يوضح هذا المعنى شيخ الإسلام ﵀ حين قارن بين الكفر المتعلق ببعض الكبائر، الذي وردت به الأحاديث منكرًا، وبين هذا الكفر الذي أتى معرفًا في سياق ما ورد في بيان مكانة الصلاة والتحذير من التهاون فيها، يقول: "ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر، يصير بها كافرًا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير بها مؤمنًا، حتى يقوم به أصل الإيمان وحقيقته".
وفرق بين الكفر المعرف باللام، كما في قوله ﷺ : (بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة). (١)
وبين كفر منكر في الإثبات. (٢)
وقد أجمع الصحابة على ذلك فـ: "لم يكن أصحاب النبي يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة". (٣)
وقال أبو عيسى (الترمذي): سمعت أبا مصعب المدنى، يقول: من قال: الإيمان قول يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. (٤)
ومع التوصل إلى محل النزاع بين الفرق المختلفة في هذه الحقيقة الكبرى، أعنى الإيمان والكفر، كان كل اختلاف بعدها في مسائل الأسماء والأحكام من الوعد والوعيد يعد تفرعًا عن هذا الأساس.
ويفهم حقيقة الخلاف فيه تتجلى كل التصورات الفاسدة فيما انبنى عليه من المسائل التالية:
* * *
стр. 317
ثانيًا: تحقق الوعد مع وجود مقتضيه من الإيمان:
وهنا سيدور النقاش مع الصاوي في هذه القضية حول بعدين من أبعادها:
أولًا: تسمية من أتى بالتصديق المجرد عن العمل، أو من أتى بالتصديق مقترنًا بالإقرار بالمؤمن.
- وإطلاق التقوى على كل من وحد الله تعالى التوحيد المعتبر عند الأشاعرة، أو من أتي بالتقوى ولو مرة واحدة في عمره!
ثانيًا: الحكم على من صدق ولو مع انعدام العمل باستحقاق الجنة.
وهذا في الحقيقة مناقض للصريح من النصوص الشرعية كما بين ذلك العلماء.
أذكر منها: حديث المصطفى ﷺ لوفد عبد القيس حين عرف الإيمان بالأعمال الظاهرة، فقد دل هذا الحديث على أنه لا يحكم لأحد بالإيمان حتى يكون منه العمل الصالح، يقول شيخ الإسلام ﵀: "لا إيمان باطن إلا بإسلام ظاهر، ولا إسلام ظاهر علانية إلا بإيمان سر، وأن الإيمان والعمل قرينان لا ينفع أحدهما بدون صاحبه". (١)
أما الأحاديث التي وردت في بيان فضل كلمة التوحيد، وأنها مفتاح الجنة فصحيحة، ولكن لا دليل فيها على ما يذهب إليه المرجئة من استحقاق الجنة بالتلفظ بها دون تصديقها بالعمل، فقد اتفق العلماء على أن هذه الكلمة تمثل الميثاق والعهد الذي أنيط به الالتزام بكافة الأحكام الشرعية، وهذه بدورها منها ما هو أصل في قبولها، بحيث يعد التخلي عن الالتزام به ناقضًا من نواقض كلمة التوحيد، لذا فقد عد العلماء لهذه الكلمة سبعة شروط، انتفاء أي واحد منها يعد ناقضًا لها:
العلم واليقين والقبول ... والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة ... وفقك الله لما أحبه (٢)
стр. 318
وهذا الذي ذكره العلماء في بيان شروط كلمة التوحيد إنما هو حصيلة الجمع بين نصوص الكتاب والسنة، والذي يحتمه التسليم والرضا بكافة ما ورد فيهما دون تغليب لجانب على آخر، فلا إفراط ولا تفريط.
وإذا ثبت هذا الأصل، علم أساس الضلال فيما انبنى على مسائل الإيمان والكفر من أحكام الوعد والوعيد عند الفرق المختلفة، فعلاوة على ما سبق بيانه من الأسس التي انبنى عليها فهم كل منهم لهذه المسائل العظام التي ترتكز عليها أحكام الدنيا والآخرة، فإن ذلك الفهم القاصر لحقيقة ما جاء به الدين المنزل من عند الله تعالى؛ حمل كل فرقة منهم على تغليب جانب منه على الجانب الآخر، مما يدل على ضعف البصيرة التي امتدح الله تعالى عباده المتصفين بها.
فالخوارج غلبوا جانب الوعيد على الوعد، والمرجئة في المقابل غلبوا جانب الوعد على الوعيد؛ فضلت الفئتان عن سلوك الصراط المستقيم الموجب للإيمان بـ (كل من عند ربنا) وكان السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - هم من مثل منهج التوسط في هذا الباب كما أسلفت سابقًا.
فالارتباط بين الظاهر والباطن، حقيقة لا ينكرها إلا جاحد معاند، فإن من اطمأن قلبه بالإيمان والتسليم لا بد أن يظهر أثر ذلك على ظاهره يالامتثال للمأمور والترك للمحظور، والعكس بالعكس فإن من انطوى على خبث نية حتى مع إظهار ما يخالفها لا بد أن يتبين حقيقة ما أسره ولو من فلتات لسانه.
فمن غير المعقول أن يمتنع المكلف عن الامتثال مع توفر المقتضى من الإيمان والتصديق، وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن القيم ﵀ حيث قال: "مبدأ كل علم نظرى، وعمل اختيارى هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضى وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطى العادة". (١)
стр. 319
دل على هذا الأصل حديث المصطفى ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). (١)
يقول الإمام ابن رجب (٢): "فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه واجتنابه للمحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه:
فإن كان قلبه سليمًا ليس فيه إلا محبة الله تعالى، ومحبة ما يحبه .. صلحت حركات الجوارح كلها.
وإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه .. فسدت حركات الجوارح كلها". (٣)
وهذا لازم لمن نطق بكلمة التوحيد على جهة الإخلاص والتسليم، فإن لهذه الكلمة العظيمة نورًا تتفاوت درجات قائليها بقدر قوته وضعفه.
فكلما عظم نورها أحرق ما صادفه من الشهوات والشبهات، وقد يضعف فلا يحول بين قائلها وبين الوقوع في المحرمات. (٤)
وأما في حال انتفائه، فهذا هو النفاق الذي كان عليه المنافقون، فإنه لشدة ضعف نورها في قلوبهم مع ذهاب موجبها من التصديق التام، ينطفئ فيحصل لهم التيه في ظلمات الكفر والضلال، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠].
وبعد هذا التفصيل في حقيقة الإيمان الموجب للفوز وتحقق الوعد بالنجاة، تتحتم المناقشة في قضية مهمة سبقت الإشارة إليها، وهي: تعريف التقوى بأنها الإقرار
стр. 320
بالتوحيد - كما فهمه الأشاعرة - وأن هذا كافٍ في نيل ما وعد به المتقون من الأمن التام، وتحقق السعادة في الدارين.
إن حقيقة ما ذهب إليه الصاوي في هذا الجانب غلو في باب الوعد لا يقره مستبصر بأقوال السلف وفهمهم لحقيقة التقوى التي استفاضت الأدلة بالأمر بالتمسك بها وتعليق النجاة على تحقيقها.
قال عبد الله بن مسعود الصحابى الجليل - رضى الله عنه - في معنى التقوى: "أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر". (١)
وقال الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز: "تقوى الله: ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا، فهو خير إلى خير".
وقال الصحابى الجليل معاذ بن جبل - رضى الله عنه -: المتقون هم قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان، وأخلصوا لله بالعبادة. (٢)
وقد أفاض الإمام ابن رجب في عرضه لأقوال السلف في تعريفها، وبيان المراد منها، وبناء على ما اشتملت عليه تلك الأقوال من نكت مهمة ومعانٍ عظيمة يمكن الخلوص إلى ما مفاده: أن التقوى منها الكاملة، ومنها الواجبة، ومنها ما هو أصل في الدين فلا يتأتى القبول إلا بتحققه.
فالكاملة هي التي تعنى بلوغ مرتبة الإحسان، فاجتناب المعاصى والمكروهات وفعل الواجبات والمستحبات هو السبيل إلى الاتصاف بها، وهذا كتفسير ابن مسعود وتفسير علي ﵄ لها وغيرهما من كبار الصحابة والتابعين وهذه هي التي يتحقق الفوز الكامل والنجاة في الدارين على الأتيان بها، وبها تنال ولاية الله تعالى التامة التي تستوجب تمام رضاه عن العبد فينتفى عنه الخوف والحزن في الدارين، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
стр. 321
قال الإمام الثوري ﵀: إنما سموا متقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يتقى.
وكلما قل الالتزام بالتقوى؛ قل ما أنيط بها من حصول الأمن وانتفاء الحزن.
أما التقوى الواجبة فهى التي أرادها الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز ﵁ وهى التي تحمل صاحبها على فعل المامور وترك المحظور، وكم من الآيات التي تأمر المؤمنين بالتمسك بها، ومن المعلوم أن الأمر مقتضاه الوجوب، كما هو معلوم في أصول الفقه على القول الراجح في المسألة؛ لذلك قال الإمام ابن رجب: "وقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات، كما قال أبو هريرة وسئل عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى" (١)
وأصل التقوى هو ما ذكره الصحابى الجليل معاذ بن جبل - رضى الله عنه - من أنها: نبذ الشرك وإخلاص العبادة لله تعالى. فالمراد إذًا تحقيق توحيد الألوهية الذي يعني الإتيان بركنى القبول، فالمقصود: أن تكون من العبد عبادة، ولا يسمى العمل عبادة لله إلا إذا كان مما تعبدنا الله تعالى به على لسان نبيه، وأن يراد بها وجه الله تعالى.
وهذا ما فسر به قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
يقول شيخ الإسلام ﵀: "المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قال: أخلصه وأصوبه" (٢).
وعليه فإن ما ذهب إليه الصاوي في أن المتقى هو من أتى بالتقوى ولو مرة واحدة، مخالف للتقسيم السابق الذي دل عليه فهم علماء الامة لحقيقة التقوى المأمور بها، حتى صارت علمًا عند الكثير على ترك المعاصى والحذر منها؛ خوفًا من عقاب الله تعالى، وحذرًا من عذابه.
стр. 322
فالتقى هو من أخذ بأسباب السلامة من موجبات الغضب والعقاب؛ فاستحق بذلك خالص الثناء الدال على عظيم الجزاء والثواب، أما قبول العمل الذي اشترط بالتقوى فهو الذي بينه شيخ الإسلام بأن يكون ذلك العمل قد اتقى الله تعالى فيه، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث.
وهذا ما التبس على الصاوي حيث لم يفرق بين التسمية التي تضافرت الأدلة على أنها لا تكون إلا لمن اتصف بالامتثال للمأمور واجتناب المحظور، حتى صارت علمًا على ذلك، كما هو ظاهر من أقوال السلف، وبين أصل التقوى التي هي شرط في قبول العمل، وعليه فإن المفرط لا يستحق هذا الوصف على جهة التسمية، كما فرق بين وصف الإيمان المطلق الموجب للفوز والنجاة من العذاب، وبين مطلق الإيمان المانع من الخلود في النار.
ففرق بين التقوى المناطة بقبول آحاد العمل، وبين التقوى المطلقة المقتضية لنيل الدرجات العلى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
ثالثًا: القطع بإنفاذ الوعيد مع تحقق المقتضى وانتفاء المانع:
فالصاوي يقطع بإنفاذ الوعيد لكل من استحقه بوقوعه في الكفر المناقض للإيمان بأنواعه المعتبرة عند الأشاعرة؛ كالإشراك في الربوبية، والتكذيب، والشك، والنفاق، ومناقشته في هذه القضية ترجع إلى بيان حقيقة الكفر المعتبر شرعًا، والذي عليه يترتب الوعيد بالخلود في النار، وقد تقدم ذلك.
أما عن موانع إنفاذ الوعيد التي أوردها في حق من آمن ووحد، فلا خلاف في أحقيتها مع تحقق الإيمان الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية التي قضت باعتباره لثبوت حكم الإيمان للمعين.
هذا وقد بين شيخ الإسلام ﵀ إضافة إلى ما ذكر - أن من الموانع:
стр. 323
- دعاء المؤمنين، قال رسول الله ﷺ : (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه). (١)
- ويدخل فيه كل ما يصل إلى الميت من بر وصلة، كما دل عليه حديث المصطفى ﷺ : (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية. وعلم ينتفع به. وولد صالح يدعو له). (٢)
- وكل ما يلقاه المسلم بعد موته من ضمة القبر أو عذابه وأهوال يوم القيامة، فهو من المكفرات إذ لا تخرج عن جملة البلايا المكفرة للذنوب. (٣)
وفي رده على الشبه النقلية للوعيدية، نجده قد وافق الحق الذي عليه سلف الأمة، ومع ذلك لا يخلو الأمر من بعض التوجيهات في هذه القضية الشائكة والتي قام بعرض أقوال السلف فيها دون ترجيح لراجح منها، بحيث لا يرد عليه اعتراض من صاحب هوى، وذلك أن القول الأول الذي أورده كجواب على المعترض باعتبار السبب دون عموم اللفظ وهو الاستحلال، لا يقوى في الرد على شبههم، لأنه من الثابت في أصول الفقه أن ترتب الحكم على الوصف المناسب يدل على كونه علة له، وهو ما يسمى بدوران الحكم مع العلة وجودًا وعدمًا (٤)، كما أن منشأ استحقاق الوعيد هو قتل العمد لا الكفر لأنه ليس بعد الكفر ذنب، فدل على أن ارتكاب جريمة القتل في حق المؤمن هو المراد بالوعيد الوارد في الآية.
أما الجواب الثاني وهو: هذا جزاؤه إن جازاه، فقد أجاد في بيان عدم كفايته، ولكن الأقوى أن يقال: إن هذا القول يفضي إلى اعتقاد أن كلامه سبحانه منه ما هو محض خبر، لأنه إما أن يتحقق وقوعه أو لا يتحقق.
стр. 324
فالفرض الأول: وهو إمكان وقوعه لبعض أهل الكبائر يقضي بخلودهم في النار، وهذا مخالف لصريح النصوص الشرعية الحاكمة بعدم خلودهم فيها.
أما الفرض الثاني: وهو القطع بعدم تحققه، فإنه يفضي إلى ما سبق بيانه من اعتقاد أن كلامه سبحانه منه ما هو محض أخبار لا يلزم من الإخبار بها أن تتحقق، وهذا باطل. وقد يفتح بابًا للتأويل الغير معتبر شرعًا، المبني على غير أساس من الصحة.
وكان جوابه الثالث الذي أورده وهو تأويل الخلود في حق مرتكبي الكبائر بطول المكث موافقًا للكثير من أهل السنة وقد احتجوا باستعماله في اللغة، وذلك أن استعمال الخلود لطول المكث مما عهد في لغة العرب، قال الشاعر:
فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ... صمًا خوالد ما يبين كلامها (١)
يقول الإمام ابن كثير ﵀: "وبتقدير دخول القاتل في النار إما على قول ابن عباس ومن وافقه أنه لا توبة له، أو على قول الجمهور حيث لا عمل له صالحًا ينجو به فليس بمخلد بها أبدًا، بل الخلود هو المكث الطويل" (٢)
وقد اعترض عليه بأنه يفتح باب التأويل لجميع النصوص التي ورد فيها الخلود بأنه المكث الطويل بما في ذلك الخلود في الجنة للمؤمنين والخلود في النار للكافرين. (٣)
يقول الحافظ ابن حجر: "وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا حقيقة الدوام كأنه يقول: يخلد مدة معينة، وهذا أبعدها". (٤)
والقول الفصل في الجمع بين نصوص الوعد التي قضت بخلود المؤمنين إما على سبيل النجاة الكاملة أو مع وقوع العذاب واندفاعه بعد ذلك لتحقق موجب الوعد
стр. 325
من الإيمان، وبين نصوص الوعيد التي دلت على استحقاق مرتكبي الكبائر للخلود في النار هو ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀ حيث بين أن هذه النصوص كل الذي دلت عليه هو "المقتضى للعقوبة" بمعنى السبب الموجب لترتب الحكم عليه.
وهذا المقتضى في الحقيقة الشرعية لا يلزم من وجوده وجود ما يقتضيه من أحكام العقوبة على الإطلاق، لأنه سبب، والسبب حتى يعمل لا بد من وجود مقتضيه أن تنتفى موانع إنفاذه، وقد ثبت أن لإنفاذ الوعيد موانع تحول دون وقوعه على من أتى بها، وعلى رأس تلك الموانع: التوحيد، الذي دلت النصوص القاطعة على اعتباره مانعًا من وقوع الوعيد إما قطعًا، أو على جهة التأبيد، فقد ثبت عن المصطفى ﷺ أنه قال: (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة: قلت: وإن سرق وإن زنا؟ قال: وإن سرق وإن زنا). (١)
والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، والشفاعة وغير ذلك مما تقدم، كلها تؤكد هذه الحقيقة.
"ومن هنا قامت الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ اعتبارًا بمقتضى العقاب ومانعه، وإعمالًا لأرجحها". (٢)
وهذا هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ حيث "جعل ما دون ذلك الشرك معلقًا بمشيئته" (٣) وقد أحسن الصاوي في استدلاله بهذه الآية لبيان بطلان مذهب الوعيدية في هذا الباب.
وتبقى مناقشته في حقيقة هذا الشرك الذي توعد الله تعالى من وقع فيه بعدم المغفرة الموجبة للقطع بالخلود في النار.
стр. 326
رابعًا: موقفه من دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀:
ومن هنا نصل إلى أساس الخطأ الذي حمل الصاوي وأمثاله على مناوأة الدعوة السلفية بقيادة الإمام محمد بن عبد الوهاب، فقد كانت القضايا المتعلقة بإخلاص التوحيد لله تعالى علمًا وعملًا، مع إقامة شرائع الدين، كما دلت عليها نصوص الوحي، هي الدعائم التي تمثل الركيزة الأولى التي قامت على أساسها هذه الدعوة المباركة.
ومع عدم وضوح الحق للبعض، التبس على الكثير الأمر، فظنوا أنها ذنب من أذناب الخوارج المكفرين بغير سلطان أتاهم. وشتان بين من كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه، وبين من كان في حمأة الضلال يرجع الرد والأخذ إلى هواه، فلا هو مستنير بهدى الكتاب، ولا سنة المصطفى ﷺ ، وقد كان فيهما الهدى والكتاب المنير لمن أراد الحق والرشاد.
والنزاع الحاصل في الحقيقة يرجع إلى القضايا التالية:
- ارتكاب ما ينافي حقيقة الإيمان من النواقض المكفرة.
- مسألة تكفير المعين.
ولي وقفة مع كل واحدة منها أبين فيها كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب حتى يظهر لطالب الحق البون الشاسع بين مذهب الخوارج، وحقيقة ما دعا إليه الإمام - عليه رحمة الله تعالى -.
وقد سبق لي بيان حقيقة الإيمان الشرعي، وما يناقضه من أنواع الكفر المخرج من الملة. وهنا فقط التزم بعرض أقوال للإمام التي صرح فيها ببيان أهمية الحفاظ على سلامة العقيدة من النواقض السالفة الذكر، والتأكيد على مكانة التوحيد وأنه الركن الذي عليه المعول في قبول العمل، وكيف أنه حرص أشد الحرص ﵀ على أن يعيد لكلمة التوحيد حقيقتها المستمدة من الوحى.
فقد دلت نصوص الوحي على أن كلمة التوحيد تمثل التزامًا تكليفيًا فعليًا من
стр. 327
القائل يتوجب عليه بمجرد التلفظ بها القيام بحقوقها وحمايتها من فعل ما يناقض حقيقة الإقرار والتسليم لمقتضاها.
فمع انتشار الجهل، وعموم البلوى بظهور ضعاف العلم؛ وقع الكثير في اعتقاد أن التلفظ بها كافٍ في الحماية من الكفر بأنواعه. هنا أتت كلماته الصادقة ﵀ تلفت الانتباه وتوقظ الغافلين من سبات الجهل والضلال إلى "أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه والبراءة منه". (١)
وحرصًا منه ﵀ على جلاء هذه الحقيقة التي شوهت معالمها عند الكثير، عمل جاهدا على إبراز معالم الدين المنزل من عند الله تعالى على الرسول ﷺ ، وحقيقة ما كان يدعو إليه من الدعوة إلى توحيد الألوهية ومحاربة ألوان الشرك التي أفرزها البعد عن هدى الرسل والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -، وقد استدعى هذا أن يبين حقيقة الشرك الذي وقع فيه كفار قريش وكيف أنه لم يكن الداعي إليه اعتقاد مصرف غيره في الكون وإنما أتي القوم من قبل أنفسهم باعتقاد أن ثمة ما يقربهم إليه سبحانه بأنواع الوسائط والشفاعات الشركية، التي تقدح في حقيقة ما دعا إليه الرسل بقولهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، كما بين ذلك القرآن الكريم، ودل عليه صراحة.
كل هذا كان محل أولى اهتمامات الشيخ ﵀ في دعوته الناس في سائر الأقطار، فقد أهاله أن تقال هذه الكلمة، ثم لا يكون ذلك رادعًا من الوقوع فيما يناقضها رأسًا، بأن تنتهك حرمات هذا الدين من قبل الدجالين تحت شعارات زائفة باسم الولاية والكرامة إلى غير ذلك. (٢)
فأتت دعوته المباركة واضحة المقصد نبيلة الغاية، ترنو إلى إعادة التصور السليم لحقيقة التوحيد، كما أنزل به القرآن غضًا طريًا على محمد ﷺ .
стр. 328
يقول: "اعلم - رحمك الله -: أن التوحيد هو إفراد الله سبحانه بالعبادة، وهو دين الرسل الذين أرسلهم الله به إلى عباده.
فأولهم نوح ﵇ أرسله الله إلى قومه لما غلو في الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر.
وآخر الرسل محمد ﷺ ، وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله الله إلى أناس يتعبدون، ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين الله، يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين، بعث الله إليهم محمدًا ﷺ يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم ﵇ ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله، لا يصلح منه شيء لا لملك مقرب ولا نبى مرسل، فضلًا عن غيرهما" (١)
وبناء على هذا العرض المجمل لأهم ما دعا إليه الإمام ﵀، يتبين ضلال من قام باتهام الشيخ بأنه مكفر للمسلمين مضلل لهم بغير سلطان ولا بينة، ومع هذا فقد كان الشيخ ﵀ رجل علم وصاحب حق على ورع وتقوى متبع لمنهج السلف الكرام في هذه المسائل العظام قد فرق بين كفر المعاند الضال، وبين الجاهل من عامة المسلمين.
وبهذا يكون الإمام قد فارق الخوارج من كل جانب، أولها: أنه لم يكفر أحدًا لارتكاب الكبيرة، كما فعل الخوارج من قبل، بل الكافر شرعًا - عنده - هو من أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية أو الفعلية أو الاعتقادية، كما اتضح سابقًا عند عرض منهج السلف الكرام في هذه القضية.
يقول ﵀: "ولا أكفر أحدًا من المسلمين بذنب، ولا أخرجه عن دائرة الإسلام" (٢)
стр. 329
ويوضح الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب حقيقة هذه الدعوة المباركة وبعدها كل البعد عن معتقد الخوارج، يقول: "فإنا نعتقد أن من فعل أنواعًا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق، والزنا، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك، إنه لا يخرج بفعله من دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحدًا بجميع أنواع العبادة". (١)
أما الجانب الثاني: فهو أنه ﵀ لم يكفر أحدًا من المسلمين قد ارتكب ناقضًا من نواقض التوحيد المعهودة شرعًا إلا عند تحقق الشروط وانتفاء الموانع.
ومن هنا أتى تفنيد الشيخ - رحمه الله تعالى - لكل الأباطيل التي افتريت عليه من قبل من لم يفهم حقيقة ما دعا إليه، يقول: "وأما القول بإنا نكفر بالعموم فذلك من بهتان الأعداء الذين يصدون به عن هذا الدين ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم".
ويبين الشيخ منهجه في الحكم بالكفر على المعين، يقول: "إنما نكفر من أشرك بالله في إلهيته بعدما نبين له الحجة على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه دون هذه المشاهد التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها". (٢)
وبهذا يبطل كل ما افترى عليه بغير ذلك، يقول: "وأما ما ذكر الأعداء عنى أنى أكفر بالظن والموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله". (٣)
ويبقى بعد هذا العرض المجمل للقضية أن أسأل الله تعالى الهداية لكل من التبس عليه الأمر في حقيقة هذه الدعوة المباركة، إنه ولى ذلك والقادر عليه.
стр. 330
الفصل الخامس: (آراؤه في الإيمان بالملائكة)
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الإيمان بالملائكة الأطهار.
المبحث الثاني: عالم الجن، والشياطين.
стр. 331
(المبحث الأول): الإيمان بالملائكة الأطهار
تعريف الملائكة -:
الملائكة جمع ملاك، وملك، ولفظه بدون همز أشهر في لغة العرب، وقد يهمز فيقال: ملاك، فعلى هذا يكون أصل الاشتقاق من الألوكة، وهي الرسالة، فيكون سبب التسمية ما أنيط بهم من مهام الإرسال وقد سماهم المولى بذلك فقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧].
وقيل: أصله من الملك وهو الأخذ بقوة، وقيل: مخفف من مالك، لتوليهم ما أمرهم الله به من شؤون الناس، كما يسمى من تولى أمر الناس ملكًا.
والقول الأول أقرب وأصح من جهة المعنى، واللغة.
والتاء في ملائكة تأكيدًا لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة؛ الخيل الشداد. (١)
وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسابة، والأول أصح. (٢)
- ويعرف الملك في الاصطلاح؛ "بأنه جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة" (٣)
- وحقيقة الملائكة، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية: خلق من خلق الله ﵎، عقلاء، نورانيون، أحياء، ناطقون، أولو أجنحة مثنى وثلاث ورباع، منزهون عن الشهوات الحسية، لا تدركهم الحواس المجردة، إلا لمن أراد الله له رؤيتهم كالأنبياء مثلًا.
стр. 332
قال المصطفى ﷺ في بيان أصل خلقهم: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (١)
وقال تعالى في بيان ما جبلوا عليه من صفات حميدة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
والإيمان بالملائكة الأطهار من الحقائق الغيبية، التي نوه القرآن بشأن من حقق التصديق بها، وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧].
ولم يكتف الشارع الحكيم بأن أوجب الإيمان بها، بل جعل هذا الإيمان مقتضيًا لمحبتها وموالاتها، والاقتداء بها، والمهابة منها.
أما عن محبتها وموالاتها، فقد جعل معاداة ملك من الملائكة سبيلًا لمعاداته تعالى قال تعالى في شأن اليهود: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧].
ثم أتبع ذلك ببيان أن من عادى ملائكة الله تعالى، فقد استحق الوصم بالكفر الموجب لغضب الله ولعنته: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨].
أما عن الاقتداء بها، فقد نوه المولى تعالى بعظيم عبادتها لله وحسن إخباتها لربها وإدامتها لأنواع العبادة والذكر بما يجعلها أسوة للعابدين الذاكرين، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا
стр. 333
تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥، ٢٠٦].
أما عن مهابتها، فقد بين المولى تعالى ما جبل عليه ملائكته الموكلين بالعذاب من عظم الهيئة والغلظة وتمام الطاعة لأمر ربهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
- هذا والحديث عن ثمار الإيمان بهم، وما يستلزمه حقيقة التصديق بما ورد في حقهم حديث عظيم، فإن العبد إذا استشعر معية الملائكة له في حال عبادته لربه، كالذكر والدعاء والصلاة والعلم والجهاد، فإنه لا يخفى ما يضفيه ذلك الشعور النابع من حقيقة التسليم على ممارسته لتلك العبادات من جد واجتهاد، وزيادة في الإخلاص، وكلما كان إيمانه بهذه الحقائق الغيبية أقوى، كلما ازداد أثرها، وآتت ثمرها بإذن ربها.
ثم إن في استشعار معيتها، وما تقوم به من أنواع التكاليف المتعلقة بإثابة العبد المؤمن، كالحفظ والاستغفار وحضور مجال الذكر وإنزال السكينة، ما يعينه على الثبات في الطاعة، ويملأ عليه أجواء تلك العبادة بالأنس والطمأنينة، يقول الشيخ محمد قطب: "ويزيد أنس الإنسان بالملائكة حين يعلم أنهم قريبون منه وأن بعضهم يسير معه حيث سار، وبعضهم يتنزلون عليه بالسكينة والطمأنينة؛ كلما أقبل على الله وتوجه إليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠، ٣١] " (١).
إلى جانب ما يضفيه التصديق بهيئتها، وما جبلت عليه من عظيم القدرة على
стр. 334
القيام بعظيم المهام، من استشعار قدرة الله تعالى المعجزة، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال في وصف أحدهم: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (١).
رأي الشيخ الصاوي:
أولًا: عالم الملائكة:
يعرف الصاوي الملائكة من جهة اللغة، فيقول: التاء في ملائكة لتأنيث الجمع، وإذا حذفت امتنع صرفه لصيغة منتهى الجموع، جمع ملك وأصله ملأك، ووزنه فعأل فالهمزة زائدة، ومادته تدل على الملك، والقوة، والسلطنة، وقيل: وزنه مفعل فالميم زائدة، وقيل: هو مقلوب وأصله مألك من الألوكة، وهي الرسالة، قلب قلبًا مكانيًا فصار ملاك، وفى وزنه القولان المتقدمان، وعلى كل فيقال: سقطت الهمزة فصار ملك" (٢).
- أما من جهة الشرع، فيقول في تعريفهم: "الملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكلات بالصور الغير الحسية، ولا تحكم عليهم الصورة" (٣).
يوضح الصاوي كيفية الإيمان بالملائكة، فيقول: "يجب الإيمان إجمالًا بجميع الملائكة، وتفصيلًا بمن اشتهر منهم، وهم جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل، ورقيب، وعتيد، ورضوان، ومالك.
وأما منكر، ونكير، فلا يكفر منكرهما؛ لأنه اختلف في أصل سؤال القبر" (٤)
وهذه الشهرة لا تعنى عنده أنهم بمنزلة واحدة، بل الصحيح أن "رؤساءهم أربعة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل".
стр. 335
ثم يفصل القول في بيان مهام هؤلاء الرؤساء من الملائكة: "فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل موكل بالأرزاق، وإسرافيل موكل بالصور، وعزرائيل موكل بالأرواح" (١).
وهذا الإيمان لا يكون إلا وفق ما أتت به الأخبار الصادقة عن صفاتهم، مقرونًا بالاحترام والإكرام، يقول: "يجب الإيمان بالملائكة، أي بأنهم عباد مكرمون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، لا يوصفون بذكورة ولا أنوثة".
وتأكيدًا لهذا المعنى، وإبعادًا لكل ما يناقضه فإنه يحكم على "من نقص واحد منهم بالكفر، ومن التنقيص قول بعض العامة في حق أعوان الظلمة: إنهم كزبانية جهنم، وقولهم في حق رجل عبوس: إنه كعزرائيل". (٢)
ولما كانت الملائكة، كما أتت بذلك الآيات والأحاديث، على هيئة مغايرة للمعهود من المخلوقات، فإنه ينبه إلى بعض ما يمتازون به عن البشر؛ استنباطًا من تلك الآيات والأحاديث الصحيحة، يقول: "ومن خصائصهم أن لهم قدرة على الأفعال العظيمة، كقلع الجبل مثلًا، ولا يموتون إلا بين النفختين، يسكنون العالم العلوي، وينزلون الأرض لتدبير العالم على حسب مناصبهم، وهم أكثر المخلوقات عددًا، فعوالم البر والبحر بالنسبة لهم، كشعرة بيضاء في ثور أسود، وما يعلم جنود ربك إلا هو" (٣)
ولكل ما تقدم فلم يكن من مقدور البشر رؤيتهم على صورتهم الحقيقية، فإنه "لم يرى الملك على صورته الأصلية أحد من البشر إلا رسول الله ﷺ مرتين مرة في الأرض عند غار حراء، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى ليلة الإسراء" (٤).
стр. 336
ويتعرض الصاوي لوصف بعض طوائف الملائكة، وذلك عند تفسيره للآيات الواردة فيها، يقول في صفة حملة العرش: "اعلم أن حملة العرش أعلى طبقات الملائكة، وأولهم وجودًا وهم في الدنيا أربعة، وفي يوم القيامة ثمانية".
ويسترسل في وصفهم على ما يراه ثابتًا فيهم، يقول: "ورد أن لكل ملك منهم وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر، وكل وجه من الأربعة يسأل الله الرزق لذلك الجنس، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة، جناحان على وجهه مخافة أن ينظر إلى العرش فيتصدع، وجناحان يصفق بهما في الهواء، يروى أن أقدامهم في تخوم الأرض السفلي، والأرضون والسموات إلى حجزهم، ورءوسهم خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون أطرافهم، وهم أشد خوفًا من أهل السابعة، وأهلها أشد خوفًا من أهل السادسة وهكذا". (١)
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الرعد: ١١]، يقول: هي "ملائكة تحصي الأعمال لما ورد: إن كل إنسان له ملكان ملك عن يمينه وملك عن شماله، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين حالًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: اصبر لعله يتوب منها، فإن لم يتب منها كتبها صاحب الشمال.
وقيل المراد بالحفظة: الملائكة الموكلون بحفظ ذوات العبيد من الحوادث والآفات، وهم عشرة بالليل وعشرة بالنهار، وقيل المراد ما هو أعم، وهو الأتم".
ويبين بعد ذلك جواب ما قد يرد من استفسار حول الحكمة من تواجد مثل هذه الأنواع من الملائكة، يقول: فـ "إن قلت إن الله هو الحافظ فلم وكلت الملائكة بحفظ الشخص، أجيب بأن ذلك تكرمة لبني آدم وإظهار لفضلهم، والحكمة في كون الملائكة تكتب على الشخص ما صدر منه؛ أنه إذا علم ذلك ربما كان ذلك داعيًا للخوف والإنزجار عن فعل القبائح والمعاصى" (٢).
стр. 337
ويفصل القول في بعض المهام التي أنيطت بالملائكة، كقتالها مثلًا، يقول: "اعلم أن قتال الملائكة من خصائص هذه الأمة، وليس مخصوصًا بواقعة بدر، بل ورد أن جبريل وميكائيل قاتلا مع النبي في أحد، حين فرت أصحابه" (١).
ومع هذا الإقرار منه بعدم تخصيص قتال الملائكة في بدر، فإنه يذهب إلى ما يناقضه في موضع آخر، يقول: "ورد أن جبريل نزل بخمسمائة وقاتل بها في يمين العسكر، ونزل ميكائيل بخمسمائة وقاتل بها في يسار الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل". (٢)
* * *
تعليق:
يستند تعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية إلى ما ورد في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم). (٣)
وهذا النور الذي خلق منه الملائكة من مخلوقات الله تعالى، فقد ورد في الحديث عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أنه قال: (أخذ رسول الله ﷺ بيدى فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الاربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم، ﵇، بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل) (٤).
стр. 338
- أما عن مكانة الإيمان بها، فقد تقدم فرضيتها، وتكفير من أنكر واحد منها، إلا أن ما ذهب إليه الصاوي من استثناء إنكار منكر ونكير من موجبات الكفر، وتعليله ذلك بالاختلاف الواقع في أصل سؤال القبر مما لا سند له، بل الحق أنه: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلًا، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به" (١).
وليس في وجود من اعتقد خلاف ذلك ما يمنع من سحب مسمى الكفر عليه على جهة الإجمال؛ لأن إنكار أو رد أي أمر من الأمور التي تواتر الإخبار بها مما يلحق الكفر بصاحبه، ومع ذلك فقد وضع العلماء شروطًا مفصلة لتكفير المعين، وقد سبق الكلام في هذه المسألة. (٢)
ولعله قصد بالخلاف في هذه المسألة ما كان من بعض طوائف المعتزلة والخوارج، الذين حكى مذهبهم في ذلك ابن حزم ﵀، قائلًا: "ذهب ضرار بن عمرو الغطفاني أحد شيوخ المعتزلة إلى إنكار عذاب القبر، وهو قول من لقينا من الخوارج، وذهب أهل السنة وسائر المعتزلة إلى القول به" (٣).
وعلى أي حال فإن مثل هذا الخلاف من هؤلاء الطوائف لا يعتد به لمعارضته ما تواتر خبره عن رسول الله ﷺ .
أما ذكره من أعمال كبار الملائكة فصحيح مشهور، وقبل بيان مستنده في ذلك يحسن الإشارة إلى الأصول التي يقوم عليها الإيمان بما اتصفت به الملائكة من أعمال:
أما الأصل الأول: فهو الإيمان المجمل بأنه تعالى قد كلفهم بمهام عظيمة وكثيرة، وأنهم قد قاموا بها على أتم ما يكون به الامتثال، قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا
стр. 339
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] كقوله: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾.
أما الثاني: فالإيمان بما ورد على جهة التفصيل من أعمالهم، كالعبادة والتسبيح وتبليغ الوحى، وكتابة الأعمال، وحفظ الناس، وقبض الأرواح، وإنزال القطر، وخزانة الجنة والنار، إلى غير ذلك من الأعمال التي نص الكتاب والسنة بقيامهم بها، وأعظمها على الإطلاق ما يتعلق بتسبيح الله تعالى وتنزيهه، قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩، ٢٠].
وقال: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨].
يليها ما يتعلق بإرسال الرسل من تبليغ الوحى، فمن المعلوم أن جبريل ﵇، أعظم الملائكة مكانة عند الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].
أما ما يلى ذلك من الأعمال، فقد نص الشارع على الكثير منها، ومن ذلك كتابة الأعمال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١].
ومنها قبض الأرواح، قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١].
ومنها النفخ في الصور: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 340
ومنها تعذيب الكفار، والترحيب بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١)﴾ [المدثر: ٣١].
وفي ترحيبهم بالمؤمنين: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
ومنها قتال الكافرين: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٦].
ومنها أعمال لم يرد تفصيل قيامهم بها في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾
والأدلة في هذا الباب كثيرة عظيمة:
- وينطبق ذلك التفصيل في الإيمان بأسمائهم وأعيانهم، فنحن نؤمن بمن ورد تسميتهم أو صفتهم في الكتاب والسنة، كجبريل وميكال ومالك على جهة التفصيل، ونؤمن بكل الملائكة سواء عرفنا أعيانهم بالأسماء أم لا، وذلك على جهة الإجمال، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
* * *
أما من أورد الصاوي أعمالهم على جهة التفصيل مقرونًا بأسمائهم، فيفصل
стр. 341
القول فيه، فجبريل ﵇ وكل بالوحى، وهذا مما تثبته نصوص الكتاب والسنة، وقد ورد ذكره صريحًا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ , وهذا مستفيض معلوم بأدلة الكتاب والسنة.
وكذلك ميكائيل ﵇ فهو من وكل بالقطر كما ذكر، حيث وردت الأحاديث ببيان ذلك، فقد روى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سأل جبريل: (على أي شيء ميكائيل؟ )، فقال: على النبات والقطر" (١)
أما إسرافيل ﵇، فقد ثبتت تسميته بهذا الاسم في الأحاديث الصحيحة، فقد كان من دعاء النبي ﷺ إذا قام من الليل: (اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم). (٢)
ولكن إضافة النفخ إليه مما لم يثبت فيه دليل معتمد إذ لا تخلو أسانيدها من مقال، منها ما ذكره الطبري في التفسير دون ذكر السند، حيث قال "والصواب عندنا ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن إسرافيل قد التقم الصور وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر بالنفخ). (٣)
стр. 342
فقد ضعف الإمام ابن حجر ﵀ جميع الروايات التي ورد فيها نسبة النفخ إليه (١).
وإن كان القول به مما اشتهر عند أهل العلم حتى ذكر القرطبي ﵀ إجماع الأمة عليه (٢)، وكذلك نقل عن الحليمى كما ذكر الحافظ في الفتح. (٣)
стр. 343
أما عن ملك الموت فقد كانت تسميته بعزرائيل، مما لم يرد فيه أي دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة، ولكنه مما اشتهر بين العلماء، يقول الحافظ ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] "وقد سمى في بعض الآثار بعزرائيل وهو المشهور". (١)
ولكن لم يثبت من هذه الآثار حديثًا مرفوعًا، فكل ما ورد في ذلك من الموقوف وهذا ما ذكره السيوطي في عدد من مؤلفاته، فقال: وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ في العظمة عن أشعث بن أسلم (٢). قال: سأل إبراهيم ﵇ ملك الموت واسمه عزرائيل وله عينان في وجهه وعين في قفاه، فقال: (يا ملك الموت ما تصنع إذا كانت نفس بالمشرق ونفس بالمغرب، ووضع الوباء بأرض والتقى الزحفان، كيف تصنع؟ قال: أدعو الأرواح بإذن فتكون بين أصبعي هاتين) ". (٣)
وقد نص ﵀ في شرحه على النسائي بعدم وجود ما يحكم برفعه للنبي ﷺ ، فقال: "لم يرد تسميته في حديث مرفوع، وورد عن وهب بن منبه (٤) أن اسمه عزرائيل، رواه أبو الشيخ في العظمة" ووافقه السندي في حاشيته على النسائي، فنقل كلامه بنصه. (٥).
وقد علم أن وهب بن منبه أحد خيار التابعين إلا أنه كان يكثر من رواية أخبار أهل الكتاب حتى عد أحد أكبر أسباب انتشارها في كتب التفسير، لذا صح التوقف فيما يخبر به خصوصًا مع عدم وجود الخبر الثابت عن المعصوم ﷺ . (٦)
стр. 344
- وفي حديثه عن حملة العرش، وصفهم بعدد من الأوصاف، فقد تناول بيان عددهم فاختار أنهم أربع ويوم القيامة، يزيدون فيصير عددهم ثمانية، وكانت حجة من ذهب إلى هذا حديث رواه الطبري، أن رسول الله ﷺ قال: (يحمله اليوم أربعة ويوم القيامة ثمانية) (١)، وغيره مما يفيد نفس المعنى إلا أن الاحتجاج بها لا يصح لضعفها الشديد (٢).
- والأصح في هذا التوقف بالنسبة لحال الدنيا؛ لعدم المستند الصحيح في ذلك، أما في الآخرة فإن الآية الكريمة نص في إثبات العدد، أما الكيف فلا يعلم حقيقته إلا الله، قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧].
أما ما ذكره من وصف أولئك الأربعة، فهذا ما روى عن أبي عباس (٣) ﵄ ولكن الاحتجاج به لا يسلم لضعف إسناده.
والصحيح المسألة ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، وإن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام) (٤).
- وكان موقف الصاوي من جهاد الملائكة موقفًا يظهر فيه الاضطراب والتناقض، ولكن الصحيح فيما ذهب إليه أولًا من أن الملائكة لا يختص جهادها مع المؤمنين في غزوة بدر، ويسند هذا القول الكثير من الأحاديث وأقوال الصحابة، بل والأخبار والقصص عن المجاهدين الصادقين، ومن ذلك الحديث الصحيح، فعن عائشة
стр. 345
- ﵂: أن رسول الله لما رجع يوم الخندق، ووضع السلاح واغتسل، فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: (وضعت السلاح، فوالله ما وضعته، فقال رسول الله: (فأين). قال: ها هنا، وأومأ إلى بنى قريظة. قالت: فخرج إليهم رسول الله ﷺ ). (١)
* * *
стр. 346
(المبحث الثاني) عالم الجن والشياطين
الإيمان بالجن:
ولم يكن عالم الملائكة هو العالم الغيبي الوحيد من ذوات الأرواح؛ فقد ورد أيضًا حديث آخر عن عالم الجن والشياطين، يفترق في الكثير من خصائصه عن عالم الملائكة، وإن كان يجتمع معه من حيث الخفاء والغيبية، كما يقرب كثيرًا من عالمنا، وذلك من حيث التكليف والمخاطبة بالأمر والنهي. وحتى يتم التمييز بينهما؛ فلا بد من إلقاء الضوء على أهم ما يصح به إدراك الفرق بين هذين العالمين.
- وعند التعريف بهم فإنه يقال: الجن اسم جنس جمعى، مفرده جنى، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء عن الأبصار، وسبب تسميتهم بذلك؛ اجتنانهم عن الناس فلا يرون، ومنه سمي الجنين جنينًا لاستتاره في بطن أمه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: ٣٢].
- وقد عرفهم ابن حزم بأنهم: "أجسام رقاق صافية هوائية، لا ألوان لهم، وعنصرهم النار كما أن عنصرنا التراب، قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧].
والنار والهواء عنصران لا ألوان لهما، ولو كانت لهم ألوان لرأيناهم بحاسة البصر، ولو لم يكونوا أجسامًا صافية رقاقًا هوائية؛ لأدركناهم بحاسة اللمس" (١)
هذا وحقيقة الجن في ضوء النصوص الشرعية، يمكن إجمالها بأنهم خلق من خلق الله ﵎، خلقوا من نار، قد حجبوا عن الأعين فلا يرون إلا في النادر، لا يدرك كنههم إلا خالقهم، عقلاء مكلفون، لهم أهواء وشهوات، منهم
стр. 347
المؤمن ومنهم الكافر، قال تعالى في بيان خلقهم: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥].
وفي تفسير مادة خلقهم بالسموم قال ابن عباس ﵄: إنها الريح الحارة التي تقتل، وقال أيضًا: إنها نارًا لا دخان لها. (١)
وقال الإمام الطبري في تفسير المارج: "أنه ما اختلط بعضه ببعض، بين أحمر وأصفر وأخضر، وهو كلهب النار ولسانه". (٢)
ومما يدل على كونهم مكلفين؛ ما ورد بشأن الجزاء المعد لمطيعهم وعاصيهم، قال تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
أما الآيات في دخول عموم النعيم المعد للطائعين فكثيرة، منها ما ورد في سورة الرحمن، حيث عم الخطاب سائر الثقلين، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
أما عن أهمية الإيمان بهم، فقد تحدث القرآن الكريم عن الجن في عدد من المواضع، وكذلك السنة الصحيحة، مما يلزم المومن بالإيمان به، ويدرجه تحت الغيب الذي امتدح الله تعالى المصدقين به.
وقد سميت سورة في القرآن باسمهم، أتى في مطلعها قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١].
وعليه فإن كل من جحد الإقرار بوجودهم، أو تأوله تأويلًا فاسدًا يخرجهم عن الحقيقة الواردة بشأنهم؛ فإنه لا اعتداد بمذهبه ذلك، بل هو مردود عليه؛ لدلالة
стр. 348
النصوص الصريحة على وجودهم، يقول ابن حزم: "فمن أنكر الجن، أو تأول فيهم تأويلًا يخرجهم عن ظاهرهم، فهو كافر مشرك حلال الدم والمال" (١).
وغاية ما يحتج به من أنكر حقيقة الجن، كونهم من عالم الغيب، حيث انعدم الشاهد من الحس، بمعنى أنه انتفى البرهان الحسي على إثباتهم، والذي اعتمدوه في قبول الحقائق أو ردها، ولا شك أن هذا مبدأ باطل لأن التسليم بالنصوص الشرعية؛ يقضي بالإيمان على جهة التفصيل لكل ما أتت به، هذا إذا أردت إبطال شبه المسلمين، كالمعتزلة ومن نحا نحوهم من المحدثين العقلانيين.
أما من خالف أهل الملة من الفلاسفة والمشركين، فإنه يقال في الرد عليهم: إن انعدام الدليل الحسي على وجود ذلك العالم عندهم، لا يعني انعدامه؛ لأن انتفاء العلم ليس دليلًا على انعدامه.
ومن هنا فإن الرد على كل من أنكر ذلك العالم الغيبي، يكون بحسب حاله، فإن كان ممن أقر بصدق الدليل الشرعي، يبين له أهمية التسليم لكل ما جاء به الشرع، وأن أي رد لما علم منه بالضرورة؛ فإنه يعد من ألوان الكفر المخرج من الملة، كما صرح بذلك ابن حزم.
أما إن كان ممن لم يسلم بدلالة الشرع، فيكفي في الرد عليه منع أن يكون العلم مقصورة على الحس والعقل، فكل ما أتى به الوحي لا بد من التسليم له، ولو انعدم الدليل الحسي على وجوده؛ لأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم. (٢)
رأي الشيخ الصاوي:
أما عن رأيه في الحقيقة الغيبية الأخرى، وهي عالم الجن، فإنه يعرف الجن في اللغة، فيقول: "الجن اسم جنس جمعي، يفرق بينه وبين واحده بالياء، فيقال: جن وجني، كزنج وزنجي، وغالبًا يفرق بالتاء، كتمر وتمرة.
стр. 349
وزيدت التاء في الجنة لتأنيث الجماعة، سموا بذلك لاجتنانهم: أي استتارهم عن العيون" (١).
وفي الشرع فيرى أنهم: "أجسام نارية هوائية، لها قدرة على التشكلات بالصورة الشريفة والخسيسة، وتحكم عليهم الصورة".
يقول منبهًا "وبهذا ظهر الفرق بينهم وبين الملائكة لأن الملائكة أجسام نورانية لها قدرة على التشكلات بالصور غير الخسيسة ولا تحكم عليهم الصورة" (٢).
ولهذا فإنه يوجه الاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤] ببيان نوعه، حيث يرجح كونه استثناء منقطعًا، يقول: "وعليه فالجن نوع آخر غير الملائكة، فالجن من نار والملائكة من نور" (٣).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠]؛ يذكر ما قيل فيها دون ترجيح، يقول: "قيل: المراد بهم الشياطين، وقيل: المراد بهم نوع من الملائكة، كانوا يعبدونهم؛ لاعتقادهم أنهم بنات الله" (٤)
أما عن علاقة الشياطين بالجن؛ فيذكر ما قيل فيها من آراء عند تعريفه إبليس، يقول: "إبليس هو أبو الجن وهذا أحد قولين، وقيل: هو أبو الشياطين: فرقة من الجن لم يؤمن منهم أحد، والجان هو أبو الجن، وعلى هذا تكون الأصول ثلاثة: آدم وهو أبو البشر، وإبليس وهو أبو الشياطين، والجان وهو أبو الجن" (٥)
وفي موضع آخر، يشير إلى هذه الأقوال مع الترجيح، يقول: "اختلف في الجن: فقيل: هم ذرية إبليس، غير أن المتمرد منهم يسمى شيطانًا، كما أن الإنس أولاد آدم، وقيل: إن الجن ولد الجان، والشياطين ولد إبليس، يموتون مع إبليس عند النفخة. والراجح الأول" (٦)
стр. 350
وفي إضافة الشياطين إلى الإنس في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢]. قولان يرى أنهما في الصحة سواء، يقول: الشياطين "جمع مارد وهو المتمرد المستعد للشر، وقدم شياطين الإنس؛ لأنهم أقوى في الإيذاء، فإن شيطان الإنس أشد على شيطان الجن، وذلك إذا تعوذت بالله ذهب عنى شيطان الجن، وشيطان الإنس يجيئني فيجرني إلى المعاصي.
وقيل: إن الشياطين كلهم من إبليس، وذلك أنه فرق أولاده فرقتين توسوس للإنس؛ وتسمى شياطين الإنس، وفرقة توسوس لصلحاء الجن؛ وتسمى شياطين الجن، وكل صحيح". (١)
* * *
تعليق:
لا شك في صحة ما ذهب إليه الصاوي عند تعريفه للجن، ومن ثم التفريق بينهم وبين الملائكة الأبرار، ولكن أوجه المفارقة بينهم وبين الملائكة لا تقتصر على ما أورده الصاوي، بل هناك العديد من الفروق التي دلت عليها الكتاب والسنة، فالملائكة علاوة على أنهم خلق من النور، وأنهم لا تحكمهم الصورة التي يتشكلون بها، فهم خلق طاهر كريم خلقوا للعبادة ليس لهم شهوات ولا أهواء، أما الجن فلهم أهواء وشهوات، ومنهم الكافر ومنهم المؤمن، كما أنهم مكلفون بالطاعة والاتباع وما يترتب عليه الوعد والوعيد فهم في الأحكام يقربون من عالم الإنس، ولكن من جهة الغيبية والخفاء يقربون من عالم الملائكة، واستقصاء الفروق مما يطول الحديث فيه، ولكن حاولت التنبيه إلى أهمها؛ استنادًا لما ورد في حديث الكتاب والسنة عنهم.
стр. 351
واذكر بعض ما ورد في ذلك:
- قال تعالى في بيان أصل الخلقة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٧].
- وقال حكاية عن النفر الذين استمعوا القرآن، فولوا إلى أهلهم منذرين، مبينًا تفاوتهم من حيث الكفر والإيمان: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].
- وقد بينت السنة أنهم خلق لهم شهوات يأكلون ويشربون، فعن أبي هريرة ﵁: أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال ﵊: (من هذا). فقال: أنا أبو هريرة، فقال: (ابغني أحجارًا استنفض بها، ولا تأتنى بعظم ولا بروثة). فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: (هما من طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا). (١)
والأحاديث الصحيحة في القطع بذلك كثيرة.
- أما ما ذكره الصاوي من أن الجن تحكمهم الصورة على عكس الملائكة، فبيانه يرجع إلى أمرين: الأول ما حباه الله تعالى للجن من القدرة على التشكل.
الثاني ما ثبت من الأدلة في كون الصورة تحكمهم، فقد ورد من السنة ما يدل عليه، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٢).
стр. 352
وقد تناول الصاوي في حديثه عن الجن بيان أصلهم الذي يرجعون إليه، والذي يظهر - والله أعلم - أن إبليس واحد منهم، وليس بأصل لهم، كما رجح الصاوي، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
أما ما أورده الصاوي من أقوال أخرى، ككونه من قبيلة يقال لها الجن من جنس الملائكة، فهذا ما روى عن ابن عباس ﵄ (١) وعن غيره من التابعين، ولكنه في الحقيقة مما لم يدل عليه دليل، بل الأدلة تدل على أن الجن جنس آخر، يختلف اختلافًا جذريًا عن الملائكة، وقد سبق وأن أوردت الحديث الشريف الذي يبين أصل الاختلاف في الخلقة، بأن الملائكة خلقت من النور وأن الجن خلقوا من النار.
أما عن قوله بأن المارد منهم يسمى شيطانًا، فالصحيح في ذلك أن الجن أنواع، يفترقون بحسب الخلقة والامتثال، فالخارجون عن الطاعة يسمون بالشياطين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول) (٢)
ومنهم من يوصف بالمارد، والمريد، أما المارد فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٦، ٧] والمارد: العاتي الشديد من الجن والشياطين.
стр. 353
أما المريد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].
وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على اختلافهم وتباينهم، مع اتحادهم في أصل الخلقة، فليس لأحد أن يذكر نسبة الشياطين إلى الجن وإبليس لهم، فقد ورد في الآية الكريمة حديث أحدهم بأنه قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤].
- وبناء على ما تقدم فإن علاقة الشيطان بالجن علاقة واضحة حيث يسمى الكافر من الجن شيطانًا وهذا يظهر من الحديث الصحيح الذي أوردته آنفا, والذي ورد فيه النهي عن قتل الحيات، والشاهد منه أنه ﵊ سمى الحية العامرة التي تستأذن بالشيطان.
وهذا المعنى بين واضح في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١١].
- بقيت مسألة تتعلق بمفهوم هذه الآية الكريمة، وهي هل هناك شياطين من جنس الإنس كما هو ظاهر الآية؟ أم أن الشياطين هي مردة الجن، وإنما أضيفت إلى الإنس باعتبار مهمة الوسوسة، كما تقدم بيانه من آراء الصاوي؟
أولًا: لا بد من العلم بأن القول بكلا المعنيين مما أثر عن السلف - رضوان الله عليهم - وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذه الأقوال في تفسيره، إلا أنه بعد عرضها ونسبتها إلى القائلين بها رجح ﵀ أن القول الأول هو الراجح منها، يقول: "وليس لهذا التأويل وجه مفهوم - يعني به المعنى الثاني -، لأن الله جعل إبليس وولده أعداء ابن آدم، فكل ولده لكل ولده عدو، وقد حصر الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً، فلو كان معنيًا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي، الذين هم ولد إبليس، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبر عنهم، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله ﷺ " عن أبي ذر
стр. 354
أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: نعم" (١).
وعليه فإن الشيطان هو المارد الكافر، سواء كان من الجن أم الإنس؛ لذا فإنه يبعد ما استحسنه الصاوي عند تفسيره لهذه الآية، حيث صحح القول بكلا المعنيين في تفسير الآية الكريمة.
* * *
стр. 355
الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الوحي وطرقه.
المبحث الثاني: الإيمان بالكتب السابقة.
المبحث الثالث: الإيمان بالقرآن الكريم.