← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وذلك وفق مذهبه الأشعري، حيث يرى أن الخلاف "مقيد بالكافر الأصلى، أما أولاد المسلمين فمسلمون، ولو لم ينطقوا طول عمرهم، غير أنهم خالفوا في الواجب الفرعى، فالكافر الأصلى القادر على النطق وتركه كافر في الداريين، وإن تركه لعذر كخرس أو مات فورًا وقامت قرائن على دخوله في الإسلام بغير النطق كإشارة مفهمة، فمسلم عندنا وعند الله. وإلا فهو مؤمن عند الله فقط". - وبعد ذلك يقرر ما عليه مذهب الأشاعرة من أن "النطق بالشهادة شرط لإجراء الأحكام الدنيوية" مؤيدًا ذلك بأدلة نقلية من الكتاب، منها: * قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (المجادلة: من الآية ٢٢) وبناء على ما سبق فإنه يخرج إلى أن من ترك العمل على غير جهة الاستحلال أو العناد أو الشك، فهو مؤمن ولكنه فوت على نفسه كمال الإيمان. (١) فالعمل الصالح - عنده - ثمرة للإيمان الكامل (٢)، لذا نجده يعرف الإيمان الكامل بأنه: "التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان". (٣) - ثم يذكر القول الثاني في مكانة الإقرار من الإيمان، والذي عليه مرجئة الفقهاء وهو أن الإقرار شطر "أي جزء من الإيمان، فالإيمان عندهم اسم لعملى القلب واللسان جميعًا وهذا في غير المعذور، وإلا فيكفى التصديق للمعذور اتفاقًا" (٤) وعند تتبع أقوال الصاوي في تفسير الإيمان الذي ورد في الآيات الكريمة، نجد أنه يتردد ما بين هذين القولين، فتارة يعرف المؤمن بأنه: "من صدق بقلبه، ونطق بلسانه". (٥) وتارة يقصر المراد من الإيمان على التصديق فقط، وذلك في كثير من المواضع. (٦).

стр. 282

- أما عن مسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فإنه يرى صحة نسبتهما للإيمان، وأن الزيادة تحصل بالعمل والنقص بتركه، وقد استدل لهذا بالأدلة العقلية والنقلية. (١) أما النقلية: - فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]. - كما يستدل أيضًا بإجماع الجمهور، كالإمام مالك والشافعي وأحمد [وجمهور الأشاعرة]. وأما العقلية: فقد استدل بالمشاهد من حال المكثر من الأعمال الصالحة وما يشهده من رقة ونور. - كما استدل على فساد هذا القول بفساد لازمه، إذ القول بعدم الزيادة والنقصان يجوز أن يكون إيمان الأنبياء كإيمان الفساق من الأمة. (٢) والصاوي هنا يذهب في مفهوم الزيادة والنقصان مذهب السلف الصالح، مخالفًا للكثير من الأشاعرة (٣)، حيث يستدل بالنصوص الواردة في إثبات زيادة الإيمان على زيادته وأن ما قبل الزيادة كان قابلًا للنقص، هذا ومفهوم الزيادة عنده هي ما عبر عنها بحصول النور والرقة لمن أكثر من ذكر الله تعالى، ولا يكتفى، بل يصرح بحصول الزيادة لأصل الإيمان، ويرد بذلك على من منع حصولها في التصديق، يقول: "فالأوجه قول الجماعة أن الزيادة والنقص للتصديق نفسه لوجود هذه الأدلة العقلية والنقلية، وغير ذلك تأويل لا يحتاج له". (٤) * * *

стр. 283

المناقشة: عند سبر أبعاد قضية الإيمان، والأقوال المتعددة فيها، نجد أن الاضطراب الذي حصل في المفهومات، والذي أوقع الخوإرج في قضية تكفير مرتكب الكبيرة كان له أسوء الأثر على الوسط الإسلامى، فإنه لما انعدم الفهم الصحيح للسبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة، ظن المرجئة أن فهم الخوارج لحقيقة الإيمان خاطئ من حيث إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، واعتقدوا أن مخالفتهم في هذا تكفى في رد حجتهم وإبطالها، فراموا إبطال بدعتهم بأخرى لا تقل عنها سوءً وبعدًا عن الحقيقة، ولم يفطنوا إلى أن مكمن الضلال إنما تحصل من التصور السقيم للإيمان؛ حيث اعتقد الخوارج أنه جملة واحدة وأن ذهاب البعض يؤذن بذهاب الكل. هنا ولهذه الحقيقة التي استرعت انتباه كثير من الباحثين من سلف هذه الأمة، صار محور النقاش من المسألة يدور حول أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: ١ - حقيقة الإيمان الشرعية التي نطقت بها آيات الكتاب الكريم وسنة المصطفى ﷺ أنه قول وعمل. ٢ - إن الإيمان شعب، ثم إنه يزيد بزيادة شعبه وينقص بنقصانها، وليست هذه الشعب بمنزلة واحدة، فمنها ما لا يصح الإيمان إلا به، ومنها ما هو فرض أو واجب أو سنة. وزوال ما هو في الرتبة العليا ليس كزوال ما هو دونها. وأدلة هذين الأصلين في الكتاب والسنة كثيرة تجل عن الحصر، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ..

стр. 284

وقد أجمع السلف لدلالة هذه النصوص القطعية على فهمهم لحقيقة الإيمان بأنه قول وعمل، حيث قال: "اتفقت الصحابة والتابعون فمن بعدهم من أهل السنة على أن الأعمال من الإيمان لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: فجعل الأعمال كلها إيمانًا". (١) - ومن السنة المطهرة حديث المصطفى ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة فأفضلها: قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان). (٢) "فجعل الإيمان شعبًا: بعضها باللسان، والشفتين، وبعضها بالقلب، وبعضها بسائر الجوارح". (٣) وهذا الذي ذكرته إنما هو بعض ما ورد في الكتاب والسنة وأقوال السلف - رضوان الله تعالى عليهم - وبهذا يعلم أن ما ذهب إليه الصاوي في تعريف الإيمان موافقة للأشعرية غير صحيح؛ إذ الإيمان كغيره من المصطلحات الشرعية التي صار لها حقيقة شرعية مقيدة لأصلها اللغوى كالصلاة والصيام والزكاة وغيرها، (٤) لذا كان الواجب على كل من أراد أن يعرف معنى الألفاظ القرآنية أن يرجع إلى تفسيرها عند النبي ﷺ وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم -. وفى بيان هذا يقول شيخ الإسلام: "مما ينبغى أن يعلم أن الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي ﷺ يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، . . . . إلى أن قال: واسم الإيمان والإسلام والنفاق والكفر هي أعظم من هذا كله، فالنبي ﷺ قد بين المراد

стр. 285

بهذه الألفاظ بيانًا لا يحتاج معه إلى الاستدلال على ذلك بالاشتقاق، وشواهد استعمال العرب ونحو ذلك، فلهذا يجب الرجوع في مسميات هذه الأسماء إلى بيان الله ورسوله، فإنه شافٍ كافٍ، بل معانى هذه الأسماء معلومة من حيث الجملة للخاصة والعامة". (١) كما أنه ﵀ أشار إلى قضية مهمة تتعلق بكل ما خاطب الشارع به العباد وهى المسألة التي تعرف في الأصول بـ هل يجوز تأخير البيان عن مورد الخطاب إلى وقت الحاجة؟ وخلص إلى أن هذا غير واقع في الشريعة أصلًا، وأن الإيمان من أبين الألفاظ التي عرف مقصود الشارع منها. (٢) وبهذا تعلم حقيقة الإيمان الذي ورد مطلقًا في القرآن الكريم "فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق". (٣) * * * وبناء على ما تقدم، فإنه من الخطأ البين أن تعد الأعمال الصالحة ثمرة للإيمان، بل هي ركنه الذي لا يكون إلا به. فأصل الإيمان في القلب، والعمل الصالح لازم له، إذا وجد دل على ما في القلب وإذا انتفى دل على انتفائه. (٤) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: ٥١] أما ما ذهب إليه الصاوي من أن الأعمال أنما تدخل في مسمى الإيمان الكامل فليس بصحيح على جهة الإطلاق، إذ الأعمال الواجبة المفروضة من الأصول والفروع إنما تدخل في الإيمان الواجب، أما المستحبات التي لا يعد تاركها آثمًا فهذه التي تدخل في ما أطلق عليه بالإيمان الكامل. (٥)

стр. 286

كما أن في القول بأن العمل يدخل في مسمى الإيمان الكامل مناقضة لأصل مذهبه في تعريف الإيمان بأنه التصديق فقط. وهذا معلوم من حال أهل الابتداع حيث يظهر التناقض كثيرًا في تقريرهم لمسائل الاعتقاد. ومن خلال اعتراض الصاوي على تعريف الخوارج للإيمان بأنه مركب من قول وعمل، نخلص إلى الشبهة التي اعتمدها - كغيره من الأشاعرة - في قصر الإيمان على التصديق دون العمل؛ فإنه جعل دمج المعتزلة العمل في مسمى الإيمان سببًا لاعتقادهم تكفير مرتكب الكبيرة. والحقيقة أن هذه الشبهة التي اعتمدها في رده لإدخال العمل في صميم الإيمان لا تسلم له؛ بل الذي حمل الخوارج ومنهم المعتزلة على تكفير مرتكب الكبيرة هو اعتقاد كون الإيمان حقيقة واحدة، وأصل واحد، وأن شعبه بمنزلة واحدة، لا يزيد ولا ينقص، وأن نقصان أي شعبة منه يعني زواله بالكلية، فلم يفرقوا بين ما هو أصل منها بحيث ينتفى الإيمان بانتفائه، كالصلاة مثلًا، وما هو من عداد الفروض والواجبات التي لا تقدح في أصل الإيمان، وإنما في كماله الواجب كالجهاد مثلًا. وهذا ما يمنع الفصل في فهم السلف لحقيقة الإيمان الشرعية، فهو: قول وعمل يزيد وينقص فلا يذهب بالكلية. يقول الإمام الطبري: "الصواب فيه - أي الإيمان - قول من قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وعليه مضى أهل الدين والفضل". (١) إيماننا قول وقصد وعمل ... تزيده التقوى وينقص بالزلل (٢) * * *

стр. 287

ولكن الصاوي في هذه المسألة قد خالف قول الأشاعرة في منع الزيادة والنقصان، واتفق مع السلف في هذه القضية المهمة، وقد كان حرى بمثله أن يوافق السلف في أصل تعريفهم للإيمان واعتقاد كونه قول وعمل، وألَّا يحمله تكفير الخوارج لمرتكب الكبيرة؛ على اعتقاد أن سبب ذلك هو إدخالهم العمل في مسمى الإيمان، وكان عليه أن يدرك أساس ضلالهم، وأنه يرجع في الحقيقة إلى منعهم الزيادة والنقصان في الإيمان. ولهذا فإن مناقشته في هذه القضية، تعود إلى بيان مكانة العمل ومنزلته من الدين، وما ورد في بيان أهمية إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها الصلاة (١)، وأنه مع موافقته السلف في إمكان الزيادة والنقص إلا أنه يخالفهم في اعتقاد صحة إيمان من تخلى عن العمل بالكلية، وأن ذلك لا يترتب عليه شيء سوى ضعف للإيمان دون زواله بالكلية، وهذا ما يمتنع؛ استدلالًا بما ورد في الكتاب والسنة من بيان مكانة العمل (٢). وتجدر الإشارة إلى أن الأدلة التي استدل بها الصاوي على زيادة الإيمان ونقصانه هي نفسها أدلة السلف على ذلك. (٣) هذا والأدلة كثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف في تقرير هذه الحقيقة. أذكر منها زيادة على ما تقدم: - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤]. - ومن السنة في إثبات النقص، ما رواه ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (ما رأيت من ناقصات عقل ولا دين أغلب لذى لب منكن. قالت

стр. 288

: وما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان العقل فشهادة امرأتين شهادة رجل وأما نقصان الدين: فإن إحداكن تفطر رمضان، وتقيم أيامًا لا تصلى). (١) وقد حكى إجماع السلف على ما تقدم الإمام ابن عبد البر، يقول: "أما سائر الفقهاء من أهل الرأى والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر فقالوا: الإيمان قول وعمل: قول باللسان والإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله به من فريضة ونافلة فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصى". (٢) * * *

стр. 289

(المبحث الثاني): العلاقة بين الإسلام والإيمان يعرف الإسلام بأنه: الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشرك، والبراءة من أهله (١). أما الإيمان فقد سبق بيان معناه عند السلف من كونه مركبًا في حقيقته من قول وعمل واعتقاد (٢). ومن خلال هذين التعريفين لهذين المصطلحين يمكن لنا الوقوف على أقوال العلماء في تحديد العلاقة بينهما، فمن رأى أن بينهما ترادفًا فذلك لدلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه تعالى لعباده والذي امتدح من اتصف به. ويرى الإمام ابن عبد البر ﵀ أن هذا هو مذهب الكثير من أهل العلم، يقول: "وعلى القول بأن الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشافعيين والمالكيين، وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنة والنظر المتبعين للسلف والأثر". (٣) ومن ذهب إلى اختلافهما استمد ذلك المفهوم من إشارة كل منهما على معنى يظهر منه خصوصيته في الدلالة عليه، دون غيره من الأسماء، فيكون معنى الإسلام: الانقياد الناشئ عن الإذعان والاستسلام، كما هو ظاهر من التعريف، والإيمان: التصديق القلبى الذي يلزم الإتيان بفعل الطاعات وترك المحظورات.

стр. 290

وقد قال بهذا بعض كبار السلف كابن عباس ﵄ والحسن البصري، وابن سيرين (١) - رحمهما الله -. (٢) هذا وقد توسطت طائفة من العلماء في تحديد العلاقة بينهما؛ نظرًا لوجود التلازم الواضح، كما يظهر ذلك من خلال تعريفهما، فذهبت إلى أن العلاقة بينهما تتمحور في إمكان ترادفهما حين الافتراق، وتغايرهما عند الاجتماع، لدلالة كل منهما على خصوصية معنى ليست في الآخر. * * * أما عن: رأي المتكلمين: لقد اختلفت عبارات المتكلمين في بيان الفرق بين الإسلام والإيمان، فيرى الباقلانى أن الإيمان هو التصديق، والإسلام الانقياد، وعليه فكل مؤمن مسلم وليس العكس، ويبرهن على ذلك بأنه من المستحيل على المؤمن تركه للانقياد، أما المسلم فقد يكون منه انقياد بلا إيمان. (٣) ولا يخفى ما في هذا من مناقضة لأصلهم في جعلهم العمل ثمرة للإيمان، وليس بلازم له. هذا وتذهب غالبيتهم إلى عدم التفريق بينهما، حتى لا يعارض الأصل المجمع عليه عندهم من أن تارك العمل لا يكفر، مع وجود التصديق بما جاء عن رسول الله ﷺ ، فحقيقة مذهبهم أن: "الإيمان والإسلام واحد، لأن الإسلام هو الخضوع والانقياد، بمعنى قبول الأحكام والإذعان، وذلك حقيقة التصديق". (٤)

стр. 291

ويمتد هذا المفهوم حتى لا يفرق بين المسلم والمؤمن فـ: "الإيمان هو تصديق الله تعالى فيما أخبر من أوامره ونواهيه، والإسلام هو الانقياد والخضوع لألوهيته، وهذا لا يتحقق إلا بقبول الأمر والنهى، فالإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فلا يتغايران". (١) * * * وعند سبر أقوال المتأخرين منهم نجد أنه في الغالب لا تخرج عن هذا المعنى وإن خالف بعضهم وفسر الإسلام بالانقياد الظاهرى. يقول السنوسى في مكانة شهادة التوحيد: "جعلها الشارع ترجمة على ما في القلب من الإسلام". ويعلق على ذلك الدسوقى، فيقول: "واعلم أن الإيمان والإسلام، قيل: إنهما مترادفان معناهما واحد، وهو التصديق بما جاء به النبي ﷺ مما علم من الدين بالضرورة. وعليه مشى المصنف. وقيل: وهو المعتمد أنهما متغايران، فالإيمان هو التصديق بما جاء به النبي ﷺ ، والإسلام هو الامتثال الظاهرى". (٢) وعلى هذا فالمسألة محل اختلاف بين المتقدمين والمتأخرين وإن كان الغالب في كلام الأشاعرة عدم المغايرة بينهما؛ لاتفاقهم على عدم إدخال العمل في صميم المعتقد (٣)، ومن خالف منهم فقد وقع في التناقض. وستتم مناقشة هذه الأقوال والترجيح بينها عند عرض كلام الصاوي ومناقشته في ضوء منهج السلف الكرام.

стр. 292

رأي الشيخ الصاوي: يفرق الصاوي بين تعريف الإسلام والإيمان، فيرى أن الإسلام في اللغة: هو "مطلق الانقياد. يقال: أسلمت الدابة واستسلمت يعني انقادت". (١) وفى الاصطلاح: "الانقياد إلى ما جاء به النبي ﷺ ؛ مما علم ضرورة". وحتى لا يناقض نفسه في قضية الإيمان، وأن العمل شرط كمال وليس داخلًا في حقيقته، يفسر المراد بقول اللقانى: "والإسلام اشرحن بالعمل": يقول: "أي وضحه بالعمل الصالح، وهو امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمراد: الإذعان لتلك الأحكام، وعدم ردها سواء عملها أم لا". أما عن موقفه من الشهادتين بالنسبة للإسلام، فيرى أنه "لا بد منهما في ثبوت الإسلام، والحاصل أن النطق بالشهادتين من الإسلام". (٢) أما الإيمان فقد سبق بيان معناه عنده من أنه: "تصديق النبي فيما جاء به مما علم من الدين بالضرورة، كالصلاة والصيام والزكاة والحج". وفى تحديد العلاقة بينهما يرى "أنهما مختلفان مفهومًا، متحدان ما صدق، متلازمان شرعًا" (٣) فـ "الإسلام انقياد ظاهرى ناشئ عن تصديق باطنى، والإيمان تصديق باطنى ينشأ عنه انقياد ظاهرى". وحتى لا يظن أن التغاير في المفهوم الذي دل عليه العطف في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، يقضى بتغاير الذات، يؤكد على قضية التلازم بين الإسلام والإيمان، يقول: "لأن تغاير مفهوم المسلم والمؤمن كافٍ في العطف، فلا يلزم منه مغايرة ذات المؤمن لذات المسلم".

стр. 293

ومن ثم فهو يحدد وجه المغايرة التي اقتضت العطف، يقول: "الإسلام التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي ﷺ ، والإيمان الإذعان القلبى بشرط النطق باللسان، ويكفى في العطف أدنى تغاير". (١) ومع ذلك؛ هو لا يقر بوجود التلازم في جميع الأحوال، بل يرى أن محله إذا اجتمع التصديق والانقياد الظاهرى في المكلف، "وإلا فلا تلازم بينهما، بل قد يكون مؤمنًا وليس بمسلم إن كان معه تصديق، ولم يثبت منه نطق. وقد يكون مسلمًا وليس بمؤمن إن كان معه انقياد ظاهرى دون تصديق. وهو معنى قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] ". (٢) ولإزالة إشكال قد يرد من تغاير موقف الصاوي إزاء التلازم الذي أكد على وجوده بين الإسلام والإيمان؛ حتى حكم باتحادهما ما صدق، يبين أن الإسلام الذي ورد في الآية إنما هو المعنى باللغة وإلا فـ "الإسلام والإيمان الشرعيان المعتبران هما متحدان ما صدق، وإن كان مفهومهما مختلفًا: إذ الإيمان هو التصديق القلبى بشرط النطق بالشهادتين، والإسلام الانقياد الظاهرى الناشئ عن التصديق القلبى". (٣) ولكن الإشكال لا يزال قائمًا في حالة وجود التصديق القلبى مع انتفاء الإقرار، فإنه مما سبق يرى أن الشهادتين أصل في ثبوت الإسلام، ولا يصح الحكم على أحد بالإسلام إلا عند إقراره بهما، ومع ذلك فهو يقر شرعية مثل هذا التصديق، وأنه كافٍ في الحكم على صاحبه بالإيمان الشرعي الذي يخرجه من عداد الكافرين، حتى حكم على من صدق بلا إقرار بأنه مؤمن وليس بمسلم، كما هو واضح من كلامه السابق، ومع المناقشة سيزداد الأمر وضوحًا.

стр. 294

المناقشة: إن تفريق الصاوي بين الإيمان والإسلام مطلقًا من حيث المفهوم لا يسلم له في جميع الأحوال، وإنما فقط في حالة اجتماعهما معًا، وأنه في حالة الانفراد فإن العلاقة بينهما هي الترادف، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، منها حديث المصطفى ﷺ لوفد عبد قيس، حيث فسر الإيمان بأعمال الظاهر، فقال في معناه: (شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وتعطوا الخمس من المغنم). (١) وهذا التفصيل في بيان علاقة الإسلام بالإيمان يستند إلى الأمور التالية: - أولًا: التسليم بوجود مطلق التغاير بين الإيمان والإسلام؛ لعموم الأدلة التالية: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]. وقوله عز من قائل: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. وكذلك ما ورد في حديث سعد بن أبي وقاص - رضى الله عنه - أنه قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطًا وأنا جالس فيهم، فترك رسول الله ﷺ منهم رجلًا لم يعطه - وهو أعجبهم إلى - فقمت إلى رسول الله ﷺ فساررته فقلت: مالك عن فلان؟ والله إني لأراه مؤمنًا، قال: (أو مسلمًا).

стр. 295

قال: فسكت قليلًا، ثم غلبنى ما أعلم فيه فقلت: يا رسول الله مالك عن فلان؟ والله إنى لأراه مؤمنًا. قال: (أو مسلمًا. . .). إلى آخر الرواية. (١) وقد روى عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال: [سئل أبى عن الإسلام والإيمان، فقال: الإسلام غير الإيمان] (٢) كما دل على ذلك حديث رسول الله ﷺ : (لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن). (٣) قال: [يخرج من الإيمان إلى الإسلام، فالإيمان مقصور في الإسلام، فإذا زنا خرج من الإيمان إلى الإسلام] (٤). - ثانيًا: إن التغاير لا يكون ألا في حالة ما إذا ذكر الإسلام والإيمان في موضع واحد. - إن هذا التغاير مع التسليم بوجوده في حالات معينة؛ إلا أنه لا يمنع وجود تلازم بينهما، بحيث: - ثالثًا: إنه في حالة انفراد أحدهما عن الآخر يكون مرادفًا له للأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول؛ من دلالة كل منهما على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده. وذلك لعدة اعتبارات: - دلالة كل منهما على مسمى الدين، وذلك من حديث جبريل ﵇ حيث نبه المصطفى ﷺ أصحابه الكرام - رضوان الله عليهم - بعد ذهاب جبريل إلى

стр. 296

أن اختلاف تفسير الإيمان عن الإسلام لا يقضى بالتغاير، بل كل هذا من الدين الذي أتى جبريل ﵇ من أجل بيانه وتعليمه إياه لكم. وكان هذا هو استنباط الإمام البخاري ﵀، حيث قال: [فجعل ذلك كله دينًا] (١). مما تقرر عند السلف أنه لا إيمان إلا بالعمل وكذلك لا إسلام إلا بالتصديق؛ فقد دلت نصوص الشرع على أن المؤمن، أو المسلم هو من استكمل فعل ما افترضه الله تعالى عليه. (٢) - اجتماع كل منهما في الدلالة على الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده وامتدح من اتصف به، ورتب السعادة في الدارين على الالتزام به. (٣) مما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. وفي بيان وجه الاستدلال يقول شيخ الإسلام: "فمدح الله الإسلام بمثل ما مدح به الإيمان، وجعله اسم ثناء وتزكية". (٤) وفيما يلى كلام للإمام ابن رجب يوضح فيه بجلاء تام معنى قولهم: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، يقول: "من الأسماء ما يكون شاملًا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه، فإذا قرن ذلك الاسم بغيره صار دالًا على بعض تلك المسميات، والاسم المقرون به دالًا على باقيها، وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوى الحاجات والآخر على باقيها". (٥)

стр. 297

أما عن تطابق (الماصدق) عليهما، أي: أن المسلم هو المؤمن والمؤمن هو المسلم، فهذا أيضًا مما يلزم فيه التفصيل، فقد اتفق العلماء على إن كل مؤمن مسلم، أما الثانية وهى: أن كل مسلم مؤمن، فمحل اختلاف، فإن كل مسلم مؤمن من حيث وجود مطلق الإيمان معه، لا الإيمان المطلق، الذي يستوجب المدح؛ كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، فإن الإيمان قد يطلق ويراد به المدح، وقد يطلق ويراد به فعل لازمه، فهؤلاء الذين منعوا من إطلاق الإيمان عليهم؛ كان ذلك لوجود المانع من إطلاق مسمى المدح، والذي لا يتأتى إلا عند فعل الواجبات وترك المحرمات. أما مطلق الإيمان فإنه لا يزول عنهم لارتكابهم بعض المخالفات التي تعد من المعاصى؛ فإن "نفى الإيمان المطلق لا يستلزم أن يكونوا منافقين"، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. فكل من قصر في شيء مما ذكر؛ بحيث لا يخرجه فعله عن أصل الإيمان، لا يعد "منافقًا من أهل الدرك الأسفل من النار، بل لا يكون قد أتى بالإيمان الواجب". (١) أما مطلق الإيمان فثابت له، ولكنه غير مستحق للاسم لوقوعه في مخالفة ما يقتضيه الإيمان الكامل الموجب للمدح. ويستدل شيخ الإسلام ﵀ لثبوت مطلق الإيمان لكل مسلم؛ بدخول كل من [المطيع والعاصي] من آحاد المسلمين في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]. كما يستدل على نفى المسمى الإيمان الموجب للمدح بقوله ﷺ : (أو مسلمًا. . .)، كما ذكرت ذلك سابقًا. (٢)

стр. 298

وقد أشرت من خلال عرضي لرأى الشيخ الصاوي أنه في علاقة المسلم بالمؤمن قد وقع في نوع من التناقض؛ حيث أثبت وجود التلازم بين الإيمان والإسلام الشرعيان - وهذا التلازم في الأصل مسلم له - ولكنه مع ذلك أقر بإيمان من حصل منه التصديق ولم يتبعه بإقرار مع قدرته على الإتيان به، وخالف بذلك ما أوجبه في ثبوت الإسلام، وبإقراره لمثل هذا الإيمان جوز أمرًا قد أجمع السلف على بطلانه، وهو إثبات الإيمان للمعين مع انتفاء الإسلام عنه، فيكون بذلك مؤمنًا غير مسلم. فإنه مع تفسيره للإسلام بالإذعان القلبى، إلا أنه حكم بفرضية الإقرار لثبوت الإسلام للمذعن فلا يكون مسلمًا - عنده - إلا من ثبت عنه الإقرار، بخلاف باقي الأركان الخمس. هذا مع أن القاعدة المجمع عليها، تقول: كل مؤمن مسلم، وإنما وقع الخلاف في العكس. يقول شيخ الإسلام في بيان هذه الحقيقة: "وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنة هو تناقض. . . أما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ما بينه الله ورسوله من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، فلا يكون محسنًا حتى يكون مؤمنًا". (١) وقال ﵀ أيضًا في معرض تفنيده لمثل هذه الأقوال التي تعارض ما هو معلوم من الدين بالضرورة: "ثم قولكم كل مؤمن مسلم، إن كنتم تريدون بالإيمان تصديق القلب فقط؛ فيلزم أن يكون الرجل مسلمًا ولو لم يتكلم بالشهادتين وما أتى بشيء من الأعمال المأمور بها، وهذا مما يعلم بطلانه بالضرورة من دين الإسلام".

стр. 299

ثم بين - رحمه الله تعالى - بعد تمحيصه لحقيقة الفرق بين كلام السلف والمرجئة في العلاقة بين الإسلام والإيمان، مدى بعد ما أرادوا بقولهم كل مؤمن مسلم عن مراد السلف - رحمهم الله تعالى -، حتى قال: "فقولهم في غاية المباينة لقول السلف، ليس في الأقوال أبعد عن السلف منه". (١) وحقيقة كلام المرجئة الجهمية مردود بكل حال؛ إذ التلازم بين الإيمان والإسلام يحتم أن يتبع التصديق العمل، وألَّا يحكم بإيمان من امتنع عن الإتيان به ما دام قادرًا على ذلك؛ لأن القاعدة تقول: الإرادة الجازمة مع القدرة التامة تنتج العمل (٢) , فما دام أنه قد صدق؛ فالواجب أن يظهر عليه لازم ذلك التصديق من العمل الواجب؛ وإلا امتنع الحكم عليه بالإيمان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما ذهب إليه الصاوي في تفسير آية الأعراب بأن المراد من الإسلام فيها هو المعنى اللغوى وهو مطلق الانقياد، مؤكدًا بذلك على قضية التلازم بينهما هو أحد الأقوال فيها، والراجح أن المراد به - كما ذهب إلى ذلك جمع من أهل العلم - هو الإسلام الشرعي وأن ذلك لا يؤدى إلى منع التلازم بينهما بل يرجع إلى ما سبق بيانه من منع التسمية الموجبة للمدح، مع الإقرار بأصل الإيمان عندهم، وإلا لخرجوا من دائرة الإسلام بالكلية، وهذا ما يخالف معتقد أهل السنة والجماعة. * * *

стр. 300

(المبحث الثالث): الأسماء والأحكام من أهم القضايا التي تستند في مبدئها إلى إدراك حقيقة الإيمان والإسلام مسائل الأسماء والأحكام، والتى تعنى ثبوت وصف الإيمان والإسلام أو الكفر للمعين وما يترتب على ذلك من أحكام الوعد أو الوعيد. فإن موقف الخوارج من مرتكب الكبيرة ونعته بالكفر، ومن ثم الحكم عليه بالخلود في النار؛ كان في الحقيقة ناتجًا عن فهمهم لحقيقة الإيمان الشرعية، فمع موافقتهم للسلف الصالح - رضوان الله عليهم - في كونه مركبًا من قول وعمل، إلا أنهم بمنعهم للزيادة والنقصان فيه؛ حكموا على كل من قصر بالعمل الواجب بالكفر، والخلود في النار. هذا وقد تبعتهم المعتزلة في تعريف الإيمان الشرعي، وما يتبع ذلك من الحكم بالخلود في النار لمرتكب الكبائر (١)، إلا أنها امتنعت عن نعته بالكفر أو الإيمان لعدم توفر ما يقتضى التسمية بأحدهما من جهة الشرع، فعدلت عنهما إلى وصفه بالفسق في الدنيا (٢)، وحكمت عليه بالخلود في النار لتحقق موجبه عندهم من الذم واللعن، الذي إذا اجتمع مقتضيه من العصيان مع الطاعة لغلب عليه؛ إذ النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. (٣) ولغلوهم في مكانة العمل من الإيمان، واعتقادهم أن الواجب منه بجميع أنواعه بمرتبة الأصل منه، لم يدركوا حقيقة الفرق بين الإسلام والإيمان؛ فظنوا أنهما بمنزلة واحدة من الدين، بحيث لا يمكن الانتقال من مسمى الإيمان إلا إلى الكفر

стр. 301

الصراح. (١)، وخالفوا بهذا صريح ما ثبت من النصوص الدالة على انتفاء الوصف بالإيمان لمرتكب الكبائر مع ثبوت الإسلام له، وأنه لا يخرج من كليهما إلا الكفر بالله تعالى. (٢) ولما استقر هذا الأمر في اعتقادهم وتمكنت هذه الشبهة العقلية حتى غدت أصلًا من أصولهم؛ بنوا على أساسها فهمهم لنصوص الشارع الحكيم، فأخذوا بعمومات الوعيد وأغرقوا في إعمالها على ظاهرها، وقصروا في الجهة المقابلة بما يتعلق بنصوص الوعد وأعملوا فيها بالتأويل والرد، ولهم في ذلك شبه، كلها ترجع إلى ما سبق بيانه من تغليب جانب الوعيد على الوعد. هذا وقد أشرت سابقًا إلى الفرقة التي تبنت التيار المواجه لفكر الخوارج من أجل دحض ما خالفوا به إجماع الأمة، والثابت من النصوص الشرعية من عدم تكفير مرتكب الكبيرة، فقد حملهم هذا التوجه المندفع إلى عدم الفهم الصحيح لحقيقة النزاع أو ما يسمى بتحرير محل النزاع، فقاموا بشن هجوم عنيف على الحقيقة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة من كون الإيمان قول وعمل، ولم يدركوا أن السبب في الضلال أولئك هو القول بعدم الزيادة والنقصان، فأرادوا أن يدرؤوا باطلًا بآخر؛ فقصروا الإيمان على التصديق، ومنعوا إدخال العمل في مسماه حتى لا يؤدى التقصير فيه إلى ذهابه بالكلية. (٣) * * * وقد التزمت الأشاعرة نفس الأصل المعتمد لدى الخوارج في منعهم من اعتقاد تشعب الإيمان لإمكان حصول التناقض باجتماع النقيضين عند زوال بعض الشعب

стр. 302

دون بعضها، فإنه بزوال بعضه يجتمع مع نقيضه الكفر وهذا محال (١) ومن أجل التخلص من هذا الذي ظنته لازمًا لاعتقاد تشعب الإيمان، جعلته أصل واحدًا وهو التصديق، ومنعت زواله إلا بما يعرضه مباشرة من أنواع الكفر (٢): كالتكذيب, والشك والنفاق، فأخرجت بذلك العمل بشتى أنواعه من حقيقة الإيمان، ولم يعد للتقصير في جانبه أثر في نقض الإيمان وهذا بحد ذاته تفريط مخالف في مقابل إفراط الخوارج وغلوهم. (٣) وقصروا في المقابل بقضايا الأسماء والأحكام. فنعتوا من استقر في قلبه التصديق بالإيمان، ولو فرط بالتقصير في الأركان، وحكموا له برضا الرحمن؛ فخالفوا بذلك المنزل من القرآن على من وصف بالبيان ﷺ تسليمًا كثيرًا. فمن أهم ما نتج عن هذا الفهم السقيم لحقيقة الإيمان بإبعاد العمل عن مسماه، ما ذهب إليه المرجئة في تفسير الإسلام، حيث فسروه بما يوافق معتقدهم في إبعاد العمل حتى لا يكفر تاركه عندهم، فقالوا حقيقة الإسلام هي: الإذعان، سواء أتبع ذلك بالعمل أو لا، وخالفوا بهذا ما هو معلوم من الدين بالضرورة. (٤) وبناء على ما تأصل اعتقاده عند الأشاعرة من الجزم بإنفاذ الوعد لكل من أتى منه التصديق، فقد اعتمدوا منهج الأخذ بعموم نصوص الوعد التي وجدوا في ظاهرها ما يؤيد مذهبهم وتقديمها على نصوص الوعيد في ذلك؛ وكثيرًا ما يكون إعمال هذا الأساس لتدعيم الشبه العقلية بالدليل الشرعي. ولا يخفى ما في هذا الفهم من تفريط قابل إفراط الخوارج باقبح منه، فلم يعد لديهم ضابط للتكفير سوى الإقرار بما يخالف التصديق من الشك أو التكذيب، وصارت حقيقة التوحيد مقصورة على من أتى بالتصديق، ولو أتى بما علم مناقضته للدين بالضرورة. (٥)

стр. 303

رأي الشيخ الصاوي: يمكن تحديد موقف الصاوي من هذه القضية باتجاهين، كلاهما يدور في محور واحد ولتقرير مبدأ واحد، أما الاتجاه الأول: فهو التأكيد على حقيقة الإيمان عند المرجئة، وأنه لا يخرج منه إلى دائرة الشرك إلا عند فساد أصل التصديق. أما الاتجاه الثاني فيتمثل في إبطال حجة الخوارج وأتباعهم من المعتزلة في تكفير مرتكب الكبيرة، والحكم عليه بالخلود في النار، مع تقرير المنهج المتبع عند الأشاعرة في هذه القضية، ومن ثم التشنيع على كل من حكم بالكفر على تارك العمل أو التقصير فيه وعده في جملتهم. وكثيرًا ما يعالج هذه القضايا المتشعبة دون فصل بينها؛ مؤكدًا على الهدف الرئيس منها وهو تقرير مذهبه في الإيمان، مع بيان ما يدعم ذلك من موقفه من نواقض الإيمان وحقيقة الكفر. وفيما يلى عرض لأهم ما قرره وذهب إليه، أشرت إليه تحت خطوط عريضة؛ حتى يتمكن من خلالها فهم ما توصل إليه في هذا الباب، ومن ثم عرضه على مذهب السلف الكرام. أولًا: حقيقة الإيمان، وبيان ما يناقضه: يؤكد الصاوي - كما بينت سابقًا - على حقيقة الإيمان في كثير من المواضع مقررًا ما ذهب إليه الأشاعرة من قصره على التصديق دون العمل، مع بيان أن السبب الرئيس الذي حمل الخوارج على تكفير مرتكب الكبيرة؛ عد العمل داخلًا في صميم الإيمان. (١) وعند تتبع أقوال الصاوي في نواقض الإيمان نجد أنه يقرر ما يؤكد به القضية السالفة، وذلك بحصرها في الاتجاه المعاكس للتصديق، أو ما يمثل الجانب الاعتقادى دون العملى.

стр. 304

فالإنكار والاستحلال والنفاق هي أسس الكفر، والمعول عليه في استحقاق الخلود في النار؛ لأنها تعنى مناقضة الإيمان بالتكذيب. - يقول في بيان حقيقة الكفر الذي استحق لأجله من تلبس به الخلود في النار: "إنما كان جزاء الكفار الخلود في النار؛ لأن الكفر إنكار لكمالات الله، وهى لا تتناهى، فكان جزاؤه عذابًا لا يتناهى، وذلك يتحقق بالخلود بخلاف معصية المؤمن". (١) - أما عن الشرك؛ فيرى أن نسبة الشريك لله تعالى في ربوبيته كما فعل كفار مكة والنصارى كفر، وذلك لأن "نسبة الشريك له - تعالى - يلزم منها التكذيب بآيات الله تعالى". (٢) وقد سبقت الإشارة إلى أنه يرى قلة من كان كفره بسبب الشرك وأن غالب الكفر الواقع بسبب نواقض الإيمان التالية من الجحود والإنكار والنفاق والشك. (٣) - وكذلك الاستحلال، فيرى أن كل ما علم تحريمه بالكتاب والسنة والإجماع فاعتقاد حله كفر مخرج من الملة. (٤) - كما أنه يقسم النفاق إلى قسمين: "عملى واعتقادى، فالعملى أشار إليه ﷺ بقوله: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان). (٥) والاعتقاد هو إظهار الإسلام، وإخفاء الكفر". (٦)

стр. 305

- وكل ما يتضمن التكذيب، كالشك، والعناد، والإنكار، كفر مخرج من الملة، يقول: "المختار عند أهل السنة أن الأعمال الصالحة شرط كمال، فالتارك لها أو لبعضها من غير استحلال ولا عناد ولا شك في مشروعيتها مؤمن فوت على نفسه كمال الإيمان". (١) - ويعرف الشك بأنه: التردد بين شيئين على حد سواء، "فإن العبد إذا تشكك في عقائده كفر". (٢) - ويقول في حكم من جحد شيئًا من الأحكام: كل من جحد حكمًا علم من الدين بالضرورة، بمعنى أنه اشترك في معرفته الخاص والعام، فهو كافر، كجحد وجوب الصلاة أو شيء من أركانها المجمع عليها، كالسجود، وحرمة الزنا، والخمر ونحوهما". (٣) - أما عن الأعمال فلم أجد نصًا عنده على تكفيو شيء منها لمرتكبها سوى السجود لغير الله تعالى، أو سب أي من الملائكة أو الكتب أو الرسل، والذبح بإقران اسم الله تعالى مع غيره، لما في الإتيان بها من علامة على التكذيب والجحود، يقول: "السجود لغير الله كفر، محله إن كان من هوى النفس لا بأمر الله - يعني سجود الملائكة لآدم ﵇". (٤) ويقول في الإنكار والسب: "من أنكر صفة من صفات الله، أو سب ملائكته أو أنكر الكتب السماوية أو سب رسله أو أنكر رسالتهم، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كافٍ في استحقاق الوعيد؛ لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين". (٥) أما عن الذبح المذكور فسياق الكلام يوضح أن المراد مصاحبة ذلك الذبح اعتقاد

стр. 306

الإشراك في استحقاق المقرون ذكره العبادة مع الله تعالى، يقول: "وأما المسلم إن جمع بينهما على وجه التشريك في العبودية فهو مرتد لا تؤكل ذبيحته". (١) ثانيًا: تحقيق الوعد مع وجود مسببه من الإيمان: يقول: "المتقون هم الذين اتقوا الشرك وهم المؤمنون ولو عصاه؛ لأن المتقى هو الآتى بالتقوى ولو مرة واحدة. . . . . والذي يجب الإيمان به أن الجنة تملك بالموت على كلمة التوحيد، ولو صحبها أمثال الجبال من المعاصى. غير أن أهل الجنة مراتب". (٢) ثالثًا: تحقق الوعيد مع وجود المقتضى من الكفر: يؤكد الصاوي على وجوب أن ينال الكافر ما يستحقه من العذاب المؤبد؛ استدلالًا بنصوص الكتاب والسنة الدالة على هذا الأصل، وقد يعلل ذلك الجزاء العادل من الله تعالى بوجود مقتضيه من الكفر والشرك، الدال على الوقوع في أقبح الظلم وأشنعه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. هذا ويجمع إلى ما تقدم الاستدلال بالدليل العقلى المستنبط من تلك الأدلة الشرعية على القطع بمقتضى السمع بإنفاذ الوعد في أهل الإيمان والوعيد في أهل الكفر، يقول: "فتحصل أن وعد الله للطائفتين لا يتخلف جزمًا لتعلق علم الله به، والدليل السمعى. فلو جاز تخلفه لانقلب علم الله جهلًا، وللزم الكذب في خبره تعالى، وكذا وعيده للكفار. أما وعيده للعصاة فتحت المشيئة". (٣) ولبيان هذا الأصل يتأتى الكلام في القضايا التالية:

стр. 307

رابعًا: موانع إنفاذ الوعيد لأصحاب الكبائر من المسلمين: يعتقد الصاوي وجود مكفرات للذنوب سوى التوبة، وقد يذكر ذلك إما على سبيل إبطال حجة الخصم أو على سبيل تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، ويمكن تحديدها وفق هذا الحصر التالى من حواشيه المتعددة: ١ - التوبة، يقول: "فالصدقات لا تكفر جميع السيئات بخلاف التوبة فتكفر جميعها". (١) ٢ - الأعمال الصالحة، فالنص السابق يدل مفهومه على أن الصدقة تكفر الذنوب. ٣ - المصائب، يقول في حال من مات من المسلمين متلبسًا بذنب بلا توبة: "الغالب المغفرة؛ لأن فضل الله واسع، ورحمته تغلب غضبه، وكل ذلك ما لم يمت هديمًا أو غريقًا أو مقتولًا ظلمًا مثلًا، وإلا فيقوم ما ذكر مقام التوبة". (٢) ٤ - الحدود، يقول: "وأما حدود المسلمين فالمعتد أنها جوابر". (٣) "فمتى قتل ولو من غير توبة فقد سقطت الحقوق كلها؛ لأن السيف يجب ما قبله". (٤) ٥ - الشفاعة، يقول: فـ "العاصى إذا مات مصرًا على المعاصى تحت المشيئة إن شاء عذبه مدة ثم يعفو عنه؛ بشفاعة النبي ﷺ ، وإن شاء لم يعذبه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة". (٥) ٦ - العفو، كما دل عليه النص السابق. خامسًا: الرد على شبه الوعيدية: يقول في الرد على كل من جزم بإنفاذ الوعيد لأهل الكبائر على جهة المكث الأبدى:

стр. 308

"وقال أبو هاشم الجبائى وجمهور المعتزلة: إن المتقين هم الذين اتقوا جميع إلمعاصى، فلا يثبت دخول الجنة إلا لمن ترك جميع المعاصى، وهذا مذهب باطل؛ لمخالفته النصوص القرآنية والأحاديث النبوية". (١) وفي معرض آخر يصرح بالأدلة التي يبطل بها مذهبهم من النصوص الشرعية، يقول: "أما المعاصى فلا تبطل ثواب الأعمال الصالحة خلافًا للمعتزلة القائلين بأن الكبائر تحبط الأعمال كالردة، ورد كلامهم بقوله تعالى: ﴿لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] " (٢). وكان هذا ردًا منه بالدليل الشرعي الذي يقطع ببطلان مذهبهم القائم على وجوب إنفاذ الوعيد للعصاة، حيث دل على أن الأمر راجع إلى مشيئته سبحانه، فقد يجازي بالعقاب المتوعد به، وقد يعفو فلا معقب لحكمه سبحانه. وهذا من حيث الأصل في إنفاذ الوعيد لأهل الكبائر، أما في وقوعه على جهة التأبيد لهم، كما يعتمدونه في جانب الذم الموجب لمماثلة حكم أهل الكفر ويستدلون له بالشبه العقلية والنقلية، فللرد عليهم في هذا الباب يوجه أجوبة متعددة، كلها من القوة بمكان، مصوبًا بها أقوى الأدلة النقلية التي يستندون إليها في دعم مذهبهم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. فأجاب أولًا بـ: - سبب نزول هذه الآية، فبعد أن أورد القصة التي اشتهرت في سبب النزول وهى أن من قام بالقتل رجع إلى الكفر؛ معلنًا بذلك ارتداده عن دين الإسلام، وأن الوعيد في الآية قد توجه إليه بناء على ما آل إليه فعله، قال: "فعلى هذا الخلود في الآية على ظاهره" أي أنه استحق ذلك لأنه ارتد عن دينه بعد وقوع القتل منه.

стр. 309

ثانيًا: في الرد على من اعترض بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال إنه يجاب عن ذلك بعدة أجوبة: - "أنه محمول على المستحل لذلك. - أن هذا جزاؤه إن جوزى، أي إن عامله الله بعدله جازاه بذلك، وإن عامله بفضله فجائز أن لا يدخله النار". هنا يورد ما قد يضعف الاحتجاج به، فيقول: "ولكن في هذا الجواب شيئًا؛ لأن فيه تسليمًا أنه إذا جوزى يخلد في النار، وهو غير سديد للقواطع الدالة على أنه لا يخلد في النار إلا من مات على الكفر. - أنه يحمل الخلود على طول المكث". (١) سادسًا: موقفه من مخالفيه (دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀: مما سبق تبين كيف أن الصاوي رد كلام الخوارج والمعتزلة في تكفير مرتكب الكبيرة، وقارعهم في سبيل ذلك بالحجة والبرهان، ولكنه في المقابل لم يكن على استبصار بحقيقة ما حملهم على التكفير، فكل ما قام به في تحليل موقفهم والداعى لما ذهبوا إليه هو تفسيرهم الإيمان بالعمل والطاعة. أقول: إن هذا التصور الخاطئ لحقيقة مذهب الخوارج، حمله على تعميم الحكم في كل من جعل العمل داخلًا في حقيقة الإيمان، وكفر لأجل ذلك من أخل بأصول الإيمان منه، إما بترك الإتيان به كتارك الصلاة بالكلية مثلًا، أو بالتوجه به لغير الله تعالى على جهة الإشراك في توحيد الإرادة والقصد، كما سبق وأن أشرت إلى هذه القضية في مبحث نواقض التوحيد. ولما كانت الحركة الإصلاحية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب هي من تتزعم هذه القضايا - في ذلك الوقت (٢) - مستضيئة بهدى الكتاب والسنة، وقد انتشر صيتها

стр. 310

بين البلاد، وذاع خبرها في الدعوة إلى ما كان عليه سلف الأمة من تعظيم جانب العمل والإخلاص في التوجه به لله تعالى، بعيدًا كل البعد عن معتقد الخوارج الذي حدى بهم إلى تكفير مرتكب الكبيرة، كثر مناوؤها من مختلف البقاع الإسلامية وقاموا بتشويه معالمها، وتحريف بعض ما أتت به من خالص الحق والبيان، فاستجاب لهم الكثير إما تعصبًا وحمية؛ لما كان عليه آباؤهم وكبار علمائهم من تعظيم القبور والتوجه لساكنيها بالدعاء والاستغاثة إلى غير ذلك. وإما جهلًا بحقيقة الدعوة والأسس التي تقوم عليها، كل هذا كان له أسوء الأثر في تحديد موقف الصاوي من هذه الدعوة المباركة، التي كانت قد اشتهرت بالوهابية، نسبة إلى مؤسسها الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀، وفيما يلى نص يصرح فيه بذلك، يقول في تفسير الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]. وقيل: هذه الآية نزلت في الخوارج الذين يحرفون تأويل الكتاب والسنة ويستحلون بذلك دماء المسلمين وأموالهم، كما هو مشاهد الآن في نظائرهم، وهم فرقة بأرض الحجاز يقال لهم: الوهابية، ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون - نسأل الله الكريم أن يقطع دابرهم -". (١) المناقشة: الخلاف مع الأشاعرة في حقيقة الإيمان مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالخلاف معهم في حقيقة الكفر، فلا يمكن بحال الفصل بينهما في تقرير منهج السلف الكرام في هذه القضية.

стр. 311

ومع سبر أقوال الصاوي في مسائل الأسماء والأحكام يمكن الخلوص إلى النقاط الرئيسة التي يجب أن يدور حول محورها النقاش التفصيلى الموصل للحقيقة المستهدفة، وهى كالتالى: أولًا: الإيمان وحقيقة الكفر: مع ما سبق من بيان مكانة العمل من الإيمان عند السلف، إلا أن التأكيد على هذا الأصل متحتم في هذه القضية على جهة الخصوص، إذ الفرق الشاسع بين معتقد المرجئة في العمل من أنه ثمرة للإيمان ومعتقد السلف من أنه لازم له لا يتصور انتفاؤه مع وجود ملزومه؛ جعل هذا أساس في كل اختلاف تفرع عنه من مسائل الأسماء والأحكام، فالتكفير بترك العمل بالكلية ولو مع غير استحلال وإنكار أصل في المعتقد الصحيح المستمد من نصوص الكتاب والسنة، فكما أن التوحيد منه ما هو عملى، وهو توحيد الإرادة والقصد، ومن أخل به وقع في الشرك المناقض لأصل التوحيد المنجى، كذلك الإيمان منه ما هو عمل والعمل منه ما هو أصل فيه، بحيث لو أخل المكلف بالإتيان به وقع في الكفر المناقض للإيمان. والحقيقة التي لا مراء فيها أن الإيمان الشرعي يدخل فيه التوحيد بإقرار الأشاعرة أنفسهم، كما سبق بيانه ولكن الخلاف معهم في نوع هذا التوحيد، وما هو المنجى منه، فهم يقرون بأن من صدق بالله تعالى واعتقد مشاركًا له في ربوبيته لم ينجه ذلك الإيمان، لأنه خالف الإيمان الشرعي الذي يحكم لمن أتى به بالنجاة في الدارين، يؤكد هذا عدهم الإشراك في توحيد الربوبية من نواقض الإيمان الكفرية، إذ الكفر أنواع والشرك واحد منها، كما هو واضح من كلام الصاوي، وإن اعتقد بقلة من كفر من الثقلين بسببه. (١) فهذا الأصل المجمع عليه بين الأشاعرة والسلف يعد نقطة مهمة في تحديد محور الخلاف، الذي به يمكن التوصل إلى نتيجة تقنع المتجرد لمعرفة الحقيقة، فإذا ثبت أن

стр. 312

توحيد الإرادة والقصد والذي يعني إفراده تعالى بأنواع العبادة الفعلية والاعتقادية من صميم التوحيد الذي يحصل به النجاة؛ ثبت في المقابل أن الإيمان المنجى ما كان مشتملًا على الأركان الأساسية من العمل، كالإقرار والصلاة والتحاكم لشرع الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة مع الإتيان بشرط قبوله من الإخلاص والمتابعة؛ لأنه لا يقبل منه إلا ما تحقق فيه ركنى توحيد الإرادة والقصد. وإذا تبين مدى الارتباط الوثيق بين مكانة العمل من الإيمان بحقيقة التوحيد المنجى في المعتقد الصحيح النابع من مقتضى التسليم بنصوص الوحى المنزل من عند الله تعالى؛ ثبت أنه لا انفكاك في الاعتقاد الجازم بأن الإخلال بأى منهما هو من الكفر المخرج من الملة بالكلية. وفي ما يلى نصوص من الكتاب والسنة، تثبت هذه الحقيقة المجمع عليها عند السلف: - قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. روى الخلال عن الإمام أحمد ما نصه: "قال الحميدي: وأخبرت أن قومًا يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل من ذلك شيئًا حتى يموت فهو مؤمن؛ ما لم يكن جاحدًا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه إذا كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر بالله الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفعل المؤمنين، قال الله : ﴿حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾. قال حنبل: قال أبو عبد الله: من قال هذا فقد كفر بالله، ورد على الله أمره وعلى الرسول ما جاء به". (١)

стр. 313

- وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. - وقال عز من قائل: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ١١]. فهذا نص على أن النجاة المناطة بدخول الدين المرتضى من عند الله سبحانه لا تكون إلا بالإتيان بهذه الفروض المذكورة، ومن المعلوم أن الدين مراتب: إسلام فإيمان فإحسان، كما دل على ذلك حديث جبريل ﵇، فتعليق حصول الأخوة الدينية على شرط الإتيان بالعمل دليل على انتفاء موجبها من التدين عمن لم يتأتى منه ذلك العمل. يقول الصحابى الجليل أنس - رضي الله تعالى عنه -: "هو دين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم، قبل هرج الأحاديث، واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله، قال الله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، قال: توبتهم: خلع الأوثان، وعبادة ربهم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم قال في آية أخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ " (١) - وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٤٧]. ففى هذه الآية دليل بيَّن على أن ترك الانقياد والإعراض عن الطاعة لازم لانتفاء الإيمان بالله تعالى من قلب العبد، يقول شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: "ففى القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يات بالعمل مواضع كثيرة، كما نفى فيها الإيمان عن المنافق" (٢)

стр. 314

وقد استدل ﵀ بهذه الآية الكريمة، وبغيرها من الأدلة الكافية في بيان هذا الأصل المجمع عليه عند السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -. ومن كل ما سبق نصل إلى أن حقيقة الكفر، كما دلت عليها نصوص الكتاب والسنة إنما تكون بمناقضة الإيمان الشرعي المركب من الاعتقاد والقول والعمل، فكل ما ناقض هذه الأصول هو كفر صراح مخرج من الملة بالكلية. فأنواع الكفر الأكبر المنافى للإيمان إضافة إلى ما ذكره الصاوي، كما بينها العلماء هي: - كفر الشرك: فقد تقدم أنه لا يتحقق التصديق بالله تعالى إلا بتوحيده عن مماثلة الغير ذاتًا وأفعالًا، وصفاتًا، كما أنه لا يتحقق لازم التصديق من العمل إلا بتوفر شرطى القبول: الإخلاص والمتابعة، ركنى توحيد الإرادة والقصد. فالارتباط إذًا واضح، بين حقيقة الإيمان المنجى، والتوحيد المعتمد الذي يجعل تحقق كل واحد منهما لازمًا لوجود الآخر، وانتفاء أحدهما دليلًا على انتفاء الثاني، فالتصديق الذي هو أصل الإيمان مرادف لقرار بربوبيته تعالى، ولازمه من العمل الصالح مرادف لتوحيد الألوهية. وعليه، فأى إخلال يقدح في التوحيد من ناحية الاعتقاد أو العمل يعد كفرًا مناقضًا للإيمان مخرجًا لصاحبه من الملة. والأدلة على هذا الأصل كثيرة متضافرة: قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]. يقول الإمام ابن القيم ﵀ في بيان هذا الشرك الذي صدق على أصحابه وصفهم بالكفر: "وهذه التسوية إنما كانت في الحب والتأليه واتباع ما شرعوا، لا في الخلق والقدرة والربوبية، وهى العدل الذي أخبر به عن الكفار.

стр. 315

وأصح القولين أن معنى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، فيجعلون له عدلًا يحبونه ويقدسونه ويعبدونه، كما يعبدون الله". (١) - كفر الإعراض والتولى: قال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤]. وقال: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨]. والنصوص الثابتة من جهة الشرع في الدلالة على أن الإعراض بالقلب أو العمل عن مقتضى الإيمان من الانقياد بالقلب واللسان لما يرضى الرحمن كثيرة ومتضافرة، وقد أشرت إلى هذا عند بدء الحديث عن حقيقة الكفر المناقض للإيمان. ولى أن أقف مع عمل من الأعمال الظاهرة، قد استفاضت الأدلة الشرعية في بيان مكانته من الإيمان، بحيث لو انتفى الإتيان به كان دالًا على وجود موجبه من الكفر المخرج من الملة: الصلاة، ذلكم المعلم البارز الدال على حقيقة التدين، حتى استحق أن يكون الحد والمانع بين النقيضين: الكفر والإيمان. فمن تلك الأدلة قول المصطفى ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). (٢) ولا شك في أن مجى الكفر معرفًا في الحديث؛ دليلًا على تحديده بالكفر المعهود الذي صار علمًا على مناقضة الإيمان بالكلية.

стр. 316

يوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ﵀ حين قارن بين الكفر المتعلق ببعض الكبائر، الذي وردت به الأحاديث منكرًا، وبين هذا الكفر الذي أتى معرفًا في سياق ما ورد في بيان مكانة الصلاة والتحذير من التهاون فيها، يقول: "ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر، يصير بها كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها مؤمنًا، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته". وفرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة). (١) وبين كفر منكر في الإثبات. (٢) وقد أجمع الصحابة على ذلك فـ: "لم يكن أصحاب النبي يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". (٣) وقال أبو عيسى (الترمذي): سمعت أبا مصعب المدنى، يقول: من قال: الإيمان قول يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٤) ومع التوصل إلى محل النزاع بين الفرق المختلفة في هذه الحقيقة الكبرى، أعنى الإيمان والكفر، كان كل اختلاف بعدها في مسائل الأسماء والأحكام من الوعد والوعيد يعد تفرعًا عن هذا الأساس. ويفهم حقيقة الخلاف فيه تتجلى كل التصورات الفاسدة فيما انبنى عليه من المسائل التالية: * * *

стр. 317

ثانيًا: تحقق الوعد مع وجود مقتضيه من الإيمان: وهنا سيدور النقاش مع الصاوي في هذه القضية حول بعدين من أبعادها: أولًا: تسمية من أتى بالتصديق المجرد عن العمل، أو من أتى بالتصديق مقترنًا بالإقرار بالمؤمن. - وإطلاق التقوى على كل من وحد الله تعالى التوحيد المعتبر عند الأشاعرة، أو من أتي بالتقوى ولو مرة واحدة في عمره! ثانيًا: الحكم على من صدق ولو مع انعدام العمل باستحقاق الجنة. وهذا في الحقيقة مناقض للصريح من النصوص الشرعية كما بين ذلك العلماء. أذكر منها: حديث المصطفى ﷺ لوفد عبد القيس حين عرف الإيمان بالأعمال الظاهرة، فقد دل هذا الحديث على أنه لا يحكم لأحد بالإيمان حتى يكون منه العمل الصالح، يقول شيخ الإسلام ﵀: "لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه". (١) أما الأحاديث التي وردت في بيان فضل كلمة التوحيد، وأنها مفتاح الجنة فصحيحة، ولكن لا دليل فيها على ما يذهب إليه المرجئة من استحقاق الجنة بالتلفظ بها دون تصديقها بالعمل، فقد اتفق العلماء على أن هذه الكلمة تمثل الميثاق والعهد الذي أنيط به الالتزام بكافة الأحكام الشرعية، وهذه بدورها منها ما هو أصل في قبولها، بحيث يعد التخلي عن الالتزام به ناقضًا من نواقض كلمة التوحيد، لذا فقد عد العلماء لهذه الكلمة سبعة شروط، انتفاء أي واحد منها يعد ناقضًا لها: العلم واليقين والقبول ... والانقياد فادر ما أقول والصدق والإخلاص والمحبة ... وفقك الله لما أحبه (٢)

стр. 318

وهذا الذي ذكره العلماء في بيان شروط كلمة التوحيد إنما هو حصيلة الجمع بين نصوص الكتاب والسنة، والذي يحتمه التسليم والرضا بكافة ما ورد فيهما دون تغليب لجانب على آخر، فلا إفراط ولا تفريط. وإذا ثبت هذا الأصل، علم أساس الضلال فيما انبنى على مسائل الإيمان والكفر من أحكام الوعد والوعيد عند الفرق المختلفة، فعلاوة على ما سبق بيانه من الأسس التي انبنى عليها فهم كل منهم لهذه المسائل العظام التي ترتكز عليها أحكام الدنيا والآخرة، فإن ذلك الفهم القاصر لحقيقة ما جاء به الدين المنزل من عند الله تعالى؛ حمل كل فرقة منهم على تغليب جانب منه على الجانب الآخر، مما يدل على ضعف البصيرة التي امتدح الله تعالى عباده المتصفين بها. فالخوارج غلبوا جانب الوعيد على الوعد، والمرجئة في المقابل غلبوا جانب الوعد على الوعيد؛ فضلت الفئتان عن سلوك الصراط المستقيم الموجب للإيمان بـ (كل من عند ربنا) وكان السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - هم من مثل منهج التوسط في هذا الباب كما أسلفت سابقًا. فالارتباط بين الظاهر والباطن، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد معاند، فإن من اطمأن قلبه بالإيمان والتسليم لا بد أن يظهر أثر ذلك على ظاهره يالامتثال للمأمور والترك للمحظور، والعكس بالعكس فإن من انطوى على خبث نية حتى مع إظهار ما يخالفها لا بد أن يتبين حقيقة ما أسره ولو من فلتات لسانه. فمن غير المعقول أن يمتنع المكلف عن الامتثال مع توفر المقتضى من الإيمان والتصديق، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن القيم ﵀ حيث قال: "مبدأ كل علم نظرى، وعمل اختيارى هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضى وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطى العادة". (١)

стр. 319

دل على هذا الأصل حديث المصطفى ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). (١) يقول الإمام ابن رجب (٢): "فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه: فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله تعالى، ومحبة ما يحبه .. صلحت حركات الجوارح كلها. وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه .. فسدت حركات الجوارح كلها". (٣) وهذا لازم لمن نطق بكلمة التوحيد على جهة الإخلاص والتسليم، فإن لهذه الكلمة العظيمة نورًا تتفاوت درجات قائليها بقدر قوته وضعفه. فكلما عظم نورها أحرق ما صادفه من الشهوات والشبهات، وقد يضعف فلا يحول بين قائلها وبين الوقوع في المحرمات. (٤) وأما في حال انتفائه، فهذا هو النفاق الذي كان عليه المنافقون، فإنه لشدة ضعف نورها في قلوبهم مع ذهاب موجبها من التصديق التام، ينطفئ فيحصل لهم التيه في ظلمات الكفر والضلال، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]. وبعد هذا التفصيل في حقيقة الإيمان الموجب للفوز وتحقق الوعد بالنجاة، تتحتم المناقشة في قضية مهمة سبقت الإشارة إليها، وهي: تعريف التقوى بأنها الإقرار

стр. 320

بالتوحيد - كما فهمه الأشاعرة - وأن هذا كافٍ في نيل ما وعد به المتقون من الأمن التام، وتحقق السعادة في الدارين. إن حقيقة ما ذهب إليه الصاوي في هذا الجانب غلو في باب الوعد لا يقره مستبصر بأقوال السلف وفهمهم لحقيقة التقوى التي استفاضت الأدلة بالأمر بالتمسك بها وتعليق النجاة على تحقيقها. قال عبد الله بن مسعود الصحابى الجليل - رضى الله عنه - في معنى التقوى: "أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر". (١) وقال الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز: "تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير". وقال الصحابى الجليل معاذ بن جبل - رضى الله عنه -: المتقون هم قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة. (٢) وقد أفاض الإمام ابن رجب في عرضه لأقوال السلف في تعريفها، وبيان المراد منها، وبناء على ما اشتملت عليه تلك الأقوال من نكت مهمة ومعانٍ عظيمة يمكن الخلوص إلى ما مفاده: أن التقوى منها الكاملة، ومنها الواجبة، ومنها ما هو أصل في الدين فلا يتأتى القبول إلا بتحققه. فالكاملة هي التي تعنى بلوغ مرتبة الإحسان، فاجتناب المعاصى والمكروهات وفعل الواجبات والمستحبات هو السبيل إلى الاتصاف بها، وهذا كتفسير ابن مسعود وتفسير علي ﵄ لها وغيرهما من كبار الصحابة والتابعين وهذه هي التي يتحقق الفوز الكامل والنجاة في الدارين على الأتيان بها، وبها تنال ولاية الله تعالى التامة التي تستوجب تمام رضاه عن العبد فينتفى عنه الخوف والحزن في الدارين، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
следующие страницы →