واذكر بعض ما ورد في ذلك:
- قال تعالى في بيان أصل الخلقة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦، ٢٧].
- وقال حكاية عن النفر الذين استمعوا القرآن، فولوا إلى أهلهم منذرين، مبينًا تفاوتهم من حيث الكفر والإيمان: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١].
- وقد بينت السنة أنهم خلق لهم شهوات يأكلون ويشربون، فعن أبي هريرة ﵁: أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته، فبينما هو يتبعه بها، فقال ﵊: (من هذا). فقال: أنا أبو هريرة، فقال: (ابغني أحجارًا استنفض بها، ولا تأتنى بعظم ولا بروثة). فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي، حتى وضعت إلى جنبه، ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: (هما من طعام الجن، وإنه أتانى وفد جن نصيبين، ونعم الجن، فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا). (١)
والأحاديث الصحيحة في القطع بذلك كثيرة.
- أما ما ذكره الصاوي من أن الجن تحكمهم الصورة على عكس الملائكة، فبيانه يرجع إلى أمرين: الأول ما حباه الله تعالى للجن من القدرة على التشكل.
الثاني ما ثبت من الأدلة في كون الصورة تحكمهم، فقد ورد من السنة ما يدل عليه، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) (٢).
стр. 352
وقد تناول الصاوي في حديثه عن الجن بيان أصلهم الذي يرجعون إليه، والذي يظهر - والله أعلم - أن إبليس واحد منهم، وليس بأصل لهم، كما رجح الصاوي، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠].
أما ما أورده الصاوي من أقوال أخرى، ككونه من قبيلة يقال لها الجن من جنس الملائكة، فهذا ما روى عن ابن عباس ﵄ (١) وعن غيره من التابعين، ولكنه في الحقيقة مما لم يدل عليه دليل، بل الأدلة تدل على أن الجن جنس آخر، يختلف اختلافًا جذريًا عن الملائكة، وقد سبق وأن أوردت الحديث الشريف الذي يبين أصل الاختلاف في الخلقة، بأن الملائكة خلقت من النور وأن الجن خلقوا من النار.
أما عن قوله بأن المارد منهم يسمى شيطانًا، فالصحيح في ذلك أن الجن أنواع، يفترقون بحسب الخلقة والامتثال، فالخارجون عن الطاعة يسمون بالشياطين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢].
وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : (يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال: يا نبي الله وهل للإنس شياطين؟ قال: نعم، شياطين الجن والإنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول) (٢)
ومنهم من يوصف بالمارد، والمريد، أما المارد فكقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٦، ٧] والمارد: العاتي الشديد من الجن والشياطين.
стр. 353
أما المريد، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧].
وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على اختلافهم وتباينهم، مع اتحادهم في أصل الخلقة، فليس لأحد أن يذكر نسبة الشياطين إلى الجن وإبليس لهم، فقد ورد في الآية الكريمة حديث أحدهم بأنه قال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: ٤].
- وبناء على ما تقدم فإن علاقة الشيطان بالجن علاقة واضحة حيث يسمى الكافر من الجن شيطانًا وهذا يظهر من الحديث الصحيح الذي أوردته آنفا, والذي ورد فيه النهي عن قتل الحيات، والشاهد منه أنه ﵊ سمى الحية العامرة التي تستأذن بالشيطان.
وهذا المعنى بين واضح في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١١].
- بقيت مسألة تتعلق بمفهوم هذه الآية الكريمة، وهي هل هناك شياطين من جنس الإنس كما هو ظاهر الآية؟ أم أن الشياطين هي مردة الجن، وإنما أضيفت إلى الإنس باعتبار مهمة الوسوسة، كما تقدم بيانه من آراء الصاوي؟
أولًا: لا بد من العلم بأن القول بكلا المعنيين مما أثر عن السلف - رضوان الله عليهم - وقد روى الإمام ابن جرير الطبري هذه الأقوال في تفسيره، إلا أنه بعد عرضها ونسبتها إلى القائلين بها رجح ﵀ أن القول الأول هو الراجح منها، يقول: "وليس لهذا التأويل وجه مفهوم - يعني به المعنى الثاني -، لأن الله جعل إبليس وولده أعداء ابن آدم، فكل ولده لكل ولده عدو، وقد حصر الله في هذه الآية الخبر عن الأنبياء أنه جعل لهم من الشياطين أعداءً، فلو كان معنيًا بذلك الشياطين الذين ذكرهم السدي، الذين هم ولد إبليس، لم يكن لخصوص الأنبياء بالخبر عنهم، وبنحو الذي قلنا في ذلك جاء الخبر عن رسول الله ﷺ " عن أبي ذر
стр. 354
أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا ذر، هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن؟ قال: قلت: يا رسول الله، هل للإنس من شياطين؟ قال: نعم" (١).
وعليه فإن الشيطان هو المارد الكافر، سواء كان من الجن أم الإنس؛ لذا فإنه يبعد ما استحسنه الصاوي عند تفسيره لهذه الآية، حيث صحح القول بكلا المعنيين في تفسير الآية الكريمة.
* * *
стр. 355
الفصل السادس: آراؤه في الإيمان بالكتب
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الوحي وطرقه.
المبحث الثاني: الإيمان بالكتب السابقة.
المبحث الثالث: الإيمان بالقرآن الكريم.
стр. 356
تمهيد
الإيمان بالكتب المنزلة على الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حقيقة دعا إليها الدين الحنيف معظمًا شأنها قد أناط بتحقيقها ثبوت الإيمان الشرعي، فلا يتأتى لمعرض عنها نجاة من الكفر الموجب للخلود في النار، ويأتي الأمر بالإيمان بها تبعًا للإيمان بالمرسلين - عليهم الصلاة والسلام -، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦].
يقول الشيخ السعدي ﵀ منبهًا إلى هذه الحقيقة: "ويدخل في الإيمان بالرسل الإيمان بالكتب، فالإيمان بمحمد يقتضي الإيمان بكل ما جاء به من الكتاب والسنة ألفاظها ومعانيها، فلا يتم الإيمان إلا بذلك" (١)
والأدلة في وجوب الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء جميعًا كثيرة كلها تؤكد وجوب عدم التفريق في الإيمان بما أنزل على المصطفى ﷺ وما أنزل على الأنبياء، قال تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٣٦].
ومع وجوب التزام هذا الأصل الإيماني العظيم في حق الكتب المنزلة على الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، إلا أنه يتفاوت من حيث ما يقتضيه ذلك الالتزام، فليس الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين مماثلًا للإيمان بما أنزل على المصطفى ﷺ ، إذ يكفي في الإيمان بها الإيمان الجملى الذي يقضي بتصديق كونها من عند الله تعالى على جهة الإجمال لا التفاصيل، وذلك لأسباب سيأتي
стр. 357
بيانها، أما الإيمان بالكتاب المنزل على نبينا ﷺ ؛ فإنه يوجب الإيمان بكل ما ورد فيه حتى أنه من أنكر حرفًا منه قد أجمع عليه فقد كفر.
ومن هنا شرع التفصيل في كيفية الإيمان بالكتب بتقسيمه على نوعين: الإيمان المجمل، والإيمان المفصل.
أما الإيمان المجمل؛ فهو الإيمان الذي يتعلق بالكتب السابقة، وحقيقته؛ أنه إيمان يقوم على التصديق بأن هذه الكتب بأسمائها قد أنزلها المولى ﵎ على أنبياء معينين بأسمائهم، وأنها قد احتوت على أصول الإيمان المعروفة، كالإيمان بالله، وأسمائه وصفاته، وتوحيده، والإيمان بالرسل، والملائكة، وأن كل ما فيها فهو خير، أنزله المولى تعالى رحمة وهداية للمرسل إليهم.
وفي الدلالة على ما احتوته تلك الكتب من توحيد الله تعالى من أصول الإيمان، ثبوت ذلك بالدليل القطعي من القرآن والسنة، قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].
وعليه فإن أي أمر لم يثبت وجوده في الكتب السابقة بطريق الوحي المعصوم فلا يلزم الإيمان به؛ ولو مع عدم مخالفته لما تقرر من الشريعة المحفوظة، دل على ذلك الحديث الصحيح، فعن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: ﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾) (١).
وأساس ذلك التفريق في كيفية الإيمان بتلك الكتب ما دلت عليه النصوص الشرعية في إثبات حصول التحريف لتلك الكتب، حيث داخلها الكثير من
стр. 358
النصوص البشرية الصادرة عن أيد مغرضة، تبغى الحياة الدنيا بالآخرة، فكان هذا الإجمال حتى لا يداخل المعتقد ما ليس بحق.
قال تعالى في بيان ما أصيبت به الكتب السابقة من تحريف: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
أما الإيمان المفصل؛ فهو الذي يتعلق بالقرآن الكريم لفظًا ومعنى، فقد تعبدنا المولى ﵎ بالإيمان بكل حرف في هذا القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
فالحديث عن القرآن، حديث عظيم يتصل بالحديث عن عظمة المولى ﵎، إذ حقيقة الإيمان به نابعة من التصديق بصفة من صفاته ؛ وهي صفة الكلام، مع تكفل المولى بحفظه من مشوبات التغيير والتحريف كما دلت على ذلك الآية الكريمة.
ولكل هذا فإنه مما علم من الدين بالضرورة أن من أنكر حرفًا من القرآن العظيم فقد كفر.
وليس يقف الأمر عند التصديق بألفاظه ومبانيه؛ بل لا بد من إتمام مقتضيات الإيمان به على جهة التفصيل، فيتحتم التسليم لكل ما أتى به من الأخبار والأحكام، وفقًا لما فهمه الصحابة الكرام، إذ الأخذ عنهم لا يتوقف على اللفظ فقط، وإنما ينسحب حكمه أيضًا على كل ما يتعلق به من الفهم والاستنباط حتى تبقى حقيقة الحفظ التي أخبر عنها المولى ﵎ حية يعمل بها كل مؤمن يعلم صدق ما أخبر به .
وعلى هذه الحقائق الإيمانية المتعلقة بالكتاب العظيم دلت السنة المطهرة مؤكدة مفسرة مبينة، مفصلة ما أجمل، مصدقة بما أخبر، تقضي بوجوب العمل به والإنكار على من تأوله بالباطل قولًا أو عملًا.
стр. 359
(المبحث الأول): تعريف الوحي
يطلق الوحي في اللغة فيراد به أحد المعاني التالية: الإلهام، والكتابة، والرسالة، والإشارة، والكلام الخفي، وكل ما ألقيته لغيرك، وفي لسان العرب: "أوحى إليه ألهمه وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨].
كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ قال بعضهم: ألهمتهم، كما قال : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ وقال بعضهم: أوحيت إلى الحواريين أمرتهم.
ووحى في البيت بمعنى كتب.
ووحى إليه وأوحى كلمه بكلام يخفيه من غيره، قال الله : ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، معناه: يسر بعضهم إلى بعض.
ووحى إليه، وأوحى؛ أومأ، وفي التنزيل العزيز: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ " [مريم: ١١].
وكلها ترجع إلى معنى الإعلام الخفي السريع مهما تعددت أسبابه (١)
وهذا هو الوحي بمعناه العام الذي يشترك في إمكان حصوله الأنبياء وغيرهم، يقول شيخ الإسلام: "وليس كل ما أوحى إليه الوحي العام يكون نبيًا، فإنه قد يوحي إلى غير الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢].
وقال تعالى عن يوسف وهو صغير: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ﴾ [يوسف: ١٥].
стр. 360
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١]، يتناول وحي الأنبياء وغيرهم كالمحدثين الملهمين (١)
أما الوحي بمعناه الخاص، أو بمعناه الشرعي فهو ما يتعلق بالأنبياء ﵈ لإيصال الشرع إليهم، فلا يشاركهم أحد في هذه الخصيصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩].
فهذا الوحي يراد به؛ إعلام الله تعالى من اصطفاه من عباده بالأحكام الشرعية.
هذا وقد بين العلماء الهيئة التي كان يأتي بها الوحي؛ استنادًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.
يقول السيوطي ﵀: "قد ذكر العلماء للوحي كيفيات:
أحدها: أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس كما في الصحيح (٢).
قال الخطابي: والمراد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد.
وقيل: هو صوت خفق أجنحة الملك، والحكمة في تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي فلا يبقى فيه مكانًا لغيره.
الثانية: أن ينفث في روعه الكلام نفثًا، كما قال ﷺ : (إن روح القدس نفث في روعي، وأخبرني أنها لا تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، وإن أبطأ عنها، فيا أيها الناس! اتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملن أحدكم استبطاء رزقه أن يخرج إلى ما حرم الله عليه، فإنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته) (٣).
стр. 361
الثالثة: أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه (١).
الرابعة: أن يأتيه الملك في النوم.
الخامسة: أن يكلمه الله إما في اليقظة، كما في ليلة الإسراء، أو في النوم، كما في الحديث: (أتاني ربي، فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى) (٢) الحديث، وليس في القرآن من هذا النوع شيء فيما أعلم" (٣).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
ويبين معنى الوحي في اللغة، فيقول:
"الوحي: الإشارة، والرسالة، والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه، ثم غلب استعماله فيما يلقى إلى الأنبياء" (٤)
- ويعرفه في الاصطلاح بأنه: "الإرسال من الله لعبده بالأحكام".
ثم يذكر أقسامه بعد ذلك، قائلًا: "وهو أقسام: فيكون تارة بواسطة ملك، كجبريل ﵇.
وتارة من الله تعالى بغير واسطة، كما وقع لموسى ﵇.
وتارة بإلهام يقع في القلب.
стр. 362
وتارة بالمنام". (١)
ويفصل القول في النوعين الأخيرين، فيضرب مثالًا لما يقع للأنبياء من الوحي عن طريق المنام، مؤيدًا ذلك بما ورد، يقول: "فـ (رؤيا الأنبياء وحي) (٢)، وذلك لما وقع للخليل حين أمر بذبح ولده في المنام (٣)، ولرسول الله ﷺ حين رأى أنه يدخل مكة فصدق الله رؤياه (٤) ".
أما الإلهام، فيعرفه بأنه "الإلقاء في القلوب، لا بواسطة ملك".
وفي بيان مجالاته بالنسبة للمكلفين، يرى أنه مما لا يختص بالرسل، فـ "قد يقع الإلهام - أيضًا - لغير الأنبياء، كالأولياء".
وهذا التعميم لا يعني - عنده - أنه من جنس واحد، بل إلهام الأنبياء مغاير لإلهام الأولياء، يقول: "غير أن إلهام الأولياء لا مانع من اختلاط الشيطان به؛ لأنهم غير معصومين بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه" (٥)
* * *
تعليق:
إن هذه الآية الكريمة لتعد نصًا جامعًا لكل أقسام الوحي الذي يتعلق بالبشر، حيث بينت أن الوحي ما يكون بلا واسطة ملك ومن وراء حجاب.
ومنه ما يكون بالإلهام، فيكون الوحي هنا مستعملًا بمعناه اللغوي.
ومنه ما يكون بواسطة ملك يبلغ الكلام إلى المرسل إليه، فلا يخرج عن هذه الأقسام نوع من الوحي (٦)
стр. 363
وعليه فإن هذه الآية الكريمة شملت حتى غير الأنبياء ممن أوحى إليهم وحي إلهام، كأم موسى ﵉ (١)، والحواريين، وغيرهم من أهل الصلاح، فتكون بذلك مبينة لأقسام الوحي المتعلق بالبشر بمعناه الكلي العام وقد أشار الإمام ابن تيمية لهذا كما تقدم.
أما المعنى الخاص أو ما يسمى بالمعنى الشرعي، وهو الذي يغلب استعمال الوحي فيه فهو ما يلقى إلى الأنبياء خاصة، وقد عرفه الصاوي بأنه: الإرسال من الله لعبده بالأحكام.
ومن أجمع ما عرف الوحي به في الاصطلاح تعريف الإمام ابن حجر ﵀ والذي قاربه فيه الصاوي، حيث قال: "الوحي شرعًا: الإعلام بالشرع، وقد يطلق الوحي ويراد به اسم المفعول منه؛ أي الموحى، وهو كلام الله المنزل على النبي ﷺ " (٢)
فكانت كلمة الشرع قيدًا، خرج بها ما يلقى لغير الأنبياء بطريق الإلهام، لأنه لا تشريع فيه ولا أحكام.
ومع إمكان اشتمال الإلهام على الحكم التشريعي (٣) إلا أنه لا يصح استقلاله بالدلالة عليه، بمعنى: أن لا يكون أصلًا له من حيث التشريع والحجية، ويجوز أن يكون موافقًا لما ورد مسبقًا من الأحكام التشريعية في الكتاب والسنة، فيفيد بذلك التأكيد والثبات، دون التأصيل والاستقلال.
стр. 364
يقول الشيخ الشنقيطي ﵀ مبينًا هذا الأصل في حجية الإلهام من غير الأنبياء: "المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به".
وبهذا يتبين الفرق بين الإلهام الذي يكون للأنبياء، وبين ما يمكن أن يقع لغيرهم، حيث بين الصاوي أن إلهام الأنبياء معصوم فلا يمكن أن يداخله وهم أو وسوسة، أما إلهام غيرهم فليس له عصمة من ذلك بل يجوز عليه تلك الأحوال.
يقول الإمام الشاطبي ﵀: "هذه الأمور لا يصح أن تراعى وتعتبر إلا بشرط ألا تخرم حكمًا شرعيًا ليس بحق في نفسه، بل هو إما خيال ووهم، وإما من إلقاء الشيطان" (١)
وذلك لأن المولى تعالى إنما تعبدنا بكلام النبي المرسل، وجعل لذلك المعجزات والأدلة النيرات، وحماه بالعصمة من المضلات، فلو احتج بالإلهام لانفتح باب ليس له مرصاد، ولخالف ما تعبدنا به المولى من اتباع النبي والتأسي به في كل حال، وتحريم التقديم بين يديه.
فكانت هذه الشروط التي استفيدت من أدلة الكتاب والسنة حتى تتحقق حقيقة الحفظ للدين المنزل، والتي نص عليها الكتاب العزيز بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
* * *
стр. 365
(المبحث الثاني): الإيمان بالكتب السابقة
لقد سبق الحديث عما يجب أن يقوم عليه الإيمان بالكتب المنزلة على الأنبياء ﵈، إلا أن الحديث هنا يتوجه إلى الكتب السابقة على وجه الخصوص، فمع وجوب الإيمان بإنزالها على الأنبياء والتصديق بأنها من عند الله تعالى، وأنها قد اشتملت على أصول الإيمان كما تقدم بيانه إلا أن ما أصيبت به من التحريف والتغيير على أيدي من أنيط بهم القيام بحفظها، قصر الإيمان على التسليم بما جاء فيها على جهة الإجمال دون ما ورد فيها من تفاصيل الأحكام، فهي بهذا منسوخة التشريع لا يؤخذ بما ورد فيها من تشريعات لم يرد الدلالة عليها في الإسلام، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾.
ولبيان هذا الأصل القائم على التفصيل بين الإيمان المطلق الممنوع في حقها؛ والذي يعني التسليم بكل ما وجدناه في تلك الكتب، ومطلق الإيمان المساوي للإيمان الجملي، والذي أنيط بتحقيقه مقتضى الأمر للإيمان بها، يتجه الحديث إلى أنواع التحريف الذي أصيبت به تلك الكتب، فعند تتبع الآيات والأحاديث التي ورد فيها تبديل أهل الكتاب لما أنزل إليهم من ربهم وجدنا أنها تشير إلى ثلاثة أنواع من التحريف:
١ - تحريف المعنى مع بقاء اللفظ على ما هو عليه.
٢ - التحريف بالتغيير والتبديل.
٣ - التحريف بالكتمان.
- ومن أمثلة النوع الأول؛ والذي يعني التحريف بلازم الحكم وما يقتضيه إثبات
стр. 366
اللفظ المنزل، تأويل النواهي التي في التوراة بكونها مخصصة في حق اليهود من بعضهم البعض دون غيرهم، فقد ورد في الإصحاح الثالث والعشرين، من سفر الخروج: "لا تقبل خبرًا كاذبًا، ولا تضع يدك مع المنافق لتكون شاهد ظلم، لا تتبع الكثيرين إلى فعل الشر، . . .، لا تقتل البرئ والبار، لأني لا أبرر المذنب. ولا تأخذ رشوة. لأن الرشوة تعمي المبصرين" إلى غير ذلك من الأحكام التي أطلقت ولم تقيد، وهذا ما شهده عليهم كتابنا العزيز، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥].
أما التحريف بالتغيير سواء بالزيادة أو النقصان أو التبديل، فالأمثلة في الدلالة عليه كثيرة، ومن ذلك قصة الذبيح إسماعيل ﵇، فإن أهل الكتاب حرفوا القصة ونسبوها إلى إسحاق من ولد إبراهيم ﵇، وهذا مما علم مناقضته بالضرورة للحقيقة التي نزل بها القرآن الكريم من أن الذبيح هو إسماعيل، ومع ذلك فإن في نفس التوراة ما يدل على هذا التحريف بالتبديل، فقد ورد في الإصحاح الثاني والعشرين ما نصه: "وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له: يا إبراهيم. فقال: هاأنذا. فقال: خذ ابنك ووحيدك الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك" الإصحاح الثاني والعشرين من سفر التكوين. إلى آخر القصة التي نعرفها من أمره بذبح أبنه ومن ثم فديته بالكبش.
والشاهد من النص أنه يقول خذ ابنك ووحيدك، وقد كرر هذا الوصف في نفس القصة إذ ورد فيها بعد افتدائه بالكبش: "ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقال بذاتي أقسمت يقول الرب. إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك ابنك وحيدك أباركك مباركة"
ومعلوم أن إسماعيل هو الابن الأكبر، فقد ولد له وكان عمره: ستًا وثمانين سنة، بنص التوراة: في الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين.
стр. 367
أما إسحاق فقد ولد له وهو ابن مائة سنة: الإصحاح الحادي والعشرون، من سفر التكوين.
وهذا يفيد أن الابن الذي كان وحيدًا لإبراهيم مدة أربعة عشر عامًا كان إسماعيل ولم يكن إسحاق بنص التوراة المحرفة.
ومن أعظم التحريف بالزيادة والتبديل، ما أحدثه النصارى في عيسى ﵇ حيث ادعوا أنه ابن الله - تعالى الله عن قولهم -، فقد ورد في إنجيل لوقا في الإصحاح الأول ما نصه: "الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فلذلك أيضًا القدوس المولود منك يدعى ابن الله. وهوذا إليصابات نسيبتك - أراد بها زوجة زكريا ﵍ هي أيضًا حبلى بابن في شيخوختها وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرًا. لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله"
فالنص مع أنه ظاهر التحريف لأن هذه المقولة مناقضة لعقيدة التوحيد التي بعث بها الأنبياء من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، إلا أن في النص ذاته ما يبين كذبهم وافتراءهم بالقول ببنوة عيسى لكونه أتى من غير أب، فقد نبهها الملك عند تعجبها وخوفها بمقارنة حالها بحال المرأة التي عرفت بالعاقر، وذكرها بأن كل ذلك يرجع إلى قدرة الله التي لا يعجزها شيء، فأي افتراء وكذب في دعوى النصارى بالبنوة.
وقد رد المولى دعواهم وأبطلها وبين مناقضتها للحق الذي قامت به السموات والأرض: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣].
أما التحريف بالكتمان فقد أخبرنا القرآن الكريم عن بعض صوره، حيث كتم أهل الكتاب تصديق بعثة النبي ﷺ فعصوا أمر الله بذلك، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
стр. 368
آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
رأي الشيخ الصاوي:
يقول الصاوي مؤكدًا على أهمية الإيمان بالكتب دون تحريف وتغيير، مبينًا جرم من أعرض عن هذا الالتزام، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦] ما نصه: "المعنى داوموا على الإيمان بفعل الطاعات لأن فعلها يزيد في الإيمان ولا تكونوا ممن بدل وغير، فإنه ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾؛ أي بشيء من ذلك بأن أنكر صفة من صفات الله، أو سب ملائكته أو أنكر الكتب السماوية، أو سب رسله، أو أنكر رسالتهم، أو لم يصدق باليوم الآخر، فالكفر بواحد من هذه المذكورات كافٍ في استحقاق الوعيد، لأن الإيمان بكل واحد أصل من أصول الدين" (١)
- وقد تناول في تفسيره عددًا من الكتب السماوية؛ وذلك لبيان ما اشتملت عليه من النور والهدى، وما لاقته من صنوف التحريف والتغيير على أيدى الكافرين من أهلها.
كلامه في التوراة:
يقول مبينًا عظمة هذا الكتاب المنزل على موسى ﵇ وما احتواه من أنواع الهداية عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]:
"قوله: إنا أنزلنا التوراة: كلام مستأنف مسوق لبيان فضل التوراة، وأنها كتاب عظيم كله هدى ونور.
стр. 369
وقوله: فيها هدى: أيي لمن أراد الله هدايته، وأما من أراد الله شقوته فلا تنفعه التوراة ولا غيرها.
قوله: ونور: في الكلام استعارة مصرحة حيث شبهت الأحكام بالنور بجامع الاهتداء في كل واستعير اسم المشبه به للمشبه، وحيث أريد بالنور الأحكام، فالمراد بالهدى التوحيد فالعطف مغاير.
قوله: يحكم بها النبيون: كلام مستأنف لبيان المنتفع بالتوراة وهم الأنبياء والعلماء، والمراد بالأنبياء ما يشمل المرسلين، فحكم المرسلين ظاهر، وحكم الأنبياء بالقضاء بها لا على أنها شرع لهم (١).
قوله: الذين أسلموا: أي كمل إسلامهم، وهو وصف كاشف؛ لأن كل نبي منقاد لله، وحكمة الوصف بذلك التعريض باليهود حيث افتخروا بأصولهم ولم يسلموا، بل حرفوا التوراة وبدلوها".
كلامه في الإنجيل:
- يقول في وصف ما احتواه هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على عيسى ﵇ من الهدى والنور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٤٦): "وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور: المراد بالهدى التوحيد وبالنور الأحكام فالعطف مغاير.
قوله: مصدقًا بين يديه: أي معترفًا بأنها من عند الله وإن نسخت أحكامها؛ لأن الله كلف كل عصر بأحكام تناسبها، فالنسخ في الأحكام الفرعية لا الأصول كالتوحيد فلا نسخ فيه، بل ما كان عليه آدم من التوحيد هو ما عليه باقي الأنبياء.
стр. 370
قوله وموعظة: أي أحكامًا يتعظون بها، والحكمة في زيادة الموعظة في الإنجيل دون التوراة، لأن التوراة فيها الأحكام الشرعية فقط، وإنما المواعظ كانت في الألواح وقد تكسرت، وأما الإنجيل فهو مشتمل على الأحكام والمواعظ" (١)
كلامه في الزبور:
يقول في وصفه الزبور: "اسم للكتاب المؤتى - لداود ﵇ وهو مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام، بل هو تسبيح وتقديس وتحميد وثناء ومواعظ".
ثم يشرع في بيان كيفية تلاوة داود لهذا الكتاب العظيم، يقول: "وكان داود ﵇ يخرج إلى البرية فيقوم ويقرأ الزبور، وتقوم علماء بني إسرائيل خلفه، ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، والشياطين خلف الجن، وتجئ الدواب التي في الجبال، فيقمن بين يديه، وترفرف الطيور على رءوس الناس وهم يستمعون لقراءة داود ويتعجبون منها، لأن الله أعطاه صوتًا حسنًا" (٢).
ويستدل لوصف تلاوة داود ﵇ للزبور بالحسن الذي يأخذ بالأسماع، يقول: "وقد ورد أن أبا موسى كان يقرأ القرآن ليلًا بصوت حسن، فلما أصبح قال له رسول الله ﷺ : (قد أعجبتني قراءتك الليلة كأنك أعطيت مزمارًا من مزامير داود) (٣)، فقال أبو موسى: لو علمت بك لحبرته لك تحبيرًا" (٤)
* * *
стр. 371
وكان حديثه عن التحريف والتبديل الذي وقع في الكتب السابقة متفرقًا؛ بحسب الآيات التي اشتملت على ذكر الأفعال الشنيعة الصادرة من كفرة أهل الكتاب في تحريفهم ما أنزل إليهم من ربهم، وكان ذلك التغيير والتحريف منهم على ضربين، فمرة يحرفونها بالتأويل الباطل فلا يقيمون حدودها، ومرة يحرفونها بالنص فيعبثون بآياتها طمسًا، وتزويرًا، وإضافة.
وأما الضرب الأول فقد أشار إليهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، يقول: " (نزلت في قريظة وبني النضير فكان الواحد من بني النضير إذا قتل واحدًا من قريظة أدى إليهم نصف الدية وإذا قتل الواحد من قريظة واحدًا من بني النضير أدى إليهم الدية كاملة) (١) فغيروا حكم الله الذي أنزل في التوراة وكل آية وردت في الكفار تجر بذيلها على عصاة المؤمنين (٢).
- وأما الضرب الثاني، فهو التحريف النصي لما هو مكتوب عندهم، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] " الحق أي نعت محمد وأصحابه المذكور في التوراة والإنجيل، لبس الحق بالباطل: "أي التغير لتلك النعوت، والكذب في تلك الصفات" (٣)
ويفصل القول في هذا التحريف والتزوير وذلك بضرب الأمثلة من واقع أفعالهم الشنيعة، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]: "الكلم أي الكلام، من نعت محمد أي من كونه أبيض مشربًا بحمرة، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير مثلًا، فقد حرفوه وقالوا:
стр. 372
أسود اللون طويل جدًا؛ حرصًا على الرياسة وعلى ما يأخذونه من سفلتهم، ومن جملة ما غيروه آية الرجم بالجلد (١)، ومن ذلك أنه في كتبهم من خالف محمدًا خلد في النار فغيروه، وقالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين يومًا مدة عبادة العجل" (٢)
وفي تلك المقولات التي داخلها التحريف على فرض تحققها ما ورد في الآية الكريمة على لسان اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣] فقد "قيل: إن تلك المقالة لم تقع أصلًا، فهي كذب محض.
وقيل: إنها موجودة في التوراة، إلا في حق المسيح ومحمد، وأما هما فمعجزاتهما غير ذلك فهم قد كذبوا على التوراة في كل حال" (٣)
- هذا وقد كان لذلك التحريف والتبديل أسبابًا عدة، أشار إلى أهمها عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]، يقول: "الباطل هو تخفيف الشرائع والتساهل فيها لسفلتهم.
وقيل: هو تغيير صفات المصطفى ﷺ الكائنة في التوراة والإنجيل.
стр. 373
وقيل: ما هو أعم، وهو الأحسن.
والباعث لهم على ذلك: حب الرياسة، وأخذ الأموال" (١).
* * *
مناقشة:
يلحظ على الصاوي اعتماده على بعض الإسرائيليات في بيان ما اشتملت عليه الكتب المنزلة وكذلك في طريقة تلاوة الزبور، ومن المعلوم أن مثل هذه الإسرائيليات ليست مستندًا صحيحًا في العلم بهذه الغيبيات، تفصيل ذلك أن الصاوي قد ذهب إلى أن زيادة الموعظة في الإنجيل كانت بسبب خلو التوراة منها لما تعرضت له الألواح من الكسر.
وحتى يتبين الحق في المسألة لا بد من الوقوف على قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] لمعرفة مدى صحة ما توصل إليه الصاوي في حكمه بخلو التوراة من الموعظة.
فقد تعددت الروايات في بيان صفة الألواح وعلاقتها بالتوراة وما تعرضت له حين ألقاها موسى ﵇ غضبان أسفًا مما ارتكبه قومه.
أما عن علاقة التوراة بالألواح والتي دل كلام الصاوي على أنهما شيء واحد؛ فإنه لم يرد دليل يستند إليه في الجزم بذلك، فهناك من المفسرين من ذهب إلى أن التوراة هي بعينها الألواح، ومنهم من ذهب إلى أن الألواح مغايرة لها، ومنهم من
стр. 374
ذهب إلى أن الألواح مشتملة على التوراة مع زيادة عليها، ولكنه لما انعدم ما يستند إليه في القطع بأحد هذه الأقوال حسن التوقف وعدم الجزم بأحدها والإيمان بأن الألواح التي اشتملت على الموعظة والبيان قد أوتيت لموسى ﵇ كما هو ظاهر الآية الكريمة، وهذا ما دل عليه كلام الإمام ابن كثير ﵀ إذ يقول: "قيل: كانت الألواح من جوهر وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكامًا مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ [القصص: ٤٣].
وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منها والله أعلم" (١)
وهذا ما يتوجه أيضًا لما ورد فيما أصيبت به الألواح من الإلقاء، فقد أخرج الطبري روايتين (٢) لا تخلو أسانيدها من مقال فلا يصح اعتمادها في مثل هذه الأمور الغيبية؛ الأولى عن ابن عباس، وفيها حجاج بن محمد ثقة ولكنه اختلط عند نزوله بغداد (٣)، ومفادها أن موسى ﵇ ألقى الألواح فتكسرت، فرفعت إلا سدسها.
أما الرواية الثانية التي أخرجها الطبري عن مجاهد فتفيد أن الألواح لما تكسرت بقى الهدى والرحمة، وذهب التفصيل، وهي ضعيفة أيضًا لضعف خصيف بن عبد الرحمن فهو صدوق سيئ الحفظ (٤).
стр. 375
ومن هنا يتبين بطلان ما ذهب إليه الصاوي؛ فإنه لم يثبت أصلًا تكسر الألواح لما ألقاها موسى ﵇، بل أنه على فرض رواية المصيصي لها قبل اختلاطه ليس فيها ما يدل على أنها عين التوراة ولا على أن الموعظة هي التي رفعت بسبب تكسرها.
ومن العجيب أن الروايات التي ذكرت ما ذهب من الألواح بسبب الكسر على فرضه دلت صراحة على أن الموعظة هي التي بقيت وأن التبيان والتفصيل هو الذي رفع.
وعلى كل فليس هناك ما يستند إليه في مثل هذه الحقائق الغيبية؛ بل إن الآيات الكريمة نفسها لتدل على نفي التغيير عنها لأنها أتت معرفة بأل العهدية، وهي ما سبق لمصحوبها ذكر في الكلام، فتدل على أنه بعينه المراد، ما لم تدل قرينة على خلاف الظاهر فتصرفه وقد علم انتفاؤها لما تقدم (١)، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤].
ولو كان الأمر خلاف ذلك فإن الآية تنفي تمامًا زوال الموعظة منها، يقول الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير الآية ذاكرًا ما قيل فيها: "يقول كثير من المفسرين إنها لما ألقاها تكسرت ثم جمعها بعد ذلك، ولهذا قال بعض السلف فوجد فيها هدى ورحمة، وأما التفصيل فذهب، وزعموا أن رضاضها لم يزل موجودًا في خزائن الملوك لبني إسرائيل إلى الدولة الإسلامية، والله أعلم بصحة هذا" (٢).
والذي نخلص إليه هنا أنه لم يرد ما يدل من أقوال المعصوم على أي أمر خارج عن دلالة الآيات الكريمة نفسها، لا في حقيقة الألواح ولا في علاقتها بالتوراة ولا فيما أصابها بعد إلقائه لها، يقول الشيخ أبو شبهة ﵀: "فكل هذه
стр. 376
الروايات المتضاربة التي يرد بعضها بعضًا مما نحيل أن يكون مرجعها المعصوم ﷺ ، وإنما هي من إسرائيليات بني إسرائيل حملها عنهم بعض الصحابة والتابعين بحسن نية، وليس تفسير الآية متوقفًا على كل هذا الذي رووه، والذي يجب أن نؤمن به أن الله أنزل الألواح على موسى، . . .، أما هذه الألواح مم صنعت؟ وما طولها وما عرضها؟ وكيف كتبت؟ فهذا لا يجب علينا الإيمان به" (١).
أما وقد انتفت حجة قوله بانتفاء الموعظة من الألواح بعد إلقاء موسى لها، فإنه يحسن الاستدلال بالآية الكريمة التي بينت ما اشتملت عليه التوراة من أنواع الهداية، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، فقد وصفها المولى تعالى بالهدى والنور، وفيه ما يدل على احتوائها كل ما يحصل به الاهتداء والنجاة، يقول البقاعي ﵀ في معنى الهدى: "أي كلام يهدى بما يدعو إليه إلى طريق الجنة، ونور أي بيان لا يدع لبسًا" (٢)
ويقول الشيخ سيد قطب ﵀: "فالتوراة كما أنزلها الله كتاب الله الذي جاء لهداية بني إسرائيل، وإنارة طريقهم إلى الله وطريقهم في الحياة وقد جاءت تحمل عقيدة التوحيد، وتحمل شعائر تعبدية شتى، وتحمل كذلك شريعة: "يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء" (٣).
وقد علم بالضرورة أن مقومات الهداية الدلالية هي البيان والتذكير والإرشاد والوعظ، فلا يمكن أن تتحقق الهداية إلا بهذه الأصول، وهذا معلوم من دعوة الأنبياء ﵈ لأممهم، فالإنذار والتبشير بالحكمة والموعظة الحسنة هي مهمة الأنبياء الأولى في دعوة الأمم إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.
стр. 377
أما عن الهيئة التي أوردها في استماع المخلوقات لقراءة داود ﵇؛ فإن المعتمد ألَّا تثبت صفة بعينها لقراءته الزبور وإنصات المخلوقات له لعدم وجود ما يدعم هذه الهيئة، وكان الثابت في هذه المسألة ما دلت عليه الآيات الكريمة من استماع المخلوقات لتسبيح داود ﵇ وترجيعها معه امتثالًا لأمر ربها ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨].
وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠].
يقول الإمام ابن جرير ﵀ في بيان معنى التأويب للجبال والطير: "يقول تعالى ذكره: ولقد أعطينا داود منا فضلًا، وقلنا للجبال "أوبي معه": سبحي معه إذا سبح" وقد عزا هذا التفسير لكثير من أئمة السلف كابن عباس، ومجاهد وقتادة والضحاك" (١).
وكان حديثه عن التحريف مستندًا إلى نصوص الكتاب والسنة كما هو ظاهر، فقد شاء الله تعالى لحكمته أن تتعرض هذه الكتب التي أنزلت على الرسل السابقين للتحريف والتزوير، وكان لذلك حكمة قدرها في كل ما يقضيه من أمر، وقد تجلت في إرادته تعالى البقاء والهيمنة والرفعة للقرآن الكريم، دستور الإسلام، وكتابه العظيم.
هذا وأسباب ذلك التحريف والتزوير في تلك الكتب كثيرة أشير إلى أهمها في النقاط التالية:
أولًا: أن الله تعالى أوكل حفظها إلى القدرات البشرية مع علمه سبحانه بضعفها ومحدوديتها، يقول تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ
стр. 378
الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤] بينما نجد أن حفظ القرآن قد أوكله تعالى إلى نفسه، حيث قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
ثانيًا: ما لحق ببني إسرائيل من الاضطهادات المتعددة والمتلاحقة، فقد كان لهذا أثر بالغ في ضياع كتبهم، سيما وأنهم لم يؤمروا باستظهارها غيبًا؛ مما أدى إلى وقوع الاضطراب بسبب انقطاع السند.
يقول الإمام ابن القيم في ذلك: "ولم يكن حفظ التوراة فرضًا عليهم ولا سنة، بل كان كل واحد منهم يحفظ فصلًا من التوراة، فلما رأى عزرا أن القوم قد أحرق هيكلهم وزالت دولتهم وتفرق جمعهم ورفع كتابهم جمع من محفوظاته، ومن الفصول التي يحفظها الكهنة، ما اجتمعت منه هذه التوراة التي بأيديهم. ولذلك بالغوا في تعظيم عزرا هذا غاية المبالغة، فزعموا أن النور الآن يظهر على قبره وهو عند بطائح العراق لأنه جمع لهم ما يحفظ دينهم" (١)
وإلى هذا المعنى يشير ابن تيمية في حديثه عن تحريف الأناجيل، وانقطاع سندها، يقول: وأما الإنجيل الذي بأيديهم فإنهم معترفون بأنه لم يكتبه المسيح ﵇ ولا أملاه على من كتبه، وإنما أملاه بعد رفع المسيح: متى ويوحنا وكانا قد صحبا المسيح، ولم يحفظه خلق كثير يبلغون عدد التواتر" (٢).
ثالثًا: صفات علمائهم الذميمة، فإن آيات الكتاب الكريم كثيرًا ما تتحدث عن أخلاقهم السيئة فتسمهم بأشنع الصفات وأبغضها، فمحبة الدنيا والتفاني في اكتسابها وجمع حطامها من أبرز الصفات التي تخلقوا بها، قال تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦].
стр. 379
ويصور تحريفهم وتحريهم الكذب والإصرار عليه، يقول عز من قائل: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة: ١٧٤].
وقد قادهم تعلقهم بالفانية إلى البخل والحسد، يقول شيخ الإسلام: "ذم الله اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم ..
فوصفهم بالبخل الذي هو البخل بالعلم، والبخل بالمال ..
وكذلك وصفهم بكتمان العلم في غير آية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾.
وقال: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٦].
فكانت هذه الصفات الذميمة هي حقيقة الدافع لهم إلى تزوير الحق ورده، يقول ﵀ متممًا كلامه: "فوصف المغضوب عليهم بأنهم يكتمون العلم: تارة بخلًا به، وتارة اعتياضًا عن إظهاره بالدنيا، وتارة خوفًا أن يحتج عليهم بما أظهروه منه" (١)
стр. 380
ولكن قد يتبادر إلى الذهن سؤال؛ وهو إذا كان التحريف حقيقة لا شك في وجودها، فلا يمكن بحال تنزيه تلك الكتب عنها، فلماذا أتى الأمر بإقامتها وإعمال ما فيها؟ وليس ذلك فحسب بل قد أنيطت النجاة بهذا التمسك، كما أتى ذلك صريحًا في غير ما آية، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦].
إن الإجابة عن هذا السؤال تكون ببيان حقيقتين لهما علاقة وثيقة بحقيقة التحريف:
الأولى: أن التحريف لم يكن على ضرب واحد وقد أشرت إلى ذلك مسبقًا عند عرضي لأقوال الصاوي في هذا المجال، فلم تكن جميع ألفاظ الوحي قد حرفت، بل هناك حقائق غيبية كثيرة لا تزال في تلك الكتب كالتوراة والإنجيل ولكن البخل والحسد الذي أعمل في قلوب كثير من أهل الكتاب حملهم على تحريف النصوص بالتأويل الباطل، فلا يصرحون إلا بما يوافق نفوسهم المريضة، وأي أمر خالفها كالأمر باتباع الرسول فإنهم يقومون بإخفائه أو طمسه أو تأويله التأويل الباطل، كما أشار إلى ذلك الصاوي في عدد من المواضع، كحادثة الرجم وغيرها مما هو من شأن أهل الكفر والإلحاد في كل زمان ووقت.
أما الحقيقة الثانية: فقد نبهت إليها وهي أن جل الحكمة من الأمر بإقامة التوراة والإنجيل والعمل بمقتضى أخبارها هو الإيمان بمحمد ﷺ وطاعته والدخول في دينه، فقد نبه القرآن الكريم إلى وضوح معالم شخصية النبي المنتظر وانطباقها تمامًا على شخصية الرسول ﷺ في كتبهم حتى قال عز من قائل: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. يقول شيخ الإسلام ﵀ مبينًا حقيقة الأمر بإقامة الكتاب: "فإن إقامة الكتاب: العمل بما أمر الله به في الكتاب، من التصديق بما أخبر به على لسان الرسول.
стр. 381
وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ليس هو مما أنزله الله على الرسول ولا مما أمر به ولا أخبر به وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة، يصنف الشخص كتابًا فيذكر ناسخه في آخره: عمر المصنف، ونسبه، وسنه، ونحو ذلك مما ليس هو من كلام المصنف ولهذا أمر الصحابة والعلماء بتجريد القرآن، وأن لا يكتب في المصحف غير القرآن، فلا يكتب أسماء السور ولا التخميس". (١)
* * *
стр. 382
(المبحث الثالث): الإيمان بالقرآن الكريم
يرجع معنى القرآن في اللغة إلى القرء وهو الجمع، فقد سمى قرآنًا لأنه يجمع السور فيضم بعضها إلى البعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧].
وجاء في لسان العرب؛ "الأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمى القرآن لأنه جمع القصص، والأمر، والنهى، والوعد، والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض؛ وهو مصدر كالغفران، والكفران" (١)
والقرآن هو الكلام المعجز المنزل على النبي ﷺ للتحدي، المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته.
والقرآن مكتوب, ومسموع، ومحفوظ هو كلام الله، قال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾.
وقال: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩].
قد أنزله المولى ﵎ على قلب النبي بواسطة الملك جبريل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤].
أما عن كيفية ذلك النزول فقد ورد أنه أنزل جملة واحدة إلى بيت العزة في السماء، وهذا ما روى عن ابن عباس ﵄ حيث قال: (فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ﵇ ينزله على النبي ﷺ ويرتله ترتيلًا) (٢)
стр. 383
وكان وقت نزوله جملة في رمضان ليلة القدر، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. (١)
وعند نزوله على قلب النبي فقد كان ينزل منجمًا بحسب ما تقتضيه حكمة المولى، قال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
وقد بين الشارع جانبًا من حكمة ذلك التنجيم، حيث قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
- ولعظمة هذا الكتاب واشتماله على أنواع الهداية التي احتوتها كل الكتب السابقة، فقد تمت له الهيمنة عليها، فكان خاتمها والباقي إلى يوم القيامة، فعلاقته بها علاقة تصديق وهيمنة، ولبيان هذه العلاقة فإن شيخ الإسلام ﵀ يعقد مقارنة بين الكتب المنزلة، وذلك في ضوء الآيات المتتالية في سورة المائدة من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: ٣]، يقول: "فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذكر، يبين ما ذكروه من أن التوراة هي الأصل والإنجيل تبع لها في كثير من الأحكام وإن كان مغايرًا لبعضها، فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن، في مثل قوله: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة: ١١١]، فيذكر الثلاثة تارة، ويذكر القرآن مع التوراة وحدها تارة لسر، وهو أن الإنجيل من وجه أصل، ومن وجه تبع، بخلاف القرآن مع التوراة، فإنه أصل من كل وجه، بل هو مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، وإن كان موافقًا للتوراة في أصول الدين" (٢).
стр. 384
فقد بين ﵀ أن وجه المغايرة بينهما هو اختلاف الأحكام الشرعية على جهة التفصيل، كما أشار إلى أن مكمن الاتفاق بينهما هو اتحادهما في الدلالة على أصول الدين.
وهذا الاعتقاد مبني في حقيقته على أن النسخ في الأخبار ممنوع تمامًا في حق المولى تعالى؛ لأنه خبر، والخبر: إما صدق وإما كذب، والله منزه عن الكذب بأي صورة منه، بل وموصوف بأتم صفات الصدق وأكملها، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، قال المفسرون: "صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام".
أما نسخ الأحكام، فجائز لما يقتضيه كمال عدله سبحانه، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].
رأي الشيخ الصاوي:
يعرف الصاوي القرآن الكريم، فيقول: "القرآن لغة من القرء وهو الجمع" أما في الاصطلاح فإن: "المراد به: اللفظ المنزل على قلب النبي ﷺ المتعبد بتلاوته المقرون بدعوى التحدى". (١)
ويقول واصفًا هذا الكتاب العظيم مفحصًا عن حقيقته عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣]: "أي صيرناه مقروءًا، أي مجموعًا سورًا موصوفة بكونها عربية، رحمة منا وتنزلًا لعبادنا لعجزهم عن شهود الوصف القائم بنا.
فحدوثه من حيث قيامه بالمخلوقات، وقدمه من حيث وصف الله به، وقد تنزه وصفه عن الحروف، والأصوات، والجمع والتفرق، فتدبر".
فكان هذا التحرير منه دفعًا لما قد يورده المعتزلة من شبه للاستدلال على خلق القرآن
стр. 385
بهذه الآية الكريمة، يقول: "ودفع بذلك ما قيل: إن ظاهر الآية يدل على حدوث القرآن من وجوه ثلاثة:
الأول: أنها تدل على أن القرآن مجعول، والمجعول هو المصنوع والمخلوق.
والثاني: أنه وصفه بكونه قرآنًا، والمجموع بعضه لبعض مصنوع.
والثالث: وصفه بكونه عربيًا، والعربي ما كان بلغة العرب، وذلك يدل على أنه مجعول".
ومع إجابته المسبقة لهذه الشبه؛ فإنه يعتضد بما أجاب به أسلافه من الأشاعرة على هذا الاشتباه، يقول: "وأجاب الرازي أيضًا عن ذلك أن الذي ذكرتموه حق؛ لأنكم استدللتم بهذه الوجوه على كون الحروف المتواليات والكلمات المتعاقبات محدثة, وذلك معلوم بالضرورة وليس لكم منازع فيه" (١)
وفي بيان صفة نزوله يقول: "وأجيب بأن القرآن نزل جملة في بيت العزة في سماء الدنيا، وصار ينزل بعد ذلك مفرقًا فحين نزول هذه كأن الله تعالى يقول: "لا تنتظروا بعد ذلك حكمًا فقد أتممت لكم ما قدرته لكم وادخرته عندي" (٢)
وقد تحدث عن عظمة القرآن الكريم واشتماله على أنواع الهداية والحق، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، يقول: "فشبه القرآن بالروح من حيث إن كلَّ به الحياة، فالقرآن به حياة الأرواح، والروح بها حياة الأشباح" (٣)
وفي بيان أوجه الإعجاز في هذا الكتاب العظيم، يقول: "ووجه إعجازه أن كلماته مائة ألف كلمة وأربعة وعشرون ألف كلمة، وكل كلمة لها مطلع وغاية وظهر وبطن، فتكون علومه أربعمائة ألف وستة وتسعين ألف علم وعلم يخلف الآخر، وأن ألفاظه في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة التي لا يصل إليه أحد" (٤).
стр. 386
ويسترسل في الحديث عن أوجه عظمة هذا الكتاب المبين، يقول عند قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] " أي ميزت لفظًا ومعنى:
فاللفظ في أعلى طبقات البلاغة، معجز لجميع الخلق.
والمعنى: كالوعد والوعيد، والقصص والأحكام، وغير ذلك من المعاني المختلفة.
فإذا تأملت القرآن تجد بعض آياته متعلقًا بذات الله وصفاته، وبعضها متعلقًا بعجائب خلقه من السموات والأرض وما فيهما، وبعضها متعلقًا بالمواعظ والنصائح وغير ذلك، قال البوصيرى:
فلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم (١) " (٢)
وقد اشتمل حديثه عن عظمة هذا الكتاب على بيان مكانة القرآن الكريم بين الكتب المنزلة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، يقول: "أل في الكتاب للجنس فيشمل جميع الكتب السماوية، المهيمن: معناه الحاضر الرقيب، فالقرآن شاهد على سائر الكتب وعلى من آمن من أصحابها وكفر" (٣)
ولتأثره الملموس في كثير من مسائل الاعتقاد بآراء الصوفية نجد أنه يفرق بين الظاهر والباطن في التفسير من حيث الجواز والمنع على مختلف طبقات أهل العلم، يقول: "فالمراد بالعوام علماء الظاهر، ليس لهم خوض في القرآن إلا بالمنطوق، وتكلمهم بالعلوم الإشارية التي هي للخواص فضول منهم فالتكلم في اللطائف لغير الأولياء فضول منهم، ويدخلون في الوعيد الوارد: (من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار)، ما لم يمن الله عليه بعلم لدني فحاله لا ينكر" (٤)
стр. 387
المناقشة:
لقد تقدم الحديث عن القرآن العظيم من حيث إنه كلام الباري تعالى منه خرج وإليه يعود، وأنه غير مخلوق وأنه بلفظه منزل من عند الله تعالى، مسموع الحروف والأصوات، وكيف أن الأشاعرة قد ضلوا في معتقدهم بالكلام النفسي، والذي زعموا فيه أن الحروف والأصوات من سمات المخلوقين؛ التي لا يجوز نسبتها إلى الباري تعالى على جهة الوصف.
وهنا في هذا المبحث نجد كيف أن ذلك المعتقد كان ذريعة للوقوع في وصف القرآن بالخلق من جهة حروفه وأصواته، فكان هذا من الأشاعرة جهلًا بحقيقته المنزلة، ومتابعة لشبه المعتزلة في اعتقاد خلق القرآن.
والعجيب في هذا أن الصاوي يظن بتحريره المسبق في تفصيل القول في حقيقة القرآن وتقسيمه من حيث الحدوث والقدم؛ بأن القدم من جهة كونه معنى قائمًا بذات الله تعالى، وأن الحدوث من جهة كونه حروفًا وكلمات، قد رد على ما اعتقده المعتزلة في خلق القرآن الكريم، وأنه مع الرازي قد أصاب الهدف في دحض الشبهة.
والصحيح في المسألة كما هو معتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن الكريم غير مخلوق، وأن اعتقاد كونه مكونًا من الحروف والكلمات لا يطعن في حقيقة اتصاف الله تعالى به على جهة الكلام، وذلك للأمور التالية:
أولًا: أن الله كلم موسى ﵇ بصوت مسموع: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾.
وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : (يحشر الله العباد عراة غرلًا، بهما، قلنا: ما بهما؟
стр. 388
قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: (أنا الملك أنا الديان). (١)
وفي هذا دلالة صريحة على أن كلامه تعالى بحرف، لأنه لا يكون بصوت مسموع إلا لكونه من حروف، يقول شيخ الإسلام ﵀ في اعتماد هذا المعتقد عن سائر السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان: "واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت، نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت، أو بحرف" (٢).
وكان ما ذكر الرازي الإجماع عليه من كون الحروف والكلمات مخلوقة غير صحيح، وعدم علمه بالمخالف لا يعني عدمه، بل الصحيح أنه نقل عن الأئمة التوقف في هذا لعدم ورود النص الذي يقطع بكونها مخلوقة، أو غير مخلوقة؛ وذلك لأن في القطع بأحدها لوازم باطلة، تدل على بطلان ملزومها، فالقول: بأنها مخلوقة يجر إلى القول بخلق القرآن، والقول: بأنها غير مخلوقة يجر إلى اعتقاد أن كلام الناس بشتى أنواعه مبني على ما هو غير مخلوق، ولا يخفى ما في هذا من البطلان الذي يتشدق به أهل الحلول والاتحاد (٣).
والذي يظهر لي أن القول الفصل في المسألة هو ما توصل إليه الدكتور الجديع، حيث قال: "إن الحرف المجرد الذي هو جزء من اللفظ، مثل: (ز) من كلمة:
стр. 389
(زيد) لا يقال فيه مخلوق، ولا غير مخلوق؛ لأن الحرف المجرد ليس كلامًا، وإنما يقع الكلام فيما ألف من الحروف فأفاد معنى، ككلمة (زيد) اسم علم معروف.
والكلام المؤلف من الحروف الذي يفيد معنى يفصل فيه: فإن كان كلامًا لله تعالى، كان غير مخلوق.
وإن كان كلامًا للعبد ينشئه من تلقاء نفسه، لا يريد به قراءة كلام الله فهو مخلوق، فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ غير مخلوق، وقولك: (جاءني زيد فأكرمته) مخلوق، لأن الأول كلام الله تعالى نظمه وحروفه، والثاني كلامك نظمه وحروفه" (١)
* * *
- هذا والحديث في عظمة القرآن وأنواع الإعجاز فيه حديث ذو شجون، ويمكن إيجاز القول فيه بأن الإعجاز في القرآن الكريم - كما ذكر الصاوي - على ضربين فقد أعجز لفظًا ومعنى، ولكن الكلام فيما اشتمل عليه ذلك اللفظ والمعنى من أنواع الإعجاز، فقد أحار الأولين والآخرين في الإحاطة به، وقد تناول الزركشي أقوال العلماء في بيان أنواعه: حيث البلاغة من جهة تفاوتها واستمرارها في كل ألفاظه، وعدم إمكان التعبير عنه بنفس المراد مهما بذل من جهد، ومن جهة نظمه وتأليفه، ومن جهة سلامته مع غرابة أسلوبه، ومن جهة ما تضمنه من أخبار الأولين والآخرين، ومن جهة حديثه عن الغيب، وغير ذلك مما يعجز المقام عن التفصيل فيما أشار إليه ﵀ حتى قال في الوجه الثاني عشر: "قول أهل التحقيق: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال (٢)، لا بكل واحد على انفراده، فإنه جميع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق، فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم.
стр. 390
ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة, وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر" (١)، إلى غير ذلك من المعاني التي استرسل في بيانها ﵀.
هذا وقد جد في العصر الحاضر حديث آخر عن أوجه إعجاز هذا الكتاب العظيم، ألا وهو الإعجاز العلمي، فقد أقيمت الكثير من الأبحاث والدراسات لتكشف عن شيء من عظمة إعجازه في هذه الجوانب الحسية التجريبية، وهذا كله فيه مصداق لقول الحق جلا في علاه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣].
- وكان من ضمن حديث الصاوي عن الإعجاز ذكر عدد كلمات القرآن الكريم، واعتقاد أن لها ظهرًا وبطنًا، أما عددها فقد ذكر أنها: مائة ألف وأربع وعشرون ألف كلمة، والحقيقة أن هذا من المسائل المختلف في ضبطها، وقد أورد السيوطي أقوال العلماء المتعددة في ذلك، وقد أرجع الاختلاف الواقع في عدها إلى أن كل كلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز.
ثم عقب كلامه في هذه المسألة؛ حيث قال: "لا أعلم لعدد الكلمات، والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك" (٢)
* * *
ومن جملة ما تناول الصاوي من المسائل المتعلقة بالقرآن: تفسيره وبيانه، وقد فرق في هذه المسألة بين نوعين من التفسير: التفسير بالظاهر، والتفسير الإشاري، وأشار