← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. ولي في هذا المبحث المتشعب الأطراف أن ألقى الضوء على آراء الصاوي مع شيء من التوجيه والتعليق، مبتدئة بالحديث عن المحشر وعرضات يوم القيامة، متممة بالكلام عن الجنة والنار. * * *

стр. 527

(المطلب الأول): المحشر وعرضات يوم القيامة تظهر عبارات المتكلمين في هذه المسائل الغيبية موافقة لما عليه السلف - رضوان الله عليهم -، حيث يقتصر مستند دلالتها عندهم على الوحى الصادق، ومع ذلك فقد تظهر بعض المخالفات التي تسربت إلى المعتقد، بسبب التصدى للرد على الفلاسفة؛ واعتمادهم في ذلك على المنهج العقلى، الذي قد يحيد بهم أحيانًا عن معين الوحى، كانت مسألة الإعادة وكيفيتها مما يظهر فيه اتباعهم ذلك المنهج؛ حيث تصدوا للرد على منكرى البعث من الفلاسفة، كما أن لهذه القضية ارتباطًا وثيقًا بمسألة الحدوث، وإن صح التعبير هي الوجه الثاني لها، وقد اشتهرت مخالفتهم فيها للمنهج الصحيح، وعند سبر أقوالهم فيها نجد أنها لا تخرج عن أحد قولين؛ يقول الرازي: "أما القائلون بالمعاد البدنى؛ منهم من زعم أن الله تعالى يعدم البدن ثم يعيده، ومنهم من زعم أنه يفرق الأجزاء ثم يجمعها". (١). وكان لكلا الفريقين جمع من الأدلة، التي استند إليها في تقرير دعواه، والآن مع عرض أقوال الصاوي في هذه المسائل المتتالية. * * * رأي الشيخ الصاوي: لقد تناول الصاوي في بيان حقائق الساعة في تفسيره، أو في حواشيه العقدية عددًا من المواضيع المرتبطة بها، وتظهر إرادته الترتيب جلية في عرضه لها، ويمكن ترتيبها كالتالى: أولًا: ما يتعلق بالنفخ: لقد كان النفخ أول ما تناول بحثه من تلك المواضيع المتعددة، فعند تعريفه للصور المعد للنفخ فيه، يقول: هو "القرن المستطيل".

стр. 528

ويعرض ما ورد في بيانه عن السلف، يقول: "قال مجاهد: الصور كهيئة البوق وفيه جميع الأرواح، وفيه ثقب بعددها، فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبة ووصلت لجسدها فتحله الحياة". ثم يوضح حقيقة الإحياء الحاصل عند النفخ، يقول: "فالإحياء يحصل بإيجاد الله عند النفخ لا بالنفخ فهو سبب عادى" (١). ولما كانت النفخات متعددة في ذلك اليوم المهيب؛ نبه إلى أن هذه هي النفخة الثانية، و"أما الأولى؛ فعندها يموت كل ذى روح، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] " (٢) أما عن متولى النفخ فيرى أن "النافخ هو إسرافيل (٣) - حيث - يضع الصور على فيه، ويقف على صخرة بيت المقدس، ويقول: يا أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيقبلون عليه. وقيل: المنادى جبريل، والنافخ إسرافيل" (٤) ثانيًا: كيفية البعث: وفي حديثه عن كيفية هذا البعث، يقول: "ومما يجب اعتقاده أن الجسم يعاد بعينه عن عدم؛ فيصير الجسم معدومًا بالكلية كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩] ". ويعرض مع ذلك رأى المخالف مرجحًا: "وقيل عن تفريق محضين؛ أي فلا يبقى جوهر مع جوهر أصلًا، والأول هو الحق".

стр. 529

ولكنه يرى استثناء بعض من لا يجوز عليهم الإعادة من العدم؛ لورود الأدلة الثابتة بذلك، يقول في موضع آخر عن مفهوم الإعادة: "يصير الجسم معدومًا بالكلية، كما كان قبل وجوده، قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. وهذا القول هو المعتمد "أما من لا تأكل الأرض أجسامهم؛ فيصح فيهم اجتماع المتفرق: لا تأكل الأرض جسمًا للنبي ولا ... لعالم وشهيد قتل معترك (١) ولا يعني - عنده - أن الخلق من العدم يتحصل به المغايرة في الأجساد أو الأرواح؛ لأن قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ يؤكد عدم اختلاف الماهية مع الإعادة، يقول في تفسير الآية: "يعيدكم أحياء بالأرواح والأجساد بعينها" (٢). ثالثًا: هيئات الناس عند البعث: ومع مساواة الناس في تحقق الوعد عليهم بالحشر، إلا أنهم يختلفون في صفته أشد الاختلاف، يقول في تفسير: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]: "ورد أن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيبه ريحًا، فيقول هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الصالح، فاركبنى؛ فقد طالما ركبتك في الدنيا، فذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ يعني ركبانًا، وأما الكافر، فيستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحًا، فيقول: هل تعرفنى؟ فيقول: لا، فيقول: أنا عملك الخبيث، طالما ركبتنى في الدنيا؛ فأنا أركبك، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام: ٣١] " (٣). وتكون هيئة الناس عند حشرهم "حفاة عراة وذلك عند الحساب".

стр. 530

ويعرف هذه الألفاظ التي أتت بها الأحاديث (١)، فيقول: "غرلًا: جمع أغرل كحمر جمع أحمر، أي غير مقطوعين القلفة" (٢) * * * رابعًا: ما يتعلق بالحساب: ثم يشرع ببيان الحساب وما يتعلق به، يقول: "الحساب ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع؛ فمن أنكره كفر، ودليله من القرآن: ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢]، وأجمع المسلمون عليه". (٣) وعن مدة الحساب، يقول: "ورد أنه يحاسب الخلق في نصف يوم من أيام الدنيا" (٤)، وفي رواية أنه تعالى يحاسب الكل في مقدار حلب شاة". (٥) - ويتناول بعد ذلك مجمل ما يحدث في يوم الحساب، يقول: "مما يجب اعتقاده ومن أنكره أو شك فيه فقد كفر؛ لوروده كتابًا وسنة وإجماعًا: تناول العباد الصحف أي الكتب التي كتب الملائكة فيها ما فعلوه في الدنيا، وكل العباد يأخذون صحائفهم إلا الأنبياء والسبعين ألفًا، الذين يدخلون الجنة بغير حساب، ومقدمهم ورئيسهم أبو بكر الصديق ﵁" (٦). - كما "يجب الإيمان بأن العباد توزن أعمالهم خيرًا كانت أو شرًا، وبالميزان أي الآلة الحسية التي يوزن بها، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨]، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧].

стр. 531

وهذا الوزن "لا يكون في حق كل واحد، لما ورد يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن". موضحًا العلة في ذلك: "فهو - الوزن - فرع الحساب، فكل من حوسب وزنت أعماله" (١). ويؤقت للوزن زمانًا، فيقول: "الوزن بعد أخذ الصحف والحساب، ثم بعد الوزن يكون المرور على الصراط، وهو مختلف باختلاف أحوال العباد". أما عن كيفية الوزن وماهية الموزون، فيقول: "والوزن يكون إما للأعمال أو لصحائفها، فعلى الأول تصور الأعمال الصالحة بصورة نيرة حسنة، وتوضع في كفة الحسنات، وتصور الأعمال السيئة بصورة مظلمة قبيحة، وتوضع في كفة السيئات" (٢). "وبقى قول ثالث وهو؛ أن الوزن للذوات لما في الحديث: "إنه ليأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة" (٣) ويبعد عن الذهن استحالة هيئات الوزن، يقول: "لا يقال أن فيه قلبًا للحقائق، لأنه مثال ولأن قدرته تعالى صالحة لذلك؛ فإنه من جملة الممكنات" (٤) وعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ يفصل القول في حال الناس مع الميزان، يقول: "اعلم أن الناس في القيامة ثلاث فرق؛ متقون لا كبائر لهم، ومخلطون، وكفار؛ فأما المتقون؛ فإن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وصغائرهم إن كانت لهم في الكفة الأخرى، فلا يجعل الله لتلك الصغائر وزنًا، وتكفر صغائرهم باجتنابهم الكبائر، ويؤمر بهم إلى الجنة، وينعم كل حسب أعماله.

стр. 532

وأما الكفار؛ فإنه يوضع كفرهم في الكفة المظلمة، ولا توجد لهم حسنة توضع في الكفة الأخرى، فتبقى فارغة فيأمر الله بهم إلى النار. وهذان الصنفان هما المذكوران في القرآن صراحة في آيات الوزن. وأما الذين خلطوا، فقد ثبت في السنة أن حسناتهم توضع في الكفة النيرة، وسيئاتهم في الكفة المظلمة، فإن كانت الحسنات أثقل ولو بأقل قليل، أو ساوت أدخلوا الجنة. وإن كانت السيئات أثقل ولو بأقل قليل أدخلوا النار إلا أن يعفو الله، هذا إن كانت كبائرهم فيما بينهم وبين الله، وأما إن كانت عليهم تبعات وكانت لهم حسنات كثيرة، فإنه يؤخذ من حسناتهم فيرد على المظلوم، وإن لم يكن لهم حسنات أخذ من سيئات المظلوم؛ فتحمل على الظالم من أوزار من ظلمه، ثم يعذب إلا أن يرضي الله عنه خصماءه" (١). * * * خامسًا: الحوض: ومن جملة ما أخبرت به الشريعة من أمور الغيب الحوض، يقول: "يجب علينا الإيمان بحوض نبينا ﷺ ، من أنكره فسق وبدع، وهو كبير متسع طوله شهر وعرضه كذلك، وزواياه سواء، ففى الحديث: (حوضى مسيرة شهر وزواياه سواء ماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا) (٢) " وعن زمان الشرب منه، يقول: "واختلف هل هو قبل الصراط أو بعده". وفى بيان هيئته، يقول: "وقيل له حوضان". وكل هذا في رأيه لا يؤثر جهله في الاعتقاد، يقول: "وفى الحقيقة الواجب علينا اعتقاد ثبوته وجهل تقدمه على الصراط، أو تأخره لا يضر في الاعتقاد".

стр. 533

أما عن رواده، فيقول: "ويشرب منه من آمن وصدق باليوم الآخر، واتبع سنة رسول الله ﷺ ومات على ذلك، ولم يغير ولم يبدل، ولم يتخذ عقيدة غير ما عليه النبي وأصحابه، ويطرد عنه من غير وبدل في عقيدته، فالكافر بعقيدته لا يشرب منه، والمبتدع يشرب منه بعد الرد". (١) خامسًا الشفاعة: وكان الحديث عن الشفاعة من أهم ما تناوله من المسائل المتعلقة بأخبار يوم القيامة، يقول: "مما يجب اعتقاده أن النبي ﷺ شافع مشفع". ويعرف الشفاعة بأنها "لغة: الوسيلة والطلب، وشرعًا سؤال الخير للغير" وعن مكانة الرسول بين الشافعين، يقول: "ومما يجب اعتقاده أن النبي مع كونه شافعًا ومقبول الشفاعة، مقدم على غيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين". ويستطرد في الحديث عن أنواع شفاعته ﵊، وما يختص به منها، يقول: "وله شفاعات أعظمها الشفاعة في فصل القضاء، وهى مختصة به قطعًا؛ لأن الناس في ذلك الوقت يذهبون إلى الرسل من آدم إلى عيسى فردًا فردًا؛ فيسألونهم الشفاعة في الانصراف من ذلك الموقف، فكل يبدى حجة إلى أن يذهبوا إليه ﷺ يسألونه الشفاعة، فيقول: أنا لها أنا لها، فيسجد تحت العرش، فيقول الله له: ارفع رأسك واشفع تشفع، فيرفع رأسه وهذا هو المقام المحمود؛ لأنه من حينها يكثر حمد الناس له، فينصب له لواء له ثلاث زاويات، زاوية بالمشرق، وأخرى بالمغرب، وأخرى بالوسط، والأنبياء ومن دونهم تحت ذلك اللواء. (٢) وثانى الشفاعات في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهى مختصة به أيضًا. (٣)

стр. 534

ثالثها: فيمن استحق دخول النار؛ أن لا يدخلها وليست مختصة به ﷺ (١). رابعها: في إخراج الموحدين من النار وليست مختصة به أيضًا (٢). خامسها: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها (٣). سادسها: في جماعة من صلحاء أمته؛ ليتجاوز عنهم في تقصيرهم في الطاعات (٤). سابعها: فيمن خلد في النار من الكفار؛ أن يخفف عنهم العذاب في أوقات مخصوصة (٥). ثامنها: في أطفال المشركين أن لا يعذبوا (٦).

стр. 535

وبالجملة فالمختص به قطعًا الشفاعة العظمى، وأما ما عداها ففيه خلاف ويشفع غيره، كالأنبياء، والملائكة، والصحابة، والشهداء، والأولياء، والأطفال، والمولى يشفع فيمن قال لا إله إلا الله، ولم يعمل خيرًا قط" (١). * * * تعليق: أولًا: حقيقة البعث: من جملة المسائل المهمة، التي تطرق الصاوي للحديث فيها: مسألة كيفية البعث وإعادة الحياة إلى أصحاب القبور، فإن ما ذكره فيها من أقوال لتعد زبدة أقوال المتكلمين في كيفية البعث، فجمع المتفرق، والإعادة من العدم، هما ما أجمع عليه أهل الفن من الأشاعرة. والحقيقة المستمدة من معين الوحى المطهر أن الإعادة من العدم المحض، كما يعتقد الأشاعرة لا دليل عليها من كتاب ولا سنة، بل قد دلت الأحاديث النبوية على أن جزء من الإنسان حتى غير ما ذكر من الذين لا تبلى أجسادهم يبقى وهو عجب الذنب، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (ما بين النفختين أربعون). قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة) (٢). قال الحافظ ﵀؛ في بيان معنى العجب: "هو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو رأس العصعص، وهو مكان رأس الذنب من ذوات الأربع" (٣).

стр. 536

وليس في استدلاله بقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ دليل على ما ذهب إليه من الإعادة من العدم؛ لأن الله تعالى إنما خلق الإنسان مما ذكر في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: ٢]. بل الإنسان الأول؛ وهو آدم ﵇، قد ذكر الباري تعالى لنا قصة خلقه في عدد من مواضع كتابه العزيز، وكيف أنه تعالى خلقه من: ﴿صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ يقول شيخ الإسلام ﵀: "والإنسان إذا مات وصار ترابًا؛ فنى وعدم، وكذلك سائر ما على الأرض، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ثم يعيده من التراب كما خلقه ابتداءً من التراب، ويخلقه خلقًا جديدًا. ولكن للنشأة الثانية أحكامًا وصفات ليست للأولى، والمشهود المعلوم للناس إنما هو إحداثه لما يحدثه من غيره، لا إحداثًا من غير مادة. ولهذا قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩]، ولم يقل خلقتك لا من شيء، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]، ولم يقل خلق كل دابة لا من شيء، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، وهذا هو القدرة التي تبهر العقول، وهو أن يقلب حقائق الموجودات، فيحيل الأول ويفنيه ويلاشيه، ويحدث شيئًا آخر، كما قال تعالى: ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] " (١). وقد أطال الإمام ابن القيم ﵀ النفس في دحض هذا المعتقد، الذي أثار افتراءات الفلاسفة المنكرين للبعث الجسدى (٢)، يقول: "فإن القرآن والسنة إنما دلا على تغيير العالم وتحويله وتبديله، لا جعله عدمًا محضًا وإعدامه بالكلية، فدل

стр. 537

على تبديل الأرض غير الأرض والسموات، وعلى تشقق السماء وانفطارها، وتكوير الشمس وانتثار الكواكب، ويسجر البحار، وإنزال المطر على أجزاء بنى آدم المختلطة بالتراب؛ فينبتون كما ينبت النبات، وترد تلك الأرواح بعينها إلى تلك الأجساد، التي أحيلت ثم، أنشئت نشاة أخرى "إلى أن يقول: فهذا الذي أخبر به القرآن والسنة، ولا سبيل لأحد من الملاحدة الفلاسفة وغيرهم إلى الاعتراض على هذا المعاد، الذي جاءت به الرسل بحرف واحد، وإنما اعتراضهم على المعاد الذي عليه طائفة من المتكلمين؛ أن الرسل جاءوا به وهو أن الله يعدم أجزاء العالم العلوى والسفلى كلها، فيجعلها عدمًا محضًا، ثم يعيد ذلك العدم وجودًا (١). أما الذي عليه المتكلمون في إدراك حقيقة البعث بأنه الجمع للمتفرق؛ إنما تحصل نتيجة لموقفهم من الخلق ابتداءً "فإن معرفة المعاد مبنية على معرفة المبدأ، والبعث مبنى على الخلق" (٢). فإنهم لما أرادوا أن يستدلوا لحدوث الخلق في مقابل اعتقاد الفلاسفة بقدمه قسموا العالم إلى جواهر وأعراض، وعرفوا الجوهر بأنه القائم بنفسه، والعرض ما قام بغيره، ثم أثبتوا حدوث الأعراض لملازمة التغيير لها، وحتى يصلوا إلى إثبات حدوث الجواهر قالوا بأصلهم الفاسد كل ما لا يخلو من الأعراض فهو حادث، فإن حقيقة اعتقادهم بالخلق المتجدد يؤول إلى إحداث الأعراض وإزالتها، أما الجواهر فهى باقية لم يحدث فيها إيجاد وإعدام بعد خلقه لها أول مرة من العدم، كما هو معلوم من اعتقادهم بامتناع حوادث لا أول لها، وهذا أصل قولهم بأن المعاد: هو تفريق تلك الأجزاء ثم جمعها، وهى باقية بأعيانها. أما من قال بالإعادة من العدم فإنه يقول: "بل يعدمها ويعدم الأعراض القائمة بها ثم يعيدها". وقد بين شيخ الإسلام ﵀ فساد كلا القولين، فأبطل أصل معتقدهم ببقاء الجواهر، وأظهر ما فيه من سوء اعتقاد وقلة علم بما يجب لله تعالى من تعظيم

стр. 538

وإجلال وقدرة على الخلق والإيجاد، يقول ﵀: "وهؤلاء - يريد المتكلمين - يريدون بالمادة جوهر باقٍ وهو محل للصورة الجوهرية، فلم يخلق عندهم الإنسان من مادة، بل المادة باقية، وأحدث صورته فيها؛ كما أن الصور الصناعية كصورة الخاتم والسرير والثياب والبيوت وغير ذلك، إنما أحدث الصانع صورته العرضية في مادة لم تزل موجودة لم تفسد، لكن حولت من صفة إلى صفة، فهكذا تقول الجهمية المتكلمة المبتدعة أن الله أحدث صورة عرضية في مادة باقية لم تفسد، فيجعلون خلق الإنسان بمنزلة عمل الخاتم والسرير والثوب، . . . . .، وهم لا يشهدون للرحمن إحداثًا ولا إفناءً، بل إنما يحدث عندهم الأعراض، وهى تفنى بأنفسها لا بإفنائه، وهى تفنى عقب إحداثها" (١). ويفصل القول في مناقضة قولهم لما هو معلوم بالضرورة والبرهان، فيقول: "الإنسان إذا أكله حيوان آخر، فإن أعيدت تلك الجواهر من الأول نقصت من الثاني وبالعكس. أما على قول من يقول أنها تفرق، ثم تجمع فقيل له: تلك الجواهر إن جمعت للآكل نقصت من المأكول، وإن أعيدت للمأكول نقصت من الآكل". (٢) - أما عن استثناء من لا يجوز عليهم العدم والفناء؛ كالأنبياء ﵈، فقد أشار الصاوي إلى عدد منهم، حيث ورد في الحديث الشريف أن رسول الله قال: (إن الله قد حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء). (٣) "أما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير، فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره، ويحتمل أنه يبلى مع طول المدة". وأما العلماء فقد يكون مستنده في القول بمنع العدم عليهم أيضًا هو المشاهدة

стр. 539

بالعادة، فقد شوهد إلى هذا اليوم من تفتح قبورهم من العلماء ولم تتغير أجسادهم؛ كالشهيد تمامًا. وقد استند الإمام ابن عبد البر في استثناء الشهيد تبعًا للأنبياء إلى ما وقع للصحابة الكرام وشوهد حين نقلت أجسادهم بعد ست وأربعين سنة، فاعتبر أن تعميم الحكم الوارد في حديث عجب الذنب مما يدخله الخصوص، بدلالة خروج الأنبياء من عمومه، ومن جهة أخرى فإنه استدل لذلك بدليل الإمكان العقلي فإنه إذا جاز أن يمتنع على الأرض أكل العجب كان الشهداء في ذلك من باب أولى لما شوهد من خبرهم، يقول: "وظاهر هذا الحديث وعمومه يوجب أن يكون بنو آدم كلهم في ذلك سواء، إلا أنه قد روى في أجساد الأنبياء والشهداء أن الأرض لا تأكلهم، وحسبك ما جاء في شهداء أحد وغيرهم، وهذا يدل على أن هذا لفظ عموم، ويدخله الخصوص من الوجوه التي ذكرنا، فكأنه قال: كل من تأكله الأرض فإنه لا تأكل منه عجب الذنب وإذا جاز أن لا تأكل الأرض عجب الذنب، جاز أن لا تأكل الشهداء، وذلك كله حكم الله وحكمته" (١) انتهى كلامه ﵀. وبناء على ما ذهب إليه ﵀ من جواز التخصيص بطريق المشاهدة فقد زاد غيره الصديقين والعلماء العاملين والمؤذن المحتسب وحامل القرآن العامل به والمرابط والميت بالطاعون صابرًا محتسبًا والمكثر من ذكر الله والمحبين لله فتلك عشرة كاملة" (٢). والله تعالى أعلم. ثانيًا: النفخ في الصور: صح عن رسول الله ﷺ أنه عرف الصور عندما سأله الأعرابى عنه بأنه: (قرن ينفخ فيه) (٣) وكان تعريف الصاوي له مقاربًا لهذا الحديث أما عن متولى النفخ فيه؛

стр. 540

فقد حكى الحافظ ابن حجر ﵀ الإجماع على أن النافخ في الصور هو إسرافيل ﵇، ومع ذلك فقد ضعف جميع الروايات التي ذكر فيها تسميته. (١) وهذا ما رجحه الإمام الطبري عند عرضه ما قيل فيه من أقوال؛ وكان مستنده في ذلك الحديث السابق عن رسول الله ﷺ . (٢) وقد بينت الأحاديث الشريفة هيئة ذلك الملك الكريم، في تأهبه التام لتلقى الأمر بالنفخ فيه، قال رسول الله ﷺ : (كيف أنعم؛ وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته، وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ فينفخ! قال المسلمون: فكيف نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل توكلنا على الله ربنا) (٣) أما عن عدد النفخات، فالواضح من كلام الصاوي اعتقاد أنها نفختان، لا ثالث لهما: نفخة الصعق، ونفخة البعث والنشور. وقد اختلفت العلماء في عددها على وجه التحقيق؛ فالقائلون بأنها ثلاث فرقوا بين الفزع والصعق، وفسروا قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]؛ بأنها نفخة الفزع التي تليها نفخة الصعق، أما من ذهب إلى أنها نفختان؛ جعلوا الصعق والفزع واحدة وبعدها نفخة البعث والنشور. ولعل القول بأنها نفختان آكد الدلالة لحديث المصطفى ﷺ : (ثم ينفخ في الصور، فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا، قال: وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، قال: فيصعق، ويصعق الناس، ثم يرسل الله، أو قال ينزل الله

стр. 541

مطرًا كأنه الطل أو الظل، فتنبت منه أجساد الناس، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (الزمر: ٦٨)) (١). وحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما بين النفختين أربعون). قال: أربعون يومًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون شهرًا؟ قال: أبيت، قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت، قال: (ثم ينزل الله من السماء ماءً، فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة). (٢) والذي يظهر من أقوال المفسرين والعلماء أن سبب الاختلاف في عدد النفخات يرجع إلى اختلاف الأفهام، في استنباط الفوائد من الادلة المتعددة، ولتوقف الصاوي عن الخوض فيها، ولأنى لم أجد من الخوض فيها كبير نفع؛ أدع للقارئ مرجعًا يستفيد منه فهم تلك الأقوال (٣). الحساب: لقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الله تعالى يحاسب عباده حسابًا سريعًا، يسيرًا عليه . أما عن تحديد مدة ذلك الحساب فقد اختلف العلماء في ذلك حيث ظهرت أقوال عدة للمفسرين من السلف الصالح عند بيان قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ فذهب البعض إلى أن مدة الحساب: خمسين ألف سنة على المسلم والكافر، وهذا قول الحسن. دل على ذلك قوله ﷺ : (ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدى منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمى عليها في نار

стр. 542

جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار). (١) وقال ابن عباس يكون كذلك على الكافرين فقط دون المؤمنين، بينما ذهب البعضى إلى أن شعور المؤمن به يختلف عن الكافر حيث يخفف على المؤمنين، فلا يشعرون بطوله، وهذا ما دل عليه قوله ﷺ : (يقوم الناس لرب العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة يهون ذلك على المؤمنين، كتدلى الشمس للغروب إلى أن تغرب) (٢). والبعض ذهب إلى أن العدد غير مراد لذاته، وإنما لبيان عظيم قدرة الله وتصريفه لشؤون عباده بحيث: "لو ولى محاسبة العباد في ذلك اليوم غير الله لم يفرغ منه خمسين ألف سنة". لذا ورد عن بعض السلف منهم عطاء عن ابن عباس ومقاتل أن الله يفرغ منه في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا. وقد روى ما يؤيده عن محمد بن الفضل عن الكلبي قال: "يقول - أي المولى تعالى - لو وليت حساب ذلك اليوم الملائكة والجن والإنس وطوقتهم محاسبتهم لم يفرغوا منه إلا بعد خمسين ألف سنة، وأنا أفرغ منها في ساعة واحدة من النهار". (٣) وهذا ما ذهب إليه الصاوي هنا، أما عن تحديد المدة بمقدار حلب شاة فهذا ما ذكرته بعض كتب التفسير وترجع من حيث المفهوم إلا ما ذكرته من أن المدة غير محددة وإنما أريد سرعة الحساب المعجزة، يقول القرطبي: "قال الحسن: حسابه

стр. 543

أسرع من لمح البصر، وفى الخبر: إن الله يحاسب في قدر حلب شاة، وقيل: هو أنه إذا حاسب واحدًا فقد حاسب جميع الخلق، وقيل لعلي بن أبي طالب ﵁: كيف يحاسب الله العباد في اليوم؟ قال: كما يرزقهم في يوم" (١) أما عن تفاصيل الحساب، فقد بينت آيات الكتاب الكريم الهيئات، التي يتأتى بها تناول العباد لصحفهم، فمنهم من يعطى كتابه بيمينه، وهؤلاء هم أهل السعادة، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]. ومنهم من يؤتى كتابه من وراء ظهره أو بشماله، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٥]، وهؤلاء هم أهل الشقاء والتعاسة أعاذنا الله من حالهم. وكان ما ذهب إليه الصاوي من استثناء السبعين ألفًا من تناول الصحف، الذين ورد ذكرهم في حديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (ليدخلن من أمتى سبعون ألفًا، أو سبعمائة ألف، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر) (٢) فرعًا لنفى الحساب عنهم، وكان الذي ذهب إليه في ذلك فهمًا استنبطه من قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤]، ومن قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩، ٢٠]. وبناء على ما ثبت "في عدة أخبار عن النبي المختار ﷺ ما كر الليل على النهار: أن طائفة من هذه الأمة بلا ارتياب يدخلون الجنة بغير حساب، فيدخلون جنات النعيم قبل وضع الموازين، وأخذ الصحف بالشمال واليمين" (٣).

стр. 544

وأما الحساب؛ ففى استثناء الأنبياء منه مع هؤلاء السبعين ألفًا خلاف بين العلماء، فالذين ذهبوا إلى أن الحساب لا يستثنى منه أحد؛ احتجوا بقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]؛ على عموم الحساب في حق كل أحد، والحق أنه مع ثبوت السؤال، فليس فيه ما يثبت الحساب؛ لأنه تعالى إنما يسألهم ليحق الحق، ويظهر تمام براءة الرسل، وعظيم جرم الكافرين، يقول الرازي: "فإن قيل: ما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير البتة؟ ، قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير البتة، التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل؛ لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزى والإهانة في حق الكفار؛ لما ثبت أن كل التقصير كان منهم" (١). وفي توجيه رأى من ذهب إلى عدم استثناء أحد من المسألة بموجب هذه الآية الكريمة؛ يكون الحساب المنفى عن الأنبياء ما كان على هيئته المعلومة، حيث يكون جهة المناقشة والتقريع". لأن "الأنبياء لا حساب عليهم، وكذلك أطفال المؤمنين، وكذلك العشرة المبشرون بالجنة" (٢). - ومما يتفرع عن الحساب الوزن وزمانه، يرى الصاوي أنه يكون بعد الحساب، يقول القرطبي: "قال العلماء إذا انقضى الحساب كان بعده الوزن؛ لأن الوزن للجزاء فينبغى أن يكون بعد المحاسبة, فإن المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها" (٣). هذا "وإثبات ميزان الآخرة مذهب الفرقة الناجية القاهرة، ومن خالفهم رمى بمخالفة الشريعة، ونبز بالبدعة الشنيعة" (٤).

стр. 545

أما عن حقيقة الميزان؛ فقد وردت أقوال عدة في بيان ماهيته، فالراجح عند السلف أنه ميزان حقيقي حسى توزن به الأعمال، والبعض من أهل العلم فسره بالعدل، وقال: هو كناية عن إرادته، وقد عزا القرطبي هذا القول إلى مجاهد، والضحاك، والأعمش، والصحيح ما عليه الجمهور، كما أشار إلى ذلك القرطبي، وقد استدل شيخ الإسلام ﵀ على أنه ميزان حقيقى حسي بالأخبار التي وردت في وزنه الأعمال، يقول: "الميزان هو ما يوزن به الأعمال، وهو غير العدل كما دل على ذلك الكتاب والسنة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ وقوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده) (١)، وقال عن ساقى عبد الله بن مسعود: (لهما في الميزان أثقل من أحد)، وهذا وأمثاله مما يبين أن الاعمال توزن بموازين؛ تبين بها رجحان الحسنات على السيئات وبالعكس، فهو ما به تبين العدل، والمقصود بالوزن العدل، كموازين الدنيا". وبعد ذلك بين ﵀ أن كيفية وزن الأعمال به مما لا علم بحقيقته، يقول: "أما كيفية تلك الموازين فهو بمنزلة كيفية سائر ما أخبرنا به من الغيب" (٢). وهذا البيان منه ﵀ كافٍ في الإجابة على اعتراض من اعترض باستحالة وزن الأعراض، إلى غير ذلك مما ذكره الصاوي؛ نقلًا عن القرطبي في كتابه التذكرة (٣). أما ما ذكره الصاوي متابعًا القرطبي في كون كفة الحسنات من نور والأخرى من ظلام؛ فلم أقف على عزو هذه الأقوال، والله أعلم.

стр. 546

الحوض والصراط: وردت أدلة كثيرة عن الرسول ﵊ في بيان صفة الحوض (١) منها ما أورده الصاوي، وكلها تفيد أنه من نعم الله الجليلة على نبيه ﷺ ، وعلى أمته من بعده قد اختصت به، وأنه لا يشرب منه من خرج على اتباع المصطفى، وانساق وراء الأهواء والشبه، وقد أورد الصاوي في تقرير ما ورد فيه مسألتين، وهما: ومن وروده للشرب منه، الثانية: حال رواده. فقد ذكر الصاوي اختلاف العلماء في زمن الشرب من الحوض، ورأى أن ذلك مما لا يضر الجهل به وهذا صحيح، وقد أورد القرطبي وابن حجر أقوال العلماء في ذلك (٢) والذي يظهر أن ما ذهب إليه القرطبي أصح ما قيل في ذلك، فقد ذهب ﵀ إلى أن الحوض يكون قبل الصراط، واستدل بحديث البخاري أن النبي ﷺ قال: (بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم، قلت أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم) (٣) يقول في وجه الاستدلال به: "فهذا الحديث مع صحته أدل دليل على أن الحوض يكون في الموقف قبل الصراط؛ لأن الصراط إنما هو جسر على جهنم ممدود يجاز عليه، فمن جازه سلم من النار" (٤) بقيت مسألة مهمة؛ وهي حال الناس مع الحوض في ورودهم إياه؛ فقد وردت أدلة كثيرة تفيد أن الحوض ترده أمة محمد ﷺ ، وأنه يرد عنه أهل الابتداع منهم، قال النبي ﷺ : (إني فرطكم على الحوض، من مر على شرب، ومن شرب لم يظمأ

стр. 547

أبدًا، ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بينى وبينهم، فأقول: إنهم منى، فيقال: لا تدرى ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن غير بعدى) (١) أما ما ذهب إليه الصاوي في إثبات الرد لأهل الابتداع في الدين بعد ذودهم عنه فقد قارب فيه كلام الحافظ ابن حجر في بعض توجيهاته للحديث، حيث قال: "وقيل هم أصحاب الكبائر والبدع الذين ماتوا على الإسلام، وعلى هذا فلا يقطع بدخول هؤلاء النار لجواز أن يذادوا عن الحوض أولًا عقوبة لهم ثم يرحموا" (٢) ولكن الدليل السابق صريح في ذهابهم إلى النار، وعلى كل فليس لرجوعهم مرة أخرى إلى الحوض بعد ذودهم عنه دليل ولا حتى من كلام الحافظ لأنه لم ينص على رجوعهم وإنما على إمكان حلول رحمة الله بهم فلا يصار بهم إلى النار. وفيه بيان ما للمبتدع من الوعيد الشديد. - أما عن الصراط فهو: "جسر ممدود على متن جهنم، يرده الأولون والآخرون، فهو قنطرة بين الجنة والنار" (٣). وفي بيان صفته يقول أبو سعيد الخدري ﵁: (بلغنى أن الجسر أدق من الشعرة وأحد من السيف) (٤). ويروى في ذلك حديث آخر مطول فيه أن رسول الله ﷺ قال: (ثم يؤتى بالجسر فيجعل بين ظهرى جهنم). قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: (مدحضة مزلة، عليه خطاطيف، وكلاليبا، وحسكة مفلطحة؛ لها شوكة عقيفة تكون بنجد، يقال له: السعدان، المؤمن عليها كالطرف وكالبرق وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم وناج مخدوش، ومكدوس في نار جهنم، حتى يمر آخرهم يسحب سحبًا) (٥).

стр. 548

مسألة الشفاعة: كانت هذه القضية من أعظم ما تطرق إليه الصاوي في حديثه عن حقائق يوم القيامة، وقد فصلت القول في أنواع شفاعة الرسول ﷺ الثابتة في الصحاح، ومع ذلك فكلامه في هذه المسألة ينقصه بيان أنواع الشفاعة من حيث الاعتقاد، فالتسليم بأن شفاعة الرسول ﷺ مقبولة قطعًا؛ لا يعني أن يعتقد إمكانها على كل حال، وفي حق كل أحد، كما يظن البعض، فقد يتوهم بعض الغلاة أنه إذا طلب الشفاعة من الرسول أو من بعض الصالحين فإن ما يرجوه من النجاة والفوز متحقق على جهة التأكيد، وألحق الذي لا مراء فيه أن الشفاعة المثبتة التي أتت الآيات والأحاديث بإثباتها لا تكون إلا بتحقق شرطين وهما: الإذن من المولى تعالى، ورضاه سبحانه عن المشفوع له، فإذا وجدت هذه الشروط حلت الشفاعة وأذن للشافع، قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. وإذنه تعالى مرتبط بتحقق رضاه، بمعنى أنه ثمرة له، ورضاه تعالى عن المشفوع له إنما يتحصل إذا كان من أهل الإخلاص والتوحيد، لحديث المصطفى ﷺ : (أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله، خالصًا من قلبه) (١). إذًا فاعتقاد قبول شفاعة النبي ﷺ لا ينافى ما تقدم؛ لأنه ﵊ لا يشفع إلا عند تحقق هذين الشرطين. وهذه الشفاعة المثبتة التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى أن الأمر كله لله وحده، فهى إذًا مستمدة من حقيقة التوحيد، الذي دعا الرسل إلى التمسك به، ومن المعلوم أن المشركين حين اعتقدوا استقلال آلهتهم في القيام بالشفاعة؛ صرفوا أنواع التقرب إليها من دون الله، فوقعوا في الشرك المخرج من التوحيد، وهذا ما نفسر به نفى الشفاعة في بعض الآيات، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ

стр. 549

عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] (١) وهذه هي المسماة بالشفاعة المنفية الشركية، التي ليس لها حقيقة إلا في أذهان معتقديها؛ كلما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. (٢) والأدلة على ثبوت الشفاعة للنبي ﷺ كثيرة مستفيضة، سبق وأن أوردت بعضها، وقد بلغت حد التواتر المعنوى، فإن: "شفاعة النبي ﷺ نوع من السمعيات، وردت بها الآثار حتى بلغت مبلغ التواتر المعنوى، وانعقد عليها إجماع أهل الحق من السلف الصالح". وأعظم أنواعها الشفاعة لفصل القضاء كما بين الصاوي، فإن هذه الشفاعة "مجمع عليها لم ينكرها أحد ممن يقول بالحشر، إذ هي للإراحة من طول الوقوف حين يتمنون الانصراف من موقفهم ذلك ولو إلى النار" (٣) وقد ثبتت الشفاعة أيضًا للأنبياء الآخرين، وكذلك للملائكة والشهداء والصالحين، قال رسول الله ﷺ في حديث مطول ذكر فيه بعض ما يكون من أهوال يوم القيامة: (فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي، فيقبض من النار، فيخرج أقوامًا قد امتحشوا، فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافته كما تنبت الحبة في حميل السيل) (٤). * * *

стр. 550

الجنة والنار أراد الله بحكمته وتمام عدله أن يجزى كل إنسان بما قدم من عمل؛ إن خيرًا فخيرًا وإن شرًا فشرًا، وحتى تقام الحجة على الخلق؛ فلا يدانى هذه الحقيقة الكونية الشرعية شك وارتياب أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب هداية وإرشادًا تبشيرًا وإنذارًا، وكانت جميع الرسالات تأتى يصدق بعضها بعضًا في الدعوة للتصديق بهذه الحقيقة؛ حتى أنيطت النجاة بالإيمان بها. والمتأمل في آيات الكتاب الكريم، يجد أن تقرير هذا الأصل العظيم من أصول الإيمان؛ قد عنى بشأنه عناية عظيمة، ولا شك أن في ذلك دلالة واضحة على بروز أهميته من بين مسائل العقيدة، إذ يحقق بدوره مدعاة عظيمة لاتباع الأمر واجتناب النهى، حتى لا يكاد يغيب عن المكلف المتأمل كتاب ربه ذلك المصير الجزائي العظيم. هذا ولم يقتصر الحديث عنهما على الكتاب فقط، بل تناولت السنة المطهرة الكثير من المسائل المتعلقة بهما، إما من حيث التأصيل أو من حيث البناء، أما ما ورد منها في تأصيل المعتقد، فمثل قوله ﷺ : (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) (١). وأما ما ورد من جهة البناء وزيادة البيان فكثير جدًا، فمنها ما يصف نعيم الجنة وما أعد الله تعالى للمتقين من ألوان النعيم المقيم، ومنها ما يبين أسباب دخولها والأعمال الموجبة لها إلى غير ذلك (٢).

стр. 551

رأي الشيخ الصاوي: المراد بالجنة: يعرف الصاوي الجنة لغة بأنها: "البستان"، ويعبر عن معناها الشرعي بقوله: "والمراد منها دار الثواب". وعن عدد أبوابها، يقول: "أبوابها الكبار ثمانية (١)، باب الشهادتين، وباب الصلاة، وباب الصيام، وباب الزكاة، وباب الحج، وباب الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وباب الصلة، وباب الجهاد في سبيل الله". ويصف داخل الجنة، بقوله: "ومن داخلها عشرة أبواب صغار، وهى سبع جنات متجاورة أوسطها وأفضلها الفردوس، وسقف الجميع عرش الرحمن، ويليها جنة المأوى وجنة الخلد وجنة النعيم وجنة عدن ودار السلام ودار الجلال، وقيل: أربع، وقيل: واحدة؛ وإنما التعدد في الاسم لشرفها، ولتحقق معانى تلك الأسماء فيها، ترابها المسك والزعفران، وفى كل قصر منها فرع من شجرة طوبى، وأصلها في بيت النبي ﷺ ، تطرح ما تشتهيه الأنفس، وبالجملة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر". أما مكان الجنة فيرى أنه: "فوق السموات السبع" (٢). المراد بالنار: - وعند حديثه عن النار؛ يبدأ ببيان منزلة الإيمان بها، يقول: "يجب الإيمان بها كغيرها في وجوب التصديق بوجودها شرعًا".

стр. 552

ويعرف النار شرعًا بأنها: "دار العذاب بجميع طبقاتها السبع". ويسترسل في الحديث عن هيئتها المريعة، فيقول: "أرضها من رصاص وسقفها من نحاس وحيطانها من كبريت وقودها الناس والحجارة". ويذكر من شدة ما ورد في وصفها "الحديث: (أن نار الدنيا أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم ألف سنة حتى احمرت، ثم ألف سنة حتى اسودت؛ فهى سوداء مظلمة) (١) " (٢). كما يرى تقسيم النار إلى طبقات، فـ "أعلاها جهنم وهى لعصاة المؤمنين وتحتها لظى هي لليهود، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج: ١٥، ١٦]. ثم الحطمة قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة: ٥، ٦]؛ وهي النصارى. ثم السعير قال تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] وهى للصابئين فرقة من اليهود، ازدادوا ضلالًا لعبادتهم العجل. ثم سقر وهي للمجوس عباد النار، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٦]. ثم الجحيم وهي لعبدة الأصنام، قال تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠، ٣١]. ثم الهاوية وهي للمنافقين، وكل من اشتد كفره كفرعون وهامان وقارون". ويعلل تقسيمه السابق؛ بقوله: هكذا ذكر الأشياخ تبعًا لبعض الأحاديث في النار.

стр. 553

ومع ذلك فهو يستدرك ذلك التقسيم؛ لوجود ما يعارضه بنص الكتاب، يقول: "ولكن آيات القرآن شاهدة بأن كل اسم من تلك الأسماء يطلق على ما يعم الجميع؛ لأنه يذكر صفات الكفار بأى وجه، ويعبر عن وعيدهم بأى اسم من هذه الأسماء". أما عن مكان النار فيرى أنه: "لم يصح في محل النار خبر" (١). (٢) خلود الجنة والنار: لقد كان من أهم ما تناوله في الحديث عن الجنة والنار مسألة الخلود، فيرى أنهما "يبقيان بإبقاء الله، خلافًا للجهمية القائلين بفنائهما وفناء أهليهما". ولما كان رأيه في هذه المسألة قد يظن أنه معارض للاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] فسره بأنه "مدة البرزخ والموقف". (٣) وعند تفسير لهذه الآية الكريمة أجمل ما ورد فيها من أقوال تبين عدم حجية القول بفناء النار أو الجنة استدلالًا بها، فقد استند القائلون بفنائهما إلى تعليق الخلود على دوام السموات والأرض، وكان من المعلوم أنهما إلى فناء وزوال، كما استندوا إلى الاستثناء الوارد، الذي يعلق الخلود على مشيئة الرب تعالى، وكل هذا مما يمكن رده بدلالة الآيات الكريمة نفسها، يقول مفندًا كل هذه الاستدلالات: إنه قد ذكر لها "نحو عشرين وجهًا في التفسير: - منها أن المراد بالسموات والأرض سقف الجنة والنار وأرضهما. - ويحتمل الاستثناء في جاب أهل الشقاوة على عصاة الأمة؛ فيكون المعنى خالدين فيها أبدًا إلا عصاة المؤمنين، الذين نفذ فيهم الوعيد، فلا يخلدون أبدًا، بل يخرجون بشفاعة النبي ﷺ . والاستثناء حينئذ؛ إما منقطع لعدم دخول هؤلاء في الأشقياء، أو متصل بجعل هؤلاء أشقياء باعتبار، وسعداء باعتبار آخر.

стр. 554

وفى جانب أهل السعادة على عصاة المؤمنين أيضًا لكن باعتبار تعذيبهم أولًا فيتأخرون في الدخول مع السابقين، فتحصل أن الاستثناء في كل محمول على العصاة، لكن في جانب أهل الشقاوة مستثنون من الخلود، وفي جانب أهل السعادة مستثنون من المبدأ، كأنه قال: فأما الذين سعدوا ففى الجنة من أول الأمر إلا ما شاء ربك من العصاة، فليسوا في الجنة من أول الأمر، بل هم في النار يعذبون ثم يخرجون. - ومنها أن المراد بالذين شقوا الكفار، وبالذين سعدوا المؤمنون، والاستثناء باعتبار أن بعض الكفار قد يثقل من النار إلى غيرها، كالزمهرير. وبعض المؤمنين قد ينقل من النعيم فيما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين إلى أعلى منه، وهو رؤية وجه الله الكريم ومخاطبته. - ومنها أن الاستثناء راجع لمدة تأخرهم عن دخول الجنة والنار؛ كمدة الدنيا والبرزخ؛ لأنهم لم يدخلوهما حين خلقوا سعداء وأشقياء" وكان هذا موافقًا لما ذكر في حاشية الخريدة. "ومنها غير ذلك". ثم يتبع هذه التأويلات بتقرير خلودهما، وإبطال كل ما يخالف ذلك، يقول: "وما تقدم من أن نعيم الجنان وعذاب النار دائم، هو ما دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها، والأخذ بظاهرها كفر" (١). * * * تعليق: يقوم مذهب السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم - فيما يختص بدار الجزاء على اعتقاد أن الجنة والنار كليهما مخلوقتان لا يفنيان، باقيتان بإبقاء الله تعالى لهما، قال الطحاوي في العقيدة السلفية: "والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان، فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق، وخلق لهما أهلًا، فمن

стр. 555

شاء منهم إلى الجنة فضلًا منه، ومن شاء منهم إلى النار عدلًا منه، وكل يعمل لما قد فرغ له، وصائر إلى ما خلق له، والخير والشر مقدران على العباد" (١) ويستند هذا الاعتقاد الصحيح إلى ما ورد من النصوص الشرعية الدالة على ذلك الأصل، فهناك آيات كثيرة وأحاديث صحيحة تدل دلالة صريحة إلى ما تقدم من كون الجنة والنار قد تم لهما الوجود، فهما موجودتان باقيتان بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥]. وفى الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات، عرض عليه مقعدة بالغداة والعشى، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة). (٢) وفي الصحيح أيضًا عن أنس ﵁، قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: أيها الناس! إني إمامكم، فلا تسبقونى بالركوع ولا بالسجود, ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإنى أراكم أمامى ومن خلفى، ثم قال: والذي نفس محمد بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا. قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) (٣). والأدلة في ذلك كثيرة، وكلها كما تقدم تفيد يقينًا وجود الجنة والنار. أما عن خلودهما بحيث لا يتعرضان للفناء بإذن الله، فهذا مما أجمع عليه سلف الأمة، يقول شيخ الإسلام ﵀: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أن من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة والنار

стр. 556

والعرش وغير ذلك، ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين، كالجهم بن صفوان ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع سلف الأمة وأئمتها". (١) وهذا ما ذكره ابن حزم ﵀ في الفصل، حيث يقول: "اتفقت فرق الأمة كلها على ألَّا فناء للجنة ولا لنعيمها، ولا للنار ولا لعذابها، إلا الجهم بن صفوان" (٢). وقد ناقش ﵀ أدلة الجهم فيما ذهب إليه، يقول: "وأما جهم بن صفوان فإنه احتج بقول الله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]، وبقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]. وقال: كما لا يجوز أن يوجد شيء لم يزل غير الله تعالى، فكذلك لا يجوز أن يوجد شيء لا يزال غير الله تعالى" ثم شرع ﵀ في الرد عليه قائلًا: "ما نعلم له حجة غير هذا أصلًا، وكل هذا لا حجة له فيه، أما قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فإنما عنى تعالى الاستحالة من شيء إلى شيء ومن حال إلى حال، وهذا عام لجميع المخلوقات دون الله تعالى، وكذلك مدد النعيم في الجنة والعذاب في النار، كلما فنيت مدة أحدث الله أخرى، وهكذا أبدًا بلا نهاية. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ فإن اسم الشيء لا يقع إلا على موجود، والإحصاء لا يقع على ما ذكرنا إلا على ما خرج إلى الفعل ووجد بعد، وإذا لم يخرج من الفعل فهو لا شيء بعد، ولا يجوز أن يعد لا شيء، وكل ما خرج إلى الفعل من مدة بقاء الجنة والنار، وأهلهما فمحصى بلا شك، ثم يحدث الله تعالى لهم مددًا آخر، وهكذا أبدًا بلا نهاية ولا آخر" (٣).

стр. 557

والأدلة على هذا كثيرة واضحة الدلالة، وقد استدل الإمام القرطبي على خلودهما بحديث ذبح الموت، وذلك أنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادى منادٍ: يا أهل الجنة, فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه. ثم ينادى: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] (١). وبعد أن ذكره مستدلًا به، قال: "هذه الأحاديث - يعني أحاديث ذبح الموت - مع صحتها نص في خلود أهل النار فيها، لا إلى غاية ولا إلى أمد، مقيمين على الدوام والسرمد من عُير موت ولا حياة ولا راحة ولا نجاة، بل كما قال في كتابه الكريم وأوضح فيه عن عذاب الكافرين: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ٣٦]. وقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]. وقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ١٩ - ٢٢] (٢). وقد يستند من شكك في بقائهما إلى الاستثناء الوارد في الآيات من سورة الزمر، وقد أجاب الصاوي على هذا الاشتباه بعدد من الأجوبة التي أجاب بها

стр. 558

السلف على ذلك الاشتباه وقد أوردها الإمام ابن أبي العز (١) في بيان إجماع أهل العلم على أبدية الجنة، فقال: "واختلف السلف في هذا الاستثناء، فقيل: - معناه إلا مدة مكثهم في النار، وهذا يكون لمن دخل منهم إلى النار ثم أخرج منها. - وقيل: إلا مدة مقامهم في الموقف. - وقيل: إلا مدة مقامهم في القبور والموقف. - وقيل: هو استثناء الرب ولا يفعله، كما تقول: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وأنت لا تراه، بل تجزم بضربه. . إلى آخر ما ذكر من أقوال، ثم قال: "وعلى كل تقدير، فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]. محكم، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤] وقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] وقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] (٢). وكان هذا التوجيه منه ﵀ من أحسن ما قيل في تفسير الاستثناء، حيث كان الإعراض عن الخوض في المتشابه، والرد إلى المحكم؛ مما امتدح الله تعالى عباده به؛ لأنه سيمة التسليم والإذعان، الذي يقتضيه الإيمان بالله تعالى والرضا بدينه. ومع أن هذا القول هو المجمع عليه عند أهل العلم، إلا أن هناك من خالف ذلك الإجماع فيما يتعلق بخلود النار، مستندًا إلى عدد من الأدلة السمعية والعقلية، وقد أورد الإمام ابن القيم ﵀ (٣) أدلة القائلين بذلك، مع ميله الواضح إلى

стр. 559

ترجيح ما ذهبوا إليه، ولم يكن هذا هو قوله الوحيد، بل له قول آخر انتصر له في عدد من مؤلفاته وهو القول بالتوقف، حيث استند في ذلك إلى الاستثناء الوارد في الآية، إذ إرجاع الأمر إلى مشيئة الله وحده يقضى بعدم التقديم بين يديه بغير دليل، ولكن الصحيح في المسألة أن الأدلة على بقاء النار من المحكم البين، الذي لا يرد عليه أدنى اعتراض، وليس في الجزم به ما يعارض أدب التلقى بالقبول عن الله ورسوله، بل القول به هو حقيقة ثمرة الرد إليهما (١). - أما عن تكفير من خالف في اعتقاد فناء النار فلا يجوز؛ لأن من قال به مجتهدًا وسعه في الفهم واستنباط الحكم فلا وزر عليه، قال ﵊: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (٢). "فالخلاف المذموم حقًا إنما هو من أولئك المقلدين، الذين يصرون على التدين بالتقليد، والإعراض عن الاهتداء بهدى رسول الله ﷺ مباشرة، والإخلاص له في اتباعه وحده دون سواه الذي هو من لوازم الشهادة بأنه رسول الله، وقد أمرنا بطاعته استقلالًا، لا يشاركه في ذلك أحد من البشر في غير آية من آيات الله ﵎، فأى خلاف شر من هذا الذي عليه المقلد هذا الذي يظل: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الجاثية: ٨] (٣). أما عن قوله بأن الأخذ بظاهر القرآن كفر، فقد سبقت الإشارة إلى إبطاله وعده من كلام أهل البدع المحرم في دين الله، والذي لم يثبت القول به عن أحد من السلف الكرام (٤).

стр. 560

الفصل التاسع: (آراؤه في الإيمان بالقضاء والقدر) وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: القضاء والقدر. المبحث الثاني: الحكمة والتعليل. المبحث الثالث: خلق أفعال العباد.

стр. 561

(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه) أصل معنى القضاء في اللغة هو: إحكام الشيء وإتقانه، وإلى هذا أشار ابن فارس (١) حيث قال: "القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح، يدل على إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته" (٢). أما القدر فله معانٍ متعددة؛ كلها ترجع إلى مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، يقول ابن فارس: "القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٣). وفي الاصطلاح فإن مغنى القضاء والقدر هو تعلق علم الله تعالى بالكائنات، وإرادته لها أزلًا قبل وجودها، فلا حادث إلا وقد قدره، أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته (٤). أما عن مكانة الإيمان بقضاء الله وقدره: خيره وشره، فإنه ركن من أركان الإيمان، حيث إن حقيقة الإيمان به هي الإيمان بالله تعالى، فإن الباعث الحق على الإيمان بهما هو الموجب لذلك من الرضا بربوبيته تعالى متصفًا بأسمائه وصفاته الحسنى (٥).

стр. 562

- والأصل في عد الإيمان بالقضاء والقدر ركنًا من أركان الإيمان، لا يقبل الله تعالى إيمان عبد إلا بتحققه منه: الأدلة التي ردت في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فهذا نص من المولى تعالى على أن جميع المخلوقات إنما تحقق وجودها وفقًا لما قدره تعالى بشأنها (١). أما الأدلة من السنة فأعظمها دلالة حديث جبريل ﵇ المشهور الذي قال فيه المصطفى ﷺ حين سئل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (٢). وقبل التطرق بالحديث عن الفرق التي ظهر عندها الانحراف في معتقد القدر داخل المجتمع المسلم؛ أود أن ألقى الضوء على بعض الحوادث، التي قد لا تكون يداية لخط الانحراف الذي داخل عقيدة المجتمع الإسلامى آنذاك، وإنما هي بمثابة الإرهاصات، أو بوادر الفتنة، التي ألمت بالمسلمين تجاه عقيدة القدر، وقد تعبر بشكل أو آخر عن شفافية هذا الموضوع، وارتباطه الوثيق بحقيقة الإيمان، الذي يعني التسليم التام لكل ما جاء به الشرع. فقد وقعت أحداث متعددة، تمثل صورًا أو حالات فردية، لم تتبلور بعد من الانحراف العقدى في القدر، منها ما وقع في عهد عمر ﵁: فيحكى أن رجلًا سرق فقال له عمر: لم سرقت؟ فقال: سرقت بقضاء الله وقدره، فأجابه عمر ﵁ بما يقطع عليه هذه الحجة، ويحسم مادة استشرائها في الأمة قائلًا: ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره (٣). وإذا كانت الحادثة السابقة تمثل صورة من صور الغلو في الإيمان بالقدر، فهناك ما يمثل الجانب الآخر من الجفاء والتفريط في هذا الأصل الإيمانى، فعن أبي يحيى مولى ابن عفراء، قال: أتيت ابن عباس ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر أو

стр. 563

ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس، ما تقول في القدر، لو أن هؤلاء أتوك يسألونك، وقال مرة يسألونك عن القدر، إن زنا وإن سرق أو شرب؟ فحسر عن قميصه حتى أخرج منكبيه، وقال: يا أبا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم، أو هذين معك لجاهدتهم، إن زنا فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر" (١). - أما عن أرباب الفتنة، ومن قام بوضع بذورها واحتوائها؛ فيحكى المؤرخون (٢) أن غيلان الدمشقى (٣) ومعبد الجهني (٤) هما أول من عرف عنه الخوض في القدر، وذلك في عهد المتأخرين من الصحابة الكرام، وقد أخذ عن معبد الجعد بن درهم الذي تولى كبر نشر هذه الفتنة بين المسلمين، وكان أن تصدى لهم جمع من الصحب الكرام يعلنون التبرؤ منهم، وتحذير الناس من ضلال ما أتوا به، حتى روى أن ذلك هو السبب في إخبار الصحابى الجليل عبد الله بن عمر بحديث جبريل ﵇ (٥). هذا وتنقسم القدرية؛ بحسب موقفهم من القدر إلى: قدرية غلاة، وأخرى متوسطة: - أما الغلاة منهم، فهم الذين أنكروا علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد: "حتى قال فيهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون" (٦).

стр. 564

أما القدرية المتوسطة فهم الذين أنكروا المشيئة والخلق المتعلق بأفعال العباد، ولهم في ذلك شبه سيأتي بيانها ومناقشتها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وتتزعم المعتزلة هذا الاتجاه ويظهر كمعتقد يتضمنه أصل من أصولها الخمس التي لا يعد معتزليًا إلا من بنى معتقده على أساسها (١). وفي مقابل هذا الاتجاه الغالى لنفى القدر ظهر الجبر كمعتقد يتزعمه الجهم بن صفوان مرددًا أقوال الكفرة الذين نزل بشأنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، ولما كان الغلو في هذا الاتجاه بارز المعالم، مناقضًا للكثير مما هو معلوم بالضرورة من الدين، وكان قد لقى رواجًا في أوساط بعض المسلمين؛ لما فيه من مناقضة لمذهب القدرية، الذين شاع تكفير الأئمة لهم، ظهر له امتداد على يد الأشاعرة، ولكن دونه من ناحية الغلو. يقول شيخ الإسلام: "فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف؛ فأثبتوا القدر، وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء ومليكه، وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهى والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد، فصارِوا من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] " (٢). * * * رأي الشيخ الصاوي: أولًا: تعريف القدر: يذكر الصاوي آراء من سبقه في تعريف القدر، فيقول: قالت الأشاعرة: هو إيجاد الله الأشياء على طبق ما سبق به علمه وإرادته.

стр. 565

فعليه هو صفة فعل؛ وهى حادثة. وقالت الماتريدية: هو تحديده أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح غير ذلك فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم، وقد يقال الخلاف لفظى، فمن نظر لمظهر الإيجاد قال: هو حادث، ومن نظر لتعلق العلم والإرادة التنجيزى الأزلى، قال: هو قديم. وللجمع بينهما، يعرفه بأنه "إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والإرادة". ثانيًا: تعريف القضاء: عرفه في اللغة بأنه: "الحكم" (١). أما في الاصطلاح فذكر أيضًا أقوال الماتريدية، والأشعرية، فعند الماتريدية يعرف بأنه: "الفعل بزيادة أحكام فعلية، فهو حادث". ويذكر تعريفًا آخر لهم، هو: "العلم المتعلق بالأشياء أزلًا" (٢). أما تعريفه عند الأشاعرة فهو: "إرادة الله المتعلقة بالأشياء أزلًا" "فالقضاء قديم على كليهما" (٣). والذي يبدو أن هذا هو الراجح لديه، لذكره إياه في تفسير قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. وينقل عن البعض أنه قال: القضاء والقدر هو شيء واحد، وهو إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والقدرة. ثم يعلق على هذه التعاريف المتعددة بقوله: "وفي الحقيقة الأشاعرة والماتريدية تعاكسا فما قالت الأشاعرة: إنه قضاء؛ قالت الماتريدية: إنه قدر، وبالعكس" (٤).
следующие страницы →