أولًا: صفة الأمانة: يعرف الصاوي الأمانة بما يساوى مفهوم العصمة للأنبياء، يقول: "هي حفظ ظواهرهم وبواطنهم في حالة الصغر والكبر، قبل النبوة وبعدها عن التلبيس بمنهى عنه، ولو خلاف الأولى".
وفي رد ما يحاك حولها من شبه، يقول: "وقد يقع منهم المكروه وخلاف الأولى لا على وجهها، بل على وجه التشريع، كالبول من قيام والشرب، أما المحرمات فلم تقع منهم إجماعًا (١) ". (٢)
كما يبطل من احتج على خلاف ما تقدم في إثبات عصمة الأنبياء؛ بما وقع لآدم ﵇ من وسوسة الشيطان، المنافية لمقتضى العصمة الربانية - كما يرى - يقول: "إن قلت: إن الأنبياء معصومون من وسوسة الشيطان وظاهر الآية - يعني قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]- يقتضى أن الشيطان وسوس لآدم. أجيب؛ بأنه لم يباشر آدم بالوسوسة، وإنما باشر حواء وهى باشرت آدم بذلك" (٣)
ويستدل لذلك بالدليل العقلى إذ "لو كان خائنًا بفعل منهى عنه؛ لكان ذلك المنهى عنه طاعة وهو محال؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء والحال أنه أمرنا بالاقتداء بهم" (٤)
ثانيًا: الصدق: ويعنى به: "مطابقة خبرهم للواقع ولو في حال المزح". وفيما يعرض عليه من الشبه، يقول: "ويؤول ما ظاهره الكذب في حق الأنبياء، كما في واقعة إبراهيم الخليل مع الأصنام، فإنه خارج مخرج التقريع والتهديد والتبكيت".
ودليل ذلك من العقل الصريح، أنه "لو كان كاذبًا للزم الكذب في خبره
стр. 422
تعالى؛ لتصديقه لهم بالمعجزات، وتصديق الكاذب كذب، والكذب عليه محال" (١)
ثالثًا: "الفطانة: وهى ذكاوة العقل، ومعرفة طرق الدعاوى الباطلة من الصحيحة".
رابعًا: الأخلاق الحميدة بمفهومها الواسع، وأضرب مثالًا لذلك بصفة الحلم فهو يؤكد على اتصاف الرسل بالحلم على جهة الكمال، كما يرد على من طعن في حلم موسى ﵇، فيقول: "وما قيل إن موسى لما كان قليل الحلم أمره الله بإلانة الكلام لفرعون، حيث قال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] ومحمد ﵇ لما كان كامل الحلم أمره الله بالإغلاظ على الكفار، حيث قال: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فهو باطل لا أصل له، وإنما الذي يقال إن كلِّ كامل في الحلم وكلِّ مأمور بالإلانة أولًا، فإذا تقرر الدين وثبت وأمروا بالجهاد، أمروا بالإغلاظ"
ولا يكتفى بإثبات الحلم لكافة الأنبياء على جهة الكمال، بل يشدد في هذا ويحكم على المخالف بالكفر، يقول: "ومن نفى عن أحد منهم الحلم فقد كفر" (٢).
* * *
- وكل ما تقدم لا يخالف ما تقتضيه بشريتهم من حصول بعض "الأعراض البشرية التي لا تؤدى إلى نقص مراتبهم العلية، كالنوم ونحوه، ولكن أكلهم ونومهم لا عن شهوة بل للتقوى".
وهذا القيد الذي أثبته في حقيقة الأعراض البشرية - وهو امتناع النقص منهم - قد أخصج به كل: "الأعراض المنفردة، كالجنون والجذام والبرص والعمى والفقر وسوء الخلق وخسة الأصل؛ فإنها محالة في حقهم".
وبعد ذلك يعرض بالتفنيد لكل ما روى في حقهم - صلوات ربى عليهم - مما
стр. 423
يخالف بلوغهم للكمال البشرى، فإنه "لم يثبت أن شعيبًا كان ضريرًا، وما كان بيعقوب فهو حجاب على العين من تواصل الدموع، فلذلك لما جاء البشير ارتد بصيرًا لانقطاع دمع العين، وما كان بأيوب من البلاء إن كان عظيمًا فالحق أنه كان بين الجلد والعظم فلم يكن منفرًا، وما اشتهر في القصة من الحكايات المنفرة فهى باطلة".
أما ما عدى ذلك من الأعراض التي لا تقدح في كمالهم فتجوز عليهم، ويفصل القول في المحتمل منها كالسهو، حيث يقوم بالتفريق بين السهو في الأقوال والأفعال "فالسهو ممتنع عليهم في الأخبار البلاغية، مثل عذاب القبر ونعيمه وغيرهما".
ويجيب على من اعترض بما حصل للنبي من رجوعه عن الأمر بترك التلقيح، واعترافه بصواب من فعله، أن هذا ليس من قبيل الخبر المعرض للصدق والكذب" وإنما هو من باب الرأى والاستشارة في أمر دنيوى لا أمر دينى".
ثم يأتى إلى القسم الثاني من سنته ﷺ وهى السنة الفعلية، فيجوز وقوع السهو فيها؛ وأن ذلك لحكمة يريدها الرب سبحانه، يقول: "وأما في الأفعال البلاغية وغيرها فيجوز كالسهو في الصلاة للتشريع".
وتفصيله السابق فيما يتعلق بالسهو في الأفعال والأقوال محله إذا كان قد سبق وأن قام بتبليغها، وأما قبل التبليغ فلا يجوز السهو والنسيان عليه البتة يقول: "وأما النسيان فممتنع في البلاغيات قبل تبليغها، قولية كانت أو فعلية، وأما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر عليهم؛ لحفظه بعد التبليغ ووجوب ضبطه على المكلف ليعمل به، ويصحح عليهم نسيان المنسوخ لفظًا ومعنى قبل التبليغ وبعده" (١).
في بيان وظائفهم يبدأ بـ:
- التبليغ لما جاءوا به من عند الله "ثم يفصل القول في أنواع المبلغ، يقول: "والحاصل أن ما جاءوا به أقسام ثلاثة: قسم أمروا بتبليغه، فلم يكتموا منه حرف، وقسم خيروا بين كتمانه وتبليغه، فبلغوا البعض وكتموا البعض".
стр. 424
ثم يبين الدليل على انتفاء كتمان المأمور بتبليغه للنبي ﷺ ، إذ "لو جاز على الأنبياء الكتمان؛ لكتم نبينا ﷺ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ " (١)
وحقيقة التبليغ المأمور به الدلالة إلى طريق الحق، أما هداية الناس "بمعنى إيصال الخير للقلب، فلم يكلف به أحد؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] " (٢)
- التبشير والإنذار، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]: "هذا بيان لوظائف المرسلين، والمعنى أن المرسلين منصبهم البشارة لمن آمن، والنذارة لمن كفر" ويؤكد بهذا عبوديتهم لله تعالى فهم: "ليسوا قادرين على إيجاد نفع أو ضر إنما جعلهم الله سببًا لذلك" (٣)
* * *
التعليق:
من خلال عرض كلام الصاوي في الإيمان بالرسل؛ نجد أنه قد تناول عددًا من المسائل المهمة، والتى تتعلق بالإيمان بهم، وسأتناول البعض منها بمزيد من التوضيح أو المناقشة، وسأبدأ بالحديث عن:
أولًا: المفاضلة بين البشر والملائكة:
تعد هذه من المسائل المختلف فيها، والتى لم يجزم فيها بقول قاطع؛ لعدم وجود مستند للجزم به من أدلة الكتاب والسنة، ولكن ما ذكره الصاوي من أن البشر أفضل من الملائكة دون أن يقيد ذلك بالصالحين منهم بعيد كل البعد عن الصواب، ولم يقل به أحد من طوائف المسلمين، ولعلها زلة قلم، فيبعد عن مثله تعنى ذلك والله أعلم.
стр. 425
وذلك لأن أصل الاختلاف الواقع في المفاضلة، إنما ينحصر بين الملائكة وصالحى البشر، وإلا فجنس البشر لا يمكن بحال تفضيله على جنس الملائكة؛ لأن البشر قد وقع منهم الكفر والجحود، أما الملائكة فقد عصمهم الله تعالى عن ذلك، واستحقوا بتمام امتثالهم الثناء من الله، قال تعالى عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وقال: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ [التحريم: ٦] إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في بيان فضلهم.
أما جنس البشر فقد وردت الآيات بذمه قال تعالى عن الأمانة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ واستثنى بعد ذلك أهل الطاعة منهم والحقيقة أن هذا مما لم يقل به أحد من أهل العلم، أما عن المفاضلة بين الملائكة وصالحى البشر؛ فالصحيح في المسألة هو التوقف والتزام المأمور به نصًا، فإنه "ليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
ولا يقال إن هذه المسألة نظير غيرها من المسائل المستنبطة من الكتاب والسنة؛ لأن الأدلة هنا متكافئة: (١)
* * *
ثانيًا: عصمة الأنبياء:
لا شك أن الأنبياء قد بلغوا ذروة الكمال البشرى من حيث امتثالهم لأوامر الله تعالى، وإعمالهم للوحى المنزل عليهم، وانهم موصوفون بالعصمة التي تقضى بالتزامهم أوامر الله تعالى والابتعاد عن مناهيه، ولكن هذا لا يمنع من وقوعهم في بعض الصغائر التي تدل على بشريتهم، وليس فيه ما ينقص من كمالهم الواجب لهم، فالعصمة في حقهم تكون ملازمة لهم على جهة الكمال فيما يتعلق بتبليغ
стр. 426
الوحى والرسالة، أما ما خلا ذلك فلا يمتنع عنهم الوقوع في بعض الصغائر، التي يظهر لهم مخالفتها؛ فيرجعون عنها على جهة الفور، وبهذا تنتفى حجة الصاوي في كون جواز وقوعهم في الذنب تشريعًا له، والله تعالى لا يأمر بالفحشاء، فقد جاءت الأدلة على استغفارهم من الذنب بعد ارتكابهم إياه، كما حصل لآدم ﵇، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: ١٢١].
وموسى ﵇ حين وكز الرجل القبطى؛ نصرة للذى من شيعته فوقع ميتًا: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٥, ١٦]
وكذلك ما كان من نوح ﵇ حين سأل الله تعالى وعده بنجاة أهله بعد غرق ولده: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] وغيره مما لا مجال لحصره الآن.
ومن كل ما سبق علم أن الخطأ ولو حصل وقوعه منهم فإنه يبين ولا يقر عليه بحال، ومن المعلوم أن الاتباع يكون فيما حصل عليه الإقرار، أو تأتى له الثبات دون المنسوخ أو المبين خطؤه بالاستغفار منه، وعليه فإن العصمة التي تكون للأنبياء في حال تبليغهم عن الله تعالى تقتضى أن لا يقر أحدهم على خطأ مهما كان، لا أن يمتنع عن أحدهم الخطأ؛ لأن هذا مما لا يمكن في أحوال البشر، "فإن من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا ﷺ مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل" (١)
يقول شيخ الإسلام في هذا الجانب: "والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة، فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين" (٢)
стр. 427
فإن "اليقين التام وانتفاء الوساوس هو الغالب على أنبياء الله سبحانه، وحصوله موهبة من الله تعالى، ويندر خلاف ذلك منهم؛ لحكمة الله تعالى، لو لم يكن إلا لتأسى المؤمنين بهم، وعدم انكسار نفوسهم" (١).
أما امتناع مواقعة الكبائر في حقهم؛ فهذا مما أجمعت عليه طوائف المسلمين، يقول في ذلك شيخ الإسلام: "هذا والقول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى أنه قول أكثر أهل العلم وهو أيضًا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول" (٢)
* * *
ثالثًا: ما يتعلق بالأحوال البشرية:
إن ما ذكره الصاوي في هذه المسألة يعد من أمثل الأقوال التي ذكرت فيها، فقد وافق قول الجمهور في جواز النسيان والسهو على الرسل وأنه ليس في ذلك ما يلزم منه النقص المحال في حقهم، بل قد يراد لحكمة تشريعية، كـ "إفادة علم وتقرير شرع" (٣)، كما قال ﵊: (إني لأنسى أو أنسى لأسن). (٤)
وذلك كالسهو الذي حصل له ﵊ في الصلاة حيث صلى ركعتين في رباعية، فقد كان ذلك النسيان منه - عليه أفضل الصلاة والتسليم - سببًا لمشروعية سجود السهو، كما وردت بذلك الروايات الصحيحة المتفق عليها (٥).
وفى أحد ما روى عنه إقرار منه ﵊ بجواز السهو عليه، قال ﵊: (إنما أنا بشر مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت
стр. 428
فذكرونى، وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين) (١).
وكان ما ذهب إليه في التفريق بين الأقوال والأفعال التبليغية بمنع النسيان في الأقوال دون الأفعال مسددًا موافقًا للصواب؛ فقد نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم كما نقله القاضي عياض، يقول: "وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا وعن غير قصد جائز عليه كما تقرر في أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية؛ لقيام المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك تناقضها، وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة". (٢)
وأما حصره لوقوع السهو بما بعد التبليغ، فقد يسلم له ولكن لا يمتنع مع هذا وقوعه قبله؛ لأن من قال بجوازه فإنه يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور" (٣)؛ وذلك لوجوب اتصافهم بالعصمة، كما تقدم، وأنها تتأكد عند ذلك على جهة الكمال.
* * *
стр. 429
(المبحث الثالث): خاتم الأنبياء عموم رسالته
الإيمان بالمصطفى ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان، فقد قرنت الشهادة بنبوته بشهادة توحيد الباري تعالى، فلا يعبد الرب تعالى إلا بما جاء به، وفى ذلك إشارة إلى أن الإيمان بالله تعالى لا يتوجه له القبول الشرعي إلا إذا اقترن باتباعه ﷺ ، وقد جاء هذا الأصل مبينًا في الإرشاد إلى الطريق الموصل لنيل محبة الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١].
وحقيقة هذا الاتباع الذي أنيط به تحقيق المقصد الأسمي من رضا الله ومغفرة الذنوب قد بين في الآية التالية: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢].
فطاعته ﷺ بما جاء به هي اتباعه المأمور به، يقول الشيخ السعدى: "فمن فعل ذلك - أي اتباعه ﵊ أحبه الله وجازاه جزاء المحبين وغفر له ذنوبه وستر عليه عيوبه، فكأنه قيل: ومع ذلك فما حقيقة أتباع الرسول وصفتها؟ فأجاب بقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بامتثال الأمر، واجتناب النهى، وتصديق الخبر" (١).
والأدلة في هذا كثيرة، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
يقول الإمام ابن كثير ﵀ في بيان دلالة هذه الآية على وجوب طاعة النبي ﷺ "يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول
стр. 430
- ﷺ في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنًا وظاهرًا؛ ولهذا قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجًا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليمًا كليًا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة" (١)
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]
فقد دلت الآية على أن الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة النبي ﷺ يقتضى وجوب الالتزام؛ وذلك لأمرين:
الأول: نفى التخيير المعارض لمقتضى الأمر.
الثاني: ترتب الضلال المبين على معارضة الامتثال بالمعصية.
يقول الإمام القرطبي في معنى ذلك: "توعد تعالى وأخبر أن من يعص الله ورسوله فقد ضل، وهذا أدل دليل على ما ذهب إليه الجمهور من فقهائنا، وفقهاء أصحاب الإمام الشافعي وبعض الأصوليين، من أن صيغة أفعل للوجوب في أصل وضعها؛ لأن الله ﵎ نفى خيرة المكلف عند سماع أمره وأمر رسوله ﷺ ، ثم أطلق على من بقيت له خيرة عند صدور الأمر اسم المعصية، ثم علق على المعصية بذلك الضلال، فلزم حمل الأمر على الوجوب". (٢)
وعليه فإن هذا الأصل العظيم يحتمد على أربعة أركان، لا يتم له القيام إلا بحصولها منه وهي: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" (٣)، وتمثل هذه الأركان البراهين التي بها يتم اعتماد صدق الإيمان به ﵊.
стр. 431
هذا واعتقاد أفضليته وحصوله على درجة الكمال البشرى التي لم تتأت لأحد من الخلق سواه، وما تحلى به ﵊ من جميل الأخلاق الخلقية والخلقية، كل ذلك مما يزيد في تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية، وتوثيقها في قلب العبد المؤمن، فمعرفته حق المعرفة تستوجب من تمام الإيمان به والثبات عليه والزيادة منه؛ ما يؤكد على أهمية تقصى أسبابها، وذلك بالنهل من كل ما يقرب العبد من معرفة نبيه ﷺ ، لذا كانت معرفته ﵊ المعرفة المقتضية لتمام اتباعه وتصديقه من الأصول التي يقوم عليها الدين.
أما عن حقيقة هذه المعرفة الموجبة لتحقيق الهدف من بعثة الرسول وهى الاتباع والطاعة، فهى معرفته ﷺ بما يحصل به تمام العلم بنبوته ورسالته الموجبة لاتباعه والسير على خطاه، وهذه بدورها تقوم على ثلاثة ركائز:
أولًا: التأمل في دلائل نبوته ﷺ ، وعلى رأسها القرآن الكريم.
ثانيًا: مطالعة سيرته وأحواله بين صحبه ﵊، فإنها وإن كانت مما يمكن إدراجه تحت الركيزة الأولى، إلا أن في تخصيصها للإشادة بها زيادة في إرادة معنى التوسع والتفصيل في كل صغيرة وكبيرة من شؤون حياته، حيث أنيط تحقق المبتغى من رضوان الله تعالى في الاقتداء به والتأسى، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
ثالثًا: معرفة ما ورد من نصوص الشرع كتابًا وسنة؛ إذ مصدر العلم بهما إنما تحصل بطريقه ﵊، فإن من أعظم ما توجبه معرفته معرفة ما أتى به المعرفة التي يتحقق مقتضاها من الالتزام التام والرضا والقبول.
ومع ظهور الإرجاء في المجتمع المسلم، وتفشيه في الأوساط المختلفة، وانحلال عرى التمسك بدين الله تعالى، والبحث عن الحد الأدنى لإثبات وصف الإسلام على الفرد، تغيرت المفاهيم المرتبطة بهذه الحقيقة الإيمانية، وصار دليل محبة
стр. 432
الرسول ﵊ والإيمان به هو التغنى بصفاته وأخلاقه ﵊، والإشادة بفضائله عن طريق اجتماعات معروفة تعقد في يوم ولادته، وليتها تتوقف على ذلك بل ويصاحبها الكثير من مظاهر الغلو المنهى عنها شرعًا، والتى قد تتعدى في كثير من الأحيان لتعبر عن شرك صريح ومبالغة ممقوتة، قد عظم تحذير النبي ﷺ منها.
وقد أصبحت محبته بهذه الصورة هي الحقيقة المزعومة التي يبرهن بها ضعاف العزيمة على الإيمان به وإجلاله وتعظيمه، وبالتالى فكل من يظهر خلاف ذلك يرمى بأقبح التهم كباغض الرسول وشاتمه، إلى غير ذلك من ألوان التعدى ظلمًا وعدوانًا بلا أدنى دليل وبرهان.
وهذا التيار المخالف لهدى السلف في الواجب نحو الرسول ﵊ وما ينبغى لتحقيق الإيمان به، كان منشؤه منذ المبدأ الأوساط الصوفية التي حادت بما ظهر فيها من بدع، وتوجه منحرف في مصادر التلقى عن التصور السليم لحقيقة الإيمان بالنبى ﷺ ، فظنوا أن محبته لا تتأتى إلا عن طريق هذه المبتدعات في القول والاعتقاد والسلوك، وظهر هذا في الكثير من أقوالهم وأشعارهم، وما زالت هذه الأفكار في رواج مع ما يصب فيها من روافد فاسدة لأديان سابقة، حتى تبلورت أخيرًا بما يعرف بالحقيقة المحمدية (١) والتى صارت علمًا يدل على مدى الانحراف الخطير الذي داخل تيار التصوف في الفكر الإسلامى، ولكل ما تقدم نجد أن هذا الاتجاه الغالى قد أخذ طريقًا وعرًا في آراء الصاوي، فمع علمه بالكتاب والسنة وتأصيله للفكر الأشعري، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا له من الخوض في مثل هذه الأمور المخالفة لصريح ما أنزل الله على رسوله والتحدث على لسان القوم بمثل حديثهم، وفى هذا المبحث سأتناول الخطوط العريضة لعقيدته في نبوة المصطفى ﷺ ، ومناقشة ما يستوجب منها ذلك.
стр. 433
رأي الشيخ الصاوي:
حقيقة الإيمان به ﷺ :
- إن الإيمان برسالة النبي ﵊ من أعظم العقود التي أمر الله تعالى عباده بالوفاء بها، لذا فإن الصاوي يؤكد على وجوب تحقيق الوفاء بهذا العهد من العبد بالتزام ما يقتضيه من الإيمان والانقياد والطاعة، يقول: "فيجب على الإنسان الوفاء به ويصدق ما جاء به، ويعظمه ويحترمه ولا يخالف ما أمره به أصلًا" (١).
ويستند في وجوب طاعته والتزام أمره إلى كون "جميع أحواله ﵊ بالوحى حتى اجتهاده، فالكل مأمور به من حضرة الغيب، ولذا كانت أحواله دائرة بين الواجب والمندوب" (٢).
* * *
أسماؤه الشريفة:
- أما عن أسمائه التي ورد تسميته بها، فيقول فيه ﷺ : "محمد هو أشرف أسمائه ﷺ وله أسماء كثيرة فقد ورد أن له ألف اسم كما أن الله له ألف اسم، ولكن هذا الاسم أشرفها وأعلاها لاقترانه مع اإسم الله في كلمة التوحيد، ولما ورد أنه خلق النور المحمدى وسماه محمدًا، أو لأنه مكتوب على أوراق أشجار الجنة وعلى دائرة العرش، ولا يدخل أحد الجنة إلا بذكره ولو من الأمم السابقة".
وقد وردت تسميته "بالخاتم الذي أتى ختامًا لرسل الله وأنبيائه، وفى الحديث: (أنا العاقب) (٣) " (٤)
стр. 434
ومع هذا فإنه يرى التوقف في أسمائه ﵊ وذلك على جهة الاتفاق، فلا يجوز تسميته بما لم يرد ولو كان متضمنًا تعظيمًا، ويعلل ذلك بقوله: "النبي بشر يتطرق إليه النقص بخلافه سبحانه؛ ولئلا يطرونه كما أطرت النصارى عيسى" (١).
مكانته بين الرسل:
وفى بيان مكانته بين الرسل فإنه يحكى الإجماع بتفضيله على سائر الخلق ويذكر مع ذلك حجة من خرق هذا الإجماع والرد المناسب لها، يقول: "وهذا التفضيل بإجماع المسلمين سنيين ومعتزلة، إلا البعض ممن خرق الإجماع، وقال بتفضيل جبريل على محمد ﷺ ؛ مستدلًا بما في سورة التكوير من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] حيث وصف جبريل بأنه رسول كريم إلى قوله: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢].
فرد عليه بأن القرآن في أعلى طبقات البلاغة، وهى مطابقة الكلام لمقتضى الحال, فإن كلام الكفار كان في الواسطة الذي كان يأخذ عنه النبي ﷺ حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقالوا: إن به جنة، أي يأخذ عن الجن، فرد المولى عليهم بمدح الواسطة وبرأ المصطفى مما يقولون، فإنه كان معروفًا بينهم بالصادق الأمين" (٢)
ويزيد في بيان عدم إرادة تفضيل جبريل على الرسول ﵊ بأن العكس هو المقصود، حيث يقول: "بل إذا أمعنت النظر؛ وجدت إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام دالًا على بلوغ الغاية في تعظيم محمد، حيث جعل السفير بينه وبين الله هذا الملك الموصوف بتلك الصفات، وفضل المصطفى مصرح به في هذا الكتاب، وفى سائر الكتب السماوية كالشمس في رابعة النهار" (٣)
* * *
стр. 435
وفى الإجابة على الإشكال الذي قد يرد من نهى المصطفى ﵊ في قوله: (لا تخيرونى على موسى) (١) وقوله: (ولا تفضلوا بين الأنبياء) (٢) فمعناه لا تخيرونى تخييرًا يقتضى نقص موسى عن مرتبته، كأن تقولوا مثلًا: محمد نبى ورسول وحبيب وخليل دون موسى.
أما قوله: (لا تفضلونى على يونس بن متى) (٣)، فقيل معناه: لا تعتقدوا أنى أقرب إلى الله في الحس منه، حيث ناجيت ربى فوق السموات السبع، وناجى ربه في بطن الحوت" (٤)
ويعضد قوله بأفضلية المصطفى ﷺ على سائر الخلق، بذكر صفاته الجامعة لمكارم أخلاق الأنبياء - عليهم جميعًا الصلاة والسلام -، وذلك عند قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، يقول موجهًا هذا الاستدلال: "وبيانه أن جميع خصال الكمال وصفات الشرف كانت متفرقة فيهم، فكان نوح صاحب احتمال أذى على قومه، وإبراهيم صاحب كرم وبذل ومجاهدة في سبيل الله ، وإسحق ويعقوب وأيوب أصحاب صبر على البلاء والمحن، وداود وسليمان أصحاب شكر على النعم، ويوسف جمع بين الصبر والشكر، وموسى صاحب الشريعة الظاهرة والمعجزات الباهرة، وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس من أصحاب الزهد في الدنيا، وإسماعيل صاحب صدق الوعد، ويونس صاحب تضرع وإخبات، ثم إن الله أمر نبيه أن يقتدى بهم في جميع تلك الخصال المحمودة المتفرقة فيهم، فثبت بهذا أنه أفضل الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال والله أعلم". (٥)
стр. 436
خصائصه ﷺ -:
ويتبع بيان فضله بذكر ما اختص به ﵊ على سائر الرسل والأنبياء من قبله:
- عموم الرسالة له ﷺ ، يقول في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]: "ففى الآية دليل على عموم رسالته للعالمين إلى يوم القيامة، وقد احتج بهذه الآية على أن رسول الله أفضل من جميع الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -" (١).
وفى توضيح حقيقة هذا العموم، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فـ "إرساله للإنس والجن إرسال تكليف، وللملائكة قيل إرسال تكليف، وقيل تشريف، وللحيوانات غير العاقلة والجمادات إرسال تشريف" (٢)
- أيضًا ومن جملة ما اختص به ﵊ وسطية أمته وتفضيلها على سائر الأمم، يقول: "وبالجملة فهو ﷺ أفضل الخلق على الإطلاق، وأمته أفضل الأمم على الإطلاق" (٣).
مظاهر الغلو فيه ﷺ -:
- هذا ويكثر الصاوي من ذكر الخصائص والمزايا، حتى مع عدم وجود مستند شرعى لما يذكر، ومن ذلك اعتقاد أنه ﵊ واسطة في كل نعمة من الدنيا والآخرة، يقول عند حكايته لقصة خلق حواء من ضلع آدم ﵇ وكيف أنه حين أراد أن يتزوج بها منع من ذلك حتى يقوم بأداء مهرها، فلما سأل عنه قيل له بأنه عدد من الصلوات على الرسول ﷺ ، ويعلق على هذه القصة التي لا مستند لها بقوله: فـ "من خصائص الرسول ﷺ أن يزوج بلا مهر
стр. 437
أصلًا، فلما كان هو الواسطة في ذلك عد كأنه العاقد لهما، وإنما كان خصوص الصلاة على النبي ﷺ إشارة إلى أنه ﷺ هو الواسطة العظمى في كل نعمة وصلت لكل أحد حتى أبيه آدم" (١).
- وقد سبق لي وأن أشرت إلى ظاهرة الغلو الملحوظة في آراء الصاوي حول الإيمان بالرسول (٢)، ولكن لي هنا أن أنبه مع بعض الاختصار إلى أهم المعالم البارزة لهذه الظاهرة؛ حتى تبدو أكثر وضوحًا لمناقشتها فيما بعد.
- فإن من أهم تلك المعالم البارزة لظاهرة الغلو نسبة علم الغيب له ﵊، يقول: "والذي يجب الإيمان به أن رسول الله لم ينتقل من الدنيا حتى أعلمه الله بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة، ومن جملتها علم الساعة (٣) فهو يعلمها كما هي عين يقين، لما ورد: رفعت لي الدنيا فأنا أنظر فيها كما أنظر إلى كفى هذه و [قوله ولو كنت أعلم الغيب] إن قلت إن هذا يشكل على ما تقدم لنا أنه اطلع على جميع مغيبات الدنيا والآخرة، والجواب أنه قال ذلك تواضعًا أو أن علمه بالغيب كلِّ علم من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه، فيكون المعنى لو كان لي علم حقيقى بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت" (٤).
وحتى الروح كان علمها مما لا يخفى - عند الصاوي - على رسول الله، يقول: " الروح واختلف فيها على ثلاثمائة قول، والحق لا يعلمها غير الله ورسوله: قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] " (٥)
стр. 438
- ولشكره على توسطه ﵊ في كل نعمة تصل إلينا - كما يعتقد الصاوي - تتوجب ملاحظته في كل عمل نقوم به، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ صلوات الرسول: "أي دعواته لأنه الواسطة العظمى في كل نعمة فتجب ملاحظته في كل عمل؛ لأن الله تعبدنا يالتوسل به، قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ فمن زعم أنه يصل إلى رضا الله بدون اتخاذه ﷺ واسطة ووسيلة بينه وبين الله تعالى ضل سعيه وخاب رأيه، فهو باب الله الأعظم والوصول إليه وصول إلى الله لأن الحضرتين واحدة، ومن فرق لم يذق للمعرفة طمعًا" (١)
- ولكل ما تقدم ذهب إلى مشروعية التوسل بالرسول، يقول: "وقد ورد أنه لا يجوز القسم على الله تعالى إلا بأسمائه العلية أو بسيدنا محمد ﷺ ، كما في الحديث الشريف (من كان له حاجة عند الله فليقل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بحبيبك المصطفى عندك يا سيدنا يا محمد أتوسل بك إلى ربى في قضاء حاجتى هذه لتقضى لي) (٢) " (٣)
- وكانت الحقيقة النورانية المحمدية مما طال كلامه في تقريرها، يقول: محمد النور الذاتى: أي نور ذات الله، أي الذي خلقه الله بلا مادة لأنه مفتاح الوجود، ومادة لكل موجود فهو ممد لجميع ذوات الخلق وصفاتهم دنيا وأخرى بواسطة أنه مهبط التجلى لأسماء الله تعالى وصفاته" (٤)
- هذا والصاوى يطيل النفس كثيرًا في ذكر ما اختص به من صفات ﵊ بين خلقية، وخلقية حتى يصل إلى درجة الغلو البين.
стр. 439
- يقول: "إنه ﷺ احتوى على صفات جمالية ظاهرية وباطنية لا تدخل تحت حصر، وصفات جلالية كذلك، وقد كبر في ذلك العارفون قديمًا وحديثًا، كحسان بن ثابت وكعب من الصحابة ﵃ والبوصيرى (١) وغيره، ولم يقفوا على حد.
وبالجملة فيكفينا في جماله وجلاله قول الله : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وقوله أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] " (٢)
ولو اكتفى بهذا لكان حسن ولكنه جعل التغنى بهذه الصفات والتأمل فيها ليس فقط على وجهها الحقيقى ولكن مع ما أسبل عليها من مظاهر الغلو السابقة هو المقصد الأسمى من الإيمان بالرسول وأعظم الطرق التي ينال بها القرب من المولى تعالى، يقول: "ومعلوم أن من ذاق لذة وصال المصطفى ذاق لذة وصال ربه، لأن الحضرة واحدة، ومن بلغ الوسيلة شهد المقصد ومن فرق بين الوصالين لم يذق للمعرفة طعمًا، وإنما العارفون تنافسوا في محبة الله ورسوله، فمنهم من طلب الوصال بالتغزل في الوسيلة كالبوصيرى، ومنهم من طلبه بالتغزل في المقصد كابن الفارض وأمثاله، ولما كان من أعظم أسباب الوصل التعلق بصفات الحبيب وبكثرة الصلاة عليه حتى يصير خياله بين عينيه أينما كان وضع صاحب دلائل الخيرات صورة الروضة الشريفة لينظر فيها عند صلاته على الحبيب، فينتقل مما فيها إلى تصور ما فيها، فإذا كرر ذلك مع كثرة الصلاة صار المخيل محسوسًا".
- وكان من جملة ما حمله عليه غلوه أن جعل إرادة الثواب من الصلاة عليه ليست هي مطلوب العارفين، يقول: "وليس مقصود العارفين بكثرة الصلاة على
стр. 440
النبي حصول الثواب لهم أو نفعه بذلك، وإن كان حاصلًا في نفس الأمر" ويستشهد بما قاله ابن الفارض في مثل هذا المعنى، يقول: "وقال سيدى عمر ابن الفارض نفعنا الله به حين كشف له عن الجنة وما أعد له فيها:
إن كان منزلتى في الحب عندكم ... ما قد رأيت فقد ضيعت أيامى". (١)
* * *
المناقشة:
أولًا: أسماؤه الشريفة:
إن ما قرره الصاوي في أمر أسمائه ﷺ لمما يظهر فيه التناقض البين إذ كيف يلزم المسلم بعدم تسميته ﵊ إلا بما ورد حتى يصفها لتأكيد ذلك بالتوقيفية، ثم يذكر أن عدد أسمائه يقارب الألف؟ ومن المعلوم أن أسماءه ﵊ لا تصل إطلاقًا إلى ما ذكر، وقد وردت عدة روايات في الصحيح تضمنت ما سمى به نفسه ﵊ (لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحى الذي يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب). (٢)
فصلى الله عليه وسلم ما أعظم تواضعه ووقوفه عند حدود ما أنزل الله، فلم يسم نفسه إلا بما هو متصف به حقيقة، وقد ورد في القرآن تسميته بالرءوف الرحيم وكان معروف بالصادق الأمين قبل البعثة إلى غير هذه الأسماء التي وردت، وإن كانت الحجة التي أوردها في وجوب التوقف في الأسماء وهى خشية الغلو والوقوع فيما نهى عنه النبي من التكلف في الإطراء والمدح صحيحة معتمدة، ولكن عدم التزامه بها في الكثير مما قرره في شأن المصطفى ﵊؛ ليحكم بوقوعه في الاضطراب، وعدم الثبات على المبدأ.
стр. 441
وهذا الذي كان منه في أمر الأسماء إنما يصح أن يكون صورة واحدة من الصور المتعددة التي يظهر فيها خروجه عن التزام ذلك المبدأ، وهو التوقف في كل ما يعد من شؤونه ﵊، خشية الوقوع في الغلو المذموم.
ثانيًا: قضية التفضيل:
ومن القضايا المهمة التي تتعلق بشأن نبوة المصطفى ﵊ قضية التفضيل وقد أشار الصاوي إلى بعض ما قيل في الجمع بين ما تواترت الأخبار في تفضيله على سائر الرسل، وبين ما ورد من نهيه ﵊ وتحذيره من تفضيله على موسى ﵇، أو تفضيل أحد على يونس بن متى (١) وإن كان ما ذكره من أن النهى يقصد به ما أدى إلى التنقيص من شأن موسى ويونس ﵉ يعد من أقوى الأقوال في الجمع بين تلك النصوص.
ومما قيل في الجمع بينهما أن النهى عن المفاضلة كان قبل أن يوحى إليه ﵊ بالتفضيل أما وقد أوحى إليه فلا يبعد أن يكون النهى في باب المنسوخ من الأحكام ومن المعلوم أن النسخ جائز فيها.
ويرى الإمام ابن قتيبة أن هذا النهى الوارد منه ﵊ كان من باب التواضع مع علمه السابق بتفضيله على سائر الأنبياء، كما ورد في الحديث: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة) (٢).
يقول ابن قتيبة في ذلك: "وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذ، والشهيد، وله لواء الحمد والحوض، وهو أول من تنشق عنه الأرض، وأراد بقوله: (لا تفضلوني على يونس) من طريق التواضع". (٣)
وكان لبعضهم توجيهًا آخر للنهى الوارد وذلك ما ذكره الإمام القرطبي في
стр. 442
التفسير، يقول بعد عرضه الأقوال السابقة الذكر" قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها ولذلك منهم رسل وأولو عزم، ومنهم من اتخذ خليلًا، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وفي المسألة أقوال متعددة أوردها الحافظ ابن حجر في كتابه وفى كل منها ما له وجه يقتضى إمكان إرادته وكان من أفضلها في اعتقادى ما ذكره الصاوي لأن النهى مراد لعدم التنقص والوقوع في المنهى عنه من قلة احترام الأنبياء والتقليل من شأنهم فكان الواجب التزام الأدب في تعظيمهم وهذا لا يمنع - كما ذكر أهل العلم - من اعتقاد تفضيل الرسول ﵊، كما لا يخفى من الأدلة الصحيحة. (١)
وكان استدلال الصاوي على هذه الأفضلية بما اختص به ﵊ من مزايا كعموم رسالته لا مراء فيه وقد ذكر الاحتجاج به دون أن يعزو ذلك والصحيح أن هذا كان مستند ابن عباس ﵄ في تفضيله ﵊ على غير من الأنبياء، فقد روى عن ابن عباس أنه قال: "إن الله فضل محمدًا ﷺ على الأنبياء وعلى أهل السماء. فقالوا: يا ابن عباس، بم فضل على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].
وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ١ - ٢].
стр. 443
قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال الله لمحمد ﷺ : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الجن والإنس (١).
يقول القاضي عياض: "قال أهل التفسير أراد بقوله - تعالى- " ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] محمدًا ﷺ ، لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطى فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطى محمد ﷺ مثلها -. . . ." (٢)
قال ﷺ : (فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بى النبيون) (٣).
وخصائصه ﵊ كثيرة عظيمة وكلها "تدل على علو مرتبته، إذ لا معنى للتفضيل إلا التخصيص بالمناقب والمراتب" (٤).
ثالثًا: الغلو فيه ﷺ -:
لقد كان الرجوع بما ورد في فضله ﵊ إلى الكتاب والسنة كافٍ في بيان عظيم ما حباه الله تعالى من منزلة علية ورفيعة على جميع بنى آدم، ولما تأتت الحاجة إلى مثل هذه الروايات الواهية التي أكثر من الاستشهاد بها الصاوي على ما ذكر من خصائص لا أساس لها صحيح من كتاب ولا سنة، بل جل ما تحمله غلو صريح نهى عنه المصطفى وحذو منه أمته أيما تحذير.
стр. 444
وقد سبق لي في مبحث متقدم أن أشرت إلى الكثير مما وقع به الصاوي في مسألة الغلو مع تقديم الأدلة والبراهين على انحرات مسلكه في تقرير ذلك عن المنهج الصحيح القويم. ولى مع هذا أن أضيف بعض التعليقات الهادفة هنا وذلك من خلال إبراز مواطن الغلو في تقرير نبوة المصطفى ﵊، والعمل على مناقشتها مناقشة علمية هادفة؛ حتى تتم الفائدة من عقد هذا المبحث، وهى بيان حقيقة الإيمان بنبوة المصطفى ﷺ ، وما يقتضيه ذلك الإيمان وفق ما شرع الله على لسان رسوله، ورد الشبهات القادحة في هذه الحقيقة الإيمانية إفراطًا وتفريطًا.
أولًا: علم الغيب له ﵊ ونسبة ذلك إليه دون استثناء حتى للأمور الخمسة التي اختص الله تعالى بعلمها دون خلقه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤].
وقد ذكر هذا القول السيوطي بصيغة التمريض (١) وأتى تعليق العلامة الهراس عليه شديدًا فقال: "ولا دليل لهذا البعض - أي الذين ذهبوا إلى القول بعلم النبي لها - وهو مكذوب بصريح القرآن، نعوذ بالله من الغلو الذي يخرج من الإيمان". (٢)
ثانيًا: وكان من جملة ما خرج به الصاوي عن المسلك الصحيح في تعظيم النبي ﵊ تجويز القسم به والتوسل بمنزلته بعد وفاته واستخدام بعض الألفاظ الموهمة مما لا أصل لها في الشرع لتوجيه مثل هذه الآراء البعيدة، كقوله باتحاد الحضرة في عدة مواضع من كتبه.
والصواب هنا أن استخدام مثل هذه الألفاظ يعد من ذرائع الشرك بالله تعالى لأنها:
стр. 445
أولًا: من البدع المحدثة التي حذر منها النبي أمته حيث كان يقول في الخطبة: (شر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (١)
ثانيًا: هذه الألفاظ تعد من الغلو المنهى عنه قال ﵊: (لا تطرونى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم) (٢)
فحقيقة الإطراء المنهى عنه، كما بين ذلك أهل العلم هو الخروج عما شرع الله تعالى في حقه من الإجلال والأدب، إلى ما هو من خصائص الربوبية التي لا تكون إلا لله تعالى، يقول الإمام البغوي: "الإطراء مجاوزة الحد في المدح، والكذب فيه، وذلك أن النصارى أفرطوا في مدح عيسى وإطرائه بالباطل وجعلوه ولدًا، فمنعهم النبي ﷺ من أن يطروه بالباطل" (٣)
مع ما فيها من مقاربة لألفاظ الشرك المحرمة فهذا النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - ينهى بعض أصحابه وبشدة فحين قيل له ما شاء الله وشئت رد تلك المقولة وأظهر بهتانها وقال: (أجعلتنى والله عدلًا؟ ما شاء الله وحده) (٤)
- أما عن القسم به ﵊ فقد وردت الأحاديث الصحيحة ببيان أن القسم حق لله تعالى فلا يجوز أن يتعداه العبد إلى غيره وأن من فعل ذلك فقد أشرك، قال ﵊: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) (٥)
стр. 446
هذا وتعد قضية التوسل بذاته الشريفة من أهم مباحث هذا الباب لوقوع الكثير في اللبس والخلط فالحديث الذي ذكره الصاوي مستدلًا به على مشروعية التوسل به ﷺ ودعاء الله بمنزلته كان قى حياته، إذ من المسلم مشروعية التوسل به ﵊، فقد أثر عن الشيخ العز بن عبد السلام أنه علق على الحديث الذي أورده الصاوي بقوله: "فإن صح فينبغى أن يكون مخصوصًا به فإنه سيد ولد آدم" (١)
أما بعد مماته - عليه صلوات ربي - فلم يثبت عن أحد من الصحابة الكرام أنه قام بهذا الفعل بل صح الخبر عن عمر- رضى الله عنه - أنه دعا الناس في عهده حين أقحطوا إلى التوسل بالعباس فكان يقول: (اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا)، وكان يتم لهم ذلك بفضل الله كما في تمام الرواية: (قال: فيسقون) (٢).
وهذا الحديث فيه دلالة قطعية على توقف الصحابة الكرام - رضى الله عنهم - عن التوسل بالرسول بعد موته، كما هو ظاهر من كلام عمر ﵁ وفيه أيضًا مشروعية التوسل بدعاء الصالحين عند اشتداد الكرب.
يقول الإمام الشوكاني بعد تفصيل القول في التفريق بين التوسل المشروع والتوسل المنهى عنه: "والحاصل أن طلب الحوائج من الأحياء جائز إذا كانوا يقدرون عليها، ومن ذلك الدعاء، فإنه يجوز استمداده من كل مسلم، بل يحسن ذلك. . ولكن ينبغى أن يعلم أن دعاء من يدعو له لا ينفع إلا بإذن الله وإرادته ومشيئته، كما ورد بذلك القرآن العظيم، فهذه تقييد للمطلق لا ينبغى عنه العدول بحال" (٣).
стр. 447
ثالثًا: وما ذكره الصاوي من أنه يجب ملاحظة الرسول ﵊ في كل عمل لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] حقيقته من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا، فإن كان يقصد بالملاحظة التوجه إليه ﵊ بالقلب فهذا مما لا يجوز قطعًا ودلالته على الشرك واضحة، لأن توحيد الإرادة والقصد قد أنيط به قبول الأعمال فلا يصح شيء من العبد مع الإخلال به، حتى أن العبد إذا وفق للإخلاص وإرادة الله في جميع أعماله ووقع عنده خلل في عمل واحد أحبط ذلك العمل، كما قال تعالى في الحديث القدسى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه) (١).
وإن كان يقصد بالملاحظة المتابعة، فلا يعبد الله تعالى إلا وفق ما شرع لنا على يد المصطفى ﵊ فهذا حق لا مراء فيه بل هو عين ما يقتضيه الإيمان برسالة الرسول ﵊، والشهادة العظمى على محبة الله ورسوله.
وبهذا المعنى يصح التعبير عن الرسول ﷺ بأنه واسطة ووسيلة أما بما سبق بيانه من اعتقاد نفعه، أو ضره بغير اتباعه، أو التوجه إليه بالدعاء بعد مماته فلا، وهذا هو عين الإفراط الذي حذر منه المصطفى ﷺ أمته.
رابعًا: وكان من جملة الخلط الذي وقع فيه الصاوي أن عطف شعر اللاحقين من أهل الغلو في مدحه ﵊ بشعر الصحابة الكرام الذين فاض قريظهم فيه عذوبة وطهارة، فلم يحيدوا عما أخبر الله تعالى عنه قيد أنملة، وكان جمعه بينهم محض وهم وضلال، فالبوصيرى الذي نطقت قصيدته بالغلو في كثير من أبياتها، لتحكم بعظيم البون وبعد المسافة، فمن نسبة علم الغيب له إلى تفريج الكرب إلى غير ذلك، مما يطول بى المقام في استقصاء ما أتى بها من غلو بصريح العبارة، كل هذا مما لا يدع مجالًا للشك في تغاير المفاهيم، وتباعد الحقائق المعتقدة حول ما تقتضيه محبة المصطفى ﵊.
стр. 448
وهاك بعض ما نقلة الصاوي عنه من بردته:
يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (١)
فعلى ضوء ما سبق بيانه يبدو الغلو صريحًا واضحًا، فإن كل بيت من الأبيات السابقة ينطق بلون من ألوان الغلو المنهى عنه، يقول الشوكانى بعد أن بين حقيقة ما يقتضيه الإيمان برسالته ﵊: "فانظر - رحمك الله تعالى - ما وقع من كثير من هذه الأمة من الغلو المنهى عنه، المخالف لما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ كما يقول صاحب البردة - رحمه الله تعالى - وذكر الأبيات السابقة - فانظر كيف نفى كل ملاذ ما عدا عبد الله ورسوله ﷺ ، وغفل عن ذكر ربه ورب رسول الله ﷺ إنا لله وإنا إليه راجعون" (٢)
ومن العجيب أن يجمع هذا مع مخالفته لصريح ما أنزل الله على رسوله إلى شعر حسان ﵁ الذي دعا له الرسول بتأييد جبريل ﵇، يقول ﵁:
أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
نبى أتانا بعد يأس وفترة ... من الرسل والأثان في الأرض تعبد
فأمسى سراجًا مستنيرًا وهاديًا ... يلوح كما لاح الصقيل المهند
وأنذرنا نارًا وبشر جنة ... وعلمنا الإسلام فالله نحمد
وأنت إله الخلق ربي وخالقي ... بذلك ما عمرت في الناس أشهد
стр. 449
تعاليت إله الناس عن قول من دعا ... سواك إلهًا أنت أعلى وأمجد
لك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدى وإياك نعبد (١)
* * *
خامسًا: كما أن لا يخفى ما وقع فيه من انحراف بين عندما عبر عن المولى تعالى بالمقصد وعن النبي بالوسيلة، ثم وحد بينهما وجعل أعظم الطرق الموصلة إلى هذه الحضرة على - حد تعبيره - هي المحبة التي عبر عنها بالغزل، فمن أين له أن التغزل هو أعظم طرق الوصل؟ ومن أين له أن التغنى بالأوصاف والتعلق بها هو من أعظم دلائل المحبة؟
- ثم إن في تعبيره عن المحبة الصادقة بالغزل ما يخل بمقتضى التعظيم والإجلال الواجبين في حق الله تعالى وحق رسوله ﵊، فالطريق إلى الله تعالى واحد لا سبيل إليه سواه، وهو عبادته بإخلاص ومتابعة، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وإنما عرف تعالى عباده بأسمائه وصفاته حتى يعرفوه فيعبدوه حق عبادته.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] وإلا فإن معرفة الله تعالى بماله من الكمال المطلق مما فطر العباد عليه وإنما أتى العبد من جانب ما تقتضيه هذه المعرفه. (٢)
وكذلك الطريق إلى المحبة المصطفى ﷺ لا تسلك إلا بصدق المتابعة والتقرب إلى الله تعالى، قال الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود: (لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله) فإن "من أحب شيئًا آثره وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقًا في حبه وكان مدعيًا، فالصادق في حب النبي ﷺ من
стр. 450
تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ " (١)
ويقول الإمام ابن القيم في بيان حقيقة محبته ﵊: "إن تعظيم الرسول وإجلاله ومحبته تابع لتعظيم مرسله سبحانه وإجلاله ومحبته وطاعته، فمحال أن تثبت المحبة والطاعة والتعظيم والإجلال للرسول ﷺ دون مرسله، بل إنما يثبت ذلك له تبعًا لمحبة الله وتعظيمه وإجلاله، ولهذا كانت طاعة الرسول طاعة الله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومحبته محبة لله. ." (٢)
كما أن تقديم العمل بسنته على هوى النفس وآراء الرجال من براهين صدق مدعى محبته ﵊، لذا علق المولى تعالى صدق الإيمان بالتحاكم لشرعه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].
فإن صدق الاتباع أعدل الشهود، وأقواهم بينة على محبة من اتصف به، وقد كان القرآن الكريم يتعهد دومًا من تربى في مدرسة النبوة بغرس فضيلة الأدب معه ﵊، فمرة يوجههم إلى وجوب اتباعه، ومرة يخصص من هذا الاتباع أولوية التحاكم لشرعه المطهر، والتسليم لما يقضى به بينهم، ومرة يحذرهم من مغبة الالتفات عن أمره، كما قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].
إن النداء الربانى لأهل الإيمان حقيقة باقية تهيب بكل من دخل في عموم هذا الجمع بأن يحسنوا اتباعهم له، وأن لا يقدموا شيئًا على سنته مهما حسنته العقول والأهواء أو ارتأت أولويته.
стр. 451
وقد كان حال الصحابة ﵃ مع عظيم محبتهم له ﵊، لأعظم شاهد يشهد بمخالفة ما ذكر الصاوي، فهذا الصحابى الجليل الذي يطلب مصاحبة الرسول في الجنة، يحثه ﵊ على كثرة السجود، ففى الحديث الصحيح أن ربيعة بن كعب الأسلمي، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال لي: سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعنى على نفسك بكثرة السجود) (١)
وكانت الصلاة عليه من جملة الأعمال الموجبة لنيل القرب منه ﵊، فقد ورد في الحديث الشريف أنه قال: (أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على الصلاة) (٢)
- وما ذكره من أن الكمل هم الذين لا يبتغون بصلاتهم عليه ﷺ الأجر والمثوبة، فحقيقته متابعة للصوفية في ادعاءاتهم الباطلة، وتظهر مخالفته للمعلوم من كلام الله ورسوله من عدة وجوه؛ كان منها ما دل عليه حديث المصطفى ﵊ الذي أخبر فيه عن شكره لله تعالى بأداء السجود على ما جعل من ثواب الصلاة عليه، فعن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: (خرج رسول الله ﷺ فأتبعته حتى دخل نخلًا فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه قال: فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: مالك يا عبد الرحمن؟ قال فذكرت ذلك له. قال: فقال: (إن جبريل قال لي ألا أبشرك؟ إن الله يقول: من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه). (٣)
стр. 452
ومنها أن كان ﵊ كثيرًا ما يحض أصحابه على الإكثار من الصلاة عليه بمالهم من الأجر، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. (١)
- ثم إن في استشهاده ببيت الفارض على عدم إرادة الثواب في حق العارفين محض وهم وضلال؛ فما هذا هدى الأنبياء وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، بل رجاء ما عند الله تعالى والخوف من عقابه هو دين الرسل وأتباعهم.
قال تعالى بعد حكاية فضله على أنبيائه ورسله - عليهم الصلاة والسلام -: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
* * *
стр. 453
(المبحث الرابع): دلائل النبوة
تبين مما سبق أن من أعظم أهداف الرسالة السعى إلى تحقيق الغاية من خلق الثقلين، ألا وهى عبادة الله وحده لا شريك له، فإنه لا يمكن أن يعرف طريقها المرضى إلا عن طريق ما جاءت به الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام -، الذين قاموا بأداء الرسالة إلى البشرية، فحملوا على عاتقهم مهمة التبليغ بالنذارة والبشارة إلى الصراط المستقيم.
ومع وضوح هذه الحقيقة الربانية المتمثلة باصطفاء الرسل والتى قد اختارها المولى تعالى طريقًا لهداية العباد والتى تتجلى في الكثير مما يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا كتحقيق الأهداف ووضوح المبادئ وثبات النتائج، إلا أن حكمة المولى اقتضت أن يؤيد رسله بالبينات والأدلة والبراهين التي لا يملك من أوتى سلامة الأدوات إلا الإقرار برسالة من هيئت له تصديقًا وتأييدًا.
ولم تكن هذه الآيات بمعزل عن الغاية التي هيئت لها، وإنما كانت تتفق مع حقيقة الرسالة قلبًا وقالبًا، كمعلم من أبرز معالم الهداية إلى الإيمان بالرسالة ومرسلها، ومن هنا تبدو المعجزة كأعظم دلائل النبوة دون أن تكون هي المنفردة بهذه المهمة، وهذا هو المعتمد في عقيدة أهل السنة والجماعة حول أهمية المعجزة ومكانتها من الدلالة على صدق الرسالة.
ومع نشوء الخلاف بين الفرق الإسلامية؛ تعددت الآراء حول هذه القضية وكان المعتمد عند غالب المتكلمين أن المعجزة هي البرهان الأوحد على صدق الرسول، وحجتهم في ذلك أن ما سواها غير متعذر معارضته، والمعتزلة هم أول من تبنى هذا المعتقد ووصفوا المعجز بأنه الدليل الأوحد على صدق النبوة، يعرف القاضي عبد الجبار المعجز بأنه: "الفعل الذي يدل على صدق المدعى للنبوة" (١).
стр. 454
وامتدادًا لذلك الفكر فقد صار الاستدلال بالمعجز على صدق الرسول هو المسلك المعتمد عند غالب الأشاعرة، يقول الإيجى في إثبات نبوة محمد ﷺ :
"المسلك الأول - وهو العمدة - أنه ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يده" (١)
وهذا إمام الحرمين الجويني يعقد فصلًا في تقرير أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة، ويبرهن لذلك بأنه الدليل الوحيد الذي يتحقق فيه الإعجاز والتحدى وما سواه فقد "يستوى فيه البر والفاجر، فيستحيل لذلك كونه دليلًا" (٢).
وكذلك الآمدي المتكلم المعروف يسير على خطا سابقيه في تقرير الدليل، يقول: "والذي يدل على كونه رسولًا من عند الله تعالى أن نقول: إن محمدًا كان موجودًا، وأنه ادعى الرسالة عن الله ، وأنه ظهرت المعجزات على يده، وأنه تحدى بها ولم يوجد لها معارض؛ فكان رسولًا" (٣).
ولم يكن هذا القول مع الصدارة الفكرية التي كانت له في المذهب الأشعري محل إجماع، بل خالف فيه بعض كبار منظرى المذهب الأشعري كالغزالى والرازى؛ إتباعًا للمنهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، فهذا الغزالي يطيل النفس في تقرير دليل النبوة بعيدًا عن منهج المتكلمين، يقول: "ومن نظر في أقوال رسول الله ﷺ وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس بأنواع اللين واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم؛ حصل له علم ضرورى بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده، وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب الغيب التي أخبر عنها في القرآن على لسانه وفى الاخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره؛ علم علمًا ضروريًا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب، والخواص والأمور التي لا يدركها العقل، وهذا هو منهاج يحصل به العلم الضرورى بصدق النبي ﷺ " (٤).
стр. 455
وممن تأثر بما ذهب إليه الغزالي الرازي، فعند الاستدلال على نبوة المصطفى ﵊ يذكر إلى جانب الاستدلال بالمعجز: "إثبات نبوته ﵇ بالاستدلال بأخلاقه وأفعاله وأحكامه وسيره، فإن كل واحد منها وإن كان لا يدل على النبوة لكن مجموعها مما يعلم قطعًا أنه لا يحصل إلا للأنبياء" (١).
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يقف الصاوي موقفًا مغايرًا لما هو معهود من كلام الأشاعرة في الاستدلال على نبوة الرسل ويظهر بذلك تأثره بموقف الغزالي من قبل.
فهو أولًا يوضح المراد بدلائل النبوة بقوله: "أي - الأدلة - الدالة على صدقه ﷺ "
ويرى أن دلائل صدق الرسول ﵊" ثلاثة أمور:
أحدها: المعجزات الظاهرات.
ثانيها: القرآن العظيم.
ثالثها: كون دينه الذي أمر باتباعه وهو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والانقياد لأمره ونهيه والتبرى من كل معبود سواه، فهذه أمور نيرة واضحة في صحة نبوته ﷺ " (٢)
وتأكيدًا لهذا المعنى السابق فإنه في تفسيره للآيات التي تنكر على المشركين إعراضهم عن الانقياد لدعوة المصطفى ﵊، يرجع ما حصل منهم إلى عدم إدراك ما يتحصل به اليقين بصدق الرسول ﵊.
ففي بيان معنى قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨، ٦٩]
стр. 456
يقول: "وهذا شروع في بيان أن إقدامهم على هذه الضلالات لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة:
أحدها: أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز.
ثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع ولم ترد عن الأمم السابقة.
ثالثها: ألَّا يكونوا عالمين بأمانته وصدقه قبل ادعاء النبوة.
رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون". (١)
وفي كل مرة يوضح أنه ليس هذا هو سبب إعراضهم بل الكبر عن قبول الحق والانقياد له.
أما عن المراد بالمعجزة فيعرف الصاوي أصلها في اللغة، بقوله: "المعجزة في الأصل مشتقة من الإعجاز وهو إثبات العجز في الغير ثم استعمل في لازمه وهو إظهاره، ثم نقلت للأمر الخارق" (٢)
أما تعريفها كما هو عليه كلام الأشاعرة، فيقول في الخارق: "هو الأمر الخارق للعادة، الواقع على يد مدعى النبوة المقرون بالتحدى (٣) مع عدم المعارضة" (٤)
ثم يشرع بعد ذلك ببيان مفردات التعريف واحدة واحدة، يقول: "وقد اشتمل التعريف على سبعة أمور:
أولًا: أن تكون فعلًا لله أو تركًا، فالأول: كنبع الماء من بين الأصابع.
والثاني: كعدم الإحراق لإبراهيم ﵇.
ثانيًا: أن تكون خارقًا للعادة لا أن يكون معتادًا.
стр. 457
ثالثًا: أن تكون على يد مدعى النبوة؛ لأنها إن كانت على يد غيره فلا تسمى معجزة".
ويبدأ بتفصيل ما يسمى به الخارق على يد غير مدعى النبوة ف " إما أن تسمى إرهاصًا وهو الخارق للعادة على يد نبى قبل ادعائها.
أو كرامة: وهى الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح.
أو معونة: وهى ما كان على يد مستور الحال.
أو استدراجًا: وهو ما كان على يد فاسق على طبق مراده.
أو إهانة: وهو ما كان على غير مراده".
رابعًا: أن تكون مقارنة للدعوى حقيقة أو حكمًا.
خامسًا: أن تكون موافقة للدعوى، فالمخالفة كفلق الجبل عند قول مدعى النبوة: آيتى فلق البحر، فلا تعد معجزة.
سادسًا: أن لا تكون مكذبة إن كان ممن يعتبر تكذيبه، كقوله: آيتى نطق الجماد فنطق بأنه كذاب، فلا تعد معجزة، وأما إن كان مما لا يعتبر تكذيبه، كما إذا قال: آيتى إحياء هذا الميت مثلًا، فأحيى ونطق بأنه كذاب فإحياؤه كافٍ في المعجزة ولا يلتفت لتكذيبه لاتهامه بعد ذلك بالأغراض.
سابعًا: أن تتعذر معارضته إلا من نبى مثله، فالسحر ونحوه لا يعد معجزة.
ثامنًا: أن لا يكون الخارق في زمن خرق العادات، كقرب الساعة". (١)
وفى بيان الحكمة من اختيار نوع المعجزة لكل نبى فإنه يوضح مدى العلاقة الوثيقة بين نوعها وبين ما برع فيه أهل زمان ذلك النبي؛ حتى يتحقق الإعجاز ويظهر كأقوى ما يكون، فيعلل الصاوي ما أيد به عيسى ﵇ من إحياء الموتى وإبراء المرضى بقوله: "فإن معجزة كل نبى على شكل أهل زمانه، كموسى ﵇ فإنه بعث في زمن كثرت فيه السحرة؛ فأعياهم بالعصا واليد البيضاء، وسيدنا محمد ﷺ فإنه بعث في زمن العرب البلغاء؛ فأعياهم بالقرآن" (٢)
стр. 458
ويشرع في بيان معجزاته ﵊: "مما يجب علينا اعتقاده أن الله أعطى نبيه ﷺ معجزات أي خوارق للعادات كثيرة لا نهاية لها، قيل: أعطاه الله مائة ألف وسبعين ألف معجزة منها مائة ألف في القرآن، والسبعون في غيره" (١)
ويرى أن حادثة الإسراء والمعراج من جملة معجزاته، يقول: "ومن جملة معجزاته ﷺ أنه أسرى به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر البراق، وجبريل على يمينه، وميكائيل عن يساره".
ومن تلك المعجزات "انشقاق القمر فلقتين في السماء متباعدتين، بحيث كانت كل واحدة فوق جبل.
ومنها تسبيح الجماد في كفه ﷺ ؛ لما ورد أنه قبض على حصيات في كفه فسبحن حتى سمع لهن حنينًا كحنين النحل، ثم ناولهن أبا بكر فسبحن ثم ناولهن عثمان فسبحن، ثم وضعهن على الأرض فخرسن، ففى ذلك كرامة للصحابة أيضًا. (٢)
ومنها نطق الحيوانات كالضب والظبية والبعير" (٣).
ويؤكد على أهمية الإيمان بآحاد المعجزات الواردة، حيث يقول: "فمن أنكر الإسراء كفر لتكذيبه القرآن". (٤)
* * *
تعليق:
لا ريب في أن كلام الصاوي المتعلق بالاستدلال على النبوة قد وافق الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ولى أن أضيف بعض ما يحسن إضافته إلى ما ذكر مع شيء من التفصيل وذلك ضمن النقاط التالية:
стр. 459
أولًا: طريق الاستدلال بالمعجزات والبراهين:
لا شك أن هذا الطريق فيه تمام الكفاية على إثبات صدق الرسول في دعوته، فإن في سنة الله تعالى الجارية بتأييده لأنبيائه ورسله بالمعجزات؛ لأكبر شاهد على أهمية المعجزة وكونها من أوضح البراهين الهادية للإيمان بالرسل.
وتحقيق هذا أن المعجزة خرق للعادات الجارية بالسنن الكونية بما يحصل التحدى به بحيث يخرج موجبها المقتضى لتحققها عن مقدور البشر فتصبح بذلك آية واضحة تستند في وضوحها إلى المسلمات الفطرية من وسائل الإدراك الحسية التي لا يمكن بحال التردد في مصداقية ما تتوصل إليه من نتائج دالة على كونها مرادة لتأييد من أجريت على يديه.
يقول ابن الوزير (١) في هذه الحقيقة: "فالنظر في المعجزات الواضحات والخوارق الباهرات كان به إيمان عامة أهل الإسلام في زمن الرسول ﵇، وبه كان إيمان السحرة في زمن موسى ﵇" (٢).
وهذا الأصل في إثبات الرسالة لا يمكن التشكيك في أهميته، ومع هذا فالغلو في حصر الدلالة به غير مسلم، فأمر الرسالة من العظم بمكان؛ بحيث لا يمكن أن يكون طريق العلم بها محصورًا في دليل بعينه، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام في كثير من مؤلفاته القيمة.
ثانيًا: الاستدلال بحال الرسول ﵊ فيما اتصف به من صدق ورجاحة عقل وعدالة مشهود لها في قومه، وتقوم هذه الدلالة على استقراء مجموع أحواله قبل البعثة وبعدها مما يصل بالمستبين إلى درجة اليقين من استحالة
стр. 460
كذب من استقامت أحواله بالصدق التام والعقل الراجح والخلق العظيم، فالصدق وهو أعظم ما يبحث عنه من أحوال مدعى النبوة تتأتى طرق معرفته من جهات متعددة بحيث يسهل التمييز في شأن من ادعاه كذبًا وزورًا ممن قامت أحواله به حتى استحق الاتصاف به على جهة العلمية كما كان شأن المصطفى ﵊.
هذا والقرآن الكريم في كثير من المواضع يلفت أنظار الممترين إلى كثير من الحقائق المعهودة في أحوال الرسل والتى امتزجت بها شخصيته ﵊، مما لا يدع لهم مجالًا للشك والتمادى في طرق الغواية بعيدًا عن الاعتراف بهذه الحقيقة الإيمانية، وفى ذلك كان قول حسان بن ثابت ﵁:
لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر (١)
ثم إن في صفات الرسول الأخرى، كالخلق الرفيع والأمانة والنزاهة وإرادة الخير والبعد عن مواقع الريبة ما يجزم بصدقه فيما ادعاه، وبهذا استدلت السيدة خديجة ﵂ على نبوته ﵊ وردت عنه ما خالجه من ريبة في أمره، حيث قالت: "فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم, وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٢)
يقول شيخ الإسلام في تعليقه على هذه المقولة العظيمة: "وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضًا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم ﵇ فإنه كان نبيًا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار، وقد علم جنس ما يدعو إليه الرسل وجنس أحوالهم، فالمدعى للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته