الإنشاء والابتداء، (١) إلا أن التصريح بإيجاده يوافق قول المعتزلة بخلقه من جهة اللفظ، فالقرآن لفظ ومعنى، ولا بد لمن تابع السلف في منع القول بخلقه أن يعمم هذا على لفظه ومعناه، وقد أنكر الإمام أحمد على من قال بهذه المقولة، وحكم عليه بالابتداع واتباع المعطلة الجهمية، وكثيرًا ما كان يستدل بهذه الآية الكريمة في هذا الصدد. (٢)
وهنا يجدر التنبيه إلى الأصل الذي حمله على اعتقاد أن الله متكلم بكلام معناه واحد، فإن هذا من جملة ما ابتدع في الدين ولم يسبق إليه أحد قبل الأشاعرة، وقد استندوا في مذهبهم هذا إلى أربعة أصول متتالية:
الأول: أن الله متكلم؛ وذلك لاستحالة السكوت أو الخرس عليه، فالكلام صفة كمال بدليل المقابلة ويمتنع نفيه؛ لأن نفيه يثبت ما يناقضه من النقص، فعلم وجوب اتصافه به.
الثاني: أن الله متكلم حقيقة، ولا يثبت كونه متكلمًا إلا إذا قام الكلام بنفسه؛ لأن الكلام لا بد أن يقوم بالمتكلم حتى يصح نسبته إليه، وهذا هو الأصل الذي أثبتوه ردًا على المعتزلة القائلين بخلق القرآن، فقد بينوا أن القول بخلافه يؤدى إلى منع نسبته لله تعالى على جهة الكلام، إذ يلزم منه لوازم باطلة قد علم بطلانها بالضرورة، فإن القول بخلقه مع إثبات كونه كلامًا لله تعالى يتناقض تمامًا للأمور التالية: فإما أن يخلقه في محل، وحينئذ يكون كلامًا لذلك المحل.
وإما لا يخلقه في محل، وحينها يلزم أن تقوم الصفة والعرض بنفسها، وهذا محال وإما أن يخلقه في نفسه، وهذا باطل؛ لأن يلزم منه أن تكون نفسه محلًا للمخلوقات، وقد علم امتناعه بالضرورة الشرعية والعقلية.
الثالث: أن كلام الله قديم، وأنه تعالى متكلم منذ الأزل، حيث منعوا قيام الحوادث به تعالى، فقد اعتقدوا أن في إثبات قيام الحوادث به سبحانه مخالفة لأصل
стр. 247
إثباتهم وجود الباري تعالى بدليل الحدوث، فإن أصلهم في إثبات حدوث العالم قام على ركائز متتالية كلها تدعم الركيزة الرابعة وهى أصلهم المعتمد المشهور في إثبات الحدوث بأن كل ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.
ولأجل ذلك منعوا إثبات الكلام الحادث لله تعالى، واعتقدوا في إثباته قيام الحوادث به، وهذا ما قام دليلهم على خلافه، وقد سبقت الإشارة إلى وهن هذا الدليل ومخالفته لصريح المنقول والمعقول.
الرابع: أن كلامه بلا صوت وحرف، وهو يرجع إلى الأصل الثالث، فلحرصهم على نفى الحدوث منعوا أن يكون كلام الله بصوت، لأن قدم الصوت ممتنع عندهم، إذ علم بالضرورة أن الصوت لا يبقى زمانين، فثبت بهذا حدوثه، وهذا ما لا يمكن عندهم قيامه بالله تعالى.
ولكل ما تقدم من هذه الأصول، والتى ترجع إلى وجوب قيام الكلام بالله تعالى وإستحالة حدوثه، تعين عندهم أن يكون الكلام معنى، ليس بصوت ولا حرف.
أما كونه واحدًا فـ "لأنه لو راد على واحد؛ لم يكن له حد محدود، ويمتنع وجود معانٍ لا نهاية لها" (١).
وفى نقض مقولتهم بأنه معنى واحد، يتوجب بيان فساد اعتقادهم في أمرين:
الأول: منعهم أن يكون كلامه تعالى بالفاظ لها صوت وحرف، لإيهام الحدوث الممتنع عندهم.
الثاني: كونه معنى واحدًا.
أما الأول فيكون بنقض أساس حجتهم في منع الكلام بصوت وحرف، وذلك بإثبات صحة قيام جنس الحوادث به تعالى، وهى الصفات الاختيارية، وأنه ليس في ذلك ما يمتنع معه قدم نوع الصفة، فالله تعالى متكلم منذ الأزل، ولا يزال متكلمًا بما شاء كما شاء، ويسند هذا إلى الكثير من أدلة الكتاب والسنة "فكيف يكون أزليًا
стр. 248
أبديًا ما زال ولا يزال، وكيف يكون لم يزل ولا يزال قائلًا: ﴿يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨].
﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢] " (١)
ومن هنا امتنع وصف القرآن بالقدم، فالصحيح أن يقال فيه كما أثر عن السلف أنه كلام الله غير مخلوق.
أما كونه معنى واحدًا فـ "مخالف لصريح المعقول وصحيح المنقول، فإنا نعلم بالاضطرار أن معنى آية الكرسي؛ ليس هو معنى آية الدين، ولا معنى قل هو الله أحد، هو معنى تبت يدا أبى لهب، وقد عرب الناس التوراة فوجدوا فيها معانى ليست هي المعاني التي في القرآن، ونحن نعلم قطعًا أن المعاني التي أخبر الله بها في القرآن في قصة بدر وأحد والخندق ونحو ذلك لم ينزلها الله على موسى ابن عمران كما لم ينزل على محمد تحريم السبت، ولا الأمر بقتال عباد العجل فكيف يكون كل كلام الله معنى واحدًا؟ ونحن نعلم بالاضطرار أن الكلام معانيه وحروفه تنقسم إلى خبر وإنشاء، والإنشاء منه الطلب، والطلب ينقسم إلى أمر ونهى، وحقيقة الطلب غير حقيقة الخبر، فكيف لا تكون هذه أقسام الكلام وأنواعه بل هو موصوف بها كلها" (٢)
كما أن "اشتراكها من حيث النوع لا يعني انتفاء المغايرة بينها، كما هو مشاهد في الموجودات التي تقع تحت نوع واحد، وقد ألزمهم شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - بلازم مذهبهم في باقي الصفات، فقال: "هلا جعلتم هذه الصفات حقيقة واحدة، وهذه الخصائص عوارض نسبة لها؟ " (٣) وبطلان اللازم دليل بطلان ملزومه.
стр. 249
ومما يدل على مناقضة هذا الأصل المبتدع للمعقول والمنقول، ما يستلزمه من لوازم؛ إما مناقضة لأصلهم، أو فاسدة معلوم فسادها بالضرورة من دين الله، فقد أورد شيخ الإسلام ﵀ رد السلف في إفحامهم شبه المتكلمين هنا، وذلك بسماع موسى لكلام الله، فإنه على القول بأنه معنى واحد سيكون ما فهمه موسى مطابقًا لكل ما يعلمه الله، وهذا بين البطلان، ومن العجب أن يصرح الصاوي به ويلزم نفسه بلازمه.
وإن قالوا ببعضه امتنع عليهم أصل حجتهم وثبت مناقضتها لبداهة المعقول (١) حتى سمع كلامه بجميع أجزائه من جميع جهاته.
стр. 250
ثالثًا: الصفة النفسية
يراد بالصفة النفسية عند المتكلمين: "كل صفة إثبات للنفس، لازمة ما بقيت النفس، غير معللة بعلل قائمة بالموصوف".
مثال ذلك: أن كون الجوهر متحيزًا هو: صفة إثبات لازمة للجوهر ما استمرت نفسه، وهى غير معللة بزائد على الجوهر، فكانت من صفات النفس.
إذًا فالصفة النفسية هي التي لا تقدر الذات موجودة ألا بها بحيث يمتنع تصورها بدون اعتبارها.
وقد أراد المتكلمون بهذه الصفة صفة الوجود لله تعالى، ولكن على اختلاف بينهم في عدها من الصفات، يقول الجويني: "والوجه المرضى أن لا يعد الوجود من الصفات فإن الوجود نفس الذات" (١).
وللمتكلمين في منع كونها من الصفات أدلة عقلية منها ما ذكره الجويني في أن عدها من الصفات يؤدى إلى التسلسل الممتنع، يقول: "قيام الصفة الثبوتية بالشيء فرع وجوده في نفسه ضرورة، فلو كان الوجود صفة قائمة بالماهية؛ لزم أن يكون قبل الوجود لها وجود، ويلزم تقدم الشيء على نفسه، ويعود في ذلك الوجود ويتسلسل" (٢).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوي أن الصفة النفسية من الصفات الثبوتية؛ لأنها تعنى اتصافه تعالى بالوجود، ولكنها مع ذلك "أمر اعتبارى يعتبره الشخص ذهنًا فقط" فهى لا تثبت معنى خارجًا عن الذات، بل كل ما تثبته معنى في الذهن واللفظ فقط؛ إذ لا يمكن تقدير ذات ألا وهى متصفة بالوجود، ولا دلالة لها على غير ذلك. (٣)
стр. 251
وهو بذلك يزيل إشكالًا قد يتبادر إلى الذهن، إذ كيف يطلق على هذا المعنى صفة مع كونه لا يثبت وصفًا قائمًا بالذات؟ يقول: "ليس المراد بالصفة المعنى القائم بالشيء، بل ما يحكم به عليه" فعاد إلى ما سبق أن عرف به الصفة. (١)
المناقشة:
إن الأساس الذي اعتمده الصاوى في التفريق بين الصفة النفسية وصفات المعانى يرجع إلى أمر اعتبارى لا حقيقة له في نفس الأمر؛ لأنه حاول التفريق بين الصفات الثبوتية [النفسية والمعانى] بتقدير ذات فما استحال تقديرها بدونه من الصفات سماه نفسيًا، وما أمكن التقدير بدونه سماه معانى ومعنوية؛ لذلك جعل النفسية مما يثبت معنى في الذهن واللفظ على عكس المعانى؛ إذ يرى أنها تثبت معنى في اللفظ والذهن والخارج.
والحق أن هذا تقسيم لا يصح" لأن جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية، فهو عالم بنفسه وذاته، وهو عالم بالعلم، وهو قادر بنفسه وذاته وهو قادر بالقدرة، فله علم لازم لنفسه وقدرة لازمة لنفسه". (٢)
كما أن هذه التسمية لوجود الله تعالى مما لم يرد به الشرع؛ لذا وجب الإعراض عنها، ويرى الشيخ الشنقيطى - صاحب أضواء البيان ﵀ أن فيها إضافة لما سبق سوء أدب مع الله تعالى؛ لأن الصفة النفسية لا تكون إلا جنسًا أو فصلًا, وهذا مما لا يجوز في حق المولى ﵎؛ لأنه تعالى لا يدخل في عداد الكليات إذ لا شريك له ولا ند ولا نظير حتى يميز بالفصل أو الجنس؛ "لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة؛ والفصل هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض. سبحان رب السموات والأرض وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا". (٣)
стр. 252
رابعًا: الصفات المعنوية
الكثير من محققى الأشاعرة يرجع المعنوية إلى المعانى؛ فلا يرى ثمة فرقًا بينهما، فمعنى [قادر]- عندهم - من قامت به القدرة، فيكون بذلك أمرًا اعتباريًا متحققًا بذاته. (١)
يقول الإيجى في بيان مذاهب المتكلمين في إثبات الصفات المعنوية: "المعنوية ما يصح توهم ارتفاعه عن الذات مع بقائها.
وهؤلاء قد قسموا الصفة المعنوية إلى: معللة كالعالمية والقادرية ونحوهما، وإلى غير معللة كالعلم والقدرة وشبههما، ومن أنكر الأحوال منا أنكر الصفات المعللة، وقال: لا معنى لكونه عالمًا قادرًا سوى قيام العلم والقدرة بذاته". (٢)
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوى أن المراد بالمعنوية، كون الله تعالى قادرًا عالمًا حيًا سميعًا بصيرًا. (٣)
وهو في هذه المسألة يذكر رأى من قال بها على هذه الصورة السابقة، ويذكر في المقابل رأى من أثبتها معتقدًا مباينتها للمعانى من مثبتى الأحوال، يقول: "فكونه - تعالى - قادرًا صفة قائمة بالذات، لازمة للقدرة، ثابتة في الخارج ولا ترى، وعلى كلام الأشعري صفة اعتبارية، لها ثبوت في الذهن فقط".
وعده لها عند بيانه لأقسام الصفات؛ يدل على أنه من مثبتى الأحوال (٤) وهذا واضح، حيث لم يرجح رأى الأشعري على غيره.
стр. 253
وهو يؤكد مع ما تقدم على وجوب عدها من الصفات، معتقدًا" أن تركها ربما يوقع العوام في نفى نسبتها إلى الله تعالى، وهو كفر".
ومع ذلك فإنه لا يرى لهذه الصفات تعلقًا - ولو على إثبات الأحوال - كالمعانى "لأن التعلق حال؛ وحينئذ يلزم وصف الحال بالحال". (١)
المناقشة:
الصفات المعنوية عند متأخرى الأشاعرة في الحقيقة فرع عن إثبات الأحوال، لذا كان الدردير ممن لم يعتقدوا صحة إثباتها؛ موافقة لأبي الحسن الأشعري؛ إذ لا واسطة بين الوجود والعدم، ولكن الصاوى رأى إمكان عدها من الصفات، التي تثبت معنى في الخارج والذهن معًا، وبين أن عدم إمكان رؤيتها ووجود متعلقًا لها، لا يعني عدم وجودها على جهة الحقيقة.
وهذا ما احتج به مثبتو الأحوال، حيث نفوا أن يكون عدم إمكان رؤيتها مخرجًا لها من الوجود، ولكن هذا مما يرد عليهم قولهم؛ إذ عدم رؤيتها أيضًا لا يخرجها من العدم، فتصبح بهذا في حال متأرجح بين الوجود والعدم.
ولا شك أن في إثباتها على النهج الذي سلكه الصاوى تكلفًا واضحًا؛ إذ اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما مما يحيله العقل، والوجود والعدم من المتناقضات، فلا يمكن إثبات وصف في الخارج يجمع بينهما.
يقول الشيخ الشنقيطى ﵀: ثم نذهب إلى الصفات السبع التي يسمونها المعنوية، والتحقيق أن عدد الصفات السبع المعنوية، التي هي كونه تعالى قادرًا ومريدًا وعالمًا وحيًا وسميعًا وبصيرًا ومتكلمًا، أنها في الحقيقة إنما هي كيفية الاتصاف بالمعانى السبع التي ذكرنا، ومن عدها من المتكلمين عدها بناء على ثبوت ما يسمونه الحال المعنوية، التي يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة، والتحقيق أن هذه خرافة وخيال، وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشيء ونقيضه
стр. 254
واسطة البتة؛ فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا، ولا واسطة البتة، كما هو معروف عند العقلاء" (١).
أما عن كلامه في وجوب نسبتها لله تعالى، فإن هذا حق لا مرية فيه، ولكن ليس على النهج الذي سلكه مثبتو الأحوال، وإنما تثبت لكونها من الأسماء الحسنى التي تسمى بها المولى سبحانه، وقد علم أن أسماءه تعالى أعلام وأوصاف، فهى بهذا تدل على الذات العلية، وعلى الوصف الذي اشتقت منه، فثبت اتصاف المولى تعالى بها على جهة الحقيقة؛ لكونها من الأسماء الحسنى (٢) التي تدل على صفاته بطريق المطابقة. وعليه فإن جحد أي اسم من الأسماء الحسنى، واعتقاد عدم نسبتها إلى الله تعالى؛ مع ورد النص القاطع بذلك، هو كفر مخرج من الملة.
* * *
стр. 255
خامسًا: موقفه من الصفات الأخرى
يرجع الأشاعرة جميع الصفات الأخرى، التي ثبتت بالدليل القطعى من الكتاب والسنة إلى الصفات السبع المجمع على اعتمادها، وفى سبيل إرجاع تلك الصفات كاليد والوجه والاستواء والنزول إلى ما تقدم من صفات المعانى، فإنهم يعمدون إلى التأويل؛ حتى يتم لهم مرادهم في ذلك، ولهم في منع إثباتها على الحقيقة شبه، لعلى أشير إلى أهمها هنا؛ لمحل التلازم بين المنهج والنتيجة:
- انعدام الدليل العقلى - عندهم - الذي يحصل به اليقين في اعتماد إثباتها، وقد اتفقوا على أن أصول الاعتقاد مما يستقل العقل بالدلالة عليه.
- قيام الدليل العقلى - عندهم - على اعتقاد أن في اعتماد النصوص التي دلت عليها على ظاهرها ما يقدح في الأصل الذي قام عليه إثبات وجود الباري تعالى، وهو تنزيه المولى عن مماثلة المخلوقين.
ولكل ما تقدم فقد اعتمدوا منهج التأويل أو التفويض؛ لدفع إثبات ما تقتضيه النصوص الشرعية، التي تضمنت تلك الصفات.
يقول الآمدي في بيان هذه الحجج، وذلك بعد أن أورد الأدلة القرآنية التي تضمنت إثبات هذه الصفات: "واعلم أن هذه الظواهر وإن وقع الاغترار بها، بحيث يقال بمدلولاتها، ظاهر من جهة الوضع اللغوى، والعرف الاصطلاحى، فذلك لا محالة انخراط في سلك نظام التجسيم، ودخول في طرف دائرة التشبيه، وسنبين ما في ذلك من الضلال وفى طيه من المحال إن شاء الله بل الواجب أن يقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
فإن قيل بأن ما دلت عليه هذه الظواهر من المدلولات وأثبتناه بها من الصفات ليست على نحو صفاتنا، ولا على ما نتخيل من أحوال ذواتنا، بل مخالفة لصفاتنا كما أن ذاته مخالفة لذواتنا، وهذا مما لا يقود إلى التشبيه ولا يسوق إلى التجسيم،
стр. 256
فهذا وإن كان في نفسه جائزًا، لكن القول بإثباته من جملة الصفات يستدعى دليلًا قطعيًا، وهذه الظواهر وإن أمكن حملها على مثل هذه المدلولات، فقد أمكن حملها على غيرها أيضًا، ومع تعارض الاحتمالات وتعدد المدلولات فلا قطع، وما لا قطع عليه من الصفات، لا يصح إثباته للذات" (١).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يرى الصاوى أن الصفات الأخرى التي وصف الله تعالى بها نفسه، إنما ترجع في الحقيقة إلى تلك الصفات السابقة، لذا فهو لا يرى تقريرها في كتب العقائد التي قام بالتعليق عليها، وهذا ما صرح به في تعليقه على كلام الدردير حول هذا المعنى، حيث قال: فـ "سائر أسمائه وصفاته الواردة، نتائج تلك الصفات". (٢)
ولاعتماده على الأصل الذي ذكره فيما يجب في حق الله تعالى، وهو تنزيهه تعالى عن مماثلة الحوادث، فإنه ما من نص من كتاب ولا سنة يفيد إثبات صفة لله تعالى فيها ما يوهم - عنده - مخالفة لهذا الأصل المبتدع، إلا ورام إبطالها وتنزيه المولى عنها، وله في ذلك مسلكان: مسلك التأويل، ومسلك التفويض.
يقول شارحًا قول اللقانى -:
وكل نص أوهم التشبيها ... أوله أو فوض ورم تنزيها
وعليه فإن موقفه من التأويل يختلف بحسب الصفة، فما اعتقد أن في ظاهرها مماثلة للحوادث، وكان لها تعلق بالإرادة، أرجعها إليها أو فسرها بلازمها (٣) ويذكر لذلك قاعدة تمثل منهجه في إثباتها، يقول: كل ما استحال على الله باعتبار مبدئه وورد، يطلق ويراد لازمه وغايته" (٤)
стр. 257
وأذكر هنا مجموعة من تأويلاته لبعض الصفات، تمثل تطبيقًا لهذه القاعدة:
* المحبة: فسرها بالإثابة، يقول: "فسر المحبة في حق الله بالإثابة، لأن حقيقتها وهى ميل القلب للمحبوب مستحيلة في حق الله تعالى، والإثابة لازمة لذلك" (١)
* الرحمة والرضا: فسرها بإرادة الإنعام أو الإنعام: ارحمنا أي أنعم علينا" (٢)
* الحياء: فسره بالترك، يقول: "الحياء في حق الحوادث تغيير وانكسار يعترى الإنسان من فعل ما يعاب. ولازمه الترك، فأطلق في حق الله وأريد لازمه وهو الترك" (٣)
* المقت والغضب: فسرهما بلازمهما وهو الانتقام. (٤)
ويستمر في هذا المسلك مع كل صفة اعتقد فيها مماثلة للحوادث.
- فصفة العلو لله تعالى التي وردت في كثير من النصوص، يرى أنها من صفات السلوب، والذي تفيده هو ارتفاع رتبة المولى تعالى، فينزه بذلك عن مماثلة المخلوقين، وليست مما يثبت صفة العلو الذاتى لله تعالى على الخلق، كل هذا فرارًا من إثبات الجهة التي يعتقد أنها من الصفات الملازمة للأجسام. (٥)
أما الصفات التي ترجع دلالتها إلى السمع فقط وهى: "الخبرية الذاتية والفعلية" والتى يعتقد فيها مماثلة للحوادث من حيث الاتصاف بالجرمية أو العرضية، فله مسالك عدة في إبطال دلالة النصوص عليها، كلها ترجع إلى التأويل أو التفويض:
وهاك جملة من أقواله فيها:
- الاستواء: يذكر طريق السلف والخلف فيها، حيث علق على تفسير السيوطي:
стр. 258
بأنه استواء يليق به، فقال: "هذه إشارة لطريق السلف الذين يؤمنون بالمتشابه ويفوضون علمه لله تعالى وهو أسلم ولذا سلكه المفسر، وطريقة الخلف يؤولون الاستواء بالاستيلاء، إذ هو أحد معنى الاستواء. ومنه قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق" (١)
- الإتيان والمجيء والنزول: كل هذه الصفات يرى أنها مما لا يمكن إثباتها على ظاهرها بحال، لأن فيها وصف له تعالى بالانتقال، وهذا عنده من صفات الحوادث التي لا تجوز للقديم أبدًا، لذا فهو يؤولها بمجيء أمره أو نزول رحمته تعالى على حسب الأحوال التي وردت فيها هذه الصفات. (٢)
- الوجه: فسره بالرضا عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
"فليس المراد بوجهه ذاته، بل المراد أينما تولوا وجوهكم في جهة أمركم الله بها تجدوا جهة رضاه". (٣)
- أما في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] فهو يقر تفسير الجلالين بأن المراد منه الذات، ويظهر ذلك من امتناع تعليقه على كلامه. (٤)
- اليد: يفصل القول في طريق إثباتها، فيقول: "طريقة السلف أن اليد صفة من صفاته أزليه كالسمع والبصر، ينشأ عنها الخير لا الشر، فهى أخص من القدرة، لأن القدرة ينشأ عنها جميع الممكنات إيجادًا وإعدامًا، خيرًا أو شرًا ولا يعلمها إلا هو، ويشهد لما قلناه قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥].
أي: اصطفيته ولم يقل بقدرتى.
стр. 259
وطريقة الخلف أن اليد تطلق بمعنى الجارحة وهى مستحيلة على الله، وتطلق على القدرة والنعمة والملك، ويصح إرادة كل منهما في حق الله "وفى الإجابة عن اعتراض التثنية، يقول: "التثنية بحسب الجنس، لأن النعم جنسان مثل نعمة الدنيا ونعمة الدين .. وما قلناه عقائد المؤمنين" (١)
- القدم: يقول: "السلف ينزهونه عن الجارحة ويفوضون علمه إلى الله تعالى، والخلف لهم فيها تأويل منها أن المراد بالقدم والرجل قوم من أهل النار في علم الله؛ لأن القدم والرجل يطلقان في اللغة على العدد الكثير من الناس، فكأنه قال: حتى يضع رب العزة فيها العدد الكثير من الناس المودعين فيها". (٢)
- الساق: يقول في معنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]: "كناية عن الشدة" واستدل بقول ابن عباس ﵄ بأن الساق هنا هو الشدة، وفى الإجابة عن الإشكال الذي يورده الاستدلال بحديث أبى سعيد الخدري ﵁ الذي يمتنع فيه إرادة المجاز، ويتحتم القول بالحقيقة، يرى أنه يؤول بالكشف عن الحجاب، فيرون الله تعالى، فيكون الساق عائدًا إلى الذات العلية. (٣)
* * *
المناقشة:
قبل المناقشة التفصيلة لما تناوله الصاوى من الصفات بالتأويل، لا بد أولًا من وقفة يسيرة لبيان ضلال منهجه في اتباع التأويل، فمع تقدم الحديث عن هذه القضية بما فيه الكفاية؛ إلا أنه لمحل التلازم تجدر الإشارة إلى بعض ما يترتب على ذلك المسلك البدعى من لوازم فاسدة؛ تقضى بفساد ملزومها، وأدع الكلام في هذا للعلامة الشنقيطى ﵀: "واعلموا أن هنا قاعدة أصولية أطبق عليها من يعتد به
стр. 260
من أهل العلم، وهى أن النبي ﷺ لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولا سيما في العقائد، ولو مشينا على فرضهم الباطل أن ظاهر آيات الصفات الكفر؛ فالنبى ﷺ لم يؤول الاستواء بالاستيلاء ولم يؤول شيئًا من هذه التأويلات ولو كان المراد بها هذه التأويلات لبادر النبي ﷺ إلى بيانها؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة، فالحاصل أنه يجب على كل مسلم أن يعتقد هذا الاعتقاد، الذي يحل جميع الشبه، ويجيب عن جميع الأسئلة، وهو أن الإنسان إذا سمع وصفًا وصف به خالق السموات والأرض نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، فليملأ صدره من التعظيم، ويجزم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والجلال والشرف والعلو ما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون القلب منزهًا معظمًا له جل وعلا، غير متنجس بأقذار التشبيه، فتكون أرض قلبه قابلة للإيمان والتصديق بصفات الله التي تمدح بها". (١)
- أولًا: صفة الرحمة والغضب والمحبة:
يرى الصاوى كما تقدم، أن هذه الصفات مما يوهم ظاهرها مماثلة الحوادث، لذا التزم بصرفها عن ظاهرها وتأويلها بما يمنع تلك المماثلة، ولما كان لها تعلق بالإرادة فسرها بها أو بما يلزم منها، فالرحمة إرادة الإنعام أو الإنعام وهكذا ..
وحجته في ذلك تنزيه الله تعالى عن مماثلة الحوادث.
ولنقض هذه الشبهة التي كانت سببًا لتحريف الكثير من نصوص الصفات، أقول: ليس في إثبات صفة الرحمة والمحبة والغضب ما يوجب مماثلته تعالى لخلقه، فقد أجمعت الأشاعرة ومنهم الصاوى على إثبات صفة الإرادة إلى غيرها من صفات المعانى، ولم يحملهم هذا الإثبات على اعتقاد مماثلتها لصفات المخلوقين، فكما تأتى لهم إثباتها على هذا الوجه، كان لازمًا لهم إثبات كل ما ثبت من صفات الله ﵎ دون تمثيل ولا تعطيل؛ لأن القول في بعض الصفات كالقول في الآخر (٢).
стр. 261
وتتضح المسألة أكثر عند بيان الأساس الذي بنى عليه الصاوى وجود المماثلة في هذه الصفات، فإن الشبهة التي اعتمدها الصاوى، وهى مماثلة الحوادث، قد استندت في الأساس إلى قياس القديم على الحادث، وهذا مما لا يجوز تعميم أحكامه في حق الباري تعالى (١)، لما يترتب عليه من نتائج باطلة، وذلك أنه حين أخذ يفصل طريقته في التأويل ابتدأ أولًا بالمراد من الصفة، فقال مثلًا: المحبة ميل القلب للمحبوب، وهذا مستحيل في حق المولى تعالى.
وقال عن الحياء: هو انكسار وتغير، يعترى صاحبه مما يستحيى منه، والله تعالى منزه عن ذلك.
فكانت طريقته مبنية على بيان حال العبد المتصف بهذه الصفة، وما يلحقه حال اتصافه بها، مما يدل على نقصه وحاجته، ومن ثم تنزيه المولى تعالى عنها.
ولا شك أن هذا مما لا أساس له من الصحة يسنده، فلا يجوز تمثيل صفة المولى تعالى بصفات المخلوقين، ثم الاستدلال على وجوب تأويلها بما يعترى المخلوق حال اتصافه بها؛ لأنه ﵎ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعقيدة أهل السنة والجماعة تقوم على إثبات ما أثبته تعالى لنفسه من غير تمثيل، دل على هذا الأصل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فما أوقع المتكلمين في هذا الاضطراب؛ إلا بعدهم عن المنهج الربانى الذي أمرنا المولى باتباعه في كتابه، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالصفة يفهم معناها؛ لأن الله تعالى إنما خاطبنا بلسان نفهمه، وأمرنا بتدبر آياته ومعانيه، ولكنه مع ذلك نبهنا إلى أمر مهم، وهو أنه ﵎ ليس كمثله شيء، ولا في شأن من شؤونه. (٢)
وبهذا تكون صفة الرحمة والمحبة والحياء والغضب والانتقام، كلها مما يثبت لله
стр. 262
تعالى على جهة الحقيقة، كما هو عليه مذهب أهل السنة والجماعة، فتثبت النصوص الدالة عليها بلا أدني تحريف يحيل معناها.
وكما استند هذا المعتقد في الأصل إلى الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة التي تقرر إثبات هذه الصفات، فإنه أيضًا يستدل لها بالدليل العقلى المستمد من الأدلة الشرعية، وهو دليل الكمال الذي يحتم إثبات كل صفة هي من الكمال المطلق لله تعالى، كما أشرت إلى هذا من قبل.
وتأتى تبعًا لهذه الصفات التي تأولها، والتى تعد عند المتكلمين من الصفات الخبرية المحضة التي لا يتأتى الاستدلال عليها إلا بالعقل:
- صفة العلو، حيث عمد الصاوى كغيره من المتكلمين إلى إثبات هذه الصفة على الوجه الذي اعتقد فيه تنزيه المولى تعالى، فتأولها ولم يثبتها على جهة الحقيقة، بالرغم من تضافر الأدلة: عقلية، وسمعية، وفطرية على إثباتها وفق ما يقتضيه ظاهر اللفظ.
وكانت حجته، كحاله في كل ما تأوله من الصفات: مماثلة الحوادث، ويحدد وجه المماثلة بأن في إثباتها على الحقيقة ما يستلزم اتصافه تعالى بالجسمية والتحيز؛ لأن العلو جهة، ولا يوصف أحد أنه في جهة؛ إلا إذا كان جسمًا يمكن له التحيز.
- وقد تصدى علماء الأمة من السلف الكرام لدحض مثل هذه الشبه، فقد بين شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - أن في هذه الألفاظ التي يطلقها المتكلمون من أنواع المحدثات في الدين، والواجب على من عرضت له أن يفصل القول فيها؛ لأنها من الأمور المجملة التي يشمل ردها أو إثباتها على حق وباطل، لذا تحتم تفصيل القول فيها.
وقد سبق لي عرض هذه المسألة بشيء من الإيجاز، ولى أن أعرض الآن كلام شيخ الإسلام الذي تناول فيه الرد على هذه الشبهة بموضوعية لا يردها إلا صاحب هوى، قال ﵀: يقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود
стр. 263
مخلوق؟ فالله ليس داخلًا في المخلوقات، أم تريد بالجهة ما وراء العالم؟ فلا ريب أن الله فوق العالم بائن من المخلوقات.
وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العالم؟ أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات؟ . فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل". (١)
ونصل من هذا إلى أن وصف الله تعالى بأنه فوق العالم مباين للمخلوقات، مما قد استقر في العقول والفطر، وليس في إثباته ما يلزم منه مماثلته تعالى للحوادث.
وهذا مما لا يداخله شك في قلب كل من سلمت فطرته من مثل هذه الشبه التي أثارها المتكلمون، ولم تكن لتقوى على دفع هذه الحقيقة المستقرة في النفوس. (٢) فالموحدون أجمعون من العرب والعجم، إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم". (٣)
ولما كان الاستناد إلى النصوص الشرعية، هو الأصل الذي اعتمده أهل السنة والجماعة في إثبات صفاته تعالى؛ اهتم علماء السلف ﵏ بإبراز الأدلة الشرعية مع بيان وجه دلالتها على إثبات هذه الصفة، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظمته. ومع صعوبة حصرها إلا أنه يمكن الإشارة إلى أبرزها دلالة: فوصفه تعالى بالعلو، والاستواء، وعروج الملائكة، وعروج العمل الصالح إليه، وأنه تعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل؛ لإجابة الدعاء، وكشف البلاء، وأنه سبحانه في السماء، كل ذلك مما يؤكد حقيقة اتصافه تعالى بهذه الصفة، التي تدل على كمال من اتصف بها، وعظمته، وسلطانه.
стр. 264
فتحصل من كل ما سبق أنه لا يمكن حصر الصفة على معنى التنزيه، أي: "إثبات العلو المعنوى" فقط، بل لا بد من الإيمان بأنها تثبت صفة العلو الذاتى أيضًا، كما ينبغى لجلاله :
الأحد الفرد القدير الأزلى ... الصمد البر المهيمن العلى
علو قهر وعلو شان ... جل عن الأضاد والأعوان
كذا له العلو والفوقية ... على عباده بلا كيفية (١)
* * *
والآن مع الصفات التي يتأتى إثباتها من جهة الخبر فقط، فلا يمكن الاستدلال عليها بغيره من الأدلة العقلية أو الفطرية:
أولًا: الصفات الخبرية الفعلية:
* الاستواء:
يعرض الصاوى في هذه الصفة، كمنهجه فى بعض الصفات الخبرية، طريقة السلف والخلف في معناها، ويرى أن معتقد السلف فيها هو التفويض، وينعته بالسلامة؛ لعدم تعيين معنى مراد، أما الطريقة التي اعتقد فيها الحكمة، فهى التأويل الذي يعني تحديد معنى معين، ورأى أن الاستيلاء هو أحد معانى الاستواء الذي يقتضى تنزيه المولى تعالى من تلك المعانى التي يحتملها لفظ الاستواء.
وقد سبق لي بيان خطأ الصاوى في فهمه لمنهج السلف - رضوان الله تعالى عليهم - إذ حقيقة التفويض فيه إنما ينحصر في معرفة الكيفية، وهذا ما دل عليه الإمام مالك ﵀ حيث قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". (٢)
стр. 265
وعليه فإن معنى الاستواء مفهوم؛ إذ القرآن إنما أتى ليخاطب الناس بما فهموه من لغة العرب، فلا تفويض في المعنى، يقول الإمام ابن عبد البر ﵀: "الاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله حيث قال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] ". (١)
وعلى هذا المعنى الذي فهمه السلف من الاستواء، لا مكان لما ادعاه الصاوى من حصول المماثلة للحوادث، بل المعنى الذي رأى أن في حمل الاستواء عليه ما يخرج به من هذا اللازم عنده، ما هو ملزم لما فر منه. وذلك أنه لا يكون الاستيلاء إلا إذا وجد المنازع، فهل يجوز وصف الرب تعالى المنفرد بالربوبية والإلهية بهذا المعنى الذي يلزم منه وجود منازع له تعالى؟ وهذا ما أنكره ابن الأعرابى - أحد أئمة اللغة من السلف بالكوفة (٢) - حين اعترض عليه لتفسيره لمعانى الاستواء، وفق ما ورد، فقال: "هو على عرشه كما أخبر، فقيل - أي السائل - يا أبا عبد الله: ليس هذا معناه، إنما معناه: استولى، فقال: أسكت ما أنت وهذا؟ لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، فإذا غلب أحدهما قيل: استولى". (٣)
وبهذا يعلم أن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، لأنها موافقة لمقتضى الإيمان والتسليم بما ورد في الكتاب والسنة، وليس فيها ما يلزم منه معارضتهما ولو بوجه من الوجوه، وفى وصفها بالسلامة دون الحكمة جمع بين النقيضين، يقول الشيخ العثيمين (٤) ﵀: إن مما يلزم وصفهم لطريقة السلف بالسلامة أن تكون
стр. 266
الحكمة ثابتة لها" إذ لا سلامة إلا بالعلم والحكمة: العلم بأسباب السلامة، والحكمة في سلوك تلك الأسباب". (١)
* صفة النزول، والمجيء، والإتيان:
كانت هذه الصفات أيضًا مما اعتقد الصاوى وجوب تنزيه المولى تعالى عن ظاهرها؛ لذا قام بتأويلها وفقًا لهذا الأصل الذي اعتمده في سائر الصفات الخبرية، حيث أوَّل النزول الذي وصف به المولى تعالى بنزول أمره أو رحمته، كذلك الآيات الكريمة التي أخبرت عن مجيء الله ﵎ إلى الحساب، فحمل النصوص أمرًا لم ترد بإثباته، وخرج بذلك عن المسلك السديد فيها.
أما تأويل النزول - الذي ورد في الحديث الشريف الذي قال فيه المصطفى ﷺ : (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، يقول: من يدعونى فاستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟ ). (٢) - بنزول الرحمة، فهذا مما يعارضه نص الحديث، وذلك لأن رحمه الله تعالى لم يرد تخصيص إنزالها في وقت دون وقت (٣)، بل قد دلت النصوص الشرعية على أن الرحمة مما يتوالى نزوله على العباد، فنزول المطر الذي لا يخصص نزوله بوقت هو من رحمة الله تعالى، قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠].
كما أن في تأويل النزول بالرحمة مناقضة لأصل منعه صفة العلو الذاتى لله ﵎، فإثبات إنزاله تعالى للرحمة دليل واضح على كونه تعالى في علو.
стр. 267
ثم كيف يصح نسبة الكلام إلى صفة من صفات الذات العلية، فإن طلب الدعاء الوارد في الحديث الشريف مما يؤكد وجوب نسبة النزول للرب تعالى، كما يليق بجلاله لا إلى صفة هي من آحاد صفاته الذاتية.
هذا مع أن الرحمة مما لا يتوقف نزوله إلى السماء الدنيا، بل هي مما ينزل إلى الأرض ويعم من فيها في كل وقت بإذن الله (١)، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
هذا والإمام ابن القيم ﵀ يشنع كثيرًا على من اعتقد في إثبات النزول للمولى تعالى ما يوهم مماثلته لنزول المخلوقين، وقد استدل على ذلك بالحديث السابق والتصريح فيه بنسبة النزول إلى الرب تعالى، مما يدل على إرادة الحقيقة، ويدفع توهم المجاز بحال، هذا وفى كثرة رواته من الصحابة الذين بلغ عددهم قرابة الثلاثين دليل أيضًا على تكرر ذلك من المصطفى في كل مكان، دون أن يكون ثمة حرج وقع منه أو منهم في الإخبار عن الرب بذلك، كل هذا يؤكد المصداقية التي التزمها السلف في فهم مثل هذه النصوص، التي تدل على مدى التسليم بكل ما أخبر به المصطفى ﷺ . (٢)
- وكذلك تأويل المجيء والإتيان لله تعالى، كما ينبغى له سبحانه بمجيء الأمر، مما لا تؤيده تلك النصوص التي ورد فيها، بل كل ذلك هو من قبيل التأويل الذي لا يستند إلى قرينة لا من داخل النص ولا من خارجه؛ فكله في الحقيقة إنما يرجع إلى تحكم محض، لا تقبله قواعد اللغة العربية التي بها نزل القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].
- فالنصوص الشرعية إنما تدل حقيقة على مجيء المولى للفصل يوم القيامة، وبهذا فسر أئمة السلف هذه الصفات، بلا تكييف ولا تحريف. (٣)
стр. 268
ثم إن في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، ما يؤكد هذا ويدل عليه، يقول الإمام ابن القيم: "ففرق بين إتيان الملائكة وإتيان الرب وإتيان بعض آيات ربك، فقسم ونوع، ومع هذا التقسيم يمتنع أن يكون القسمان واحدًا فتأمله". (١)
* * *
- ثانيًا الصفات الخبرية الذاتية:
* صفة الوجه:
يلتزم الصاوى حيال هذه الصفة منهج التأويل، ولكن على ما يراه مناسبًا، فهو يؤولها بحسب النص الذي وردت فيه، فتارة يرى أنها تأول برضاه، وفي حين يمتنع عليه مثل هذا التأويل، كما هو في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧] يتوقف فلا يعلق بشيء، مما يشعر بإقراره تفسير الجلالين من قبله، حيث فسر الوجه بالذات، كما هو عند عامة المتكلمين.
وفى كلتا الحالتين هو مجانب للصواب؛ لأنه خالف ما عليه السلف من وجوب الإيمان بها، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية، بلا تكيف ولا تمثيل. وهذا ما حكى الإجماع عليه الإمام ابن خزيمة (٢) حيث قال: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر، مذهبنا أن نثبت لله تعالى ما أثبته الله لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا، ونصدق ذلك بقلوبنا". (٣)
* صفة اليد:
هنا يذكر الصاوى على جهة التفصيل مذهب السلف والخلف من المتكلمين، ولكنه يمل إلى رأى المتكلمين في المسألة، يوضح هذا رده على من احتج
стр. 269
من السلف بدلالة التثنية على إرادة الحقيقة، بأن هذه التثنية قد يراد بها الجنس مثل نعمة الدنيا والآخرة.
والحق أنه قد أصاب عند عرضه لرأى السلف في هذه الصفة ولكنه أخطأ عند إقراره لما عليه المتكلمون. نعم هناك نصوص فسرت فيها اليد بالذات كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. أيضًا فسرت هنا اليد بالقوة، كما هو عليه عامة المفسرين، وهذا التأويل مما يقتضيه السياق، وتحدده القرينة، فلا تحكم فيه بمجرد الرأى. (١)
فاليد هنا أتت بصيغة الجمع، وقد علم من لغة العرب أن اليد إذا جمعت قد يراد بها الذات أو القدرة أو القوة أو الكرم، ومن جهة أخرى فإن اليد في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ إضافة للعمل إليها، دون تعدية بالباء، وفى هذا دلالة صريحة على أن المراد بها هو ما يفهم من قوله خلقنا وعملنا، كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
وكذلك اليد في قوله تعالى: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾، فإنها أتت بصيغة الجمع مع عدم إضافتها له تعالى، وهذا ما يحمل المراد بها على القوة أو القدرة. (٢)
أما الآية الكريمة التي بين الله تعالى فيها امتنانه على آدم ﵇ بخلقه له بيديه الكريمتين، فلا يمكن بحال أن تؤول بالقدرة؛ لأنه يمتنع ذلك التأويل من عدة وجوه:
- التثنية في قوله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]: فإرادة التثنية في اللغة مانعة من احتمال المجاز، وبهذا يكون التأويل الذي ذكره الصاوى لا يستقيم له في نقض حجة السلف؛ لأن ما خرج به تأويل اليدين بالنعمتين ليس من لغة العرب، ولا هو معهود من كلامهم، وهذا ما روى عن الإمام أحمد في إنكاره على
стр. 270
من قال بذلك، حيث قال: "من زعم أن يداه نعمتاه كيف يصنع بقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مشددة". (١)
- دخول الباء التي تفيد تعديت الفعل إليها.
- أنه تعالى إنما قال ذلك بصيغة الامتنان على آدم موبخًا بذلك إبليس الذي امتنع عن السجود له، يقول الشيخ السعدى: "أي شرفته وكرمته واختصصته بهذه الخصيصة، التي اختص بها عن سائر الخلق" (٢)
وعلى القول بتأويل اليد بالقدرة أو النعمة، امتنع هذا الاختصاص الذي كان لآدم ﵇ والذي يقتضى عدم إعراض إبليس عن السجود له عند الأمر به، فثبت بهذا امتناع التأويل وإرادة الحقيقة، وهى اليدين، كما ينبغى لجلال الله تعالى وعظيم سلطانه.
- تضافر الأدلة التي تؤكد اتصاف المولى تعالى بهذه الصفة، فإلى جانب الآيات والأحاديث التي نصت على اتصاف المولى تعالى باليد، هناك أدلة أو صفات تؤكد ذلك، كاتصافه تعالى باليمين والكف والإصبع والقبضة، مما لا يباع مجالًا للشك في نسبة هذه الصفة للمولى تعالى، كما يليق بجلاله وعلو شانه، وإرادة تأويل كل هذه النصوص للخروج من هذا الإلزام، فيه تعنت واضح، لا تسىنده دلالة النصوص السابقة، وإعمالها على ظاهرها هو ما كان عليه أئمة السلف - رضوان تعالى عليهم أجمعين -. (٣)
* صفة القدم:
يجمل الصاوى رأى السلف هنا بإرادة التفويض، وتنزيه المولى عن المعنى الظاهر، كما قد عهد منه؛ استنادًا إلى أن في ذلك إثبات الجارحة لله تعالى - كما يرى - ثم يرجح تأويل القدم بالقوم الكثر من أهل النار، الذين يوضعون فيها فتقول
стр. 271
قط قط. ولكن هذا الذي ذهب إليه لا يقره الحديث الذي وردت فيه هذه الصفة، وذلك أن قول النبي ﷺ : (إن جهنم لن تمتلئ حتى يضع الجبار قدمه فيها فتقول: قط قط). (١) يمنع من إرادة المجاز، فنسبة القدم للرب تعالى صراحة (٢)، مع عدم وجود القرينة الصارفة، تدل على استحالة ما ذكره الصاوى من أن القدم هنا هي القوم الكافرين من أهل النار؛ إذ لا سند له في ذلك، بل القرائن تحف إرادة الحقيقة، وذلك أنه يستحيل إضافة الكفار إلى الله تعالى هكذا مباشرة؛ لأن "إضافة الشيء إلى الله تكريم وتشريف". (٣)
هذا وقد علم أن طلب النار للمزيد يكون بعد أن يلقى فيها جميع أهلها من الكفار، فكيف يقال بأن القدم هنا هم قوم من الكفار؟ (٤)
فيتحتم بعد العلم بامتناع ما ذهبوا إليه أن تجرى هذه الصفة "مجرى بقية الصفات، فتثبت لله على الوجه اللائق بعظمته سبحانه". (٥)
* الساق:
هذه الصفة الكريمة وردت في القرآن الكريم، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، وفي السنة المطهرة في الحديث الشريف، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا. . . إلخ). (٦)
ولكن بعض المفسرين من السلف ذهب إلى تفسير الساق في الآية الكريمة بمعنى الشدة، وهذا المعنى مما عهد عند العرب ومما أثر عن ابن عباس - رضي الله تعالى
стр. 272
عنهما -. (١) وقد أيد الصاوى هذا التأويل؛ مستدلًا بتأويل حبر الأمة، ولكنه لوقوفه على الحديث الشريف حيث رواه مطولًا في التفسير، رأى أنه لا يمكن تأويل الساق بشدة الموقف، وذلك لتصريح الخبر بنسبة الساق إلى الرب تعالى (٢)، فاختار أن يكون الكشف هنا عن الحجاب، ولكن هذا التأويل لا تسنده لغة العرب، وليس هو مما عهد عنهم، وإنما كان محاولة من الصاوى للخروج من الإلزام الذي وجد نفسه لا يستطيع التخلص منه بتأويل الساق في الحديث بالشدة، كما فسرت الآية الكريمة من بعض العلماء.
والحق أن الساق في الآية الكريمة إنما هو صفة من صفات الرحمن، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فيحمل المتشابه على المحكم؛ لأن الحديث قد أوضح المراد على جهة لا تدع لإرادة المجاز سبيلًا إلى النص.
وذلك أنه مما قد تقرر في الأصول أن السنة المطهرة هي المرتبة الثانية من مراتب التشريع بعد القرآن الكريم، فهى مفسرة لما أبهم، مبينة لما أجمل؛ لهذا فإن الكثير من السلف قد فسر الساق في الآية الكريمة بإثبات الصفة للمولى تعالى بما يليق بجلاله وعظمته؛ استدلالًا بالحديث الشريف، ولا بد من بيان أمر مهم نبه إليه الإمام ابن القيم ﵀ أنه لم يحدث النزاع بين الصحابة على إثبات الصفة نفسها، وإنما في دلالة الآية القرآنية على إثباتها، أما من بلغه الحديث من الصحابة الكرام - رضوان الله تعالى عليهم - فلم يثبت عن أحد منهم أنه أراد حمله على غير ظاهره، هذا وقد حكى الإمام حجة من أثبت الصفة من الآية الكريمة من لغة العرب أنفسهم ورد قول من فسرها بكشف الشدة، فقال: "فإن لغة القوم أن يقال: كشفت الشدة عن القوم لا كشفت عنها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ [الزخرف: ٥٠] " (٣)
стр. 273
الفصل الرابع: آراؤه في الإيمان
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: حقيقة الإيمان الشرعية.
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان.
المبحث الثالث: مسائل الأسماء والأحكام.
стр. 274
تمهيد
من أهم ما اختص به منهج السلف - رضوان الله تعالى عليهم - عن مناهج غيرهم من أهل الأهواء والبدع: [الوسطية]، ذلكم المعلم البارز الذي يمثل أقوى الدعائم التي يرتكز عليها مذهب السلف الصالح، ولعل القضايا المتعلقة بالإيمان جملة وتفصيلًا، تعد من أهم المسائل التي تظهر فيها شيمة الاعتدال والوسطية، فالإيمان عند السلف: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
فبإدخالهم العمل في مسمى الإيمان؛ خالفوا أهل التفريط من المرجئة الذين أخرجوا العمل من الإيمان، وباعتقادهم حصول الزيادة والنقصان فيه دون إزالته بالكلية إذا لم يؤد النقص إلى القدح في أصل الإيمان؛ خالفوا أهل الغلو من الخوارج الذين قاموا بتكفير مرتكب الكبيرة، وكل هذه الحقائق المتعلقة بمفهوم الإيمان الشرعي إنما استقاها السلف الصالح من معين الكتاب والسنة، ذلكم أنه قد استقر في أفئدتهم وعقولهم التلقى منهما والرد إليهما في كل أصل وفرع، وعليه فإن جميع المسائل التي تندرج في قضايا الإيمان إنما يعلم حقيقة رأى السلف فيها من خلال تعريفهم للإيمان، حقيقة مستوحاة من الهدى النبوى الكريم.
ولمكانة هذا الأصل: [الإيمان] حيث تقوم عليه ركائز الدين، وتبنى عليه أحكام الدنيا والآخرة (١)، ظهر النزاع فيه مع أول افتراق حدث في الأمة الإسلامية فالخوارج إنما تفرع خروجهم وانشقاقهم عن الفهم السقيم لهذا الأصل، حيث اعتقدوا أن الإيمان قول وعمل، وأنه لا يزيد ولا ينقص؛ لأن نقصانه يعني زواله بالكلية، فإنهم لما أقروا بدخول العمل في مسمى الإيمان، وظنوا أن العمل بمنزلة واحدة فسووا بين العمل الذي لا يصح إيمان المرء إلا به بسائر أنواع العمل من
стр. 275
الفروض والواجبات، وشددوا في هذا الأمر؛ حملهم هذا الغلو على اعتقاد تكفير مرتكب الكبيرة، واعتقاد تخليده في النار.
وفي مقابل هذه الفرقة، وكرد فعل لها ظهر الإرجاء، كفكر أخذ يغزو معتقد المسلمين، منددًا بمعتقد الخوارج، مضللًا إياهم، تتبناه طائفة [المرجئة] تعلن بصراحة موقفها المغاير لما التزمه الخوارج من تكفير مرتكب الكبيرة، دون معارضة لها في كون الإيمان حقيقة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصانه يعني زواله بالكلية، وإنما من جهة تعريفه، وما يقتضيه ذلك المفهوم الجديد للإيمان، الذي ظهر في معتقد هؤلاء، حيث قصروا حقيقة الإيمان على خلاف بينهم في الإقرار أو التصديق، فأخرجوا بذلك العمل من مسمى الإيمان وغايروا المعنى الصحيح له، والذي عليه السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -.
فالإيمان عندهم لا يمكن أن يدخل فيه العمل؛ لأنه لو دخل لأدى ذلك إلى نقصانه بحجة عدم إمكان الإتيان بكافة أفراد العمل، وحتى لا يحكم بكفر مرتكب الكبيرة.
ولما كان نقصان الإيمان ممتنع، لأنه يعني - عندهم - زوال الإيمان بالكلية، التزموا لذلك إخراج العمل عن حقيقة الإيمان، واعتقاد وجوب قصره على الإقرار أو التصديق دون العمل.
قد أدت هذه المفاهيم الدخلية إلى الخروج عن الحقيقة الشرعية في المسائل المتعلقة بالكفر، ذلكم أن الذين اعتقدوا حصر الإيمان في الاعتقاد قصروا ما يضاده من الكفر أيضًا على الاعتقاد دون العمل، وخالفوا بذلك صريح النص في وقوع الكفر لبعض أنواع المخالفات التي قد ترتكب بالجوارح، تمامًا كوقوعه عند مناقضة أصل الإيمان بالتكذيب أو الشك.
وهذا ما سيتضح أكثر في مناقشة المسائل المتعلقة بالإيمان والكفر عند الأشاعرة، على ضوء الكتاب والسنة بمشيئة الله تعالى.
стр. 276
وقبل البدء بذكر التفاصيل، لا بد من إدراك أمر مهم هنا، وهو أنه لم يتبلور هذا الاتجاه وتتحدد معالمه دفعة واحدة؛ لأنه - كما سبق - إنما ظهر في بداية الأمر على شكل ردود أفعال، ومر بمراحل عدة حتى صار معلمًا بارزًا للفكر الأشعري المنتشر في جهات العالم الإسلامي.
وفيما يلى مناقشة تفصيلية لمعتقدات طائفة المرجئة: وذلك ضمن مناقشتى لآراء الصاوى، تلك الشخصية التي يعد مذهبها في الحقيقة امتداد لهذه الطائفة، فالصاوى كما هو واضح أشعرى المذهب لا يكاد يخالف سلفه إلا في النزر القليل، ومن خلال المناقشة سيتم بيان ضلال معتقد الخوارج في الإيمان، وبعده كل البعد عن الحقيقة التي كان عليها سلف هذه الأمة، والتى تنبع من مصدر الهدى والنور: الكتاب والسنة.
هذا ويتمحور النقاش في المسائل المتعلقة بالإيمان حول القضايا العقدية التالية:
- حقيقة الإيمان الشرعية.
- الفرق بين الإسلام والإيمان.
- مسائل الأسماء والأحكام.
* * *
стр. 277
(المبحث الأول): حقيقة الإيمان
يمثل المذهب الأشعري في القضايا المتعلقة بالإيمان امتدادًا لفكر الإرجاء الذي ظهر في المجتمع المسلم؛ كرد فعل لما ذهب إليه الخوارج في مرتكب الكبيرة (١)، ولشيغ الإسلام ﵀ تقسيم يبين فيه أصناف المرجئة، وهم كالتالى:
١ - طائفة تزعم أن الإيمان مجرد ما في القلب، فمنهم من يدخل فيه أعمال القلوب، ومنهم من لا يدخلها كالأشاعرة والجهمية.
٢ - وطائفة تقول هو مجرد النطق باللسان، وهم الكرامية.
٣ - وأخرى تعتقد أن الإيمان هو تصديق القلب واللسان، وهؤلاء هم مرجئة الفقهاء (٢).
ومن خلال هذا العرض الموجز لمعتقد طوائف المرجئة في الإيمان، يمكن لنا تحديد الصنف الذين يندرج تحته الأشاعرة، وذلك أنه مما اشتهر عنهم حتى لا يكاد يخالف فيه أحد منهم أن الإيمان هو التصديق، وبالتالى فإنهم يدخلون في الصنف الأول: القائلين بأن الإيمان مجرد ما في القلب.
وعند تتبع المراحل التي مر بها الإرجاء عبر التاريخ، نجد أن إرجاء الفقهاء كان سابقًا لإرجاء الأشاعرة أو الجهمية، فقد كان في بداية الأمر محاولات فردية ظهرت للرد على الخوارج، وبالتالى لم تحمل طابع التأصيل والتنظير لذلك المعتقد، وهذا ما حمل شيخ الإسلام على التفريق بين إرجاء الفقهاء وغيرهم، فعد الأول من قبيل الخلافات اللفظية التي لا يترتب عليها بدع تتعلق بالاعتقاد، على العكس من موقفه
стр. 278
اتجاه الأشاعرة وغيرهم، فقد شدد في أمرهم وبين مكمن الخطورة التي تتأتى من تقعيد المبدأ والتنظير له، حتى كتبت المؤلفات وفندت أقوال المخالفين كل ذلك في سبيل التأصيل لهذه البدعة التي عمت أرجاء الأمة المسلمة.
وقد اختلف في أول من عرف عنه الإرجاء من الفقهاء، فقيل إن أول من تحدث به: حماد بن أبي سليمان (١) شيخ أبي حنيفة ﵃ (٢).
هذا والتعريف الذي يجمع عليه أهل الفقه من المرجئة هو أن الإيمان: ما وقر في القلب من التصديق، وأقر به اللسان. (٣)
وقبل البدء بعرض أقوال الأشاعرة في تعريف الإيمان، لا بد من الوقوف على الداعى الذي حدى بهم إلى مثل هذا القول، وذلك أنه مما تفاقم شره في بلاد الإسلام إبان ترجمة كتب اليونان التأثر الواضح بأقوال الفلاسفة في تعريف الأشياء وفهمها، وقد كان مقرر لديهم أنه لا تنال التصورات، الغير بدهية إلا بالحد، وتبعهم بذلك طوائف أهل الإسلام، فرأوا إن يضعوا حدًا يميز لهم الإيمان على طريقة أولئك القوم، بعيدًا عن أقوال الخوارج المتعصبين.
ولما كان الحد هو ما تكون من الذاتيات المشتركة والمخصصة، أي: الجنس والفصل، وجدوا أن التصديق هو خير من يقوم بهذه المهمة؛ إذ العمل لا يمكن أن يكون من الذاتيات - عندهم - لتفاوت أهل الإيمان في الاتصاف به، فأجمعوا على أن يكون التصديق هو الحد الذي يميز الإيمان ويعرفه، يقول إمام الحرمين الجويني: "المرضى عندنا أن حقيقة الإيمان التصديق بالله تعالى فالمؤمن بالله من صدقه". (٤)
стр. 279
ولما كانت الشهادة من الدين بمنزلة لا يمكن بحال تجاهل أهميتها وكونها أساسًا لدخول المرء في الإسلام، وتحريم دمه وماله، ذهب أهل التحقيق من الأشاعرة - كما حكى التفتزانى ذلك عنهم - إلى أن الشهادة شرط ليس في حقيقة الإيمان، وإنما لإجراء الأحكام الدنيوية، وخالفوا بذلك ما عليه فقهاء المرجئة من كونها شطر وليست بشرط. (١)
ولبيان السبب الذي حملهم على هذا التصور، فقد أشرت منذ البدء إلى أن الفهم الخاطئ الذي حمله فكر الخوارج إلى المجتمع المسلم، والذي تمثل في اعتقاد أن الإيمان حقيقة واحدة لا يمكن أن تتجزأ، وأن زوال البعض مؤذن بزوال الكل (٢)، دعا المرجئة إلى أن قصروا الإيمان على التصديق؛ حتى لا يؤثر ارتكاب الكبائر والتقصير في الواجبات على مسمى الإيمان، وبالتالى يخرج صاحبها عن دائرته، كما فعل الخوارج، إذا الارتباط واضح بين تعريفهم للإيمان بأنه التصديق؛ وأنه حقيقة واحدة تزول بزوال بعضها. (٣) فمنعوا بذلك إمكان الزيادة والنقصان. (٤)
ويحكى الرازي شبهة الأشاعرة، قائلًا: "الإيمان عندنا لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لما كان اسمًا لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيؤه به، وهذا لا يقبل التفاوت؛ فكان مسمى الإيمان غير قابل للزيادة والنقصان". (٥)
وبعد حكايته لأقوال الخوارج والسلف في الإيمان رأى أن التوفيق ممكن بجعل العمل ثمرة من ثمرات التصديق، وخلص بذلك إلى أن "كل ما دل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفًا إلى أصل الإيمان، وما دل على أنه قابل لهما فهو مصروف إلى الإيمان الكامل".
стр. 280
رأى الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي الإيمان، لغة بأنه: [التصديق].
أما في الاصطلاح، فيرى أنه: [تصديق النبي ﷺ فيما جاء به مما علم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج]. (١)
ثم يعرض - كما هو ديدنه في كثير من القضايا المهمة - أهم الأقوال التي ذكرت في تعريف الإيمان بين مؤيد ومفند:
- فتعريف الإيمان بأنه المعرفة - كما يقول الجهمية - يرى أنه تعريف مجانب للصواب، حيث اعترض عليه بحال كثير من الكفار الذين "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فلو كانت المعرفة تستلزم الإيمان؛ لكان كل من عرف أن الله واحد ومحمدًا رسوله مؤمنًا".
- ويذكر بعد ذلك التعريف الذي عليه الأشاعرة و"هو حديث النفس التابع للمعرفة، أي قول النفس: آمنت وصدقت بعد المعرفة التي هي الجزم المطابق للحق عن دليل"، ويعقب هذا التعريف ببيان أنه الإيمان الكامل حتى لا يظن عدم إيمان المقلد. (٢)
- ثم يعقب تلك الأقوال بذكر رأى من ذهب إلى أن الإيمان "مركب من تصديق ونطق وعمل"، ويرى أن هذا هو مذهب المعتزلة الذي حملهم على اعتقاد أن من ترك واجبًا كالصلاة، أو فعل حرامًا كالزنا فهو كافر".
ولما كان اعتقاد دخول النطق بالشهادة في مفهوم الإيمان، مما أجمع عليه عند المرجئة الأوائل؛ تحتم على الصاوي أن يعرض الأقوال فيها، بدءً بما استقر عليه مذهب المحققين من الأشاعرة.
وقبل البدء بذكر الأقوال في المسألة، نراه يعمد إلى تحرير محل النزاع فيها،
стр. 281
وذلك وفق مذهبه الأشعري، حيث يرى أن الخلاف "مقيد بالكافر الأصلى، أما أولاد المسلمين فمسلمون، ولو لم ينطقوا طول عمرهم، غير أنهم خالفوا في الواجب الفرعى، فالكافر الأصلى القادر على النطق وتركه كافر في الداريين، وإن تركه لعذر كخرس أو مات فورًا وقامت قرائن على دخوله في الإسلام بغير النطق كإشارة مفهمة، فمسلم عندنا وعند الله. وإلا فهو مؤمن عند الله فقط".
- وبعد ذلك يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن "النطق بالشهادة شرط لإجراء الأحكام الدنيوية" مؤيدًا ذلك بأدلة نقلية من الكتاب، منها:
* قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (المجادلة: من الآية ٢٢)
وبناء على ما سبق فإنه يخرج إلى أن من ترك العمل على غير جهة الاستحلال أو العناد أو الشك، فهو مؤمن ولكنه فوت على نفسه كمال الإيمان. (١)
فالعمل الصالح - عنده - ثمرة للإيمان الكامل (٢)، لذا نجده يعرف الإيمان الكامل بأنه: "التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان". (٣)
- ثم يذكر القول الثاني في مكانة الإقرار من الإيمان، والذي عليه مرجئة الفقهاء وهو أن الإقرار شطر "أي جزء من الإيمان، فالإيمان عندهم اسم لعملى القلب واللسان جميعًا وهذا في غير المعذور، وإلا فيكفى التصديق للمعذور اتفاقًا" (٤)
وعند تتبع أقوال الصاوي في تفسير الإيمان الذي ورد في الآيات الكريمة، نجد أنه يتردد ما بين هذين القولين، فتارة يعرف المؤمن بأنه: "من صدق بقلبه، ونطق بلسانه". (٥) وتارة يقصر المراد من الإيمان على التصديق فقط، وذلك في كثير من المواضع. (٦).
стр. 282
- أما عن مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فإنه يرى صحة نسبتهما للإيمان، وأن الزيادة تحصل بالعمل والنقص بتركه، وقد استدل لهذا بالأدلة العقلية والنقلية. (١)
أما النقلية:
- فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
- كما يستدل أيضًا بإجماع الجمهور، كالإمام مالك والشافعي وأحمد [وجمهور الأشاعرة].
وأما العقلية: فقد استدل بالمشاهد من حال المكثر من الأعمال الصالحة وما يشهده من رقة ونور.
- كما استدل على فساد هذا القول بفساد لازمه، إذ القول بعدم الزيادة والنقصان يجوز أن يكون إيمان الأنبياء كإيمان الفساق من الأمة. (٢)
والصاوي هنا يذهب في مفهوم الزيادة والنقصان مذهب السلف الصالح، مخالفًا للكثير من الأشاعرة (٣)، حيث يستدل بالنصوص الواردة في إثبات زيادة الإيمان على زيادته وأن ما قبل الزيادة كان قابلًا للنقص، هذا ومفهوم الزيادة عنده هي ما عبر عنها بحصول النور والرقة لمن أكثر من ذكر الله تعالى، ولا يكتفى، بل يصرح بحصول الزيادة لأصل الإيمان، ويرد بذلك على من منع حصولها في التصديق، يقول: "فالأوجه قول الجماعة أن الزيادة والنقص للتصديق نفسه لوجود هذه الأدلة العقلية والنقلية، وغير ذلك تأويل لا يحتاج له". (٤)
* * *
стр. 283
المناقشة:
عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن الاضطراب الذي حصل في المفهومات، والذي أوقع الخوإرج في قضية تكفير مرتكب الكبيرة كان له أسوء الأثر على الوسط الإسلامى، فإنه لما انعدم الفهم الصحيح للسبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة، ظن المرجئة أن فهم الخوارج لحقيقة الإيمان خاطئ من حيث إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، واعتقدوا أن مخالفتهم في هذا تكفى في رد حجتهم وإبطالها، فراموا إبطال بدعتهم بأخرى لا تقل عنها سوءً وبعدًا عن الحقيقة، ولم يفطنوا إلى أن مكمن الضلال إنما تحصل من التصور السقيم للإيمان؛ حيث اعتقد الخوارج أنه جملة واحدة وأن ذهاب البعض يؤذن بذهاب الكل.
هنا ولهذه الحقيقة التي استرعت انتباه كثير من الباحثين من سلف هذه الأمة، صار محور النقاش من المسألة يدور حول أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر:
١ - حقيقة الإيمان الشرعية التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم وسنة المصطفى ﷺ أنه قول وعمل.
٢ - إن الإيمان شعب، ثم إنه يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصانها، وليست هذه الشعب بمنزلة واحدة، فمنها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما هو فرض أو واجب أو سنة. وزوال ما هو في الرتبة العليا ليس كزوال ما هو دونها.
وأدلة هذين الأصلين في الكتاب والسنة كثيرة تجل عن الحصر، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ..
стр. 284
وقد أجمع السلف لدلالة هذه النصوص القطعية على فهمهم لحقيقة الإيمان بأنه قول وعمل، حيث قال: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من أهل السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فجعل الأعمال كلها إيمانًا". (١)
- ومن السنة المطهرة حديث المصطفى ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (٢)
"فجعل الإيمان شعبًا: بعضها باللسان، والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح". (٣)
وهذا الذي ذكرته إنما هو بعض ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه الصاوي في تعريف الإيمان موافقة للأشعرية غير صحيح؛ إذ الإيمان كغيره من المصطلحات الشرعية التي صار لها حقيقة شرعية مقيدة لأصلها اللغوى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، (٤) لذا كان الواجب على كل من أراد أن يعرف معنى الألفاظ القرآنية أن يرجع إلى تفسيرها عند النبي ﷺ وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -.
وفى بيان هذا يقول شيخ الإسلام: "مما ينبغى أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، . . . . إلى أن قال: واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي ﷺ قد بين المراد
стр. 285
بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معانى هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة". (١)
كما أنه ﵀ أشار إلى قضية مهمة تتعلق بكل ما خاطب الشارع به العباد وهى المسألة التي تعرف في الأصول بـ هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة؟ وخلص إلى أن هذا غير واقع في الشريعة أصلًا، وأن الإيمان من أبين الألفاظ التي عرف مقصود الشارع منها. (٢)
وبهذا تعلم حقيقة الإيمان الذي ورد مطلقًا في القرآن الكريم "فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق". (٣)
* * *
وبناء على ما تقدم، فإنه من الخطأ البين أن تعد الأعمال الصالحة ثمرة للإيمان، بل هي ركنه الذي لا يكون إلا به. فأصل الإيمان في القلب، والعمل الصالح لازم له، إذا وجد دل على ما في القلب وإذا انتفى دل على انتفائه. (٤)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١]
أما ما ذهب إليه الصاوي من أن الأعمال أنما تدخل في مسمى الإيمان الكامل فليس بصحيح على جهة الإطلاق، إذ الأعمال الواجبة المفروضة من الأصول والفروع إنما تدخل في الإيمان الواجب، أما المستحبات التي لا يعد تاركها آثمًا فهذه التي تدخل في ما أطلق عليه بالإيمان الكامل. (٥)