تدل على خلل في الإقرار بتوحيد الربوبية، وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذا المعنى عن ابن عباس ﵄ حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢] "أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول ﷺ من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه". (١)
أما توحيد الأسماء والصفات؛ فإنه يدل على الربوبية بالتضمن؛ لدلالة أسمائه الحسنى على ذلك، وعلى الألوهية بالالتزام. (٢)
وبهذا يدرك أن المراد من التقسيم الذي ذكره العلماء هو توضيح المعتقد؛ وفقًا لما جاء في الكتاب والسنة، ومن ثم التأكيد على توحيد الألوهية الذي جحده الكثير ممن أقر بربوبية الله على خلقه، فمعرفة الله ربًا منعمًا متصفًا بصفات الكمال والعظمة، مما قد فطرت النفوس على الإقرار به، وإنما وقع الخلل فيما يجب اتجاه من وصف بذلك واستحقه، حيث عبدت الأصنام وصرفت الصالحات لغير الله تعالى؛ إما جهلًا أو عنادًا واستكبارًا، وأدلة الشرع في هذا المعنى كثيرة متضافرة، لا يعرض عنها إلا جاهل أو صاحب هوى.
قال شيخ الإسلام: "التوحيد الذي أمر الله به العباد هو توحيد الألوهية المتضمن لتوحيد الربوبية، بأن يعبد الله وحده لا يشركون به شيئًا؛ يكون الدين كله لله. . كما قد بين القرآن هذا التوحيد في غير موضع، وهو قطب رحى القرآن الذي يدور عليه القرآن". (٣)
* * *
стр. 177
(المبحث الثاني): دليل التوحيد
لما انحصر المراد بالتوحيد عند المتكلمين على توحيد الربوبية؛ فقد اعتنوا بالاستدلال له عقلًا، وأجازوا ذلك بطريق النقل، وقد استندوا في ذلك إلى عدم توقف معرفة السمع عليه، يقول الإيجى: "والوحدة، فهذا يمكن إثباته بالعقل، إذ يمتنع خلافه عقلًا بالدليل الدال عليه، وبالنقل لعدم توقفه عليه". (١)
ودليلهم الذي اعتمدوا عليه في إثبات الوحدانية هو ما يسمى بدليل التمانع.
ويستند هذا الدليل في أساسه إلى مقدمتين ضروريتين، الأولى: وجود هذا العالم بما هو عليه من انتظام وإتقان.
الثانية: أن هذا الانتظام لا بد أن يكون مدبره واحدًا.
والدليل على استحالة تعدد المدبرين هو امتناع تعدد الإرادات على المخلوقات؛ إذ يلزم من تعددها إما اتفاق الآلهة أو اختلافهم، وكلاهما باطل.
أما الاتفاق فلما يلزمه من اجتماع مؤثرين على فعل واحد، ومحله إذا اتفقا على إيجاده في وقت واحد.
ومع حصوله مرتبًا فيبطل، لما يلزم من عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل.
أما الاختلاف بأن يريد أحدهما إيجاد شيء، والآخر إعدامه، فلا يخلو إما أن ينفذ مرادهما معًا، فهذا باطل، لاستحالة اجتماع النقيضين: الوجود والعدم.
أو لا ينفذ مراد واحد منهما فباطل أيضًا لاستحالة ارتفاع النقيضين: الوجود والعدم، وللزوم عجزهما معًا.
فلم يبق من هذه القسمة العقلية إلا الفرض الأخير: أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر، فثبتت بذلك الوحدانية، وانتفى إمكان التعدد. (٢)
стр. 178
رأي الشيخ الصاوى:
يتبع الصاوى رأى أسلافه في إمكان إثبات دليل الوحدانية بالعقل والنقل، يقول: "واعلم أن الدليل على الوحدانية لله النقل والعقل، أما النقل فآيات كثيرة جدًا منها: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٦]
وأما العقل فقد علمنا الله كيفيته بقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١] وكهذه الآية يعني: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] ". (١)
وفى تقريره لهذا الدليل، يقول: "لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء والآخر إعدامه، فإما أن يتم مرادهما معًا، وهو باطل للزوم اجتماع الضدين، أو لا يتم مرادهما معًا، وهو باطل أيضًا؛ للزوم عجز من لا يتم مراده، وعجز من يتم مراده أيضًا؛ لوجود المماثلة بينهما، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية.
وإذا فرض اتفاقهما فهو باطل أيضًا، لوجود التوارد.
وتقريره أيضًا أن يقال: لو فرض إلهان، وأرادا معًا إيجاد شيء فإما أن يحصل بإرادتهما معًا، وذلك باطل؛ لأنه يلزم عليه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو يسبق أحدهما إلى إيجاده فيلزم عليه عجز الآخر، أو تحصيل الحاصل، ويلزم عجز الأول لوجود المماثلة بينهما". (٢)
ومما استدل به أيضًا لإثبات الوحدانية بدليل التمانع، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]
стр. 179
يقول: "المعنى: لو فرض له شريك في الملك لنازعه وقاتله واستعلى عليه لكنه لم يوجد من هو بهذه المثابة، فبطل التعدد وثبتت الوحدانية". (١)
كما أنه يستدل للوحدانية بدليل النفس وما فيها من بديع الإتقان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: "أي لأنه المالك المتصرف. وهذا أعظم دليل على انفراده بالوحدانية". (٢)
المناقشة:
يعد هذا الدليل من البراهين المسلمة التي يجزم بصدقها، بل هو مقتضى الضرورة العقلية، إذ كل ما يمكن حدوثه من افتراض تعدد الآلهة قد علم امتناعه بما فطرت عليه النفوس، ومن ذلك: استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة ارتفاعهما، وكذلك استحالة اجتماع مؤثرين على فعل واحد، واستحالة أن يكون الرب عاجزًا.
فكل ما تقدم هو من المبادئ الأولية، التي يستدل بها، ولا يستدل لها.
يقول شيخ الإسلام بعد تقريره للدليل على طريقة المتكلمين: "وهذا أمر مستقر في فطر بنى آدم وعقولهم، وإن تنوعت العبارات عنه، وإن كان قد يحتاج إذا تغيرت فطرة أحدهم باشتباه الألفاظ والمعانى إلى بسط وإيضاح" (٣)، وقد رد ﵀ على من انتقد دلالته على إثبات الوحدانية من الفلاسفة، كابن رشد وغيره (٤)، فقال: "ليس الأمر كما ظنه هؤلاء؛ بل هو برهان صحيح عقلى، كما قدره فحول النظار". (٥)
стр. 180
يبقى التنبيه هنا إلى أن شيخ الإسلام ﵀ مع كونه أقر بصحة استدلال المتكلمين به إلا أنه لا يوافقهم في دلالة القرآن عليه، وذلك لبداهته واستقراره في الفطر ولكون الخصومة الواقعة من الأمم لم تكن في أحقيته، يقول بعد تقريره لدليل التمانع: "وبالجملة فالدلائل العقلية على هذا متعددة، وإن كان من الناس من يزعم أن دليل ذلك هو السمع، لكن هذا المطلوب الذي أثبتوه هو متفق عليه بين العقلاء.
ومقصود القرآن توحيد الإلهية، وهو مستلزم لما ذكروه من غير عكس" (١)
وقد ذهب إلى القول بدلالة السمع عليه الكثير من علماء السلف كما سيأتي بإذن الله؛ وعليه فإن ما استدل به الصاوى من الآيات الكريمة - كغيره من المتكلمين - لتقرير هذا الدليل صحيح في الجملة، فالقرآن الكريم قد اشتمل على كافة الأدلة التي ينبنى عليها الاعتقاد السليم، وقد يكون ذلك إما على سبيل التقرير، أو الرد على المخالف، فمن المعلوم ما وقعت به النصارى من شرك في ربوبية الله تعالى، حيث أثبتوا له الولد والصاحبة تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، وللقرآن الكريم أساليب متعددة كلها تبين بطلان هذا الزعم، وما ينبنى على تصوره من فساد محال، يجزم باستحالة ذلك المعتقد، في كثير من الآيات، ومن تلك الأدلة قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
فقد دلت الآية الكريمة على إبطال ما يلزم من إثبات الشركة لله تعالى، وبطلان اللازم دليل على بطلان ملزومه.
يقول الإمام ابن كثير (٢) في تفسير الآية: "لو قدر تعدد الآلهة لا نفرد كل منهم
стр. 181
بما خلق فما كان ينتظم الوجود، والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوى والسفلى مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه. فيعلو بعضهم على بعض". (١)
أما اللازم الأول وهو انفراد كل إله بما خلق، فباطل؛ لأنه يتنافى مع ما يجب أن يتصف به الرب الحق من القدرة التامة لخلق كافة المخلوقات، مع القيام بشؤونها وتدبيرها، فتكون بذلك تحت تصرفه وقهره، أما ما خلا ذلك، فليس برب على وجه الحقيقة.
وأما اللازم الثاني لوجود التعدد؛ فهو علو بعض الأرباب على بعض، بحيث يطلب كل منهما العلو على الثاني حتى تتحقق له الربوبية؛ لان مقتضى الربوبية لا يتحقق إلا بانفراد الرب في تصريف شؤون الخلق، إيجادًا وتدبيرًا.
يقول شيخ الاسلام: "وبيان التلازم أنه إذا كان معه إله، امتنع أن يكون مستقلًا بخلق العالم، مع أن الله تعالى مستقل بخلق العالم". (٢)
ولما علم بطلان هذين اللازمين لما هو ملاحظ من انتظام المخلوقات، وسيرها وفق سنن ثابتة، بطل ملزومهما، وهو إمكان تعدد الأرباب، ولم يبق إلا أن يكون الرب هو الله تعالى لا شريك له (٣)، يقول الشيخ السعدى: "واعتبر ذلك بالشمس والقمر، والكواكب الثابتة، والسيارة، فإنها منذ خلقت وهى تجري على نظام واحد، وترتيب واحد، كلها مسخرة بالقدرة مدبرة بالحكمة لمصالح الخلق كلهم، ليست مقصورة على أحد دون أحد، ولن ترى فيها خللًا ولا تناقضًا ولا معارضة في أدنى تصرف، فهل يتصور أن يكون ذلك تقدير إلهين ربين". (٤)
стр. 182
وبمثل هذا تفسر الآيات التي تحمل نفس المعنى من الدلالة على وحدانية الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]
يقول الإمام ابن كثير: "لفسدتا، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ ". (١)
ويقول الشيخ السعدى: "وبيان ذلك أن العالم العلوى والسفلى على ما يرى في أكمل ما يكون من الصلاح والانتظام، الذي ما فيه خلل ولا عيب ولا ممانعة ولا معارضة؛ فدل ذلك على أن مدبره واحد، وربه واحد، وإلهه واحد، فلو كان له مدبران وربان أو أكثر من ذلك؛ لاختل نظامه وتقوضت أركانه". (٢)
ويبين الإمام الشوكانى (٣) وجه التلازم بين التعدد والفساد، بقوله: "ووجه الفساد أن كون مع الله إلهًا آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرًا على الاستبداد بالتصرف، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد". (٤)
ومما يحمل نفس المعنى، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].
والمقصود منها كما ذكر الصاوى نفى الشريك؛ لانه لو وجد لطلب العلو والمغالبة، ومع بيان انتفاء وجود من هو بهذه المثابة؛ انتفت الشركة، وثبتت الوحدانية.
стр. 183
وقد بين الشيخ الشنقيطى ﵀ "أن معنى الآية الكريمة. لو كان مع الله آلهة كما يزعم الكفار؛ لابتغوا، أي الآلهة المزعومة، أي لطلبوا إلى ذى العرش سبيلًا أي إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذًا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض". (١)
ومما ينبغى الإشارة إليه بعد هذا العرض العام لبيان كفاية الأدلة الشرعية في الاستدلال لما ينبنى عليه الدين أن هؤلاء المتكلمين فرقوا بين أمرين بينهما تلازم بين: إثبات وجود الله تعالى، وإثبات وحدانيته، وأقروا بكفاية الأدلة الشرعية على الاستدلال للوحدانية دون الوجود، مع أن هذا تفريق لا يقبله التصور السليم، إذ تضمن الوحدانية للوجود أمر بيِّن لا يلزمه دليل، ولكن ما يهم هنا أن غالب المسائل الكلامية يعتريها تناقض بيِّن، يدل على ضعف ما استندت إليه من أصول.
* * *
стр. 184
(المبحث الثالث): شهادة التوحيد ونواقضها
لشهادة التوحيد مكانة عظيمة في دين الله تعالى، فهى أول أركان الإسلام، وأعلى شعب الإيمان، وأول ما يؤمر العبد به، وآخر ما يطلب منه، وفضائلها في الدين كثيرة لا مجال لحصرها الآن، وتعنى هذه الشهادة التزامًا تامًا بأصول الدين وفروعه من حيث المعتقد والتطبيق، وتستند في فضلها إلى كونها دليلًا يثبت الإقرار بالتوحيد: إفراد الله تعالى بالعبادة، فلا إله إلا الله أي لا معبود بحق إلا الله.
ولما كان اعتقاد المتكلمين في معنى التوحيد ينحصر في إثبات ربوبية الله تعالى، قاموا بتفسير الشهادة التي يعلن بها الدخول في الإسلام بما يوافق ذلك، حيث فسروا الإله بأنه القادر على الاختراع. وهذا ما حكاه ابن فورك والبغدادى عن الأشعري، يقول ابن فورك: "واختار - أي الأشعري - ان معنى وصفنا له أنه إله: أن له الإلهية، وفسر الإلهية بأنها هي قدرته على اختراع الجواهر والأعراض، وذكر أن ذلك أحد الأقاويل المقولة في معنى الإله". (١)
وبهذا صار مفهوم التوحيد ينحصر في تقرير الاعتقاد العلمى: توحيد المعرفة والإثبات (٢)، وأغفلوا الجانب الأعظم منه وهو توحيد الإرادة والطلب (٣).
وكان لهذا الاعتقاد عند المتكلمين أثر واضح فيما يتعلق بالعبادة، وذلك أنهم حين قاموا بإبعاد العبادة عن صميم التوحيد؛ أدى ذلك إلى وجود فراغ كبير عمد أهل التصوف إلى شغله بالكلام عن الإرادة والسلوك، بما هو خارج عن هدى الكتاب والسنة، فكل ما عندهم في هذا المجال خلط بيِّن، يظهر فيه تأثر واضح بمفاهيم دخيلة تتحدث بلغة غير مفهومة (٤).
стр. 185
وأصبحت بذلك كتب العقائد عند المتأخرين لا تكاد تخلو من الحديث في التصوف باعتباره متممًا للكلام عن المعتقد لا داخلًا في حقيقته، ومن جراء ذلك الخلط الذي سببه إغفال المراد الأسمى من التوحيد؛ حصل اضطراب كبير في المفاهيم حول قضية التكفير، حيث انحصرت نواقض التوحيد في الجانب الاعتقادى دون العملى، مما هيأ لأصحاب التصوف والسلوك منفذًا واسعًا يلجون منه باسم الدين، يبررون به ما ابتدعوا من أمور ما أنزل الله بها من سلطان، كالتوسل بالصالحين وشد الرحال إلى قبورهم، ودعاء النبي والاستغاثة به، ولم يكتفوا بذلك بل وجهوا سهامهم إلى صميم المعتقد؛ فذهبوا إلى تفسير التوحيد بما يخدم أغراضهم في تمييع المبادئ حول المعتقد، حيث فسروه بما يسمى بوحدة الشهود، التي أرادوا بها الخلط بين مفهوم الربوبية وعقيدة الجبر؛ حتى يبرروا كل ما اشتهروا به من مخالفة للشرع والمعتقد والتى صارت بدورها مدخلًا لأهل الحلول يستندون إليه فيما سمى بوحدة الوجود، كل هذا لا يعارض انتسابهم إلى المذهب الأشعري، حتى عد الكثير من الصوفية ضمن من انتسبوا إلى الأشعري وأخذوا عنه كأمثال: القشيرى (١) والغزالى. وصار معهودًا أن يكون من ينتسب إلى الأشعرية صوفى بل من كبار الصوفية وعلى طريقة من أشهر طرقهم.
* * *
رأى الشيخ الصاوى:
يذهب الصاوى إلى ما ذهب إليه المتكلمون في معنى الشهادة، حيث يفسر الإله بما يفهم منه إثبات الربوبية، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] والمقصود من ذلك التشنيع والرد عليهم في دعواهم التثليث؛ لأن حقيقة الإله هو المستغنى عما سواه، المفتقر إليه كل ما عداه". (٢)
стр. 186
ومرة يفسره بأنه "الخالق لكل شيء". (١)
ويؤكد ذلك المعنى حين يفسر الشهادة على جهة الإجمال، يقول: "لا إله إلا الله: أي فالمراد بها الوصف بالوحدانية ولوازمها من كل كمال، والتنزيه عن كل نقص". (٢) وهذا ما فسر به قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] يقول: "هذا مرتب على ما قبله، كأنه قال: إذا علمت أنه لا ينفع التذكر إذا حضرت الساعة فدم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية؛ فإنه النافع يوم القيامة". (٣)
ومع ما تقدم نجده في بعض المواضع يفسر الشهادة بإثبات العبودية لله تعالى، فيوافق السلف بذلك، يقول: "لا إله إلا الله تفيد ثبوت الألوهية لله أي: العبودية بحق. . . . فمعنى لا إله إلا الله المطابقى: لا معبود بحق إلا الله، ومعناها الالتزامى لا مستغن عن كل ما سواه ومفتقر إليه كل ما عداه إلا الله، فأولها تخلية، وآخر تحلية، والمنفى هو المعبود بحق غير الله في ذهن المؤمن وفى نفس الأمر، لا في ذهن الكافر" (٤)
لكن هذا المفهوم المطابقى لمعنى الشهادة لا يخرج عن كونه اعتقادًا علميًا يتعلق بإثبات العبادة لله تعالى على جهة الإجمال؛ إذ ينقصه الامتداد الشامل لكل أنواع العبادة، يقرب هذا موقفه من نواقض التوحيد، حيث يحصر إمكان وقوعها في الجانب الاعتقادى دون العملى إلا في بعض المواطن؛ لهذا نجده يمنع وقوع الشرك المضاد للتوحيد الا ممن اعتقد إثبات الشريك مع الله تعالى في ربوبيته، أو استحقاقه للعبادة (٥)، مؤصلًا بذلك لمذهبه الأشعري ونزعته الصوفية، يقول: "وهذه الصفة أي الوحدانية أهم الصفات؛ ولذا سمى علم التوحيد بها، ولم يكفر بضدها
стр. 187
إلا بعض الإنس، أما الجن برمتهم فلا يعتقدون الشرك لله سبحانه، وإنما الكافر منهم بغير الشرك" (١)
وبهذا يعتقد الصاوى أن الشرك المخرج من الملة هو ما يكون متعلقًا بجانب الاعتقاد في الربوبية، بحيث تنسب أفعال الربوبية على جهة الإطلاق لغير الله تعالى، فإذا فعل ذلك العبد استحق وصفه بالإشراك أما ما خلا ذلك فلا، ويظهر ذلك جليًا في تقريره لما يعتقده الصوفية من الغلو بالنبى ﷺ ، فحين يستغرق في وصفه ﷺ نجده يخرج بتلك الأوصاف والمنزلة عن رتبة البشر، حيث يرى أن النبي قد خلق من نور الذات العلية هكذا بلا واسطة مادة، يقول: "اعلم أن الله كان في أزله لم يعرف لعدم وجود من يعرفه فأحب أن يعرف، فقبض قبضة من نوره أي بذاته والمراد أبرزه من غير واسطة مادة، وهذا المقبوض هو المسمى بالنور المحمدى وبروح الأرواح. . إلى آخر الأوصاف". (٢)
كما يثبت له منزلة الوساطة العظمى بين الله وخلقه، يقول: "فهو حجاب بين الله وبين خلقه فلا يمكن أحدًا الوصول لله الا بواسطته أو مانع المضار الدنيوية والأخروية عن أمته، ووصفه بالأعظم لأن الأنبياء حجب أيضًا لأممهم؛ فهو أعظمهم، وكذا الشيخ حجاب لتلميذه فتلك حجب خاصة، والمصطفى هو الحجاب الكلى ويسمى بالبرزخ الكلى لكونه حجابًا وبرزخًا بين الخلق وربهم". (٣)
ومن الخصائص التي يضفيها على النبي ﵊ علم ليس لأحد من البشر سواه، يقول: "الملقن كل العلوم الغيبية التي نشأت عن ذى القدم ، ومحل نبع علوم الأولين والآخرين". (٤)
ومما يصف به النبي أنه أصل كل خير، يقول: "وما من نعمة لله علينا سابقة ولاحقة من نعمة الإيجاد والإمداد في الدنيا والآخرة إلا وهو السبب في وصولها
стр. 188
إلينا وإجرائها علينا" (١) , ويقول: "فجميع خيرات الدنيا والآخرة تغترف من النبي كما يغترف من البحر". (٢) إلى أن يصف ذات النبي ﵊ بالأحدية: "أي العديمة المثيل والنظير والشبيه في الذات والصفات من سائر المخلوقين" (٣).
أما عن الصالحين؛ فهو يرى مشروعية التوسل بهم أحياءً وأمواتًا إما بطريق الدعاء والاستغاثة بهم، أو بزيارتهم للتبرك بذواتهم وآثارهم وفعل الطاعات عندهم، شريطة ألَّا يعتقد في أحدهم إمكان التصرف على جهة الاستقلال، وأن ما يحصل من النفع عند وصلهم كان نتيجة لإدامتهم فعل الطاعات والذكر، فيرتقوا في المقامات حتى يصلوا إلى رتبة التصريف الكونى بأمر الله فيقول أحدهم للشيء: كن فيكون (٤)، وبذلك يبرر ما يفعله الصوفية اتجاه الأولياء لنيل البركة وقضاء الحوائج، يقول: "وأما الالتجاء إلى المخلوق من حيث إنه مهبط الرحمات كمواصلة آل البيت والأولياء والصالحين فهو مطلوب وهو في الحقيقة التجاء للخالق، يقرب ذلك أن الله أمرنا بالجلوس في المساجد والطواف بالبيت وقيام ليلة القدر ونحوها، وما ذاك إلا للتعرض للرحمة النازلة في تلك الأماكن والأزمان فلا فرق بين الاشخاص وغيرهم، فهم مهبط الرحمات لا منشؤها". (٥)
ومع إقراره بمكانة الدعاء من العبادة حيث يقول: "الدعاء جزء من أجزاء العبادة، وسميت العبادة دعاء لأنه أعظم أجزائها كما في الحديث: (الدعاء مخ العبادة) (٦) " (٧)، إلا أنه لا يرى بأسًا من دعاء الصالحين والاستغاثة بهم (٨) عند الحاجة؛ بحجة أنهم مهبط للرحمات، كما تقدم.
стр. 189
وفى المقابل نجده يحرج كثيرًا على من اعتقد في الأولياء الضر أو النفع على جهة الاستقلال، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]
"هذه الآية وإن كانت خطابًا لليهود والنصارى، إلا أنها تجر بذيلها على من يشرك بالله غيره من المسلمين، كضعفاء الإيمان الذين يعتقدون في الأولياء أنهم يضرون وينفعون بذواتهم ويحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، ومع ذلك يحدثون بدعًا عظيمة ما أنزل الله بها من سلطان، ويجعلون تلك البدع طرقًا لهؤلاء الأولياء، ويزعمون أنها منجية وإن كانت مخالفة للشرع، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون". (١)
* * *
المناقشة:
لا شك أن في تفسير المتكلمين للشهادة على النحو الذي ذهبوا إليه مخالفة جلية لحقيقة التوحيد الذي دعا إليه الرسل بقولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، إذ يلزم من كون الشهادة مفتاح الدين، وأساسه المتين أن تدل على المعتقد الذي تكون النجاة به بالمطابقة، وهو: إفراد الله تعالى بالعبادة، لذلك كان تفسير الشهادة الصحيح هو: لا معبود بحق إلا الله. ويستند هذا التفسير إلى دلالة اللغة العربية التي نزل بها القرآن، فإن كلمة إله مأخوذة من التأله، والتأله في لغة العرب معناه: التنسك والتعبد. (٢) يشهد له قراءة ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، قال: "وعبادتك". (٣)
стр. 190
كما أن هذا المعنى يسنده فهم المشركين لهذه الكلمة الذين أنزل القرآن بلغتهم فإنهم حين أمروا بالإقرار بها لم يفعلوا، ولو كان معناها: لا خالق ورازق إلا الله -كما يعتقد المتكلمون - لما توانى المشركون عن التزامها، فإنهم حين ألزموا بها قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥] (١) كل هذا يؤكد صحة ما ذهب إليه السلف في معنى شهادة التوحيد.
وكان هذا ما ذهب إليه الصاوى في حاشيته على الجوهرة وإن كان قد خالفه في الكثير من مؤلفاته خصوصًا حاشيته على الجلالين.
ولا شك أن في مخالفته التي تعددت منه متابعة للمتكلمين ما يلزم منه معارضة نصوص الكتاب والسنة والتى تدل صراحة على أهمية إفراد الله تعالى بالعبادة، وأنه المقصد الأسمى من التوحيد.
وإذا علم هذا بقى معرفة ما ينبنى على ذلك التصور من فساد يهدد المعتقد؛ إذ يؤدى إلى تضييق دائرة الشرك - ضد التوحيد - كما هو ظاهر من كلام الصاوى، حيث حكم على كافة الجن بأن كفرهم لم يكن بالشرك، وأن من وقع بالشرك من الإنس هم القليل، فخالف بذلك صريح النص من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.
- ويستند هذا التصور لحقيقة الشرك واتساع دائرته - كما هو واضح في الأدلة الشرعية - إلى مكانة العبادة ومنزلتها من الدين، فإذا كانت العبادة مما يدخل في صميم التوحيد باعتبارها قسم من أقسامه؛ فلا بد أن يمثل صرفها لغير الله تعالى شركًا أكبر ينافى التوحيد.
هذا ومن أعظم دواعى الشرك، الغلو في الأنبياء والصالحين؛ فالغلو هو السبب في أول شرك ظهر على وجه الأرض، روى البخاري عن ابن عباس ﵄ أن ودًا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون
стр. 191
أنصابًا، وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. (١)
لهذا كان تحذير النبي ﵊ شديدًا من مجاورة الحد في مدحه، حيث قال: (لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله). (٢).
ومن ذلك ما ورد في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت: لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشى أو خشى أن يتخذ مسجدًا" (٣).
وللغلو المنهى عنه مظهران عند الصاوى، الأول: الغلو في النبي، ويتمثل بما يصفه به من أوصاف تخرج به عن حدود البشر.
الثاني: غلو في الصالحين، ويتمثل بما يشرعه في حقهم من التبرك بذواتهم، وإباحة التعلق بأذيالهم والاستغاثة بهم.
أما ما يتعلق في حق النبي ﵊ من حكاية قصة خلقه من نور الذات العلية بلا واسطة - تعالى الله عن ذلك - كما هو مشهور من أقوال المتصوفة (٤) فبطلانها أظهر من أن يستدل له؛ إذ فيه مخالفة صريحة لما هو معلوم عن قصة خلق الإنسان الأول: آدم ﵇ كما وردت في كثير من الآيات الكريمة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨].
стр. 192
هذا إلى جانب ما يلمس في حكاية القصة من تأثر بأقوال النصارى في المسيح ﵇، ولا عجب؛ فالدارس لأدوار التصوف الأخيرة يلحظ بتمام تأثرًا واضحًا بالأديان المحرفة والفلسفات القديمة، يقول أحد الباحثين في علم التصوف (١): "والواقع أن الحقيقة المحمدية أسطورة من الأساطير وهى في رأينا مأخوذة من النظرية النصرانية كما أن النظرية النصرانية مأخوذة من الفلسفة اليونانية. . . خصوصًا إذا علمنا أن ابن عربى وهو من القائلين بهذه النظرية، يقول: إنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية ومن أصول الديانة اليهودية والديانة النصرانية والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك كله إلى مزاج من الفكر الفلسفى الدقيق يعز على من رامه ويطول" (٢)
كما أن اعتقاد الأصل النورى للنبي ﵊، وأنه يعلم الغيب، وأنه واسطة بين الخلق والرب، وأنه لولاه لما وجدت الدنيا والآخرة، كل هذا مما يجزم بدخوله على المعتقد الصحيح؛ إذ فيه مناقضة صريحة لكل ما هو معلوم من الدين بالضرورة، بل فيه إقرار لما ذهب إليه المشركون من استحالة إرسال البشر، وكم من الآيات تلك التي ترد على زعم أولئك الكفرة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] وحين كانت قريش تطلب منه المعجزات لإثبات نبوته أمر أن يقول: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣].
كل هذا يؤكد بطلان تلك المزاعم وعلى رأسها ادعاء علم الغيب للنبي ﵊؛ إذ يعد علم الغيب من أخص ما يوصف به الرب سبحانه ولا ينبغى لأحد سواه، وقد ثبت هذا في كثير من آى الذكر الحكيم، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وقال آمرًا سيد الأنام أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ
стр. 193
وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وبهذا يعلم أن في تقرير الصوفية لما يسمى بالحقيقة المحمدية خروجًا على مبادئ التصور السليم لحقيقة الأنبياء المرسلين، كما بينها القرآن والسنة المطهرة: من كونهم بشر قد خصهم الله تعالى بكلامه، قدراتهم محدودة، ليس لهم من الأمر من شيء، لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا إلا بإذن الله. هذا والمتأمل لآيات الذكر الحكيم يجدها تبدى وتعيد في تقرير هذه الحقيقة؛ حتى لا يخرج الناس عن هذا التصور السليم إلى الشرك بالله، كما وقع ذلك من اليهود والنصارى لعنهم الله. وقد سبق بيان تحذير النبي ﵊ من فعلهم.
أما عن التوسل بالصالحين، فلا بد من بيان الوجه المشروع، حيث دلت النصوص الشرعية أنه يحصل الانتفاع بالاقتداء بهم ومحبتهم، قال ﵊: (المرء مع من أحب) (١).
كما يحصل من دعائهم ومجالس علمهم، فقد روى الصحابى الجليل أبو هريرة ﵁ عن النبي ﵊ أنه قال: (إن لله ﵎ ملائكة سيارة فضلًا، يتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألونى؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتى؟ قالوا: لا يا رب، قال: فكيف لو رأوا جنتى؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيروننى؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا نارى؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا نارى؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول:
стр. 194
قد غفرت لهم، فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) (١).
وهذا هو محل الشاهد من الحديث، قال الإمام الشوكانى ﵀: "جعل جليس أولئك القوم مثلهم مع أنه ليس منهم، وإنما عادت عليه بركتهم فصار كواحد منهم" (٢).
وكل ما خرج عن هذا المعنى للتوسل المشروع، فإما أن يدخل بصاحبه في دائرة الشرك، أو في الابتداع المنهى عنه.
إذ التوسل بذوات الصالحين بريد لاعتقاد قدرتهم على التصرف بدفع الضر أو جلب النفع؛ لذلك حذر العلماء من ذلك ببيان ما يؤدى إليه من مفاسد جسيمة - كما أقر بذلك الصاوى في إنكاره لحال الكثير من المتصوفة - وليس بمخرج لهم اعتقاد أنهم عبيد ليس لهم استقلال في التصرف؛ فقد بينت النصوص الشرعية أن هذه هي حجة المشركين الذين أقروا بربوبية الله تعالى، وأرادوا التوسل إليه بعبادة الأصنام، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧].
يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله تعالى -: "فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأن لا يرزق إلا هو، ولا يحيى ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن، كلهم عبيده وتحت تصرفه .. وأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، وإنما أرادوا الجاه والشفاعة" (٣).
قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا
стр. 195
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣].
وقد أبطل سبحانه حجة المشركين في التوسل بهم، حيث قال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧].
وبهذا يعلم أن من توسل بالصالحين فصرف شيئًا من العبادة التي لا يستحقها أحد إلا الله لأحدهم؛ بحجة أن له جاه عنده سبحانه، فقد أتى بما هو من جنس فعل المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ سواء كان هذا التوسل بالدعاء الذي أقر الصاوى أنه جزء من أهم أجزاء العبادة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه النعمان بن بشير ﵄ قال سمعت رسول الله يخطب ويقول: (إن الدعاء هو العبادة) (١) أو بأى نوع آخر منها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن الإقرار بأن من يلتجئ لأحد عند الشدة لا يعتقد فيه القدرة على التصرف، بل لوضوح هذه الحقيقة استدل بها القرآن على استحقاق الله تعالى للعبادة؛ إذ هو الملاذ عند اشتداد الكرب بإقرار المشركين أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
وللخروج من هذا الإلزام يتشبث الكثير منهم بوجوب إرجاع تلك القدرة الكونية إلى الله تعالى، ولكن هذا ليس بمخرج لهم؛ إذ يلزمهم إحضار البرهان، وأنى لهم ذلك، والبرهان يحكم ضدهم، فإذا كان سيد الخلق يؤمر بالجهر في تقرير بشريته، وأنه عبد وليس للعبد أن يتعدى حدود البشر: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ
стр. 196
وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] فما حال أولئك الأولياء الذين يعتقد فيهم القدرة على التصريف الكونى الذي اختص الله تعالى به، كما في قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، فكيف يصح نسبة هذه المقدرة - التي اختص الله بها نفسه وأكد على ذلك بأداة الحصر إنما - لأحد سواه مع أنها من أخص ما يوصف به الرب سبحانه لتمام اتصافه تعالى بأوصاف الربوبية التي لا تنبغى لأحد سواه (١).
ومن العجب أن يشبه الصاوى حال الذاهبين إلى أولئك الأولياء أحياءً وأمواتًا للتبرك بهم والتعلق بأذيالهم لنيل الرحمة والبركة بحال الذاهب إلى البيت العتيق للطواف بالكعبة المشرفة؛ فهذا قياس باطل، وذلك من عدة وجوه:
الأول: أن الطواف حول الكعبة والذهاب إلى المساجد أمر قد تعبدنا الله تعالى به بنص الكتاب والسنة، فلا ينبغى الخروج عما كان عليه النبي ﷺ ؛ لأن الله تعالى أمرنا باتباعه، حيث قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وهذا الأصل يرجع إلى كمال الدين المنزل من عند الله تعالى، فأى ابتداع فيه دل على اتهام الشارع بالتقصير وعدم البيان، لذلك حذر النبي ﵊ منه أيما تحذير، قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢) "، ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقف، كما في الصحيحين عن عمر بن الخطاب أنه قبل الحجر الأسود، وقال: (والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول الله يقبلك لما قبلتك) (٣) " (٤).
стр. 197
الثاني: أن هذا قياس باطل؛ لأنه قد بنى على غير أصل، وهذا حال جميع البدع "فإن جميع البدع إنما هي رأى على غير أصل، ولذلك وصف بوصف الضلال" (١)، قال الإمام ابن عبد البر: "هذا هو القياس على غير أصل، والكلام في الدين بالتخرص والظن" (٢).
الثالث: أنه ورد النص الصريح بالنهى عن تخصيص بعض الأماكن بالعبادة ومنها القبور، حيث قال ﵊: (اللهم لا تجعل قبرى وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) (٣) وعلة النهى وردت هنا صريحة؛ حيث ابتدأ النبي النهى بدعاء الله تعالى أن لا يجعل قبره وثنًا يعبد، فدل ذلك على علة تحريم اتخاذ القبور مساجد، يقول شيخ الإسلام: "فهذه المفسدة - التي هي مفسدة الشرك، كبيره وصغيره - هي التي حسم النبي ﷺ مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا" (٤). وقال: (لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها) (٥) كل هذا مخافة الفتنة على الناس، وحماية لجناب التوحيد، قال الإمام الشافعي: "وأكره أن يعظم مخلوق؛ حتى يجعل قبره مسجدًا" (٦).
الرابع: أن اعتقاد حلول البركة والرحمة في مكان أو زمان لا يكون إلا بدليل يدل عليه، فالله تعالى هو وحده المتصرف في الخلق يخص بعضه بما شاء من البركة واليمن، قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]؛ فليس لأحد أن يملك هذا الاختيار بل هو إلى الخالق جل شأنه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، يقول الإمام ابن القيم: "فذوات ما
стр. 198
اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار، فهذا خلقه وهذا اختياره" (١).
وكما وردت الأدلة ببيان بركة المسجد الحرام؛ فقد وردت ببيان تعديها إلى غيره. وذلك بالثواب المضاعف والدعاء المستجاب والأمن من المكروه وغير ذلك مما ورد في بيان فضله، قال ﵊: (صلاة في مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) (٢) يقول الإمام القرطبي: "جعله مباركًا لتضاعف العمل فيه، فالبركة كثرة الخير" (٣).
وإذا علم هذا تبين أن الأمر تعبدى محض، لا مجال لقياس أمر خارج عنه بلا دليل.
أما الاستغاثة بالصالحين والتوجه إليهم عند الشدائد فهذا مما لا يحل؛ إذ الدعاء من أخص ما يجب صرفه لله تعالى، وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الأمر بالإخلاص لله تعالى فيه، والتحذير من صرفه لغيره، فمرة يتجه الخطاب إلى النبي في التحذير من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، ومرة يتجه الخطاب في ذلك إلى كافة الثقلين كما في قوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
إلى غيرها من الآيات التي تقرر مكانة الدعاء، ولزوم صرفه لله تعالى، ودحض جميع الشبه التي يستند إليها المشركون في صرفهم الدعاء لغيره سبحانه، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي
стр. 199
الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢، ٢٣].
فهاتان الآيتان الكريمتان تدلان على النفى التام لكل ما يسوغ دعاء غير الله تعالى، حيث نفى عنهم: الملك والشركة والشفاعة والمعونة، فأى عقل بعد ذلك يسمح بالالتجاء إلى من هذه صفته، يقول الإمام ابن القيم (١) معلقًا على هذه الآية الكريمة: "فكفى بهذه الآية نورًا وبرهانًا ونجاة وتجريدًا وقطعًا لأصول الشرك ومواده لمن عقلها" (٢).
وقد دلت السنة المطهرة على أهمية الدعاء وحذرت أيما تحذير من مغبة صرفه لغير الله تعالى، قال ﵊: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار) (٣).
وقال في حديث ابن مسعود عندما سئل أي الذنب أكبر عند الله؟ : (أن تدعو لله ندًا وهو خلقك) (٤) كما حذر من الاستغاثة بغيره سبحانه فقال: (إنه لا يستغاث بى، إنما يستغاث بالله تعالى) (٥).
وكان - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - يربى أصحابه - وضوان الله تعالى عليهم - على التوجه إلى الله تعالى في كل شأن، ومن ذلك حديث ابن عمر -
стр. 200
رضي الله عنهما - قال: كنت خلف رسول الله ﷺ يومًا، فقال: (يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم: أن الأمة إذا اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اتجمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام، وجفت الصحف) (١).
بل "كل هذا من الشرك الذي حرم الله ورسوله، وتحريمه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام" (٢) والحق أن كلام الصاوى نفسه قد دل على هذا، حيث أقر بأن الكثير ممن ينتمون إلى الطرق الصوفية قد استحوذ عليهم الشيطان، فصيرهم إلى اعتقاد حصول النفع والضر من أولئك الأولياء على جهة الاستقلال، فصار شركهم أعظم ممن اعتقد التوسل بها كحال مشركى قريش، يقول شيخ الإسلام: "وهؤلاء المستغيثون بالغائبين والميتين عند قبورهم وغير قبورهم، لما كانوا من جنس عباد الأوثان؛ صار الشيطان يضلهم ويغويهم، كما يضل عباد الأصنام ويغويهم، فتتصور الشياطين في صورة ذلك المستغاث به، وتخاطبهم بأشياء على سبيل المكاشفة، كما تخاطب الشياطين الكهان" (٣).
* * *
стр. 201
الفصل الثالث: (آراؤه في الأسماء والصفات)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى.
المبحث الثاني: المسائل المتعلقة بالصفات العلا.
стр. 202
تمهيد
يعد الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، كما وردت في الكتاب والسنة، من غير تمثيل، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا تكييف، من أهم الأصول التي ينبنى عليها معتقد أهل السنة والجماعة، فيما يجب في حق الله .
فالإيمان بها يقتضى الإثبات، وهذا الإثبات لا بد فيه من التزام عدم الخروج عن مراد الرب تعالى فيما أثبته لنفسه من الصفات الحسنى، كما أنه يقتضى التنزيه الواجب في حق الباري تعالى الذي عز عن المثيل والنظير، يقول الإمام الشنقيطى ﵀ في بيان أسس الإيمان بأسماء المولى جل وعلا: أحد هذه الأسس: - هو تنزيه الله جل وعلا على أن يشبه بشيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين، وهذا الأصل يدل عليه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
- الثاني من هذه الأسس هو الإيمان بما وصف الله به نفسه؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
والإيمان بما وصف به رسول الله ﷺ الذي قال في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
فيلزم كل مكلف أن يؤمن بما وصف الله تعالى به نفسه، أو وصفه به رسول الله ﷺ ، وينزه ربه تعالى عن أن تشبه صفته صفة المخلوقين" (١).
ومن هنا فإنه يجدر بيان كل ما يقدح بأصلى الإثبات والتنزيه اللذين يقتضيهما الإيمان بأسمائه وصفاته: فالذى يقدح في التنزيه هو التمثيل والتكييف، والذي يقدح في الإثبات هو التعطيل والتحريف، وبيانها كالتالى:
стр. 203
- أما التمثيل الذي يقدح في التنزيه؛ فهو اعتقاد المثبت أن ما أثبته من صفات الله تعالى مماثل لصفات المخلوقين.
وهذا الاعتقاد مما تبطله دلالة السمع والفطرة والعقل:
أما السمع فقد أتى بما يدل على امتناع التمثيل ضرورة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾ [الشورى: ١١].
أما الفطرة فلما استقر فيها من إثبات الكمال لله تعالى على جهة ينتفى منها كل ما يدل على النقص، إما من جهة التضمن أو الاستلزام، وقد علم تطرق النقص المضاد للكمال في كل صفات المخلوقين، إما لطرو الأعراض المضادة للصفة المحمودة، أو لما تستلزمه من أنواع النقص، كما هو مشاهد ومعلوم ببداهة العقول.
أما العقل فلأنه قد علم بالضرورة بدلالة المخلوقات على وجود من أبدعها، مخالفة ذات الباري تعالى لذوات الخلق، فاقتضى ذلك الاختلاف في الذات أن يكون أيضًا فيما تتصف فيه الذات من الصفات، فالقول في الصفات، كالقول في الذات.
- أما التكييف، الذي يقدح في أصل التنزيه فهو أن يقيد إثبات الصفة بمعرفة الكيف، فلا يثبت شيئًا من الصفات إلا بتكييفها، ومن هنا فإن الفرق بينه وبين التمثل أن يقيد المثبت الممثل كيفية الصفة بماثل، أما التكييف فلا يشترط فيه ذلك.
وبطلان هذا الاعتقاد مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام كسابقه، فقد دل العقل والشرع على امتناعه.
أما دلالة السمع؛ فلقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وقوله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].
أما العقل فلما سبق بيانه من وجود التلازم بين الذات وصفاتها في الأحكام، فكل ما جاز على الذات جاز على ما اتصفت به، والعكس بالعكس، ومن هنا فإنه لما امتنع معرفة كيفية الذات امتنع معرفة كيفية ما تتصف به من الصفات.
стр. 204
وهذا أصل عظيم يعلم به ضلال كل من منع أو أثبت بلا دليل من الكتاب والسنة، وهذا أصل امتناع الإمام مالك عن ذكر الكيفية، حيث قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١).
- أما التعطيل فهو أن يثبت الصفة من جهة اللفظ مع نفى المعنى.
- وأما التحريف فهو أن ينفى المثبت للصفة المعنى الحق ويثبت آخر باطلًا، ليس له أساس يعتمد عليه في ذلك الإثبات بعد النفى (٢).
وكان الإيمان بالأسماء والصفات الحسنى بعيدًا عن هذه الانحرافات أمرًا مستقرًا في نفوس سلف هذه الأمة، ثابتًا في المبادئ والقيم، دون أن تؤثر في صفاته البدع، مستمدًا ذلك الثبات من مقتضى الإيمان الذي اطمأنت قلوب أصحابه به.
وتستند أهمية الإيمان بأسماء الله تعالى وصفاته الحسنى، إلى كونها من صميم الإيمان به سبحانه، لذا كان التوسل بها من أعظم ما شرعه الله تعالى، وتعبدنا به، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
كما أن معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، هي أساس ما يقوم بقلب العبد من عبودية لله تعالى، تقتضى إفراده سبحانه بالعبادة، ولعل هذا من أسرار ختم غالب آيات الكتاب الحكيم بذكر أسمائه جل شأنه.
فإن العبد عند توجه الخطاب له بالتكليف، فالذي يحمله على الامتثال لمقتضى الخطاب من الترك إذا كان نهيًا، أو الفعل إذا كان أمرًا إنما يتحصل منه لما استقر في فطرته من كونه تعالى عالمًا محصيًا سميعًا بصيرًا بكل ما يصدر منه من صغير أو كبير، ومن هنا كانت أهمية الإيمان بهذه الأسماء وترتب الثواب الجزيل على إحصائها بدخول الجنة.
стр. 205
وبقى الأمر على ما كان عليه، إلى أن ظهرت البدع، فخرج ممن ينتسب إلى الإسلام بما يخالف منهج السلف في ذلك الاعتقاد، وكان هذا على يد الجعد بن درهم، الذي تأثر كثيرًا بأقوال الكفرة من الفلاسفة (١) وغيرهم، حتى قام بتعطيل الرب عن الصفات الثبوتية، وزعم أن فيها ما ينافى عقيدة التوحيد (٢) وقام تلميذه الجهم بن صفوان بنشر هذه البدع، حتى كان سببًا في ضلال كثير من الخلق، وسمى أتباعه بالجهمية، وصارت بذلك أصلًا لكل انحراف فيما يجب في حق الله تعالى، أو يمتنع عنه (٣).
وقد انتقل هذا الانحراف العقدي الخطير إلى المعتزلة، حيث منع مؤسسها: واصل بن عطاء من وصف الله تعالى بصفات قديمة، بحجة أن في اعتقادها إثباتًا لتعدد القدماء (٤)، وقد تأثروا في هذه المقولة بردهم على ما ادعته النصارى في التثليث، حيث زعمت أن معتقدها فيه يقوم على إثبات ثلاثة أقانيم لواحد قديم (٥)، ولا شك أن هذه الدعوى باطلة شرعًا وعقلًا، ولا مجال لإفحامهم هنا، ولكن المقصود أن هذا ليس بملزم لهؤلاء المعتزلة أن يقوموا بنفى الصفات للرد على أولئك الكفرة، بل جل ما هنالك أنهم انحرفوا عن منهج السلف في بيان الحق والرد على المخالف، وتأثروا بما وصل إليهم من كت الفلاسفة (٦). وقد تقدم أن مادة هذا الفكر مستقاة من شبهة الفلاسفة في التركيب، حيث اعتمدوا في إثبات التوحيد على نفيه.
стр. 206
وتحصل بهذا أن اعتقاد المعتزلة في باب الصفات يستند إلى أمرين؛ اعتقاد التوحيد بنفى التركيب، الثاني: وجوب مخالفته سبحانه لباقى الحوادث بحجة تنزيهه عن مشابهتها (١).
فصارت هاتان الشبهتان أساسًا لنفيهم الصفات الثبوتية عن الله تعالى، حيث قاموا بإثبات الأسماء الحسنى على أساس أنها أعلام محضة، لا دلالة لها في نفسها على معنى معين، فأرجعوها إلى ذات الله تعالى؛ تنزيهًا له - عندهم - عن مشابهة الخلق، واكتفوا في هذا الباب بسلب النقائص، حيث وصفوه بالسلوب (٢).
وقد تأثرت الأشاعرة على جهة العموم بذلك الانحراف، الذي نتج عن الابتعاد عن منهج السلف - رضوان الله عليهم - في تلقيهم لأسس اعتقاد ما يجب في حق الله تعالى ويمتنع عنه، ويظهر ذلك الانحراف جليًا في عدد من المسائل التي تتعلق بصفات الله تعالى، أما ما يتعلق بمسائل الأسماء فلا يظهر فيها خلاف إلا في بعض التفرعات المتعلقة بمسائل الصفات، وسيأتي الحديث عنها مفصلًا بإذن الله.
* * *
стр. 207
(المبحث الأول): المسائل المتعلقة بالأسماء الحسنى (١)
يرتكز مذهب الأشاعرة في أسماء الله تعالى على عدة قواعد من أهمها ما يلى:
أسماء الله تعالى كلها حسنى:
يقر الأشاعرة بأن أسماء الله تعالى بالغة في الحسن أعلى مراتبه، ويستند هذا الإقرار إلى دلالتها على معانى الكمال والجمال (٢)، لكن هذا الإقرار منهم إنما هو على جهة العموم والإجمال، حيث يعدون بعضها أعلامًا محضة بحجة إيهامها للتشبيه، فيبطلون دلالتها على المعنى إما تأويلًا أو تفويضًا، ويظهر هنا التأثر بأقوال المعتزلة واضحًا جليًا.
أسماء الله تعالى توقيفية:
إذ يجمع جمهورهم على اعتقاد وجوب تلقيها عن الشارع الحكيم؛ فلا مجال لتسمية المولى بغير ما ورد في الكتاب والسنة، منعًا للوقوع في المحظور (٣).
أسماء الله تعالى غير محصورة بعدد:
فهم لا يعتقدون أن العدد في الحديث دليل على الحصر؛ استدلالًا بما ورد في الحديث الذي ورد فيه: (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) (٤).
стр. 208
وفى الجمع بين ما وردت به الأحاديث: الحديث الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدة من أحصاها دخل الجنة) (١) والحديث السابق، يرجح الغزالي. أن هذا كان في معرض الترغيب للجماهير في الإحصاء، لا لدلالة الحصر" (٢).
٤ - أسماء الله تعالى غير مخلوقة:
وهذا محل إجماع عندهم، يقول اللقانى في جوهرة التوحيد:
وعندنا أسماؤه العظيمة ... كذا صفات ذاته قديمة
ومن جملة ما تعلق بهذه القواعد: المراد بالإحصاء الذي ذكر في الحديث، فالأشاعرة يؤكدون على وجوب تدبر تلك الأسماء وفهم معانيها والتعبد بمقتضاها، وإن وجد اختلاف بينهم وبين السلف في مقتضى ذلك الفهم، حيث يوجبون تأويل بعضها لما تقرر عندهم من أن المعول عليه في ما يجب الإيمان به من الصفات هو ما دل عليه الدليل العقلى، أو انعدم فيه المعارض من جهته (٣).
ومع هذا التوجه الذي يحصر حصول اليقين في إعمال مسلك العقل يجد التصوف لنفسه منفذًا واسعًا في المذهب الأشعري يلج فيه باسم الكشف والذوق، فيفسر النصوص بعيدًا عن كل تلك القواعد التي غلا المتكلمون في إعمالها، ولما كان التدرج في طريق التصوف يعتمد كثيرًا على التجارب الوجدانية التي ترتكز على مبدأ التأمل والإشارة تأثرًا بالمذاهب الإشراقية، صار لأهل التصوف من الأشاعرة مفهومًا خاصًا لمعنى الإحصاء الوارد في الحديث، يرجع إلى اعتقاد الصوفية بما اشتهر - عندهم - من وجوب التخلق بأخلاق الله" (٤).
* * *
стр. 209
رأى الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي الأسماء بأنها: "جمع اسم، وهو اللفظ الدال على ذات المسمى" (١).
كما أنه يتابع أسلافه في الإقرار بحسنها على جهة العموم، يقول: "ومعلوم أنها كلها حسنى، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.
وفى تعليل وصفها بالحسن، يقول: "وحسن أسمائه تعالى لدلالتها على معانٍ شريفة هي أحسن المعانى (٢) ومن ذلك: "أن الدال يشرف بشرف مدلوله" (٣). وهذا التعميم لا يمنع عنده - كاعتقاد عامة الأشاعرة - من وجود أسماء يجب تأويلها؛ لأن ظاهرها موهم للتشبيه (٤).
وفي حديثه عن اعتقاد التوقف فيها والاقتصار على ما ورد في الشرع، يقول: "أسماء الله توقيفية، أي: تعليمية، بمعنى أنه لا يجوز لنا أن نسميه باسم غير وارد لنا (٥) "، "فيجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخى، ويقال: يا عالم دون عاقل، وحكيم دون طبيب". (٦)
لذا كان الانحراف في التسمية بما لم يرد به النص مما فسر به الإلحاد الذي نهى الله تعالى. (٧)
أما ما يتعلق بالعدد الذي ذكر في حديث المصطفى ﷺ فهو يرى أنه ليس للحصر، يقول: "والإخبار بأنها تسع وتسعون ليس حصرًا وإنما ذلك إخبارًا عن دخول الجنة بإحصائها واستجابة الدعاء بها" (٨) وإلا فـ "أسماؤه تعالى كثيرة، قيل: ثلاثمائة، وقيل: ألف. . . وقيل: ليس لها حد، ولا نهاية لها". (٩)
стр. 210
ويفسر الإحصاء المأمور به في الحديث بأنه "معرفة ألفاظها ومعانيها".
ويظهر هنا تصوفه حيث يجعل للإحصاء معنى آخر للخواص، حيث يقول: وأما معناه "عند أهل الله فهو الاتصاف بها، والظهور بحقائقها، والوقوف على مدارك نتائجها، وأسرارها، أي نتائج علومها الغيبية، التي يخص الله بها من يشاء ومنها سر القدر .. " ويمثل لذلك بمقام المصنف "أي الدردير" يقول: "فإنه ما ترجم لنا في هذا الكتاب إلا بأوصافه". (١)
كما أنه يرى أن الاسم الأعظم الجامع لمعانى الأسماء والصفات هو لفظ الجلالة: "لأن حقائق المؤمنين ممزوجة به". (٢)
وفى بيان عظمة هذه الأسماء وأنها قديمة، يقول: "إنه يجب على الإنسان أن يعتقد أن أسماء الله عظيمة قديمة"؛ فإنه "كما يجب تعظيم الذات وتنزيهها عن النقائص، كذلك يجب تعظيم الاسم وتنزيهه عن النقائص، ولذا قال الفقهاء: من وجد اسم الله مكتوبًا في ورقة وموضوعًا في قذر وتركه فقد كفر، وذلك لأن التهاون بأسماء الله كالتهاون بذاته؛ لأن الاسم دال على المسمى". (٣)
ويقسم الصاوى الأسماء على حسب علاقتها بالمسمى، فيقول: "وهى إما ذاتية: كالله والرحمن، أو صفاتية: كالحى والعليم، أو أفعالية: كالمحى والمميت.
والصفاتية على أقسام: أسماء صفات جمال: كالرحيم والكريم، وأسماء صفات جلال: كالكبير والعظيم، وأسماء صفات كمال: كالسميع والبصير". (٤)
المناقشة:
لا شك أن هذه القواعد المستنبطة من كلام الأشاعرة في الأسماء الحسنى، هي معتقد أهل السنة والجماعة. ولا ينفى ذلك وجود الخلاف في بعض الفروع المتعلقة
стр. 211
بدلالة الأسماء على الصفات، حيث أوجبوا تأويل بعضها بما لم يرد فيه نص يعول عليه في مثل هذه المهمات، وهذا ما رده سلف الأمة، ودللوا على بطلانه بمخالفته صريح الكتاب والسنة، ولما كان عليه الصحابة والتابعين من التسليم والإذعان لكل ما ورد فيهما.
وكان للسلف الصالح إلى جانب ما تقدم مزيد بيان في المسائل المتعلقة بأسمائه تعالى، كلها تؤكد خطأ ما اعتقده الصاوي في أن منها ما يقتضى ظاهره مخالفة للكمال فلا بد إذًا من تأويله، وهذا ما تقتضيه حقيقة وصفه تعالى لأسمائه بأنها حسنى، حيث يرجع هذا الوصف إلى عدة مسائل من أهمها:
دلالة أسماء الله تعالى على الصفة والعلمية، يوضحه أن كل اسم منها علم يدل على الذات، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] يقول الإمام الدارمي (١): "فهذه كلها أسماء لم تزل له كما لم يزل، بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه". (٢)
ومع دلالتها العلمية على الذات، فإن كل واحد منها يدل على صفة كمال لله تعالى، دل عليها اتصافها بالحسن على جهة التفضيل المطلق، إذ يقتضى ذلك كمال ما تضمنته من معانٍ، وهذا من جهتين:
الأولى: دلالتها على كل معنى يليق بجلال الله تعالى، وعظيم سلطانه.
الثانية: تنوع تلك المعانى الكاملة وتعددها، فالغفور يدل على معنى مغاير للسميع، وما يدل عليه العظيم ليس هو ما يدل عليه البصير. (٣)
كل هذا يؤكده اشتقاق الأسماء من معانٍ، إذ موجب الاشتقاق وجود ما اشتق منه، وإلا كان ذلك الاشتقاق محال، قال في المراقى:
стр. 212
وعند فقد الوصف لا يشتق ... وأعوز المعتزلى الحق. (١)
ومما يقتضيه وصف الله تعالى لأسمائه بأنها حسنى، أن تكون هذه الأسماء حقيقة في الخالق - جل في علاه - فلا يشاركه في معانيها أحد، فإن الصفة إذا أضيفت للمولى تعالى علم تنزهها عن المماثلة بصفات غيره، فإن القدر المشترك من صفة السمع مثلًا ليس له وجود إلا في الذهن أما في الحقيقة فإنه لا يكون إلا مضافًا ومتعلقًا بموصوفه وحينها يأخذ حكمه من حيث وجود المماثل أو عدمه، ولما كانت ذاته تعالى ليس لها مثيل ولا نظير وقد أقر بذلك كافة أهل التنزيه كانت صفاته لها نفس الحكم، فالقول في الذات كالقول في الصفات.
وهذا ما يقتضيه وصفها بالحسن، إذ يعنى تنزيهها عن خصائص البشر، وبهذا يعلم خطأ الصاوي الذي أوقعه فيه ما كان عليه من تصوف, حيث جعل الإحصاء في حق أهل الله هو: الاتصاف بها, والظهور بحقائقها. . . إلى آخر ما ذكر.
فإن أسماء الله تعالى وصفاته لا تنبغي لأحد سواه، ولم يأمر أحد من خلقه أن يقتدى به في ذلك، وإنما جعل الاقتداء فيما اتصف به النبي ﷺ من صفات حميدة بلغ بها ذروة الكمال البشرى، حتى امتدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] لذا أمر المولى تعالى عباده بالاقتداء به، حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]
يوضح هذا أن الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته إنما يستفاد من جهة الشارع الحكيم، فالله تعالى أعلم بما يجب في حقه، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد ما ذهب إليه الصاوي من أن الإحصاء في حق الخواص هو الظهور بحقائق الأسماء والتجلى بها، بل كل ما ورد في معنى إحصائها - غير الحفظ - من أقوال السلف فإنه يرجع إلى حقيقة التعبد المأمور به.
стр. 213
يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله. وهى طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها". (١)
والله تعالى يحب أن يتصف العباد ببعض موجب أسمائه وصفاته، فهو حيى يحب الحياء، ستير يحب الستر، كريم يحب الكرم، جميل يحب الجمال، ولكن عند اتصاف العبد بهذه الصفة فإنها تصبح حقيقة فيه يختص بها لا علاقة لها بما اتصف به الرب، يقول شيخ الإسلام ﵀: فـ "العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره". (٢)
وبهذا يعلم أن ما فسر الصاوي به الإحصاء المندوب إليه قد خرج عن الوجه الشرعي إلى ما يسمى عند أهل التصوف بالفناء عن شهود السوى، فيتدرج في هذا المقام إلى أن يصل إلى درجة البقاء، فلا يشهد سوى الذات متصفة بالصفات، وهذه هي بوابة القول بالحلول والاتحاد، فمنهم من وقف عند هذا الحد، ومنهم من شطحت به هذه المعانى إلى أن وصل إلى درجة الفناء عن وجود السوى (٣)، فبات لا يرى فارقًا بينه وبين الرب. (٤) "فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل؛ فإنه مزلة أقدام، ومضلة أفهام". (٥)
والأمر على كل حال يعد من الإلحاد الذي حذر منه المولى سبحانه، فبعد أن بين تعالى الوجه المشروع تجاه أسمائه وصفاته الحسنى وهو دعاءه بها وفق ما أخبر
стр. 214
سبحانه، نهى سبحانه عن كل انحراف يخرج عن هذه الدائرة، وسمى ذلك الانحراف إلحادًا (١) وتوعد من وقع به بالجزاء التام وفق ما عمل: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
وبهذا يعلم أن الأسماء المتواطئة حقيقة في الخالق والمخلوق، فعند الإطلاق تدل على القدر المشترك وهو حكم كلى لا وجود له إلا في الذهن، أما عند التقييد فإنها تدل على ما يناسب موصوفها من الكمال أو النقص.
هذا من جهة الاسم المتواطئ، كالسميع والعليم، فإنه عند إضافته للمولى تعالى علم اختصاصه به فلا يشاركه فيه أحد لكمال موصوفه وتنزهه عن مقتضيات النقص.
أما ما ثبت انفراد تسمية المولى به عند إطلاقه بما عرف تقييده به: كالله والرحمن، فهذا مما لا ينبغى لأحد سواه.
يقول شيخ الإسلام ﵀: "جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، ومنها ما دل عليه بالإضافة والتخصيص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه". (٢)
وإذا تحققت دلالة الأسماء الحسنى على الذات العلية والصفة، كما يليق بجلال الله تعالى وعظيم سلطانه، بقى معرفة طرق دلالتها على ما سبق، إذ دلالة الاسم على الذات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام، ومثاله: اسم (الخالق) فإنه يدل على الذات وعلى صفة الخلق بالمطابقة، وهذه دلالة على تمام المعنى.
أما دلالتها على ذات الرب وحده أو على صفة الخلق وحدها، فتكون بالتضمن وهى دلالة على جزء المعنى.
وتكون دلالتها على صفة العلم والحياة والقدرة بالالتزام؛ لأن هذه الصفات لا بد من توفرها فيمن له القدرة على الخلق، وهذه تسمى: دلالة اللفظ على معنى خارج عنه. (٣)
стр. 215
وفى تقسيم الصاوي للأسماء على الوجه الذي ذكر مخالفة لدلالة الأسماء على الذات مع الصفات، كما تبين سابقًا؛ إذ تنقصه الدقة المطلوبة في التقسيم الصحيح، حيث قام بالفصل بين ما هو دال على الذات، وما هو دال على الصفة، وما هو دال على الفعل، والصحيح في التقسيم أن "كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة؛ فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل إما لازم، وإما متعدٍ" (١) واللازم لا تعلق له. بغير الذات، أما المتعدى فتعلقه يتعدى إلى غير الذات من المخلوقات، إما على جهة الشمول، أو خصوص ما يناسب ذلك الاسم من معنى، ومثال الاسم الذي يتضمن وصفًا لازمًا: (الحى) حيث دل على ذات موصوفة بالحياة فلا تعلق لها بغير الذات.
أما مثال ما يتضمن وصفًا متعديًا له تعلق كلى: (العليم)، فإنه يدل على ذات موصوفة بالعلم متعدية لكل شيء، فالعلم يتحقق بكل شيء ممكن الوجود، وقد يدل الاسم على وصف له تعلق بما يناسبه كاسم (السميع) الذي يتعلق بالمسموعات (٢)
وكل هذه من المسائل التي لها تعلق وثيق بالصفات، لذا سيتضح الكثير منها أثناء الحديث عن الصفات على ضوء منهج السلف الكرام.
* * *
بقى بعد بيان ما وقع فيه الصاوي من خطأ أن نبرهن على صحة ما ذهب إليه من أن أسماء الله تعالى توقيفية وأنها لا تحد بعدد.
- أما عن كونها توقيفية، فذلك لما ورد من النهى والتشديد في القول على الله بغير علم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].