بأن معرفة الله تعالى نظرية فقصروا حصولها على الاستدلال العقلى فقط، وأوجبوا بذلك النظر وجوب الوسائل المفضية إلى المقاصد، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٣)
ومع ذلك فقد ذهب عدد منهم إلى إمكان معرفته سبحانه بمقتضى الفطرة. (٤)
ونتيجة لما سبق تفرع الخلاف في هذه القضية، حيث تدور محاوره حول المطالب التالية:
أولًا: طرق المعرفة.
ثانيًا: حكم المقلد في باب الإيمان. (٥)
стр. 121
طرق المعرفة
كثيرًا ما يبتدئ المتكلمون الكلام في معرفة الله تعالى بالحديث عن أول واجب على المكلف، وذلك بعرض الآراء المتعددة في المسألة، ومن ثم ترجيح الرأى الذي يناسب معتقدهم في طريق الوصول إلى معرفة الله تعالى، فالذين ذهبوا إلى أن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا بالنظر اختلفوا في أول واجب على المكلف (١)، فقال بعضهم: إن أول واجب هو الشك (٢).
وهذا القول منسوب إلى أبى هاشم الجبائى المعتزلى (٣)، وهو الذي يسمى بالشك المنهجى كما هو معروف في الفلسفة، حيث يلتزم به من أراد الوصول إلى العلم المنافى للشك بأن يشك في ما لديه من علوم، ثم يقوم بتفنيد الشبهات التي أدت إلى شكه حتى يصل إلى الجزم بحقيقة تلك العلوم، (٤) وهذا بعينه الذي تحدث عنه الغزالي (٥) في كتابه: المنقذ من الضلال. (٦)
أما القول بأن أول الواجبات النظر، أو القصد إلى النظر فهذا في حقيقته يرجع إلى اعتقاد عدم تحقيق المعرفة إلا بالنظر، وهذا رأى المعتزلة على جهة الإجماع (٧).
وقد وافق عامة الأشاعرة المعتزلة في مكانة النظر، يقول الرازي: "المشهور في
стр. 122
بيان وجوب النظر أن معرفة الله تعالى واجبة ولا يمكن تحصيلها إلا بالنظر وما يتوقف الواجب المطلق عليه وكان مقدورًا للمكلف فهو واجب". (١)
ومنهم من ذهب إلى أن أول واجب هو معرفة الله تعالى. (٢)
وشيخ الإسلام يرى أن الخلاف الذي وقع بين الأشاعرة في أول واجب خلاف لفظى؛ لأن من قال بأن أول واجب هو النظر أوجبه وجوب الوسائل، ومن قال بان أول واجب معرفة الله تعالى فقد أوجبه وجوب المقاصد، يقول ﵀: "فإن النظر واجب وجوب الوسيلة من باب ما لا يتم الواجب الا به فهو واجب. والمعرفة واجبة وجوب المقاصد، فأول واجب وجوب الوسائل هو النظر، وأول واجب وجوب المقاصد هو المعرفة، ومن هؤلاء من يقول: أول واجب هو القصد إلى النظر، وهو أيضًا نزاع لفظى، فإن العمل الاختيارى مطلقًا مشروط بالإدارة". (٣)
مع ما تقدم فقد يشعر قول من يقول بان أول واجب هو النظر، حصر إمكان الوصول إلى المعرفة إلا بطريقه، بمعنى أنه استحق هذه المكانة لكونه الوسيلة الوحيدة التي توصل إلى المعرفة، وأما من يقول: إن المعرفة هي أول واجب، فإنه قد لا يسلم بعدم إمكان تحققها الا به، حتى ولو قال بوجوبه وجوب الوسيلة المفضية إلى المقصد (٤).
ولا شك أن مناقضة المتكلمين لمسلك التلقى بالضرورة والفطرة بادعائهم وجوب النظر وقصر المعرفة بطريقه؛ كان سببًا لوقوعهم في التناقض والاضطراب، حيث أقر بعضهم بأن جميع المعارف لا يصح الاحتجاج بها ما لم تستند إلى دعائم ضرورية تكون بمثابة الأصول والقواعد. (٥)
стр. 123
ومن هنا دخل الانحراف في الفكر الاشعرى وظهر التناقض ممثلًا بشخصية الغزالي الذي أغرق في الاحتجاج بالضروريات حتى عد منها ما ليس منها في الحقيقة وواقع الأمر، وخرج عن قوانين المتكلمين إلى مجاهيل الصوفية، حيث أغرق في اعتماد الإلهام وعده مصدرًا معتمدًا في تلقى العقائد والأحكام بلا ضابط أو حد. (١)
ويكشف لنا الغزالي بذلك سبب ميل الصوفية إلى العلوم الإلهامية، وإعراضهم عن تلقى العلم بطريق التحصيل والكسب، يقول: "اعلم أن ميل أهل التصوف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون، والبحث عن الأقاويل بل قالوا: الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى. . . . وإذا تولى الله أمر القلب، فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب، وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن القلب حجاب العزة بلطف الرحمة، وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية". (٢)
وهذا بعينه ما قرره وهو يحكى قصة هدايته في كتابه المنقذ من الضلال، حيث قام بتصوير حاله أثناء تورطه بالشك الذي أوقعه فيه شبهات عرضت عليه في التسليم بالأوليات وكيف أن الهداية حصلت له لا بسبب واجتهاد، بل بنور قذفه الله تعالى في صدوره، يقول: "ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف. . . فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة؛ فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة". (٣)
* * *
رأى الشيخ الصاوى:
مما سبق اتضح لنا أن الصاوى عاش في عصر متأخر؛ وكان قد تتلمذ على عدد
стр. 124
كبير من مشايخ الأشاعرة في عصره، على رأسهم شيخه: الدردير والجمل. لذا نجد أنه غالبًا ما يقرر مذهب أشياخه في المسائل التي يعرضها، ولعلو مكانته ورسوخ قدمه في المذهب الأشعرى لا يقتصر على ذلك، بل يرجح القول الذي يراه صوابًا وكثيرًا ما يدعم ذلك الترجيح بادلة واضحة الدلالة، بأسلوب معبر، وعبارة سلسة، وقد يظهر عليه خلال عرضه لمسائل العقيدة تأثره بنزعته الصوفية، فيذكر أقوال أهل التصوف إما على سبيل التقرير، أو عرض الرأى الآخر.
وتتلخص آراؤه في معرفة الله تعالى - بناء على ما تقدم - أن معرفة الله تعالى هي أول واجب على المكلف. وبما أنها كذلك فلا بد أن يكون الدليل الموصل إليها واجبًا بوجوبها، حيث يمثل النظر عنده وسيلة للمعرفة المقصودة أو المعتمدة، وبهذا الاعتبار كان حكمه واجبًا.
يقول: "ولما كان أول الواجبات المعرفة على الأصح، وكان النظر وسيلة لها كان واجبًا". (١)
ومع ذلك فإنه يرى أن أساس ذلك الوجوب هو الشرع. حيث إن الله تعالى لم يدع المكلفين موكولين إلى عقولهم في معرفته سبحانه، بل أرسل الرسل، وبين أن الحجة لا تقام، والعذاب لا ينزل بمن يستحقه، إلا بعد إرسالهم، يقول: فإن قلت: كيف يكون للناس حجة قبل الرسل، مع قيام الأدلة التي تدل على معرفة الله ووحدانيته، كما قيل:
وفى كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد.
أجيب بأن الله لم يكلفنا بذلك بمجرد العقل، بل لا بد من ضميمة الرسل التي تنبه على الأدلة، وشاهده هذه الآية: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فلذلك قال أهل السنة: إن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع. خلافًا للمعتزلة". (٢)
стр. 125
وتظهر نزعة التصوف جلية في هذه المسألة، حيث يقرر الصاوى أن معرفة الله تعالى قد تحصل للعبد بلا دليل، بل هي محض فضل ونور يقذفه الله تعالى في قلب عبده فيعرفه ويؤمن به. يقول: "فمعرفة الله تعالى تكون ضرورية لأهل الكشف والبصيرة النيرة، ونظرية لأهل الدليل" (١)
وفي موضع آخر يوضح حقيقة هذه الضرورة ووجه كونها كذلك. يقول: "فمعرفة العبد ربه نور من الله يقذفه في قلبه؛ فيدرك أسرار ملكه ويشاهد غيب ملكوته ويلاحظ صفاته" (٢).
ولا يكتفى بذلك بل إنه يضفى على هذه المعرفة نوعًا من الخصوصية، ليست لتلك التي تحصل بطريق النظر، حيث يقول: "واعلم أن المعرفة على قسمين خاصة وعامة. فالعامة معرفة الله بالدليل، والخاصة على ثلاثة أقسام: شهود أفعال وهى للأبرار، وشهود أسماء وصفات، وهى للأخيار، وشهود ذات، وهى لخيار الخيار". (٣)
هذا ويوافق الصاوى الحق بأن معرفة الله أمر فطرى وذلك في معرض تقريره لكلام المحلى، إلا أنه لا يذكر هذا الرأى في تحريره لمسائل الاعتقاد.
ومع ما تقدم فإنه حين يعرض أقوال العلماء في المسألة، فإنه يرجح أهمية النظر ولا يخرجه عن كونه واجبًا يقع في العصيان من حاد عنه، وكانت لديه أهلية النظر (٤).
* * *
المناقشة:
تبين مما تقدم أن الصاوى يوافق جمهور الأشاعرة في أهمية النظر وكونه طريقًا لمعرفة الله تعالى. ولكنه يخالفهم في قصر المعرفة عليه، وامتناع حصولها إلا
стр. 126
بطريقه، يقول الأشعري: "إن أول الواجبات على شرط تقدم النظر والاستدلال، لأنه لا يصح وقوع تلك المعرفة إلا عن النظر والاستدلال". (١) وتظهر المخالفة جلية عند عرضه لأقوال المتصوفة على جهة التقرير، وفي موقفه من التقليد في باب التوحيد.
- أما القول بأن أول الواجبات على المكلف: الشك وهو قول بعض المعتزلة كما سبق، فهذا المعتقد كما قرر شيخ الإسلام مبنى على أصلين: "أحدهما: أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم، والثانى: أن النظر يضاد العلم، فإن الناظر طالب للعلم، فلا يكون في حال النظر عالمًا".
وهو ما يسمى عند شيخ الإسلام بالنظر الطلبى؛ لأن صاحبه يطلب الاستدلال على المبادئ التي لا يمكن طلبها بدليل، يقول شيخ الإسلام: "لكن النظر الذي يستلزم العلم غير النظر الذي يضاده. فالنظر الذي يستلزم العلم هو النظر الاستلالى وهو النظر في الدليل: فإذا تصور الدليل وتصور استلزامه للحكم علم الحكم، والنظر الذي يضاد العلم هو النظر الطلبى، وهو نظر في المطلوب حكمه؛ هل يظفر بدليل يدله على حكمه أو لا يظفر، كطالب الضالة والمقصود قد يجده وقد لا يجده، وقد يعرض عنهما، فإن الأول انتقال من المبادئ إلى المطالب، والآخر انتقال من المطالب إلى المبادئ". (٢)
ولا شك أن الانتقال من المطالب إلى المبادئ يجعل تحصيلها بعيدًا، وهذا الذي قرره الغزالي في حكاية حاله مع الشك فبين أن الذي أدى به إلى هذا الطريق هو شكه في المبادئ المسلمة التي يستدل بها ولا يستدل لها، يقول: "والمقصود من الحكاية أن يعلم أن كمال الجد في الطلب حتى ينتهى إلى طلب ما لا يطلب؛ لأن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب فقد واختفى". (٣)
стр. 127
لذا سمى الغزالي ما حل به مرضًا، وكانت الهداية التي حصلت له من الله تعالى شفاء لهذا الداء الذي أصابه (١).
- أما القول بأن أول الواجبات هو: النظر، أو القصد إليه أو معرفة الله تعالى، فغير صحيح، بل الذي يراه المحققون من أهل السنة والجماعة استنباطًا من أدلة الكتاب والسنة، والتى هي بحق العمدة في المسائل التي تعد من أصول الدين، أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبادة، وإن حصل منه ذلك قبل التكليف لم يطالب بالتجديد وإنما بالاستمرار والمثابرة.
وهذا الأصل هو مقتضى التسليم بدلالة النصوص الشرعية، التي تقرر مكانة التوحيد وإفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه منهج الرسل جميعًا - عليهم الصلاة والسلام - في مبدأ دعوتهم أقوامهم إلى الله، فكل نبى يبدأ دعوته بالتوحيد قائلًا: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩].
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢): "والنبى لم يدع أحدًا من الخلق إلى النظر ابتداءً، ولا إلى مجرد إثبات الصانع، بل أول ما دعاهم إليه الشهادتان، وبذلك أمر أصحابه، كما قال في الحديث المتفق على صحته لمعاذ بن جبل - رضى الله عنه - لما بعثه إلى اليمن: إنك تأتى قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم". (٣)
стр. 128
وكان هذا معتقد الأئمة الهداة. ومن ذلك ما جمعه الإمام ابن عبد الهادى (١) في كتابه: "التمهيد في الكلام على التوحيد"، من آيات وأحاديث صحاح مؤكدًا هذه الحقيقة، حيث قال: فإن أول واجب على العبد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وابتدأ الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]
وكل الأدلة التي أردفها هذه الآية الكريمة تبين أهمية التوحيد الذي أرسلت به الرسل، وأن هذا هو أول وآخر ما يطلب تحققه من العبد، وتكون به النجاة يوم القيامة. (٢)
وهذا مما تظهر فيه سماحة الإسلام، حيث يقع التكليف على كل فرد بما يقتضيه حاله، فالكافر يؤمر بالشهادتين، والمسلم يؤمر بالطهارة إن لم يكن متطهرًا، وإن كان متطهرًا أمر بالصلاة، يقول شيخ الإسلام: "وفى الجملة فينبغى أن يعلم أن ترتيب الواجبات في الشرع واحدًا بعد واحد، ليس هو أمرًا يستوى فيه جميع الناس، بل هم متنوعون في ذلك، فكما أنه قد يجب على هذا ما لا يجب على هذا، فكذلك قد يؤمر هذا ابتداءً بما لا يؤمر به هذا، فكما أن الزكاة يؤمر بها بعض الناس دون بعض، وكلهم يؤمر بالصلاة فهم مختلفون فيما يؤمر به ابتداءً من واجبات الصلاة، فمن كان يحسن الوضوء وقراءة الفاتحة ونحو ذلك من واجباتها أمر بفعل ذلك، ومن لم يحسن ذلك أمر بتعلمه ابتداءً، ولا يكون أول ما يؤمر به هذا من أمور الصلاة هو أول ما يؤمر به هذا. . .". (٣)
وينبنى هذا الأصل عند جمهور السلف على اعتقاد فطرية معرفة الله تعالى - كما
стр. 129
بينت سابقًا - وتظهر هذه الحقيقة ماثلة للعيان والأذهان، حين يخبر الله تعالى، عن حال من كذب وأعرض بأنه مكابر معاند يجحد ما توقن به نفسه. - واليقين كما هو معلوم من أعلى درجات المعرفة - وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤].
وهذا اليقين الذي داخل نفوس الخلق بحيث لو أعرض عنه الكافر كان إعراضه نتيجة للكبر الذي من تلبس به لم يفلح أبدًا. أقول هذا اليقين هو من لوازم خلقتهم التي خلقهم الله تعالى عليها، فقد أخبر تعالى أنه أخذ العهد والميثاق على بنى آدم، وهم في عهد الذر بأن يقروا بربوبيته وأن لا يشركوا معه أحدًا من خلقه فأقروا وشهدوا، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٢، ١٧٣].
وبذلك يكون الإيمان بالله تعالى وتوحيده أمرًا فطريًا، لا يمكن للنفس البشرية جحده ولا إنكاره إلا ظلمًا وعلوًا، كما أخبر بذلك المولى سبحانه، ولا ينبئك مثل خبير. يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة المشرقة: "ولهذا جميع بنى آدم مقرون بهذا شاهدون به على أنفسهم. وهذا أمر ضرورى لهم لا ينفك عنه مخلوق، وهو مما خلقوا عليه وجبلوا عليه، وجعل علمًا ضروريًا لهم لا يمكن أحدًا جحده". (١)
ومع ما تقدم من بيان منهج السلف، فإن الصاوى قد وافق وجهًا من الصواب، حيث أقر بأن معرفة الله تعالى قد تقع بغير النظر، كوقوعها فطرة كما يوحى إقراره لكلام المحلى في ذلك، أو اضطرارًا في قلب العبد. وعبر عن ذلك بالكشف والإلهام. وبذلك خالف الأشاعرة في قصرهم الطريق إلى معرفة الله تعالى على النظر، وكان أكثر اعتدالًا، حين أوجب النظر ولو بعيدًا عن التزامات المتكلمين في
стр. 130
الاستدلال على من له أهلية مع تحقق المعرفة عنده؛ امتثالًا لأمر الشارع الحكيم، حيث أمر في كثير من الآيات الكريمة بالتدبر والتفكر، يقول شيخ الإسلام ﵀: "أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتفكر والتدبر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة من النظر والتفكر والاعتبار وغير ذلك، ولكن وقع الاشتراك في لفظ النظر والاستدلال، ولفظ الكلام، فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل نظرهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال". (١)
وللإمام الحافظ ابن حجر (٢) كلام نفيس في هذه المسألة حيث قام بعرض الأقوال المختلفة ومناقشتها، وذلك بتفنيد الأقوال الباطلة وتقرير الحقائق المستمدة من الكتاب والسنة، فبعد أن ذكر الأقوال المتعددة حول النظر وجوبًا وتحريمًا، مال ﵀ إلى الاعتدال - شيمة أهل الحديث - ونقل كلامًا مهمًا يعد من الأقوال الحاسمة للخلاف في المسألة، يقول: "ونقلت من جزء الحافظ صلاح الدين العلائى: يمكن أن يفصل فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه؛ فإنه يكتفى منه بذلك. ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفى الأدلة المجملة التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه". (٣)
стр. 131
وقد حكى إجماع عامة المسلمين على أن النظر لا يجب في حق من آمن إيمانًا جازمًا، الإمام ابن حزم (١) حيث قال: "وقال سائر أهل الإسلام: كل من اعتقد بقلبه اعتقادًا لا يشك فيه، وقال بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن كل ما جاء به حق، وبرئ من كل دين سوى دين محمد ﷺ ، فإنه مسلم مؤمن، ليس عليه غير ذلك" (٢).
والحق الذي عليه المعول، أن النظر قد يجب في بعض الأحيان، وعلى بعض الأعيان، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم: ٧, ٨]، وقد استدل شيخ الإسلام بهذه الآيات الكريمة على ما ذكرته، وبين أن الشاهد من الآية هو عود الضمير في قوله: [يتفكروا] على الكفار الذين وصفهم المولى بقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٣)
ولا شك أن الآيات التي تحث القلب على النظر والتدبر والتفكر كثيرة في كتاب الله تعالى ولكن المراد منها بعيد كل البعد عما يقصده المتكلمون، فهذه أدلة القرآن الكريم تخاطب الفطرة البشرية التي شهدت بربوبية خالقها منذ أن عرفت الوجود وذاقت طعم الحياة بالتفكر والتدبر في هذا الخلق المحكم حتى تصل بذلك إلى اليقين والاطمئنان، فيظهر أثر ذلك عليها علمًا بما يجب في حق الله تعالى، وعملًا بما يرضى الله تعالى.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي
стр. 132
الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، ثم يبين تعالى من هم أولوا الألباب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]
يقول الإمام ابن كثير في تفسيره: "أي يا من خلق الخلق بالحق والعدل، يا من هو منزه عن النقائص والعيب والعبث: قنا من عذاب النار بحولك وقوتك وقيضنا لأعمال ترضى بها عنا، ووفقنا لعمل صالح تهدينا به إلى جنات النعيم" (١)
هذا إلى جانب التناقض الحاصل من اعتقاد وجوب النظر مع تحقق الإيمان، والقول بأن معرفة الله لا تثبت إلا بالشرع، كما هو قول الأشاعرة، وكان هذا نتيجة لاضطراب المنهج الذي سلكه هؤلاء المتكلمون في الاستدلال على المعتقد بين الرد والتقرير، ففى مواجهة أقوال المعتزلة يرجعون الأمر كله للشرع، ويقولون لا واجب إلا بالشرع. (٢)
يقول الإيجى: "النظر في معرفة الله واجب إجماعًا، واختلف في طريق ثبوته: عند أصحابنا السمع، وعند المعتزلة العقل"
مع ذلك كانوا أكثر الناس تأثرًا بأقوال المعتزلة ويظهر هذا التأثر جليًا في هذه المسألة، حيث نقل الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - قول أحد كبار الأشاعرة الذين خالفوا ما عليه جمهورهم من إيجاب النظر، يقول: "وقد وافق أبو جعفر السمنانى (٣)
- وهو من رءوس الأشاعرة على هذا وقال: إن هذه المسألة بقيت في مقالة الأشعري من مسائل المعتزلة، وتفرع عليها أن الواجب على كل أحد معرفة الله بالأدلة الدالة عليه، وأنه لا يكفى التقليد في ذلك" (٤).
стр. 133
هذا إلى جانب الاضطراب الذي وقع فيه آحادهم من القول بوجوب الصلاة على من هو دون البلوغ مع القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر، يقول شيخ الإسلام: "ثم القول بأن أول الواجبات هو المعرفة أو النظر لا يمشى على من يقول: لا واجب إلا بالشرع كما هو قول الأشعرية، وكثير من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم فإنه على هذا التقدير لا وجوب إلا بعد البلوغ على المشهور وعلى قول من يوجب الصلاة على ابن عشر سنين أو سبع، لا وجوب على من لم يبلغ ذلك، وإذا بلغ هذا السن فإنما يخاطبه الشرع بالشهادتين إن كان لم يتكلم بهما، وإن كان تكلم بهما خاطبه بالصلاة، وهذا هو المعنى الذي قصده من قال: أول الواجبات الطهارة والصلاة، فإن هذا أول ما يؤمر به المسلمون إذا بلغوا أو إذا ميزوا". (١)
* * *
وإذا كانت معرفة الله تعالى متحققة بالفطرة، التي تعنى ملازمة الجبلة البشرية للإقرار بربوبية الله تعالى، وانفراده باستحقاق العبادة، كذلك أمكن تحقق حصولها بغير هذا الطريق، ويكون ذلك عند انطماس معالم الهداية في قلب العبد؛ بسبب وجود الموانع الصارفة من تحقق مقتضى تلك الهداية الفطرية اللازمة للجبلة البشرية، فكانت عناية الله بهذا الخلق الضعيف أن جعل الطرق الدالة عليه أعظم الطرق وأوسعها، فالإلهام (٢) أو الكشف (٣) طريق إلى معرفة الله تعالى وهو هداية من المولى يختص بها من يشاء من عباده، وقد يحصل بسبب المجاهدة وترك العلائق كما يقول الصوفية - مع الاحتراز -، وقد يحصل بمحض فضل من الله ؛
стр. 134
فينير قلب عبده للإيمان به والتزام هديه وهذا ما حكاه القرآن الكريم لنا، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] وتفسير الوحى المذكور في الآية بالإلهام هو قول طائفة من السلف. قال الحسن البصري: "ألهمهم الله ذلك". وقال السدي: "قذف في قلوبهم ذلك"
يقول شيخ الإسلام: "وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهامًا. فدعوى المدعى امتناع ذلك يفتقر إلى دليل، فطرق المعارف متنوعة في نفسها، والمعرفة بالله أعظم المعارف، وطرقها أوسع وأعظم من غيرها، فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيًا عامًا لما سوى تلك الطريق؛ لم يقبل منه، فإن النافى عليه الدليل، كما أن المثبت عليه الدليل".
* * *
أما ما يؤخذ على الصاوى في هذا الجانب، فإنه يتلخص في تقسيمه المعرفة إلى قسمين، بحسب الطريق الموصل إليها، وإضفاء نوع من الخصوصية على تلك التي تحصل للعبد بطريق الكشف - كما يعبر عنه الصوفية - أو بالإلهام كما تعارف عليه أهل السنة والجماعة. وهذا في حقيقته مبنى على اعتقاد شائع عند المتصوفة، إذ يعدون الإلهام مصدرًا من مصادر التلقى، والذي يسامى منزلة الوحى عندهم.
والأصل في حجية الإلهام واعتباره من المسالك الشرعية في الدين أن يستند في دلالته إلى نصوص الكتاب والسنة وألَّا يستقل بحكم شرعى لا أصل له فيهما، ولذلك كان الإلهام في هذا الباب قد استوفى شرط تحكيمه والعمل بمقتضاه؛ حيث استند اعتباره لما قام عليه الدين جملة وتفصيلًا فوافق أمرًا فطريًا ضروريًا قد جبل الله تعالى خلقه عليه، وأمرهم به، وهو معرفته سبحانه ربًا، خالقًا، رازقًا، مدبرًا، أحدًا، ومن ثم التوجه له بالعبادة وحده. (١)
стр. 135
ويبين الإمام ابن القيم الضابط الذي يعتمد في هذا الباب، حيث يقول: "والرؤيا كالكشف، منها رحمانى، ومنها نفسانى، ومنها شيطانى. . ." إلى أن قال: "ورؤيا الأنبياء وحى، فإنها معصومة من الشيطان، وهذا باتفاق الأمة؛ ولهذا أقدم الخليل على ذبح ابنه إسماعيل ﵉ بالرؤيا.
وأما رؤيا غيرهم فتعرض على الوحى الصريح، فإن وافقته وإلا فلا". (١)
وبنفس الضوابط والشروط يقرر الإمام الشاطبى هذه الحقيقة، يقول: ". . . لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعًا على حال، إلا أن نعرضها على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها". (٢)
لهذا فإن الإمام ابن القيم يرى أن الكشف الصحيح هو ما كان دليلًا للعبد يعينه في معرفة الحق الذي بعث الله تعالى به رسله، يقول: "فالكشف الصحيح: أن يعرف الحق الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه معاينة لقلبه، ويجرد إرادة القلب له فيدور معه وجودًا وعدمًا، هذا هو التحقيق الصحيح وما خالفه فغرور قبيح". (٣)
ويرجع هذا الأصل إلى اعتقاد كفاية الطرق والمسالك التي شرعها الدين للاستدلال على مسائله وأحكامه: علمًا وعملًا، جملة وتفصيلًا، وهو مقتضى التسليم والإيمان بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]
واعتقاد حصول البيان التام بالشرع، لا يمنع الاستئناس بما يدل عليه ويوافقه من طريق النظر أو الكشف، وإنما يقع المحظور في اعتقاد أن ثمة هدى ونور يستقل ببيانه دليل سوى دليل الشرع، ولهذا المعنى أشار العلامة عبد الرحمن المعلمى (٤)
стр. 136
بعد عرضه للمسالك الشرعية السلفية وبيان حصول الكفاية والاستغناء بها عما سواها، ومن ثم للمسالك الخلفية التي خلط سالكوها الحق بالباطل وبيان ما اشتملت عليه منهما، حيث قال - رحمه الله تعالى -: "مهما يكن في المأخذين الخلفيين من الوهن فإننا لا نمنع أن يستند إليهما فيما ليس من الدين ولا يدفعه الدين، بل لا ندفع أن يكون فيهما ما يوصل في كثير من ذلك إلى اليقين، فإن الشرع لم يتكفل ببيان ما ليس من الدين. وكذلك لا نرى كبير حرج في الاستئناس بما يوافق المأخذين السلفيين بعد الاعتراف بأنهما كافيان شافيان، إذ لا يلزم من كفايتهما ألّا يبقى في غيرهما ما يمكن أن يستدل به على الحق، وإنما الممنوع الباطل هو زعم أنهما غير وافيين ببيان الحق في الدين". (١)
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن التفاضل في المعرفة من جهة الطريق الموصل إليها أمر يحتاج إلى دليل؛ إذ العبرة في حقيقة هذه المعرفة وما يترتب عليها من نقاء ويقين، يخلص صاحبها من درن الشرك والكفر والذي تعلقت النجاة بصفاء الإيمان من درنه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
وفى آية أخرى ينفى الله تعالى تحقق الإيمان لكثير من الناس إلا مع تلبسهم بالشرك، يقول سبحانه: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
وكيف أن إبليس لعنه الله، قد عرف الله ، عظيمًا، قادرًا عزيزًا، حتى أقسم بعزته، ولم تنفعه تلك المعرفة ولا ذلك الإقرار؛ لأن العبرة بالانقياد والتسليم، الذي يتبع تلك المعرفة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]
стр. 137
التقليد وحكم المقلد
من خلال عرض آراء المتكلمين السابقة في قضية المعرفة يمكن لنا تحديد مواقفهم المتباينة من قضية التقليد في العقائد، حيث تنبنى هذه القضية كسابقتها على الضرورة العقلية المتمثلة في إيجابهم للنظر، وأنه السبيل الوحيد للمعرفة، ومن خالفهم في هذه الحتمية لا بد أن يتحدد اتجاهه من التقليد وفق ما يقتضيه موقفه من النظر ابتداءً.
ونتيجة لما سبق يصبح موقف المعتزلة المتمثل بالرفض التام للتقليد ضرورة حتمية يقتضيها منهجهم العقلى الذي يذهب إلى أن المعارف لا تنال إلا بالنظر والاستدلال. يقول القاضي: "إن القول به - التقليد - يؤدى إلى جحد الضرورة؛ لأن تقليد من يقول بقدم الأجسام ليس بأولى من تقليد من يقول بحدوثها". (١) حيث يعرفه بأنه: "قبول قول الغير من غير أن يطالبه بحجة وبينة حتى يجعله كالقلادة في عنقه، وما هذا حاله لا يجوز أن يكون طريقًا للعلم". (٢)
ومع مخالفة الأشاعرة للمعتزلة في قضية التكفير إلا أنهم يتفقون معهم في ذم التقليد، وكان هذا نتيجة حتمية لإيجابهم النظر كما تقدم. (٣)
ويبرهن المتكلمون على فساد التقليد وعدم جدواه في الوصول إلى المعرفة الحقة؛ أنه يجوز على المقلد الوقوع في الخطأ والصواب دونما تميز، وما كان حاله كذلك لا يصلح أن يكون حجة لصاحبه، وأنه لو أمكن الاستناد إلى التقليد لما أرسل الله الرسل بالمعجزات والبراهين حتى يصل الناس إلى الإيمان بطريق التدبر والنظر في المعجزة الموجب للعلم بها، ولعذر الناس بكفرهم، يقول القاضي عبد الجبار: "لو كان ضروريًا، لوجب أن يكون من يعدم هذا العلم معذورًا في ذلك؛ لأن ذلك
стр. 138
ليس بإرادته، وهذا يوجب في الكفار أن يكونوا معذورين في تركهم معرفة الله تعالى وغير ذلك من المعارف" (١). وبما أن النظر والاستدلال هو سبيل العلم الوحيد، فإثبات العلم بغير طريقه جهل وضلال، والتقليد لا يخرج عن كونه دعوى لا برهان لها فثبت عدم إمكان الاحتجاج به في باب العقائد.
يقول الحافظ ابن حجر في حكاية حجتهم على ذم التقليد: "واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين". (٢)
ومن هنا أطلقوا الأحكام الجائرة التي هي محض افتراء؛ إذ لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، حيث تذهب المعتزلة إلى تكفير المقلد بينما يعتقد تفسيقه جمهور الأشاعرة (٣)، فيخرقون بذلك إجماع الأمة في قبول إيمان من أعلن كلمة التوحيد والتزم شعائر الإسلام.
* * *
رأى الشيخ الصاوى:
بناءً على ما تقدم من عرض أقوال الشيخ الصاوى في قضية المعرفة وما لمسناه من اعتدال ظاهر فيها؛ نجده يصحح إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا وعجز عن قيام الأدلة، بل يجزم بإيمانه؛ معللًا ذلك أنه ليس عنده ظن في حقيقة الإيمان، وفى المقابل يرى الصاوى أن التقليد الذي يضر بصاحبه ويوقعه في المهالك هو تقليد أهل الكفر، إذ لا عذر لهم في ذلك، وقد قامت الحجة عليهم.
يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس: ٣٦]. "المراد بالظن خلاف التحقيق فيشمل الشك والوهم. وهذا الكلام في حق الكفار الذين اتبعوا غيرهم في الكفر وقلدوهم فيه، فلا عذر لهم في التقليد دنيا
стр. 139
ولا أخرى. وأما المؤمن الذي امتلأ قلبه بالإيمان، حيث عجز عن قيام الأدلة على التوحيد، وقلد العارف فيه فليس من هذا القبيل، بل هو مؤمن جزمًا لأنه ليس عنده ظن بل جزم مطابق للواقع. وربما إن دام على الصدق ومتابعة من يقلده يرتقى في التوحيد إلى مقام أعلى وأجل من مقام من قلده. وأما القول بأنه كافر فإنما يعرف لأبى هاشم الجبائى من المعتزلة فلا يعول عليه". (١)
ومع هذا فإنه يرى أن من ترك النظر مع القدرة عليه يكون آثمًا، يقول: "وحاصل ما انحط عليه كلام الأشياخ أن من عرف الله بالدليل ولو جمليًا، ولو لم يكن باصطلاح أهل الكلام، فهو مؤمن اتفاقًا، ومن عرفه بلا دليل أصلًا بل بالتقليد، ففيه ستة أقوال:
- الأول لأبى هاشم الجبائى، رئيس المعتزلة. ونقله عن أهل السنة كذب. إذ إيمانه غير صحيح في الآخرة، وأما في الدنيا فاتفقوا على إيمانه، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤].
- الثاني هو صحيح، إلا أنه عاصٍ لترك النظر مطلقًا، كان فيه أهلية للنظر أم لا.
- الثالث هو صحيح إلا أنه عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية للنظر وكان متمكنًا من المعرفة"، إلى أن قال: "والحق الذي عليه المعول أنه مؤمن عاصٍ بترك النظر، إن كان فيه أهلية". (٢)
- ويبين الصاوى مراتب العلم وما هي المرتبة التي لا بد من تحققها حتى تتم المعرفة لدى المؤمن، لينجو بها من التقليد الذي كثر الكلام في التحذير منه، يقول: "واعلم أن العلم مراتب: الأولى العلم بالدليل ولو جمليًا، ويسمى علم يقين وهذا هو المطلوب في التوحيد الذي يخرج به المكلف من ورطة التقليد وهو الجزم من غير دليل وفيه خلاف.
стр. 140
الثانية: العلم مع مراقبة الله، ويسمى عين يقين.
الثالثة: العلم مع المشاهدة، ويسمى حق يقين" (١).
* * *
المناقشة:
لقد سلك الإمام ابن حزم مسالك عدة في دحض شبه المتكلمين حول مسألة التقليد، وكان من أبرازها بيانًا: الاستدلال بوجوب اتباع النبي ﷺ ، وأن من وجبت متابعته لا يعد تقليده ذمًا، بل لا يطلق عليه مسمى التقليد، يقول: "التقليد أخذ المرء قول. من هو دون الرسول ﷺ ممن لم يأمرنا باتباعه وأخذ قوله، بل حرم علينا ذلك، وأما أخذ قول الرسول ﷺ الذي فرض الله تصديقه وطاعته فليس تقليدًا، بل إيمان وتصديق، واتباع للحق، وطاعة الله ورسوله. . . . ." (٢) إلى أن قال: "والقرآن إنما ذم فيه تقليد الآباء والكبراء والسادة في خلاف ما جاءت به الرسل، وأما اتباع الرسل فهو الذي أوجبه، لم يذم من اتبعه أصلًا". (٣)
وأما كلامه في دحض حجتهم بأن العلم لا يأتى إلا بطريق البرهان. والتقليد ادعاء لا دليل معه، فإنه يرجع إلى بيان طرق تحصيل العلم، وعدم اقتصاره على طريق النظر والبرهان حيث بين - رحمه الله تعالى - أن العلم هو "اعتقاد الشيء على ما هو به فقط، وكل من اعتقد شيئًا على ما هو به ولم يتخالجه فيه شك فهو سالم به، وسواء كان عن ضرورة حس، أو عن بديهة عقل، أو عن برهان استدلال، أو عن تيسير الله له، وخلقه لذلك المعتقد في قلبه" (٤). فمن كان دليله على معرفة الله فطرته أو إلهام وهداية لم يطالب بالبرهان.
стр. 141
وقد استدل - رحمه الله تعالى - بحال جمهرة المسلمين الذين لا يعرفون علم الكلام، ومنهم أئمة أعلام وأصحاب حديث، وكيف أن الله تعالى قد حبب إليهم الأيمان وزينه في قلوبهم، حيث يرجع ذلك الميل وتلك المحبة إلى الفطرة التي جبلهم الله تعالى عليها ابتداءً، يقول: "قد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم الكفر والمعاصى، فضلًا منه ونعمة.
وهذا هو خلق الله تعالى الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم، ولم يذكر الله في ذلك استدلالًا أصلًا، وبالله التوفيق" ويؤكد هذه الحقيقة الإيمانية التي امتزجت بها أرواحهم، "وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم". (١)
ومع ذلك فإنه ﵀ لم يغفل جانب النظر وأهميته، بل أكد على وجوبه لمن يحتاج إلى ذلك؛ إما بسبب شبهات عرضت له لا يمكن ردها إلا بطريق النظر، أو لكونه من الكفار الذين خالفوا أمر النبي ﷺ فأمروا بالإتيان بالبرهان وقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من التفصيل، وبذلك يتبين وهن الأساس الذي بنى عليه المتكلمون رأيهم في مسألة التقليد.
وبهذا الذي تقدم من بيان الموقف الحق تجاه التقليد في باب الإيمان تظهر مخالفة الشيخ الصاوى لعقيدة السلف في إيجابه النظر وتأثيمه من تركه والحكم عليه بالعصيان، وقد سبق أن النظر لا يجب إلا على بعض الأعيان وفى بعض الأحيان ولكنه مع تأثيمه إياه فقد أصاب في إقراره بصحة إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا.
كما حاد عن الصواب حين أقر أدلة المتكلمين، وجعلها طريقًا ثابتًا لمعرفة الله تعالى كما يجب (٢)، يقول الإمام الشوكانى: "ومن أمعن النظر في أحوال العوام
стр. 142
وجدها صحيحة، فإن كثيرًا منهم نجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسى، ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام، المشتغلين به الخائضين في معقولاته، التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه وينقص منه عروة، فإن أدركته الألطاف الربانية نجا، وإلا هلك، ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره أن يكون على دين العجائز، ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى على من له اطلاع على أخبار الناس". (١)
* * *
стр. 143
(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى
تبين مما سبق أن اعتقاد السلف في فطرية معرفة الله تعالى، هو مقتضى التسليم بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، وأن ذلك الاعتقاد حقيقة في النفس البشرية لا يمكن دفعها، حيث يستند في مبدئه إلى الإذعان بالضرورة الفطرية التي تحتم التسليم بالمبادئ الأولية (١) والمسلمات اليقينية التي هي أساس التفكير البشرى والاستدلال العقلى.
وتمثل هذه الحقيقة في التصور السليم، المحور الأساس الذي تدور حوله الطرق الشرعية في الاستدلال على وجود الله تعالى، حيث تعتمد هذه الطرق العقلية على مبدأ السببية، الذي يقوم عليه دليل الخلق والإيجاد، ودليل الإحكام والإتقان. وبذلك فقد مثل هذا المبدأ أسمى مبادئ التفكير البشرى، الذي ميز الله تعالى به الإنسان، ليكون دليلًا هاديًا إلى معرفته تعالى إذا ضلت بصاحبها الأهواء.
ويتعين الاستدلال بالعقل على وجود الله تعالى؛ عند انطماس معالم الفطرة الكامنة في النفس البشرية، وذلك حين تحول الموانع الصارفة دون الوصول إلى هذه الحقيقة الفطرية، فيأتى هنا دور العقل البشرى ليكون هو الهادى بإذن الله تعالى إلى معرفته، حيث تنحصر وظيفته في إعمال المبدأ الفطرى، والركيزة اليقينية، وهى دلالة الأسباب على مسببها.
وقد نبه القرآن الكريم العقل البشرى إلى إدراك هذه الحقيقة حين خاطب المشركين، بطريق التقسيم الحاصر، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].
стр. 144
فالمعنى: "أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائه العقول. أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلم أن لهم خالقًا خلقهم، هو الله سبحانه. وقد ذكر سبحانه الدليل بصيغة الاستفهام الإنكارى ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن لأحدٍ إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: إنه أحدث نفسه". (١)
وقد تبين بذلك أن القرآن الكريم في خطابه للنفس البشرية، من أجل تقرير هذه الحقيقة، يأمر بإعمال التفكير والتدبر، حتى يصل إلى تلك المبادئ الفطرية، والمسلمات اليقينية، التي لا يمكن ردها، ولا الاستدلال عليها، فيرتفع بذلك الغطاء الذي حال دون الشعور بها.
فمعرفة الله تعالى فطرية في النفس، سواء حصل العلم بها ضرورة، أو بالتفات النفس إلى ذلك؛ لشعورها بطلبه والحاجة إليه، ويمكن أن يتمثل ذلك الالتفات بصورة دليل تكون مقدماته فطرية؛ لأن الاستدلال على وجود الله تعالى في أصل الأمر يرتكز على مبدأ فطرى لا يمكن الاستدلال له، يقول شيخ الإسلام: "والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان، لأن غاية البرهان أن ينتهى إليها، فإذا وقع الشك فيه انقطع طريق النظر والبحث". (٢) وهذا ما حكاه الغزالي عن نفسه حين حالت الشبهات بينه وبين هذه الأوليات الفطرية، حيث سمى ذلك الشك في تلك المسلمات مرضًا، وبين أن طريق اهتدائه ونجاته منه لم يكن بنظم دليل، وإنما بنور قذفه الله تعالى في صدره. (٣)
وفى بيان فطرية الأوليات التي يقوم عليها الاستدلال على وجود الله تعالى، يقول شيخ الإسلام: "وإن كان فيها قوة تقتضى المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء
стр. 145
قيل: إن المعرفة الضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كل مولود يولد على هذه الفطرة؛ لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب". (١)
وبذلك يتضح المنهج الربانى، في الاستدلال على وجوده سبحانه، بعيدًا عن التعقيد والغموض، صريحًا واضحًا قريبًا من النفس البشرية، حيث يخاطب فيها تلك الحقائق التي غرست بداخلها، فما إن تتنبه لها إلا وتدرك ببديهة فطرتها ذلك الشعور الذي يدلها على الخالق سبحانه: ربًا خالقًا، لا أحد يستحق العبادة سواه.
وبسبب بعد المتكلمين عن تصور هذه الحقيقة، ولما التزموه من أصول فاسدة في وجوب الاستناد إلى العقل للدلالة على أصول الإيمان، واعتقاد عدم كفاية الأدلة الشرعية في ذلك؛ نجد أن الطرق التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى قد بنيت على تصورات فلسفية لا حقيقة لها، يكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد، حتى خرجت بها في كثير من الأحيان عن المقصود، هذا إلى جانب ما انبنى عليها من أمور مبتدعة، أثرت على صفاء المعتقد فيما يجب في حق لله تعالى، أو يمتنع عليه فصارت عمدة المتكلمين في هذا الباب عددًا من الأدلة المبتدعة لا أساس لها من الشرع وهى كالتالى:
١ - دليل حدوث الأجسام .
٢ - دليل الوجوب والإمكان.
دليل حدوث الأجسام
يعد هذا الدليل عند عامة المتكلمين من الأصول اليقينية التي لا يتم إيمان المرء إلا باعتقاد دلالته على وجود الباري جل وعلا؛ إذ لا يتمكن - عندهم - من إثبات الصانع إلا به، وكان أول من ابتدع هذا الطريق المعتزلة، وقد صرح بذلك شيخ