← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ويسترسل في الحديث عن أوجه عظمة هذا الكتاب المبين، يقول عند قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣] " أي ميزت لفظًا ومعنى: فاللفظ في أعلى طبقات البلاغة، معجز لجميع الخلق. والمعنى: كالوعد والوعيد، والقصص والأحكام، وغير ذلك من المعاني المختلفة. فإذا تأملت القرآن تجد بعض آياته متعلقًا بذات الله وصفاته، وبعضها متعلقًا بعجائب خلقه من السموات والأرض وما فيهما، وبعضها متعلقًا بالمواعظ والنصائح وغير ذلك، قال البوصيرى: فلا تعد ولا تحصى عجائبها ... ولا تسام على الإكثار بالسأم (١) " (٢) وقد اشتمل حديثه عن عظمة هذا الكتاب على بيان مكانة القرآن الكريم بين الكتب المنزلة، وذلك عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: ٤٨]، يقول: "أل في الكتاب للجنس فيشمل جميع الكتب السماوية، المهيمن: معناه الحاضر الرقيب، فالقرآن شاهد على سائر الكتب وعلى من آمن من أصحابها وكفر" (٣) ولتأثره الملموس في كثير من مسائل الاعتقاد بآراء الصوفية نجد أنه يفرق بين الظاهر والباطن في التفسير من حيث الجواز والمنع على مختلف طبقات أهل العلم، يقول: "فالمراد بالعوام علماء الظاهر، ليس لهم خوض في القرآن إلا بالمنطوق، وتكلمهم بالعلوم الإشارية التي هي للخواص فضول منهم فالتكلم في اللطائف لغير الأولياء فضول منهم، ويدخلون في الوعيد الوارد: (من فسر القرآن برأيه فليتبوء مقعده من النار)، ما لم يمن الله عليه بعلم لدني فحاله لا ينكر" (٤)

стр. 387

المناقشة: لقد تقدم الحديث عن القرآن العظيم من حيث إنه كلام الباري تعالى منه خرج وإليه يعود، وأنه غير مخلوق وأنه بلفظه منزل من عند الله تعالى، مسموع الحروف والأصوات، وكيف أن الأشاعرة قد ضلوا في معتقدهم بالكلام النفسي، والذي زعموا فيه أن الحروف والأصوات من سمات المخلوقين؛ التي لا يجوز نسبتها إلى الباري تعالى على جهة الوصف. وهنا في هذا المبحث نجد كيف أن ذلك المعتقد كان ذريعة للوقوع في وصف القرآن بالخلق من جهة حروفه وأصواته، فكان هذا من الأشاعرة جهلًا بحقيقته المنزلة، ومتابعة لشبه المعتزلة في اعتقاد خلق القرآن. والعجيب في هذا أن الصاوي يظن بتحريره المسبق في تفصيل القول في حقيقة القرآن وتقسيمه من حيث الحدوث والقدم؛ بأن القدم من جهة كونه معنى قائمًا بذات الله تعالى، وأن الحدوث من جهة كونه حروفًا وكلمات، قد رد على ما اعتقده المعتزلة في خلق القرآن الكريم، وأنه مع الرازي قد أصاب الهدف في دحض الشبهة. والصحيح في المسألة كما هو معتقد أهل السنة والجماعة أن القرآن الكريم غير مخلوق، وأن اعتقاد كونه مكونًا من الحروف والكلمات لا يطعن في حقيقة اتصاف الله تعالى به على جهة الكلام، وذلك للأمور التالية: أولًا: أن الله كلم موسى ﵇ بصوت مسموع: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ : (يحشر الله العباد عراة غرلًا، بهما، قلنا: ما بهما؟

стр. 388

قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: (أنا الملك أنا الديان). (١) وفي هذا دلالة صريحة على أن كلامه تعالى بحرف، لأنه لا يكون بصوت مسموع إلا لكونه من حروف، يقول شيخ الإسلام ﵀ في اعتماد هذا المعتقد عن سائر السلف من الصحابة ومن تبعهم بإحسان: "واستفاضت الآثار عن النبي ﷺ والصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من أئمة السنة؛ أنه سبحانه ينادي بصوت، نادى موسى، وينادي عباده يوم القيامة بصوت، ويتكلم بالوحي بصوت، ولم ينقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت، أو بحرف" (٢). وكان ما ذكر الرازي الإجماع عليه من كون الحروف والكلمات مخلوقة غير صحيح، وعدم علمه بالمخالف لا يعني عدمه، بل الصحيح أنه نقل عن الأئمة التوقف في هذا لعدم ورود النص الذي يقطع بكونها مخلوقة، أو غير مخلوقة؛ وذلك لأن في القطع بأحدها لوازم باطلة، تدل على بطلان ملزومها، فالقول: بأنها مخلوقة يجر إلى القول بخلق القرآن، والقول: بأنها غير مخلوقة يجر إلى اعتقاد أن كلام الناس بشتى أنواعه مبني على ما هو غير مخلوق، ولا يخفى ما في هذا من البطلان الذي يتشدق به أهل الحلول والاتحاد (٣). والذي يظهر لي أن القول الفصل في المسألة هو ما توصل إليه الدكتور الجديع، حيث قال: "إن الحرف المجرد الذي هو جزء من اللفظ، مثل: (ز) من كلمة:

стр. 389

(زيد) لا يقال فيه مخلوق، ولا غير مخلوق؛ لأن الحرف المجرد ليس كلامًا، وإنما يقع الكلام فيما ألف من الحروف فأفاد معنى، ككلمة (زيد) اسم علم معروف. والكلام المؤلف من الحروف الذي يفيد معنى يفصل فيه: فإن كان كلامًا لله تعالى، كان غير مخلوق. وإن كان كلامًا للعبد ينشئه من تلقاء نفسه، لا يريد به قراءة كلام الله فهو مخلوق، فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ غير مخلوق، وقولك: (جاءني زيد فأكرمته) مخلوق، لأن الأول كلام الله تعالى نظمه وحروفه، والثاني كلامك نظمه وحروفه" (١) * * * - هذا والحديث في عظمة القرآن وأنواع الإعجاز فيه حديث ذو شجون، ويمكن إيجاز القول فيه بأن الإعجاز في القرآن الكريم - كما ذكر الصاوي - على ضربين فقد أعجز لفظًا ومعنى، ولكن الكلام فيما اشتمل عليه ذلك اللفظ والمعنى من أنواع الإعجاز، فقد أحار الأولين والآخرين في الإحاطة به، وقد تناول الزركشي أقوال العلماء في بيان أنواعه: حيث البلاغة من جهة تفاوتها واستمرارها في كل ألفاظه، وعدم إمكان التعبير عنه بنفس المراد مهما بذل من جهد، ومن جهة نظمه وتأليفه، ومن جهة سلامته مع غرابة أسلوبه، ومن جهة ما تضمنه من أخبار الأولين والآخرين، ومن جهة حديثه عن الغيب، وغير ذلك مما يعجز المقام عن التفصيل فيما أشار إليه ﵀ حتى قال في الوجه الثاني عشر: "قول أهل التحقيق: إن الإعجاز وقع بجميع ما سبق من الأقوال (٢)، لا بكل واحد على انفراده، فإنه جميع ذلك كله، فلا معنى لنسبته إلى واحد منها بمفرده مع اشتماله على الجميع، بل وغير ذلك مما لم يسبق، فمنها الروعة التي في قلوب السامعين وأسماعهم.

стр. 390

ومنها أنه لم يزل ولا يزال غضًا طريًا في أسماع السامعين، وعلى ألسنة القارئين. ومنها جمعه بين صفتي الجزالة والعذوبة, وهما كالمتضادين لا يجتمعان غالبًا في كلام البشر" (١)، إلى غير ذلك من المعاني التي استرسل في بيانها ﵀. هذا وقد جد في العصر الحاضر حديث آخر عن أوجه إعجاز هذا الكتاب العظيم، ألا وهو الإعجاز العلمي، فقد أقيمت الكثير من الأبحاث والدراسات لتكشف عن شيء من عظمة إعجازه في هذه الجوانب الحسية التجريبية، وهذا كله فيه مصداق لقول الحق جلا في علاه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣]. - وكان من ضمن حديث الصاوي عن الإعجاز ذكر عدد كلمات القرآن الكريم، واعتقاد أن لها ظهرًا وبطنًا، أما عددها فقد ذكر أنها: مائة ألف وأربع وعشرون ألف كلمة، والحقيقة أن هذا من المسائل المختلف في ضبطها، وقد أورد السيوطي أقوال العلماء المتعددة في ذلك، وقد أرجع الاختلاف الواقع في عدها إلى أن كل كلمة لها حقيقة ومجاز، ولفظ ورسم، واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز. ثم عقب كلامه في هذه المسألة؛ حيث قال: "لا أعلم لعدد الكلمات، والحروف من فائدة؛ لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان، والقرآن لا يمكن فيه ذلك" (٢) * * * ومن جملة ما تناول الصاوي من المسائل المتعلقة بالقرآن: تفسيره وبيانه، وقد فرق في هذه المسألة بين نوعين من التفسير: التفسير بالظاهر، والتفسير الإشاري، وأشار

стр. 391

في خلال حديثه عنه إلى بعض القواعد المعتمدة عند المتصوفة فيه، حيث قصر استعماله على طائفة معينة يطلق عليها عند الصوفية بالخواص، ومنع مع ذلك أهل العلم بالظاهر - ويعنى بهم أهل العلم بالشريعة - من التفسير بهذا النوع من التفاسير الصوفية، وقد استند الصاوي فيما ذهب إليه إلى عدد من الأمور المعتبرة عند هذه الطائفة: أولها: اعتقاد أن للقرآن الكريم ظاهرًا وباطنًا، وأنه لا دلالة واضحة من ظاهره لباطنه؛ بل قد يخالفه تمامًا، بحيث يتأتى للمقتصر على فهم القرآن بظاهر ألفاظه الوقوع في الخطأ المبين إذا أراد أن يستوحي باطن اللفظ كما يعتقد الصاوي، فيقع في الإثم المبين. ثانيها: تقسيم العلم إلى علم مكتسب وعلم لدني، وأن من كان علمه مكتسبًا لا يتصور منه استنباط الإشارات الباطنية، لأنها لا تتأتى بطريق الاكتساب، بل هي محض فضل من الله تعالى، قد ينال بنوع اجتهاد، ولكنه لا يرجع إلى نحو الأسباب التي يتأتى بها العلم المكتسب. ثالثها: تفريقه بين العوام والخواص، وجعل طبقة علماء الظاهر من جملة العوام الذين ليس لهم اجتهاد في فهم الإشارات اللدنية، وإرجاع فهم الحقائق إلى أهل الولاية وهم من يسميهم بالخواص. - أما المسألة الأولى؛ وهي اعتقاد أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، فهذا ما عليه غالب أهل التصوف، وقد نشأ من هذا الاعتقاد ما يسمى بالتفسير الإشاري عند الصوفية، حيث يتوسط في مكانته بين التفسير بالمأثور وبين التفسير الباطني المعتمد عند أهل الباطن، فنجد هذا النوع من التفسير عند بعض المتصوفة يأخذ طابع العمق حتى يخرج به عن التفسير المعهود. وقد يقع في التأويل الباطني المنحرف بأقصى درجات الانحراف، وقد ينحو به نحو الاعتدال، وهذا ما عليه الغالب، إلا أنه قد يقع في كثير من التخليط فيبعد عن النص بتأويلات بعيدة، لا يدل عليها من قريب، أو بعيد.

стр. 392

وقد يقرب ببعضهم حتى لا يكاد يبعد عن تفسير أهل السنة المعتاد (١). ولعل هذا هو سبب ولاء الصاوي لابن عربي الطائي، فكثيرًا ما يطلق عليه مسمى: (سيدى) (٢)، وقد كان هذا الاعتقاد منه مدعاة إلى التوقف عن الاستدلال بالظاهر على العقائد، حيث اشتهر بالمقولة الباطلة: "الأخذ بظاهر القرآن كفر" (٣). والحق في هذه المسألة أن التفريق بين الظاهر والباطن من محدثات الأهواء والبدع، فإن علاقة الباطن بالظاهر علاقة ملازمة، لا يمكن بحال الفصل بينهما، فلا يستدل بالنص على أمر لا يدل ظاهره عليه مفهومًا أو منطوقًا، ولعلي أشير إلى بعض المعاني التي قد تكون صحيحة في نفس الأمر إلا أن علاقتها بالنص تكاد توسم بالبتر، حيث يضرب الإمام الشاطبى مثلًا لذلك الانحراف في الفهم. فيقول: "لو فسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]: "بأن السكر هو سكر الغفلة والشهوة وحب الدنيا المانع من قبول العبادة في اعتبار التقوى، كما منع سكر الشراب من الجواز في صلب الفقه، وأن الجنابة المراد بها التضمخ بدنس الذنوب، والاغتسال هو التوبة، لكان هذا التفسير غير معتبر، لأن العرب لم تستعمل مثله في مثل هذا الموضع، ولا عهد لها به، لأنها لا تفهم من الجنابة، والاغتسال إلا الحقيقة". كما يشير إلى ضرب آخر لا حقيقة له في الأصل ولا علاقة له بالنص على الإطلاق، فصلته بالمعنى المراد مبتورة تمامًا" ومثله قول من زعم أن النعلين في قوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١٢] إشارة إلى خلع الكونين، فهذا على ظاهره لا تعرفه العرب لا في حقائقها المستعملة ولا في مجازاتها".

стр. 393

ثم يبين وجه القطع بعدم إرادة مثل هذه المعاني، يقول: "فلا يصح استعمال الأدلة الشرعية في مثله، وأول قاطع فيه أن القرآن أنزل عربيًا وبلسان العرب، وكذلك السنة إنما جاءت على ما هو معهود لهم، وهذا الاستعمال خرج عنه". (١) إذًا حقيقة الفصل بين الظاهر والباطن وَهْمٌ لا أساس له، بل هو أساس لكل باطل من التفسير بالرأي الذي يحرم اعتماده في حق من تصدى لتفسير القرآن الكريم. وهنا تجدر الإشارة إلى الطريقة المثلى التي سار عليها أئمة السلف في تفسير القرآن الكريم، إذ الأصل المعتمد الذي تقوم عليه الطريقة الصحيحة هو: التفسير إما بنقل ثابت، أو رأي صائب، وما سواهما فباطل. ويرجع هذا الأصل من حيث المستند إلى ما تواتر من دلائل الكتاب والسنة وأقوال السلف. هذا ويندرج تحت ذلك الأصل عدد من القواعد المتعلقة بأنواع النقل وترتيبها حسب الأهمية، فلا تصح مجاوزة قول النبي إلى قول غيره مع التيقن من صحته، كما لا يعدل عن قول الصحابي إلى من هو دونه مع وجوده، وإذا اختلف في المسألة على قولين ينظر في أدلة كل منهما وثبوتها من حيث السند، إلى غير ذلك. ومع عدم وجود تفسير للنص من الأحاديث والأخبار والآثار؛ فإنه يرجع إلى تفسير القرآن باللغة التي نزل بها، ومن هنا يكون مدخل الرأي الصائب؛ حيث يعمل دلالة اللغة إلى أقرب معنى، وأصحه، وأفصحه من معاني اللغة العربية في ضوء ما يرتبط به من نصوص فسرت بالنقل الصحيح. فلا يخرج عن معهود الشارع في مراده من النصوص في الغالب.

стр. 394

يقول الإمام ابن القيم ﵀ في وجوب إعمال الأصل السابق، وذلك في حديثه عن حقيقة الرأي الصائب: "أن يكون - أي الرأي المحمود - بعد طلب علم الواقعة من القرآن، فإن لم يجدها في القرآن، ففي السنة، فإن لم يجدها في السنة، فبما قضى به الخلفاء الراشدون، أو اثنان منهم، أو واحد، فإن لم يجده، فبما قاله واحد من الصحابة ﵃ فإن لم يجده، اجتهد رأيه ونظر إلى أقرب ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوغه الصحابة، واستعملوه، وأقر بعضهم بعضًا عليه" (١). إذًا فالرأي المذموم الذي أتى فيه الوعيد؛ هو "رأي مجرد لا دليل عليه، بل هو خرص وتخمين". أما الرأي المحمود، والذي لا مندوحة عنه للمفسر العالم في كثير من الأحيان؛ فهو الذي يستند "إلى استدلال، واستنباط من النص وحده، أو من نص آخر معه" (٢). ومن هنا نعلم حقيقة ما أثر عن أبي بكر الصديق ﵁ في التوقف عن التقول في كتاب الله برأيه، فإنه ﵁ سئل عن معنى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾، فقال: (أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأي) (٣). فالدافع إلى توقفه ﵁ هو عدم علمه بما يستند إليه في تفسيره لهذه الكلمة. - وإذا تبين هذا، وعلم أن الرأي لا يكون صائبًا إلا إذا استند إلى حقائق شرعية لغوية، وأنه قد أثر توقف كبار الصحابة عن تفسير القرآن بالرأي المحض؛ علم ضلال القائل باختصاص أهل الولاية في فهم المعاني الإشارية دون غيرهم من أهل العلم بالشريعة التي يطلق عليه الصوفية "علم الظاهر". وعلم أيضًا ضلال من قدم أهل الولاية كما يسمون عند المتصوفة على أهل العلم بالحقائق الشرعية المكتسبة من الطرق اليقينية.

стр. 395

وعلم أيضًا ضلال من خرج عن هدى الصحابة الكرام في توقفهم عن تفسير كتاب الله بغير مستند شرعي؛ مع ثبوت الرفعة لمكانتهم عند الله، وخيريتهم على سائر القرون. بل وعلم ضلال الصوفية أيضًا في تقديم خواصهم على ما أثر عن الصحابة لمعرفة ما يسمى بعلم الإشارات، الذي كثيرًا ما يخرج بصاحبه إلى التقول على الله بغير علم، وإلى الابتداع المنهي عنه، وقد يقع به أيضًا في الكفر والعياذ بالله. ونقل عن ابن الصلاح (١) أنه قال في فتاويه عن تفاسير هؤلاء: "الظن بمن يوثق به منهم إذا قال شيئًا من أمثال ذلك أنه لم يذكره تفسيرًا، ولا ذهب به مذهب الشرح للكلمة المذكورة في القرآن العظيم، فإنه لو كان كذلك كانوا قد سلكوا مسلك الباطنية، وإنما ذلك منهم ذكر لنظير ما ورد به القرآن، فإن النظير يذكر بالنظير، فمن ذلك قول بعضهم في: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]: إن المراد النفس، فأمرنا بقتال من يلينا، لأنها أقرب شيء إلينا. وأقرب شيء إلى الإنسان نفسه. فكأنه قال: أمرنا بقتال النفس ومن يلينا من الكفار، ومع ذلك فيا ليتهم لم يتساهلوا في مثل ذلك، لما فيه من الإبهام والالتباس. انتهى من كلامه ﵀. (٢) فهل بعد هذا التقول على كتاب الله بغير علم من ضلال؟

стр. 396

- وعليه فإن تقسيمه السابق للعلوم من حيث طرق تحصيلها إلى مكتسب ولدني، وأن معرفة الإشارات لا تتأتى لأحد من أهل العلم المكتسب، لا حقيقة له، بل هو محض وهم. ومبنى هذا التصور أن الإلهام مصدر من مصادر التلقي التي يستند إليها في فهم الكتاب العظيم، وقد تقدم بطلان هذا وبيان أن الإلهامات لا يستند إليها فيما يتعلق بفهم نصوص الشرع، إذ ليس لأهل الولاية عصمة من وساوس الشيطان وتضليله، وإنما ترجع في حجيتها إلى موافقتها لمصدر التلقي اليقيني: الكتاب والسنة، فما وافقهما قبل، وإلا فلا اعتداد به البتة في أي استنباط لا استناد له إلى قواعد التفسير المسبقة. ومن العجب أن يخالف الصاوي نفسه في هذا الباب ويدخل في ضرب من التناقض المخل، حيث يفرق عند حديثه عن الوحي بين إلهام الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وغيرهم من الأولياء: بأنه لا عصمة لهؤلاء بخلاف أولئك الذين عصمهم الله من وساوس الشيطان وغيرها. وليس في هذا ما يناقض اعتقاد أن للتوفيق والهداية والولاية دور كبير في فهم القرآن الكريم والوقوف على معانيه وإدراك مغازيه، في ضوء التزام القواعد المسبقة، فـ "إن هذا الكتاب هدى للمؤمنين وشفاء، فقلوب المؤمنين هي التي تدرك طبيعته وحقيقته، فتهتدي به وتشتفي. فأما الذين لا يؤمنون فقلوبهم مطموسة، لا تخالطها بشاشة هذا الكتاب، فهو وقر في آذانهم، وعمى في قلوبهم، وهم لا يتبينون شيئًا لأنهم بعيدون جدًا عن طبيعة هذا الكتاب وهواتفه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]. ويجد الإنسان مصداق هذا القول في كل زمان وفي كل بيئة. فناس يثقل هذا القرآن على آذانهم وعلى قلوبهم، ولا يزيدها إلا صممًا وعمى، وما تغير القرآن، ولكن تغيرت القلوب وصدق الله العظيم" (١)

стр. 397

الفصل السابع: آراؤه في الإيمان بالنبوات وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: مفهوم النبوة والرسالة. المبحث الثاني: الإيمان بالرسل والأنبياء. المبحث الثالث: خاتم الأنبياء وعموم رسالته. المبحث الرابع: دلائل النبوة.

стр. 398

تمهيد اقتضت حكمة المولى تعالى وعظيم منته؛ أن يختص بفضله من يشاء من عباده؛ ليتم بذلك أداء رسالة التبليغ، والتي بها يخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور اليقين والإيمان، فالرسالة نعمة سابغة بها يتأتى الرضا بالله ربًا وبشرعه دينًا، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] ومن هنا علمت الضرورة الملحة إلى إرسال الرسل، والاقتداء بهديهم، فـ "بمتابعتهم يتميز أهل الهدى من الضلال، فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها" (١). وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، يقول الإمام السعدي ﵀: "يخبر تعالى أن حجته قامت على جميع الأمم، وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة، إلا وبعث الله فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة واحدة، ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له" (٢) وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، يقول الإمام ابن كثير ﵀: "أي بالحق والعدل، وهو اتباع الرسل فيما أخبروا به، وطاعتهم فيما أمروا به، فإن الذي جاءوا به هو الحق، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]، أي صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأوامر والنواهي، ولهذا يقول المؤمنون إذا تبوأوا غرف الجنات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا

стр. 399

لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣] " (١) ولما كانت للرسالة هذه المنزلة العظيمة؛ بحيث تعلق بها المقصد الأسمى والغاية العظمى من إيجاد الثقلين الجن والأنس، وأنيط بها تحقيق العدل الذي قامت به السموات والأرض؛ تولى المولى تعالى اختيار من هو أهل للقيام بأداء واجباتها من البشر، قد اصطفاهم ربنا تعالى لعلمه الذي وسع كل شيء، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]. ولكل ما تقدم صار الإيمان بهم ركنًا عظيمًا من أركان الإيمان؛ لا يقبل الله تعالى بدونه من أحد صرفًا ولا عدلًا، وأتى الأمر بذلك مؤكدًا موثقًا بعدم التفريق في الإيمان بين أحد منهم، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. هذا وقد وقف أتباع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أمام ذلك الصرح الإيماني العظيم، موقفًا يتغاير بين الإفراط والتفريط، بين الغلو والتقصير، والقليل هم الذين التزموا منهج الوسطية، الذي يمثل صورة الاعتدال المأمور بها في الإيمان بهم - صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين - فالإيمان بأنهم رسل من عند الله تعالى، قد اصطفاهم المولى ﵎، وخصهم بالعصمة، وما انبنى عليها من وجوب الاتباع التام، حمل البعض من ضعاف البصيرة على الغلو في شأنهم؛ حتى رفعوهم عن مرتبة البشر، ولعل النصارى ومن شابههم من غلاة الصوفية، هم من مثلوا هذا الاتجاه المنحرف، والذي دفعهم إلى الوقوع في الشرك عند نهاية المطاف، قال تعالى مخبرًا عن هذه الحقيقة: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا

стр. 400

عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] أما الذين مثلوا صورة التقصير المخل فهم اليهود لعائن الله عليهم، حيث كذبوا الرسل - صلوات ربي وسلامه عليهم - حتى حملهم ذلك التكذيب والعداء على أن قاموا بقتلهم أو رميهم بأنواع التهم والقبائح والفواحش التي يترفع عنها أوساط الناس وأشرفهم (١)، وهذا ما حدثتنا به آيات الكتاب العظيم، قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]. ولكل ما تقدم صار إيمان كثير ممن اتبعوا الأنبياء مشوبًا بالنواقض القادحة في أصله، وفي هذا يقول الإمام الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾: "الغلو: هو التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاءً, وغلا الرجل في الأمر غلوًا، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها، والمراد بالآية نهيهم عن الإفراط تارة، والتفريط أخرى، فمن الإفراط غلو النصارى في عيسى؛ حتى جعلوه ربًا، ومن التفريط غلو اليهود فيه ﵇ حتى جعلوه لغير رشدة" (٢). لذا أتى نهي النبي شديدًا عن الاقتداء بأهل الكتاب؛ فقد قال ﵊: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله). (٣)

стр. 401

فكان منهج التوسط والاعتدال هو خير الأمور، فالإيمان بهم وطاعتهم لا يخرج بالعبد عن اعتقاد بشريتهم، وأنهم رسل من عند الله؛ طاعتهم لطاعة الله، ومحبتهم لمحبته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وسيأتي مزيد بيان في المباحث التالية بإذن الله. * * *

стр. 402

(المبحث الأول): مفهوم النبوة والرسالة تعددت أقوال العلماء في تعريف النبوة والرسالة والتفريق بينهما، وكان هذا المبحث مما شاع الحديث عنه بين العلماء، وهناك ما نقلته من كلام الصاوي، معلقة عليه بكلام السلف - الصالح رضوان الله عليهم -: تعرف النبوة في اللغة بأنها مشتقة من النبأ؛ فيكون معناها الإخبار، قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ: ١ - ٢]. كما تشتق من النبوة بمعنى الارتفاع؛ فيكون معناها العلو والمكانة الرفيعة، (١) وكل هذه المعانى مما يصح إرادتها في حق النبي؛ فالنبى مخبر من المولى ﵎، وهو ذو مكانة ورفعة، ويحصل بطريقته الاهتداء لأمر الله تعالى. أما الرسول لغة فمشتق من الإرسال، ويقصد به التوجيه والبعث (٢)، قال تعالى في قصة ملكة سبأ: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥]. وقد أطلق هذا المسمى على الرسل؛ لأنهم موجهون من عند الله تعالى لهداية الناس، ودلالتهم على مسالك الخير. أما في تحديد المصطلح الشرعي لكل منهما، فللعلماء في ذلك أقوال متعددة، يرجع بيانها إلى تحديد العلاقة بين الرسول والنبى، فهناك من نفى وجود أي فارق بين النبي والرسول، وبالتالى فقد جعل التعدد في المسمى إما بالنبى أو الرسول ليس من قبيل تغاير الذوات، وإنما من قبيل تعدد الأوصاف التي تقضى بتعدد

стр. 403

الأسماء الدالة عليها، وبالتالى فتكون العلاقة بينهما هي التغاير في المفهوم، والاتحاد فيما صدق، فالنبى هو وصف من اصطفاه المولى للقيام بمهمة الرسالة بما يؤهله لها، حيث نبئ بالوحى؛ فهو مأمور بإبلاغه لذلك. أما الرسول فهو وصف لذلك المصطفى بمقتضى المهمة التي كلف بها، وهى القيام بشؤون الإبلاغ وتكاليف الرسالة. وعليه فإن العطف الذي ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ليس فيه دلالة على التباين بين المعطوف والمعطوف عليه، لأن التغاير مع التسليم بثبوته عند العطف لا يقضى بانتفاء العلاقة بينهما، فقد ينصرف إلى تغاير الصفات دون الذوات، فيفرق بين مطلق المغايرة والمغايرة المطلقة؛ لأن لفظ التغاير إذا أطلق يحتمل كلا المعنيين، وهذا معروف في أدلة الشرع، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ [المائدة: ١٩]، فإنه ليس لأحد أن يحتج لمخالفة شخص النذير للبشير؛ بوجود العطف الذي يقضى بالتغاير؛ لأن التغاير كما سبق وأن أشرت لفظ مجمل يصدق فيه أدنى تغاير، ولو من جهة الأوصاف. (١) وهذا القول الذي يقرر ترادفهما، مما ذكره القاضي عياض (٢) عند عرضه للأقوال في هذه المسألة، وحكم بضعفه لمخالفته ما عليه عامة أهل العلم من وجود الفرق بينهما. وهناك من جعل العلاقة بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ فكل رسول نبى، وليس كل نبى رسولًا؛ فكان بذلك عدد الأنبياء أكثر من الرسول، وقد استدلوا لهذا

стр. 404

بالحديث الشريف الذي أخبر فيه النبي أن عدة: (مائة ألف وأربعمائة وعشرون ألفًا، والرسل من ذلك ثلاث مائة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا) (١) وكذلك استدلوا بالعطف الذي يدل على التغاير الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾. وفي مفهوم هذا التغاير الذي ميز الرسول عن النبي فقلت له أعداد الرسل تعددت أقوال هذه الطائفة من العلماء: - فمنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أرسل بشرع جديد، أما النبي فهو الذي أرسل بشرع من قبله، وقد اعترض عليه بأن بعضًا من الرسل كانوا على شريعة من قبلهم كـ داود وسليمان؛ فقد كانا على شريعة التوراة، وكذلك يوسف فقد كان على شريعة إبراهيم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم - قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]. - ومنهم من ذهب إلى أن الرسول هو من أمر بالتبليغ، حيث وصف بالإرسال، الذي يدل على هذا المعنى، أما النبي فهو من لم يؤمر بالتبليغ؛ حيث انتفى عنه التكليف لانعدام الوصف بالإرسال (٢). وهذا المذهب لم يسلم من اعتراضات أوردها العلماء عليه؛ وذلك لمخالفته صريح النص الدال على أن النبي والرسول كلاهما قد توجه إليه الإرسال، الذي يقضى بالتبليغ، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] (٣). * * *

стр. 405

رأي الشيخ الصاوي: يعرف الصاوي النبي لغة بأنه: "المرتفع أو الرافع". (١) أما الرسول في الاصطلاح فهو "إنسان ذكر حر أوحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه، فإن لم يؤمر به فنبى فقط" (٢) ويحدد العلاقة بينهما مفصلًا، مع ذكر الأقوال في ذلك، فيقول: "النبي أعم من الرسول؛ فيلزم من كونه رسولًا أن يكون نبيًا ولا عكس، ولا يلزم أن يكون له كتاب وهذا هو المشهور. وقيل: النبي والرسول مترادفان، وقيل: الرسول من كان له شرع جديد وكتاب". ثم يورد اعتراض من اعترض على حصر الرسالة في البشر، فيقول: "فإن قلت: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] يفيد أن الرسل يكونون من الملائكة أيضًا، وهو خلاف التعريف. أجيب بأن الرسول المعرف هنا هو الذي يبلغ الأمم وأما رسل الملائكة فهم لتبليغ بعضهم بعضًا ولتبليغ رسل البشر، فالموضوع مختلف. (٣) كما أنه يرد على من قال بنبوة النساء؛ استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾، فيقول: "المراد الإلهام لا وحى النبوة" وكل من اعتقد فيها ذلك من النساء الصالحات" فولية على المعتمد" (٤) أما الحرية، فيؤكد على وجوب توفرها في الرسول، ويرد على من منع اشتراطها؛ استدلالًا بنبوة لقمان ﵇ حيث يرى الصاوي تضعيف القول بعبوديته، ويرد حكاية ذلك إلى ما اتصف به من سمار اللون فشابه العبيد بذلك، دون أن يكون منهم.

стр. 406

وكل ما قيد به التعريف زيادة على ما ذكر، كاشتراط البلوغ، فمحل اختلاف، يقول: "واختلف في البلوغ، فقيل بعدم اشتراطه؛ ودليل ذلك آية عيسى ويحيى، وقيل باشتراطه، ويؤول ما ورد في حق عيسى ويحيى؛ بأنه إخبار بما سيحصل لتحقيق الوقوع كـ ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ " (١) ويظهر من خلال أقواله المتعددة في أحوال الرسل والأنبياء أن ثمة فرقًا آخر يراه بين الرسول والنبى، قد يمثل نوع امتداد لما ذكره من حصر مهمة التبليغ في الرسل دون الأنبياء، أو كنتيجة لهذا التعريف، يقول في دحض شبه من احتج بمخالفة الخضر والأسباط ﵈ للظاهر المعمول به: "أجيب بأنهم لو كانوا أنبياء إلا أنهم ليسوا برسل مشرعين، فللنبى أن يفعل بمقتضى الحقيقة وباطن الأمر، كما في خرق السفينة وقتل الغلام الواقع من الخضر ﵇، فهو بحسب الظاهر حرام، وبحسب الباطن مصلحة" (٢) ومما تقدم يتبين أن حقيقة النبوة كما يؤكد على ذلك الصاوي اجتباء واصطفاء، لا تنال بالاكتساب، يقول: "النبوة ليست مكتسبة لأحد" (٣) ويستدل ذلك بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ويرى أن القول باكتسابها مردود وذلك "بطرد إبليس مع كونه أكثر الخلق عبادة" (٤) * * * تعليق: إن ما ذكره الصاوي بصيغة الترجيح على أن الرسول هو من أوحى إليه بشرع جديد وأمر بتبليغه، وأن النبي من لم يؤمر بتبليغه، فدلالة النصوص صريحة في رده، وذلك أن منها ما يدل صراحة على أن الأنبياء كانت لهم مشاركة واسعة في

стр. 407

ميادين التبليغ، وعلى رأسها الجهاد في سبيل الله تعالى، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. وغيره من ميادين التبليغ، كالحكم وإعمال شريعة الله تعالى بين الناس، يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وكذلك قول المصطفى ﷺ : (عرضت على الأمم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبى معه الرجلان، والنبى معه الرهط، والنبى ليس معه أحد) (١) ففى هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان من الأنبياء تبليغ لأقوامهم، أشار إليه الإتباع الوارد في الحديث. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالتبليغ الذي حقيقته الدعوة إلى الله تعالى أمر قد أنيطت به الخيرية الموجبة لفلاح المؤمنين، وتقديمهم على سائر الأمم، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. حتى أن تخلى بني إسرائيل عن هذه المسؤولية العظيمة؛ أدى إلى نزع التفضيل عنهم، ورفع الاصطفاء منهم، قال تعالى في بيان سبب استحقاقهم للعن والإبعاد عن رحمة الله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. وكان ما ذهب إليه في بيان الفرق بينهما مدعاة له - كما ذكرت من أقواله - إلى

стр. 408

الاعتذار عن ما فعله الأسباط والخضر ﵇ من مخالفة ظاهرة لما هو مأمور أو معهود في الظاهر من الشرع؛ بكونهم أنبياء لم يؤمروا بالتبليغ، فجاز لهم العمل بمقتضى الحقيقة، والحقيقة أن تخريج فعلهم على نحو ما ذهب إليه، من التفريق بين الرسول والنبى في شأن التبليغ المقتضى للإتباع بعيد ولا يصح؛ إذ ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة، بل الأدلة السابقة كلها تحكم بضعفه وعدم حجيته، والجواب على ما ذكر من مخالفهم الظاهر يصح من وجوه أخرى؛ تستند إلى نصوص الكتاب والسنة بعيدًا عن مثل هذه الآراء التقريرية التي مال إليها، فالصواب أن الخضر نبى كما عليه غالب أهل العلم (١)، وليس في الآيات التي في سورة الكهف ما يدل على مخالفته الشرع في حقيقة الأمر، فكل ما هنالك أن الله تعالى أطلعه على أمور لم يظهرها لموسى ﵇ ولو ظهرت له لعمل عمله فيها، فالقاعدة الفقهية تقول: إذا تعارض مفسدتان روعى أعظمهما ضررًا بارتكاب أخفهما (٢)، وهذا ما كان من الخضر ﵇ فخرقه للسفينة كان لدفع مفسدة أعظم مما قام بفعله، ولا شك أن هذا سائغ شرعًا كما تقدم، وتسند هذه القاعدة إلى الأصل القائم على دفع المضار [لا ضرر ولا ضرار]، ودليلها من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. أما إصلاحه الجدار من أجل اليتيمين فمشروعيته من البيان بمحل؛ إذ الوصية بالأيتام ورعاية مصالحهم مما قد اتفقت الشرائع على الأمر بالتحلى به، ويزداد الأمر خصوصية في حال الصالحين وذوى الفضل، وكان ما علمه الخضر من شأنهم وحى أوحاه الله إليه، وأخفاه على موسى ﵇ ولو علمه لما توانى عن فعله.

стр. 409

وأما قصة قتل الغلام، فالراجح فيها أن الخضر إنما حصل منه القتل بعد تحقق موجبه من كفر الغلام، دل على ذلك قراءة ابن عباس - رضى الله عنهما -: "قال سعيد بن جبير: فكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غضبًا. وكان يقرأ: [وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين] " (١). ففى هذه القراءة دلالة صريحة على تحقق الكفر منه؛ حتى استحق إطلاق مسماه عليه فعلًا وقت قتل الخضر له، وبهذا جزم قتادة ﵀ فقد روى عنه أنه قال: "لعمرى ما قتله إلا على كفر" (٢) والكفر الواقع من الغلام لم يكن موسى ﵇ على علم به، فجهله به هو الذي حمله على استنكار ما فعله الخضر، وعليه فإن ما علمه الخضر بوحى من الله كما نص عليه حديث البخاري كان من الغيب المقيد النسبى، دليله ما أخبر به المصطفى ﷺ : [يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من الله علمكه الله لا أعلمه] (٣). بقى اعتراض من اعترض على عدم مشروعية قتله بالظاهر من الشريعة لكونه ما زال في سن الأحداث؛ حتى وصف بأنه غلام، ويجيب شيخ الإسلام على هذا بكون: "الغلام الذي قتله الخضر إما أن يكون كافرًا بالغًا كفر بعد البلوغ؛ فيجوز قتله، وإما أن يكون كافرًا قبل البلوغ؛ وجاز قتله في تلك الشريعة، وقتل لئلا يفتن أبويه عن دينهما، كما يقتل الصبى الكافر في ديننا؛ إذا لم يندفع ضرره عن المسلمين إلا بالقتل. . . وقد يقال: بل في السنة ما يدل عليه، ومنه قول ابن عباس لنجدة الحرورى لما سأله عن قتل الغلمان: [إن علمت منهم ما علمه الخضر من ذلك الغلام فاقتله وإلا فلا]. (٤)، (٥)

стр. 410

أما عن الأسباط؛ فالصحيح أن هذه تسمية أطلقت على القبائل الكبيرة من نسل يعقوب ﵇، وكان منهم أنبياء، يقول ابن جرير: "وأما (الأسباط) الذين ذكرهم، فهم اثنا عشر رجلًا من ولد يعقوب بن إسحق بن إبراهيم. ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا أسباطًا، كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: الأسباط: يوسف وأخوته، بنو يعقوب، ولد اثنى عشر رجلًا، فولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا: أسباطًا" (١) وعليه فلا حجة فيه للتفريق بين ما يفعله الأنبياء والرسل؛ فكلهم محكوم فعله بالشرع، وهم في ذلك قدوة تقتفى آثارهم. * * * فإذا ثبت ضعف هذا القول واستبعاده عن جهة الصواب، فإن الراجح في المسألة هو ما نبه إليه شيخ الإسلام من أن ثمة زيادة في التكليف والإبلاغ يختص بها الرسول، وهو ما عبر عنه بالإرسال إلى القوم المخالفين، يقول ﵀: "النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبى وليس برسول" (٢) فدائرة النبوة أكبر من دائرة الرسالة، وذلك من جهة أهلها، إذ يمكن تحديد العلاقة بينهما بالعموم والخصوص المطلق، فـ "الرسول أخص من النبي، فكل رسول نبى وليس كل نبى رسول، ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها، فالنبوة جزء من الرسالة، إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها، بخلاف الرسل، فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم، فالرسالة أعم من جهة نفسها، وأخص من جهة أهلها" (٣)

стр. 411

وما أورده الصاوي من قيود أخرى في التعريف، كالبشرية، والذكورة والحرية فصحيحة؛ قد دل على اعتبارها الكتاب والسنة. - فبشرية الرسل كانت لحكمة عظيمة قدرها المولى تعالى، حيث يتأتى الإتساء بهم، وتسهل بذلك معاشرتهم، وتلقى التكاليف البشرية عنهم، هذا إلى جانب أنه من نوع الابتلاء بهم. ففى الحديث القدسى فيما يخبر ﷺ عن ربه أنه قال: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلى بك (١) قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤, ٩٥]. ويندرج تحت مفهوم البشرية مفاهيم عدة، فالبشرية تعنى العبودية وتعنى الافتقار؛ وتعنى انتفاء الألوهية بشتى معالمها، وكثيرًا ما يستدل القرآن الكريم على عبودية الرسل؛ لإبطال المعتقدات الفاسدة المتعلقة بهم؛ ببيان بشريتهم، وما تقتضيه من ضعف، وحاجة، وجهل بأمور الغيب، مما يبعد تلك المعتقدات عن التصور السليم غاية البعد، ويصحح المقاييس، ويضع كل شيء في محله، فالرسول بشر وعمله هداية البشر وإخراجهم من ظلمات الكفر، ومعجزاتهم ما هي إلا دليل على صدق ما أتوا به. قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥]. * * *

стр. 412

- أما القيد الثاني في التعريف وهو ما عبر عنه بالذكورة؛ فهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] واختصاص النبوة بجنس الرجال هو مقتضى القيومية التي خصهم الله تعالى بها دون النساء، ولا يخفى أن الرجل أقدر على أداء هذه المهمة العظيمة، وأجدر بالقيام بواجباتها وحقوقها من الجهاد والرئاسة والحكم، وغير ذلك كما لا يخفى. (١) وكانت هذه المسألة مما تعددت فيها الأقوال، فالذين ذهبوا إلى نبوة النساء قالوا: لا حجة في الآية على منع النبوة، وإنما هي خاصة بالرسالة فقط. هذا ويستند القائلون بنبوة النساء، كما يقرر ذلك الإمام ابن حزم ﵀ إلى ما ورد في حق مريم ﵍ من إرسال الملك، وإعلامها بما سيكون من ولدها، وأمرها بالصلاة والإكثار من القربات، وكذلك ما ورد في حق أم موسى حتى بادرت بإلقاء ولدها في اليم لما أوحى لها بذلك، يقول: "فأما أم موسى وأم عيسى وأم إسحاق فالقرآن قد جاء بمخاطبة الملائكة لبعضهن بالوحى، وإلى بعض منهن عن الله بالإنباء بما يكون قبل أن يكون، وهذه النبوة نفسها التي لا نبوة غيرها؛ فصحت نبوتهن بنص القرآن" (٢) وكان هذا قول البعض من أهل العلم عد منهم الحافظ ابن حجر ﵀: الأشعري والقرطبى (٣) إلى جانب ابن حزم ﵏، وقد ذكر أدلة أخرى استدل بها القائلون بجواز نبوة النساء منها ما أخبر به المصطفى ﷺ من حصول الكمال للبعض منهن، وما ورد في القرآن الكريم من اصطفاء مريم ﵍ على نساء العالمين (٤)

стр. 413

يقول القرطبي ﵀ في الاستدلال بالكمال على ثبوت النبوة: "الكمال المطلق إنما هو لله تعالى خاصة، ولا شك أن أكمل نوع الإنسان الأنبياء، ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين، وإذا تقرر هذا فقد قيل: إن الكمال المذكور في الحديث يعني به النبوة؛ فيلزم عليه أن تكون مريم ﵍ وآسية نبيتين، وقد قيل بذلك، والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى أوحى إليها بواسطة الملك، كما أوحى إلى سائر النبيين حسب ما تقدم، ويأتى بيانه أيضًا في مريم، وأما آسية فلم يرد ما يدل على نبوتها دلالة واضحة بل على صديقيتها وفضلها" (١) والصحيح في المسألة أن الوحى قد يستعمل بمعناه العام؛ فلا يكون الاحتجاج به كافيًا في إثبات النبوة، فالوحى - كما سبقت الإشارة إليه - يعني: الإشارة والرسالة والإلهام والكلام الخفى وكل ما ألقيته إلى غيرك" (٢)، وجاء في تهذيب اللغة أن أصل الوحى في اللغة: إعلام في خفاء ومنه سمى الإلهام وحيًا". كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ [المائدة: ١١١] وما ورد في سورة النحل أيضًا: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. يقول شيخ الإسلام ﵀ مبينًا حقيقة الوحى: "الوحى هو الإعلام السريع الخفى، إما في اليقظة وإما في المنام، فإن رؤيا الأنبياء وحى، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ في الصحاح. وقال عبادة بن الصامت ﵁ ويروى مرفوعًا: (رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده في المنام) وكذلك في اليقظة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتى فعمر) (٣)، (٤)

стр. 414

وبهذا المعنى فسر الإيحاء في حق أم موسى ﵇، والذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، ذكر تفسيره به الإمام ابن جرير عن قتادة، حيث قال: "وحيًا جاءها من الله فقذف في قلبها، وليس بوحى نبوة" (١) لذا فإن شيخ الإسلام قد ضعف القول بنبوة أم عيسى وموسى؛ مستندًا إلى أن الوحى لا يكفى في الدلالة على النبوة، يقول: "وليس كل من أوحى إليه الوحى العام يكون نبيًا؛ فإنه قد يوحى إلى غبر الناس، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، وقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] " (٢). وكل ما استدل به القائلون بنبوة النساء ليس فيه مستند قوى يعتمد عليه في إثبات ذلك، فتكليف أم موسى بإلقاء ولدها ﵇ في اليم ليس بكافٍ في إثبات نبوتها؛ لأن حقيقة النبوة إرسال من الله يقتضى التكليف بالإبلاغ، كما سبق بيانه، فمن تمعن في حقيقة الإرسال الذي يعم الأنبياء والرسل وجده محصورًا في الرجال فقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] وهذا كما هو معلوم على القول الراجح في أن الإرسال المقتضى للتبليغ يعم الأنبياء والرسل أجمعين. أما وصف بعض النساء بالكمال والاصطفاء فليس فيه ما يثبت لهن النبوة؛ لأن الله تعالى أثبت الاصطفاء لبعض خلقه دون أن يكون في ذلك دلالة على إثبات النبوة، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢]. أما عن الكمال المثبت لمن ورد ذكرهن في حديث المصطفى ﷺ : (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم ابنة عمران، وخديجة بنت

стр. 415

خويلد) (١) " فإن الحافظ ابن حجر يورد اعتراضًا يمنع الاستدلال به في حق من رأى نبوة النساء اعتمادًا عليه، حاصله أنه قد يراد بالكمال كمال غير الأنبياء، يقول "فلا يتم الدليل على ذلك لأجل ذلك". "وقد ذكر النووي في الأذكار عن إمام الحرمين أنه نقل الإجماع على أن مريم ليست نبية، ونسبه في شرح المهذب لجماعة، وجاء عن الحسن البصري ليس في النساء نبية ولا في الجن" (٢) ولكل ما تقدم؛ فإن شيخ الإسلام ﵀ يرى شدة ضعف هذا القول حتى نعته بالشذوذ. (٣) ويكون الصاوي في هذه المسألة قد وافق القول المعتمد، كما ذكر. * * * وكان ما ذهب إليه من أن النبوة محض اصطفاء من الله هو المعتمد عند سلف الأمة، خلافًا لمن ادعى غير ذلك من الفلاسفة وغيرهم، يقول الحافظ ابن حجر ﵀: "النبوة نعمة يمن الله بها على من يشاء، ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه، ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقى شرعًا: من حصلت له النبوة. وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه يكون نبيًا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك، أو جعلتك نبيًا". (٤) وهذا الاصطفاء إنما يتأتى وفق حكمة الله تعالى وعلمه بخلقه. يقول شيخ الإسلام في بيان هذا الأصل عند أهل السنة: "وإذا عرفت حكمة

стр. 416

الرب وعدله؛ تبين أنه إنما يرسل من اصطفاه لرسالته واختاره له، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٧٥] " (١) وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وكان هذا الاعتقاد مبنى على تعظيم الأنبياء والنبوة؛ فالقول بخلافه يقلل من شأنهم، ويطعن في تمام منزلتهم، وما يترتب على ذلك من الاتباع المأمور به نحوهم، وكان هذا المعلم البارز في حقيقة النبوة من أهم ما يميزها عن باقي الأحوال البشرية التي يحصل بها خوارق العادات، يقول شيخ الإسلام: "فالنبوة لا تنال بكسب العبيد ولا آياتها تحصل بكسب العباد، وهذا من الفروق بين آيات الأنبياء وبين السحر والكهانة" (٢) * * *

стр. 417

(المبحث الثاني): الإيمان بالرسل والأنبياء إنه مما يجب الإيمان به الإيمان بالرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقد ذكرت في بدء الحديث عددًا من الأدلة التي يرتكز عليها هذا الأصل الإيمانى العظيم، ومع ذلك فإنه يفصل في كيفية الإيمان بهم؛ تمامًا كصفة الإيمان بالكتب والملائكة، فثبوت مبدأ الإيمان في حقهم جميعًا يقضى بعدم التفريق بينهم، لأن الكفر بواحد منهم يعني الكفر بالجميع؛ فالكل رسل من عند المولى تعالى، قد ثبتت أدلة نبوتهم بالدليل القاطع الذي لا يمكن رده أو تأويله. أما ما يقتضيه الإيمان بهم أو ما يستلزمه هو ما يصح فيه التفصيل والبيان، فليس الإيمان بالرسل السابقين كالإيمان بمحمد ﷺ ؛ وذلك لأن الله ﵎ إنما تعبدنا بالاقتداء به في مبانى العبادات دون غيره من الرسل؛ حيث كانت شريعته ناسخة لما قبلها من الشرائع المنزلة على الأنبياء من قبل. ومن جهة أخرى، فإنه لا بد من التزام عدد من القواعد التي دلت عليها أدلة الكتاب والسنة، فإنه يجب اعتقاد حصول التفاضل بينهم، فليس اتفاقهم في الرسالة يعني تساويهم في الرتبة من حيث الأفضلية، فلا بد من اعتقاد أن محمد ﷺ هو خير الأنبياء والمرسلين صلى الله عليهم وسلم، ويليه أولو العزم من الرسل، وفى مقدمتهم الخليل إبراهيم ﵇، وبعد ذلك سائر الرسل والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم -: قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] هذا ويقوم الإيمان بهم جميعًا على أسس وقواعد لا يصح الإيمان إلا بتحققها

стр. 418

في معتقد العبد، ومن تلك القواعد التي قام عليها الإيمان بهم: اعتقاد أن نبوتهم هي محض فضل من الله ﵎ وإصطفاء. كما أن معرفتهم بما اتصفوا به من جميل الفعال، وكريم الخلال، في إطار المقدور البشرى، وما اختصوا به من مهام الدعوة كالبشارة والنذارة والتبليغ، وما يقتضيه ذلك من اتصافهم بالعصمة في التشريع، لتندرج في ضمن تلك الأسس التي يجب العلم بها، وحديث القرآن في هذا الباب واسع، والأدلة على هذا كثيرة: ففى اعتقاد قيامهم بشؤون الدعوة من النذارة والبشارة، قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. أما عن الأدلة التي تضمنت بيان ما اتصفوا به فهى على نوعين، منها ما يبين صفاتهم البشرية التي لا تخرجهم عن كونهم من جنس البشر؛ حتى لا يؤدى الانبهار بعظيم ما اتخصوا به إلى اعتقاد مغايرتهم لجنس البشر، ومنها ما يظهر تميزهم عن سائر البشر، دون أن يؤثر في أصل انتمائهم إليهم (١)، وهذا مما يقتضيه قيامهم بشؤون الرسالة. ففى تقرير بشريتهم، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧, ٨]).

стр. 419

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨]. أما الأدلة في بيان عظيم ما تصفوا من الصدق والأمانة والصبر والحلم فكثيرة جدًا، وغالبًا ما تأتى في بيان ما تصف به آحادهم، كإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلى الله عليهم أجمعين -، منها قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٤]. وقوله تعالى في وصف موسى ﵇: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]. وكل ذلك مما تضافرت النصوص الشرعية في الدلالة عليه، يقول العلامة السعدى مجملًا تلك الأسس العظيمة: "وهذا الأصل - أي الإيمان بالأنبياء ﵈ مبناه على أن يعترف ويعتقد بأن جميع الأنبياء قد اختصهم الله بوحيه وإرساله، وجعلهم وسائط بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه ودينه، وأن الله أيدهم بالبراهين الدالة على صدقهم وصحة ما جاءوا به، وأنهم أكمل الخلق علمًا وعملًا، وأصدقهم وأبرهم، وأكملهم أخلاقًا وأعمالًا، وأن الله خصهم بخصائص، وفضلهم بفضائل لا يلحقهم فيها أحد. وأن الله برأهم من كل خلق دنئ، وأنهم معصومون في كل ما يبلغونه عن الله، وأنه لا يستقر في خبرهم وتبليغهم إلا الحق والصواب، وأنه يجب الإيمان بهم وبكل ما أتوه من الله، ومحبتهم وتعظيمهم" (١) ولكل ما تقدم فالكلام في هذا المبحث سيدور في بيان صفاتهم ووظائفهم وما يجب في حقهم، والآن مع: * * *

стр. 420

رأي الشيخ الصاوي: يقسم الصاوي ما يجب في حق الأنبياء من الإيمان على جهة بيان الكيفية، يقول: "يجب الإيمان بالنبيين عمومًا: إجمالًا في الإجمالى، وتفصيلًا في التفصيلى" ويفصل القول في ذلك "فيجب الإيمان تفصيلًا بخمسة وعشرين نبيًا: ثمانية عشر في سورة الأنعام، ومحمد وآدم وهود وصالح وشعيب وإدريس وذا الكفل". ومن ثم فهو يؤكد على هذه الحقيقة الإيمانية بالحكم على من جحد واحدًا منهم بالكفر الصراح: "ومن أنكر أي واحد منهم بعد علمه فقد كفر". أما الجانب الإجمالى في الإيمان بالرسل فيتعلق "بما عدا هؤلاء، ولا يعلم عدتهم إلا الله" (١). ومع هذا فهو يفرق بين من أجمع على نبوته، ومن هو بخلاف ذلك ممن ورد ذكره في القرآن الكريم: كلقمان، وذى القرنين، وعزير، فهؤلاء الحكم فيهم أن "من أنكر وجودهم كفر، ومن أنكر نبوتهم لا يكفر" (٢). والإيمان بهم جميعًا مرتبط بحقيقة أخرى وهى اعتقاد تفاضلهم، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، يقول في بيان ذلك: "تحقيق هذه الطريقة أن تقول: نبينا أفضل الخلق على الإطلاق، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، ثم نوح، ثم بقية الرسل، ثم الأنبياء غير الرسل، وهم متفاضلون فيما بينهم، لكن لا يعلم تفضيلهم إلا الله تعالى، ثم جبريل، ثم إسرافيل، ثم ميكائيل، ثم عزرائيل، ثم عامة البشر، ثم عامة الملائكة" (٣) وفى بيان صفاتهم وعظيم خلالهم يفصل الصاوي القول، فيذكر الصفة معرفًا إياها أولًا، مفندًا ما يعرض من الشبه في نقضها، مستدلًا لها بالدليل السمعى، متممًا لذلك بما يوافقه من الدليل العقلى:

стр. 421

أولًا: صفة الأمانة: يعرف الصاوي الأمانة بما يساوى مفهوم العصمة للأنبياء، يقول: "هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم في حالة الصغر والكبر، قبل النبوة وبعدها عن التلبيس بمنهى عنه، ولو خلاف الأولى". وفي رد ما يحاك حولها من شبه، يقول: "وقد يقع منهم المكروه وخلاف الأولى لا على وجهها، بل على وجه التشريع، كالبول من قيام والشرب، أما المحرمات فلم تقع منهم إجماعًا (١) ". (٢) كما يبطل من احتج على خلاف ما تقدم في إثبات عصمة الأنبياء؛ بما وقع لآدم ﵇ من وسوسة الشيطان، المنافية لمقتضى العصمة الربانية - كما يرى - يقول: "إن قلت: إن الأنبياء معصومون من وسوسة الشيطان وظاهر الآية - يعني قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]- يقتضى أن الشيطان وسوس لآدم. أجيب؛ بأنه لم يباشر آدم بالوسوسة، وإنما باشر حواء وهى باشرت آدم بذلك" (٣) ويستدل لذلك بالدليل العقلى إذ "لو كان خائنًا بفعل منهى عنه؛ لكان ذلك المنهى عنه طاعة وهو محال؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والحال أنه أمرنا بالاقتداء بهم" (٤) ثانيًا: الصدق: ويعنى به: "مطابقة خبرهم للواقع ولو في حال المزح". وفيما يعرض عليه من الشبه، يقول: "ويؤول ما ظاهره الكذب في حق الأنبياء، كما في واقعة إبراهيم الخليل مع الأصنام، فإنه خارج مخرج التقريع والتهديد والتبكيت". ودليل ذلك من العقل الصريح، أنه "لو كان كاذبًا للزم الكذب في خبره

стр. 422

تعالى؛ لتصديقه لهم بالمعجزات، وتصديق الكاذب كذب، والكذب عليه محال" (١) ثالثًا: "الفطانة: وهى ذكاوة العقل، ومعرفة طرق الدعاوى الباطلة من الصحيحة". رابعًا: الأخلاق الحميدة بمفهومها الواسع، وأضرب مثالًا لذلك بصفة الحلم فهو يؤكد على اتصاف الرسل بالحلم على جهة الكمال، كما يرد على من طعن في حلم موسى ﵇، فيقول: "وما قيل إن موسى لما كان قليل الحلم أمره الله بإلانة الكلام لفرعون، حيث قال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ومحمد ﵇ لما كان كامل الحلم أمره الله بالإغلاظ على الكفار، حيث قال: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فهو باطل لا أصل له، وإنما الذي يقال إن كلِّ كامل في الحلم وكلِّ مأمور بالإلانة أولًا، فإذا تقرر الدين وثبت وأمروا بالجهاد، أمروا بالإغلاظ" ولا يكتفى بإثبات الحلم لكافة الأنبياء على جهة الكمال، بل يشدد في هذا ويحكم على المخالف بالكفر، يقول: "ومن نفى عن أحد منهم الحلم فقد كفر" (٢). * * * - وكل ما تقدم لا يخالف ما تقتضيه بشريتهم من حصول بعض "الأعراض البشرية التي لا تؤدى إلى نقص مراتبهم العلية، كالنوم ونحوه، ولكن أكلهم ونومهم لا عن شهوة بل للتقوى". وهذا القيد الذي أثبته في حقيقة الأعراض البشرية - وهو امتناع النقص منهم - قد أخصج به كل: "الأعراض المنفردة، كالجنون والجذام والبرص والعمى والفقر وسوء الخلق وخسة الأصل؛ فإنها محالة في حقهم". وبعد ذلك يعرض بالتفنيد لكل ما روى في حقهم - صلوات ربى عليهم - مما

стр. 423

يخالف بلوغهم للكمال البشرى، فإنه "لم يثبت أن شعيبًا كان ضريرًا، وما كان بيعقوب فهو حجاب على العين من تواصل الدموع، فلذلك لما جاء البشير ارتد بصيرًا لانقطاع دمع العين، وما كان بأيوب من البلاء إن كان عظيمًا فالحق أنه كان بين الجلد والعظم فلم يكن منفرًا، وما اشتهر في القصة من الحكايات المنفرة فهى باطلة". أما ما عدى ذلك من الأعراض التي لا تقدح في كمالهم فتجوز عليهم، ويفصل القول في المحتمل منها كالسهو، حيث يقوم بالتفريق بين السهو في الأقوال والأفعال "فالسهو ممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، مثل عذاب القبر ونعيمه وغيرهما". ويجيب على من اعترض بما حصل للنبي من رجوعه عن الأمر بترك التلقيح، واعترافه بصواب من فعله، أن هذا ليس من قبيل الخبر المعرض للصدق والكذب" وإنما هو من باب الرأى والاستشارة في أمر دنيوى لا أمر دينى". ثم يأتى إلى القسم الثاني من سنته ﷺ وهى السنة الفعلية، فيجوز وقوع السهو فيها؛ وأن ذلك لحكمة يريدها الرب سبحانه، يقول: "وأما في الأفعال البلاغية وغيرها فيجوز كالسهو في الصلاة للتشريع". وتفصيله السابق فيما يتعلق بالسهو في الأفعال والأقوال محله إذا كان قد سبق وأن قام بتبليغها، وأما قبل التبليغ فلا يجوز السهو والنسيان عليه البتة يقول: "وأما النسيان فممتنع في البلاغيات قبل تبليغها، قولية كانت أو فعلية، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر عليهم؛ لحفظه بعد التبليغ ووجوب ضبطه على المكلف ليعمل به، ويصحح عليهم نسيان المنسوخ لفظًا ومعنى قبل التبليغ وبعده" (١). في بيان وظائفهم يبدأ بـ: - التبليغ لما جاءوا به من عند الله "ثم يفصل القول في أنواع المبلغ، يقول: "والحاصل أن ما جاءوا به أقسام ثلاثة: قسم أمروا بتبليغه، فلم يكتموا منه حرف، وقسم خيروا بين كتمانه وتبليغه، فبلغوا البعض وكتموا البعض".

стр. 424

ثم يبين الدليل على انتفاء كتمان المأمور بتبليغه للنبي ﷺ ، إذ "لو جاز على الأنبياء الكتمان؛ لكتم نبينا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ " (١) وحقيقة التبليغ المأمور به الدلالة إلى طريق الحق، أما هداية الناس "بمعنى إيصال الخير للقلب، فلم يكلف به أحد؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] " (٢) - التبشير والإنذار، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]: "هذا بيان لوظائف المرسلين، والمعنى أن المرسلين منصبهم البشارة لمن آمن، والنذارة لمن كفر" ويؤكد بهذا عبوديتهم لله تعالى فهم: "ليسوا قادرين على إيجاد نفع أو ضر إنما جعلهم الله سببًا لذلك" (٣) * * * التعليق: من خلال عرض كلام الصاوي في الإيمان بالرسل؛ نجد أنه قد تناول عددًا من المسائل المهمة، والتى تتعلق بالإيمان بهم، وسأتناول البعض منها بمزيد من التوضيح أو المناقشة، وسأبدأ بالحديث عن: أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة: تعد هذه من المسائل المختلف فيها، والتى لم يجزم فيها بقول قاطع؛ لعدم وجود مستند للجزم به من أدلة الكتاب والسنة، ولكن ما ذكره الصاوي من أن البشر أفضل من الملائكة دون أن يقيد ذلك بالصالحين منهم بعيد كل البعد عن الصواب، ولم يقل به أحد من طوائف المسلمين، ولعلها زلة قلم، فيبعد عن مثله تعنى ذلك والله أعلم.

стр. 425

وذلك لأن أصل الاختلاف الواقع في المفاضلة، إنما ينحصر بين الملائكة وصالحى البشر، وإلا فجنس البشر لا يمكن بحال تفضيله على جنس الملائكة؛ لأن البشر قد وقع منهم الكفر والجحود، أما الملائكة فقد عصمهم الله تعالى عن ذلك، واستحقوا بتمام امتثالهم الثناء من الله، قال تعالى عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في بيان فضلهم. أما جنس البشر فقد وردت الآيات بذمه قال تعالى عن الأمانة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ واستثنى بعد ذلك أهل الطاعة منهم والحقيقة أن هذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم، أما عن المفاضلة بين الملائكة وصالحى البشر؛ فالصحيح في المسألة هو التوقف والتزام المأمور به نصًا، فإنه "ليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. ولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة: (١) * * * ثانيًا: عصمة الأنبياء: لا شك أن الأنبياء قد بلغوا ذروة الكمال البشرى من حيث امتثالهم لأوامر الله تعالى، وإعمالهم للوحى المنزل عليهم، وانهم موصوفون بالعصمة التي تقضى بالتزامهم أوامر الله تعالى والابتعاد عن مناهيه، ولكن هذا لا يمنع من وقوعهم في بعض الصغائر التي تدل على بشريتهم، وليس فيه ما ينقص من كمالهم الواجب لهم، فالعصمة في حقهم تكون ملازمة لهم على جهة الكمال فيما يتعلق بتبليغ
следующие страницы →