← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بدلالة الأسماء على الصفات، حيث أوجبوا تأويل بعضها بما لم يرد فيه نص يعول عليه في مثل هذه المهمات، وهذا ما رده سلف الأمة، ودللوا على بطلانه بمخالفته صريح الكتاب والسنة، ولما كان عليه الصحابة والتابعين من التسليم والإذعان لكل ما ورد فيهما. وكان للسلف الصالح إلى جانب ما تقدم مزيد بيان في المسائل المتعلقة بأسمائه تعالى، كلها تؤكد خطأ ما اعتقده الصاوي في أن منها ما يقتضى ظاهره مخالفة للكمال فلا بد إذًا من تأويله، وهذا ما تقتضيه حقيقة وصفه تعالى لأسمائه بأنها حسنى، حيث يرجع هذا الوصف إلى عدة مسائل من أهمها: دلالة أسماء الله تعالى على الصفة والعلمية، يوضحه أن كل اسم منها علم يدل على الذات، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠] يقول الإمام الدارمي (١): "فهذه كلها أسماء لم تزل له كما لم يزل، بأيها دعوت فإنما تدعو الله نفسه". (٢) ومع دلالتها العلمية على الذات، فإن كل واحد منها يدل على صفة كمال لله تعالى، دل عليها اتصافها بالحسن على جهة التفضيل المطلق، إذ يقتضى ذلك كمال ما تضمنته من معانٍ، وهذا من جهتين: الأولى: دلالتها على كل معنى يليق بجلال الله تعالى، وعظيم سلطانه. الثانية: تنوع تلك المعانى الكاملة وتعددها، فالغفور يدل على معنى مغاير للسميع، وما يدل عليه العظيم ليس هو ما يدل عليه البصير. (٣) كل هذا يؤكده اشتقاق الأسماء من معانٍ، إذ موجب الاشتقاق وجود ما اشتق منه، وإلا كان ذلك الاشتقاق محال، قال في المراقى:

стр. 212

وعند فقد الوصف لا يشتق ... وأعوز المعتزلى الحق. (١) ومما يقتضيه وصف الله تعالى لأسمائه بأنها حسنى، أن تكون هذه الأسماء حقيقة في الخالق - جل في علاه - فلا يشاركه في معانيها أحد، فإن الصفة إذا أضيفت للمولى تعالى علم تنزهها عن المماثلة بصفات غيره، فإن القدر المشترك من صفة السمع مثلًا ليس له وجود إلا في الذهن أما في الحقيقة فإنه لا يكون إلا مضافًا ومتعلقًا بموصوفه وحينها يأخذ حكمه من حيث وجود المماثل أو عدمه، ولما كانت ذاته تعالى ليس لها مثيل ولا نظير وقد أقر بذلك كافة أهل التنزيه كانت صفاته لها نفس الحكم، فالقول في الذات كالقول في الصفات. وهذا ما يقتضيه وصفها بالحسن، إذ يعنى تنزيهها عن خصائص البشر، وبهذا يعلم خطأ الصاوي الذي أوقعه فيه ما كان عليه من تصوف, حيث جعل الإحصاء في حق أهل الله هو: الاتصاف بها, والظهور بحقائقها. . . إلى آخر ما ذكر. فإن أسماء الله تعالى وصفاته لا تنبغي لأحد سواه، ولم يأمر أحد من خلقه أن يقتدى به في ذلك، وإنما جعل الاقتداء فيما اتصف به النبي ﷺ من صفات حميدة بلغ بها ذروة الكمال البشرى، حتى امتدحه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] لذا أمر المولى تعالى عباده بالاقتداء به، حيث قال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] يوضح هذا أن الواجب في أسماء الله تعالى وصفاته إنما يستفاد من جهة الشارع الحكيم، فالله تعالى أعلم بما يجب في حقه، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد ما ذهب إليه الصاوي من أن الإحصاء في حق الخواص هو الظهور بحقائق الأسماء والتجلى بها، بل كل ما ورد في معنى إحصائها - غير الحفظ - من أقوال السلف فإنه يرجع إلى حقيقة التعبد المأمور به.

стр. 213

يقول الإمام ابن القيم ﵀: "وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله. وهى طريقة مشتقة من قلب القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. والدعاء بها يتناول دعاء المسألة، ودعاء الثناء، ودعاء التعبد، وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها". (١) والله تعالى يحب أن يتصف العباد ببعض موجب أسمائه وصفاته، فهو حيى يحب الحياء، ستير يحب الستر، كريم يحب الكرم، جميل يحب الجمال، ولكن عند اتصاف العبد بهذه الصفة فإنها تصبح حقيقة فيه يختص بها لا علاقة لها بما اتصف به الرب، يقول شيخ الإسلام ﵀: فـ "العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره". (٢) وبهذا يعلم أن ما فسر الصاوي به الإحصاء المندوب إليه قد خرج عن الوجه الشرعي إلى ما يسمى عند أهل التصوف بالفناء عن شهود السوى، فيتدرج في هذا المقام إلى أن يصل إلى درجة البقاء، فلا يشهد سوى الذات متصفة بالصفات، وهذه هي بوابة القول بالحلول والاتحاد، فمنهم من وقف عند هذا الحد، ومنهم من شطحت به هذه المعانى إلى أن وصل إلى درجة الفناء عن وجود السوى (٣)، فبات لا يرى فارقًا بينه وبين الرب. (٤) "فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التأمل؛ فإنه مزلة أقدام، ومضلة أفهام". (٥) والأمر على كل حال يعد من الإلحاد الذي حذر منه المولى سبحانه، فبعد أن بين تعالى الوجه المشروع تجاه أسمائه وصفاته الحسنى وهو دعاءه بها وفق ما أخبر

стр. 214

سبحانه، نهى سبحانه عن كل انحراف يخرج عن هذه الدائرة، وسمى ذلك الانحراف إلحادًا (١) وتوعد من وقع به بالجزاء التام وفق ما عمل: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وبهذا يعلم أن الأسماء المتواطئة حقيقة في الخالق والمخلوق، فعند الإطلاق تدل على القدر المشترك وهو حكم كلى لا وجود له إلا في الذهن، أما عند التقييد فإنها تدل على ما يناسب موصوفها من الكمال أو النقص. هذا من جهة الاسم المتواطئ، كالسميع والعليم، فإنه عند إضافته للمولى تعالى علم اختصاصه به فلا يشاركه فيه أحد لكمال موصوفه وتنزهه عن مقتضيات النقص. أما ما ثبت انفراد تسمية المولى به عند إطلاقه بما عرف تقييده به: كالله والرحمن، فهذا مما لا ينبغى لأحد سواه. يقول شيخ الإسلام ﵀: "جميع أسماء الله وصفاته، يفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، ومنها ما دل عليه بالإضافة والتخصيص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه سبحانه". (٢) وإذا تحققت دلالة الأسماء الحسنى على الذات العلية والصفة، كما يليق بجلال الله تعالى وعظيم سلطانه، بقى معرفة طرق دلالتها على ما سبق، إذ دلالة الاسم على الذات تكون بالمطابقة والتضمن والالتزام، ومثاله: اسم (الخالق) فإنه يدل على الذات وعلى صفة الخلق بالمطابقة، وهذه دلالة على تمام المعنى. أما دلالتها على ذات الرب وحده أو على صفة الخلق وحدها، فتكون بالتضمن وهى دلالة على جزء المعنى. وتكون دلالتها على صفة العلم والحياة والقدرة بالالتزام؛ لأن هذه الصفات لا بد من توفرها فيمن له القدرة على الخلق، وهذه تسمى: دلالة اللفظ على معنى خارج عنه. (٣)

стр. 215

وفى تقسيم الصاوي للأسماء على الوجه الذي ذكر مخالفة لدلالة الأسماء على الذات مع الصفات، كما تبين سابقًا؛ إذ تنقصه الدقة المطلوبة في التقسيم الصحيح، حيث قام بالفصل بين ما هو دال على الذات، وما هو دال على الصفة، وما هو دال على الفعل، والصحيح في التقسيم أن "كل اسم من أسمائه سبحانه له صفة خاصة؛ فإن أسماءه أوصاف مدح وكمال، وكل صفة لها مقتضى وفعل إما لازم، وإما متعدٍ" (١) واللازم لا تعلق له. بغير الذات، أما المتعدى فتعلقه يتعدى إلى غير الذات من المخلوقات، إما على جهة الشمول، أو خصوص ما يناسب ذلك الاسم من معنى، ومثال الاسم الذي يتضمن وصفًا لازمًا: (الحى) حيث دل على ذات موصوفة بالحياة فلا تعلق لها بغير الذات. أما مثال ما يتضمن وصفًا متعديًا له تعلق كلى: (العليم)، فإنه يدل على ذات موصوفة بالعلم متعدية لكل شيء، فالعلم يتحقق بكل شيء ممكن الوجود، وقد يدل الاسم على وصف له تعلق بما يناسبه كاسم (السميع) الذي يتعلق بالمسموعات (٢) وكل هذه من المسائل التي لها تعلق وثيق بالصفات، لذا سيتضح الكثير منها أثناء الحديث عن الصفات على ضوء منهج السلف الكرام. * * * بقى بعد بيان ما وقع فيه الصاوي من خطأ أن نبرهن على صحة ما ذهب إليه من أن أسماء الله تعالى توقيفية وأنها لا تحد بعدد. - أما عن كونها توقيفية، فذلك لما ورد من النهى والتشديد في القول على الله بغير علم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].

стр. 216

ولا بد هنا من بيان الفرق بين تسمية المولى تعالى، والإخبار عنه، إذ يمنع من تسميته بغير ما ورد على جهة التحريم، أما عن الإخبار فيتوسع فيه بقدر الحاجة شريطة أن لا يخرج عن المعنى الصحيح الذي ورد به نص الكتاب والسنة. "ويفرق بين دعائه والإخبار عنه؛ فلا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وأما الإخبار عنه فلا يكون باسم سيئ لكن قد يكون باسم حسن أو باسم ليس بسيئ وإن لم يحكم بحسنه مثل اسم شيء وذات وموجود إذا أريد به الثابت، وأما إذا أريد به الموجود عند الشدائد؛ فهو من الأسماء الحسنى، وكذلك المريد والمتكلم؛ فإن الإرادة والكلام تنقسم إلى محمود ومذموم، فليس ذلك من الأسماء الحسنى بخلاف الحكيم والرحيم والصادق ونحو ذلك، فإن ذلك لا يكون إلا محمودًا". (١) - أما عن كونها لا تحد بعدد، فقد ذكر جمع من العلماء على ما ذهب إليه الصاوى من أن العدد المذكور في الحديث ليس للحصر؛ استدلالًا بحديث ابن مسعود - رضى الله عنه - عن رسول الله أنه قال: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك). يقول الإمام النووي (٢): "مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصر الأسماء، ولهذا جاء في الحديث الآخر: (أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك) " (٣). * * *

стр. 217

(المبحث الثاني): المسائل المتعلقة بصفات الله تعالى يعد هذا المبحث عند المتكلمين من أعمق المباحث الإلهية وأطولها، ومع ذلك يمكن تحديد الخطوط العريضة التي لا يكاد يوجد خلاف فيها بينهم، حيث يجمع الأشاعرة على إثبات سبع صفات (١) من الصفات الوجودية، وهى ما تسمى بالمعانى، وبيانها كالتالى: العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر. أما في باب النفى فيثبتون خمس صفات سلبية يتم بها تنزيه المولى - عندهم - عن كل نقص، وهى إثبات: القدم والبقاء والوحدانية ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس. (٢) وهناك صفة نفسية، يعنون بها الوجود مع اختلاف وقع بينهم في تسمية المراد منها بذلك الاسم، يقول الجويني: "والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات، فإن الوجود نفس الذات" (٣). ولكن هذا التقسيم إنما تم بيانه على يد متأخرى الأشاعرة، كاللقانى والدردير. وما خلا ذلك من الصفات، فإنهم يرجعونه إلى الأفعال والاختيارات، فلا يعتقدون فيها إثبات صفة علي جهة الحقيقة؛ لذا يعمد أكثرهم إلى تأويلها بما يعتقدون فيه تنزيه المولى عن صفات الحوادث. (٤) وقد فصل الغزالي حجتهم في نفى ما عدا هذه الصفات السبع بإرجاع ما أثبت فيه حقه تعالى إليها، فقال: "لعلك تقول: هذه أسماء كثيرة، وقد منعت الترادف

стр. 218

فيها وأوجبت أن يتضمن كل واحد معنى آخر، فكيف يرجع جميعها إلى سبع صفات؟ فاعلم أن الصفات إن كانت سبعًا، فالأفعال كثيرة، والإضافات كثيرة، والسلوب كثيرة، ويكاد يخرج جميع ذلك عن الحصر، ثم يمكن التركيب من مجموع صفتين أو صفة وإضافة أو صفة وسلب أو سلب وإضافة، ويوضع بإزائه اسم، فتكثر الأسامى بذلك، وكان مجموعها يرجع إلى ما يدل منها على الذات، أو على الذات مع سلب، أو على الذات مع إضافة، أو على الذات مع سلب وإضافة، أو على واحد من الصفات السبع، أو على صفة وسلب، أو صفة وإضافة، أو على صفة فعل، أو على صفة فعل وإضافة أو سلب، فهذه عشرة أقسام" (١) إلى آخر ما ذكر. وقد يقسم بعضهم الصفات المثبتة إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، فتكون الصفات الذاتية هنا هي الصفات السبع، وما أرجعوه بالتأويل إليها كالرحمة والغضب، أما الصفات الفعلية فهى التي يرجعون متعلقها إلى الصفات الذاتية. ويفرق بين متقدمى الأشاعرة وبين متأخريهم في إثبات صفات الخبرية، فالمتقدمون منهم يثبتون الصفات الذاتية الخبرية دون الفعلية، ويردون الفعلية إلى الصفات السبع، يقول الباقلانى وهو من متقدمى الأشاعرة في بيان ذلك: "فإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته، من صفات أفعاله؛ لأعرف ذلك. قيل له: صفات ذاته: هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها، كالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان والغضب والرضا وهما الإرادة على ما وصفناه وهى الرحمة والسخط والولاية والعداوة والحب والإيثار والمشيئة وإدراكه تعالى لكل جنس يدركه الخلق. وصفات فعله: هي الخلق والرزق والعدل، . .، وكل صفة كان موجودًا قبل فعله لها" (٢)

стр. 219

أما المتأخرون فلا يثبتون شيئًا من صفات الإخبار لا الذاتية ولا الفعلية على الحقيقة ويردونها إلى الصفات السبع التي قام دليلهم العقلى على إثباتها ورد ما عداها، يقول الآمدي في بيان هذا الأصل المعتمد عندهم في الرد والإثبات مقننًا بالشبه العقلية: "وأما ما قيل بثبوته من باقي الصفات؛ فالمستند فيها ليس إلا المسموع المنقول دون قضيات العقول، . . .، واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم، فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات" (١) فهذا النص يبين منهجهم في سبيل إرجاع جميع الصفات الخبرية إلى ما تقدم من الصفات الذاتية، ولهم في ذلك حجج سبقت الإشارة إليها عند الحديث عن منهج الصاوى في مسائل الاعتقاد ولعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة، حيث اعتقدوا في أن في إثباتها اعتقاد التمثيل الذي قام الدليل العقلى على منعه، فاعتمدوا منهج التأويل، أو التفويض لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية التي تضمنت تلك الصفات.

стр. 220

رأي الشيخ الصاوى: لقد فصل الصاوى القول في باب الصفات محررًا للمذهب الأشعرى فبدأ بتعريف الصفة أولًا: فالصفة هي: "ما يحكم به عليه سواء كان عين الحقيقة أو قائمًا بها أو خارجًا عنها". وفى بيان أقسامها، يقول: فـ "الصفات إما عين الذات وهى النفسية. أو غير الذات وهى السلبية؛ لكون مدلولها عدميًا، والفعلية لحدوثها. أو لا عين الذات ولا غيرها، وهى وجودية، وتسمى المعانى. أو لا عين الذات ولا غيرها، وهى اعتبارية، وتسمى معنوية. أو صفات جامعة؛ وهى العزة، والجلال، والجمال، والغنى". (١) ولم يقصد بنفيه التغاير مطلق المغايرة، وإنما قصد نفى الانفكاك. وأما نفيه للعينية فقد قصد به أن يفهم مغايرة إلذات للصفات وفى هذا رد على المعتزلة الذين أرجعوا الصفات للذات وأرادوا بذلك نفى الصفات. (٢) ولتشعب المسائل المتعلقة بهذا المبحث وعمق مادتها العلمية عند الصاوى؛ سأقوم بتفصيل القول فيها وذلك تحت عدد من المطالب، مثبتة لما تقرر عنده بكلام الأشاعرة المتقدمين، مبتدئة بالصفات السلبية التي يعني بها تنزيهه تعالى عن كل نقص. * * *

стр. 221

أولًا: الصفات السلبية يقصد بالصفات السلبية عند المتكلمين: كل صفة يعتقد في إثباتها سلب نقص عن الذات العلية، وتكون ملازمة لها بحيث لا يتصور انفكاك موصوفها عنها (١): وهى القدم والبقاء ومخالفة الحوادث والقيام بالنفس والوحدانية. إذًا فأساس وصفها بالسلب يرجع إلى أمرين: الأول: لما تضمنته من سلب النقص عن الذات. الثاني: عدم إثبات معنى قائم بالذات يكون زائدًا عنها، فيصح به أن يكون وصفًا وجوديًا. يقول الآمدي في بيان الأمر الأول: "وليس يلزم من تعدد مفهوم اسم القدم تكثر في مدلول اسم الباري تعالى إلا أن يقدر نعتًا وجوديًا ووصفًا حقيقيًا وليس كذلك بل حاصله إنما يرجع إلى سلب الأولية لا غير". (٢) ويقول الإيجى في بيان الأمر الثاني وهو امتناع كون هذه الصفات زائدة على الذات: "البقاء هو نفس الوجود - أي الذات - لوجهين: الأول: لو كان زائدًا لكان له بقاء، ويتسلسل. الثاني: لو احتاج إلى الذات لزم الدور، وإلا لكان الذات محتاجًا إليه وكان هو مستغنيًا عن الذات، فكان هو الواجب دون الذات" (٣). ويقول الغزالي في نفس المعنى: "ولقد أبعد من قال البقاء صفة زائدة على ذات الباقى وأبعد منه من قال القدم وصف زائد على ذات القديم وناهيك برهانًا على فساده ما لزمه من الخبط في بقاء البقاء وبقاء الصفات وقدم القدم وقدم الصفات" (٤).

стр. 222

أما عن المراد بهذه الصفات فمما يعلم من الوضع الاصطلاحى عن المتكلمين، إذ القدم يعني نفى الأولية، والبقاء نفى الآخرية، والوحدانية إثبات كونه تعالى واحدًا في صفات الربوبية فلا رب سواه، والقيام بالنفس نفى الحاجة إلى الغير، ومخالفة الحوادث نفى كل ما اعتقد في إثباثه قيام الحوادث به كالعرضية والجرمية. (١) رأى الشيخ الصاوي: الصفات السلبية عند الصاوى متابعة لما عليه متأخرو الأشاعرة، هي: القدم، والبقاء، ومخالفة الحوادث، والقيام بالنفس، والوحدانية. ويفسر الصاوي المراد بتسمية هذه الصفات بالسلبية، فيقول: "ليس المراد بكونها سلبية أنها مسلوبة عن الله، ومنفية عنه، وإلا لزم أن يثبت له الحدوث والمماثلة للحوادث، بل المراد بكونها - سلبية - أن كل واحدة منها سلبت أمرًا لا يليق به". (٢) ثم يشرع في بداية الحديث عنها ببيان أهميتها، حيث يسميها بمهمات الأمهات، معللًا ذلك بـ "أنه يلزم من نفى ضد هذه الخمسة، تنزيهه تعالى عن جميع النقائص". وحين يقوم بتعدادها فإنه يوضح المراد من كل واحدة على جهة التحديد مع بيان الدليل عليها، ويبدأ بصفة القدم، يقول: إن "معنى القدم في حقه تعالى عدم الأولية، أو عدم افتتاح الوجود، فالقديم هو الذي لا أول له، أو الذي لا افتتاح لوجوده". ثم يذكر الدليل عليها، يقول: فـ "لو لم يكن قديمًا لكان حادثًا، ولو كان حادثًا لافتقر إلى محدث، ولو افتقر إلى محدث لافتقر محدثه إلى محدث، وهكذا فيلزم إما الدور أو التسلسل". (٣) - وتليها صفة البقاء التي تعنى "في حقه تعالى عدم الآخرية أو عدم افتتاح الوجود"

стр. 223

والدليل عليها: "أنه لو جاز عليه طور العدم؛ لاستحال عليه القدم؛ لأن من جاز عدمه استحال قدمه". - ثم يذكر الصفة الثالثة من صفات السلوب وهى: "مخالفته تعالى لكل حادث" والمخالفة عنده: "عبارة عن سلب الجرمية والعرضية والكلية والجزئية ولوازمها عنه تعالى لما ثبت لها من الحدوث واستحالة القدم عليها". وفى تقريره للدليل عليها، يقول: "الله تعالى مخالف للحوادث؛ إذ لو لم يكن مخالفًا لها لكان مماثلًا لها؛ لعدم الواسطة، لكن مماثلته للحوادث باطلة؛ إذ لو ماثل شيئًا منها لكان حادثًا مثلها، لكن كونه حادثًا باطل؛ إذ لو كان حادثًا لافتقر إلى محدث لكن افتقاره باطل. . .". - أما عن الصفة الرابعة وهى القيام بالنفس، فيرى أن المراد منها "أنه تعالى مستغنٍ في نفسه ليس باعتبار شيء آخر، وعنى باستغنائه المذكور عدم افتقاره إلى محل، أي: ذات يقوم بها، إلى مخصص أي: مؤثر". ويتابع الاستدلال ببيان استغنائه عن المحل، يقول: فإنه "لو احتاج إلى محل لكان صفة ولو كان صفة لم يكن متصفًا بصفات المعانى والمعنوية، والفرض أنه متصف بهما؛ وإلا لما وجد العالم، فبطل كونه صفة وثبت كونه ذاتًا". ثم يذكر الدليل على استغنائه عن المخصص بأنه "لو احتاج إلى مخصص لكان حادثًا؛ ولو كان حدثًا لافتقر إلى محدث، كيف وقد سبق وجوب وجوده وقدمه وبقائه ومخالفته للحوادث". - وينتهى في حديثه عن الصفات السلبية إلى ذكر الصفة الخامسة والأخيرة، وهى: الوحدانية. وقد سبق بيان مراده منها في مبحث التوحيد، وما يهمنا منها هنا هو بيان الاستدلال بنفى التركيب لإثباتها، حيث يرجع نفيه للتركيب إلى وجوب مخالفته للحوادث. (١)

стр. 224

ومن كل ما سبق نجد أن الصفة التي يرجع إليها أدلته في التنزيه هي: المخالفة للحوادث فعليها مدار تعطيم المولى وتنزيهه عند الأشاعرة. * * * المناقشة: إن أساس ما اعتمده في عد هذه الصفات من الصفات السلبية لا يسلم له، وذلك لوجوه ترجع إلى ما يجب للمولى تعالى من الكمال في صفاته وأسمائه: الأول: امتناع قصر نفى النقائص عن الله تعالى بإثبات هذه الصفات دون غيرها، إذ جميع ما يوصف به المولى تعالى من الصفات إلى جانب إثباته للصفة الوجودية من الكمال فإنه ينفى عنه صفة نقص لا تليق به، فصفة العلم تنفى عنه الجهل، والحياة تنفى عنه الموت، والسمع والبصر إلى آخر ما اتصف به المولى ﵎. ثانيًا: أن أي صفة نفى سلبت عن الباري تعالى أمرًا لا يليق به، فإنها في المقابل تثبت له صفة كمال؛ فالمولى ﵎ أحد أي ليس له مثيل أو شريك، فهذه الصفة وإن كانت في الأصل لنفى المماثل والشريك، فإنها أثبتت في المقابل اتصافه تعالى بكل صفات الكمال والجلال التي لا تليق إلا لجلاله. ثالثًا: أن هذه الصفات على جهة الخصوص فيها من إثبات إفراد الكمال لله تعالى ما لا ينكره ذو فطرة سليمة، فالقديم مع التجاوز في التسليم لهم بهذا الاسم يقابل الأول، وليس يغيب ما في إثبات أوليته من معانى العظمة والكمال؛ إذ كل ما في هذا الوجود إنما هو مفتقر في وجوده وبقائه إليه ، وهكذا يقال في باقي الصفات. هذا ومما يلاحظ عند عرض أقوال الصاوى في قضية التنزيه، أو سلب النقائص عن الله عددًا من الأمور منها: أولًا: استناده إلى طريقة التفصيل في النفى، معتمدًا في ذلك على ما يراه العقل

стр. 225

قبيحًا في حق الله تعالى، وهذا ما يخالف مقتضى تعظيم الله تعالى وإجلاله، كما دل عليه الكتاب والسنة؛ إذ يعتمد تنزيه الله تعالى وتعظيمه فيهما على النفى المجمل، الذي يستوعب جميع أفراد النقص التي ينزه المولى عن الاتصاف بها، ومع ذلك يتعدى إلى إثبات ما يقابل هذه الصفات من كمال؛ إذ السلب المحض لا يعد كمالًا في حق من وصف به إلا أن يؤدى إلى إثبات ما يقابله من كمال (١)، وهذه هي طريقة القرآن الكريم التي نبه اليها وأمر بها في كثير من الآيات، قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]، وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. ثانيًا: مما استند إليه الصاوى في قضية التنزيه، استخدام المصطلحات الكلامية في نفى ما اعتقد أن في إثباته ما يوهم مماثلة الحوادث، حتى جعل هذه المصطلحات: كالجرم، والعرض، والجهة، والمحل، مقياسًا ومرجعًا في كل ما يجب أن يمتنع المولى سبحانه من الاتصاف به؛ فكل معنى يستلزم وصفه تعالى بإحدى هذه المصطلحات وجب نفيه وإبطاله، فإن كان مما ورد به نص الكتاب والسنة عطل بطريق التأويل أو التفويض. ومن ذلك أنه حين التزم نفى الجرم والعرض عن الله تعالى، قام بتعطيل الباري تعالى عن بعض صفات الذات الخبرية، كالوجه والساق واليد، وكذلك صفات الأفعال الخبرية كالنزول والاستواء، إلى غير ذلك حيث اعتقد أن في إثباتها ما ينفى مخالفته للحوادث. ولا شك أن في ذلك انحرافًا عن منهج التلقى الذي يعتمد في كل ما يجب أن يتصف به المولى على ما ورد به نص الكتاب والسنة، فالله تعالى أعلم بما يجب أن يتصف به، أو يمتنع عنه، وكذا نبيه ﵊ الذي أتم في ذلك البيان. وقد وقع الصاوى بهذا المسلك في الابتداع المنهي عنه، حيث اعتمد في مثل هذه المهمات على ما اصطلح عليه المتكلمون؛ دون وقوف عند حدود ما أنزل الله على

стр. 226

رسوله، هذا إلى جانب أن هذه المصطلحات لما كانت من البدع؛ لم تكن حجة في الرد على شبه المخالفين، وهذا ما أوقع المتكلمين في الاضطراب بين جانب النفى والإثبات؛ مما جعل للمخالفين من المعتزلة وغيرهم سبيلًا للتطاول عليهم فيما أثبتوه من الصفات. (١) ثالثًا: قد سبقت الإشارة إلى أن التنزيه عند المتكلمين يقوم على أساس مخالفة الله تعالى للحوادث، فكل واحدة من الصفات السلبية عندهم ترجع إلى هذا المعنى، وقد أوضح الصاوي المراد من ذلك حين أتى إلى هذه الصفة، وبين أنها تعنى سلب الجرمية والعرضية، فإنه حين أثبت حدوثهما عند استدلاله على حدوث العالم، جعل أساس ما يقوم عليه التنزيه هو نفى هذه المعاني عن الله، ونفى كل وصف يستلزم اتصافه تعالى بها. فالعرضية التي تعنى إثبات الأعراض وهى الصفات الاختيارية المتجددة يوجب الصاوي نفيها عن الله تعالى، وسيأتي بيان موقفه من هذه الصفات مفصلة، فقد نفى الإرادة الحادثة المتعلقة بالإرادة القديمة، والتى ثبت اتصافه تعالى بها عقلًا (٢) وشرعًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ونفى جميع الصفات الفعلية المتجددة التي تتعلق بها، وأرجع إثباتها إلى محض الاعتبار، الذي يجعلها تتأرجح بين الوجود والعدم، فتشبه بذلك الأحوال عند المعتزلة، والصاوي لنفس الشبهة مع غيرها من الشبه التي سيأتي بيانها في موضعها المحدد بإذن الله؛ يؤول الكلام المستقبلي لله تعالى، الذي أخبرت به النصوص ويرجعه إلى الكلام النفسي القديم المعبر عنه بلفظ حادث مخلوق، وكذلك الغضب والرحمة والنزول والضحك والمجئ وكل صفة اعتقد في إثباتها على ظاهرها ما يوهم إثبات الأعراض للذات العلية.

стр. 227

وفى نقض هذا الأساس الذي اعتمد عليه الصاوي في التنزيه نرجع إلى ما سبق بيانه من أن هذا مسلكًا باطلًا، وليس فيه ما يثبت الحدوث، فليس كل ما لم يخل من الحوادث حادثًا؛ لوجود الفرق بين ما لا يخلو من جنس الحوادث، أو ما لا يخلو من بعضها - كما بينت سابقًا - (١). هذا إلى جانب أن هذه الصفات التي نفوها لأنها من الأعراض والحوادث هي من صفات الكمال التي يعد نفيها نقصًا ينزه المولى تعالى عنه، يقول شيخ الإسلام: "وبكل حال فمجرد هذا الاصطلاح، وتسمية هذه - أي الصفات الاختيارية - أعراضًا وحوادث لا يخرجها عن أنها من الكمال الذي يكون المتصف به أكمل ممن لا يمكنه الاتصاف بها، أو يمكنه ذلك ولا يتصف بها". (٢) وبهذا يكون الاستدلال على نفى الصفة عن الله تعالى؛ اعتمادًا على أنها توجب اتصافه تعالى بما هو من خصائص الحوادث، كالعرضية، باطلًا ليس له أصل من نقل ولا عقل ولا لغة، وكل ما لم يثبت له أصل، بطل الاعتماد عليه في أصول العقائد. - ومن جملة ما اعتمد الصاوي رده تأويلًا أو تعطيلًا بناء على شبهة الحدوث كل صفة توهم الجرمية كإثبات المحل والجهة، والصفات الخبرية الفعلية؛ كالاستواء والنزول، والصفات الخبرية الذاتية؛ كاليد والوجه والقدم. ولا شك أن ردهم لهذه الصفات خوفًا من إيهام الجرمية والتجسيم، لا يصح؛ لأنه تعالى أثبتها لنفسه وأثبتها له نبيه؛ فهو أعلم بما يتصف به، ونبيه أعلم بمراد ربه، ولو كان في إثبات هذه الصفات على ظاهرها ما يخل بمقتضى التعظيم والتنزيه الواجب لله تعالى لكان النبي ﷺ هو أول من بين لنا هذا، ولما علم انتفاء ذلك البيان؛ دل ذلك على انتفاء ملزومه من التنزيه عن إثباتها على ظاهرها، ولهذا السبب فصل علماء الأمة في نفى الجسم وإثباته، فامتنعوا عن نفيه بالمعنى الذي فهمه المتكلمون، والذي حملهم على رد الكثير من نصوص الكتاب والسنة لأجله.

стр. 228

كما امتنعوا عن إثباته مطلقًا لعدم الدليل المقتضى لإثباته، فصاروا على ذلك التفصيل في كل ما أحدثه المتكلمون في نفى الصفات وإثباتها، يقول الإمام ابن القيم في رد شبهتهم بنفى الجهة منعًا للتجسيم: "والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية ونحن نقول إن إثبات هذا كله غير لازم فإن الجهة غير المكان وذلك أن الجهة هي إما سطوح الجسم نفسه المحيطة به وهى ستة وبهذا نقول إن للحيوان فوقًا وأسفل ويمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا وإما سطوح جسم آخر يحيط بالجسم ذى الجهات الست فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا وأما سطوح الأجسام المحيطة به فهى له مكان مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضًا مكان للهواء". (١) وقال ﵀ في نفى اليدين والوجه بحجة التجسيم: "وسموا الموصوف بالصفات جسمًا، وسموا من له وجه ويدان جسمًا، ثم نفوا الجسم عن الصانع، وأوهموا أنهم ينفون معناه لغة وقصدهم نفى معناه اصطلاحًا؛ فسموه بخلاف اسمه في اللغة، ونفوا به ما أثبته الرب لنفسه من صفات الكمال، وكذلك سموا صفاته أعراضًا؛ ثم نفوا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه، لا بالمعنى الذي وضعت له ألفاظ الأعراض في اللغة، وكذلك سموا أفعاله حوادث ثم نفوها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة". (٢) - وهذا ما يقال في الكلية والجزئية، فالمراد بها عند المتكلمين كل ما يوهم التقسيم والتجزئ عندهم من الصفات، فقد بين الصاوي قيام التنزيه على نفيها، وهذا ما لا يسلم لهم مطلقًا، فالصحيح أنه لا يلزم من إثباتها ما ذكروه من التقسيم والتجزئ. وقد بين ضلالهم في هذه الشبهة التي اعتمدوا في إعمالها لرد هذه الصفات قياس

стр. 229

الغائب على الشاهد، شيخ الإسلام ﵀؛ فنبه إلى أن هذه الصفات لا يمكن ردها لإيهام التجزئ والتركيب فإن هذا إنما يصح في حق المخلوقات المكونة من الجواهر والأجرام، ومع ذلك فلا يصح تأويلهم لها لتدل على الذات كالوجه مثلًا، وذلك لدلالة اللغة التي خاطبنا القرآن بها، فقد علم ضرورة أن هذه التسميات يراد بها صفة مخصوصة تكون دالة عليها، يقول ﵀: "قالوا إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر، وبطل أن يراد بها إلا الوجه الذي هو صفة يستحقها الحى، فالوجه الذي يستحقه الحى وجه هو عضو وجارحة، يشتمل على كمية تدل على الجزئية، وصورة تثبت الكيفية، فإن كان ظاهر الأوصاف عندكم إثبات صفة تفارق في الماهية، وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه، وقد ثبت بالدليل الجلى إبطال قول المجسمة والمشبهة، وما يؤدى إلى مثل قولهم فهو باطل. قلنا: الظاهر ما كان متلقى في اللفظ على طريق المقتضى، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية، وهذا كما نقول: في ألفاظ الجموع وأمثالهم إن ظاهر اللفظ يقتضى العموم والاستغراق وكما نقوله: في الأمر إن ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضى الوجوب إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه إلى الظاهر في المتعارف، فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مرية على ما بينا أن الظاهر في إثبات صفة هو إذا أضيف إلى مكان أريد به الحقيقة أو أريد بها المجاز، فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع أن المراد بها جميع الذات التي هي مقولة عليها، وهذا مما لا نزاع فيه والمقصود بهذا إبطال التأويل الذي يدعيه الخصم، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون صفة خاصة بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات ولا وضعت لها إلا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز، فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحى ولم يعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية، وكيفية فهذا لا يلزم من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث

стр. 230

لا من خصيصة صفة الوجه، ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية وتتسلط عليه الكيفية ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية، ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية وهذا الكلام واضح جلى". (١) وهذا ما بينه الإمام ابن القيم ﵀ على جهة الإجمال حيث يقول: فاعتقد نظار المتكلمين على تعدد شبههم بأن من وصف بهذه الصفات الخبرية" لم يكن إلهًا واحدًا، وكان هناك آلهة متعددة، وقدماء متغايرة، وأعراضًا، وأبعاضًا، وحدودًا، وجهات، وتكثر، وتغير، وتحدد، وتجرد، وتجسم، وتشبيه، وتركيب، وأكثر الناس إذا سمعوا هذه الألفاظ نفرت عقولهم من مسماها، ونبت أسماعهم عنها، وقد علم المؤمنون المصدقون للرسول العارفون بالله وصفاته وأسمائه أنكم توسلتم بها إلى نفى صفاته وأفعاله وحقائق أسمائه؛ فلم ترفعوا بها رأسًا، ولم تروا لها حرمة، ولم ترقبوا فيها ذمة، وغرت ضعاف العقول الجاهلين بحقائق الإيمان فضلوا بها وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل.

стр. 231

فلفظ الجسم لم ينطق به الوحى إثباتًا؛ فتكون له حرمة الإثبات، ولا نفيًا، فيكون له إلغاء النفى، فمن أطلقه نفيًا أو إثباتًا سئل عما أراد به، فإن قال: أردت الجسم معناه في لغة العرب، وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء، فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفى عن الله عقلًا وسمعًا، وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة؛ فهذا منفى عن الله قطعًا، والصواب نفيه عن الممكنات أيضًا فليس الجسم المخلوق مركبًا من هذا ولا من هذا. وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات، ويرى بالأبصار، ويتكلم ويكلم، ويسمع ويبصر، ويرضى ويغضب؛ فهذه المعانى ثابتة للرب تعالى، وهو موصوف بها، فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسمًا؛ كما أنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصب، ولا ننفى قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريًا، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه؛ لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسمًا مشبهًا، فإن كان تجسيمًا ثبوت استوائه على عرشه إني إذًا لمجسم، وإن كان تشبيها ثبوت صفاته فمن ذلك التشبيه لا أتكتم، وإن كان تنزيهًا جحود استوائه وأوصافه، أو كونه يتكلم؛ فعن ذلك التنزيه نزهت ربنا بتوفيقه، والله أعلى وأعلم". (١) ولا شك أن هذا هو حال ما أدخل في الدين من البدع والمحدثات؛ لأنها كما سبق وأن ذكرت لا تشتمل على البرهان الذي يتم به العلم اليقينى، فغالب ما عليه أهل البدع ألفاظ مجملة، لا يجزم فيها بقول على جهة التحقيق؛ لذا نبه علماء السلف على وجوب الحذر منها وتفصيل القول فيها؛ حتى لا يرد حق ويقبل باطل بسببها.

стр. 232

ثانيًا: صفات المعاني سبقت الإشارة إلى بيان مذهب الأشاعرة فيما أثبتوه من الصفات التي أطلقوا عليها صفات المعاني، حيث اعتقدوا فيها إثبات معنى قائم بالذات على خلاف غيرها من الصفات. وفى تحقيق قيامها بالبارى تعالى على جهة يصح إثبات اتصافه بها، يقول الباقلانى: "فإن قال قائل: ولم قلتم إن للقديم تعالى حياة وعلمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وكلامًا وإرادة؟ قيل له: من قبل أن الحى العالم القادر منا إنما كان حيًا عالمًا قادرًا متكلمًا مريدًا؛ من أجل أن له حياة وعلمًا وقدرة وكلامًا وسمعًا وبصرًا وإرادة، وأن هذه فائدة وصفه بأنه حى عالم قادر مريد. يدل على ذلك أن الحى منا لا يجوز أن يكون حيًا عالمًا قادرًا مريدًا، مع عدم الحياة والعلم والقدرة، ولا توجد به هذه الصفات إلا وجب بوجودها به أن يكون حيًا عالمًا قادرًا، فوجب أنها علة في كونه كذلك، كما وجب أن تكون علة كون الفاعل فاعلًا، والمريد مريدًا: وجود فعله وإرادته، التي يجب كونه فاعلًا مريدًا لوجودها، وغير فاعل مريد بعدمها، فوجب أن يكون الباري سبحانه ذا حياة وعلم وقدرة وإرادة وكلام وسمع وبصر، وأنه لو لم يكن له شيء من هذه الصفات، لم يكن حيًا ولا عالمًا ولا قادرًا ولا مريدًا ولا متكلمًا ولا سميعًا ولا بصيرًا يتعالى عن ذلك" (١). وفى بيان ذلك، يقول الشهرستانى مقررًا ما قام عليه مذهب الأشعري: "قال أبو الحسن: الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حى بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع يسمع، بصير يبصر، وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا هو، ولا غيره.

стр. 233

وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات: المستحيل، والجائز، والواجب، والموجود، والمعدوم، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات، وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص. وكلامه واحد هو أمر، ونهى، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد، وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام، والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء ﵈: دلالات على الكلام الأزلى والدلالة مخلوقة محدثة، والمدلول قديم أزلى. والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان فالمتكلم عنده من قام به الكلام، وإرادته واحدة قديمة أزلية متعلقة بجميع المرادات من أفعاله الخاصة وأفعال عباده من حيث إنها مخلوقة له لا من حيث إنها مكتسبة لهم، وأن السمع والبصر للبارى تعالى صفتان أزليتان هما إدراكان وراء العلم يتعلقان بالمدركات الخاصة بكل واحد بشرط الوجود" (١) رأى الشيخ الصاوي: يبدأ الصاوي أولًا ببيان ما تسمى به هذه الصفات، يقول: "صفات المعانى تسمى: الصفات الذاتية؛ لأنها لا تنفك عن الذات. والصفات الوجودية؛ لأنها متحققة باعتبار نفسها". وفى بيان المراد بها، يرى أن معناها "في اللغة: ما قابل الذات فشمل النفسية والسلبية". أما في الاصطلاح، فهى: "كل صفة قائمة بموصوف، زائدة على الذات، موجبة له حكمًا". ويسير على نفس المنوال الذي سار عليه في الصفات السلبية، حيث يفصل القول في كل صفة على حدة، مبتدئًا ببيان المراد منها، متممًا بالاستدلال لها، منتهيًا بذكر

стр. 234

تعلقاتها، ويعتمد في الاستدلال لصفة القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة على العقل؛ بحجة أن العالم لا بد لوجوده منها، وإلا لما وجد العالم، أما الكلام والسمع والبصر، فإنه يرى أن دليلها سمعى، إذ لا يتوقف على إثباتها وجود العالم، ومع ذلك فإنه يذكر طريق من أثبتها بالعقل بناءً على قضية التقابل بين العدم والملكة؛ فلو لم يتصف بها لاتصف بضدها، والنقص عليه محال، إلا أنه يشكك في صحة هذا الطريق لأنه مبنى عنده على قياس القديم على الحادث، فـ "كل كمال في حق الحادث لا يلزم أن يكون كمالًا في حق الله؛ ألا ترى الزوجة والولد فإنها كمال في حق الحادث لا القديم". (١) ويبدأ الحديث أولًا عن صفة: القدرة، فيقول: "معناها في اللغة ما قابل الذات فشمل النفسية والسلبية". اصطلاحًا: "صفة أزلية قائمة بذاته، زائدة عليها، يتأتى بها إيجاد كل ممكن وإعدامه وفق الإرادة". ثم يستدل لها بالعقل، فيقول: "الله صانع قديم، له مصنوع حادث، وكل ما كان كذلك لا بد له من قدرة يوجد بها الأشياء ويعدمها، فينتج الله لا بد له من قدرة". فتعلق الإرادة عنده مقصور على الممكن؛ إذ الواجب والمستحيل مما لا تعلق للقدرة بهما "لأنها إن تعلقت بالواجب فإما أن تعدمه وهو محال، وأما أن توجده وهو تحصيل الحاصل، وإن تعلقت بالمستحيل إما أن تتعلق بإعدامه وهو تحصيل الحاصل، أو بإيجاده وهو محال، فتخلف قدرة الله عن تعلقها بالواجب والمستحيل ليس بعجز". * * * ثانيًا: الإرادة وهى "لغة: القصد، اصطلاحًا: صفة أزلية زائدة قائمة بذاته تعالى شأنها التخصيص للممكن ببعض ما يجوز عليه".

стр. 235

ثم يبين أقسام الممكن بهذه الأبيات: الممكنات المتقابلات ... وجودنا والعدم والصفات أزمنة أمكنة جهات ... كذا المقادير روى الثقاة. وفى الاستدلال لها، يقول: "الله صانع للعالم بالاختيار، وكل ما كان كذلك يجب له الإرادة، فينتج الله تجب له الإرادة". * * * ثالثًا: العلم، يقول في بيانها: "هي صفة أولية قائمة بذاته تعالى، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق إحاطة وانكشاف". والدليل: "أن تقول الله صانع للعالم صنعًا متقنًا بالإرادة والاختيار وكل ما كان كذلك يجب له العلم، فينتج الله يجب له العلم". * * * رابعًا: الحياة، "وهى صفة أزلية قائمة بذاته تقتضى صحة العلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر" وهذه هي الصفة الوحيدة التي لا يرى لها متعلقًا؛ إذ لا يقتضى الاتصاف بها "أمرًا زائدًا على قيامها بمحلها". دليلها: "أن تقول: الله تعالى متصف بالقدرة والإرادة والعلم، وكل من كان كذلك تجب له الحياة، فينتج الله تجب له الحياة" (١). * * * خامسًا: الكلام، وهذه هي الصفة الخامسة من صفات المعانى، وهى" صفة أزلية قائمة بذاته ليست بحرف ولا صوت، منافية للسكوت والآفة، تتعلق بالواجبات والجائزات والمستحيلات تعلق دلالة". ويستند في نفى الصوت والحرف إلى أن هذا يقتضى إنشاءه تعالى للكلام في

стр. 236

ذلك الوقت؛ مما يؤدى إلى تجويز السكوت عليه قبل إنشائه له، وقيام الحوادث به ومعلوم أن هذا عنده من المحال، كما أنه حتى يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن الكلام معنى واحدًا؛ يقول في وصف سماع موسى ﵇ لكلامه تعالى: أي "أزال الحجاب عنه حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته لا أن الله أنشأ له الكلام؛ لأن الله دائمًا متكلم يستحيل عليه السكوت والآفة". (١) ولإزالة ما يحصل بالنفس من استبعاد لمثل هذا السماع الذي يحصل بلا صوت ولا حرف على حد قوله، فإنه يرجع الأمر لقدرة الله تعالى فـ "كما يكون لنا في الآخرة عند رؤية ذاته جل شأنه بلا كيف ولا انحصار" جاز سماعه ﵇ له بهذه الكيفية. (٢) ثم لما تعارف الناس على أن هذا القرآن هو كلام الله تعالى مع أنه بحرف كما هو معلوم بين أن هذا من حيث المجاز لا الحقيقة الشرعية، يقول: "واعلم أن كلام الله يطلق بالاشتراك على الحسي وعلى النفسي، الذي هو الصفة القديمة، فهو حقيقة عرفية في كل، فالحسي ما كان بحرف وصوت مدلوله بعض مدلول الكلام النفسي القديم القائم بذاته تعالى، والنفسى ما ليس بحرف ولا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا تقسيم ولا بداية ولا نهاية". (٣) ودليله في ذلك بيت الأخطل المشهور عند الأشاعرة: إن الكلام لفى الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلًا (٤)." (٥) وهو مع هذا ينسب لفظه ومعناه إلى الله تعالى، فالمعنى هو كلامه النفسى القديم، ولفظه هو الذي أوجده فتلقه عنه جبريل ومن ثم محمد ﷺ : "والحاصل

стр. 237

أنه ينسب لله من حيث إيجاده ولجبريل من حيث تلقيه عن الله، ولمحمد من حيث تلقيه عن جبريل" (١). * * * سادسًا: السمع والبصر، وكل واحدة منهما "صفة أزلية قائمة بذاته تعالى تتعلق بجميع الموجودات تعلق إحاطة وانكشاف"، "فيسمع الأصوات ولو خفية جدًا كدبيب النملة السوداء في الليل المظلم، ويبصر الأشياء ولو دقيقة، ولكن سمع الله ليس بصماخ وآذان، وبصره ليس بحدقة وأجفان، ليس كمثله شيء". ثم يجمل الاستدلال على هذه الثلاث، بالنقل والإجماع واللغة، يقول: "ودليل هذه الصفات الثلاثة نقلى من الكتاب والسنة والإجماع والتواتر، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وأجمع أهل الأديان والعقلاء على أنه سميع بصير متكلم، ، والمشتق يدل على المشتق منه خلافًا للمعتزلة النافين للمعانى، حيث قالوا: سميع بلا سمع بل بذاته". (٢) والصاوى يثبت ما أثبته شيخه الدردير من وجود صفات حادثة لله تعالى عبر عنها بالتعلق التنجيزى الحادث لصفات المعاني، يقول: "اعلم أن صفات الله كلها عظيمة قديمة إلا صفات الأفعال؛ فإنها وإن كانت عظيمة إلا أنها ليست قديمة". (٣) ولكنه مع ذلك لا يثبتها على جهة الحقيقة تخلصًا من إلزامه بتجويز قيام الحوادث في ذات الرب تعالى، بل يرجعها إلى أمور اعتبارية لا تخرجها عن العدم، يقول: "ولا يلزم قيام الحوادث بذاته إلا إذا كانت تلك الصفات الحادثة المتصف بها وجودية كالبياض والسواد ونحوهما، وأما إذا كانت الصفات الحادثة المتصف بها اعتبارية لا

стр. 238

وجود لها في الخارج ولا ثبوت، فلا يلزم قيام الحوادث بذاته لأن الأمر العدمى الاعتبارى لا يقوم بشيء". (١) * * * المناقشة: مما يلحظ أن في تقسيم الصاوي للصفات الذاتية من حيث الدليل إلى عقلية وسمعية، وأن العقلية هي ما يتوقف العالم على وجودها، والسمعية هي التي لا توقف لوجود العالم عليها، تقديم لمنزلة الدليل العقلى على السمعى، وقد سبقت الإشارة إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى اعتقاد المتكلمين في أنه لا يمكن إثبات وجود الله تعالى متصفًا بالصفات التي يمكن بها وجود العالم إلا بالعقل، فنفى غالبهم إمكان معرفته سبحانه بغير ذلك، ولما كان الدليل السمعى لا يخرج عن الدلالة الخبرية المحضة - عندهم - استحال أن يستدل به على جهة الاستقلال في مثل هذه المهمات. وقد تقدم الرد عليهم، ويمكن إجماله هنا للأهمية بأن معرفة الله تعالى متصفًا بصفات الكمال مما قد فطرت النفوس عليه، فدليلها معلوم ببداهة الفطرة، ولا اقتصار على دلالة العقل هنا، ثم إن دليل السمع الصادق دليل يشتمل على البراهين العقلية التي تجزم بصدق دلالتها على كل ما أمر الشرع بالإيمان به استنادًا إلى تمام الدين وكماله، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٣]. كما أن ما احتج به الصاوي على عدم صحة الاستدلال بالقياس لباقى صفات المعانى غير صحيح؛ حبث اعتمد في تضعيفه لهذا المسلك بأنه يجعل من الحادث مقياسًا للكمال الذي يجب أن يتصف به القديم، والحال الذي يقطع به المشاهد أنه ليس كل ما كان كمال في حق الحادث صح أن يتصف به الرب تعالى.

стр. 239

ولبيان وجه الصواب هنا لا بد أولًا من معرفة القياس الذي يصح استعماله في حق المولى تعالى، وذلك أنه قد دلت آيات القرآن الكريم على أن الذي يصح في حقه تعالى هو قياس الأولى، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]، وعليه فإن كل كمال في حق المخلوق لا نقص فيه بوجه من الوجوه هو كمال في حق الخالق تعالى، وبهذا تنتفى الشبهة التي ذكرها؛ إذ الولد في حق المخلوق يستلزم من أنواع النقص ما يجزم بامتناع اتصاف المولى به . (١) كما أن في منعه للقياس بشتى صوره، مناقضة للأصل الذي بنى عليه ما أثبته من الصفات بالعقل؛ فإنه حين استدل على وجوب اتصافه تعالى بالعلم والإرادة والقدرة والحياة استند في ذلك على القياس، وأخص منه قياس الغائب على الشاهد. والذي نخلص إليه هنا أن صفات الله تعالى مع كون الأصل الذي يدلنا عليها هو الكتاب والسنة، إلا أنه يمكن الاستدلال لها بالعقل بناء على أنها من الكمال الذي يجب في حق الله تعالى؛ فلو لم يتصف بها لاتصف بضدها والنقص عليه محال. ولكفاية الطرق الشرعية في الدلالة على مسائلها؛ فإن هذا الأصل يرجع إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، أي "الكمال المطلق المتضمن للأمور الوجودية والمعانى الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل، كان أعلى من غيره" (٢) هذا من حيث الاستدلال، أما على جهة التفصيل، فإن إثباته للصفات بالطريقة التي ذكرها، مع تفسيره للتعلق بأنه أمر اعتبارى يرجع إلى العدم، لا حقيقة له في الذهن فرارًا من إثبات حوادث يتصف بها المولى على جهة الحقيقة، فإن مناقشته في هذه تتأتى من جهتين:

стр. 240

الأولى: إذا كان الأمر بهذه الصورة فما معنى إثبات أفعال اختيارية حادثة لله تعالى؟ فمن غير المستساغ عقلًا ولا لغةً إثبات أمر لا حقيقة له، يرجع مفهومه إلى العدم؛ "لأن العقل الصحيح حكم حكمًا لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود فإنه معدوم قطعًا، وكل ما هو غير معدوم فإنه موجود قطعًا". (١) أما من الجهة الثانية فإن هذا المفهوم لحقيقة التعلق كما صرح به الصاوي يؤدى إلى إثبات صفات ذاتية قديمة، تعلقها بما تتعدى إليه على جهة الحدوث والتجدد لا حقيقة له، "لأن حدوث النسب بدون حدوث ما يوجبها ممتنع، فلا تكون نسبة وإضافة إلا تابعة لصفة ثبوتية: كالأبوة والبنوة والفوقية والتحتية والتيامن والتياسر؛ فإنها لا بد أن تستلزم أمورًا ثبوتية". (٢) * * * - وبالتالى فإن حقيقة ما يؤول إليه إثباته لصفة الإرادة على هذا الوجه الذي ذكره أمر محدث مخالف للأدلة الشرعية والعقلية، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، فإن كلمة إذا "ظرف لما يستقبل من الزمان. فقوله: (إذا أراد) ونحو ذلك يقتضى حصول إرادة مستقبلة ومشيئة مستقبلة" (٣) فإن اعتقاد قدم الباري تعالى وحدوث كل هذه الموجودات على جهة الاختيار والإرادة؛ ملزم باعتقاد اتصافه تعالى بإرادة حادثة، ينتج عنها فعل حادث مخصص لحدوث هذه المخلوقات وقت خروجها من العدم إلى الوجود، وهذا لا ينافى اتصافه تعالى بإرادة قديمة "فإن إرادته للمستقبلات هي مسبوقة بإرادته للماضى" (٤)

стр. 241

واعتقاد خلاف يلزمه أحد أمرين: اما حدوث المخلوقات بلا سبب يخصص أحد الأوقات وهذا مما لا يقبله العقل، وإما أن يمتنع القول بحدوث الموجودات ويحكم لها بالقدم مماثلة لقول الفلاسفة الملحدين، ولما علم أن هذا ليس هو اعتقاد المتكلمين من الأشاعرة حيث كانوا من أشد الناس عداء لهم، لزم عليهم اعتقاد الأول، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول من الأشاعرة كان سببًا لهجوم عنيف شنه عليهم المخالفون في حدوث العالم، وهذا ما كان من ابن رشد الذي تحدث على لسان الفلاسفة حيث ألزم المتكلمين بلوازم مذهبهم الباطل، وبين أن هذا الاعتقاد لا يسلم لهم القضية الكبرى التي لا ينازع فيها أحد، وهى اعتقاد أن كل حادث له محدث. - أما عن صفة الكلام فقد أثبت الصاوي لله تعالى كلامًا قائمًا بالنفس، ليس بحرف ولا صوت، لا تعلق له بالإرادة، على معنى واحد لا يوصف بتقديم ولا تأخير ولا بداية ولا نهاية. وكل هذا مخالف لما عليه سلف الأمة، ويقطع ببطلانه ما ثبت باللغة والعقل والشرع. أما اللغة فمن المسلم أن الأبكم الذي لا يستطيع الكلام، مع ما يجول في نفسه من معانٍ قد يعبر عنها بالإشارة لا يعد متكلمًا عند أحد من الناس، فإنه قد اصطلح على أن المراد بالكلام: "النطق المفهم" ما لم توجد قرينة تدل على تعيين أحد الأمرين. (١) أما عن بيت الأخطل الذي اعتمده المتكلمون في هذه المسألة، فقد ثبت بطلان الاستدلال به من عدة وجوه: أولًا: يقال لهم: ثبت العرش ثم انقش. فأين ما يثبت أن هذا من شعر الأخطل أصالة؟ وقد تبين للكثير أنه لا دليل لهم في ذلك. (٢)

стр. 242

ثانيًا: من المعلوم أن هذا الشاعر نصرانى المعتقد، فمن العجب أن يحتج بكلامه ويكون العمدة في مثل هذه المهمات، ثم ترد دلالة الأحاديث والآيات لاعتقاد أنها مما يوهم التشبيه بالحادثات (١) ويكفى هذا لإبطال احتجاجهم به على فرض صحة النقل، فقد اعترض شيخ الإسلام على استدلالهم به وبين أنهم قد حرفوه عن الأصل وهو: إن البيان لفى الفؤاد وإنما ومعلوم الفرق بين اللفظين. ومما يثبت مخالفتهم للغة ما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتى عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به). (٢) يقول الإمام ابن أبي العز: "ففرق بين حديث النفس والكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد حتى ينطق به اللسان باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب". (٣) وقد استدل الإمام البخاري (٤) على أن كلام الباري تعالى بحرف وصوت بحديث النبي ﵊: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال: الحق وهو العلى الكبير). (٥) وعود الضمير في اللغة يكون إلى أقرب مذكور وهو [قوله]. فعلم من هذا أن حقيقة الكلام ما كان من حرف وصوت كلما دل عليه النقل والعقل، وليس هو مما تعارف الناس عليه كما ذكر الصاوي.

стр. 243

وقد تحصل من عرض أدلته التي ذكرها أنه يستند في منعه أن يكون الكلام بصوت وحرف إلى أنه يلزم منه إنشاء الكلام حال الإسماع، وفى ذلك تجويز السكوت عليه قبله، وهذا ما ينافى اتصافه تعالى بالكلام على جهة الأزل. وأصل هذه الشبهة تعود عنده إلى اعتقاد استحالة اتصاف الله تعالى بالحوادث، وأن في إثبات حدوث الآحاد حدوث الأصل، فلا تكون صفة الكلام فيه قديمة كالصفات السبعة الأخرى. ويكفى في إبطال هذه الشبهة ما عليه مذهب السلف - رضوان الله تعالى عليهم - حيث أثبتوا اتصافه تعالى بالصفات الاختيارية، وأنه لا تعارض بين إثبات آحاد الصفة والصفة نفسها. فأصل الصفة قديمة قد اتصف الله تعالى بها، فهى ملازمة لذاته سبحانه جل وعلا أما آحادها فهى حادثة، لها ارتباط بمشيئته تعالى، فمتى شاء تكلم بما شاء سبحانه من الكلام الدال على عظمته، فلا معقب لحكمه ولا راد لقضائه، دل على ذلك الكثير من أدلة الكتاب والسنة ومنها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. وليس في اعتقاد أنه تعالى يتكلم متى شاء بما شاء ما يلزم منه اتصافه بالسكوت في وقت ما أو نفيه عنه، فإن النافى عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل، والحق أنه يجب في مثل هذه الألفاظ التوقف فيها لعدم ورود الدليل الذي يقطع بتعيين الحكم. هذا وقد استدل بعض العلماء بحديث المصطفى ﷺ : (ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو). (١) ولكن ليس في هذا الحديث ما يثبت صفة السكوت مطلقًا، وإنما هو من باب السكوت المضاف، وهذا مما عهد في لغة العرب؛ فقد يكون الإنسان متكلمًا بحديث يتعلق بأمر ما ولم

стр. 244

يستوعب في ذلك الحديث جميع ما يتعلق بالأمر الذي تكلم به، حينها يمكن أن يوصف بالسكوت عن ذلك المعنى الذي أعرض عنه وهو ما زال في حال كلامه فلا يعني إن كان متصفًا بالسكوت في ذلك الوقت. ولهذا الذي ذكرت شواهد مما وصف به الرب تعالى فالحياء صفة للرحمن تعالى وهى لازمة له من جملة صفات الكمال التي اتصف بها كما دلت على ذلك الأحاديث الشريفة (١)، ومع ذلك فقد ورد في سورة البقرة أنه تعالى لا يستحيى من ضرب الأمثال، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوقف على قوله: (يستحيى)؛ لأن هذا من الأوصاف النسبية كالمكر والخداع والاستهزاء، فلا يوصف به تعالى إلا مقيدًا بمن يستحقها، وكذلك يكون الحديث عن السكوت؛ فلم يرد نص من كتاب ولا سنة تفيد وصفه تعالى بالسكوت على جهة الإطلاق، أما الحديث الشريف فكلمة [عنه] قيدت الحكم بالأمر المذكور، فلا يتعدى إلى غيره ولا يلزم منه وصفه تعالى بالسكوت على جهة الحقيقة، إلا بدليل صريح الدلالة؛ إذ الحديث لم يرد في بيان ما يتصف به الرب تعالى، وإنما في بيان أقسام الحكم التكليفى فلا أرى فيه لكل ما سبق دلالة واضحة على وصفه تعالى بالسكوت. ومن جهة أخرى؛ فإن السكوت المطلق نفى، والنفى المطلق عدم محض، والله تعالى منزه عنه، إذ هو موصوف بالكمال الثابت في كل ما أثبته لمسه أو نفاه عنها، فما من نفى لصفة ما إلا وهو يثبت كمالًا مقابلًا لذلك النفى، وهذا من عظمة الله تعالى وتمام كماله وصمديته، هذا والله تعالى أعلم. فكلماته تعالى لا انقضاء لها، ولا تعد ولا تحصى.

стр. 245

قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]. وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. ثم إن ما ذهب إليه الصاوي في بيان كيفية سماع موسى ﵇ للكلام بلا صوت ولا حرف غير معقول؛ حيث فسره برفع الحجاب فعارض بذلك صريح النص في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ومعلوم أنه أتى بالمفعول المطلق هنا تأكيدًا لهذه الحقيقة فلا محيد له عنها بمثل هذا التأويل. وليس في قياسه للكلام على الرؤية ما يدفع حقيقة الإسماع المعلومة بل كان من الأفضل أن يؤيد بذلك هذه الحقيقة، فكما جازت رؤية الحادث للقديم بلا تمثيل ولا تكييف؛ جاز سماع كلامه أيضًا كما ينبغى لجلال وجهه وعظيم سلطانه، بلا تمثيل ولا تكييف. (١) وأما زعمه بأن الكلام يطلق مجازًا على القرآن وليس على جهة الحقيقة؛ فهو يرجع إلى اعتقاد أن معناه من الكلام القديم أما لفظه فحادث مخلوق، أنزل من عند الله إعجازًا. وهذا فيه مجانبة للحقيقة؛ لأن القرآن الكريم كلام الله تعالى لفظًا ومعنى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وفى هذا دليل بيِّن "على أن ما نتلوه ونسمعه هو حقيقة كلام الله تعالى، وليس بعبارة عنه" (٢) وإن كان الصاوي لم يلتزم ما التزمه بعض الأشاعرة من نسبة الألفاظ للنبي ﷺ ، أو لجبريل ﵇ ابتداءً؛ حيث أقر بأن قولهما به إنما كان على جهة التبليغ لا

стр. 246

الإنشاء والابتداء، (١) إلا أن التصريح بإيجاده يوافق قول المعتزلة بخلقه من جهة اللفظ، فالقرآن لفظ ومعنى، ولا بد لمن تابع السلف في منع القول بخلقه أن يعمم هذا على لفظه ومعناه، وقد أنكر الإمام أحمد على من قال بهذه المقولة، وحكم عليه بالابتداع واتباع المعطلة الجهمية، وكثيرًا ما كان يستدل بهذه الآية الكريمة في هذا الصدد. (٢) وهنا يجدر التنبيه إلى الأصل الذي حمله على اعتقاد أن الله متكلم بكلام معناه واحد، فإن هذا من جملة ما ابتدع في الدين ولم يسبق إليه أحد قبل الأشاعرة، وقد استندوا في مذهبهم هذا إلى أربعة أصول متتالية: الأول: أن الله متكلم؛ وذلك لاستحالة السكوت أو الخرس عليه، فالكلام صفة كمال بدليل المقابلة ويمتنع نفيه؛ لأن نفيه يثبت ما يناقضه من النقص، فعلم وجوب اتصافه به. الثاني: أن الله متكلم حقيقة، ولا يثبت كونه متكلمًا إلا إذا قام الكلام بنفسه؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم حتى يصح نسبته إليه، وهذا هو الأصل الذي أثبتوه ردًا على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فقد بينوا أن القول بخلافه يؤدى إلى منع نسبته لله تعالى على جهة الكلام، إذ يلزم منه لوازم باطلة قد علم بطلانها بالضرورة، فإن القول بخلقه مع إثبات كونه كلامًا لله تعالى يتناقض تمامًا للأمور التالية: فإما أن يخلقه في محل، وحينئذ يكون كلامًا لذلك المحل. وإما لا يخلقه في محل، وحينها يلزم أن تقوم الصفة والعرض بنفسها، وهذا محال وإما أن يخلقه في نفسه، وهذا باطل؛ لأن يلزم منه أن تكون نفسه محلًا للمخلوقات، وقد علم امتناعه بالضرورة الشرعية والعقلية. الثالث: أن كلام الله قديم، وأنه تعالى متكلم منذ الأزل، حيث منعوا قيام الحوادث به تعالى، فقد اعتقدوا أن في إثبات قيام الحوادث به سبحانه مخالفة لأصل

стр. 247

إثباتهم وجود الباري تعالى بدليل الحدوث، فإن أصلهم في إثبات حدوث العالم قام على ركائز متتالية كلها تدعم الركيزة الرابعة وهى أصلهم المعتمد المشهور في إثبات الحدوث بأن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. ولأجل ذلك منعوا إثبات الكلام الحادث لله تعالى، واعتقدوا في إثباته قيام الحوادث به، وهذا ما قام دليلهم على خلافه، وقد سبقت الإشارة إلى وهن هذا الدليل ومخالفته لصريح المنقول والمعقول. الرابع: أن كلامه بلا صوت وحرف، وهو يرجع إلى الأصل الثالث، فلحرصهم على نفى الحدوث منعوا أن يكون كلام الله بصوت، لأن قدم الصوت ممتنع عندهم، إذ علم بالضرورة أن الصوت لا يبقى زمانين، فثبت بهذا حدوثه، وهذا ما لا يمكن عندهم قيامه بالله تعالى. ولكل ما تقدم من هذه الأصول، والتى ترجع إلى وجوب قيام الكلام بالله تعالى وإستحالة حدوثه، تعين عندهم أن يكون الكلام معنى، ليس بصوت ولا حرف. أما كونه واحدًا فـ "لأنه لو راد على واحد؛ لم يكن له حد محدود، ويمتنع وجود معانٍ لا نهاية لها" (١). وفى نقض مقولتهم بأنه معنى واحد، يتوجب بيان فساد اعتقادهم في أمرين: الأول: منعهم أن يكون كلامه تعالى بالفاظ لها صوت وحرف، لإيهام الحدوث الممتنع عندهم. الثاني: كونه معنى واحدًا. أما الأول فيكون بنقض أساس حجتهم في منع الكلام بصوت وحرف، وذلك بإثبات صحة قيام جنس الحوادث به تعالى، وهى الصفات الاختيارية، وأنه ليس في ذلك ما يمتنع معه قدم نوع الصفة، فالله تعالى متكلم منذ الأزل، ولا يزال متكلمًا بما شاء كما شاء، ويسند هذا إلى الكثير من أدلة الكتاب والسنة "فكيف يكون أزليًا

стр. 248

أبديًا ما زال ولا يزال، وكيف يكون لم يزل ولا يزال قائلًا: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨]. ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] " (١) ومن هنا امتنع وصف القرآن بالقدم، فالصحيح أن يقال فيه كما أثر عن السلف أنه كلام الله غير مخلوق. أما كونه معنى واحدًا فـ "مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فإنا نعلم بالاضطرار أن معنى آية الكرسي؛ ليس هو معنى آية الدين، ولا معنى قل هو الله أحد، هو معنى تبت يدا أبى لهب، وقد عرب الناس التوراة فوجدوا فيها معانى ليست هي المعاني التي في القرآن، ونحن نعلم قطعًا أن المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق ونحو ذلك لم ينزلها الله على موسى ابن عمران كما لم ينزل على محمد تحريم السبت، ولا الأمر بقتال عباد العجل فكيف يكون كل كلام الله معنى واحدًا؟ ونحن نعلم بالاضطرار أن الكلام معانيه وحروفه تنقسم إلى خبر وإنشاء، والإنشاء منه الطلب، والطلب ينقسم إلى أمر ونهى، وحقيقة الطلب غير حقيقة الخبر، فكيف لا تكون هذه أقسام الكلام وأنواعه بل هو موصوف بها كلها" (٢) كما أن "اشتراكها من حيث النوع لا يعني انتفاء المغايرة بينها، كما هو مشاهد في الموجودات التي تقع تحت نوع واحد، وقد ألزمهم شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - بلازم مذهبهم في باقي الصفات، فقال: "هلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه الخصائص عوارض نسبة لها؟ " (٣) وبطلان اللازم دليل بطلان ملزومه.

стр. 249

ومما يدل على مناقضة هذا الأصل المبتدع للمعقول والمنقول، ما يستلزمه من لوازم؛ إما مناقضة لأصلهم، أو فاسدة معلوم فسادها بالضرورة من دين الله، فقد أورد شيخ الإسلام ﵀ رد السلف في إفحامهم شبه المتكلمين هنا، وذلك بسماع موسى لكلام الله، فإنه على القول بأنه معنى واحد سيكون ما فهمه موسى مطابقًا لكل ما يعلمه الله، وهذا بين البطلان، ومن العجب أن يصرح الصاوي به ويلزم نفسه بلازمه. وإن قالوا ببعضه امتنع عليهم أصل حجتهم وثبت مناقضتها لبداهة المعقول (١) حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته.

стр. 250

ثالثًا: الصفة النفسية يراد بالصفة النفسية عند المتكلمين: "كل صفة إثبات للنفس، لازمة ما بقيت النفس، غير معللة بعلل قائمة بالموصوف". مثال ذلك: أن كون الجوهر متحيزًا هو: صفة إثبات لازمة للجوهر ما استمرت نفسه، وهى غير معللة بزائد على الجوهر، فكانت من صفات النفس. إذًا فالصفة النفسية هي التي لا تقدر الذات موجودة ألا بها بحيث يمتنع تصورها بدون اعتبارها. وقد أراد المتكلمون بهذه الصفة صفة الوجود لله تعالى، ولكن على اختلاف بينهم في عدها من الصفات، يقول الجويني: "والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات" (١). وللمتكلمين في منع كونها من الصفات أدلة عقلية منها ما ذكره الجويني في أن عدها من الصفات يؤدى إلى التسلسل الممتنع، يقول: "قيام الصفة الثبوتية بالشيء فرع وجوده في نفسه ضرورة، فلو كان الوجود صفة قائمة بالماهية؛ لزم أن يكون قبل الوجود لها وجود، ويلزم تقدم الشيء على نفسه، ويعود في ذلك الوجود ويتسلسل" (٢). * * * رأي الشيخ الصاوي: يرى الصاوي أن الصفة النفسية من الصفات الثبوتية؛ لأنها تعنى اتصافه تعالى بالوجود، ولكنها مع ذلك "أمر اعتبارى يعتبره الشخص ذهنًا فقط" فهى لا تثبت معنى خارجًا عن الذات، بل كل ما تثبته معنى في الذهن واللفظ فقط؛ إذ لا يمكن تقدير ذات ألا وهى متصفة بالوجود، ولا دلالة لها على غير ذلك. (٣)
следующие страницы →