← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

يقول: "وهذا شروع في بيان أن إقدامهم على هذه الضلالات لا بد أن يكون لأحد أمور أربعة: أحدها: أن لا يتأملوا في دليل نبوته وهو القرآن المعجز. ثانيها: أن يعتقدوا أن بعثة الرسول أمر غريب لم تسمع ولم ترد عن الأمم السابقة. ثالثها: ألَّا يكونوا عالمين بأمانته وصدقه قبل ادعاء النبوة. رابعها: أن يعتقدوا فيه الجنون". (١) وفي كل مرة يوضح أنه ليس هذا هو سبب إعراضهم بل الكبر عن قبول الحق والانقياد له. أما عن المراد بالمعجزة فيعرف الصاوي أصلها في اللغة، بقوله: "المعجزة في الأصل مشتقة من الإعجاز وهو إثبات العجز في الغير ثم استعمل في لازمه وهو إظهاره، ثم نقلت للأمر الخارق" (٢) أما تعريفها كما هو عليه كلام الأشاعرة، فيقول في الخارق: "هو الأمر الخارق للعادة، الواقع على يد مدعى النبوة المقرون بالتحدى (٣) مع عدم المعارضة" (٤) ثم يشرع بعد ذلك ببيان مفردات التعريف واحدة واحدة، يقول: "وقد اشتمل التعريف على سبعة أمور: أولًا: أن تكون فعلًا لله أو تركًا، فالأول: كنبع الماء من بين الأصابع. والثاني: كعدم الإحراق لإبراهيم ﵇. ثانيًا: أن تكون خارقًا للعادة لا أن يكون معتادًا.

стр. 457

ثالثًا: أن تكون على يد مدعى النبوة؛ لأنها إن كانت على يد غيره فلا تسمى معجزة". ويبدأ بتفصيل ما يسمى به الخارق على يد غير مدعى النبوة ف " إما أن تسمى إرهاصًا وهو الخارق للعادة على يد نبى قبل ادعائها. أو كرامة: وهى الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح. أو معونة: وهى ما كان على يد مستور الحال. أو استدراجًا: وهو ما كان على يد فاسق على طبق مراده. أو إهانة: وهو ما كان على غير مراده". رابعًا: أن تكون مقارنة للدعوى حقيقة أو حكمًا. خامسًا: أن تكون موافقة للدعوى، فالمخالفة كفلق الجبل عند قول مدعى النبوة: آيتى فلق البحر، فلا تعد معجزة. سادسًا: أن لا تكون مكذبة إن كان ممن يعتبر تكذيبه، كقوله: آيتى نطق الجماد فنطق بأنه كذاب، فلا تعد معجزة، وأما إن كان مما لا يعتبر تكذيبه، كما إذا قال: آيتى إحياء هذا الميت مثلًا، فأحيى ونطق بأنه كذاب فإحياؤه كافٍ في المعجزة ولا يلتفت لتكذيبه لاتهامه بعد ذلك بالأغراض. سابعًا: أن تتعذر معارضته إلا من نبى مثله، فالسحر ونحوه لا يعد معجزة. ثامنًا: أن لا يكون الخارق في زمن خرق العادات، كقرب الساعة". (١) وفى بيان الحكمة من اختيار نوع المعجزة لكل نبى فإنه يوضح مدى العلاقة الوثيقة بين نوعها وبين ما برع فيه أهل زمان ذلك النبي؛ حتى يتحقق الإعجاز ويظهر كأقوى ما يكون، فيعلل الصاوي ما أيد به عيسى ﵇ من إحياء الموتى وإبراء المرضى بقوله: "فإن معجزة كل نبى على شكل أهل زمانه، كموسى ﵇ فإنه بعث في زمن كثرت فيه السحرة؛ فأعياهم بالعصا واليد البيضاء، وسيدنا محمد ﷺ فإنه بعث في زمن العرب البلغاء؛ فأعياهم بالقرآن" (٢)

стр. 458

ويشرع في بيان معجزاته ﵊: "مما يجب علينا اعتقاده أن الله أعطى نبيه ﷺ معجزات أي خوارق للعادات كثيرة لا نهاية لها، قيل: أعطاه الله مائة ألف وسبعين ألف معجزة منها مائة ألف في القرآن، والسبعون في غيره" (١) ويرى أن حادثة الإسراء والمعراج من جملة معجزاته، يقول: "ومن جملة معجزاته ﷺ أنه أسرى به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى على ظهر البراق، وجبريل على يمينه، وميكائيل عن يساره". ومن تلك المعجزات "انشقاق القمر فلقتين في السماء متباعدتين، بحيث كانت كل واحدة فوق جبل. ومنها تسبيح الجماد في كفه ﷺ ؛ لما ورد أنه قبض على حصيات في كفه فسبحن حتى سمع لهن حنينًا كحنين النحل، ثم ناولهن أبا بكر فسبحن ثم ناولهن عثمان فسبحن، ثم وضعهن على الأرض فخرسن، ففى ذلك كرامة للصحابة أيضًا. (٢) ومنها نطق الحيوانات كالضب والظبية والبعير" (٣). ويؤكد على أهمية الإيمان بآحاد المعجزات الواردة، حيث يقول: "فمن أنكر الإسراء كفر لتكذيبه القرآن". (٤) * * * تعليق: لا ريب في أن كلام الصاوي المتعلق بالاستدلال على النبوة قد وافق الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، ولى أن أضيف بعض ما يحسن إضافته إلى ما ذكر مع شيء من التفصيل وذلك ضمن النقاط التالية:

стр. 459

أولًا: طريق الاستدلال بالمعجزات والبراهين: لا شك أن هذا الطريق فيه تمام الكفاية على إثبات صدق الرسول في دعوته، فإن في سنة الله تعالى الجارية بتأييده لأنبيائه ورسله بالمعجزات؛ لأكبر شاهد على أهمية المعجزة وكونها من أوضح البراهين الهادية للإيمان بالرسل. وتحقيق هذا أن المعجزة خرق للعادات الجارية بالسنن الكونية بما يحصل التحدى به بحيث يخرج موجبها المقتضى لتحققها عن مقدور البشر فتصبح بذلك آية واضحة تستند في وضوحها إلى المسلمات الفطرية من وسائل الإدراك الحسية التي لا يمكن بحال التردد في مصداقية ما تتوصل إليه من نتائج دالة على كونها مرادة لتأييد من أجريت على يديه. يقول ابن الوزير (١) في هذه الحقيقة: "فالنظر في المعجزات الواضحات والخوارق الباهرات كان به إيمان عامة أهل الإسلام في زمن الرسول ﵇، وبه كان إيمان السحرة في زمن موسى ﵇" (٢). وهذا الأصل في إثبات الرسالة لا يمكن التشكيك في أهميته، ومع هذا فالغلو في حصر الدلالة به غير مسلم، فأمر الرسالة من العظم بمكان؛ بحيث لا يمكن أن يكون طريق العلم بها محصورًا في دليل بعينه، وهذا ما نبه إليه شيخ الإسلام في كثير من مؤلفاته القيمة. ثانيًا: الاستدلال بحال الرسول ﵊ فيما اتصف به من صدق ورجاحة عقل وعدالة مشهود لها في قومه، وتقوم هذه الدلالة على استقراء مجموع أحواله قبل البعثة وبعدها مما يصل بالمستبين إلى درجة اليقين من استحالة

стр. 460

كذب من استقامت أحواله بالصدق التام والعقل الراجح والخلق العظيم، فالصدق وهو أعظم ما يبحث عنه من أحوال مدعى النبوة تتأتى طرق معرفته من جهات متعددة بحيث يسهل التمييز في شأن من ادعاه كذبًا وزورًا ممن قامت أحواله به حتى استحق الاتصاف به على جهة العلمية كما كان شأن المصطفى ﵊. هذا والقرآن الكريم في كثير من المواضع يلفت أنظار الممترين إلى كثير من الحقائق المعهودة في أحوال الرسل والتى امتزجت بها شخصيته ﵊، مما لا يدع لهم مجالًا للشك والتمادى في طرق الغواية بعيدًا عن الاعتراف بهذه الحقيقة الإيمانية، وفى ذلك كان قول حسان بن ثابت ﵁: لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تأتيك بالخبر (١) ثم إن في صفات الرسول الأخرى، كالخلق الرفيع والأمانة والنزاهة وإرادة الخير والبعد عن مواقع الريبة ما يجزم بصدقه فيما ادعاه، وبهذا استدلت السيدة خديجة ﵂ على نبوته ﵊ وردت عنه ما خالجه من ريبة في أمره، حيث قالت: "فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم, وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٢) يقول شيخ الإسلام في تعليقه على هذه المقولة العظيمة: "وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة، ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضًا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم ﵇ فإنه كان نبيًا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار، وقد علم جنس ما يدعو إليه الرسل وجنس أحوالهم، فالمدعى للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته

стр. 461

للرسل علم أنه ليس منهم، وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه، فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضرورى بأن هذا هو الرسول المنتظر، لهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] " (١) وهذا هو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] فإنه قد هيأ لأمر الرسالة من علت أحوالهم البشرية حتى وصلوا إلى ذروة الكمال الممكن لها؛ وذلك بما اتصفوا به من عظيم الخلق وجمال الخلق، وقد قال تعالى في معرض امتنانه على أشرف خلقه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ومعلوم أن في انفضاض الناس عن المرسل ما يقضى بانتفاء الغاية التي من أجلها كانت الرسالة؛ إذًا فانتفاء هذا الحال عنه فيه إشارة إلى أن أحوال الرسل محض عناية من الله تعالى، إذ يتوقف عليها القيام بأمر الرسالة من حيث التحمل والأداء، وعليه فإن انتظام هذه المقامات العالية في شخص ما مع ادعائه للنبوة في وقت إمكانها ليقضى بصدقه فيما ادعاه كما تقرر ذلك من دلائل نبوته ﵊. (٢) ولا شك أن في انضمام هذا المسلك إلى المسلك الذي قبله ما يصل بالمتأمل فيهما إلى درجة اليقين, يقول الإمام ابن الوزير: "إن سيرة النبي ﷺ ومعرفة أوصافه، وقرائن أحواله لتفيد العلم الضرورى العادى وحدها، فإذا انضمت إلى المعجز محت الوسواس وأطفأته، كما يطفئ الماء النار" (٣). ثالثًا: الاستدلال بحال الدعوة نفسها وهو في الحقيقة استدلال بالركائز التي يقوم عليها أمر الدعوة وما يترتب عليها من نتائج فعالة على الفرد والمجتمع، فإنه مما علم

стр. 462

ضرورة من حال الأنبياء في دعوتهم الأمم العناية بأمر التوحيد ونبذ الشرك وأهله، وأيضًا الاهتمام بمصالح الأفراد وذلك بالحث على التمسك بفضائل الأعمال والأقوال، وكان هذا المسلك في تقرير النبوة هو حقيقة ما استند إليه النجاشي في التصديق برسالة النبي ﷺ ، حيث قال: [إن هذا والله والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة]. (١) وفى هذا المعنى يقول شيخ الإسلام "وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل" (٢) وإن مما يتعلق بشأن الدعوة ما يترتب عليها من نتائج تظهر محكمة في حال المدعين فإنه من أصدق ما يستدل به على صدق مدعى الرسالة استمرار شأنها بعلو أتباعها ونصرتهم وخذلان أعدائها وضعتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩]. يقول شيخ الإسلام ﵀؛ استدلالًا بهذه الآية الكريمة على هذا المسلك: "ومثل هذا في القرآن متعدد، ففى غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة، وقصص من كفر بهم وكذبهم وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة، وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على صدق الرسل وبرهم، وكذب من خالفهم وفجوره. كمن شاهد أصحاب الفيل وما أحاط بهم ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن والحجاز وغير ذلك" (٣)

стр. 463

وقد جمع الاستدلال بهذين المسلكين: حال المرسل والمرسل به هرقل ملك الروم، وذلك حين أرسل إليه رسول الله ﵊ يدعوه إلى الإسلام وأبو سفيان في بعض أسفاره في الشام مع بعض أصحابه فاستدعاه هرقل وسأله عن بعض ما يمكنه من معرفة مدى صدق الرسول فيما دعاه إليه، فجعل يسأله وأمر من معه أن يصدقوه أو يكذبوه فيما يجيب به سؤاله، قال أبو سفيان حاكيًا قصة الحوار الذي دار بينهما: "ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ - قلت: هو فينا ذو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ - قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ - قلت: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ - فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ - قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ - قلت: لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ - قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ - قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندرى ما هو فاعل فيها. قال: ولم تمكنى كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذا الكلمة. قال: فهل قاتلتموه؟ - قلت: نعم. قال فكيف كان قتالكم إياه؟ - قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ - قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله، لقلت رجل يأتسى بقول قيل قبله.

стр. 464

وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك، قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف عنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكن أظن أنه منكم، فلو أنى أعلم أنى أخلص إليه، لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه" (١). هذا وقد أفرد الصاوي القرآن الكريم بالذكر، كدليل صادق في إثبات نبوة المصطفى ﵊، والحق أن مسلك الاستدلال بالقرآن يرجع إلى الجمع بين الاستدلال بالمعجز وبين الاستدلال بحال الدعوة، أي بما تضمنه من أخبار وعلوم حوت مبادئ الدين الذي أنزل ليكون دستورًا له حافظًا لمقومات بقائه من الأصول والمبانى التي لا قوام له إلا بها، مع كونه قد حصل به الإعجاز التام وذلك

стр. 465

من عدة جهات، أولها النظم فقد تحدى المولى به على أقصر سورة منه، قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. كما أن القرآن العظيم يحوى من الأخبار والعلوم الشاهدة والغائبة ما يحيل إمكان نسبته لبشر مهما بلغ من العلم والعقل، وقد شهد بهذا أعتى من استنكف عن الاستسلام لمقتضى الإقرار بإعجازه ودلالته على صدق من أتى على يده، ويحكى لنا القرآن في ذلك موقف الوليد وكيف أنه تبين له الحق ولكن كفره وبغيه حال دون الإيمان برسالة المصطفى ﵇. ومن هذا المنطلق في الفهم لحقيقة الاستدلال بالقرآن العظيم على نبوة المصطفى ﷺ يتبين لنا أن الإعجاز الحاصل بطريقه حاله ليس كحال باقي المعجزات الحاصلة على أيدى الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، إذ أن اتحاد عدد من الأدلة في دليل واحد يقضى بقوته واستعلائه على غيره. هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن استقلال المدعو له بالدلالة على صدقه ليقضى باستحقاقه الكافى في الاستغناء عما سواه؛ مما يشهد بصدقه كدليل خارج عنه، فدلالته عندئذ تكون مرتبطة به بحيث لا يمكن بحال الفصل بين حقيقة الدليل والمستدل له، مما يحمل على الجزم بتصديقه دون أدنى ارتياب في أمره، فـ "القرآن هو بنفسه الوحى المدعى، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه، ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحى، فهو أوضح دلالة لاتحاد الدليل والمدلول فيه". (١) وهذا ما وصفه به الرب تعالى إذ قال في محكم التنزيل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.

стр. 466

والحديث في أوجه إعجار القرآن الكريم حديث متصل العظمة، مستجمع أقطاب الكمال، إذ تقصى مكامن علوه وهيمنته ليعد في حقيقة الأمر ضربًا من المحال، ويكفى في الإشارة إلى ذلك بيان حقيقة القرآن من حيث إنه كلام الله تعالى خرج منه وإليه يعود، ففضل كلامه تعالى على كلام خلقه كفضله هو سبحانه على سائر خلقه، ومن هنا أتى معجز الألفاظ، تقاصرت عن محاكاته همم البلغاء من أهل الفصاحة والبيان، فالتحدى به باقٍ إلى قيام الساعة. حقيقة المعجزة: أما ما ذهب إليه الصاوي في بيان حقيقة المعجزة بأنها الخارق للعادة وجعل هذا القيد في التعريف قدر مشترك بينها وبين غيرها، كالسحر والكرامة فلا يحصل - عنده - به التمييز إلا بإضافة قيود أخرى تمنع من دخول غير أفراد المعرف فيه، فهذا غير صحيح؛ لأنه يقضى باتحاد الماهية وأعنى بها الجنس الذي يشمل المعرف وغيره لاتفاقه معه من جهة الذاتيات المشتركة، ولو مع إثبات تغايرهما من جهة الذاتيات المميزة، كما ذكر الصاوي في القيود الأخرى للتعريف. وذلك لأنه لا يمكن بحال الجمع بين هذه الحقائق المختلفة تحت جنس واحد؛ لوجود المغايرة التامة في جميع أجزاء الماهية. يقرب هذا أن حقيقة الخرق للعادة في كل ما ذكر مما سوى المعجز عند التحقق لا يعد خارقًا في الأصل من كل الجهات، فالسحر والكهانة وهما أشد ما يكون غرابة ومخالفة للمعهود عند عامة الناس "أمور معتادة معروفة لأصحابها ليست خارقة لعاداتهم، وآيات الأنبياء لا تكون إلا لهم ولمن تبعهم" كما أن "الكهانة والسحر يناله الإنسان بتعلمه وسعيه واكتسابه، وهذا مجرب عند الناس، بخلاف النبوة؛ فإنه لا ينالها أحد باكتسابه" (١) "أما كرامات الصالحين فهى من آيات الأنبياء، ولكن ليست من آياتهم الكبرى ولا يتوقف إثبات النبوة عليها، وليست خارقة لعادة الصالحين، بل هي معتادة في الصالحين من أهل الملل في أهل الكتاب والمسلمين" (٢)

стр. 467

كما أنها مما يتأتى بطرق الاكتساب الشرعية فليست في معنى المعجزة من حيث إنها محض فضل من الله يؤيد به من أرسلهم هداية للعالمين. ومن كل ما سبق يتبين أن خرق العادة حقيقة لا تكون إلا للمعجزة، أما غيرها وإن شوهد مخالفته للمعهود إلا أن هذه المخالفة لا تخرج عن كونها نسبية إضافية لا تستحق إطلاق لفظ الخارق عليها، والذي يوحى بمجانسته لجنس المعجزات من هذا الوجه وهذا المعنى هو مصداق قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]. وكان ما ذكره الصاوي من قيود أخرى في التعريف تفرق بين المعجز وغيره صحيحة لا جدال فيها. وقد أشار شيخ الإسلام ﵀ في معرض بيان ما يفرق به بين السحر والمعجزة إلى كثير من الفروق الأخرى المهمة والتى تمثل في الحقيقة أسس الاختلاف بينهما، فكان الاستدلال بحال الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وما يدعون إليه أكبر ما يفرق به بين ما يدعيه أولئك الدجاجلة وبين ما يؤيد الله تعالى به رسله من المعجزات، وكان ما ذكرته في حقيقة المعجزة من عدم إمكان اكتسابها ومن كونها خارجة عن مقدور جميع الجن والإنس هو الفارق الجوهري الذي يخرج المعجزة عما يمكن أن يلتبس بها على بعض ضعاف العقول. (١) وما ذكره عن كثرة معجزات الرسول ﵊ فصحيح ومع هذا فلم يرد دليل يعتمد عليه في حدها بعدد معين (٢) وكان ما أشار إليه من أعظم معجزاته: كحادثة انشقاق القمر، ففى صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: (قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، انشق القمر فلقتين, فلقة من دون الجبل وفلقة من خلف الجبل، فقال رسول الله: (اللهم اشهد) " (٣)

стр. 468

كذلك حادثة الإسراء والمعراج فقد نطق الكتاب العزيز بهذا كما تواترت به الأحاديث بما لا يشك فيه وعليه فلا ينكر هذا إلا زنديق لا يعول على كلامه. وكانت حادثة نبع الماء من بين أصابعه ﵊ من معجزاته، فقد ورد في الصحيحين عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ دعا بإناء من ماء، فأتى بقدح رحراح، فيه شيء من ماء، فوضع أصابعه فيه، قال أنس: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه، قال أنس: فحزرت من توضأ، ما بين السبعين إلى الثمانين) (١) ومعجزاته كما وردت في الصحاح كثيرة لا مجال لحصرها هنا ويكفى العلم بأن الله تعالى قد خص نبينا بالكثير من المعجزات الدالة على تأييد الله تعالى له وكان أعظمها المعجزة الخالدة معجزة القرآن العظيم التي تحدى الله تعالى بها الأمم إلى قيام الساعة. * * *

стр. 469

الفصل الثامن: (آراؤه في الإيمان باليوم الآخر) وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: اليوم الآخر. المبحث الثاني: الإيمان بأشراط الساعة. المبحث الثالث: حياة البرزخ. المبحث الرابع: حقائق الساعة.

стр. 470

تمهيد إن الإيمان باليوم الآخر أحد الركائز الأساسية، التي يقوم عليها الإيمان بالغيب، إذ يمثل الإيمان به حقيقة الإقرار بالجزاء الموعود به من الله تعالى، والذي يحمل صاحبه على الامتثال لكل ما يأمر به الرب ؛ فتتحقق بذلك الغاية التي من أجلها كان الخلق والأمر، وهى عبادة الله وحده بكل ما تعنيه هذه الكلمة من شمولية المنهج تنظيرًا وتطبيقًا. لذا كان الإيمان باليوم الآخر حقيقة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان بالله تعالى، فهذا المجازى وذلك هو الجزاء، ولعل هذا أحد ما يترجح به تفسير الاقتران الذي كثيرًا ما يتكرر بين هذين الركنين من الإيمان في القرآن الكريم؛ الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر. يقول تعالى في بيان حال المنتفع بأوامر الله تعالى ونواهيه: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]. وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين بالإيمان به في كثير من المواضع، يقول عز من قائل: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. أما عن منزلته من أركان الإيمان؛ فهو الركن السادس منها، والأدلة على ركنيته كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾. وهذا ما أخبر به المصطفى ﷺ في حديث جبريل المشهور، قال ﵊ في بيان معنى الإيمان بذكر ما يقوم عليه من أركان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره). (١)

стр. 471

والقرآن في تقرير البراهين على تحققه؛ يؤكد على أن ذلك هو ما يقتضيه عدل الله تعالى، وحكمته البالغة؛ لهذا أتى الوعيد شديدًا في حق من أنكره وتجرأ على الله تعالى بنفى إمكانه، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٢٧, ٢٨]. وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم: ٣٥]. ولمكانة هذا الأصل وماله من عظيم الثمرة والنفع، في إصلاح الفرد والمجتمع؛ فقد توالت الآيات الكريمة واستفاضت الأحاديث النبوية في ذكر تفاصيله وحكاية ما سيكون فيه من أحداث ومهام، وما سينتهى به من خلود في الجنة أو النار، مع وصف كامل لتلك المراحل الأخروية، واستفاضة في بيان مآل المؤمنين والكافرين. هذا والحديث في بيان ثمرة الإيمان باليوم الآخر؛ حديث عظيم ذو شجون، ولا يخفى للمتفكر فيما يجنيه التفصيل الآنف من تأكيد للإيمان بذلك اليوم، ومن ثم الاستعداد المنبغى له بفعل الخيرات، والبعد عن المعاصى الموبقات. يقول الشيخ السعدى ﵀ موجهًا الأنظار إلى هذه الفوائد العظام: "إن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة، التي لا يصح الإيمان بدونها، وكلما ازدادت معرفته بتفاصيله؛ ازداد إيمان العبد به، ثم إن في "معرفة ذلك حقيقة المعرفة ما يفتح للإنسان باب الخوف والرجاء، اللذين إن خلا القلب منهما خرب كل الخراب، وإن عمر بهما أوجب له الخوف والانكفاف عن المعاصى، والرجاء تيسير

стр. 472

الطاعة وتسهيلها، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفاصيل الأمور التي يخاف منها وتحذر، كأهوال القبر وشدته، وأهوال الموقف، وصفات النار المفظعة، وبمعرفة تفاصيل الجنة وما فيها من النعيم المقيم والحبرة والسرور، ونعيم القلب والروح والبدن، فيحدث بسبب ذلك الاشتياق الداعى للاجتهاد في السعى للمحبوب المطلوب بكل ما يقدر عليه" (١) ويقول ﵀: "إن الإيمان بالبعث والجزاء أصل صلاح القلوب، وأصل الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، اللذين هما أساس الخيرات". ولكل ما تقدم؛ فإنى سأعرض في هذا الفصل بحول الله تعالى للأمور التالية بالبيان والتفصيل: - أولًا: تعريف اليوم الآخر وبيان أدلته. - ثانيًا: الإيمان بأشراط الساعة. - ثالثًا: الموت والقبر عذابه ونعيمه. - رابعًا: حقائق الساعة وما ورد فيها. * * *

стр. 473

(المبحث الأول): تعريف اليوم الآخر، وأدلته إن حقيقة الإيمان باليوم الآخر؛ هي التصديق الجازم بأن الله تعالى سيعيد العباد مرة أخرى إلى الحياة بعد موتهم؛ وذلك لمحاسبتهم، وإقامة العدل في شأنهم، وهذا يستلزم الإيمان بكل تفاصيل الإعادة والجزاء، التي أخبر بها المولى تعالى في كتابه، والتى دلت عليها السنة المطهرة، كالحساب والصحف والميزان والصراط والجنة والنار وغير ذلك. ولا بد لمعرفة هذا الأصل العظيم من أصول الدين؛ أن نقف على أهم الأسس التي ينبنى عليها الإيمان الحق به، وذلك أن وقوع اليوم الآخر كما أخبر به المولى تعالى هو الحقيقة التي يقتضيها ما يتصف به من صفات الكمال والعظمة، حيث يعتمد في حجية تحققه كما سبقت الإشارة إليه على الحكمة الثابتة في كل ما يكون منه سبحانه، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. فقد أناط المولى تعالى في هذه الآية الكريمة إرادته للبعث وإرجاع الناس إليه يوم القيامة؛ بنفى إرادة العبث منه سبحانه، وتعليقه هذا يقضى بأن تصرفه في جميع مخلوقاته إنما يتأتى من جهة إرادته لتمام الحكمة، الدائرة بين العدل والفضل. وإذا تقرر هذا الأصل وهو الإيمان بحكمة الله تعالى، المقتضية لإحقاق الجزاء العادل منه سبحانه في اليوم الآخر، فلا بد من معرفة أن تحقق الجزاء في الآخرة متوقف لإثباته على حقيقة أخرى، تمثل في مكانتها الوسيلة التي يرتكز عليها إثبات ذلك الأصل، وهذه الحقيقة هي التي كثر إنكار الجاحدين لها من أهل الكفر والمراء؛ إذ في إنكارهم لها هدف لجحد ما يترتب عليها من إثبات الجزاء العادل المرتبط

стр. 474

بحقيقة الحكمة، فلا يمكن بحال انفصالها عنه، تلكم هي حقيقة البعث بعد الموت، وإعادة الحياة إلى الأجساد بعد مفارقتها لها، والتى تستند في إثباتها إلى اتصاف الله تعالى بالقدرة التامة المتعلقة بكل ما هو من شأنه الإمكان. وإلى هذا المعنى يشير قول المولى تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. وقد كانت العناية بشأن هذه الحقيقة تأصيلًا ودفاعًا؛ بإبطال شبه المنكرين لها ظاهرة في كتاب الله تعالى، هذا وقد تنوعت دلالته في إثباته لها؛ فمرة يتجه في تأصيلها إلى تنبيه وازع الإيمان، الذي يقضى بالتسليم لكل ما أخبر به المولى تعالى من أمور الغيب، ومرة يتجه إلى الغريزة الفطربة بما هو مغروس فيها من مبادئ أولية مسلمة، لا يمكن بحال أن يقف المتجرد أمامها موقف الإنكار، فتحمله بما غرس فيه على التسليم لها، والإذعان التام بوجوب تحققها (١). ومع وضوح هذا المراد في كتاب الله تعالى، إلا أن الكثير من المتكلمين وقف أمامه موقف المنكر، وأحال أن يكون مستند إثبات البعث والجزاء الاستدلال العقلى النابع من التسليم للمسلمات الفطرية، وأرجعه على جهة الجزم إلى مقتضى التسليم بالغيب الموحى به من الله تعالى، والذي يسنده في كل ما أخبر به من حقائق محجوبة عدم خروجه عن الممكنات، التي تعلقت بها قدرة الباري تعالى. يقول الإيجى في ذلك: "وهى جائزة عندنا، خلافًا للفلاسفة، والتناسخية، لأنه لا يمتنع وجوده الثاني لذاته ولا للوازمه، وإلا لم يوجد ابتداءً" (٢). ويذكر هذا القسم من أصول العقائد الجويني فيما لا يدرك إلا بالسمع، يقول: "وأما ما لا يدرك إلا سمعًا؛ فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بالسمع" (٣).

стр. 475

وحقيقة هذا التصور لأصول ما يجب اعتقاده هو ما ذكرته آنفًا؛ من أنهم جعلوا السمع مجرد خبر يجب تصديقه، لا يحتوى على براهين عقلية تحمل بدورها الذهن على التفكير والتدبر، ضمن دائرة الخبر الموحى به من عند الله تعالى. وإذا اتضح موقف المتكلمين من قضية الإيمان باليوم الآخر, بقى معرفة مدى صحة مسلكهم في الاستدلال عليه, وذلك من خلال عرض أقوال الصاوي في هذه القضية. * * * رأي الشيخ الصاوي: أولًا: يقرر الصاوي وجوب الإيمان باليوم الآخر، بقوله: "مما يجب اعتقاده أن الله يبعث العباد، ويحييهم بجميع أجزائهم، ويسوقهم إلى المحشر لفصل القضاء، ومن نفخت فيه الروح بعث ولو نزل ميتًا". وفى بيان حقيقة الإيمان باليوم الآخر، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [آل عمران: ١١٤]: "أي يصدقون بأن الله متصف بكل كمال مستحيل عليه كل نقص وقوله واليوم الآخر أي وما فيه من النعيم والعقاب فيصدقون بأنه حق" (١) ثانيًا: أما عن أسماء اليوم الآخر، فيذكر منها، قائلًا: "ومما يجب اعتقاده وإنكاره كفر؛ اليوم الآخر، ويسمى يوم الدين، ويوم الجزاء، ويوم القيامة". ثم يعلل تسميته باليوم الآخر قائلًا: "وسمى بذلك لأنه آخر الأيام فلا ليل بعد، بل إما نور محض على من آمن، أو ظلام محض على من طغى وكفر، وأوله من قيام الناس من القبور، ولا نهاية لآخره، وقيل: استقرار أهل الدارين فيها". ثالثًا: وفي حديثه عن حجية الإيمان باليوم الآخر، فإنه يتابع المتكلمين قبله في إرجاع ذلك إلى النقل، يقول: "ويجب الإيمان به لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٠] ". (٢)

стр. 476

رابعًا: وإذا كان الصاوي في مجال تقرير أصول العقائد، كما هو شأنه في جوهرة التوحيد والخريدة البهية يعتمد في الغالب كلام أهل الفن، فإنه لا يلتزم ذلك على جهة التأصيل في تفسيره للقرآن الكريم، إذ نجده يقرر أدلة أخرى على وجوب الإيمان باليوم الآخر، سالكًا لها مسلك الاستدلال الشرعي العقلى، الذي أرشد إليه المولى تعالى في رد شبه المنكرين للبعث. وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥]. يقول: "مناسبة هذه الآية لما قبلها؛ أنه لما ذكر من يجادل في قدرة الله بغير علم، وكان جدالهم في البعث، ذكر دليلين على ذلك: الأول في نفس الإنسان وابتداء خلقه. الثاني: في الأرض وما يخرج منها، فإذا تأمل الإنسان فيهما ثبت عنده البعث وأنه واقع لا محالة". (١) كما انتهج نفس المسلك السابق في تفسير قوله تعالى: " ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢]. يقول: "هذا بحسب العادة الجارية بأن القادر على الابتداء قادر على الإعادة بالأولى؛ وإلا فالكل في قبضة قدرته سواء، لا مزية للإعادة على الابتداء؛ لأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون" (٢) وأيضًا في تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١].

стр. 477

يقول: "المقصود من هذا الكلام الرد على منكرى البعث؛ حيث ادعو أنه مستحيل. وحاصل الرد أن يقال لهم: إن استحالته التي تدعونها؛ إما لعدم مادة وهو مردود بأن غاية الأمر تصير الأجزاء ترابًا، وهو قادر على أن ينزل عليه ماء فيصير طينًا؛ وقد خلق أباهم آدم من طين. أو لعدم القدرة؛ وهو مردود بأن القادر على هذه الأشياء العظام من السموات والأرض وغيرهما؛ قادر على إعادتهم ثانيًا، وقدرته ذاتية لا تتغير، فهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧] " (١) خامسًا: ولا يغفل الصاوي - كما هو معهود منه؛ وهو الفقيه المجتهد - جانب بيان الحكمة من إرادة الله تعالى لذلك اليوم (٢)، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦]. يقول: "هذا دليل على صحة الحشر ووقوعه، وذلك أن الله تعالى خلق النوع الإنساني، وخلق له ما في الأرض جميعًا، وكلفه الإيمان والطاعة؛ فآمن البعض وكفر البعض، وختم الله في سابق أزله أن النعيم للمؤمن، والعقاب للكافر، وذلك لا يكون في الدنيا لعدم الاعتداد بها؛ فحينئذ لا بد منه لتجزى كل نفس بما كسبت". (٣) "وهذا كله لإظهار العدل؛ فحيث لم يترك غير العقلاء، فكيف بالعقلاء؟ فلا بد من الحشر والحساب والجزاء، إما بالعدل وإما بالفضل" (٤) * * *

стр. 478

تعليق: إن ما انتهجه الأشاعرة في الاستدلال للمعاد؛ ليعد من المناهج غير البرهانية، وبالتالى فكل ما يتوصل إليه من نتائج، فإنه لا يحمل طابع الحجية المقنعة. وذلك لأن الاستدلال بالإمكان الذهنى، حقيقته أن الذهن لا يمنع حصول ما يراه ممكنًا؛ فتصبح الحقيقة المبنية عليه مجرد توقعات ذاتية لا مستند لها من أرض الواقع، وهذا ما نقضه عليهم شيخ الإسلام ﵀، يقول: إن "الإمكان الذهنى حقيقته عدم العلم بالامتناع، وعدم العلم بالامتناع لا يستلزم العلم بالإمكان الخارجى, بل يبقى الشيء في الذهن غير معلوم الامتناع، ولا معلوم الإمكان الخارجى" (١) وحاصل ما ذكر أن الأمر يصبح مجرد دعوى، تفتقر إلى دليل يعضد ما يقوم بالذهن من احتمالات، لا يجد ما يدفع إمكان وجودها، ومن هذه الحيثية فإن هذا المسلك يفقد طابع البرهانية؛ ويبقى في جملة الدعاوى التقريرية، التي يضعف الاستدلال بها, ولو توقفوا عن القول به وتابعوا الصاوي في حصر حجيته بطريق النقل والإجماع لكان أفضل. ومع ذلك فإن في غياب هذا الأصل - وهو إثبات حجية البعث بالمسلك العقلى - مخالفة لصريح ما أنزل الله تعالى في كتابه، فقد أتى به التصريح في كثير من الآيات الكريمة على إمكان الاستدلال للمعاد استدلالًا ذهنيًا برهانيًا؛ يستند في حجيته إلى القياس، بحيث يخرج الاستدلال له عن دائرة الإمكان الذهنى إلى دائرة الإمكان الخارجى، والذي يجعل من الوقائع المشاهدة على أرض الواقع مسلكًا يصل منها إلى إمكان حصوله مرة أخرى. وكل ما ذكره الصاوي من طرق في الاستنباط العقلى؛ لا تخرج في حقيقتها عن مسلك القياس المذكور أعلاه, وعند تحقيق الأمر في هذه المهمة نجد أن طرق القياس

стр. 479

التي دار حولها حديث القرآن الكريم لإثبات قضية المعاد، لا تخرج عن أحد مسلكين اثنين: هما قياس الشاهد على الغائب، وقياس الأولى. - أما قياس الأولى؛ فقد ورد الاستدلال به كثيرًا في كتاب الله تعالى، وهو كما قال الصاوي: خطاب للفطرة بما استقر فيها أن من قدر على إيجاد الشيء ابتداءً؛ قدر على إعادته من باب أولى، فحقيقة المعاد إعادة للخلق الأول الذي كانت نسبة إيجاده للبارى تعالى من الحقائق الفطرية التي يعدم الشك إليها سبيلًا، مع سلامة الفطرة وبعدها عن شبهات الهوى، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ. . .﴾. يقول الإمام ابن القيم ﵀ في الاستدلال بهذه الآية على ما سبق بيانه: "فلستم ترتابون في أنكم مخلوقون، ولستم ترتابون في مبدأ خلقكم من حال إلى حال إلى حين الموت والبعث، الذي وعدتم به نظير النشأة الأولى، فهما نظيران في الإمكان والوقوع؛ فإعادتكم بعد الموت خلقًا جديدًا، كالنشأة الأولى التي لا ترتابون فيها، فكيف تنكرون إحدى النشأتين مع مشاهدتكم لنظيرها" (١). وكذلك قوله تعالى ردًا على منكرى البعث: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٤٩ - ٥١]. وكان استفسارهم عن موعد البعث بعد إقامة الحجة عليهم في إمكان وجوده؛ دليلًا على إقرارهم بإمكانه، وإن لم يصرحوا بذلك؛ نتيجة لما أعمل في قلوبهم من أدواء الكبر والبغى بغير الحق، وإنما أعرضوا عن الإذعان لهذه الحقيقة، كما أعرضوا عن الإيمان بصدق المصطفى ﵊ مع كونهم قد أطبقوا على أحقية ذلك في قرارة أنفسهم.

стр. 480

ومن هنا تتجلى واحدة من أهم أسباب الجمع بين ذكر الإيمان بالله تعالى والإيمان باليوم الآخر في كثير من آيات الكتاب العزيز؛ فإن حقيقة التكذيب باليوم الآخر تكذيب بربوبية الله تعالى، وقدح في كمال قدرته، وتمام عدله في تصرفه، وقد جاء هذا المعنى في الحديث القدسى: (كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمنى ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إياى فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق بأهون على من إعادته. وأما شتمه إياى فقوله: اتخذ الله ولدًا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوًا أحد). (١) وكانت هذه الحقيقة وهى فطرية الإيمان بربوبية الله تعالى، وتسليمهم لها في قرارة أنفسهم؛ مستند الاحتجاج عليهم في إنكارهم مبدأ البعث، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦، ٨٧]. يقول الإمام ابن القيم ﵀ موضحًا المراد من هذا التحدى وانهزامهم السافر في المقابل، كل ذلك من أجل إقامة الحجة عليهم بوجود البعث والجزاء: "أي هلا تردون الروح إلى مكانها إن كنتم غير مدبورين ولا مقهورين ولا مجزيين، وهذه الآية تحتاج إلى تفسير؛ فإنها سيقت للاحتجاج عليهم في إنكارهم البعث والحساب، ووجه الاستدلال أنهم إذا أنكروا البعث والجزاء؛ فقد كفروا بربهم وأنكروا قدرته وربوبيته وحكمته، فإما أن يقروا بأن لهم ربًا قاهرًا متصرفًا فيهم، يميتهم إذا شاء، ويحييهم إذا شاء، ويأمرهم وينهاهم، ويثيب محسنهم، ويعاقب مسيئهم، وإما ألَّا يقروا برب هذا شأنه، فإن أقروا آمنوا بالبعث والنشور، والدين الأمرى والجزائى، وإن أنكروه وكفروا فقد زعموا أنهم غير مربوبين، ولا محكوم عليه، ولا لهم رب يتصرف فيهم كما أراد، . . . . .، وهذه غاية التعجيز لهم؛ إذا تبين عجزهم عن رد نفس واحدة إلى مكانها ولو اجتمع على ذلك الثقلان، فيالها من آية دالة على وحدانيته وربوبيته سبحانه، وتصرفه في عباده، ونفوذ أحكامه

стр. 481

فيهم، وجريانها عليهم، والدين دينان؛ دين شرعى أمرى، ودين حسابى جزائى، وكلاهما لله وحده" (١) وكان من جملة مسالك قياس الأولى: الاستدلال بخلق السموات والأرض على إمكان البعث، ومستند هذه الدلالة كما تقدم هو الاستدلال على العظيم الممكن بوجود ما هو أعظم منه؛ مع تحقق وجوده على أرض الواقع، وهذا الاستدلال كما ذكر الصاوي استدلال بعين قدرة الباري تعالى، والتى ينسب إليها الإبداع؛ فإذا دخل ما هو أعظم مما يجحده الكافرون في إمكانها مع إقرارهم بذلك؛ فمن باب أولى أن تدخل إعادتهم يوم البعث في مقدورها، مع وجود المقتضى لذلك من إحقاق الجزاء العادل الذي توجبه حكمة المولى تعالى، وانتفاء الموانع لتمام قدرة الرب ﵎ كما تقدم. ومما ورد في ذلك، قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٩٩]. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٨١] وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]. يقول شيخ الإسلام مبينًا أهمية هذا المسلك لتحقق البعث: "فإنه من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق أمثال بنى آدم والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك" (٢). - أما قياس الغائب على الشاهد في الاستدلال على البعث فهو على ضربين:

стр. 482

إما بقياس ما غاب عنا من البعث العام على المشاهد من البعث الخاص، فهو استدلال بحصول المثيل المشاهد على حصول مثيله الغائب. وإما استدلال بما غاب عنا من البعث على المشاهد في حصول نظيره. وكلا هذين الضربين ورد الاستدلال بهما في كتاب الله العزيز في عدد من المواضع. وترجح حجية هذا الضرب من القياس في الاستدلال للبعث؛ لوجود القاسم المشترك، وهو ما يسمى بجامع الحقيقة عند المتكلمين (١) والذي أرشد إليه ابن رشد وأوقف عليه حجية الاستدلال بهذا الضرب من القياس: "التيقن باستواء طبيعة الشاهد والغائب" (٢) فإن حقيقة ما غاب عنا من بعث الأجساد يتفق في طبيعته مع ما يشاهد من بدء الخلق، أو ما يماثله مما وقع للأمم قبلنا، أو نظيره من إحياء موات الأرض بعد فنائها. وترجع أهمية قياس ما غاب عنا من البعث بالمشاهد منه؛ إلى كونه مما يحيل العقل امتناعه بعد وجوده على أرض الواقع؛ إذ يصبح لمن شاهده أمرًا محسوسًا، القدح فيه قدح بالمسلمات الضرورية التي لا يمكن بحال الشك فيها أو ردها. أما من غابت هذه الوقائع عنه، فيكون مستند هذه الدلالة حينئذ هو الوحى الصادق؛ حيث أخبر عنه بعثة جميع الأموات: آحاد ومتفرقين، كما يرجع إلى الخبر المقطوع به من جهة تواتر مقتضاه، فقد كانت هذه القصص مما تواتر سماعها في جهات الأرض، وكان لأهل الكتاب في هذا المضمار حكايات معروفة، يقصونها على العرب قبل البعثة؛ حتى حمل بعضهم التعنت وطلب التعجيز على سؤال النبي ﵊ عن قصة أصحاب الكهف، كما هو معلوم في كتب التفسير المشهورة. (٣)

стр. 483

ومن ذلك قصة الرجل الذي مر على قرية وهى خاوية على عروشها: أي خربة قد تهدمت، فلم يبق من معالمها سوى أسقف منازلها، التي عبر عنها بالعروش؛ فاستبعد حين رأى ذلك المنظر الموحى بالفناء والزوال أن تعود الحياة لها مرة أخرى، فأتته الإجابة على استبعاده بما لا يملك له ردًا، حيث توفاه الله مائة عام ثم بعثه، قال تعالى في حكاية ذلك: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. وكان أيضًا مما ورد في الاستدلال على البعث بوقوعه في هذه الدنيا ما ورد في حكاية خبر إبراهيم ﵇ عند سؤاله المولى مشاهدة بعث الأموات؛ فأراه الله ذلك بأن أمره أن يقطع أربعة من الطير قطعًا متفرقة، ثم يضع كل مجموعة منها على رأس جبل، ثم يعلن نداءه لهن فيجبن لذلك النداء بأمر الباري تعالى، وكان هذا المشهد الحسى لإبراهيم ﵇ نقلة ابتغاها من علم اليقين الذي لا شك فيه بوجه من الوجوه، إلى عين اليقين بحيث يصبح مستند الدلالة إيمانًا بالشهادة مع الإيمان بالغيب. - أما الاستدلال على البعث بوجود نظيره فتتجلى صورته في إحياء موات الأرض بإنزال الغيث من السماء بإذن الله، فإن مقتضى إعادة الحياة إلى ما اندثرت فيه معالمها كما هو الحال في إحياء الأرض بعد موتها أن ينسحب حكم الإمكان على كل ما يماثلها من هذه الحيثية، وهذا ما دل عليه قول المولى تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. والحديث في استقصاء ما ورد في ذلك من القرآن والسنة يطول، ومستند هذه

стр. 484

الدلالة كما تقدم الإشارة إليه أن "حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرًا على شيء؛ فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله". وورود هذا المسلك كثيرًا في الآيات الكريمة، مما يدل على "إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد" (١) والصاوى في هذا المبحث يظهر اعترافه جليًا بحكمة الباري تعالى وإرادته العدل بين العباد، كما هو واضح من خلال كلامه المنصوص عليه سابقًا وكان هذا منه بمثابة الاعتراف بصحة مذهب السلف - رضوان الله تعالى عليهم - في إثباتهم الحكمة، وأن نفيها عنه يقضى بنسبة الظلم له تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ولعل هذا من جملة ما وقع فيه من تناقض؛ نتيجة لموقفه المتميز في تحرير المذهب الأشعري بالجملة. وعلى كل فإن الارتباط بين واضح بين إرادة البعث؛ وبين إثبات حكمة المولى تعالى، التي تتجلى في إلحاق الجزاء العادل بكل المكلفين، فقد أشرت سابقًا إلى أن إرادة المولى تعالى للبعث إنما تأكدت لأن به يكون إحقاق الحق، الذي قامت به السموات والأرض، وهذا مقتضى اتصاف الباري تعالى بالكمال المطلق، ثم إن دلالة الكتاب والسنة في إثبات ذلك ظاهرة صرحت بها الآيات في عدد من المواضع، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن في تكذيب الكافرين لحقيقة البعث دلالة أخرى على هذا الارتباط؛ ذلك أن الكافرين ما أنكروا البعث حقيقة لشكهم في قدرة الباري تعالى على ذلك مع إقرارهم بأنه خالق السموات والأرض وخالق أنفسهم، وإنما كان منهم ذلك لعلمهم بالتلازم الذي بين البعث، وبين الجزاء

стр. 485

العادل، الذي تقتضيه حكمة الباري تعالى، أو بعبارة أخرى لعلمهم بأن ذلك البعث لم يكن إلا لمجازاتهم على ما قدموه في الحياة الدنيا، وإلى هذا المعنى دل قوله تعالى آمرًا نبيه ﵊ أن يتحدى اليهود على محبتهم الآخرة بتمنى الموت؛ فإنهم لما أيقنوا بالبعث ضرورة يعلمها أهل الكتب السماوية؛ علموا أنهم مجازون على أعمالهم الشريرة، والتى من أعظمها جرمًا عداء المصطفى ﵊، وتكذيبهم إياه، بل ومحاولة قتله - صلوات ربي وسلامه عليه -، فكرهوا من أجل ذلك الموت، وكانوا أحرص الناس على حياة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٦]. بل وأظهر من هذا دلالة ما ذكرته سابقًا، من إبطال الباري تعالى لزعم الذين كفروا، بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]. وكذلك قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. * * *

стр. 486

(المبحث الثاني): الإيمان بأشراط الساعة لقد كانت حكمة المولى تعالى في إخفاء وقت الساعة جلية واضحة؛ إذ الجهل بذلك مدعاة للعمل والأخذ بأسباب السلامة قبل أن يحل موعدها، وكان السؤال عن وقتها مما استكثر به الكافرون على رسول الله ﷺ ، ودومًا كان يأتى الرد من المولى تعالى بأنه ليس في مقدور أحد الإحاطة بعلمها، وأن ذلك مما يختص بعلمه سبحانه، ولكن مع ذلك فقد دلت الأحاديث والآيات الكريمة على أن لها وقتًا محددًا، ويمكن معرفة اقترابه بتحقق بعض الدلائل، والتى تسمى بالأشراط (١)، فبها يعرف أن زمن قيام الساعة قد اقترب. وهذه الأشراط تتفاوت فيما بينها؛ من حيث دلالتها على قرب قيام الساعة، فمنها ما يدل على دنو الموعد دون الوقوع، ويكون ذلك قبل مدة زمنية، وهى التي تسمى بأشراط الساعة الصغرى. ومنها ما يدل على أنه قد حان وقت قيامها، حتى لا يكون هناك فاصل زمنى يذكر، وهذه التي تسمى بأشراط الساعة الكبرى، ولما كانت هذه المسائل من عظيم مسائل الإيمان؛ اعتنى السلف بذكرها، وجمعوا لذلك الأدلة من الكتاب والسنة، كما قاموا بتمييز الصحيح الذي ورد فيها من الضعيف، ولا يخفى مدى النفع الذي تحقق بمعرفتها، لذا تم إخبار المولى تعالى بها نبيه ﵊، بل وأمر جبريل ﵇ أن يسأل عنها حتى يعم العلم بها كل من سمع ذلك الحديث المشهور. وحتى يتم النفع؛ سأتناول كل واحدة من هذه الأشراط بالتفصيل والتبيان بإذن المولى تعالى، وذلك من خلال عرض آراء الصاوي في هذا المبحث:

стр. 487

رأي الشيخ الصاوي: يقول الصاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ [محمد: ١٨]: "ورد عن حذيفة والبراء بن عازب (كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ ، فقال: ما تتذاكرون؟ قلنا: نتذاكر الساعة. قال: إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات الدخان، ودابة الأرض، وخسفًا بالمشرق، وخسفًا بالمغرب، وخسفًا بجزيرة العرب، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، ويأجوج ومأجوج، ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن) (١). وإن من علاماتها الصغرى بعثة النبي ﷺ " (٢). وعن ترتيب هذه الآيات من حيث الظهور، يقول: "وروى أن أول الآيات ظهورًا الدجال، ثم نزول عيسى، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم خروج الدابة، ثم طلوع الشمس من مغربها، وهو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوى، وذلك أن الكفار يسلمون في زمن عيسى، فإذا قبض ومن معه من المسلمين رجع أكثرهم إلى الكفر فعند ذلك تطلع الشمس من مغربها" (٣). * * * وفى تفسير آيات سورة الكهف يصف يأجوج ومأجوج، فيقول: "روى أن كلِّ من الجيلين اشتمل على أربعة آلاف، لا يموت الواحد منهم حتى ينظر ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح، وهم أصناف منهم طوله عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم طوله وعرضه سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفترش أحدهم إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى، لا يمرون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، ومن مات منهم أكلوه، والجميع كفار دعاهم النبي ﷺ ليلة الإسراء فلم يجيبوا" (٤).

стр. 488

أما عن نزول المسيح ﵇، فإنه يرى إمكان تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] بنزول عيسى وإيمان الناس به أو بفتنة آحاد أهل الكتاب به عند الموت، يقول: "روى أن اليهودى إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره وقالوا له: يا عدو الله أتاك عيسى نبيًا فكذبت به، فيقول: آمنت بأنه عبد الله ورسوله، ويقال للنصرانى: أتاك عيسى نبيًا فزعمت أنه الله وابن الله، فيقول: آمنت بأنه عبد الله، فأهل الكتاب يؤمنون به ولكن لا ينفعهم إيمانهم؛ لحصوله وقت معاينة العذاب. أما التفسير الثاني؛ فيقول وهناك "تفسير آخر وهو صحيح المعنى أن عيسى حين ينزل إلى الأرض ما من أحد يكون من اليهود أو النصارى أو ممن يعبد غير الله إلا آمن بعيسى حتى تصير الملة كلها إسلامية" (١) وكان تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] بأن المراد بها طلوع الشمس من مغربها هو الصحيح الذي عليه غالب أهل العلم. يقول: "ورد أن رسول الله قال يومًا: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس إذا غربت؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إنها تذهب إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعى فارجعى من حيث شئت، فتصبح طالعة من مطلعها، وهكذا كل يوم، فإذا أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها، فتقول: يا رب إن مسيرى بعيد، فيقول لها: اطلعى من حيث غربت، فقال الناس: هل لذلك من آية، فقال: آية تلك الليلة أن تطول قدر ثلاث ليالٍ، فيستيقظ الذين يخشون ربهم فيصلون ثم يقضون صلاتهم والليل مكانه لم ينقص، ثم يأتون مضاجعهم حتى إذا استيقظوا والليل مكانه؛ خافوا أن يكون ذلك بين يدى أمر عظيم، فإذا أصبحوا طال عليهم طلوع الشمس فبينما هم ينتظرونها إذ طلعت عليهم من قبل المغرب" (٢).

стр. 489

وفي حديثه عن وصف الدابة الوارد ذكرها في سورة النمل نجده يروى الكثير من الأخبار في بيان صفتها، يقول: هي الجساسة، ورد في الحديث: "أن طولها ستون ذراعًا بذراع آدم ﵇ لا يدركها طالب لا يفوتها هارب، وروى: أن لها أربع قوائم ولها زغب وريش وجناحان. وأن لها: "رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، وقرن إبل، وعنق نعامة، وصدر أسد، ولون نمر، وخاصرة هرة، وذنب كبش، وخف بعير، وما بين المفصلين اثنا عشر ذراعًا بذراع آدم ﵇. وعن أبي هريرة ﵁: فيها كل لون ما بين قرنيها فرسخ للراكب. وفى تحدد مكان خروجها وكيفيته يذكر عددًا من الروايات، يقول: "وعن على ﵁: أنها تخرج بعد ثلاثة أيام، ينظرون فلا يخرج كل يوم إلا ثلثها، وعن النبي ﷺ أنه سئل من أين تخرج الدابة؟ فقال: من أعظم المساجد حرمة على الله تعالى. وروى: أنها تخرج ثلاث خرجات: تخرج بأقصى اليمن ثم تكمن، ثم تخرج بالبادية ثم تكمن دهرًا طويلًا، فبينما الناس في أعظم المساجد حرمة على الله تعالى وأكرمها فما يهولهم إلا خروجها من بين الركن، حذاء دار بنى مخزوم عن يمين الخارج من المسجد". وقيل: تخرج من الصفا لما روى: بينما عيسى ﵇ يطوف بالبيت ومعه المسلمون؛ إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى تتحرك تحرك القنديل، وتنشق الصفا مما يلى المسعى؛ فتخرج الدابة من الصفا ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان - عليهما الصلاة والسلام -، فتضرب المؤمن في مسجده بالعصا فتنكت نكتة بيضاء فتفشو حتى يضئ بها وجهه، وتكتب بين عينيه مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم في أنفه، فتفشو النكتة حتى يسود بها وجهه، وتكتب بين عينيه كافر، ثم تقول لهم: أنت يا فلان من أهل الجنة، وأنت يا فلان من أهل النار".

стр. 490

ويزيد في تحديد هويتها، حيث يقول: "واختلف في تعيين هذه الدابة، فقيل: هي فصيل ناقة صالح وهو أصح الأقوال، فإنه لما عقرت أمه هرب فانفتح له حجر فدخل في جوفه ثم انطبق محليه الحجر فهو فيه حتى يخرج بإذن الله " (١). وكان اجتماع الناس على الكفر كأحد علامات الساعة الكبرى مما تطرق له الصاوي بالبيان، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]: "لا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية، وتذهيب السقوف وغيرها من مبادئ الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة؛ حتى لا تقوم الساعة على من يقول الله، أو في زمن الدجال لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث أنه لا عداد له في جانب الكفرة" (٢) * * * تعليق: من الملاحظ أن الصاوي لم يقف من هذا المبحث موقف المستقصى والمفصل؛ بل يعد كلامه في هذه الجزئية من مسائل اليوم الآخر مما يظهر فيه الاختصار الشديد، ولى أن أفصل القول فيما أجمل؛ حتى لا تبقى هناك ثغرة في هذا الفصل بحول الله تعالى، وذلك كما قدمت الحديث عن علامات الساعة أن منها الصغرى ومنها الكبرى، فالصغرى هي التي أشار إليها النبي ﵊ في حديث جبريل ﵇ المشهور, حيث قال: (أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة يتطاولون في البنيان) (٣) يقول الإمام ابن رجب في الحقيقة التي أخبر عنها الحديث من أشراط الساعة: "ومضمون ما ذكر من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمور توسد

стр. 491

إلى غير أهلها، كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (١) والأحاديث في بيانها كثيرة، منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل, ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به. وحتى يتطاول الناس في البنيان. وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتنى مكانه, وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس - يعني - آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] " (٢) فكل ما ورد في الحديث يعد من أشراط الساعة الصغرى، إلا طلوع الشمس من مغربها، فقد عدها العلماء من الأشراط الكبرى التي تؤذن بقيام الساعة، وكان ما ذكره الصاوي من بعثة النبي ﷺ صحيحًا؛ إذ يستند إلى إخبار الرسول ﷺ بذلك، فقد ورد في الحديث الصحيح عن سهل ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين). ويشير بإصبعيه فيمدهما" (٣) وكانت حادثة انشقاق القمر في عهده ﷺ من العلامات على اقتراب الساعة منذ بعثته ﵊ فقد قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. * * *

стр. 492

أما أشراط الساعة الكبرى فهي كالتالي: ١ - المهدي: مما ثبت في الصحاح أن خليفة من آل بيت رسول الله ﷺ يلى أمر هذه الأمة، فيملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلمًا وجورًا وعدوانًا، ثم يخرج من أهل بيتى من يملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا) (١) والأحاديث في بيان صفته كثيرة منها الصحيح ومنها الضعيف، وفى الصحيح منها ما يكفى ثبوت هذا الأمر العظيم. ٢ - المسيح الدجال: وقد ورد ذكره في حديث حذيفة الذي استدل به الصاوي آنفًا، هذا والكلام في استقصاء ما ورد حوله مما يصعب لضيق المقام، فقد ثبت في الصحاح عنه ﷺ أنه كان كثيرًا ما يحذر أصحابه منه، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: قولوا: (اللهم! إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (٢). وقد يحمله نصحه لأمته وشفقته العظيمة عليهم أن يصفه لهم خشية أن يفتنوا به، قال ﵊: (إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكنى سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبى لقومه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور) (٣).

стр. 493

وقد وردت الأحاديث الصحاح بقيام خوارق العادات على يديه مما يلبس به كثيرًا على أصحاب القلوب الضعيفة، ومن أعظم ذلك أنه يأتى ومعه جنة ونار، فعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في الدجال: (إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار) (١) ٣ - نزول عيسى ﵇: إن من أعظم أمارات الساعة نزول عيسى ﵇، حيث يقوم بنصرة الحق؛ فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم في الأرض بالعدل، ويؤمن أهل الكتاب؛ فيدخلون في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]. وقد ورد في ذلك الكثير من الأحاديث، منها قول النبي ﷺ : (والذي نفسى بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٢). ٤ - خروج يأجوج ومأجوج: وكذلك من علامات الساعة الكبرى خروج يأجوج ومأجوج، وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧]. وفي قصة إهلاكهم وهلاكهم يروى أبو عمرو الدانى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (يخرج يأجوج ومأجوج يمرحون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ثم يبعث الله عليهم دابة مثل النغف، فتلج أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها، قال: فتنتن الأرض منهم؛ فتجأر إلى الله تعالى، فيرسل الله ماء، فيطهر الأرض منهم) (٣).

стр. 494

أما عن الرواية التي أوردها الصاوي في بيان صفاتهم، فلم يصح منها شيء، فقد أخرجها ابن الجوزى في الموضوعات بسنده عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة، . . . .، ثم قال: "هذا حديث موضوع، كما قال ابن عدى، ومحمد بن إسحاق العكاشى (١)، قال عنه يحيى بن معين: كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث" (٢). والصحيح في هذا الباب: "أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصح في ذلك شيء" (٣) وكان ما حكاه الصاوي من دعوته ﵊ لهم في ليلة الإسراء والمعراج وردهم ذلك بالكفر مما يرد سنده، فقد ضعفه السيوطي في الدر المنثور، حيث قال عن سند روايته: "واه" (٤). ٤ - الخسوفات الثلاث: اختلف العلماء في أمر هذه الخسوفات، التي أخبر عنها حديث المصطفى ﷺ ؛ فقال البعض إنها وقعت، وقال البعض إنها لم تقع بعد، وأن أمرها من العظم بمكان؛ حتى يكون وقوعها دلالة على قرب قيام الساعة، يقول الإمام ابن الحجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا" (٥). ٥ - طلوع الشمس من مغربها: أحد العلامات العظام الدالة على اقتراب قيام الساعة، وقد ورد ذكرها في عدد من الأحاديث الصحيحة. وهذه هي الساعة التي يقفل فيها باب التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].

стр. 495

ويستند تفسير بعض الآيات الواردة في الآية بطلوع الشمس من مغربها إلى ما أخبر به المصطفى ﷺ ، حيث قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ (١) : يقول الإمام البغوي ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: " أو يأتي بعض آيات ربك ": يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا (٢) (٣) ٦ - خروج الدابة: ومما يدل على قرب قيام الساعة؛ خروج الدابة في آخر الزمان تثبيتا للمؤمن وتبكيتا للكافر، حيث تكثر الشرور والآثام، وقد ثبت هذا الخبر بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ومما ورد في صفتها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أورده الصاوي حيث قال: أن رسول الله ﷺ قال: (تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هاها يا مؤمن، ويقال هاها يا كافر، ويقول: هذا يا كافر وهذا يا مؤمن) (٤).
следующие страницы →