← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وقد استدل - رحمه الله تعالى - بحال جمهرة المسلمين الذين لا يعرفون علم الكلام، ومنهم أئمة أعلام وأصحاب حديث، وكيف أن الله تعالى قد حبب إليهم الأيمان وزينه في قلوبهم، حيث يرجع ذلك الميل وتلك المحبة إلى الفطرة التي جبلهم الله تعالى عليها ابتداءً، يقول: "قد سمى الله راشدين القوم الذين زين الإيمان في قلوبهم وحببه إليهم، وكره إليهم الكفر والمعاصى، فضلًا منه ونعمة. وهذا هو خلق الله تعالى الإيمان في قلوبهم ابتداءً، وعلى ألسنتهم، ولم يذكر الله في ذلك استدلالًا أصلًا، وبالله التوفيق" ويؤكد هذه الحقيقة الإيمانية التي امتزجت بها أرواحهم، "وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لكبرائهم، لأن هؤلاء مقرون بألسنتهم، محققون في قلوبهم، أن آباءهم لو كفروا لما كفروا هم، بل كانوا يستحلون قتل آبائهم ورؤسائهم والبراءة منهم". (١) ومع ذلك فإنه ﵀ لم يغفل جانب النظر وأهميته، بل أكد على وجوبه لمن يحتاج إلى ذلك؛ إما بسبب شبهات عرضت له لا يمكن ردها إلا بطريق النظر، أو لكونه من الكفار الذين خالفوا أمر النبي ﷺ فأمروا بالإتيان بالبرهان وقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من التفصيل، وبذلك يتبين وهن الأساس الذي بنى عليه المتكلمون رأيهم في مسألة التقليد. وبهذا الذي تقدم من بيان الموقف الحق تجاه التقليد في باب الإيمان تظهر مخالفة الشيخ الصاوى لعقيدة السلف في إيجابه النظر وتأثيمه من تركه والحكم عليه بالعصيان، وقد سبق أن النظر لا يجب إلا على بعض الأعيان وفى بعض الأحيان ولكنه مع تأثيمه إياه فقد أصاب في إقراره بصحة إيمان المقلد الذي امتلأ قلبه إيمانًا. كما حاد عن الصواب حين أقر أدلة المتكلمين، وجعلها طريقًا ثابتًا لمعرفة الله تعالى كما يجب (٢)، يقول الإمام الشوكانى: "ومن أمعن النظر في أحوال العوام

стр. 142

وجدها صحيحة، فإن كثيرًا منهم نجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسى، ونجد بعض المتعلقين بعلم الكلام، المشتغلين به الخائضين في معقولاته، التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه وينقص منه عروة، فإن أدركته الألطاف الربانية نجا، وإلا هلك، ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره أن يكون على دين العجائز، ولهم في ذلك من الكلمات المنظومة والمنثورة ما لا يخفى على من له اطلاع على أخبار الناس". (١) * * *

стр. 143

(المبحث الثاني): الاستدلال على وجود الله تعالى تبين مما سبق أن اعتقاد السلف في فطرية معرفة الله تعالى، هو مقتضى التسليم بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، وأن ذلك الاعتقاد حقيقة في النفس البشرية لا يمكن دفعها، حيث يستند في مبدئه إلى الإذعان بالضرورة الفطرية التي تحتم التسليم بالمبادئ الأولية (١) والمسلمات اليقينية التي هي أساس التفكير البشرى والاستدلال العقلى. وتمثل هذه الحقيقة في التصور السليم، المحور الأساس الذي تدور حوله الطرق الشرعية في الاستدلال على وجود الله تعالى، حيث تعتمد هذه الطرق العقلية على مبدأ السببية، الذي يقوم عليه دليل الخلق والإيجاد، ودليل الإحكام والإتقان. وبذلك فقد مثل هذا المبدأ أسمى مبادئ التفكير البشرى، الذي ميز الله تعالى به الإنسان، ليكون دليلًا هاديًا إلى معرفته تعالى إذا ضلت بصاحبها الأهواء. ويتعين الاستدلال بالعقل على وجود الله تعالى؛ عند انطماس معالم الفطرة الكامنة في النفس البشرية، وذلك حين تحول الموانع الصارفة دون الوصول إلى هذه الحقيقة الفطرية، فيأتى هنا دور العقل البشرى ليكون هو الهادى بإذن الله تعالى إلى معرفته، حيث تنحصر وظيفته في إعمال المبدأ الفطرى، والركيزة اليقينية، وهى دلالة الأسباب على مسببها. وقد نبه القرآن الكريم العقل البشرى إلى إدراك هذه الحقيقة حين خاطب المشركين، بطريق التقسيم الحاصر، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥].

стр. 144

فالمعنى: "أخلقوا من غير خالق خلقهم؟ فهذا ممتنع في بدائه العقول. أم خلقوا أنفسهم؟ فهذا أشد امتناعًا. فعلم أن لهم خالقًا خلقهم، هو الله سبحانه. وقد ذكر سبحانه الدليل بصيغة الاستفهام الإنكارى ليبين أن هذه القضية التي استدل بها فطرية بديهية مستقرة في النفوس لا يمكن لأحدٍ إنكارها، فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه، ولا يمكنه أن يقول: إنه أحدث نفسه". (١) وقد تبين بذلك أن القرآن الكريم في خطابه للنفس البشرية، من أجل تقرير هذه الحقيقة، يأمر بإعمال التفكير والتدبر، حتى يصل إلى تلك المبادئ الفطرية، والمسلمات اليقينية، التي لا يمكن ردها، ولا الاستدلال عليها، فيرتفع بذلك الغطاء الذي حال دون الشعور بها. فمعرفة الله تعالى فطرية في النفس، سواء حصل العلم بها ضرورة، أو بالتفات النفس إلى ذلك؛ لشعورها بطلبه والحاجة إليه، ويمكن أن يتمثل ذلك الالتفات بصورة دليل تكون مقدماته فطرية؛ لأن الاستدلال على وجود الله تعالى في أصل الأمر يرتكز على مبدأ فطرى لا يمكن الاستدلال له، يقول شيخ الإسلام: "والشبهات القادحة في تلك العلوم لا يمكن الجواب عنها بالبرهان، لأن غاية البرهان أن ينتهى إليها، فإذا وقع الشك فيه انقطع طريق النظر والبحث". (٢) وهذا ما حكاه الغزالي عن نفسه حين حالت الشبهات بينه وبين هذه الأوليات الفطرية، حيث سمى ذلك الشك في تلك المسلمات مرضًا، وبين أن طريق اهتدائه ونجاته منه لم يكن بنظم دليل، وإنما بنور قذفه الله تعالى في صدره. (٣) وفى بيان فطرية الأوليات التي يقوم عليها الاستدلال على وجود الله تعالى، يقول شيخ الإسلام: "وإن كان فيها قوة تقتضى المعرفة بنفسها، وإن لم يوجد من يعلمها أدلة المعرفة، لزم حصول المعرفة فيها بدون ما نسمعه من أدلة المعرفة، سواء

стр. 145

قيل: إن المعرفة الضرورية فيها، أو قيل: إنها تحصل بأسباب كالأدلة التي تنتظم في النفس من غير أن يسمع كلام مستدل، فإن النفس بفطرتها قد يقوم بها من النظر والاستدلال ما لا يحتاج معه إلى كلام أحد، فإن كل مولود يولد على هذه الفطرة؛ لزم أن يكون المقتضى للمعرفة حاصلًا لكل مولود، وهو المطلوب". (١) وبذلك يتضح المنهج الربانى، في الاستدلال على وجوده سبحانه، بعيدًا عن التعقيد والغموض، صريحًا واضحًا قريبًا من النفس البشرية، حيث يخاطب فيها تلك الحقائق التي غرست بداخلها، فما إن تتنبه لها إلا وتدرك ببديهة فطرتها ذلك الشعور الذي يدلها على الخالق سبحانه: ربًا خالقًا، لا أحد يستحق العبادة سواه. وبسبب بعد المتكلمين عن تصور هذه الحقيقة، ولما التزموه من أصول فاسدة في وجوب الاستناد إلى العقل للدلالة على أصول الإيمان، واعتقاد عدم كفاية الأدلة الشرعية في ذلك؛ نجد أن الطرق التي سلكوها في الاستدلال على وجود الله تعالى قد بنيت على تصورات فلسفية لا حقيقة لها، يكتنفها الكثير من الغموض والتعقيد، حتى خرجت بها في كثير من الأحيان عن المقصود، هذا إلى جانب ما انبنى عليها من أمور مبتدعة، أثرت على صفاء المعتقد فيما يجب في حق لله تعالى، أو يمتنع عليه فصارت عمدة المتكلمين في هذا الباب عددًا من الأدلة المبتدعة لا أساس لها من الشرع وهى كالتالى: ١ - دليل حدوث الأجسام . ٢ - دليل الوجوب والإمكان. دليل حدوث الأجسام يعد هذا الدليل عند عامة المتكلمين من الأصول اليقينية التي لا يتم إيمان المرء إلا باعتقاد دلالته على وجود الباري جل وعلا؛ إذ لا يتمكن - عندهم - من إثبات الصانع إلا به، وكان أول من ابتدع هذا الطريق المعتزلة، وقد صرح بذلك شيخ

стр. 146

الإسلام حيث قال: "والمعتزلة كانوا هم أئمة الكلام في وجوب النظر والاستدلال بطريقة الأعراض والأجسام وما يتبع ذلك" (١) ولشيخ الإسلام كلام يرجع فيه هذا الدليل إلى الجهم بن صفوان (٢). (٣) وقد أرجع القاضي أولية الاستدلال به لأبي الهذيل من شيوخ المعتزلة. (٤) ويقوم هذا الدليل على أربع دعائم تجتمع في اعتقاد أن الأجسام لا تخلو من الحوادث وهى: الاجتماع، والافتراق، والحركة، والسكون، وعدم انفصال الجسم عنها، يعني أنه حادث مثلها. (٥) وتكون كالتالى على جهة التفصيل: ١ - أن في الأجسام معانٍ هي: الاجتماع، والافتراق، والحركة والسكون، وبيان ذلك: أن اجتماع الجسم بعد أن كان متفرقًا يحتاج إلى مخصص؛ وما كان كذلك فهو محدث، وأيضا يقال ذلك في السكون بعد الحركة، ومثله يقال في الافتراق، ودلالته أقرب، فإن الذي نراه من الأجسام إنما يكون بعد اجتماعها، والافتراق يكون بعد الاجتماع، إذًا فالافتراق دلالته على حدوث الأجسام من أقوى الأدلة. ٢ - أن هذه المعانى محدثة. وتحرير هذه الدعوى إثبات أن هذه أعراض (٦) والأعراض حادثة والدليل على حدوثها أنه يجوز عليها العدم فيمتنع عنها القدم ولا توسط في ذلك. ٣ - أن أي جسم من الأجسام لا يخلو من الأعراض، فالجسم إما متحرك وإما

стр. 147

ساكن، والحركة والسكون أعراض، والدليل على عرضيتها كما سبق، أنه يجوز فناؤها، فتذهب الحركة مثلًا ويحل السكون، والعكس بالعكس، فإثبات حلول هذه المعانى في الجسم يعتمد على مبدأ الإدراك الحسى، الذي يميز الأجسام المتحركة من الساكنة، والمجتمعة من المتفرقة. ٤ - أنها إذا لم يخلو الجسم منها، وجب حدوثه مثلها؛ لأن حظ هذه المعانى في الوجود الحدوث، وارتباط الجسم بها يعني عدم إمكان انفكاكه عنها؛ لذلك وجب أن يكون حادثًا مثلها. (١) وبهذا يرى القاضي عبد الجبار أنه تمكن من إثبات حدوث العالم، ليثبت بذلك احتياجه لمحدث أحدثه، ويستخدم طريق السبر والتقسيم لإثبات ذلك، فيقول: "لا يخلو: إما أن تكون قد أحدثت نفسها، أو أحدثها غيرها"، ويبرهن على فساد الفرض الأول، بأن الفاعل يجب أن يكون متقدمًا على فعله، فاستحال بذلك أن تحدث الأجسام نفسها؛ لأنه يلزم من ذلك اتصافها بالقدرة حال عدمها. بقى الفرض الثاني وهو إثبات محدث لها، وجب أن يكون مخالفًا لها، لاستحالة إيجاد الحادث للحادث، يقول: "فلم يبق إلا الفرض الثاني: وهو أن يكون الذي أحدثها فاعل مخالف لها، وهو الله تعالى الذي ليس كمثله شيء". (٢) وقد تابع الأشعرية من تقدمهم من الفرق في ابتداع هذا الأصل، وجعله سبيلًا إلى معرفة الله تعالى، كما هو مقرر في الكثير من كتب الأشاعرة. (٣) ومع إجماعهم على أهمية الدليل وحصول المطلوب به، إلا أن طرق عرضهم لهذا الدليل تختلف، ولكن لا يخرجها هذا الاختلاف عن المقصود، وحيث ينبنى هذا الدليل على مقدمتين هما: ١ - العالم حادث. ٢ - وكل حادث له محدث.

стр. 148

النتيجة هذا العالم لا بد له من محدث. وتستند المقدمة الأولى في إثبات حدوث العالم، إلى تقسيمه لجواهر (١) وأعراض، وأن العرض حادث، ولا يمكن انفصال الجوهر عنه، فصار بذلك حادثًا مثله. (٢) أما المقدمة الثانية فتستند إلى امتناع التسلسل في الحوادث، وأنه لا بد من رجوع إلى واجب الوجود، يستحيل عليه العدم. (٣) وهذا الرازي يعرض الدليل كأسلافه من المعتزلة، ويقول: والأكوان حادثة؛ لأن كل كون فإنه يصح عليه العدم، وكل ما صح عليه العدم امتنع عليه القدم، ومما امتنع عليه القدم فهو حادث، فثبت أن الجسم لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، إذن الجسم حادث". (٤) ويصل بذلك إلى إثبات احتياج هذه الحوادث لمحدث أحدثها، هو واجب الوجود؛ لامتناع التسلسل بين الحوادث، فيقول: "إنه لما ثبت أن العالم ما كان موجودًا ثم كان موجودًا، فحقيقة العالم قابلة للعدم وقابلة للوجود وكلما كان كذلك فرجحان وجوده على عدمه؛ لأجل ترجيح مرجح، فثبت أن وجود العالم محتاج إلى الموجد المؤثر". (٥) رأي الشيخ الصاوي: تتعدد عبارات الصاوى في الاستدلال بدليل الحدوث على إثبات الباري تعالى، وكلها تدور في إطار المعانى السابقة، حيث يقول: "العالم حادث، وكل حادث له محدث".

стр. 149

ثم يقرر دليل القضيتين، ويبدأ بالصغرى: "حدوث العالم"، ويستدل على صحتها ببيان المقدمات التي تنبنى عليها، مع الاستدلال لكل مقدمة منها. أما المقدمة الأولى، التي ينبنى عليها دليل حدوث العالم، إثبات أن "العالم متغير"، ودليلها يستند إلى الإدراك الحسى، حيث علمت "بالمشاهدة". وأما المقدمة الثانية "كل متغير حادث" فيقرر الاستدلال عليها بوجود التلازم بين التغير والحدوث، حيث يقول: "فإن كان موجودًا بعد عدم فحدوثه ظاهر وإن كان معدومًا بعد وجود، فكل ما جاز عليه العدم قطعًا يستحيل عليه القدم". ثم يبين وجه التلازم بين التغير والحدوث، بتقسيم العالم إلى أجرام وأعراض، "فحدوث الأعراض بمشاهدة التغير، والأجرام لملازمتها لها، وملازم الحادث حادث بالضرورة". فيصل بذلك إلى صحة المقدمة الأولى: "فينتج العالم حادث". (١) وأما دليل القضية الكبرى "كل حادث له محدث"، فيستند إلى وجوب إثبات المرجح، الذي كان به ترجيح الوجود على العدم، يقول: "وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وهو محال، فينتج العالم لا بد له من محدث". ولإثبات أن المحدث هو الباري تعالى؛ يستدل بما يجب أن يتصف به القادر على الإيجاد من وجوب الوجود؛ منعًا للتسلسل والقدرة السابقة للفعل، وغير ذلك، يقول: "وهذا المحدث واجب الوجود إلى آخر الصفات التي يتوقف عليها الإيجاد، وإلا لما وجد العالم". (٢) ويذكر عبارة أخرى في تقرير الدليل، هي أقرب للفطرة: "أن تقول العالم جائز عليه العدم، وكل ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم، أنتج: العالم استحاله عليه القدم". (٣)

стр. 150

المناقشة: يشترط في الدليل حتى يتم به الوصول إلى المطلوب، أن يكون واضحًا بينًا، حتى لا يصعب فهم مقدماته، وبالتالى يتحقق المراد منه، وأن لا يستند في إحدى مقدماته إلى تقارير وضعية (١)، لا يستقيم المعنى المراد منها لعاقل، فيرد عليها المنع - طلب الدليل - ولا قوة فيها لدفعه، وإذا تيقن ذلك، وعلم احتياج الدليل للوضوح والبرهان، بأن ضعف دليل الحدوث وعدم كفايته في الاستدلال على وجود الله تعالى؛ حيث تعتمد مقدمتاه في إثبات حدوث العالم على مقدمات هي أكثر خفاء منها، وقد عبر عنها بمصطلحات فلسفية دخيلة، أكثرها من المجمل الذي يشمل حقًا وباطلًا، وهذه المقدمات هي: تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض، وأن العرض حادث، وهو قائم بالجوهر، وما قام به الحادث فهو حادث، يقول شيخ الإسلام في بيان خفائها: "طريقة أثبتوا فيها الجلى بالخفى، وأرادوا إيضاح الواضح". (٢) وتفصيل القول فيها كالتالى: - أما تقسيم العالم إلى جواهر وأعراض، وأن الجوهر هو الجزء الذي لا يتجزأ، فهذا افتراض لم يثبت له دليل، وقد أثبت العلم الحديث بطلانه بإمكان انقسام الذرة وهى أصغر جزء في الأجسام، وأنها بهذا الانقسام تتحول إلى طاقة هائلة تسمى عند المتكلمين بالعرض. وقد توصل شيخ الإسلام إلى مفهوم التحول عند التناهى قبل مئات السنين، وإن كان في المثال الذي قام بضربه قصور؛ أظهره العلم الحديث، حيث علم أن تحول الماء إلى الهواء من العمليات الفيزيائية التي لا تؤثر في تركيب المادة الكيميائى وهذه العملية تسمى بالتبخر، فالماء المكون من معادلة H ٢ O: ذرتان هيدروجين وذرة أكسجين، لا يغيرها تغير مادته بإحدى العمليات الفيزيائية المعروفة وهى

стр. 151

التبخر، والتكثف، والتجمد، والانصهار (١)، ولكن لا يمنع ذلك من صحة ما توصل إليه به في ذلك الزمن، يقول في معرض نقضه لهذه النظرية: "لأن الموجود إن قيل: إنه لا يقبل القسمة بالفعل لم تكن فيه أجزاء لا تتناهى، وإن قيل: إنه يقبلها بالفعل، فإذا صغرت أجزاؤه فإنها تستحيل وتفسد وتفنى، كما تستحيل أجزاء الماء الصغار هواء، وإذا استحالت عند تناهى صغرها، لم يلزم أن تكون باقية قابلة لانقسامات لا تتناهى، ولا يلزم وجود أجزاء لا تتناهى". (٢) وأما كلامهم في أن الجواهر الفردة لا تخلو من الأعراض فغير مسلم؛ لان الجوهر الفرد لا يرى بالعين المجردة، فثبت أنها دعوى لا برهان عليها. والصحيح أن الأجسام لا تخلو من الأعراض وهى الحركة والسكون والاجتماع والافتراق ولكن اختلاف المتكلمين في قابلية جميع الاجسام للحركة والسكون جعل الاستدلال بهما محل نظر، مع أن الاستدلال بهما بدهى؛ لانه لا يخلو أي جسم من سكون أو حركة؛ لعدم إمكان اجتماعهما أو ارتفاعهما في آنٍ واحد، فصار الاستدلال المجمع عليه ما كان مثبتًا بحصول الاجتماع والافتراق، لكن الاستدلال بهما لا يمكن إلا بإثبات أن الجسم مركب من أجزاء تنتهى بالجوهر الفرد، فعاد نقض الدليل إلى إبطال هذه النظرية، وقد تقدم. (٣) - وأما الحكم على الأعراض بالحدوث، فإنهم يستدلون لذلك بالمشاهد منها، فقد ثبت تعاقب الأعراض على الجواهر ومما يدل على حدوثها، وينفى عنها القدم (٤) ثم يقيسون ما غاب منها على المشاهد، حتى يصلوا إلى تعميم الحكم بحدوث الأعراض.

стр. 152

- وقد ضعف ابن رشد (١) هذا القياس بأنه لو صح الحكم على الغائب استدلالًا بحال الشاهد، لما احتيج إلى إثبات حدوث الأجسام بطريق الأعراض، إذ المشاهد من الأجسام بين الحدوث، ولكان إثبات حدوث ما غاب عنا منها بقياسه على المشاهد أصح، ولأمكن الاستغناء عن الاستدلال بحدوث الأعراض، والصحيح أنه لا يصح الاستناد إليه إلا عند التيقن من استواء طبيعة الشاهد بالغائب، يقول: "فتؤول أدلتهم على حدوث. جميع الأعراض إلى قياس الشاهد على الغائب، وهو دليل خطابى إلا حيث النقلة معقولة بنفسها، وذلك عند التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب" (٢) - وأما الحكم على ما لا يخلو من الحوادث بالحدوث، فهو العمدة في إثبات حدوث العالم، والأصل الذي أعتمد عليه أهل الكلام في ترجيح تأويلاتهم المبتدعة، حيث نزهوا الله تعالى عن حلول الحوادث فيه، فنفوا بذلك الكثير من الصفات المثبتة في القرآن والسنة. وللسلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - توجيهات لهذا الأصل، حيث يعد من الأمور المشبهة التي تشتمل على حق وباطل، لذلك احتاج الكلام فيه إلى تفصيل وإيضاح؛ ليستبن المراد منه فيؤخذ بذلك الحكم الذي يناسبه. فقد يراد بما لا يخلو من الحوادث: أنه لا يخلو من حادث بعينه، فهذا معلوم ببداهة العقول أنه حادث مثله. وبيانه أن ما لا يخلو من الحوادث لا يمكن له سبقها؛ لأنه إن كان سابقًا لها كان

стр. 153

خاليًا منها، ولامتنع الحكم عليه بعدم خلوه من الحوادث، وإذا علم امتناع سبقه لها مع عدم خلوه منها، بقى أن يكون وجوده مقارنًا لها أو بعدها، وحدوثه في كلا الحالتين ظاهر لا يحتاج إلى بيان. وأما الاحتمال الثاني الذي يرد عليه: أن الذي لا يخلو من جنس الحوادث حادث - أي الحوادث المتعاقبة التي لا ابتداء لها - فهذا هو محل النزاع، والذي لا يسلم أهل السنة والجماعة للمتكلمين به، وعليه مدار إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة بالإرادة كالكلام والغضب والضحك وغير ذلك، يقول شيخ الإسلام: "وأما ما لا يسبق جنس الحوادث، وهو ما قدر أنه لم يزل يقارنه حادث بعد حادث وهلم جرًا، كما أنه يقارنه حادث بعد حادث، وفانٍ بعد فانٍ في الأبد، فيقدر ليس متقدمًا على جنس الحوادث، ولا متأخرًا عن جنس الحوادث والفانيات؛ فهذا محل نزاع نازعهم فيه جمهور الناس من أهل الملل والفلاسفة القائلين بحدوث العالم". (١) ولما علم بطلان تعميم الحكم بالحدوث على كل ما لا تخلو منه الحوادث استنادًا إلى وجود حوادث لا أول لها، أقدم متأخروا المتكلمين على نفى إمكان حوادث لا ابتداء لها، ووضعوا برهان التطبيق؛ ليحتجوا به على هذه المقولة. (٢) لكن هذه المحاولة باءت بالفشل، ولم تتمكن من إثبات حوادث لا أول لها؛ لأن ما تستند إليه من دليل التطبيق باطل ممتنع "وملخص ذلك أن ما لا يتناهى إذا فرض فيه حد كزمن الطوفان، وفرض حد بعد ذلك كزمن الهجرة، وقدر امتداد هذين إلى ما لا نهاية، فإن تساويا لزم أن يكون الزائد مثل الناقص، وإن تفاضلا لزم وقوع التفاضل فيما لا يتناهى" (٣) وقد بين شيخ الإسلام امتناعه من عدة أوجه: ١ - أنه لا يمكن التطبيق مع وجود التفاضل، كما في المثال.

стр. 154

٢ - أن التفاضل حاصل من الجهة المتناهية لا الثانية. ٣ - أن التطبيق يصح في الموجود لا المعدوم. ثم إن هذه المقدمة تلزمهم بلوازم ممتنعة مما يدل على فسادها؛ إذ بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، ومن ذلك أن المقدمة الثانية "كل حادث لا بد له محدث" التي تعد من المسلمات المعلوم صدقها بالضرورة لم يسلم للمتكلمين إثباتها وفق هذا الأصل المبتدع الذي استندوا إليه في إثبات أن العالم حادث، حيث لزمهم في إثبات هذا المحدث أن لا يكون حادثًا ولا قديمًا، أما الحادث فلا يمكن لامتناع التسلسل. (١) أو الدور القبلى (٢) بين الفاعلين، وقد أقروا بذلك. وأما القديم فلا يصح إثباتهم له؛ لأنه إما أن يكون فعله قديمًا، ويمتنع عدم فعله لأن في ذلك نقصًا ينافى الكمال، وعلى ذلك لا بد أن تكون المفعولات هي أيضًا أزلية؛ لأن كل فعل أنتج مفعولًا لا بد أن يتعلق به مفعوله، وهذا ما يبطله مشاهدة حدوث المفعولات. فلم يبق إلا أن يكون الفعل الذي تعلقت به الحوادث حادثًا، فنتج بذلك فعل حادث عن فاعل قديم، وهذا ما لا يقرون به وفقًا لأصلهم الفاسد. ومن جهة أخرى فإن كون الفاعل يفعل مرة دون مرة، دل على اتصافه بصفة رجحت الفعل على الترك، وإلا لزم الترجيح بلا مرجح وهو محال؛ لأن المقدر تساويهما بالنسبة للفاعل، فترجيح إحداهما على الأخرى دل على وجود علة رجحت الحدوث على العدم، ولا يصح نسبة هذا الترجيح للإرادة القديمة، كما يدعى المتكلمون. وقد كان هذا القول منهم مدعاة للفلاسفة للتبجح بمذهبهم الباطل في قدم

стр. 155

المفعولات؛ معللين ذلك بأن حدوثها يلزم منه حدوث فاعلها، لاحتياجها إلى مرجح حادث يقوم به، كما أدى ذلك إلى الطعن في أصل إثبات المتكلمين القدم للمحدث - كما بينت - والزامهم بلوازم أصلهم الفاسد. وقد بين شيخ الإسلام ﵀ بطلان مذهبهم، يقول: "وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم، يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث. ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وأن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح، فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة، لم يتجدد فيه شيء أزلًا وأبدًا ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح". (١) ثم بين ﵀ أن الطريق الأسلم في هذا ما كان مستمدًا من الكتاب والسنة، وهو إثبات إرادة حادثة تقوم بالقديم يكون بها الترجيح، ولا يلزم منها حدوث ما قامت به. وبذلك تنتقى حجة الفلاسفة في إبطال مسلك المتكلمين في إثبات محدث قديم مفعولاته حادثة. (٢) - ويبقى الرد على أولئك المعارضين من الفلاسفة (٣) بأنه إذا أمكن تعاقب حوادث لا أول لها بالأفلاك مع وصفها بالقدم؛ فلم لا يمكن قيام أفعال اختيارية بالقديم يكون بها حدوث الحوادث، ولا تمنع وصفه بالقدم؟ (٤). هذا إلى جانب ما يلزمهم في نفى قيام الحوادث بالقديم من إثبات حدوث كل الحوادث بلا سبب ولا ذات متصفة بصفات كمال. (٥) وبكل ما تقدم بان ضعف الدليل حيث بنى على مقدمات واهية، نتج عنها انحراف خطير التزمه المتكلمون في اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى.

стр. 156

دليل الإمكان يستند اعتقاد الفلاسفة في وحدانية الله تعالى إلى نفى شبهة التركيب، إذ الواحد يمتنع عليه التعدد، واعتقدوا أن في إثبات الصفات ما يخالف ذلك الأصل الذي بنو عليه توحيد الله وتنزيهه، حيث وصفوه بأنه عاقل لا يعقل إلا نفسه، ليس له إرادة ولا قدرة ولا أي صفة سوى العقل. وعند التساؤل عن وجود هذه المفعولات الكثيرة المشاهدة، فإنهم يرجعون الإجابة إلى نظرية الفيض والصدور، فأبطلوا دلالة العالم على وجود فاعله من جهة الحدوث؛ لأن في إثبات حدوث المخلوقات استلزامًا لقيام صفة حادثة بالرب، يتعلق بها وجود الحوادث، وهذا ما يمتنع - عندهم - بناء على شبهة التركيب التي ينبنى عليها التفريق بين الواجب والممكن؛ وبذلك ينتفى إمكان الاستدلال على واجب الوجود - عندهم - إلا بطريق التصور المحض للوجود. (١) ويعتمد هذا الاستدلال على تضمن الوجود المطلق للوجود الواجب والممكن، يقول ابن سينا: "لا شك أن هناك وجودًا، وكل وجود إما واجب وإما ممكن؛ فإن كان واجبًا فقد صح وجود الواجب وهو المطلوب، وإن كان ممكنًا فإنا نوضح أن الممكن ينتهى وجوده إلى واجب الوجود". (٢) وتستند دلالة الوجود الممكن على الوجود الواجب إلى استحالة ترجح وجود الممكن على عدمه بلا مرجح (٣)؛ فإن واجب الوجود هو من يرجح الوجود على العدم، وإلا لزم الدور أو التسلسل الممتنعين (٤).

стр. 157

وقد تأثرت المعتزلة بهذا المسلك الذي سلكه الفلاسفة والتزموا بلوازمه؛ فقاموا بنفى الصفات موافقة لهم في اعتقاد أن إثباتها يوجب التعدد وينفى الوحدانية؛ لأن انتفاء التركيب يعد في حق الواجب من أخص ما يميز به عن الممكن، وأقاموا على ذلك أصلهم المبتدع في إثبات التوحيد. (١) وانتقلت هذه الشبهة لأكابر الأشاعرة ممن تأثروا بالفلسفة، وأصبح الاستدلال بهذا الدليل أمرًا مستساغًا عندهم (٢)، بل وجد بعضهم في الدليل ما يفى بالمقصود، بعيدًا عن التكلف واصطناع المقدمات، حيث كثرت اعتراضات المخالفين عليها، وقام بدمجه مع دليل الحدوث، كتطوير أو دعم لهذا الدليل، فخالفوا بذلك مسلك الفلاسفة في الاستدلال به، وجعلوه مما يدل على سبق الممكنات بالعدم، مما يقضى بإثبات حدوثها. (٣) ويشكك البعض في نسبة هذا الاستدلال إلى الفلاسفة؛ للمخالفة الظاهرة في طريقة الاستدلال به، حتى حكم البعض بخلافه، وزعم أن هذا الدليل قد عرف عن الباقلانى الذي توفى قبل ابن سينا بربع قرن، (٤) ولكن لا يزال الاعتراض قائمًا؛ لأن ابن سينا لم يكن هو الذي أحدث الطريقة، بل استفاد منها وعدل عنها إلى طريقة أحدثها، على غرار طريقة المتكلمين في دليل الحدوث. (٥). ويمكن التوفيق بين الرأيين، فيقال: إن الدليل قد انتقل من الإمكان الذهنى الافتراضى إلى الإمكان الحقيقى على يد المتكلمين، كالباقلانى، والجوينى؛ بمعنى: أنه انتقل من التصور المحض للوجود، والاستدلال به على وجود الواجب والممكن إلى تعيين الممكنات، والاستدلال على وجود واجب أبدعها؛ لما كانت عليه من العدم، وما آلت إليه من الوجود.

стр. 158

وقد اشتهر الاستدلال به عند كافة المتكلمين؛ لما وجدوا فيه من واقعية الاستدلال، دون أن يكون التصور العقلى هو المستند الوحيد له، إلا أن الفكرة التي يقوم عليها وهى الجواز وتساوى الممكنات "فكرة اعتزالية تسربت إلى الفلسفة، وظهرت لدى الأشاعرة منذ الباقلاني". (١) مما يحكم بعدم استقلاله عن الأصل الفلسفى البعيد؛ لأنه قد سبق بيان تسرب هذه الفكرة إلى الاعتزال من الفلسفة القديمة، كما شهد بذلك الشهرستانى والغزالى. (٢) * * * رأي الشيخ الصاوي: يتابع الشيخ أسلافه من المتكلمين بالاستدلال بدليل الإمكان من حيث ما يقتضيه من معنى الحدوث، ودلالته على وجود الصانع، يقول: "واعلم أنهم اختلفوا في كيفية الاستدلال بالعالم على أربعة أقوال: الأول: من جهة الإمكان أي استواء الوجود والعدم، ونظم الدليل أن تقول: العالم ممكن، وكل ممكن له صانع، فالعالم له صانع. الثاني: من جهة الحدوث، أي الوجود بعد العدم، ونظم الدليل عليه أن تقول: العالم حادث، وكل حادث له صانع، فالعالم له صانع. الثالث: من جهتهما معًا، ونظمه العالم ممكن حادث، وكل ما كان كذلك فله صانع. الرابع: من جهة الإمكان بشرط الحدوث، ونظمه كالذى قبله وإنما الفرق بينهما أن الحدوث أخذ جزأ في الأول، وشرطًا في الثاني". (٣) * * *

стр. 159

المناقشة: يستند هذا الدليل في مبدأ الاستدلال به عند الفلاسفة إلى التصور المطلق للوجود، والذي ليس له حقيقة خارجة عن الذهن، مما يحكم بعدم كفايته في الاستدلال على وجود الله تعالى، فكل ما يقتضيه: تقسيم الوجود إلى واجب وممكن، أما من حيث التعين فلا يدل عليه، وهذا ما يدحض حجيته في الاستدلال على وجود الله تعالى، ويقرر عدم كفايته في هذا الأصل العظيم. بيان ذلك: أن الدليل الصحيح الدال على وجود الله تعالى لا بد أن يدل على تعينه متصفًا بما لا يشاركه فيه أحد من صفات الكمال، مع دلالته على إثبات وجوده، وإلا لأدى ذلك الاستدلال إلى نقيض المراد منه، يقول شيخ الإسلام ﵀: "حقيقة قول هؤلاء نفى الوجود الواجب المباين للوجود الممكن، ونفى وجود الخالق المباين للمخلوقات، ونفى وجود القديم المباين للمحدثات". (١) وهذا يرجع إلى أنه استدلال بالكلى، الذي لا وجود له إلا في الأذهان وهو مطلق الوجود على المتعين وهو الوجود الواجب المتحقق في الخارج، وهذا غير ممكن بطريقه؛ لأن دلالة الكلى على المتعين قد تفيد إثباته في العقل، ولكنها تقصر عن المراد الأسمى، وهو تعيينه بصفاته التي يحصل بها التمييز بين الواجب والممكن في الخارج، يقول شيخ الإسلام في بيان عدم جدواه: "فإن هذه الطريقة، وإن كانت صحيحة بلا ريب، لكن نتيجتها إثبات وجود واجب، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء المعتبرين، ولا هو من المطالب العالية، ولا فيه إثبات الخالق، ولا إثبات وجود واجب أبدع السموات والأرض". (٢) - وقد أعرض الفلاسفة عن الاستدلال بالحدوث - مع أنه يستند إلى مبدأ الإدراك الحسى إلى الاستدلال بهذا الدليل - حتى لا يخالفوا اعتقادهم بقدم بعض الموجودات كالأفلاك السماوية، فحصروا دلالة الممكن على الواجب بافتقاره إليه افتقار العلة إلى معلولها دون سبق زمان. (٣)

стр. 160

وهذا ما رده عليهم شيخ الإسلام ﵀ وبين عدم صحته لمخالفته ما قد أجمع العقلاء عليه، يقول: "أما كون الممكن بنفسه له ذات يعتقب عليه الوجود والعدم، وأنها مع ذلك قد تكون قديمة أزلية واجبة بغيرها، كما يقوله ابن سينا وموافقوه، فهذا باطل عند العقلاء قاطبة من الأولين والآخرين، حتى عند ابن سينا مع تناقضه". (١) - ومع مخالفة المتكلمين للفلاسفة في هذا، واستدلالهم بالإمكان على الحدوث، لاقتضائه سبق الممكنات بالعدم، كما بين الصاوى، إلا أن شيخ الإسلام يخطئهم في استخدام مصطلح الإمكان من حيث امتناع دلالته على المراد، ببيان أن الممكن ما كان معدومًا أما ما وجد فقد خرج عن الإمكان إلى الوجوب بالغير، فالمعروف في فطر الناس أن ما مضى من وجود وعدم لا يسمونه ممكنًا، وإنما يسمون بالممكن شيئًا يمكن وجوده في المستقبل وعدمه في المستقبل". (٢) هذا وقد سبقت الإشارة إلى أن الدليل حتى يتم به المقصود لا بد أن يتسم بالبيان والوضوح، وإلا خالف المراد منه، وهذا مما انتقده شيخ الإسلام ﵀ على المتكلمين، حيث خالفوا السبيل المستبين إلى سبيل تتسم مقدماته بالطول والخفاء، واستخدام المصطلحات الفلسفية المبتدعة، مما جعل فهمه متعسرًا على الكثير، يقول: "فإن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن الممكن لا بد له من واجب فتكون تلك الطريق أبين وأقصر، وهذه أخفى وأطول". إلى أن قال: "ومن استدل على الجلى بالخفى فإنه وإن تكلم حقًا فلم يسلك طريق الاستدلال. . . فإثبات الصانع بمثل هذه المقدمات لو كانت صحيحة كان الدليل باطلًا". (٣) وبعد التنبيه على وعورة هذه المسالك، وانقطاعها بأصحابها في الوصول للمراد الأسمى، يجدر التنبيه إلى بيان الطرق الشرعية، التي ذكرت في القرآن الكريم والسنة المطهرة، باعتبار كفايتهما في الاستدلال على أصول الدين جملة وتفصيلًا -

стр. 161

كما بينت سابقًا - فإن طريقة القرآن الكريم في بيان هذا الأصل، تتفق وروح السماحة وإرادة الخير بالبشرية، التي تعد من أبرز سماته التي خصه الله بها. فإن حديث القرآن عن معرفة الله تعالى، والاستدلال على وجوده , يتسم بأنه خطاب موجه للفطرة المغروسة في النفس البشرية، فجل ما يفيده في هذا المجال هو تنبيه العقل لإدراك هذه الحقيقة الكامنة فيه إن غفل عنها، وغابت معالمها في نفسه، ومن ثم إلزامها بما يقتضيه هذا الإقرار من التزام بأوامر الشرع المطهر، فدليل الخلق والإيجاد، يعتمد على مقدمتين، دلالة كل منهما تستند إلى اليقين، وهما: أن ما يشاهد من الموجودات مخلوق، وأنه لا بد لكل مخلوق من خالق. حيث ترتكز المقدمة الأولى على مبدأ الإدراك الحسى، وذلك أن العلم بحدوث المخلوقات، تقتضيه مشاهدة ما يطرأ عليها من وجود بعد عدم، ومن فناء بعد وجود، وقد دل القرآن الكريم على هذه الضرورة، بأحسن بيان وأوجزه، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾. وقال: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [يونس: ٣٤]. وغيرها من آيات الذكر الحكيم، التي نبهت إلى حقيقة الخلق في هذه الموجودات المشاهدة، وإقرار الكافرين بها، فاستدلت بها دون أن تستدل لها على ضرورة وجود خالق مبدع لتلك المخلوقات. - أما المقدمة الثانية لهذا الدليل، وهى ضرورة أن يكون لهذه المخلوقات خالقًا مبدعًا، فتعتمد على مبدأ السببية، الذي يعد من أسمى مبادئ التفكير البشرى الهادى إلى معرفة الله تعالى، وقد اعتمد القرآن الكريم في الاستدلال على هذا الأصل العظيم إلزام المخاطبين به، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [النمل: ٦٤]. حيث تدل هذه الآية الكريمة على وجوب أن يكون لهم خالق خلقهم من غير أنفسهم، ومن ثم إلزامهم بوجوب أن يكون هو الخالق الذي لا إله إلا هو.

стр. 162

وقد أتى هذا الإلزام بصيغة الاستفهام الإنكارى ليدل على فطرية هذه القضية واستقرارها في نفوسهم، بحيث يمتنع مخالجة الشك لها. (١) يقول العلامة الشنقيطي ﵀: "لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح والأولى: أن يكونوا خلقوا من غير شيء، أي بدون خالق أصلًا. والثانية: أن يكونوا خلقوا أنفسهم. والثالثة: أن يكون خلقهم خالق غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضرورى كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه، والثالث هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا". (٢) وعلى نفس مبدأ السببية يقوم دليل آخر، له ارتباط وثيق بدليل الخلق، وذلك من جهة اشتمال المخلوقات على ما هي عليه من الإحكام والإتقان، ومن ثم الاستدلال بذلك على وجود مبدع لها، أحكم وأتقن صنعها، يقوم هذا الدليل كسابقه على مقدمتين دلالتهما يقينية: أما المقدمة الأولى: وهى أن كل ما هو مشاهد من المخلوقات قد أحكم خلقه وأتقن، فتستند إلى الإدراك الحسى الذي يدرك هذه الحقيقة ويشاهدها دون أدنى شك. وأما المقدمة الثانية، وهى أن كل ما أحكم صنعه وأتقن فإنه يدل على وجود بديع أبدعه، فتستند إلى مبدأ السببية، الذي يمنع أن يكون هذا الإحكام والإتقان قد وجد اتفاقًا بلا مسبب له، ومن ثم يلزم بوجود مسبب قادر على إبداع هذا الخلق وإحكامه. والآيات التي تشهد لهذا الأصل كثيرة حتى عدها بعضهم في أكثر من ثمانين

стр. 163

موضعًا، كلها تحث العقل على تدبر ما في هذا الخلق من عناية وحسن تدبير وتقدير ونظام، ففى بيان العناية وحسن التدبير، يقول الشيخ السعدى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] "فالنفس آية كبيرة من آياته التي يحق الإقسام بها، فإنها في غاية اللطف والخفة، سريعة التنقل والحركة، والتغيير، والتأثر، والانفعالات النفسية من الهمة والإرادة والقصد والحب والبغض، وهى التي لولاها لكان البدن مجرد تمثال لا فائدة فيه، وتسويتها على ما هي عليه آية من آيات الله العظيمة". (١) * * *

стр. 164

الفصل الثاني: (آراؤه في التوحيد) وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف التوحيد. المبحث الثاني: أدلة التوحيد. المبحث الثالث: شهادة التوحيد ونواقضها.

стр. 165

تمهيد يقسم التوحيد باعتبارين: أولًا: باعتبار متعلقه؛ إلى توحيد ربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد أسماء وصفات. الثاني: باعتباره ما يجب على العبد، إلى توحيد علمى وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد عملى وهو توحيد الألوهية. ويعنى توحيد الربوبية: توحيد الله تعالى بأفعاله من الخلق والرزق والإحياء والإماتة، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. أما توحيد الألوهية: فهو توحيد الرب تعالى بأفعال العباد، فهو بهذا المعنى لازم من لوازم الإيمان بربوبيته تعالى، فهو حقيقة يقتضى الالتزام بها ذلك الإقرار الفطرى، ولهذا كان يأتى تقريره في الكتاب والسنة بطريق الإلزام بتوحيد الربوبية قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨]. وأما توحيد الأسماء والصفات فهو توحيده تعالى بماله من أسماء وصفات خص بها نفسه في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه ﷺ ، يكون بإثباتها له على جهة تنتفى فيها كل موجبات النقص المنافى لتمام كماله وجلاله، من التمثيل والتعطيل والتحريف والتكييف، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. ومن أدلة التوحيد العلمي (الربوبية والأسماء والصفات): سورة الإخلاص، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، وغيرها من الآيات الكريمة؛ فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: دلت على نفى الشريك من كل وجه؛ في الذات وفى الصفات وفى الأفعال، كما دلت على تفرده سبحانه بالعظمة والكمال والمجد والكبرياء.

стр. 166

وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ قد فسرها ابن عباس ﵄ بقوله: "السيد الذي كمل سؤدده، والشريف الذي كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ، هذه صفته ولا تنبغى إلا له، ليس له كفء، وليس كمثله شيء" (١)، فإثبات الأحدية لله تضمن نفى المشاركة والمماثلة، وهذا هو توحيد التنزيه، وإثبات الصمدية بكل معانيها المتقدمة؛ تتضمن إثبات جميع تفاصيل الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا هو توحيد الإثبات (٢). أما القسم الثاني من التوحيد؛ فقد تضمنته سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وكثير من آيات الكتاب الكريم. "وغالب سور القرآن متضمنة لنوعى التوحيد، بل كل سورة في القرآن: إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته، وهو التوحيد العلمى الخبرى، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادى الطلبي" (٣). ولما كانت العلاقة بين هذه الأقسام علاقة استلزام وتضمن؛ فقد مثل التوحيد - بأقسامه الثلاث - المقصد الأسمى والغاية العظمى من خلق الله تعالى للثقلين، ومن إنزاله الكتب إليهم على أيدى الرسل والأنبياء، قال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] إذ هو سبحانه المنفرد بالخلق، فلا يصح أن يعبد غيره، وهو المنفرد بالأمر وغاية الأمر أن يعبد وحده. وقد بين سبحانه أن الغاية من خلق الثقلين هي: إفراده وحده بالعبادة، حيث قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] بل نزه نفسه

стр. 167

عن إرادة العبث من خلق السموات والأرض وبين أن ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] أما المؤمنون فحالهم ينطق ولسانهم يلهج بـ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١]. وكما بين سبحانه الحكمة من خلقه؛ فقد بين الحكمة من أمره في كثير من آيات الذكر الحكيم، فقصص الأنبياء تترى وأخبارهم تروى في بيان هذه الحقيقة وتأكيد: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وسار السلف الصالح - رضوان الله عليهم - على نهج الأنبياء ﵈ في الدعوة للتوحيد والذب عن حماه معتقدين اعتقادًا جازمًا مستمدًا من الهدى الكريم، أنه لا نجاة إلا به، هكذا دونما تفريق بين لوازمه ومعانيه، لا لغموض في فهمه ولبس، وإنما لوضوح هذه الحقيقة وبعدها عن الكدر والشوائب. وظل الأمر على هذا؛ حتى خلف منٍ بعدهم خلف انحرافوا عن المسير فضلوا السبيل و ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة: ١٠٢] حيث أرادوا الدفاع عن الدين من أقوال الكفرة الباغين، فحصروا جل اهتمامهم في الدعوة إلى بعض معانيه، فكان إثبات وجود الله تعالى والاستدلال على ربوبيته، هو المقصد الأسمى من تلك المطالب العالية، ونسوا أو تناسوا أنهم بذلوا الكثير في تقرير ما هو مقرر لدى الكثير، وأعرضوا بما وهبوا من أفهام وألباب عن معرفة أن المراد غير المراد: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وأن الناجى يوم ﴿تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٨] هو ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٩]. وقد نتج عن هذا الانحراف الذي حصل في مفهوم التوحيد عند هؤلاء المتكلمين أن حرفوا معناه إلى ما يوافق ما ابتدعوا من أصول فاسدة، فأهملوا المراد الأسمى منه وهو الدعوة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة. هذا مع ما امتد إليه ذلك الانحراف من اضطراب وتضليل لمقتضيات الأدلة الشرعية فيما ينبنى على معرفة حقيقة التوحيد المنجى، فقد امتدت مخالفتهم إلى

стр. 168

زعزعة الثوابت في قضايا التكفير المعلومة من الضرورة بدين الإسلام، وبهذا ظهر مفهومهم الخاص في تحديد معنى الشهادة ونواقضها بناء على ما تأسس لديهم من فهم لحقيقة التوحيد المنجى. * * *

стр. 169

(المبحث الأول): تعريف التوحيد مع تأثر المتكلمين البين في قضايا الإلهيات بالرد على المناهج الكفرية في توحيد الباري تعالى، سواء فيها عقيدة اليهود أو النصارى أو الفلاسفة الإغريق؛ يتوجه الحديث عن حقيقة الإله في ضوء تلك المناهج الضالة التي انحرفت عن مسالك الأنبياء والمرسلين في الإيمان بهذه الحقيقة الفطرية. أما عن معتقد الفلاسفة في الذات الإلهية، فإن تنزيه الإله عن التركيب عندهم يعد حجر أساس في تصورهم لمعنى التوحيد، فالتوحيد هو نفى التركيب وإثباته عكسه، (١) بمعنى أن منهجهم في إثبات الإله إنما تحقق بناء على اعتقاد بساطة الإله ونفى الصفات عنه؛ فإنهم لما اعتقدوا أن في إثبات الإرادة وسائر الصفات ما يغاير تلك الوحدانية المزعومة باعتقاد اقتضائها للتركيب؛ فقد امتنعوا عن إثباتها، وخلصوا في الإقرار بحدوث العالم المتغير عن ذلك الإله بالوجود الضرورى الحتمى، الذي تبلورت فكرته في نظرية الفيض والصدور. أما عن عقيدة اليهود والنصارى في الذات الإلهية، فلا يخفى ما فيها من إلحاد وخروج عن مقتضى التوحيد الذي أقرته رسالات الأنبياء، إذ يتلخص انحرافهم في اعتقاد الشريك في الربوبية، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]. وقد بين القرآن الكريم في كثير من الآيات بطلان تلك العقائد الكفرية، ببيان ما تستلزمه من إلحاق النقص والخروج عن مقتضى التنزيه والتقديس الذي يستحقه الرب تعالى لتمام كماله وقيوميته، ومن ذلك قوله : ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا

стр. 170

فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء: ١٧١]. ولكن المتكلمين لما حرصوا على انتهاج الأدلة العقلية في الاستدلال للعقائد؛ خاضوا مع أولئك اليهود والنصارى معارك ضارية، افترض عليهم مسلكهم القائم على التحسين والتقبيح العقلى أن يتنازلوا عن كثير من الضروريات التي اقتضاها مبدأ التسليم بالأدلة الشرعية كتابًا وسنة. ولكل ما تقدم فقد ظهر أثر تبرير النصارى لعقيدة التثليث باعتقاد أن الثالوث ما هو إلا مجموعة أقانيم، أي صفات لذات واحدة أو أعراض لجوهر واحد في اقتناع المعتزلة بوجوب تنزيه الباري تعالى عن الصفات؛ حتى لا يلزمهم ما لزم النصارى من الوقوع في الشرك الأكبر (١). وقد كان للرد على عقيدة الفلاسفة في الذات الإلهية دور كبير أيضًا في تحديد درجة الانحراف في الفكر الاعتزالى اتجاه توحيد الباري تعالى، وهذا ما أشار إليه الشهرستاني عند بيانه أصول معتقد شيخ الطائفة أبى الهذيل (٢): "وإنما اقتبس هذا الرأى من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة فيها بوجه، وإنما الصفات ليست وراء الذات معانى قائمة بذاته، بل هي ذاته وترجع إلى السلوب أو اللوازم". بل ويزيد في توضيح أصل معتقده جامعًا بين المؤثرات المنظرة لحقيقة ما ذهب إليه، قائلًا: وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات فهى بعينها أقانيم النصارى أو أحوال أبى هاشم" (٣) وهذا كثير في عرضه آراء الفرق النصرانية.

стр. 171

- ومن هنا كان موقف المعتزلة الجافى إزاء التوحيد حيث أقاموه على ثلاثة أصول: الأول: بمعنى أنه لا يتجزأ ولا يتبعض. الثاني: أنه منفرد بالقدم لا ثانى له. الثالث: أنه منفرد بسائر ما يستحق من الصفات النفسية، من كونه قادرًا حيًا (١) ويقول القاضي عبد الجبار في تعريفه: "هو العلم بأن الله تعالى واحد لا يشاركه غيره فيما يستحق من الصفات نفيًا وإثباتًا على الحد الذي يستحقه والإقرار به، ولا بد من اعتبار هذين الشرطين: العلم والإقرار جميعًا؛ لأنه لو علم ولم يقر، أو أقر ولم يعلم لم يكن موحدًا" (٢) ومع تضليل الأشاعرة للمعتزلة في مقتضى نفى التركيب - عندهم - لنفيهم سائر الصفات؛ فقد انتهجوا أيضًا نفس المنهج في بيان الأسس التي ينبنى عليها مفهوم التوحيد، مع نوع من المغايرة التي يوجبها منهجهم القائم على اعتماد العقل إلى جانب الالتفات إلى النصوص الشرعية، وبيانها كالتالى: ١ - أن الله تعالى واحد في ذاته، وهذا يشمل نفى التركيب عنها، ونفى أن يماثله فيها أحد، يقول الجويني: "والرب موجود فرد متقدس عن قبول التبعيض والانقسام، وقد يراد بتسميته واحدًا أنه لا مثل له ولا نظير". (٣) ٢ - أن الله تعالى واحد في صفاته فلا يشابهه فيها أحد، ولا تنوع فيها أي لا يوصف بأن له علمين أو إرادتين. (٤) ٣ - أن الله تعالى واحد في أفعاله، وفيه إثبات لمعنى الربوبية والانفراد

стр. 172

بالتصرف، ويحكى هذه المعانى ابن فورك عن شيخه الاشعرى: "الواحد والأحد بمعنى التوحد، الذي هو التفرد النافى للاشتراك والازدواج في النفس والفعل والحكم والصفة؛ لأنه في نفسه غير منقسم، وفى نعته لا مثل له، وفى تدبيره لا شريك له، فهو واحد من هذه الوجوه، ولا فرق بين الأحد والواحد عنده". (١) رأي الشيخ الصاوي: يوافق الصاوى من تقدمه من الأشاعرة في معنى التوحيد؛ حيث يقرر ما ذهبوا إليه من أن المعبود متصف بالوحدة في الذات، والصفات، والأفعال، (٢) وذلك بـ: "نفى الكموم الخمسة، وتوضيحه: أنه لا نظير له في ذاته، أي أن ذاته ليست مركبة من أجزاء، وليس لأحد ذات كذاته، ولا في صفاته، أي ليست صفاته معددة من جنس واحد، بمعنى أنه ليس له علمان ولا سمعان، وليس لأحد صفة كصفات مولانا، فهذه أربعة كموم: متصلان في الذات والصفات، ومنفصلان بينهما، والخاص المنفصل في الأفعال، بمعنى أنه ليس لأحد فعل مع الله، وأما المتصل فهو ثابت لا ينفى؛ لأن أفعاله على حسب شؤونه". (٣) ومع ما تقدم فقد يظهر عليه التأثر باعتقاد السلف، كما هو معلوم من حال متأخرى الأشاعرة أمثال الدردير والجمل، وذلك في مثل تفسير الآية الكريمة: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥] حيث بين أن النبي ﵊ قد ابتدأ بالدعوة إلى التوحيد: عبادة الله وحده، ثم علل توجهه إليه أولًا بأنه الأصل وما بعده فرع، يقول: "أمرهم بالتوحيد أولًا؛ لأنه أهم الأشياء وأصلها وغيره فرع، فإذا صلح الأصل صلح الفرع". (٤)

стр. 173

وقد يأتى في موضع آخر فيميل إلى آراء أسلافه، فيقصر التوحيد على مفهومه العلمى دون العملى، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]. يقول: "الخطاب للمكلفين لأن العبادة تتوقف على معرفة المعبود والنية، ولكن المراد ما يشمل القربة التي هي ما تتوقف على معرفة المتقرب إليه والطاعة التي لا تتوقف على شيء". ويرى أن تفسير العبادة بالتوحيد، كما هو قول المحلى يجعل النهى عن الإشراك مؤكدًا للأمر السابق، وهذا خلاف الأولى، بل الأولى - عنده - أن يكون قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ هو الأساس وما بعده أمر بلازمه. (١) * * * المناقشة: من خلال عرض أقوال الصاوى ومن قبله الأشاعرة؛ تبين أن مفهوم التوحيد - عندهم - قد داخله انحراف خطير وذلك من عدة أبواب: الأول: اعتقاد الوحدانية في الذات، وذلك بنفى التركيب، ونفى المثيل والنظير. - أما التركيب ففيه إجمال، حيث أرادوا به حقًا وباطلًا: فنفى تركيب الذات من أجزاء متعددة، حق لا مرية فيه؛ فالله تعالى صمد غنى عما سواه. أما إذا أرادوا به نفى ما يلزم منه التركيب - عندهم - كالصفات الخبرية مثل الوجه واليدين؛ فهذا باطل مخالف لما هو مقرر في الكتاب والسنة، وليس في إثباته ما يلزم منه التركيب كما زعموا. (٢) - وأما إثبات وحدانية الذات بنفى النظير والمثل، فهذا حق، ولكنهم غلوا في هذا الجانب حتى زعموا أن هذا هو المراد الأسمى من التوحيد، إلى أن قصروا الاستدلال على إثباته.

стр. 174

الثاني: اعتقاد الوحدانية في الأفعال: وأرادوا به إثبات ربوبية الله تعالى ووحدانيته في التصرف، لكنهم مع ذلك أرادوا به نفى التأثير عن فعل غير الله تعالى، وهو ما يعرف بإبطال الأسباب، وقد أدخلهم هذا الاعتقاد في نطاق الجبر. (١) الثالث: اعتقاد الوحدانية في الصفات؛ واشتمل هذا الاعتقاد على حق وباطل، حيث أرادوا به تنزيه الله تعالى عن مشابهة صفات المخلوقين؛ فوقعوا في شر مما فروا منه، حيث عطلوه عما ورد به وصفه في الكتاب والسنة. وهذا المعنى الذي ذهبوا إليه قد ثبت بطلانه من جهات متعددة، منها مخالفته للغة العربية (٢) - لغة القرآن الكريم - كباقى مصطلحات المتكلمين التي قال فيها شيخ الإسلام: "إن عامة ألفاظهم الاصطلاحية لا يريدون بها ما هو المعروف في اللغة من معناها، بل معانى اختصوا بالكلام فيها نفيًا وإثباتًا؛ ولهذا قال الإمام أحمد فيهم: "يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس بما يشبهون عليهم". (٣) فعارضوا بذلك ما ورد في الكتاب والسنة، ومما يدل عليه أنه قد ورد لفظ الواحد والوحيد في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه ﵊ بخلاف ما زعموا من نفى التركيب والتبعيض، فقد روى عن الإمام أحمد أنه حاج أحد المتكلمين في ذلك المعنى، حيث قال: "قد سمى الله رجلًا كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة المخزومى، فقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر: ١١] وقد كان هذا الذي سماه الله وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة، فقد سماه وحيدًا بجميع صفاته، فالله - وله المثل الأعلى - هو بجميع صفاته إله واحد". (٤)

стр. 175

ثم إن في تفسير ما ورد في القرآن من لفظ الواحد أو الأحد، وفقًا لما ذهب إليه المتكلمون؛ إثبات للتناقض في كتاب الله تعالى، ويضرب شيخ الإسلام ﵀ مثالًا لذلك بسورة الإخلاص، التي ورد فيها نفى مكافأة أحد لله تعالى مهما كان، فلو طبق هذا المعنى الذي ذهب إليه المتكلمون على الأحد المنفى هنا في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، للزم منه مكافأة جميع الأجسام لله تعالى، وهذا محال، (١) وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه. ومما يدل على بطلان هذا المعنى، قصوره - عند الصاوى ومن سبقه من المتكلمين - عن تحقيق المراد الأسمى من التوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة، ودلالة هذا الأصل مستمدة من الكتاب والسنة، حيث دلت نصوص القرآن الكريم على تقسيم التوحيد إلى أقسام ثلاث: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات (٢)، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في بدء الحديث عن التوحيد، فمن تلك النصوص، ما يثبت ربوبية الله تعالى على خلقه، وذلك ببيان انفراده في التدبير والتصريف، ومنها ما يدعو إلى إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وهذا هو توحيد الألوهية، ومنها ما يدل على إثبات صفات الكمال لله تعالى تعظيمًا وتنزيهًا، وهذا هو توحيد الأسماء والصفات. وكل هذه الاقسام ترتبط؛ لتدل على معنى التوحيد كما هو مستمد من الكتاب والسنة، فتوحيد الألوهية يدل على الربوبية بالتضمن؛ فما من محقق له إلا وهو محقق لتوحيد الربوبية من باب أولى، ومن ادعى خلافه فقد ادعى الجمع بين النقيضين. أما توحيد الربوبية؛ فإنه يدل على الألوهية بالالتزام، بمعنى أن من أقر بأنه لا يستحق صفات الربوبية إلا الله تعالى؛ لزم ألا يعبد أحدًا سواه، وأى مخالفة لذلك

стр. 176

تدل على خلل في الإقرار بتوحيد الربوبية، وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذا المعنى عن ابن عباس ﵄ حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] "أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه". (١) أما توحيد الأسماء والصفات؛ فإنه يدل على الربوبية بالتضمن؛ لدلالة أسمائه الحسنى على ذلك، وعلى الألوهية بالالتزام. (٢) وبهذا يدرك أن المراد من التقسيم الذي ذكره العلماء هو توضيح المعتقد؛ وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة، ومن ثم التأكيد على توحيد الألوهية الذي جحده الكثير ممن أقر بربوبية الله على خلقه، فمعرفة الله ربًا منعمًا متصفًا بصفات الكمال والعظمة، مما قد فطرت النفوس على الإقرار به، وإنما وقع الخلل فيما يجب اتجاه من وصف بذلك واستحقه، حيث عبدت الأصنام وصرفت الصالحات لغير الله تعالى؛ إما جهلًا أو عنادًا واستكبارًا، وأدلة الشرع في هذا المعنى كثيرة متضافرة، لا يعرض عنها إلا جاهل أو صاحب هوى. قال شيخ الإسلام: "التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، بأن يعبد الله وحده لا يشركون به شيئًا؛ يكون الدين كله لله. . كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن". (٣) * * *

стр. 177

(المبحث الثاني): دليل التوحيد لما انحصر المراد بالتوحيد عند المتكلمين على توحيد الربوبية؛ فقد اعتنوا بالاستدلال له عقلًا، وأجازوا ذلك بطريق النقل، وقد استندوا في ذلك إلى عدم توقف معرفة السمع عليه، يقول الإيجى: "والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل، إذ يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه". (١) ودليلهم الذي اعتمدوا عليه في إثبات الوحدانية هو ما يسمى بدليل التمانع. ويستند هذا الدليل في أساسه إلى مقدمتين ضروريتين، الأولى: وجود هذا العالم بما هو عليه من انتظام وإتقان. الثانية: أن هذا الانتظام لا بد أن يكون مدبره واحدًا. والدليل على استحالة تعدد المدبرين هو امتناع تعدد الإرادات على المخلوقات؛ إذ يلزم من تعددها إما اتفاق الآلهة أو اختلافهم، وكلاهما باطل. أما الاتفاق فلما يلزمه من اجتماع مؤثرين على فعل واحد، ومحله إذا اتفقا على إيجاده في وقت واحد. ومع حصوله مرتبًا فيبطل، لما يلزم من عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل. أما الاختلاف بأن يريد أحدهما إيجاد شيء، والآخر إعدامه، فلا يخلو إما أن ينفذ مرادهما معًا، فهذا باطل، لاستحالة اجتماع النقيضين: الوجود والعدم. أو لا ينفذ مراد واحد منهما فباطل أيضًا لاستحالة ارتفاع النقيضين: الوجود والعدم، وللزوم عجزهما معًا. فلم يبق من هذه القسمة العقلية إلا الفرض الأخير: أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فثبتت بذلك الوحدانية، وانتفى إمكان التعدد. (٢)

стр. 178

رأي الشيخ الصاوى: يتبع الصاوى رأى أسلافه في إمكان إثبات دليل الوحدانية بالعقل والنقل، يقول: "واعلم أن الدليل على الوحدانية لله النقل والعقل، أما النقل فآيات كثيرة جدًا منها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦] وأما العقل فقد علمنا الله كيفيته بقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وكهذه الآية يعني: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ". (١) وفى تقريره لهذا الدليل، يقول: "لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا، وهو باطل للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا، وهو باطل أيضًا؛ للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية. وإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا، لوجود التوارد. وتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل؛ لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق أحدهما إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما". (٢) ومما استدل به أيضًا لإثبات الوحدانية بدليل التمانع، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]

стр. 179

يقول: "المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله واستعلى عليه لكنه لم يوجد من هو بهذه المثابة، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية". (١) كما أنه يستدل للوحدانية بدليل النفس وما فيها من بديع الإتقان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: "أي لأنه المالك المتصرف. وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية". (٢) المناقشة: يعد هذا الدليل من البراهين المسلمة التي يجزم بصدقها، بل هو مقتضى الضرورة العقلية، إذ كل ما يمكن حدوثه من افتراض تعدد الآلهة قد علم امتناعه بما فطرت عليه النفوس، ومن ذلك: استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة ارتفاعهما، وكذلك استحالة اجتماع مؤثرين على فعل واحد، واستحالة أن يكون الرب عاجزًا. فكل ما تقدم هو من المبادئ الأولية، التي يستدل بها، ولا يستدل لها. يقول شيخ الإسلام بعد تقريره للدليل على طريقة المتكلمين: "وهذا أمر مستقر في فطر بنى آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعانى إلى بسط وإيضاح" (٣)، وقد رد ﵀ على من انتقد دلالته على إثبات الوحدانية من الفلاسفة، كابن رشد وغيره (٤)، فقال: "ليس الأمر كما ظنه هؤلاء؛ بل هو برهان صحيح عقلى، كما قدره فحول النظار". (٥)

стр. 180

يبقى التنبيه هنا إلى أن شيخ الإسلام ﵀ مع كونه أقر بصحة استدلال المتكلمين به إلا أنه لا يوافقهم في دلالة القرآن عليه، وذلك لبداهته واستقراره في الفطر ولكون الخصومة الواقعة من الأمم لم تكن في أحقيته، يقول بعد تقريره لدليل التمانع: "وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء. ومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس" (١) وقد ذهب إلى القول بدلالة السمع عليه الكثير من علماء السلف كما سيأتي بإذن الله؛ وعليه فإن ما استدل به الصاوى من الآيات الكريمة - كغيره من المتكلمين - لتقرير هذا الدليل صحيح في الجملة، فالقرآن الكريم قد اشتمل على كافة الأدلة التي ينبنى عليها الاعتقاد السليم، وقد يكون ذلك إما على سبيل التقرير، أو الرد على المخالف، فمن المعلوم ما وقعت به النصارى من شرك في ربوبية الله تعالى، حيث أثبتوا له الولد والصاحبة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وللقرآن الكريم أساليب متعددة كلها تبين بطلان هذا الزعم، وما ينبنى على تصوره من فساد محال، يجزم باستحالة ذلك المعتقد، في كثير من الآيات، ومن تلك الأدلة قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١]. فقد دلت الآية الكريمة على إبطال ما يلزم من إثبات الشركة لله تعالى، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه. يقول الإمام ابن كثير (٢) في تفسير الآية: "لو قدر تعدد الآلهة لا نفرد كل منهم
следующие страницы →