إلى غير أهلها، كما قال النبي ﷺ لمن سأله عن الساعة: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (١)
والأحاديث في بيانها كثيرة، منها: حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان، يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون، قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله، وحتى يقبض العلم وتكثر الزلازل, ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل، وحتى يكثر فيكم المال، فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه، فيقول الذي يعرضه عليه: لا أرب لي به. وحتى يتطاول الناس في البنيان. وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتنى مكانه, وحتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس - يعني - آمنوا أجمعون، فذلك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] " (٢)
فكل ما ورد في الحديث يعد من أشراط الساعة الصغرى، إلا طلوع الشمس من مغربها، فقد عدها العلماء من الأشراط الكبرى التي تؤذن بقيام الساعة، وكان ما ذكره الصاوي من بعثة النبي ﷺ صحيحًا؛ إذ يستند إلى إخبار الرسول ﷺ بذلك، فقد ورد في الحديث الصحيح عن سهل ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين). ويشير بإصبعيه فيمدهما" (٣)
وكانت حادثة انشقاق القمر في عهده ﷺ من العلامات على اقتراب الساعة منذ بعثته ﵊ فقد قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
* * *
стр. 492
أما أشراط الساعة الكبرى فهي كالتالي:
١ - المهدي: مما ثبت في الصحاح أن خليفة من آل بيت رسول الله ﷺ يلى أمر هذه الأمة، فيملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، قال ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تملأ الأرض ظلمًا وجورًا وعدوانًا، ثم يخرج من أهل بيتى من يملأها قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا) (١)
والأحاديث في بيان صفته كثيرة منها الصحيح ومنها الضعيف، وفى الصحيح منها ما يكفى ثبوت هذا الأمر العظيم.
٢ - المسيح الدجال: وقد ورد ذكره في حديث حذيفة الذي استدل به الصاوي آنفًا، هذا والكلام في استقصاء ما ورد حوله مما يصعب لضيق المقام، فقد ثبت في الصحاح عنه ﷺ أنه كان كثيرًا ما يحذر أصحابه منه، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول: قولوا: (اللهم! إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) (٢).
وقد يحمله نصحه لأمته وشفقته العظيمة عليهم أن يصفه لهم خشية أن يفتنوا به، قال ﵊: (إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكنى سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبى لقومه، إنه أعور، وإن الله ليس بأعور) (٣).
стр. 493
وقد وردت الأحاديث الصحاح بقيام خوارق العادات على يديه مما يلبس به كثيرًا على أصحاب القلوب الضعيفة، ومن أعظم ذلك أنه يأتى ومعه جنة ونار، فعن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال في الدجال: (إن معه ماءً ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار) (١)
٣ - نزول عيسى ﵇: إن من أعظم أمارات الساعة نزول عيسى ﵇، حيث يقوم بنصرة الحق؛ فيقتل الدجال، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويحكم في الأرض بالعدل، ويؤمن أهل الكتاب؛ فيدخلون في دين الله أفواجًا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩].
وقد ورد في ذلك الكثير من الأحاديث، منها قول النبي ﷺ : (والذي نفسى بيده، ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) (٢).
٤ - خروج يأجوج ومأجوج: وكذلك من علامات الساعة الكبرى خروج يأجوج ومأجوج، وقد ورد خبرهم في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦، ٩٧].
وفي قصة إهلاكهم وهلاكهم يروى أبو عمرو الدانى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: (يخرج يأجوج ومأجوج يمرحون في الأرض فيفسدون فيها، ثم قرأ عبد الله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ثم يبعث الله عليهم دابة مثل النغف، فتلج أسماعهم ومناخرهم فيموتون منها، قال: فتنتن الأرض منهم؛ فتجأر إلى الله تعالى، فيرسل الله ماء، فيطهر الأرض منهم) (٣).
стр. 494
أما عن الرواية التي أوردها الصاوي في بيان صفاتهم، فلم يصح منها شيء، فقد أخرجها ابن الجوزى في الموضوعات بسنده عن محمد بن إسحاق عن الأعمش عن شقيق عن حذيفة، . . . .، ثم قال: "هذا حديث موضوع، كما قال ابن عدى، ومحمد بن إسحاق العكاشى (١)، قال عنه يحيى بن معين: كذاب، وقال الدارقطني: يضع الحديث" (٢).
والصحيح في هذا الباب: "أنه قد اختلف في عددهم وصفاتهم، ولم يصح في ذلك شيء" (٣)
وكان ما حكاه الصاوي من دعوته ﵊ لهم في ليلة الإسراء والمعراج وردهم ذلك بالكفر مما يرد سنده، فقد ضعفه السيوطي في الدر المنثور، حيث قال عن سند روايته: "واه" (٤).
٤ - الخسوفات الثلاث: اختلف العلماء في أمر هذه الخسوفات، التي أخبر عنها حديث المصطفى ﷺ ؛ فقال البعض إنها وقعت، وقال البعض إنها لم تقع بعد، وأن أمرها من العظم بمكان؛ حتى يكون وقوعها دلالة على قرب قيام الساعة، يقول الإمام ابن الحجر: "وقد وجد الخسف في مواضع، ولكن يحتمل أن يكون المراد بالخسوف الثلاثة قدرًا زائدًا على ما وجد، كأن يكون أعظم منه مكانًا أو قدرًا" (٥).
٥ - طلوع الشمس من مغربها: أحد العلامات العظام الدالة على اقتراب قيام الساعة، وقد ورد ذكرها في عدد من الأحاديث الصحيحة.
وهذه هي الساعة التي يقفل فيها باب التوبة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨].
стр. 495
ويستند تفسير بعض الآيات الواردة في الآية بطلوع الشمس من مغربها إلى ما أخبر به المصطفى ﷺ ، حيث قال: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين: ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾ (١)
: يقول الإمام البغوي ﵀ عند تفسيره لهذه الآية: " أو يأتي بعض آيات ربك ": يعني طلوع الشمس من مغربها، عليه أكثر المفسرين ورواه أبو سعيد الخدري مرفوعا (٢)(٣)
٦ - خروج الدابة: ومما يدل على قرب قيام الساعة؛ خروج الدابة في آخر الزمان تثبيتا للمؤمن وتبكيتا للكافر، حيث تكثر الشرور والآثام، وقد ثبت هذا الخبر بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]
ومما ورد في صفتها حديث أبي هريرة ﵁ الذي أورده الصاوي حيث قال: أن رسول الله ﷺ قال: (تخرج الدابة معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن، وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى إن أهل الخوان ليجتمعون فيقول: هاها يا مؤمن، ويقال هاها يا كافر، ويقول: هذا يا كافر وهذا يا مؤمن) (٤).
стр. 496
أما قوله في تحديد ماهيتها بأنها الجساسة أولًا، وفصيل ناقة صالح ثانيًا، ثم اعتماده القول الثاني، فمحل نظر.
حيث أوقف الإمام النووي خبر تفسير الدابة بالجساسة على عبد الرحمن بن عمرو بن العاص (١)، وهذا الصحابي الجليل كان يحدث عن أهل الكتاب وذلك بعد أن أصاب زاملتين يوم اليرموك، فلا يبعد أن تكونا مصدر ذلك القول، فلا يعول عليه عندئذ، أو يكون مما اجتهد فيه برأيه استنباطا من حديث الجساسة المعروف في صحيح مسلم وما كان كذلك مع عدم الموافق له من الصحابة الكرام وعدم ما يسنده من صحيح المنقول، فلا يعطى له حكم المرفوع؛ لأن ما قاله فيه مدخل للرأي.
أما القول الذي اعتمده الصاوي من أن الدابة هي فصيل الناقة، فليس له مستند من الأخبار الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، فقد ذكره القرطبي (٢) معتمدًا إياه من رواية لا يصح الاستدلال بها سندًا ولا متنًا، أما من جهة المتن فحاصلها أنه قد ذكر فيها وصف الدابة بالرغاء الذي هو صوت الإبل (٣)، واعتقد القرطبي أن هذا فيه دلالة على كونها فصيل الناقة، مع أن حقيقة النص ليس فيها ما يدعم هذا الفهم للمتأمل.
أما من جهة السند؛ فقد ذكر هذه الرواية الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: "هذا الحديث رواه الطبراني، وفيه طلحة بن عمرو: متروك" (٤)
ورواها الحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح الإسناد، وهو أبين حديث في ذكر الدابة ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي، فقال: طلحة يعني: ابن عمرو الحضرمي ضعفوه وتركه أحمد" (٥)
стр. 497
أما ما حكاه بشأن بيان صفتها، فمما لم يرد فيه حديث عن المعصوم ﷺ (١) ، لذا كان الحق في هذه القضية ما ذكره الشيخ السعدي ﵀ في أمر هذه الدابة العجيبة، يقول: "وهذه الدابة هي الدابة المشهورة التي تخرج في آخر الزمان وتكون من أشراط الساعة، كما تكاثرت بتلك الأحاديث، لم يذكر الله ورسوله كيفية هذه الدابة، وإنما أثرها والمقصود منها وأنها من آيات الله، تكلم الناس كلاما خارقا للعادة، حين يقع القول على الناس، وحين يمترون بآيات الله، فتكون حجة وبرهانا للمؤمنين، وحجة على المعاندين" (٢)
٧ - اندراس الإسلام، واجتماع الناس على الكفر: فقد دلت الأحاديث الثابتة أن الإسلام في آخر الزمان يدرس، فعن حذيفة ﵁ قال: " قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: (يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدري ما صيام، ولاصلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليُسري على كتاب الله في ليلة لا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون: أدركنا آبانا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها)، فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؛ وهم لا يدرون ما صلاة، ولا صيام، ولا نسك، ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة، فقال: يا صلة، تتجيهم من النار ثلاثًا". (٣)
وقد دلت بعض الأحاديث على أنه لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، وذلك بعد أن يرسل الله ريحا طيبة، تقبض أرواح المؤمنين، فعن أبي هريرة رضي اللهعنه، قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله يبعث ريحًا من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته) (٤)
стр. 498
وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ قال: (يذهب الصالحون، الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير، أو التمر، لا يباليهم الله بالة). قال عبد الله: يقال: حفالة وحثالة. (١) .
وعند ذلك يتحقق اجتماع الناس على الكفر؛ كما في الحديث الصحيح: (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفًا ولا ينكرون منكرًا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم، ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغي ليتا ورفع ليتا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس ... ). (٢)
٨ - خروج نار تحشر الناس إلى محشرهم: آخر الآيات الكبرى الدالة على قيام الساعة؛ هي ما أخبر عنها المصطفى ﷺ في الحديث الذي ذكره الصاوي في حاشيته على التفسير، فقد بين الحديث بمجموع رواياته أن النار تخرج من اليمن، وتحديدًا من منطقة عدن، تحيط بالناس موجهة إياهم إلى أرض الشام، حيث المحشر.
أما عن بيان كيفية الحشر؛ فيخبرنا به النبي ﷺ ، حيث قال: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا: وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا) (٣) .
وفي تحديد أرض المحشر ببلاد الشام وردت الأحاديث الصحيحة، منها حديث
стр. 499
عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ستخرج نار من حضرموت أو من نحو حضرموت قبل يوم القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام) (١).
وروى الإمام أحمد أن رسول الله ﷺ قال: (ها هنا تحشرون ها هنا تحشرون - ثلاثًا - ركبانًا ومشاةً وعلى وجوهكم، توفون يوم القيامة سبعين أمة أنتم آخر الأمم وأكرمها على الله ﵎. . قال: ابن أبي بكير فأشار بيده إلى الشام، فقال: إلى ها هنا تحشرون) (٢).
* * *
стр. 500
(المبحث الثالث): الموت، وحياة البرزخ
لقد تقدم الحديث عن أهمية الإيمان باليوم الآخر في حياة المسلم، وكيف أن التصديق به يقتضى الاستعداد له، فيتحقق بذلك الدافع الموجب لأداء ما افترض عليه، حيث الجزاء المعد لكل موفق ومقصر أو معرض بالكلية.
هذا والحديث عن اليوم الآخر، وما يتحقق فيه من مقتضى قيومية الله تعالى على خلقه واتصافه بالحكمة التامة، حيث الحساب العادل، والجزاء المستحق لكل بحسب ما قدم من عمل، يبتدئ على التحقيق بأول منزل من منازله وهى القبر أو البرزخ، كما أتت تسميته بذلك في القرآن الكريم، وإلى هذه الحقيقة الإيمانية الجزائية دلت الآيات والأحاديث الصحيحة المتظاهرة، فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠].
وقال عز من قائل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣] يقول الشيخ السعدى - عليه رحمة الله -: "وفي هذا دليل على عذاب البرزخ ونعيمه؛ فإن هذا الخطاب والعذاب الموجه إليهم إنما هو عند الاحتضار وقبيل الموت وبعده" (١)
وقال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥، ٤٦] يقول الإمام الشوكاني: "وذهب الجمهور أن هذا العرض هو في البرزخ، وقيل هو في الآخرة، ولا ملجئ إلى هذا التكلف فإن قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
стр. 501
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾؛ يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو في البرزخ". (١)
وأدلة السنة في هذا الباب كثيرة، منها حديث عائشة ﵂: أن رسول الله قال: (أنكم تفتنون في قبوركم كفتنة المسيح الدجال) (٢)
وحديث عائشة ﵂: (أن يهودية دخلت عليها، فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله ﷺ عن عذاب القبر فقال: (نعم، عذاب القبر حق)، قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر) (٣).
الروح والموت
أولًا: الروح:
يعرف الصاوي الأرواح بأنها: "أجسام لطيفة، تبقى بعد فناء جسدها، وتذهب وتجئ، فإما في عليين، وإما في سجين". (٤)
ما ذكره هو "قول جمهور المتكلمين" ويرى أنه "هو الأصح" فيما قيل في تعريفها، ولا يكتفى بهذا بل يعرض الآراء المتعددة فيها، فيقول: "وقيل: إن الروح عرض وهى الحياة التي صار الجسم بها حيًا، وقيل: إنها ليست بجسم ولا عرض، بل هي جوهر مجرد قائم بنفسه له تعلق بالبدن للتدبير والتحريك غير داخل فيه ولا خارج عنه، وهو قول الفلاسفة" (٥)
стр. 502
"وقال السادة الشافعية: إنها جسم لطيف شفاف، حى لذاته، مشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر على هيئة جسد صاحبها، واحتجوا لهذا بوصفها بالهبوط، والعروج، والتردد في البرزخ" (١).
وقال العز بن عبد السلام (٢): إن في كل جسد روحين:
أحدهما: روح الحياة؛ التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان حيًا، فإذا فارقته مات، فإذا رجعت إليه حيى، ولا يعلم مقرها إلا من أطلعه الله على ذلك.
والأخرى روح اليقظة؛ التي أجرى الله العادة بأنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان متيقظًا، فإذا خرجت منه نام الإنسان، ورأت الروح المنامات" (٣).
"ويشهد له آية الزمر، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، ويقرب هذا أحوال الأولياء لأن لهم حالة تسرح فيها أرواحهم وترى العجائب كالنائم".
والمشهور أنها روح واحدة، ويكون معنى يتوفاكم؛ يذهب شعوركم، لأنهم عرفوا النوم؛ بأنه فترة طبيعية تهجم على الشخص قهرًا عليه، تمنع حواسه الحركة، وعقله الإدراك" (٤).
وهو بهذا يرجح عدم تقسيم الروح، فيقول في موضع آخر "والروح شيء واحد
стр. 503
على التحقيق، وذلك القبض ظاهرًا بحيث ينعدم التمييز والإحساس، وباطنًا بحيث تنعدم الحياة والنفس والحركة" (١).
وفي بيان حقيقتها نراه يتوقف مستدلًا بما ورد في القرآن الكريم، يقول: "اعلم أنه اختلف في الروح، فقال قوم: إنها سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليها أحدًا، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وهذا القول هو الحق، فيكره الخوض في الروح" (٢)
وعند تفسير هذه الآية الكريمة، يقول: "أي مما استأثر الله بعلمه وهذا هو الصحيح، وقيل: الروح هي الدم، وقيل: النفس، ونقل عن بعض أصحاب مالك أنها صورة كجسد صاحبها، وفي الآية اقتصار على وصف الروح كما اقتصر موسى في جواب قول فرعون: وما رب العالمين؟ على ذكر صفاته، فإن إدراكه بالكنه على ما هو عليه لا يعلمه إلا الله" (٣)
وإذا كان الراجح لديه كما هو واضح من أقواله رد علمها حقيقة إلى الله تعالى في الأصل، فإنه يرى أن ذلك مما يدخل أيضًا في علم رسوله ﵊، يقول: "واختلف فيها على ثلاثمائة قول، والحق لا يعلمها غير الله ورسوله" (٤)
أما عن مكانها في الجسم فقد يوافق ما قيل: في أن "مقرها القلب، وشعاعها مقوم للجسد كالشمعة الكائنة وسط آنية من زجاج، فأصلها في وسطه، ونورها سار في جميع أجزائه" (٥)
وكان قبض الروح من المسائل التي اعتنى بها الصاوي، فيبين معنى القبض ومن المتكفل بهذا، فيقول: "ويقبض الروح أي يخرجها عزرائيل ﵇،
стр. 504
ومعناه: عبد الجبار (١)، ملك عظيم هائل المنظر، مفزع جدًا، رأسه في السماء العليا، ورجلاه في تخوم الأرض السفلى". (٢)
أما عن المقر الذي تستقر فيه الروح بعد مفارقتها الجسد فيذكر ما ورد في ذلك، يقول: "وورد أن ملك الموت يقبض الروح من الجسد، ويسلمها إلى ملائكة الرحمة إن كان مؤمنًا، أو إلى ملائكة العذاب إن كان كافرًا، ويقال: معه سبعة من ملائكة الرحمة وسبعة من ملائكة العذاب، فإذا قبض نفسًا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة، فيبشرونها بالثواب ويصعدون بها إلى السماء.
وإذا قبض نفسًا كافرة دفعها إلى ملائكة العذاب، فيبشرونها بالعذاب ويفزعونها، ثم يصعدون بها إلى السماء ثم ترد إلى سجين، وروح المؤمن إلى عليين" (٣).
يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٤٠]: "كما قال رسول الله ﷺ في قبض روح الكافر: (ويخرج معها ريح كأنتن جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي يسمى بها في الدنيا إليه، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون فلا يفتح لهم، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾) ". (٤)
стр. 505
ويقول في موضع آخر: "أما بعد الموت فأرواح الأنبياء في الجنة، وأرواح الشهداء في حواصل طيور خضر في الجنة، وأرواح المطيعين غير الشهداء بأفنية القبور في البرزخ، وحده من أفنية القبور إلى باب الجنة، وأرواح الكفار ببئر برهوت بحضرموت" (١)
وفى بيان علاقة الروح في الجسد بعد مفارقتها إياه، يقول: "وأما أجسادهم فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان والطيور الخضر لها كالهوادج مع كونها متصلة بجسم صاحبها وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فإن الواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير" (٢)
* * *
ثانيًا: الموت:
كان قبض الروح ومفارقتها الجسد هو حقيقة الموت الذي أخبر المولى تعالى عنه بالخلق، لذا فإن الصاوي يفصل القول في بيان معناه، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] يعرض الصاوي ما قيل في تعريفه على جهة التحقيق، يقول: اختلف في الموت والحياة، فحكى عن ابن عباس، والكلبى، ومقاتل أن الموت والحياة جسمان، فالموت على هيئة كبش أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهى التي كان جبريل ﵇ والأنبياء ﵈ يركبونها، خطوتها مد البصر
стр. 506
فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها إلا حيى، وهى التي أخذ السامرى من أثرها ترابًا فألقاه على العجل فحيى، فعلى هذا الحياة والموت أمران وجوديان وتقابلهما من تقابل الضدين، وقيل: الموت عدم الحياة، فتقابلهما من تقابل العدم والملكة" (١).
وكان هذا منه عند سبر ما قيل فيه من أقوال، أما عند تعريفه فيرى أن الموت: "عرض يضاد الحياة ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من دار إلى دار، فكل من مات فقد انتقل من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ" (٢).
ولما كان الحديث عن الموت من جملة ما ورد خبره في الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يقرر الصاوي أن "التصديق بالموت واجب" مستدلًا بقوله تعالى: " ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] " (٣)
ويبقى معرفة مكانه وما يقع عليه، فإذا تقرر وجوب حكمه فعلى أي الأجزاء يقع؟ أعلى الروح؟ أم الجسم؟ وللإجابة على هذا السؤال المتبادر إلى الأفهام: "يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ المعنى كل روح ذائقة الموت لجسمها، وإلا فالروح لا تموت، وعموم الآية يشمل حتى الشهداء والأنبياء والملائكة".
وتأكيدًا لما سبق بيانه فإنه يورد اعتراضًا مع الإجابة عليه، قد يفهم من نفى حكم الموت على من مات شهيدًا، كما صرحت بذلك الآيات الكريمة، يقول: "وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] فمعناه ترد بعد خروجها لهم وكذلك الأنبياء والملائكة، وأما ما عداهم فلا ترد لهم إلا عند النفخة الثانية". (٤)
стр. 507
ولكن في تعميمه هذا نظر؛ حيث يرى أن الخضر ﵇ حى ولا يزال حيًا إلى يوم القيامة، يقول في ذلك: "والجمهور على أنه حى إلى يوم القيامة - لشربه من ماء الحياة - يجتمع به خواص الأولياء ويأخذون عنه" (١)
وعودًا إلى ما سبق بيانه من تأكيد الحياة البرزخية وإحقاقها لكل نفس، يقول: وإذا ثبت عود الروح إلى الجسد بعد مفارقتها إياه فإن "الأموات لا تعود أجسامهم في الدنيا بأرواحهم كما كانوا أبدًا، وإنما يبعثون يوم القيامة لا فرق بين الأنبياء وغيرهم، وما ورد عن بعض الصالحين من أنهم يجتمعون بالنبي ﷺ يقظة، فالمراد أن روحه الشريفة تشكلت بصورة جسده الشريف، وكذا يقال في الأولياء والشهداء، لان أرواح المطيعين مطلقة غير محبوسة، وأما الكفار فأرواحهم محبوسة لا تسعى في الملكوت" (٢)
ويذكر حال الكافر عند نزع روحه، فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] إشارة إلى أنهم يعلمون كفرهم قبل موتهم ويشاهدون الأماكن التي أعدت لهم في نظيره، فمن حيث تلك المشاهدة تزهق أرواحهم وهم كافرون كارهون، بخلاف المؤمن فإنه يشاهد مقعده من الجنة، ولا تخرج روحه إلا وهو كاره للدنيا محب للآخرة". (٣)
* * *
تعليق:
أولًا: حقيقة الروح:
لقد كانت معرفة الروح معرفة حقيقية تجلو ما يحيط حول حقيقتها من استفسار، مما قد استأثر الله تعالى بعلمه، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول الإمام ابن كثير
стр. 508
- ﵀ في معنى الآية الكريمة: "أي من شأنه ومما استأثر بعلمه دونكم، ولهذا قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾؛ أي وما أطلعكم من علمه إلا على القليل، فإنه لا يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء ﵎، والمعنى أن علمكم في علم الله قليل، وهذا الذي تسألون عنه - أمر الروح - مما استأثر به تعالى ولم يطلعكم عليه، كما أنه لم يطلعكم إلا على القليل من علمه تعالى" (١).
وهذا الاستئثار الذي تكلم عنه الإمام ابن كثير يعني أن علمها مما انفرد الله تعالى به، فليس باستطاعة أحد من البشر الإحاطة به، وعليه فلا يصح بحال نسبة هذا العلم إلى الرسول ﷺ ، وليس في هذا ما يخل بمنزلته، بل هو وقوف عند حدود الشرع، وإعمال لنهى المصطفى ﵊ عن الغلو والإطراء المنهى عنه.
وحقيقة ذلك أن ما أخفاه المولى تعالى من العلوم التي انفرد بها تختلف علة ذلك الإخفاء، إذ من المعلوم أن كل ما يقدره المولى فهو لحكمة بالغة، وكانت الروح من جملة ما أخفاه المولى لحكمة يعلمها، قد تكون لانعدام المستقبل لإدراكها في المقدور البشرى، ويلفت الانتباه شيخ الإسلام ﵀ إلى هذه الحقيقة، وذلك في تعليقه على سبب نزولها (٢)، يقول ﵀: "فبين بذلك أن ملك الرب عظيم، وجنوده وصفة ذلك وقدرته أعظم من أن يحيط به الآدميون، وهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلًا، فلا يظن من يدعى العلم أنه يمكنه أن يعلم كل ما سئل عنه، ولا كل ما في الوجود، فما يعلم جنود ربك إلا هو". (٣)
ومع كل ما تقدم، فليس الخبر معناه أن كل ما يتعلق بالروح مما لا يمكن إدراكه، ولكن الخبر هنا متجه إلى ما أخفاه الشارع الحكيم، أما ما دلت عليه نصوص
стр. 509
الكتاب والسنة فحقيق أن يفهم ما أتت به في معرفة حقيقة الروح، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وليس في الكتاب والسنة أن المسلمين نهوا أن يتكلموا في الروح بما دل عليه الكتاب والسنة، لا في ذاتها ولا في صفاتها، وأما الكلام بغير علم فذلك محرم في كل شيء" (١).
وبناء على ما تقدم، فيصح تعريف الروح بما ورد فيها من الأخبار الصحيحة. يقول الإمام ابن القيم في كتابه الروح بعد عرض أبرز ما قيل في تعريفها: "إنها جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نورانى علوى خفيف حى متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسرى فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف بقى ذلك الجسم اللطيف مشابكًا لهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن قبول تلك الآثار فارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح، وهذا القول هو الصواب في المسألة، وهو الذي لا يصح غيره، وكل الأقوال سواه باطلة وعليه دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وأدلة العقل والفطرة" (٢).
وكان هذا من جملة ما ذكره الصاوي من الأقوال وعزاه لأئمة الشافعية.
أما ما أورده من بقية الأقوال في معنى الروح، فغاية ما هنالك أنه جمع لآراء متعددة بل ومتباينة، دون نقد أو توجيه كافٍ لها، فقد أورد كلام الفلاسفة في أن الروح جوهر قائم بنفسه، وحقيقة هذا القول أن الروح قديمة وليست بمربوبة، وهذا ما رده عليهم أهل الإسلام قاطبة.
يقول شيخ الإسلام ﵀ حين سئل عن الروح: "الحمد لله رب العالمين روح الآدمى مخلوقة مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غير واحد من أئمة المسلمين" (٣).
стр. 510
أما عن تسمية الروح بالنفس، فالحق في هذا ما بينه شيخ الإسلام بوجود نوع اشتراك بينهما؛ يؤيده إطلاق النفس على الروح في عدد من المواضع التي وردت في حديث المصطفى ﷺ ، "ودلائل هذا الأصل، وبيان مسمى الروح، والنفس، وما فيه من الاشتراك كثير" (١) في القرآن والسنة، وقد أوضح هذه المسألة الإمام ابن كثير؛ من أنها "ذات لطيفة كالهواء، سارية في الجسد كسريان الماء في عروق الشجر، وقرر أن الروح التي ينفخها الملك في الجنين هي النفس بشرط اتصالها بالبدن واكتسابها بسببه صفات مدح أو ذم، فهى إما نفس مطمئنة أو أمارة بالسوء، كما أن الماء هو حياة الشجر ثم يكسب بسبب اختلاطه معها اسمًا خاصًا، فإذا اتصل بالعنبة وعصر منها صار إما مصطارًا أو خمرًا، ولا يقال له ماء حينئذ إلا على سبيل المجاز، وكذا لا يقال للنفس روح إلا على هذا النحو، وكذا لا يقال للروح نفس إلا باعتبار ما تؤول إليه، فحاصل ما نقول: إن الروح هي أصل النفس ومادتها، والنفس مركبة منها ومن اتصالها بالبدن، فهى هي من وجه لا من كل وجه وهذا معنى حسن، والله أعلم" (٢).
أما عن علاقة الروح بالجسد بعد الموت، فالعلماء على أن لها اتصالًا به بعد مفارقتها إياه؛ فالنعيم والعذاب يقع على الروح مع الجسد بيان ذلك "أن الله سبحانه جعل الدور ثلاثًا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكامًا تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعًا لها، لهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح؛ وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعًا لها؛ فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا؛ فتألمت بألمها والتذت براحتها، وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب، تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب
стр. 511
والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها، والارواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها تجرى أحكام البرزخ على الأرواح، فتسرى إلى أبدانها نعيمًا أو عذابًا؛ كما تجرى أحكام الدنيا على الأبدان، فتسرى إلى أرواحها نعيمًا أو عذابًا"
فالصاوى هنا يوافق القول الراجح في المسألة، وقد ضرب لذلك الاتصال الغيبى مثالًا باتصال مشاهد حسى، "فقد أرانا الله سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجًا في الدنيا من حال النائم؛ فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجرى على روحه أصلًا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر الروح على البدن تأثيرًا مشاهدًا؛ فيرى النائم في نومه أنه ضرب؛ فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب؛ فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.
وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس؛ فإذا كانت الروح تتألم وتتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع، فهكذا في البرزخ بل أعظم فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهى متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع". (١)
ومع ذلك فقد وقع الصاوي في خطأ جسيم؛ حين مثل لتلك العلاقة أيضًا بحال الولى الذي يكون في مكان فتجوب روحه في الكون تصريفًا وتدبيرًا، فإن هذا محض وهم لا حقيقة له أفرزه غلو المتصوفة في مشايخهم، وهو أساس انحرافهم في مقتضيات الولاية، حيث بنوا على مثل هذه الأوهام صرف أنواع من العبادة التي لا تجوز إلا لله تعالى كالتوسل والدعاء والملاحظة، وقد أسلفت الحديث في مبحث التوحيد، وللأهمية هنا؛ فإنه يحسن التأكيد على ما سبق من أن اعتقاد التصريف لغير الله تعالى فيه قدح في الإيمان بربوبية الله تعالى، فالله وحده الذي يدبر أمر العباد ويصرف شؤونهم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه فهو الرب القيوم،
стр. 512
"القيوم بنفسه القيم لغيره؛ فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غنى عنها ولا قوام لها إلا به ولا قوام لها بدون أمره، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِه﴾ وهو القائم على كل شيء والقائم بجميع أمور عباده والقائم على كل نفس بما كسبت" (١).
ولو اعترض على هذا بأنه قد أرجع تصريفهم لأمر الله تعالى وإذنه، فحينها يطالب بالدليل على هذا الأذن، ومن أين له أن الله تعالى أوكل تصريف بعض شؤون العباد لبعضهم من الأولياء في حالة يعلم بالضرورة أنه من غير المقدور الكونى للبشر أن يكون لهم أثر في حقيقة الأمر، ولا شك أن هذه الأوهام مماثلة لأوهام المشركين من قبل في آلهتهم التي اعتقدوا أنها تنفع وتضر فتشفع بما لها من منزلة أعطاها الله إياها.
فيقال هنا أن كل أمر لم يثبت في نفعه أو ضره أو تصريفه كما ذكر الصاوي هنا سبب كونى أو شرعى يعد اعتقاد نفعه وضره واتخاذه سببًا شركًا بالله تعالى، يقول الشيخ العثيمين ﵀ في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: "الشاهد من هذه الآية: أن هذه الأصنام لا تنفع أصحابها لا بجلب نفع ولا بدفع ضر، فليست أسبابًا لذلك، فيقاس عليها كل ما ليس بسبب شرعى أو قدرى، فيعتبر اتخاذه سببًا إشراكًا بالله". (٢).
* * *
ثانيًا: مستقر الروح:
لقد فصل الصاوي القول في هذه القضية بما لا مزيد عليه، ولكن كان ينقصه الاستدلال الكافي بما ورد من الأحاديث الشريفة في هذا الباب، ومع وجود بعض الملاحظات على ما ذكر كان يظهر فيها تأثره بنزعته الصوفية، التي كانت تخرج به في بعض الأحيان عن حد الاعتدال.
стр. 513
أما عن مستقر أرواح المؤمنين، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال في الشهداء: (أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت ثم تأوى إلى تلك القناديل) (١).
كما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجع إلى جسده يوم يبعث) (٢).
وما أخبر به من أن أرواح الكفار ببئر برهوت بحضرموت؛ فهذا ما ورد به الخبر عن عبد الله بن عمرو، حيث قال: "أرواح المؤمنين تجمع بالجابيتين، وأرواح الكفار تجمع ببرهوت: سبخة بحضرموت" (٣).
والكلام في هذه الجزئية من مسائل الروح لا يخرج عن وصف مستقر روح المؤمن بالثواب والنعيم، ومستقر روح الكافر بالعذاب والجحيم، أما على جهة التفصيل فـ "الأرواح متفاوتة في مستقرها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى عليين في الملأ الأعلى، وهى أرواح الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم -، وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبي ﷺ ليلة الإسراء.
ومنها أرواح في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وهى أرواح بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، أو غيره، كما في الحديث الشريف أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: مالى إن قتلت في سبيل الله؟ قال: (الجنة فلما ولى، قال: إلا الدين! سارنى به جبريل آنفًا). (٤)
стр. 514
ومنهم من يكون محبوسًا على باب الجنة؛ كما في الحديث الآخر رأيت صاحبكم محبوسًا على باب الجنة.
ومنهم من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشملة التي غلها ثم استشهد، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي ﷺ : والذي نفسى بيده إن الشملة التي غلها لتشتعل عليه نارًا في قبره. (١)
والنفس التي لم تكتسب في الدنيا معرفة ربها ومحبته وذكره والأنس به والتقرب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك" (٢)
* * *
الموت:
لقد تناول الصاوي في تحريره للمسائل المتعلقة بالموت مسألتين هما:
الأولى: حقيقة الموت:
فالكلام عن حقيقة الموت مما كثر الحديث فيه. والصحيح فيه كما ذكر الصاوي أنه أمر وجودى لدلالة الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ : (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الأمر وهم في غفلة - وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا - وهم لا يؤمنون) (٣).
ولا يمنع من كونه عرضًا كما عرفه الصاوي متابعة لأسلافه من المتكلمين أن
стр. 515
يصير له وجودًا مجسدًا يوم القيامة (١)، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: "إن البقرة، وآل عمران يجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان". (٢)
وشيخ الإسلام ﵀ عند عرضه لحقيقة العلاقة بين الموت والحياة لم يرجح أحد القولين على الآخر؛ في كون الموت وجوديًا، أو عدميًا، واكتفى بإثبات أنه مقابل للحياة، حيث أرجع النزاع الوارد إلى نوع من النزاع اللفظي الذي لا ثمرة له حقيقية، وذلك لأنه يمكن القول بأن الموت أمر وجودى لتعلق صفة الخلق به، ويمكن أن يكون أمرًا عدميًا فيكون خلقه بمعنى خلق الأعراض المضادة للحياة، يقول: "فإنا نعلم بالحس أن الحركة أمر وجودى، كما نعلم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر أمر وجودى، وأما كون ما يقابل ذلك هو ضد ما ينافيها أو عدمها من محلها فهذا فيه نظر، ولهذا تنازع العقلاء في هذا دون الأول، وكثير من النزاع في ذلك يكون لفظيًا، فإنه قد يكون عدم الشيء مستلزمًا لأمر وجودى، مثل الحياة مثلًا، فإن عدم حياة البدن مثلًا مستلزمًا لأعراض وجودية.
والناس تنازعوا في الموت: هل هو عدمى أو وجودى؟ ومن قال: إنه وجودى، احتج بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] فاخبر أنه خلق الموت، كما خلق الحياة، ومنازعه يقول: العدم الطارئ يخلق كما يخلق الوجود، أو يقول: الموت المخلوق هو الأمور الوجودية اللازمة لعدم الحياة، وحينئذ فالنزاع لفظي" (٣)
* * *
الثانية: حكم الموت:
فقد أفاد تقريره بوجوب الإيمان بالموت أنه لا يستثنى من عمومه أحد، حتى
стр. 516
الأنبياء والمرسلين، ولكنه عند حكايته لقصة موسى مع الخضر ﵉ خالف ما ذهب إليه آنفًا، وحكى إجماع الجمهور على بقاء الخضر حيًا، بل واجتماع الأولياء معه، وقد اعتمد في سبب خلوده أنه شرب من ماء الحياة، والصحيح في هذه المسألة أنه لم يثبت في شربه خبرًا صحيحًا يسلم له (١).
أما عن اجتماعه بالأولياء فهذا من ترهات الصوفية، وقد سئل شيخ الإسلام ﵀ عن ذلك فقال لا يبعد أن يكون شيطانًا، وسيأتي بيانه.
وعليه فلا حجة للقائلين ببقائه، بل هناك نصوص كثيرة تناقض ما ذهبوا إليه، منها ما أورده البخاري في الصحيح أنه ﷺ قال: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة، لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) (٢)
وعند شرح الحافظ ابن حجر ﵀ للحديث، أورد كلام من احتج به، وشبهة المخالف لذلك، حيث قال: "قال النووي وغيره: احتج البخاري ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر، والجمهور على خلافه، وأجابوا عنه بأن الخضر كان حينئذ من ساكنى البحر، فلم يدخل في الحديث" (٣)
وهذه الشبهة التي يستند إليها من ذهب إلى بقائه لا أصل لها من عقل ولا نقل، إذ البحر كما هو معلوم لا يخرج عن كونه فوق ظهر الأرض لذا فإن "الذي عليه أهل التحقيق أن الخضر قد مات قبل بعثة النبي ﷺ ، لأدلة كثيرة معروفة في محلها، ولو كان حيًا في حياة نبينا لدخل في هذا الحديث، وكان ممن أتى عليه الموت قبل رأس المائة" (٤)
وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ حيث قال: "الذي عليه أكثر الناس أن جميع الخلق يموتون حتى الملائكة وحتى عزرائيل ملك الموت" (٥)
стр. 517
أما عن اجتماع الخضر بالأولياء؛ فهذا مما لا شيء يسنده سوى ترهات الصوفية، وإن كان مما اشتهر عنه الحديث بين العوام وكثير من العباد، (١) وقد قال الإمام أحمد ﵀ حين سئل: عن تعمير الخضر وإلياس وأنهما باقيان يريان ويروى عنهما: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا شيطان" (٢)
وهذا ما رده أيضًا ابن حزم ﵀ وبين مخالفته للثابت من نصوص الكتاب والسنة، يقول: "وسلك هذا السبيل بعض الصوفية فزعموا أن الخضر وإلياس ﵉ حيان إلى اليوم، وادعى بعضهم أنه يلقى إلياس في الفلوات والخضر في المروج والرياض، وأنه متى ذكر حضر على ذكراه".
قال أبو محمد: فإن ذكر في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها وفي ألف موضع في دقيقة واحدة كيف يصنع؟
ولقد لقينا من يذهب إلى هذا خلقًا وكلمناهم منهم المعروف بابن شق الليل المحدث بطلبيره، وهو مع ذلك من أهل العناية وسعة الرواية، ومنهم محمد بن عبد الله الكاتب، وأخبرني أنه جالس الخضر وكلمه مرارًا، أو غيره كثير.
هذا مع سماعهم قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وقول رسول الله ﷺ (لا نبى بعدى) (٣) فكيف يستجيزه مسلم أن يثبت بعده ﵇ نبيًا في الأرض حاشا ما استثناه رسول الله ﷺ في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان (٤).
стр. 518
وعليه فلا احتجاج بما روى في حقهما من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لأنه ثبت ما يعارضها من أدلة الكتاب والسنة الصحيحة:
فقد سئل البخاري عن الخضر وإلياس هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا؟ وقد قال النبي ﷺ : (لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد) (١)
وقال أبو الفرج ابن الجوزى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وليس هما في الأحياء والله أعلم. (٢)
وكما يقول شيخ الإسلام ﵀: "القول الفصل في الخضر ﵇ والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودًا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه أن يؤمن به ويجاهد معه كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيًا عن خير أمة أخرجت للناس، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم، ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي ﷺ " (٣)
* * *
حياة البرزخ
يعرف الصاوي البرزخ المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] بقوله: "البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين.
وعرفًا: الحاجز بين الدنيا والآخرة".
стр. 519
ويزيد في بيان حده فيقول: "وله زمان ومآل ومكان، فزمانه: من الموت إلى يوم القيامة. ومآله: الأرواح، ومكانه: من القبر إلى الجنة لأرواح السعداء، وإلى النار لأرواح الأشقياء". (١)
كما "يطلق البرزخ على حالة الشخص بعد موته إلى يوم القيامة، فيقال: في البرزخ؛ أي في العالم المتوسط بين الدنيا والآخرة". (٢)
وهذه الحالة التي تمر بكل المكلفين تكون على مراحل، ويحدث في كل مرحلة منها ما يؤدى إلى التي تليها، فإنه "مما يجب اعتقاده سؤال منكر ونكير لنا، فهو مختص بهذه الأمة، أي أمة الدعوة: المؤمنين والمنافقين والكافرين، ومحله بعد تمام الدفن وانصراف الناس، فيعيد الله الروح إلى الميت والحواس، فيترفقان بالمؤمن وينهران الكافر والمنافق، ويسأل كل إنسان بلغته يجمع من تفرقت أجزاؤه أو أكلته السباع، والسؤال مخصوص بمن كان مكلفًا ولو جنيًا لا ملكًا، ويستثنى من المكلفين الأنبياء والصديقون والمرابطون والشهداء". (٣)
ويفصل القول في كيفية سؤالهما، وإجابة المكلف لهما بذكر ما ورد في ذلك، يقول: "حين يحيى الله الميت حتى يسمع قرع نعال من كان ماشيًا في جنازته، يقعدانه ويقولان له: ما ربك وما دينك وما نبيك؟ ، فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد ﷺ ، فيقولان له: نم نومة العروس، قد علمنا أن كنت لموقنًا، وأما الكافر والمنافق، فيقول: لا أدرى كنت أسمع الناس يقولون شيئًا فقلت مثل ما يقولون، فيضربانه بمطارق من نار، فيصيح صيحة يسمعه من في الأرض غير الثقلين، ويقولان له: لا دريت ولا تليت (٤) " (٥)
стр. 520
ولما كان نعيم القبر وعذابه مما ورد الخبر به كتابًا وسنة، يرى الصاوي أنه: "مما يجب الإيمان به التصديق بعذاب القبر، ونعيمه للمكلفين بحسبهم".
وفي تأكيد هذه الحقيقة الإيمانية يوضح أن كل من فارق الحياة فهو مقبور ولو لم تحصل له المواراة، كالغريق مثلًا، منبهًا إلى أن "المراد بالقبر" على جهة الحقيقة: "البرزخ".
مؤكدًا ذلك بقوله: "وإنما أضيف إلى القبر لأنه الغالب، وإلا فكل ميت أراد الله تعذيبه عذب قبر أو لم يقبر" (١).
وفى بيان ما يقع عليه الجزاء الموعود، يرى أن: "محله الروح والبدن على المعتمد".
وعن كيفية العذاب المتوعد به من حيث الدوام، يقول: "ويدوم على الكفار والمنافقين وبعض العصاة، وينقطع عمن خفت ذنوبهم، ومن لم يسأل فيه لا يعذب" ويسترسل في الحديث عما ورد في وعيده، فيقول: "ومن جملة عذابه ضغطته وهى التقاء حافتيه.
ومن جملته أيضًا ما في الحديث: يسلط الله على الكافر في قبره تسعة وتسعين تنينًا تنهشه وتلدغه حتى تقوم الساعة، ولو أن تنينًا منها نفخ على الأرض ما أنبتت خضراء.
ومنها تشكل عمله بصورة قرد، أو خنزير يضاجعه في قبره، وفتح طاقة فيه من جهنم، ويسمع صياحه من العذاب ما عدا الثقلين" (٢).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]، يقول: "والمعنى تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة على النار لما روى: (إن أرواح الكفار في جوف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين فذلك عرضها). (٣)
стр. 521
أما الشق الثاني من الجزاء وهو النعيم: فيبين أولًا كيفيته، فيقول: "أي وصول النعيم للمؤمنين في القبور".
ولما كان النعيم محض فضل المولى تعالى، وكان فضله تعالى سابغًا فليس يقتصر على المكلفين، كالعذاب، فإن الصحيح فيه كما يرى الصاوي أنه: "لا يختص بهذه الأمة ولا بالمكلفين".
والحديث في بيان هيئته يطول، لذا فإنه تكفى الإشارة إلى بعض صوره فـ "من جملته: توسيعه، وفتح طاقة فيه من الجنة، وجعله روضة من رياضها، وتصوير عمله بصورة حسنة تؤانسه". (١)
ولعظيم ما يراه المؤمن والكافر كليهما في حياة البرزخ "فإن من مات على الإيمان تمنى عدم العود إلى الدنيا، لأن عالم البرزخ في اتساعه بالنسبة للدنيا، كالدنيا بالنسبة لبطن الأم.
أما إن مات على الكفر والعياذ بالله، تمنى العود إلى الدنيا، لما يرى من ضيق برزخه وعذابه". (٢)
تعليق:
تقدم الحديث عن مكانة الإيمان بالبرزخ في عقيدة المؤمن، أما ما يتبع ذلك من التفاصيل، فقد كان كلام الصاوي في هذا المجال مستوعبًا لأهم ما يجب الحديث فيه من المسائل المتعلقة بالبرزخ، وما فيه من نعيم وعذاب، ومع هذا فقد كان ينقصه الاستدلال على بعض ما ذكر، والعزو لما يستدل به من الأخبار في البعض الآخر. وسأتناول أهم النقاط في ذلك:
أولًا: الإيمان بفتنة القبر وسؤال الملكين، فقد دلت عليه أحاديث كثيرة صحيحة وقد أوردت بعضها فيما سبق، ولكن تسمية الملكين اللذين ورد ذكرهما في الحديث
стр. 522
بمنكر ونكير، لم تثبت في جميع الروايات، وإنما وردت في بعضها، فقد روى الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا قبر الميت أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما: المنكر، والآخر النكير. فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعًا في سبعين ثم ينور له فيه. ثم يقال له: نم. فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم؟ فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك. وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله. لا أدرى. فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك. فيقال للأرض: التئمى عليه. فتلتئم عليه. فتختلف فيها أضلاعه. فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك). (١)
- وقد تقدم أن هذه الفتنة مما يعم حكمه على كل المكلفين بعد موتهم، ومع ذلك فقد وردت الأحاديث في استثناء بعض أولئك المكلفين من أهل الإيمان، ذكر منهم الصاوي المرابط والشهيد.
فمما ورد في استثناء المرابط من فتنة القبر حديث رسول الله ﷺ ، حيث قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا في سبيل الله، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر). (٢)
أما الشهيد فقد روى النسائي في سننه أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ قال: يا رسول الله ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة). (٣)
стр. 523
وقد ورد - زيادة على ما ذكر - أن من يموت يوم الجمعة فإنه يأمن الفتنة، فعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر). (١)
- أما ما أورده من ألوان العذاب الحاصل في القبر، فكله مقتبس من حديث رواه الترمذي قد يصل إلى مرتبة الحسن، فعن أبي سعيد قال: "دخل رسول الله ﷺ مصلاه فرأى ناسًا كأنهم يكتشرون قال: (أما إنكم لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى الموت، فأكثروا من ذكر هادم اللذات الموت، فإنه لم يأت على القبر يوم إلا تكلم فيه فيقول: أنا بيت الغربة وأنا بيت الوحدة، وأنا بيت التراب، وأنا بيت الدود، فإن دفن العبد المؤمن قال له القبر: مرحبا وأهلًا، أما ان كنت لأحب من يمشى على ظهرف إلى، فإذ وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، قال: فيتسع له مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة.
وإذا دفن العبد الفاجر أو الكافر، قال له القبر: لا مرحبًا ولا أهلًا، أما إن كنت لأبغض من يمشى على ظهري إلى، فإذا وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، قال: فيلتئم عليه حتى تلتقى عليه وتختلف أضلاعه، قال: قال رسول الله ﷺ بأصابعه، فأدخل بعضها في جوف بعض قال: ويقبض الله له سبعين تنينًا لو أن واحدًا منها نفخ في الأرض ما أنبتت شيئًا ما بقيت الدنيا، فينهشنه ويخدشنه حتى يفضى به الحساب قال: قال رسول الله ﷺ : إنما القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار). (٢)
стр. 524
أما عن تشكل العمل بحسبه إن خيرًا فعلى صورة رجل حسن وإن شرًا على صورة رجل قبيح في القبر مصاحبًا المقبور إلى يوم القيامة، فهذا مما وردت به الأحاديث الصحيحة. (١)
ولكن تحديد الهيئة بالقرد والخنزير مما لم أعثر فيه على دليل وفى هذا القدر كفاية، وإلى المبحث التالى بعون الله.
* * *
стр. 525
(المبحث الرابع): حقائق يوم القيامة
حين يأذن الله تعالى لتلك الأرواح أن تعود لأجسادها بعد انقضاء فترة البرزخ، تتحقق أهوال يوم القيامة، وتبدل الأرض غير الأرض، وينفخ في الصور، فتجمع الأشتات، ويخلق الله منها البشر تارة أخرى، فيجتمعون لفصل القضاء، وتكون تلك بداية النهاية، حيث توزن الأعمال، وتحل الشفاعة، ويرضى الرب على من شاء من عباده، ويسخط على من استحق السخط منهم، ثم يساق المؤمنون إلى منازلهم في الجنان، حيث الدرجات العلى والنعيم المقيم، ويكب الكافرون على وجوههم في جهنم، ويطهر عصاة المؤمنين بالنار، ممن لم تحملهم أعمالهم على سلوك الصراط دونما انكباب، وكانت لهذه الأحداث الجسام المتتالية أدلة كثيرة عظيمة من الكتاب والسنة:
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].
يقول الشيخ السعدى في تفسير هذه: "يحشر الله جميع الخلق على تلك الأرض فلا يغادر منهم أحدًا بل يجمع الأولين والآخرين من بطون الفلوات، وفغور البحار ويجمعهم بعدما تفرقوا ويعيدهم بعدما تمزقوا خلقًا جديدًا.
فيعرضون عليه صفًا ليستعرضهم، وينظر في أعمالهم ويحكم فيهم بحكمه العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم، ويقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: ٩٤].
أي بلا مال ولا أهل ولا عشيرة، ما معهم إلا الأعمال والمكاسب في الخير والشر التي كسبوها" (١)
стр. 526
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤].
ولي في هذا المبحث المتشعب الأطراف أن ألقى الضوء على آراء الصاوي مع شيء من التوجيه والتعليق، مبتدئة بالحديث عن المحشر وعرضات يوم القيامة، متممة بالكلام عن الجنة والنار.
* * *
стр. 527
(المطلب الأول): المحشر وعرضات يوم القيامة
تظهر عبارات المتكلمين في هذه المسائل الغيبية موافقة لما عليه السلف - رضوان الله عليهم -، حيث يقتصر مستند دلالتها عندهم على الوحى الصادق، ومع ذلك فقد تظهر بعض المخالفات التي تسربت إلى المعتقد، بسبب التصدى للرد على الفلاسفة؛ واعتمادهم في ذلك على المنهج العقلى، الذي قد يحيد بهم أحيانًا عن معين الوحى، كانت مسألة الإعادة وكيفيتها مما يظهر فيه اتباعهم ذلك المنهج؛ حيث تصدوا للرد على منكرى البعث من الفلاسفة، كما أن لهذه القضية ارتباطًا وثيقًا بمسألة الحدوث، وإن صح التعبير هي الوجه الثاني لها، وقد اشتهرت مخالفتهم فيها للمنهج الصحيح، وعند سبر أقوالهم فيها نجد أنها لا تخرج عن أحد قولين؛ يقول الرازي: "أما القائلون بالمعاد البدنى؛ منهم من زعم أن الله تعالى يعدم البدن ثم يعيده، ومنهم من زعم أنه يفرق الأجزاء ثم يجمعها". (١).
وكان لكلا الفريقين جمع من الأدلة، التي استند إليها في تقرير دعواه، والآن مع عرض أقوال الصاوي في هذه المسائل المتتالية.
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
لقد تناول الصاوي في بيان حقائق الساعة في تفسيره، أو في حواشيه العقدية عددًا من المواضيع المرتبطة بها، وتظهر إرادته الترتيب جلية في عرضه لها، ويمكن ترتيبها كالتالى:
أولًا: ما يتعلق بالنفخ:
لقد كان النفخ أول ما تناول بحثه من تلك المواضيع المتعددة، فعند تعريفه للصور المعد للنفخ فيه، يقول: هو "القرن المستطيل".
стр. 528
ويعرض ما ورد في بيانه عن السلف، يقول: "قال مجاهد: الصور كهيئة البوق وفيه جميع الأرواح، وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة".
ثم يوضح حقيقة الإحياء الحاصل عند النفخ، يقول: "فالإحياء يحصل بإيجاد الله عند النفخ لا بالنفخ فهو سبب عادى" (١).
ولما كانت النفخات متعددة في ذلك اليوم المهيب؛ نبه إلى أن هذه هي النفخة الثانية، و"أما الأولى؛ فعندها يموت كل ذى روح، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] " (٢)
أما عن متولى النفخ فيرى أن "النافخ هو إسرافيل (٣) - حيث - يضع الصور على فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس، ويقول: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيقبلون عليه.
وقيل: المنادى جبريل، والنافخ إسرافيل" (٤)
ثانيًا: كيفية البعث:
وفي حديثه عن كيفية هذا البعث، يقول: "ومما يجب اعتقاده أن الجسم يعاد بعينه عن عدم؛ فيصير الجسم معدومًا بالكلية كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ".
ويعرض مع ذلك رأى المخالف مرجحًا: "وقيل عن تفريق محضين؛ أي فلا يبقى جوهر مع جوهر أصلًا، والأول هو الحق".
стр. 529
ولكنه يرى استثناء بعض من لا يجوز عليهم الإعادة من العدم؛ لورود الأدلة الثابتة بذلك، يقول في موضع آخر عن مفهوم الإعادة: "يصير الجسم معدومًا بالكلية، كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
وهذا القول هو المعتمد "أما من لا تأكل الأرض أجسامهم؛ فيصح فيهم اجتماع المتفرق:
لا تأكل الأرض جسمًا للنبي ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك (١)
ولا يعني - عنده - أن الخلق من العدم يتحصل به المغايرة في الأجساد أو الأرواح؛ لأن قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يؤكد عدم اختلاف الماهية مع الإعادة، يقول في تفسير الآية: "يعيدكم أحياء بالأرواح والأجساد بعينها" (٢).
ثالثًا: هيئات الناس عند البعث:
ومع مساواة الناس في تحقق الوعد عليهم بالحشر، إلا أنهم يختلفون في صفته أشد الاختلاف، يقول في تفسير: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: "ورد أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحًا، فيقول هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح، فاركبنى؛ فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ يعني ركبانًا، وأما الكافر، فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث، طالما ركبتنى في الدنيا؛ فأنا أركبك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] " (٣).
وتكون هيئة الناس عند حشرهم "حفاة عراة وذلك عند الحساب".
стр. 530
ويعرف هذه الألفاظ التي أتت بها الأحاديث (١)، فيقول: "غرلًا: جمع أغرل كحمر جمع أحمر، أي غير مقطوعين القلفة" (٢)
* * *
رابعًا: ما يتعلق بالحساب:
ثم يشرع ببيان الحساب وما يتعلق به، يقول: "الحساب ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ فمن أنكره كفر، ودليله من القرآن: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، وأجمع المسلمون عليه". (٣)
وعن مدة الحساب، يقول: "ورد أنه يحاسب الخلق في نصف يوم من أيام الدنيا" (٤)، وفي رواية أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة". (٥)
- ويتناول بعد ذلك مجمل ما يحدث في يوم الحساب، يقول: "مما يجب اعتقاده ومن أنكره أو شك فيه فقد كفر؛ لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا: تناول العباد الصحف أي الكتب التي كتب الملائكة فيها ما فعلوه في الدنيا، وكل العباد يأخذون صحائفهم إلا الأنبياء والسبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ومقدمهم ورئيسهم أبو بكر الصديق ﵁" (٦).
- كما "يجب الإيمان بأن العباد توزن أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، وبالميزان أي الآلة الحسية التي يوزن بها، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].