← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(المبحث الأول): القضاء والقدر (تعريفه ومراتبه) أصل معنى القضاء في اللغة هو: إحكام الشيء وإتقانه، وإلى هذا أشار ابن فارس (١) حيث قال: "القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح، يدل على إحكام أمره وإتقانه وإنفاذه لجهته" (٢). أما القدر فله معانٍ متعددة؛ كلها ترجع إلى مبلغ الشيء وكنهه ونهايته، يقول ابن فارس: "القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء وكنهه ونهايته" (٣). وفي الاصطلاح فإن مغنى القضاء والقدر هو تعلق علم الله تعالى بالكائنات، وإرادته لها أزلًا قبل وجودها، فلا حادث إلا وقد قدره، أي سبق علمه به، وتعلقت به إرادته (٤). أما عن مكانة الإيمان بقضاء الله وقدره: خيره وشره، فإنه ركن من أركان الإيمان، حيث إن حقيقة الإيمان به هي الإيمان بالله تعالى، فإن الباعث الحق على الإيمان بهما هو الموجب لذلك من الرضا بربوبيته تعالى متصفًا بأسمائه وصفاته الحسنى (٥).

стр. 562

- والأصل في عد الإيمان بالقضاء والقدر ركنًا من أركان الإيمان، لا يقبل الله تعالى إيمان عبد إلا بتحققه منه: الأدلة التي ردت في الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، فهذا نص من المولى تعالى على أن جميع المخلوقات إنما تحقق وجودها وفقًا لما قدره تعالى بشأنها (١). أما الأدلة من السنة فأعظمها دلالة حديث جبريل ﵇ المشهور الذي قال فيه المصطفى ﷺ حين سئل عن الإيمان: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) (٢). وقبل التطرق بالحديث عن الفرق التي ظهر عندها الانحراف في معتقد القدر داخل المجتمع المسلم؛ أود أن ألقى الضوء على بعض الحوادث، التي قد لا تكون يداية لخط الانحراف الذي داخل عقيدة المجتمع الإسلامى آنذاك، وإنما هي بمثابة الإرهاصات، أو بوادر الفتنة، التي ألمت بالمسلمين تجاه عقيدة القدر، وقد تعبر بشكل أو آخر عن شفافية هذا الموضوع، وارتباطه الوثيق بحقيقة الإيمان، الذي يعني التسليم التام لكل ما جاء به الشرع. فقد وقعت أحداث متعددة، تمثل صورًا أو حالات فردية، لم تتبلور بعد من الانحراف العقدى في القدر، منها ما وقع في عهد عمر ﵁: فيحكى أن رجلًا سرق فقال له عمر: لم سرقت؟ فقال: سرقت بقضاء الله وقدره، فأجابه عمر ﵁ بما يقطع عليه هذه الحجة، ويحسم مادة استشرائها في الأمة قائلًا: ونحن نقطع يدك بقضاء الله وقدره (٣). وإذا كانت الحادثة السابقة تمثل صورة من صور الغلو في الإيمان بالقدر، فهناك ما يمثل الجانب الآخر من الجفاء والتفريط في هذا الأصل الإيمانى، فعن أبي يحيى مولى ابن عفراء، قال: أتيت ابن عباس ومعى رجلان من الذين يذكرون القدر أو

стр. 563

ينكرونه، فقلت: يا ابن عباس، ما تقول في القدر، لو أن هؤلاء أتوك يسألونك، وقال مرة يسألونك عن القدر، إن زنا وإن سرق أو شرب؟ فحسر عن قميصه حتى أخرج منكبيه، وقال: يا أبا يحيى لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم، أو هذين معك لجاهدتهم، إن زنا فبقدر، وإن سرق فبقدر، وإن شرب الخمر فبقدر" (١). - أما عن أرباب الفتنة، ومن قام بوضع بذورها واحتوائها؛ فيحكى المؤرخون (٢) أن غيلان الدمشقى (٣) ومعبد الجهني (٤) هما أول من عرف عنه الخوض في القدر، وذلك في عهد المتأخرين من الصحابة الكرام، وقد أخذ عن معبد الجعد بن درهم الذي تولى كبر نشر هذه الفتنة بين المسلمين، وكان أن تصدى لهم جمع من الصحب الكرام يعلنون التبرؤ منهم، وتحذير الناس من ضلال ما أتوا به، حتى روى أن ذلك هو السبب في إخبار الصحابى الجليل عبد الله بن عمر بحديث جبريل ﵇ (٥). هذا وتنقسم القدرية؛ بحسب موقفهم من القدر إلى: قدرية غلاة، وأخرى متوسطة: - أما الغلاة منهم، فهم الذين أنكروا علم الله تعالى وكتابته ومشيئته وخلقه لأفعال العباد: "حتى قال فيهم الأئمة، كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم: إن المنكرين لعلم الله المتقدم يكفرون" (٦).

стр. 564

أما القدرية المتوسطة فهم الذين أنكروا المشيئة والخلق المتعلق بأفعال العباد، ولهم في ذلك شبه سيأتي بيانها ومناقشتها في المباحث التالية إن شاء الله تعالى، وتتزعم المعتزلة هذا الاتجاه ويظهر كمعتقد يتضمنه أصل من أصولها الخمس التي لا يعد معتزليًا إلا من بنى معتقده على أساسها (١). وفي مقابل هذا الاتجاه الغالى لنفى القدر ظهر الجبر كمعتقد يتزعمه الجهم بن صفوان مرددًا أقوال الكفرة الذين نزل بشأنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، ولما كان الغلو في هذا الاتجاه بارز المعالم، مناقضًا للكثير مما هو معلوم بالضرورة من الدين، وكان قد لقى رواجًا في أوساط بعض المسلمين؛ لما فيه من مناقضة لمذهب القدرية، الذين شاع تكفير الأئمة لهم، ظهر له امتداد على يد الأشاعرة، ولكن دونه من ناحية الغلو. يقول شيخ الإسلام: "فقابل هؤلاء قوم من العلماء والعباد وأهل الكلام والتصوف؛ فأثبتوا القدر، وآمنوا بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه خالق كل شيء ومليكه، وهذا حسن وصواب لكنهم قصروا في الأمر والنهى والوعد والوعيد، وأفرطوا حتى خرج غلاتهم إلى الإلحاد، فصارِوا من جنس المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] " (٢). * * * رأي الشيخ الصاوي: أولًا: تعريف القدر: يذكر الصاوي آراء من سبقه في تعريف القدر، فيقول: قالت الأشاعرة: هو إيجاد الله الأشياء على طبق ما سبق به علمه وإرادته.

стр. 565

فعليه هو صفة فعل؛ وهى حادثة. وقالت الماتريدية: هو تحديده أزلًا كل مخلوق بحده الذي يوجد به من حسن وقبح غير ذلك فهو تعلق العلم والإرادة، وعليه فهو قديم، وقد يقال الخلاف لفظى، فمن نظر لمظهر الإيجاد قال: هو حادث، ومن نظر لتعلق العلم والإرادة التنجيزى الأزلى، قال: هو قديم. وللجمع بينهما، يعرفه بأنه "إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والإرادة". ثانيًا: تعريف القضاء: عرفه في اللغة بأنه: "الحكم" (١). أما في الاصطلاح فذكر أيضًا أقوال الماتريدية، والأشعرية، فعند الماتريدية يعرف بأنه: "الفعل بزيادة أحكام فعلية، فهو حادث". ويذكر تعريفًا آخر لهم، هو: "العلم المتعلق بالأشياء أزلًا" (٢). أما تعريفه عند الأشاعرة فهو: "إرادة الله المتعلقة بالأشياء أزلًا" "فالقضاء قديم على كليهما" (٣). والذي يبدو أن هذا هو الراجح لديه، لذكره إياه في تفسير قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]. وينقل عن البعض أنه قال: القضاء والقدر هو شيء واحد، وهو إيجاد الله للأشياء على طبق العلم والقدرة. ثم يعلق على هذه التعاريف المتعددة بقوله: "وفي الحقيقة الأشاعرة والماتريدية تعاكسا فما قالت الأشاعرة: إنه قضاء؛ قالت الماتريدية: إنه قدر، وبالعكس" (٤).

стр. 566

- وفي بيان العلاقة بينهما يقول: "فالتصرف الذي يظهر في الخلق من حيث وجوده على طبق العلم والإرادة قدر، ومن حيث تعلق علم الله وإرادته به قضاء، فكل شيء بقضاء وقدر" (١). ولتحديد هذه العلاقة؛ نجده يعلق على تفسير السيوطي عند اقتصاره على تعريف القدر بقوله: "إما لأن بينهما تلازمًا أو لترادفهما" (٢). وبهذا التعليق يخرج الصاوي من تلك الأقوال المتعددة، وليس له تعريف جامع لهما. ثالثًا: مراتب القدر: أما عن مراتب القدر، فكلامه فيها كلام المؤمنين بالقدر المثبتين له على مراتبه الأربعة، وهذا لا ينفى ما وقوع فيه من المخالفات المتعلقة بأفعال العباد؛ كما هو عليه مذهب الأشاعرة (٣). مرتبة العلم: قد سبق لي بيان مذهبه في الصفات السبعة المثبتة، وكانت صفة العلم واحدة من تلك الصفات، فالصاوى يرى أن العلم التام الكامل المحيط بكل ما هو موجد لا يكون إلا لله تعالى، وبهذا يحرج كثيرًا على من اعتقد أن علم الرسول ﷺ أو علم أحد من الأنبياء كعلمه تعالى، يقول: "وأما من قال إن نبينا أو غيره أحاط بالمغيبات علمًا كما أحاط علم الله بها فقد كفر". ولكن هذا لا يمنعه من اعتقاد أن رسول الله لم يخرج من الدنيا: "حتى أعلمه الله بجميع المغيبات التي تحصل في الدنيا والآخرة؛ فهو يعلمها كما هي عين يقين، ولكن أمر بكتمان البعض.

стр. 567

وفي تخريج ما قد يعارض به هذا الاعتقاد من إقراره ﷺ بأنه لا يعلم الغيب يرى الصاوي: "أنه قال ذلك تواضعًا، أو أن علمه بالمغيب كلِّ علم؛ من حيث إنه لا قدرة له على تغيير ما قدر الله وقوعه. فيكون معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]: "لو كان لي علم حقيقى بأن أقدر على ما أريد وقوعه لاستكثرت. ." (١). وتأسيسًا لمكانة العلم فإنه يقول: "من سبق في علم الله خسرانه فلا يتأتى له الإيمان في الدنيا" (٢). مرتبة الكتابة: في تفسير قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يذكر الصاوي على جهة التدليل لمرتبة الكتابة حديث رسول الله ﷺ : (أول ما خلق الله القلم ثم قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما كان، وما يكون إلى يوم القيامة) (٣). وفي بيان مراتب الكتابة ينقل كلام القرطبي في ذلك، فيقول: "الأقلام ثلاثة في الأصل: القلم الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده وأمره أن يكتب في اللوح المحفوظ. والثاني: قلم الملائكة الذين يكتبون به المقادير، والكوائن من اللوح المحفوظ. والثالث: أقلام الناس يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها إلى مآربهم" (٤). ومما يتعلق بهذه المرتبة: مسألة المحو، فقد دل قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] على أن بعض ما يقدره الله تعالى كتابة قد

стр. 568

يرفع فلا يتحقق له الوقوع كما كتب أولًا، وهذا المعنى مما ثبت به الخبر عن المصطفى ﷺ حيث قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (١). والصاوى عند تفسير هذه الآية الكريمة يعرض ما ورد فيها من أقوال، فقد ذهب البعض إلى أن المحو قد يقع في اللوح المحفوظ، وفي الصحف معًا، وبهذا المعنى يكون المراد بأم الكتاب؛ علم الله تعالى المتعلق بالأشياء أزلًا. أما القول الثاني فيما يقع فيه التغير أن المحو والإثبات يقعان في صحف الملائكة فقط. وعلى هذا يكون المراد بأم الكتاب؛ اللوح المحفوظ، وهو لا يقبل التغيير، ولا التبديل. وبهذا العرض المجمل يصل الصاوي إلى الفائدة المستخلصة من جملة الآراء، فيقول: "والحاصل أن ما في علم الله لا يقبل التغيير جزمًا، والخلاف في اللوح المحفوظ، والآية محتملة" (٢). - وفي بيان الفرق بين العلم والكتابة؛ فإنه يقوم بعقد مقارنة بينهما؛ يبين فيها أن العلم دائرته أوسع من اللوح، ودليله في ذلك أن "ذات الله وصفاته أحاط بها العلم لا اللوح والكائنات، وما يتعلق بها أحاط بها اللوح والعلم" (٣). مرتبة المشيئة: يعرف الصاوي المشيئة بالإرادة، فلا يرى ثمة فرقًا بينهما، ويبين بعد ذلك ما تتعلق به الإرادة؛ حيث يقصر تعلقها على الممكن دون المستحيل، أو الواجب كما سبق بيانه. فالأسماء والصفات الحسنى لا تعلق للمشيئة بها، والمستحيل كذلك (٤).

стр. 569

يؤكد هذا أنه في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ أول الإرادة بالمحبة، يقول: "وليست الإرادة على حقيقتها؛ لأنه يقتضى أن إرادة المده متعلقة بتوبة كل عاصٍ، مع أنه ليس كذلك فالمعنى؛ الله يحب توبة العبد فيتوب عليه" (١). ومع عدم تفريقه بين المشيئة والإرادة؛ إلا أنه يرى ثمة تغايرًا بين الإرادة والأمر، يقول: "القسمة رباعية، لأنه: - إما أن يأمر ويريد؛ كإيمان المؤمنين والأنبياء: أمرهم به، وأراده منهم، بدليل وقوعه. - وإما ألَّا يأمر ولا يريد؛ ككفر من ذكر، لم يأمرهم به، ولم يرده منهم؛ إذ لو أراده لوقع. - وإما أن يأمر ولا يريد؛ كإيمان أبى جهل وإبليس وأضرابهم، أمرهم بالإيمان، ولم يرده منهم؛ إذ لو أراده لوقع. - وإما أن يريد ولا يأمر، ككفر من ذكر أراده منهم؛ بدليل وقوعه منهم. فبين الأمر والإرادة عموم وخصوص من وجه؛ يجتمعان في إيمان المؤمنين؛ وينفرد الأمر دون الإرادة في إيمان الكافر، وتنفرد الإرادة دون الأمر في كفرهم". أما عن علاقة الأمر بالرضا، فيقول: "وبين الأمر والرضا تلازم؛ لأنه لا يأمر إلا بما يرضاه" (٢). مرتبة الخلق: يعتقد الصاوي بأن الله تعالى هو المنفرد بالخلق والإيجاد، ولكنه لتقرير هذا يمنع فعل العباد على الحقيقة فيبطل الأثر ويرد السبب، وله في ذلك كلام طويل، وشبه عديدة، وردود على غيره ممن خالفه في ذلك، وسأرجئ الكلام فيها لمبحث خاص؛

стр. 570

حتى يتم بحول الله تعالى الوقوف على كل النقاط، ومن ثم مناقشتها في ضوء منهج السلف الكرام. * * * المناقشة: لما كان التفريق بين القضاء والقدر مما لم يرد فيه قول ثابت بنص الكتاب والسنة؛ فقد اختلف العلماء في تحديد ذلك على أقوال عدة؛ فالأول: أنه لا فرق بينهما حيث صح إطلاق أحدهما على الآخر، مما يدل على عدم وجود مسوغ للتفريق. الثاني: القول بالتوقف حيث امتنع التفريق بصريح الأدلة من الكتاب والسنة وعليهما المعول فيما شأنه التوقف (١). الثالث: أنه يفرق بينهما، ولهم في توجيه ذلك الفرق عدد من الأقوال: ١ - منها ما أورده الحافظ ابن حجر ﵀ بقوله: "القضاء هو الحكم الكلى الإجمالى في الأزل، والقدر جزيئات ذلك الحكم وتفاصيله" (٢). ٢ - ومنها ما ذكره بعض العلماء؛ من أن القضاء هو ما يتحقق وقوعه، أما القدر فهو مما يمكن توقف إنفاذه، فيكون القدر بمثابة العلم الأزلى، والقضاء المشيئة النافذة (٣)، وهذا التفريق تبطله الأدلة التي دلت على أن كلا الأمرين قد يتغير فلا يقع، فعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يغنى حذر من قدر والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) (٤). وكما ورد ما يفيد رفع القدر وتغييره فقد ورد أيضًا في القضاء فعن النبي ﷺ أنه قال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) (٥).

стр. 571

٣ - وقد ذهب الأشاعرة إلى توجيه آخر لذلك الفرق، يقول الإيجى: "واعلم أن قضاء الله عند الأشاعرة هو إرادته الأزلية المتعلقة بالأشياء على ما هي عليه فيما لا يزال. وقدره: إيجاده إياها على قدر مخصوص، وتقدير معين في ذواتها وأحوالها" (١). ٤ - أما الماتريدية؛ فيعرف القضاء على مذهبهم؛ بأنه انقطاع الشيء وتمامه، وعليه فإن الطاعات والمعاصى كلها بقضاء الله، أي بخلقه وتكوينه. وأما القدر؛ فهو عندهم على وجهين: أحدهما: الحد الذي يخرج عليه الشيء، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه من خير أو شر، من حسن أو قبح، من حكمة أو سفه. والثانى: بيان ما يقع عليه كل شيء من زمان ومكان، وما له من الثواب والعقاب" (٢). ومع كل ما تقدم من آراء الصاوي وغيره من العلماء يمكن الخلوص إلى الجادة الوسط، وهى أن العلاقة بينهما شبيهة بالعلاقة بين الإسلام والإيمان، وهذا ما ذكره الصاوي على غير جهة الجزم. وعليه فلا انفكاك لأحدهما عن الآخر، حتى إذا أفرد أحدهما بالذكر دخل فيه الثاني على جهة التضمن أو التلازم، ولا مشاحة في الإصطلاح. لذا فإن "جماع القول في هذا الباب؛ أنهما أمران لا ينفك أحدهما عن الآخر، لأن أحدهما بمنزلة الأساس، والآخر بمنزلة البناء، فمن رام الفصل بينهما فقد رام هدم البناء ونقضه" (٣). * * *

стр. 572

مراتب القدر: أما عن مراتب القدر فمن الملاحظ عند تتبعى لآرائه في هذا الباب أنه لم يتعمد جمعها ولا الترتيب فيها؛ إذ كل ما نقلته عنه إنما هي أقوال متناثرة جمعتها ورتبتها وفق المنهج المتبع عند السلف الكرام، وهذا ما يدعونى للوقوف عليها مرة أخرى ومن ثم تدارك ما فاته منها، ومناقشته في بعض القضايا المتعلقة بها: أولًا: مرتبة العلم، فالله تعالى قد وسع علمه كل شيء، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ سئل عن أولاد المشركين، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) (١). ومن ذلك ما ورد عن علي ﵁، حيث قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم جالسًا وفي يده عود ينكث به، فرفع رأسه فقال: (ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار)، قالوا: يا رسول الله؛ فلم نعمل؟ أفلا نتكل؟ قال: (لا، اعملوا، فكل ميسر لما خلق له)، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (٢). فإنه مما لا شك أن هذا أصل عظيم من أصول الإيمان بالقدر، حتى كان المعول عليه في إبطال حجج الخصم من القدرية النافين. ولا ريب في أن الصاوي كان موافقًا للحق حين أقر بأن العلم التام المحيط بكل شيء لا يعلمه إلا الله تعالى، وأن من اعتقد مماثلة علم النبي ﷺ لعلم الله تعالى فقد كفر، ولكن هذا الاعتقاد ليس بكافٍ في إخراجه من دائرة الغلو الذي أوقعه فيه ميله إلى التصوف؛ إذ الآية صريحة في أن هذه الأمور مما اختص الله تعالى بعلمها

стр. 573

وأنه ﵊ لا يعلم منها إلا ما كشف له، ومع هذا فلا يعد عالمًا بها على جهة التمام، فمن اعتقد أن النبي يعلم وقت الساعة فقد كفر، ومن اعتقد أنه ﵊ يعلم ما تكسب كل نفس فقد كفر لأنه خالف ما هو معلوم بالضرورة من دين الإسلام، قال تعالى آمرًا نبيه: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وبهذا يعلم أن ما ذكره الصاوي من كونه ﷺ لم يخرج من الدنيا حتى علم مغيبات الدنيا والآخرة؛ مما لا مستند له في الشرع؛ بل الأدلة تضافرت على إثبات خلافه، أما ما خرج به قوله ﷺ : ﴿لَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾؛ بأنه على سبيل التواضع، أو العلم الذي لا أثر له في القدر؛ فغير مسلم، لأن الآية قد اشتملت على أمر متضمن لخبر، والخبر لا يصح فيه النسخ، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد دل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]؛ على أن غيب الدنيا والآخرة مما اختص المولى تعالى بالإحاطة به، فلا يكون لغيره أبدًا، فكيف يصح نسبته لمن أمر بتبليغ هذا الخبر إلى الناس كافة؟ والذي نخلص إليه أن كل هذه التخريجات؛ هي من قبيل المغالطات التي لا أساس لها من الصحة، لذا فإن اعتقاد ما قصد بها يعد قدحًا في جناب التوحيد؛ لأن فيها نسبة الكمال الذي لا ينبغى إلا لله تعالى لأحد من البشر. ثانيًا: مرتبة الكتابة؛ وتعنى أن الله تعالى قد كتب مقادير المخلوقات، وأصل الكتابة ما كتب في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. ومن السنة قول المصطفى ﷺ : (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء) (١).

стр. 574

ويحسن بى من باب إتمام الكلام فيها أن أذكر ما يتعلق بها من مراتب مع مرتبة العلم، استنادًا لما ورد في ذلك من أدلة ثابتة: - التقدير الأول: هو ما كان سابق لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ استنادًا للحديث الثابت عن رسول الله ﷺ . - التقدير الثاني: عند أخذ الميثاق من بنى آدم ﵇ وهم في عهد الذر، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. - التقدير الثالث: وهو التقدير العمرى للإنسان (١) ويكون عند حمل أمه به، بعد مضى أربعة أشهر؛ على الراجح من أقوال العلماء، وهذا ما دل عليه حديث المصطفى ﷺ ، حيث قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، . .، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع: برزقه، وأجله، وشقى، أو سعيد. . .) (٢). - التقدير الرابع: وهو الحولى، ويكون في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]. - التقدير الخامس: وهو التقدير اليومى الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقال ﷺ : (من شأنه أن يغفر ذنبًا ويفرج كربًا ويرفع قومًا ويخفض آخرين) (٣). ثالثًا: مرتبة المشيئة؛ وتعنى الإيمان الجازم بأن كل ما يجرى في هذا الكون فهو بمشيئة الله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ

стр. 575

رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]. ومن السنة المطهرة قول النبي ﷺ للرجل الذي قال له: ما شاء الله وشئت: (أجعلتنى والله عدلًا، بل ما شاء الله وحده) (١). فهذا الحديث واضح في الاستدلال لهذه المرتبة، وحجة قاطعة في إثبات أن الأمر كله راجع لمشيئته تعالى، فلا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه. ويقوم مذهب السلف في الإيمان بهذه المرتبة على أساس التفريق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فليس كل ما أراده الله تعالى شرعًا يتحقق له النفاذ القدرى، وليس كل ما أراده قدرًا يكون مرادًا له في الشرع. وبهذا يصح تقسيم الإرادة إلى: كونية وأخرى شرعية. فالكونية في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. والشرعية في مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وبذلك تكون الإرادة الكونية هي المرادفة للمشيئة القدرية النافذة المتحققة الوقوع، ولا يشترط فيها أن تكون مرادة لله تعالى شرعًا أي محبوبة مرضية له تعالى (٢)، وعلى هذا الأساس يمكن تحديد علاقة الإرادة بالمشيئة بأن بينهما العموم والخصوص المطلق، فكل مشيئة إرادة، وليست كل إرادة مشيئة؛ لأن منها ما هو شرعى وليس شرعى وليس بقدرى، كما سبق بيانه. وعليه يكون كلام الصاوي السابق في العلاقة بين الإرادة والأمر مخرجًا على هذا النحو؛ لأن في هذا التقسيم إعمالًا للنصوص الشرعية الدالة على أن الإرادة قد تطلق على ما هو مراد لله تعالى شرعًا لا قدرًا، كالآية التي ذكرتها من قبل: ﴿يُرِيدُ

стр. 576

اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، ولا داعى لما ذهب إليه من إخراج الإرادة هنا عن حقيقتها، ويكون الصواب فيها أن تبقى على ظاهرها، ويراد بها الإرادة الشرعية المقدرة وقوعًا في المؤمن دون الكافر (١). وهذا ما يلزمه أيضًا في الأمر، فالذى يكون بينه وبين الرضا تلازم؛ هو الأمر الشرعي لا الكونى القدرى، فقد قسم العلماء الأمر على ضوء الآيات التي ورد فيها؛ إلى أمر شرعى: وهو المحبوب المراد لله تعالى شرعًا، إلى أمر قدرى: وهو ما نفذ منه دون اشتراط الرضا فيه. والقدرى في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. أما الشرعي ففى مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]. وهذا ما يرد أيضًا في القضاء, "فإن القضاء يكون كونيًا وشرعيًا، وكذلك الإرادة، والأمر، والإذن، والكتاب، والحكم، والتحريم، والكلمات ونحو ذلك" (٢) بدليل الكتاب والسنة. رابعًا: مرتبة الخلق؛ وهي الاعتقاد الجازم بأنه ما من موجود بعد الواحد الأحد، إلا وهو خلق من خلق الله تعالى، ويدخل في ذلك أفعال العباد، فهى مخلوقة له (٣). قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد: ١٦]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ووجه الاستدلال بهذه الآية هو التقسيم الوارد في معنى (ما): فإما أن تكون ما

стр. 577

هنا مصدرية فيصير المعنى: والله خلقكم وعملكم، أو موصولة فيكون المعنى: والله خلقكم والذي تعملونه من أصنام، وكلا المعنيين بينهما تلازم، إذ يلزم من كونه تعالى خالقًا للصنعة؛ أن يكون خالقًا للفعل الذي أنتجها، وكذلك إذا كان خالقًا للعمل؛ أن يكون ما ينتج عنه مخلوقًا له (١). ومن السنة أقوال المصطفى ﷺ ، والتى تدل على إرجاع الأمر لله وحداه، وأن كل خير منه، وأنه لا حول ولا قوة إلا به، قال ﵊ لأبي موسى الأشعري: (يا عبد الله بن قيس ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة: لا حول ولا قوة إلا بالله) (٢)؛ فلا تحول للعبد من حال إلى حال إلا بحول الله وقوته. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يقول عند حفر الخندق: (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فأنزلن السكينة علينا، وثبت الأقدام إن لاقينا، إن الأولى قد بغوا علينا، إذا أرادوا فتنة أبينا) (٣)؛ فنسب التوفيق لفعل الخير إلى الله، فلولا توفيقه، وتقديره الخير لنا لما اهتدينا، ولا تصدقنا، ولا صلينا. وثبت أيضًا عن النبي ﷺ قوله: (إن الله يصنع كل صانع، وصنعته). وقال الإمام البخاري في خلق أفعال العباد: "فأخبر أن الصناعات وأهلها مخلوقة" (٤). وقد أفردت الحديث عنها لعظيم ما تعلق بها من مسائل الشرع والتوحيد. * * *

стр. 578

(المبحث الثاني): الحكمة والتعليل في أفعال الله تعالى ينبنى الإيمان بقضاء الله تعالى وقدره في مذهب السلف الصالح على أسس، لا يصح الإيمان إلا بها: أولًا: التسليم المقتضى للرضا بكل ما قدره الله تعالى، وذلك من حيث المؤثر في وجوده من صفاته تعالى، لا من حيث متعلقه من أفعال العباد وغيرها، مما لا يصح الرضا به لعدم تحقق الإرادة الشرعية له من عند الله تعالى. ثانيًا: اعتقاد أن الله تعالى حكيم في فعله وخلقه وأمره، إذ كل ما يقضيه سبحانه ويقدره فهو دائر بين العدل والفضل، صادر عن إرادته الحكمة البالغة في كل ما يكون منه تعالى، كما في الآية الكريمة: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]. ومما يدل على أن كل ما هو منه تعالى فلحكمة يراها سبحانه، قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] إذ الخير منه تعالى وإليه، والشر ليس إليه، فقد ثبت في الحديث الشريف أنه ﷺ كان يقول في دعائه: (لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك) (١). أما كون أفعاله تعالى دائرة بين العدل والفضل؛ فهذا مما تواترت الأدلة على إثباته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤]. وحتى يرتبط مفهوم الإيمان بالقدر، وأن كل شيء متعلق بقدرته تعالى مع مفهوم الحكمة والعدل؛ توجه المعنى المراد بالظلم المنفى عن الله تعالى؛

стр. 579

بأنه وضع الشيء في غير محله؛ فكان تفسير الظلم بهذا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بإثبات الحكمة له، وأنه سبحانه عدل مريد لكل ما هو محمود، وأسماؤه الحسنى تعالى كلها دالة على هذه الحقيقة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]. وكثيرًا ما تأتى التكاليف الشرعية متوجة ببيان الحكمة منها، فيصبح الدافع للعمل من الإيمان مصحوبًا بمعرفة مكمن الخير والنفع المراد منه، ومع هذا فقد تخفى، بل ويكون في خفائها منفعة أخرى أعظم يراها سبحانه، فيكون الدافع للامتثال حينئذ هو الإيمان والتسليم، كما قال في محكم التنزيل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فكل ما هو من عند الله تعالى لحكمة يعلمها، وانتفاء العلم بها لا يعني انعدامها، كما يقال: عدم العلم ليس علما بالعدم، وعلى هذا درج اعتقاد السلف من الأئمة والفقهاء في هذه المسألة التي تعد "من أجل مسائل التوحيد المتعلقة بالخلق والأمر، بالشرع والقدر" (١) ولما كانت المسألة بهذه الأهمية البالغة من حيث ما تعلقت به من عظيم مسائل الشرع والقدر، اختلفت مذاهب الناس فيها اختلافًا كبيرًا، وانبنى على ذلك أساس التباين في موقفهم من القدر، خصوصًا ما تعلق منه بأفعال العباد. فقد ذهبت الأشاعرة إلى القول بعدم جواز تعليل أفعال الله تعالى بشيء من الأغراض والعلل الغائية، وكان هذا قول "كثير ممن يثبت القدر، وينتسب إلى السنة من أهل الكلام والفقه وغيرهم، وقد قال بهذا طوائف من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وهو قول الأشعري وأصحابه، وقول كثير من نفاة القياس الظاهرية". (٢) وحجتهم في ذلك أن الغاية والحكمة تعنى الغرض، والغرض لا يجوز على الله

стр. 580

تعالى تنزيهًا له - عندهم - لاعتقادهم أن من يفعل لغرض فقد استكمل به، "والمستكمل بغيره ناقص لذاته". (١) ولما انتفى مفهوم الحكمة عند الأشاعرة لهذه الحجة ظهر امتداد له في قضية الظلم المنفى عن الله فإنهم لما غلو في نفى تعليل أفعال الله تعالى؛ جعلوا الظلم أمرًا لا يمكن تصوره بالعقل لانتفائه في الإمكان الذهنى، يقول الآمدي: وأما "قولهم: يلزم منه الظلم، فإنما يتصور أن لو كان قابلًا لاتصافه بالظلم وليس كذلك، فإن الظلم إنما يتصور في حق من تصرفه في ملك غيره من غير حق، أو بمخالفة من المتصرف فيما هو داخل تحت أمره وحكمه، وذلك كله مما لا يمكن في حق الله تعالى". (٢) أما المعتزلة فقد ذهبت إلى النقيض من ذلك حيث غلت في تعليل أفعال الله تعالى بالغايات والعلل الحميدة، فلا يصدر عنه إلا ما تقتضيه تلك الحكمة من فعل وخلق وأمر، ولكن الخلاف معهم يدور حول مفهوم تلك الحكمة، فقد قاسوا أفعاله تعالى على أفعال العباد وبالتالى نفوا أن يكون مريدًا وخالقًا لأى فعل ظاهره الشر، وكان أن التزموا لتقرير هذا الأصل تعريف بأنه "كل ضرر لا نفع فيه، ولا دفع ضرر، ولا استحقاق". (٣) فكان هذا أصل في اعتقادهم تنزيه الله تعالى عن الظلم؛ ومنع نسبة أفعال العباد له على جهة الخلق والإيجاد (٤)، والغلو في تعليل أفعال الله تعالى إثباتًا للحكمة بالمقياس البشرى: ومع كل ما تقدم، فلا يرجعون حكمها إلى الله تعالى؛ إذ يمتنعون عن وصفه بها، كما يوصف بصفة القدم مثلًا. (٥)

стр. 581

رأي الشيخ الصاوي: يسير الصاوي على نفس نهج أشياخه في منع تعليل أفعال الله تعالى، ويحتج لذلك بنفس الشبهة التي احتج بها من قبله، وهى شبهة الاستكمال بالغير، ومع ذلك فهو يقر بوجود الحكمة الغائية في الفعل والتى يشهد بوجودها الإتقان والإحكام في كل ما خلقه تعالى في هذا الوجود، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣]. "ليمكروا فيها: اللام إما لام العاقبة والصيرورة، نظير: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، أو لام العلة بمعنى الحكمة. وأما قولهم: تنزه الله عن العلة، فمعناه: العلة الباعثة على الفعل ليتكمل به، وأما الحكم فلا تخلو أفعال الله عنها، سبحانك ما خلقت هذا عبثًا". (١) ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢]: "للام للعلة الغائية؛ وهى المترتبة على آخر الفعل، وليست علة باعثة؛ لاستحالة الأغراض على الله تعالى في الأفعال، والأحكام". (٢) وعلى هذا الأساس يفسر الحكمة، كصفة في حق المولى تعالى، يقول: - "ذو الحكمة: أي: الإتقان، فالحكيم ذو الصنع المتقن". (٣) - "ذو الحكمة: أي: العلم التام، فالحكيم بمعنى العالم". (٤) ولكن له تفسير آخر لهذه الصفة العظيمة يناقض مذهبه في إثبات الحكمة بمعنى العلة الغائية دون الباعثة - على فرض التفريق بينهما -، يقول: "ذو حكمة، وهى وضع الشيء في محله". (٥)

стр. 582

وتأكيدًا لما ذهب إليه أولًا؛ فإنه يرى أن في نفى الحكمة مخرجًا من إيهام التناقض بين الشرع والقدر، فقد سبق وأن ذكرت تفريقه بين ما يريده تعالى، وما يأمر به، وكيف أنه أثبت لله تعالى إرادته لبعض ما قضى به دون أن يكون ذلك مرضيًا له، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] "إن الإرادة لا تستلزم الرضا، بل قد يريد شيئًا، ولا يرضى به لتنزهه عن الأغراض في الأحكام، والأفعال، فلا تقاس أفعال الله على أفعال العباد؛ وذلك لأن ما يغضب الله لا يصل له منه ضرر، وما يرضيه لا يصل له منه نفع، بل معنى ذلك؛ أنه يعاقب على ما يغضبه، ويثيب على ما يرضيه، بخلاف العباد؛ فرضاهم لازم لإرادتهم؛ لأن ما يرضيهم يحصل لهم به النفع، فهو واقع منهم بإرادتهم، وما يغضبهم يحصل لهم به الضرر، فهو غير واقع بإرادتهم. والكفار قد سووا بين الخالق والمخلوق، فقالوا ما قالوا، والمقصود من الشبهة إبطال إرسال الرسل وجعله عبثًا تعالى الله عن ذلك". (١) موقفه من الظلم: وكان هذا أصل اعتمده في فهمه لمعنى الظلم تنزيهًا للمولى عنه، فقد أوَّل الظلم المنفى عن الله تعالى بالمراد الشرعي دون العقلى، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧]؛ "سمى الأخذ من غير ذنب ظلمًا تكرمًا منه، وإلا فحقيقة الظلم التصرف في ملك الغير من غير إذنه، ولا ملك لأحد معه، وهو بهذا المعنى مستحيل عقلًا على الله، وأما أخذه بغير ذنب؛ فهو وإن كان جائزًا عقلًا فمستحيل شرعًا؛ لأنه سماه ظلمًا تفضلًا منه، ونزه نفسه سبحانه عنه، كما ألزم نفسه بالرحمة تفضلًا منه". (٢) ويرد بذلك على المعتزلة، ويرى أن اعتقادهم وجود التلازم بين الإرادة والأمر

стр. 583

هي التي أدت بهم إلى ما ذهبوا إليه في القدر؛ "خلافًا للمعتزلة؛ القائلين بالتلازم بين الرضا والإرادة، وبنوا على ذلك أمور فاسدة. وحكى أن رجلًا من المعتزلة تناظر مع رجل من أهل السنة، فقال المعتزلى: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال السنى: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. فقال المعتزلى: أيريد ربك أن يعصى؟ فقال السنى: أيعصى ربنا قهرًا؟ . فقال المعتزلى: أرأيت إن منعنى الهدى، أأحسن إلىَّ، أم أساء؟ فقال: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو له فالمالك يفعل في ملكه كيف يشاء، فبهت المعتزلى". (١) * * * المناقشة: إن تعليل أفعال الله تعالى بالغايات المطلوبة، والحكم الحميدة، أمر يقتضيه إثبات "كمال الرب تعالى، وجلاله، وحكمته، وعدله، ورحمته، وقدرته وإحسانه، وحمده، ومجده، وحقائق أسمائه الحسنى". (٢) لذا كان هذا هو اعتقاد أكثر الناس من المسلمين، وغير المسلمين، وقول طوائف من أصحاب أبى حنيفة، ومالك، وأحمد وغيرهم، وقول أكثر أهل الحديث، والتصوف، وأهل التفسير" (٣) أما عن الشبهة التي ذكرها الأشاعرة في منع التعليل: بأن من يفعل لغاية مقصودة فقد استكمل بغيره، والمستكمل بغيره ناقص، وهذا محال في حق الباري

стр. 584

تعالى، فإن أساس ما قامت عليه اعتقاد بطلان الفروض الممكنة على فرض تحقق الحكمة في أفعال الله تعالى، يقول شيخ الإسلام في إيضاح حجة القوم: "فإنه: - إما أن يكون وجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إليه سواء. - أو يكون وجودها أولى به. فإن كان الأول امتنع أن يفعل لأجلها. وإن كان الثاني ثبت أن وجودها أولى به، فيكون مستكملًا بها، فيكون قبلها ناقصًا". (١) وقد أطال الإمام ابن القيم ﵀ الكلام في إبطال شبه القوم وذلك من جانبين: الأول: جانب تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في إثبات الحكمة، حيث أورد ما يقارب اثنين وعشرين نوعًا من الأدلة مأصَّلة بالعديد من النصوص الشرعية الثابتة، مع حسن الاستدلال بها، والذب عنها بإبطال ما وجه إليها من الشبه المبتدعة باسم اللغة، والشرع. (٢) الثاني: جانب الرد، وفيه أورد حجج النافين للتعليل، وقام بتفنيذها على جهة السلب، والإيجاب. أما السلبى؛ فقد طالب الخصم بالدليل من العقل، أو الشرع، أو الإجماع، ولا دليل. وأما الإيجابى، فقد أورد الحجج في إبطال شبههم التي ليس لها أساس تعتمده سوى مجرد افتراضات ذهنية، لا تتمالك أمام ما قدم ﵀ من براهين وثوابت، شرعية وفطرية، يتعين على كل متجرد للحق التسليم لها. ولكثرة الأدلة التي أوردها في هذا المقام، سأتخير منها ما يفى بالمقصود بإذن الله تعالى:

стр. 585

أولًا: إبطال حجتهم المعتمدة في نفى الحكمة، وهى أن كل من فعل لغرض فهو ناقص بذاته، ومستكمل بغيره. أما الشق الأول من هذه الشبهة وهو قولهم: "ناقص بذاته"؛ فعند البحث عن الفروض المحتمل إرادتها بهذا النقص المشار إليه يمكن إرجاعها إلى أحد المعانى التالية: - الأول: أن النقص هنا؛ هو انعدام الكمال الغير واجب حصوله قبل حدوث المطلوب. - والثانى: أن النقص هنا؛ يعني انعدام ما ليس كمالًا قبل وجوده. والذي يتحصل عند سبر هذه الفروض؛ أنها ساقطة، وغير كافية في إثبات النقص الذاتى بحال: فالفرض الأول؛ دعوى باطلة، فإنه قد ثبت أن ما كان في حيز العدم مع كون حصوله ليس بكمال في ذلك الوقت، فإنه يمتنع وصفه بالكمال قبل حصوله في الوقت المراد. أما الفرض الثاني؛ فظاهر السقوط، فما ليس بكمال قبل وجوده لا يعد انعدامه نقصًا، والمعنى الأول يرجع إلى الثاني. وعليه "فما كان قبل وجوده عدمُه أولى من وجوده، وبعد وجوده وجوده أولى من عدمه، لم يكن عدمه قبل وجوده نقصًا، ولا وجوده بعد عدمه نقصًا، بل الكمال عدمه قبل وقت وجوده، ووجوده وقت وجوده. وإذا كان كذلك فالحكم المطلوبة والغايات من هذا النوع وجودها وقت وجودها هو الكمال، وعدمها حينئذ نقص، وعدمها وقت عدمها كمال، ووجودها حينئذ نقص. وعلى هذا فالنافى؛ هو الذي نسب النقص إلى الله - تعالى - لا المثبت". أما الشطر الثاني من الشبهة؛ والتى تلى ما تقدم في الحكم، وهو قولهم: "بأن من فعل لأجل غاية فقد استكمل بغيره"؛ فإن إبطال هذه الشبهة يكون؛ ببيان المراد بذلك الغير الذي حصل به الكمال، فيقال: إما أن يكون المراد بالغير شيئًا خارجًا عنه قد استفاد منه تلك الحكمة.

стр. 586

أو أن يراد به مغايرة الحكمة له، واستكماله بها، عند اتصافه بها. أما المراد الأول فممتنع؛ لأنه "لا رب غيره، ولا خالق سواه، ولم يستفد سبحانه من غيره كمالًا بوجه من الوجوه". وكذلك الثاني؛ فإنه لا يسلم مراده؛ لأن "الحكمة صفته سبحانه، وصفاته ليست غيرًا له". فكما أنه تعالى متصف بالعلم، والقدرة، والإرادة مع كونها قائمة به، ليست مغايرة له، فكذلك الحكمة فهى صفته تعالى، ولا يقال في وصفه بها: إنه مستكمل بغيره. (١) ثم إن منعهم التعليل بحجة الاستكمال "منقوض بنفس ما يفعله - تعالى - من المفعولات" (٢)، فإذا ثبت أنه تعالى يفعل المفعولات، كما يقر بذلك الأشاعرة دون أن يلزمه الاستكمال بها؛ فكذلك ما يفعله تعالى لعلة محمودة. - وإذا ثبت بطلان أصلهم في منع تعليل أفعال الرب تعالى، بقى أن أبين من جانب التقرير المستند إلى دلالة العقل في فهم نصوص الشرع ما يكفى في إثبات تعليل أفعاله تعالى بالحكمة. فمن الأمور المستقرة في الفطر والألباب اتصافه تعالى بكل كمال، كما أن أسماءه الحسنى دالة على هذا الأصل العظيم في العلم بما يجب في حقه تعالى، ولما كان في إثبات الحكمة كمال؛ لأن النقل الصحيح والعقل الصريح يقضيان؛ بأن من يفعل الفعل لغاية محمودة أكمل ممن يخلو مراده عن ذلك، وفي نفيها عنه - تعالى - نقص, "والأمة مجمعة على انتفاء النقص عن الله، بل العلم بانتفائه عن الله تعالى من أعلى العلوم الضرورية المستقرة في فطر الخلق" (٣)؛ وجب إثباتها لله تعالى.

стр. 587

وإثبات الحكمة على هذا الوجه الذي دل عليه المنطوق الصحيح والمعقول الصريح؛ "به يثبت أن الله حكيم؛ فإنه من لم يفعل شيئًا لحكمة لم يكن حكيمًا" (١). * * * أما ما ذهب إليه الأشاعرة من أن المراد بصفة الحكمة؛ الإحكام، والإتقان في الصنعة، وأن معنى الحكيم من اتصف بذلك، فيكون من باب التفسير بجزء المعنى فقط، ولا كفاية فيه لدلالة على المراد من هذه الصفة العظيمة، ثم إن في تفسير الحكمة بالإحكام إلزام لهم بإثبات الحكمة له تعالى في كل أفعاله وخلقه وأمره، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، إذ لا مفهوم للإحكام إلا أن يكون لكل جزء في المخلوق من حيث تركيبه على هيئة معينة، ووفق سنة ربانية معهودة وغاية محمودة؛ لأجلها تم إحداثه، وإناطة الوظيفة به على الصورة التي ركب عليها. والأدلة الشرعية نقلية وعقلية تفيد هذا، وتدل عليه بأوضح حجة، وأكمل برهان. والحق أن الصاوي في هذا الباب قد وقع في التناقض؛ إذ كيف ينفى عن أفعال الله تعالى تعليلها بالعلل والأغراض، ويذكر حجة الأشاعرة في ذلك، ثم يفسر الحكيم على أحد أقواله؛ بأنه واضع الشيء في محله! ، مع أنه يدرك ببداهة العقل أن من كانت هذه صفته وجب اتصافه بالحكمة على مراد السلف منها. بل ويثبت الحكمة في أفعاله، ويستنكر على من نفى هذا بقوله: "سبحانك ما خلقت هذا عبثًا"! هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ كيف يثبت الحكمة في أفعاله بمعنى العلة الغائية، ويرى في ذلك مخرجًا من إلزامات الأشاعرة السابقة! ، ثم يفرق بينها وبين العلة الباعثة؟ ، مع أنه عند التحقيق لا فرق بينهما البته؛ وذلك أن الغاية ما لم تكن

стр. 588

باعثة لا تسمى غاية، إذ الغاية هي التي يتغيها الإنسان بمعنى أنه يقصد فعله لأجل تحقيقها، وبالتالى تكون هي الباعثة له على فعله؛ ولذا صح تسميتها بالغاية، فأى تفريق بينهما لا اعتداد به لمخالفته صريح العقل والفطرة. وهذا ما رد به شيخ الإسلام على الفلاسفة النافين للحكمة، حيث ألزمهم بالإقرار بها لإثباتهم العلة الغائية، يقول: "إما أن تثبتوا لمبدع العالم حكمة وغاية مطلوبة، وإما ألَّا تثبتوا، فإن لم تثبتوا بطل قولكم بإثبات العلة الغائية، وبطل ما تذكرونه من حكمة الباري تعالى في خلق الحيوان، وغير ذلك من المخلوقات" (١) إلى آخر كلامه ﵀ في إثبات الحكمة على الوجه المراد منها. ويكون الصاوي بإثباته وجود اللام الغائية في القرآن؛ قد خالف أصل المذهب في هذه القضية، يقول شيخ الإسلام: "وأما نفاة الحكمة كالأشعرى وأتباعه، كالقاضى أبى بكر، وأبى يعلى وغيرهم، فهؤلاء أصلهم أن الله لا يخلق شيئًا لشيء، فلم يخلق أحدًا لعبادة، ولا لغيرها، وعندهم ليس في القرآن لام كى، لكن قد يقولون: في القرآن لام العاقبة". (٢) ولكن تفريقه بين العلة الغائية وبين العلة الباعثة يعد انتكاسًا، ورجوعًا إلى مذهب الأشاعرة، كما أنه ليس بخفى ما وقع فيه من تناقض بسبب هذه الآراء المتعددة، فقد حاول التوسط بين قولين، كل منهما على نقيض الآخر، وهذا من المحال، فيعود بذلك إلى مذهب نفاة الحكمة والتعليل. ومما يؤكد هذا أنه وجد في نفى الحكمة والغرض بغيته في الرد على المخالفين في القدر من المعتزلة، أو الجبرية الغلاة، فإنه حين منع التلازم بين الرضا والإرادة؛ برر بنفى التعليل، والغرض ما قدر له الوقوع من الكفر الذي انتفى عنه الرضا. وكان هذا الاعتقاد حاملًا له على تفسير الظلم؛ بأنه التصرف في ملك الغير حتى ينزه أفعاله تعالى التي اعقد فيها الخلو من العلل والأغراض عن الظلم.

стр. 589

والذي عليه مذهب أهل السنة والجماعة في هذه القضية، أنه مع صحة التفريق الذي ذكره الصاوي بين ما يرضاه تعالى وما يريده، أو كما يعبر عنه باللغة المطابقة لما ورد بلسان الشرع؛ بين ما يريده شرعيًا، وما يريده كونًا؛ إلا أن ذلك ليس فيه ما يعني نفى الحكمة عن مراداته تعالى، فالخير منه وإليه، والشر ليس إليه، يوضحه أن المراد قد يكون مرادًا لذاته، أو مرادًا لغيره، والأول كإيمان المؤمنين وتعريضهم للثواب والأجر، وأما الثاني فكإيجاده لإبليس، "فإن في خلق إبليس من الحكم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، فالله سبحانه لم يخلقه عبثًا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم" (١) فالشر في حقيقته نوعان: شر محض، وشر نسبى، والأول لا مكان له في الوجود، لأنه تعالى لا يخلق شيئًا عبثًا، وأما الشر النسبي الذي قد يكون في حقيقته شرًا مؤكدًا ولكنه بالإضافة إلى ما يترتب عليه من المصالح العميمة يصبح شره نسبيًا بحيث يراد للخير الذي يتأتى بسببه؛ فهذا ما يتوجه له القول في خلق إبليس، فقد كان وجوده سببًا لظهور حقائق الإيمان من القلوب، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وهذا هو الحال في الكثير مما يريده تعالى من الأمور التي ظاهرها الشر، كسائر المصائب والابتلاءات؛ فإنه بالنظر إلى حقيقتها من حيث هي، فلا يشك في كونها شر، ولكنها بالنسبة لما يترتب عليها من أنواع العبادات القلبية والبدنية، كالصبر، والرضا، واليقين، والإنابة إلى الله تعالى، تكون مرادة محمودة، فكل "مخلوق باعتبار الحكمة التي خلق لأجلها خير وحكمة، وإن كان فيه شر من جهة أخرى، فذلك أمر عارضى جزئى ليس شرًا محضًا". (٢)

стр. 590

فأفعال المولى تعالى كلها دائرة بين العدل، والفضل، والحكمة، والمصلحة لا محيد فيها عن ذلك. وأما ما يلزم الصاوي لمنعه التعليل من؛ أنه تعالى "يخلق الشر الذي لا خير فيه، ولا منفعة لأحد، ولا له فيه حكمة، ولا رحمة، ويعذب الناس بلا ذنب لم يكن مدحًا له بل العكس؛ والحق أن هذا هو مذهب الجهم بن صفوان الذي يقول فيه: "إن الله خلق الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد؛ لا لحكمة ولا لرحمة" (١) و"الكتاب، والسنة، والاعتبار يبطل هذا" (٢) ولا بد في بيان هذا الأصل من التنبيه إلى أن عدم العلم بالحكمة لا يعني انتفاءها، يقول شيخ الإسلام ﵀: "ما من ذرة في السموات والأرض ولا معنى من المعانى؛ إلا وهو شاهد لله تعالى بتمام العلم والرحمة، وكمال القدرة والحكمة، وما خلق الخلق باطلًا، ولا فعل شيئًا عبثًا، بل هو الحكيم في أفعاله وأقواله ، ثم إن من حكمته ما أطلع بعض خلقه عليها، ومنها ما استأثر سبحانه بعلمه" (٣) لهذا كان الجواب بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ كافيًا في الإجابة على سؤال الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. فإنه ليس من مقدور البشر الإحاطة بحكمة الرب تعالى في فعله وخلقه وأمره، فالأصل أن حكمته تعالى "صادرة من علمه، وحكمته، وقدرته" (٤) وما يعلمه لا يقدر على الإحاطة به إلا هو؛ لذا قرن الملائكة بين هذين الوصفين عندما أمروا بذكر أسماء المسميات؛ فـ ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].

стр. 591

حقيقة الظلم: وبناء على ما تقدم يعلم بطلان تعريف الظلم؛ بأنه التصرف في ملك الغير، ومن ثم تنزيه المولى تعالى عنه - كما ذكر الصاوي - بل حقيقة الظلم التي يجب نفيها عن المولى تعالى كما بينها السلف؛ هي وضع الشيء في غير محله (١). وعليه فوضعه تعالى للأشياء في محلها هو عين الحكمة، وتمام العدل والرحمة. وكان هذا مما فسر به الصاوي (الحكيم) على أحد قوليه، ولو تفطن لما يقتضيه هذا الوصف؛ لأثبت به عدل الله تعالى وحكمته، وبذلك ينتفى عنه الظلم. وعليه فإن تفسير الظلم - الذي تواترت الأخبار بتنزيهه تعالى عنه - بإنه التصرف في ملك الغير؛ هو عين الجهل؛ إذ لا مستند له من اللغة، أو الشرع، تقول العرب: (من شابه أباه فما ظلم)، كما يقال: (هو أظلم من حية)؛ لأنها تدخل حفرًا لم تحفرها، فهذا المعنى للظلم مما هو معروف في اللغة، والأمثلة على ذلك كثيرة (٢). أما في الشرع؛ فمن مقتضى استحقاق المولى تعالى للحمد والثناء تركه تعالى للظلم مع قدرته على فعله. "ومعلوم أن المحال الذي لا يمكن، ولا يكون مقدورًا أصلًا لا يصلح أن يمدح الممدوح بعدم إرادته ولا فعله، ولا يحمد على ذلك، وإنما يكون المدح بترك الأفعاله لمن هو قادر عليها، وأن يتنزه عنها لكماله، وغناه، وحمده" (٣). هذا ويستدل الإمام ابن القيم على بطلان ما ذهب إليه الأشاعرة في تفسيرهم للظلم، بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] يقول: "فنفى أن يكون تعذيبه لهم ظلمًا، ثم أخبر أنهم هم الظالمون بكفرهم، ولو

стр. 592

كان الظلم المنفى هو المحال، لم يحسن مقابلة قوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾، بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾، بل يقتضى الكلام أن يقال: ما ظلمناهم؛ ولكن تصرفنا في ملكنا وعبيدنا، فلما نفى الظلم عن نفسه، وأثبته لهم؛ دل على أن الظلم المنفى؛ أن يعذبهم بغير جرم، وأنه إنما عذبهم بجرمهم وظلمهم" (١). مع ما يلزمهم من نسبة القبيح لفعله تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا (٢). أما ما اعتقده الصاوي من أن نفى التعليل والغرض فيه رد على المعتزلة؛ فهذا باطل لا يصح؛ لأن شبهتهم في تلازم الأمر والإرادة لا تبطل بمثل هذا التقرير المباعد للحقيقة الشرعية الفطرية في إثبات الغرض المحمود في أفعاله تعالى، بل الرد عليها يكون بما تقدم من أن حكمته تعالى قد تخفى في ظاهر المراد مع وجودها؛ لتعلق حكمته، وعدله، ورحمته بكل ما يكون منه، وما يتصرف فيه من خلق وأمر. كما يكون أيضًا بالتأكيد على قضية التلازم بين الرضا؛ والمراد شرعًا، لا قدرًا، وذلك ببيان الأدلة الثابتة الدالة على أنه تعالى لا يرضى لعباده الكفر، معِ تمام ملكه وقدرته، وأنه لا يكون إلا ما يشاء سبحانه، كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]. ثم إن الأساس الذي قام عليه مذهبهم في تنزيه المولى تعالى عن الظلم؛ هو إثبات الحكمة على المعنى المشاهد عند البشر، وذلك بقياس الشاهد على الغائب، فما وجدوه قبحًا وظلمًا من أفعال العباد نزهوا الله عن إرادته، وحكموا بنسبته لفعل العبد على جهة الاستقلال، وقد سبق بيان فساد هذا المسلك في الاستدلال على صفات الله تعالى؛ لأنه لا يستقيم الاستدلال به إلا مع التيقن من استواء طبيعة الشاهد والغائب، أما وقد دل برهان الفطرة والشرع على أنه تعالى ليس كمثله شيء؛ فلا اعتداد بمثل هذه الأقيسة الدخيلة على المعتقد، ويبقى الاستغناء بما دل

стр. 593

عليه الشرع؛ من أنه تعالى لا يظلم، بمعنى أنه لا يعذب أهل طاعته، ومن استحق بوعده الثواب والأجر. والحق أن مكمن الضلال الذي وقع فيه هؤلاء؛ هو عدم التمييز بين الفعل وبين الخلق، فالله تعالى خالق أفعال العباد وليس بفاعل لها، فالفاعل؛ هو من يقوم به الفعل، ويوصف به، وترجع إليه أحكامه أما الخالق تعالى فلا يوصف بتلك الأفعال، ولا ترجع أحكامها إليه إطلاقًا. فهو خالق أفعال العباد بما فيها الصلاة والصيام، ومع ذلك لا يوصف بأنه مصلٍ، أو صائم, وكذا ما في أفعالهم من جور وظلم، يقول شيخ الإسلام في رده عليهم: "فكونكم أخذتم في حد الظالم؛ أنه من فعل الظلم، وعنيتم بذلك من فعله في غيره، فهذا تلبيس، وإفساد للشرع، والعقل، واللغة؛ . . ." (١). * * *

стр. 594

(المبحث الثالث): أفعال العباد تمثل هذه القضية محور النزاع في المسائل المتعلقة بالقدر، بين الفرق الإسلامية على اختلاف مذاهبها؛ فكل اختلاف وقع في مسائل القدر كانت قضية أفعال العباد هي أساسه من حيث المبدأ، ونتيجة له من حيث تنظير المقدمات، وتقعيد الأصول. وحقيقة الخلاف في كل ذلك؛ ترجع إلى اعتقاد التناقض بين الشرع والقدر، وإلى هذه المهمة يلفت شيخ الإسلام أنظار الباحثين عن الحق، يقول ﵀: "ومسألة القدر يحتاج فيها إلى الإيمان بقدر الله، وإلى الإيمان بشرع الله، فطائفة غلب عليهم التصديق بالأمر والنهى، والوعد والوعيد، فظنوا أن هذا لا يتم إلا بالتكذيب بالقدر؛ فأخطئوا في التكذيب به، وطائفة ظنت أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بأن يقول: إن الرب تعالى يخلق ويأمر لا لحكمة ولا لرحمة" (١). فالمعتزلة كما هو واضح من النص، غلبت جانب الشرع على القدر، وغلت في الإيمان بالتكليف؛ حتى طعنت في القدر، وأنه تعالى خالق لكل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، وقدمت لهذه النتيجة مقدمات متعددة من تعليل أفعال الله تعالى بالحكمة، واستحالة الظلم عليه، وتحسين الأشياء وتقبيحها بالعقل، كل ذلك كان بمثابة الأدلة التي أرادت بها أن تدعم موقفها من نفى هذه المرتبة من مراتب القدر المتعلقة بأفعال العباد، وقد سبق بيان مكمن ضلالها في تلك المسائل، وأنها بإرجاعها كل شيء للعقل؛ ابتعدت عن هدى الإيمان الذي يقضى بالتسليم التام لقضاء الله تعالى وقدره كما في الحديث الشريف: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) (٢).

стр. 595

ولا شك أن المسلك الخاطئ الذي التزمته في الاستدلال على ما يجب في حق الله تعالى وما يمتنع عنه؛ كان له أكبر الأثر فيما وقعت فيه من مخالفة النهج القويم المستمد من الكتاب والسنة، فقياس الشاهد على الغائب حملها على رد كل ما استقبحته من الأفعال المشاهدة من العباد وقاست عليها أفعال الرب تعالى دون أدنى تفريق أو إعمال لداعى القطرة الذي يهتف بأنه الرب سبحانه ليس كمثله أحد، وبهذا طعنت في أعظم حقيقة عرفها الوجود وهى انفراد الرب تعالى بالخلق والتدبير. وفي مقابل هذه الفئة ظهرت الجبرية معظمة لجانب القدر، ملتزمة للإقرار بربوبية الله تعالى، ولكنها أجحفت في الجانب الآخر: جانب الشرع، فالجبرية الغلاة أتباع الجهم ذهبوا إلى نفى الاختيار تمامًا عن العبد، وعدم التفريق بين ما يضطر إليه من الأفعال وما يريده، ونفت بذلك قدرة العبد تمامًا، وردت الشرع، وجوزت على الله تعالى أن يعذب من قضى ساعات عمره في طاعة الله تعالى، وليس هذا هو مجال عرض أثر هذا المعتقد الضال عليها، وكان ممن تأثر بمنهجها فرقة الأشاعرة؛ حيث عدلت فيه بعض التعديلات؛ نتيجة اعتبارها للتكليف وجانب الشرع، فأثبتت قدرة العبد الحادثة، ونسبت له الكسب؛ حتى يصح تكليفه بذلك، ولكن مفهوم الكسب عندها داخله اضطراب كبير، لم يعد يملك نتيجة له أحقية مفارقة مذهب الجبر، مع اختلاف في أثر المعتقد على الإيمان بالشرع، وسيأتي الحديث عنه فيما يلى إن شاء الله. وقد توسط السلف الصالح بين هذين التيارين المتعاكسين، فلم يغلبوا جانبًا على آخر، وعليه فإن معتقدهم فيما يتعلق بأفعال العباد يقوم على أصلين: الأول: أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فالمعتقد الصحيح في كل ما هو موجود يستند إلى مبدأ الثنائية، تلك الحقيقة التي أشارت إليها الفاتحة في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فأثبتت الرب الواحد، والمربوب وهو العالم بأسره، ولا تخرج أفعال العباد عن أن تكون مربوبة لله تعالى؛ لعموم ربوبيته،

стр. 596

وتدبيره لشؤون خلقه، وهذا ما دل عليه صراحة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ثم إن أفعال العباد متعلقة بقدرة الله تعالى النافذة في كل ما هو ممكن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الثاني: الإيمان التام بحقيقة الشرع الذي أثبته المولى تعالى لنفسه في محكم التنزيل، والإيمان بما يقتضيه الإقرار به من التكليف، وما يستلزمه من صحة نسبة القدرة على الفعل للعبد، بل وتأثيرها فيه على جهة الحقيقة، وذلك ضمن دائرة السببية، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢]. أدلة القدرية والجبرية: وتجدر الإشارة إلى أن الشبهة التي اعتمدها كلا الفريقين: القدرية والجبرية واحدة، وهى عدم إمكان وجود فعل بقدرتين، فالتزمته المعتزلة، وأرجعت الفعل إلى قدرة العبد على جهة الاستقلال؛ استنادًا إلى الضرورة العقلية، التي تشهد بأن الفعل صادر عن إرادة الإنسان، يقول القاضي عبد الجبار: "إن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إما محققًا وإما مقدرًا، فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وإلا لما وجب ذلك فيها؛ لأن هذه الطريقة تثبت احتياج الشيء إلى غيره، كما يعلم احتياج المتحرك إلى الحركة والساكن إلى السكون، وهذه هي الدلالة المعتمدة" (١). وهذا كما هو صريح من جانب الرد التقعيدى الإيجابى، أما من جهة السلب أو الإلزام؛ كما يعبر عنه، فيعتقد أن في نسبة الفعل إلى الرب تعالى ما ينسب إليه القبيح من الظلم المنافى لإرادة الحكمة والعدل (٢). ويعتقد إلى جانب هذا أن في القول بخلق الأفعال طعنًا في جانب التكليف، المتمثل بإرسال الرسل، وإنزال الكتب بما فيها من أوامر ونواهٍ؛ حتى يؤدى ذلك إلى نسبة العبث المنافى لتمام الحكمة والعدل للرب تعالى (٣).

стр. 597

وكذلك الأشعرية التزمت نفس الشبهة في منع صدور الفعل بقدرتين وقادرين، ولكن مع اختلاف في النتيجة؛ حيث أثبتت وجود القدرة الحادثة في العبد، ولكن دون أن يكون لها أدنى أثر في إحداث الفعل، فالفعل فعل الله تعالى، وقدرة العبد ما هي إلا سبب اقترانى يوجد الفعل عنده لا به، وكان هذا هو مذهب الأشعري وعليه بنى النظرية المعروفة بالكسب هذا والمذهب الأشعري الممثل بكبار منظريه؛ قد حصل فيه اضطراب في حقيقة الكسب، وذلك أن القاعدة التي أسسها الأشعري لتصور علاقة الإنسان بأفعاله لم تكن مستساغة لدى جميع من سار على نهجه (١). وعلى الرغم من هذه المحاولات العديدة من الأشاعرة في رفض الجبر عقيدة ومذهبًا، وإضفاء نوع من الواقعية لفكرة الكسب؛ حتى تبعده عن مذهب الجبر، إلا أن الرازي وهو العالم بخفايا المذهب، الواقف على أغوار مراميه، يتفطن إلى أن المراد بالكسب تقرير مذهب الجبر، ويدعم موقفه هذا بالأدلة التي يرى فيها تأييدًا لما ذهب إليه؛ فيستدل على أمرين ليصل بنتيجتيهما إلى ما يريد من تقرير الجبر: خلق أفعال العباد بدليل الإمكان؛ إذ لا تخرج عن كونها إما ممكنة، أو واجبة. ولما استحال وجوبها؛ إذ لا يرجح وجودها على عدمه إلا بمرجح، لم يبق إلا كونها ممكنة؛ بمعنى مخلوقة" (٢). وقد يعارض موقف الرازي من حقيقة الكسب بموقف آخر لواحد من كبار منظرى المذهب الأشعري، ذلكم هو الإمام الجويني؛ حيث رد على من نفى التأثير مطلقًا من جهة الجد، وأرجع حقيقة الكسب إلى السببية؛ فأثبت بهذا لقدرة العبد أثرًا في الفعل على جهة السببية، ودون الاستقلال (٣). * * *

стр. 598

رأي الشيخ الصاوي: يلتزم الصاوي مسلك سابقيه في تقرير نظرية الكسب، مع ميل واضح إلى تقرير عقيدة الجبر؛ متأثرًا بذلك بالفكر الصوفي، الذي يجعل من القدر حقيقة مرادة، ولو عارضت الشرع في الظاهر، وعند سبر أقواله في هذا المجال؛ يمكن إرجاعها إلى عدة نقاط كلها تهدف إلى ما سبق بيانه: أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية: يرجع الصاوي الأمر كله لله تعالى؛ فهو الخالق وهو الفاعل، ولا يثبت للعبد إلا ميلًا يحدثه حال اختياره، يقول: "إن الله خالق لعبيده، وما عملوه من خير أو شر اختيارًا أو اضطرارًا، وليس للعبد إلا مجرد الميل حالة الاختيار؛ ولذا طولب بالتوبة والإقلاع والندم، واستحق التعزير والحدود والثواب والعقاب" (١). كما يلحظ منه تصريح بالجبر، ولا يرى في ذلك بأسًا، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]: " (وما تشاءون)؛ رجوع للحقيقة، وإعلام بأن العبد مختار في الظاهر، مجبور في الباطن على ما يريده الله منه" (٢). ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "المراد بالخلق؛ الإيجاد، وبالأمر؛ التصرف، فهو منفرد بالإيجاد والتصرف فلا شريك له فيهما، وتصرف الحادث إنما هو بتصرف الله له، وليس لمخلوق استقلال بتصرف أبدًا، وإنما العبيد مظاهر التصريف" (٣). وحتى يخرج نفسه من دائرة الجبر المحض؛ يقرر معتقد الأشاعرة في الكسب، سالكًا مذهب الأشعرى في ذلك، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]: "الإنصاف في التوحيد؛ اعتقاد أن الله متصف بكل

стр. 599

كمال، منزه عن كل نقص، والإنصاف في الاعتقاد؛ نسبة الأفعال كلها لله، ونسبة الكسب للعبيد؛ خلافًا للجبرية والمعتزلة، فالفرقة الأولى نفت الكسب أصلًا، وقالوا: العبد كالخيط المعلق في الهواء، لا فعل له أصلًا، وتعذيب الله له ظلم، وهؤلاء كفار، والفرقة الثانية، قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهؤلاء فساق، وكلا المذهبين جور، والإنصاف نسبة الأفعال كلها لله خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، ولكن من الأفعال ما هو جبرى، وهذه لا كسب للعبد فيها، ولذا لا يثاب عليها ولا يعاقب، ومنها ما هو اختيارى، وهذه للعبد فيها نوع كسب ولذا يثاب عليه إن كان خيرًا ويعاقب عليه إن كان شرًا" (١). أما عن المراد بالكسب؛ فيوضح ذلك بقوله: "الكسب هو تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل، فإذا تعلقت قدرة العبد وإرادته بالفعل؛ فمن عظيم قدرة الله تعالى إيجاد الفعل عند قدرة العبد لا بقدرته وإرادته" ويضرب لذلك مثالًا: "كقطع السكين مثلًا؛ فإن القطع عند مرور السكين لا بالسكين؛ فإنه يمكن تخلفه، فمقارنة قدرة العبد وإرادته لإيجاد الله هو المسمى بالكسب" (٢). وهذا ما يدعو إلى معرفة رأيه في: ثانيًا: الأسباب, وموقف الناس منها: يجمل الصاوي رأيه في موقف الناس من الأسباب، فيقول: "من قال: إن الأسباب العادية تؤثر بذاتها من غير جعل من الله تعالى؛ كفر بالإجماع، ومن قال: بقوة خلقها الله فيها فمبتدع، ومن قال: إنها تؤثر بإذن الله لكون بينها وبين ما قارنها ملازمة عقلية؛ فلا يصح التخلف، فهو جاهل واعتقاده يؤول به إلى الكفر" (٣). ويستدل على صحة مذهبه في أن الأسباب لا تؤثر إطلاقًا؛ بحادثة الفداء كما في قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉، يقول: "استدل أهل السنة على

стр. 600

أن الأمور العادية لا تؤثر شيئًا لا بنفسها ولا بقوة أودعها الله فيها، وإنما المؤثر هو الله تعالى، ولو لم يكن ذلك كذلك لما تخلف القطع في ولد إبراهيم، وتخلف الإحراق في إبراهيم" (١). ومع هذا فهو لا ينكر الأخذ بالأسباب، بل يسم من تركها بالضلال والخسران، أما عن علاقة حصول الأمر بالسبب؛ فهو يرجع ذلك إلى مجرد الاقتران؛ متبعًا مذهب الأشعري في الأسباب، يقول: "فينبغى للإنسان أن يفوض أمر الرزق له تعالى، ولا ينافى هذا أخذه في الأسباب؛ لأن الله تعالى أوجد الأشياء عند أسبابها لا بها، فالأسباب لا تنكر ومن أنكرها فقد ضل وخسر" (٢). ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري, ورد بها على مخالفيه: يستدل الصاوي لموقفه من أفعال العباد بعدد من الأدلة بين سمعية، وأخرى عقلية: الأدلة السمعية: - قال تعالى: ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. - وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. - وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقول: "استدلال على انفراده تعالى بالإيجاد سواء كانت ما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي، فالآية حجة لنا على انفراده تعالى بالإيجاد، ورد على المعتزلة القائلين: أن يخلق أفعال نفسه الاختيارية" (٣). الأدلة العقلية: يبرهن الصاوي على أن أفعال العباد مخلوقة بطريق السبر والتقسيم، فيقول: "لا يخلو إما أن يكون حصول هذا الفعل بقدرة الله تعالى وقدرة العبد، فإن قالوا:
следующие страницы →