← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وتدبيره لشؤون خلقه، وهذا ما دل عليه صراحة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، ثم إن أفعال العباد متعلقة بقدرة الله تعالى النافذة في كل ما هو ممكن، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. الثاني: الإيمان التام بحقيقة الشرع الذي أثبته المولى تعالى لنفسه في محكم التنزيل، والإيمان بما يقتضيه الإقرار به من التكليف، وما يستلزمه من صحة نسبة القدرة على الفعل للعبد، بل وتأثيرها فيه على جهة الحقيقة، وذلك ضمن دائرة السببية، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢]. أدلة القدرية والجبرية: وتجدر الإشارة إلى أن الشبهة التي اعتمدها كلا الفريقين: القدرية والجبرية واحدة، وهى عدم إمكان وجود فعل بقدرتين، فالتزمته المعتزلة، وأرجعت الفعل إلى قدرة العبد على جهة الاستقلال؛ استنادًا إلى الضرورة العقلية، التي تشهد بأن الفعل صادر عن إرادة الإنسان، يقول القاضي عبد الجبار: "إن هذه التصرفات يجب وقوعها بحسب قصودنا ودواعينا، ويجب انتفاؤها بحسب كراهتنا وصارفنا مع سلامة الأحوال إما محققًا وإما مقدرًا، فلولا أنها محتاجة إلينا ومتعلقة بنا وإلا لما وجب ذلك فيها؛ لأن هذه الطريقة تثبت احتياج الشيء إلى غيره، كما يعلم احتياج المتحرك إلى الحركة والساكن إلى السكون، وهذه هي الدلالة المعتمدة" (١). وهذا كما هو صريح من جانب الرد التقعيدى الإيجابى، أما من جهة السلب أو الإلزام؛ كما يعبر عنه، فيعتقد أن في نسبة الفعل إلى الرب تعالى ما ينسب إليه القبيح من الظلم المنافى لإرادة الحكمة والعدل (٢). ويعتقد إلى جانب هذا أن في القول بخلق الأفعال طعنًا في جانب التكليف، المتمثل بإرسال الرسل، وإنزال الكتب بما فيها من أوامر ونواهٍ؛ حتى يؤدى ذلك إلى نسبة العبث المنافى لتمام الحكمة والعدل للرب تعالى (٣).

стр. 597

وكذلك الأشعرية التزمت نفس الشبهة في منع صدور الفعل بقدرتين وقادرين، ولكن مع اختلاف في النتيجة؛ حيث أثبتت وجود القدرة الحادثة في العبد، ولكن دون أن يكون لها أدنى أثر في إحداث الفعل، فالفعل فعل الله تعالى، وقدرة العبد ما هي إلا سبب اقترانى يوجد الفعل عنده لا به، وكان هذا هو مذهب الأشعري وعليه بنى النظرية المعروفة بالكسب هذا والمذهب الأشعري الممثل بكبار منظريه؛ قد حصل فيه اضطراب في حقيقة الكسب، وذلك أن القاعدة التي أسسها الأشعري لتصور علاقة الإنسان بأفعاله لم تكن مستساغة لدى جميع من سار على نهجه (١). وعلى الرغم من هذه المحاولات العديدة من الأشاعرة في رفض الجبر عقيدة ومذهبًا، وإضفاء نوع من الواقعية لفكرة الكسب؛ حتى تبعده عن مذهب الجبر، إلا أن الرازي وهو العالم بخفايا المذهب، الواقف على أغوار مراميه، يتفطن إلى أن المراد بالكسب تقرير مذهب الجبر، ويدعم موقفه هذا بالأدلة التي يرى فيها تأييدًا لما ذهب إليه؛ فيستدل على أمرين ليصل بنتيجتيهما إلى ما يريد من تقرير الجبر: خلق أفعال العباد بدليل الإمكان؛ إذ لا تخرج عن كونها إما ممكنة، أو واجبة. ولما استحال وجوبها؛ إذ لا يرجح وجودها على عدمه إلا بمرجح، لم يبق إلا كونها ممكنة؛ بمعنى مخلوقة" (٢). وقد يعارض موقف الرازي من حقيقة الكسب بموقف آخر لواحد من كبار منظرى المذهب الأشعري، ذلكم هو الإمام الجويني؛ حيث رد على من نفى التأثير مطلقًا من جهة الجد، وأرجع حقيقة الكسب إلى السببية؛ فأثبت بهذا لقدرة العبد أثرًا في الفعل على جهة السببية، ودون الاستقلال (٣). * * *

стр. 598

رأي الشيخ الصاوي: يلتزم الصاوي مسلك سابقيه في تقرير نظرية الكسب، مع ميل واضح إلى تقرير عقيدة الجبر؛ متأثرًا بذلك بالفكر الصوفي، الذي يجعل من القدر حقيقة مرادة، ولو عارضت الشرع في الظاهر، وعند سبر أقواله في هذا المجال؛ يمكن إرجاعها إلى عدة نقاط كلها تهدف إلى ما سبق بيانه: أولًا: أفعال العباد وحقيقتها القدرية: يرجع الصاوي الأمر كله لله تعالى؛ فهو الخالق وهو الفاعل، ولا يثبت للعبد إلا ميلًا يحدثه حال اختياره، يقول: "إن الله خالق لعبيده، وما عملوه من خير أو شر اختيارًا أو اضطرارًا، وليس للعبد إلا مجرد الميل حالة الاختيار؛ ولذا طولب بالتوبة والإقلاع والندم، واستحق التعزير والحدود والثواب والعقاب" (١). كما يلحظ منه تصريح بالجبر، ولا يرى في ذلك بأسًا، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]: " (وما تشاءون)؛ رجوع للحقيقة، وإعلام بأن العبد مختار في الظاهر، مجبور في الباطن على ما يريده الله منه" (٢). ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]: "المراد بالخلق؛ الإيجاد، وبالأمر؛ التصرف، فهو منفرد بالإيجاد والتصرف فلا شريك له فيهما، وتصرف الحادث إنما هو بتصرف الله له، وليس لمخلوق استقلال بتصرف أبدًا، وإنما العبيد مظاهر التصريف" (٣). وحتى يخرج نفسه من دائرة الجبر المحض؛ يقرر معتقد الأشاعرة في الكسب، سالكًا مذهب الأشعرى في ذلك، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]: "الإنصاف في التوحيد؛ اعتقاد أن الله متصف بكل

стр. 599

كمال، منزه عن كل نقص، والإنصاف في الاعتقاد؛ نسبة الأفعال كلها لله، ونسبة الكسب للعبيد؛ خلافًا للجبرية والمعتزلة، فالفرقة الأولى نفت الكسب أصلًا، وقالوا: العبد كالخيط المعلق في الهواء، لا فعل له أصلًا، وتعذيب الله له ظلم، وهؤلاء كفار، والفرقة الثانية، قالوا: العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وهؤلاء فساق، وكلا المذهبين جور، والإنصاف نسبة الأفعال كلها لله خيرها وشرها، ظاهرها وباطنها، ولكن من الأفعال ما هو جبرى، وهذه لا كسب للعبد فيها، ولذا لا يثاب عليها ولا يعاقب، ومنها ما هو اختيارى، وهذه للعبد فيها نوع كسب ولذا يثاب عليه إن كان خيرًا ويعاقب عليه إن كان شرًا" (١). أما عن المراد بالكسب؛ فيوضح ذلك بقوله: "الكسب هو تعلق قدرة العبد وإرادته بالفعل، فإذا تعلقت قدرة العبد وإرادته بالفعل؛ فمن عظيم قدرة الله تعالى إيجاد الفعل عند قدرة العبد لا بقدرته وإرادته" ويضرب لذلك مثالًا: "كقطع السكين مثلًا؛ فإن القطع عند مرور السكين لا بالسكين؛ فإنه يمكن تخلفه، فمقارنة قدرة العبد وإرادته لإيجاد الله هو المسمى بالكسب" (٢). وهذا ما يدعو إلى معرفة رأيه في: ثانيًا: الأسباب, وموقف الناس منها: يجمل الصاوي رأيه في موقف الناس من الأسباب، فيقول: "من قال: إن الأسباب العادية تؤثر بذاتها من غير جعل من الله تعالى؛ كفر بالإجماع، ومن قال: بقوة خلقها الله فيها فمبتدع، ومن قال: إنها تؤثر بإذن الله لكون بينها وبين ما قارنها ملازمة عقلية؛ فلا يصح التخلف، فهو جاهل واعتقاده يؤول به إلى الكفر" (٣). ويستدل على صحة مذهبه في أن الأسباب لا تؤثر إطلاقًا؛ بحادثة الفداء كما في قصة إبراهيم مع ولده إسماعيل ﵉، يقول: "استدل أهل السنة على

стр. 600

أن الأمور العادية لا تؤثر شيئًا لا بنفسها ولا بقوة أودعها الله فيها، وإنما المؤثر هو الله تعالى، ولو لم يكن ذلك كذلك لما تخلف القطع في ولد إبراهيم، وتخلف الإحراق في إبراهيم" (١). ومع هذا فهو لا ينكر الأخذ بالأسباب، بل يسم من تركها بالضلال والخسران، أما عن علاقة حصول الأمر بالسبب؛ فهو يرجع ذلك إلى مجرد الاقتران؛ متبعًا مذهب الأشعري في الأسباب، يقول: "فينبغى للإنسان أن يفوض أمر الرزق له تعالى، ولا ينافى هذا أخذه في الأسباب؛ لأن الله تعالى أوجد الأشياء عند أسبابها لا بها، فالأسباب لا تنكر ومن أنكرها فقد ضل وخسر" (٢). ثالثًا: أدلة رجح بها مذهب الأشعري, ورد بها على مخالفيه: يستدل الصاوي لموقفه من أفعال العباد بعدد من الأدلة بين سمعية، وأخرى عقلية: الأدلة السمعية: - قال تعالى: ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. - وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]. - وقال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾. يقول: "استدلال على انفراده تعالى بالإيجاد سواء كانت ما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي، فالآية حجة لنا على انفراده تعالى بالإيجاد، ورد على المعتزلة القائلين: أن يخلق أفعال نفسه الاختيارية" (٣). الأدلة العقلية: يبرهن الصاوي على أن أفعال العباد مخلوقة بطريق السبر والتقسيم، فيقول: "لا يخلو إما أن يكون حصول هذا الفعل بقدرة الله تعالى وقدرة العبد، فإن قالوا:

стр. 601

نعم، قلنا: لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد، وإن قالوا بقدرة العبد فقط؛ لزم وقوع شيء في الكون قهرًا عن الله ، ولزم أن لا يكون واحد في الأفعال وهو كفر". فلم يبق من هذه الأقسام إلا فرض واحد؛ وهو أن تكون الأفعال بقدرة الله تعالى، كما يستدل بجهل الإنسان على عجزه وعدم إمكان نسبة الأفعال إليه، يقول: "لو كان الفعل له لكان عالمًا بحركات نفسه وسكناتها مدى الأيام، فجهله بها دليل عجزه" (١). * * * رابعًا: حقيقة القدر في الفكر الصوفي: يستخدم الصاوي عبارات الصوفية في المفارقة بين الشرع والقدر، وإطلاق مسمى الحقيقة على القدر الحاصل بما فيه من خير وشر؛ ويقع في التجاوزات نتيجة لذلك، فيورد كلام كبار الصوفية في عذر الخلق عند النظر إلى الحقيقة، ولا شك أن فيه مناقضة لتشديده على الجبرية، ونعتهم بالكفر، ولكن هذا مما أوقعه فيه ميله إلى التصوف، يقول: "من نظر للخلق بعين الحقيقة عذرهم، ومن نظر لهم بعين الشريعة مقتهم، فعذرهم بالنظر لخلق الله الضلال والهدى في قلوبهم، فالخالق للضلال والهدى والأفعال جميعها هو الله وحده؛ فمن نظر لذلك لم يستقبح فعل أحد؛ لأنه فعل الله في الحقيقة، قال الشاعر: إذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا ... رأيت جميع الكائنات ملاحًا وإن لم تر إلا مظاهر صنعه ... حجبت فصيرت الحسان قباحًا" (٢) * * *

стр. 602

المناقشة: سبق وأن أشرت إلى أن أساس الضلال الحاصل في المسائل المتعلقة بالقدر؛ اعتقاد ثمة تناقض بين الشرع والقدر، وعليه فالواجب أولًا بيان انتفاء التناقض بينهما، وأنه لا يلزم لإثبات القدر القدح في الشرع؛ كما فعلت الجبرية، ولا يلزم لإثبات الشرع القدح في القدر؛ كما فعلت القدرية، وأن التسليم بكليهما يقتضى عدم الميل بأحدهما عما يجب فيه، لذا كان المنهج الصحيح هو التوسط وعدم ضرب نصوص الشرع بعضها ببعض، بل الإيمان بأن: كلا من عند ربنا, "فأدلة الجبرية متضافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب على شيء من الأعيان والأفعال، وعموم مشيئته وخلقه لكل موجود، وأثبت في الوجود شيئًا بدون مشيئته وخلقه. وأدلة القدرية متضافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره، وقال: إنه ليس بفاعل شيئًا، والله يعاقبه على ما لم يفعله، ولا له قدرة عليه بل هو مضطر إليه مجبور عليه" (١). والحقيقة أن الخروج عن نهج الكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح أساس لكل ضلال وبلاء، فالتسليم بالقدر دون جدال ومراء من أعظم أسس الإيمان بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان ذلكم أنه قد نهى عن الجدال في القدر والخوض فيه بلا علم فالله تعالى لم يأمر عباده ولم يتعبدهم بكيفية القدر؛ ولكن تعبدهم بالتسليم له، مع عدم ضرب نصوص الدين بعضها ببعض، يقول الإمام الطحاوي (٢) "وأصل القدر سر الله تعالى في خلقه لم يطلع على ذلك ملك مقرب، ولا نبى مرسل، والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، وسلم الحرمان، ودرجة الطغيان، فالحذر كل الحذر من ذلك نظرًا وفكرًا ووسوسة، فإن الله طوى علم القدر عن

стр. 603

الأنام، ونهاهم عن مرامه، كما قال تعالى في كتابه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين" (١). وعند سبر أقوال المخالفين لمنهج السلف؛ نجد أن الانحراف داخلهم من رد نصوص بعض الكتاب، أو استخدام بعض الألفاظ التي لم ترد في الشرع، فهؤلاء القدرية ردوا صريح الكتاب بأن الله تعالى خالق لكل شيء، وأنه لا أحد يملك الخروج عن مشيئته؛ كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، فدلالة هذه النصوص على إثبات خلق الله تعالى لأفعال العباد صريحة صحيحة، لا يجادل فيها إلا مكابر، قد قدم هواه على الشرع الحكيم، وليس في ذلك ما يبطل الشرع وحكمة المولى تعالى؛ كما فعل غلاة الجبرية، ومتوسطوهم، فالله حكيم يضع كل شيء في محله، وقد تقدم هذا كما أنه لا يجبر أحدًا على فعله، فالجبر مما لم يرد لأفعال العباد؛ فلا يقال جبر وإنما خلق وجبل، فالله تعالى أعظم من أن يجبر أحدًا على شيء، وإنما يخلق ويجبل عبده على ما يريد؛ حتى يجعل العبد مريدًا لأفعاله عن اختيار ومشيئة (٢). لذا كان هذا من الألفاظ التي كرهها الإمام أحمد ﵀، فقد رد على من قال: إن الله جبر العباد، فقال: هكذا لا تقول وأنكر هذا وقال: يضل من يشاء ويهدى من يشاء، وفي رواية أخرى أنه في رده قال: بئس ما قال، ولم يقل شيئًا غير هذا (٣). وجماع هذين الأمرين، أعنى: إثبات مشيئة العبد وإرجاعها أولًا وأخيرًا إلى مشيئة الرب تعالى، قوله عز من قائل: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]، يقول شيخ الإسلام: "وهذه الآية رد على الطائفتين: المجبرة

стр. 604

الجهمية، والمعتزلة القدرية، فإنه تعالى قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨] فأثبت للعبد مشيئة وفعلًا، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، فبين أن مشيئة العبد معلقة بمشيئة الله، والأولى رد على الجبرية، وهذه رد على القدرية الذين يقولون: قد يشاء العبد ما لا يشاؤه الله" (١). وكل ما يستدل به الجبرية على مناقضة هذا الأصل، وهو إثبات فعل العبد على الحقيقة وإرجاعه إلى جملة الأسباب، التي أوجدها الله تعالى ورتب على وجودها ما أراد سبحانه، فيه ما يثبت بطلان قولهم، فقد استدل الصاوي بهذه الآية الكريمة على الجبر ولا مستند له فيما ذهب إليه كما تقدم ويستدل غيره أيضًا من أهل الجبر بمثل قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، فأثبت المولى تعالى رمى العبد ولكنه نفى عنه الاستقلال بالرمى وهذه هي حقيقة الأسباب التي أثبتها أهل السنة وأرجعوا إليها فعل العبد وقدرته على إنجاز ما يريد، ومن هنا نأتى إلى مناقشة نظرية الكسب في الفكر الأشعري . نظرية الكسب في الفكر الأشعري: من خلال عرض أقوال طائفة من كبار منظرى المذهب الأشعري تبين وبوضوح أن نظرية الكسب كانت محل اختلاف واضطراب عند أصحاب المذهب وأن هذا الاضطراب كان نتيجة لعدم اقتناع بحقيقة الكسب، يقول عبد الرحمن البدوى: "يظهر أن موقف أبى الحسن الأشعري لا يمكن قبوله ولا بد من تعديله: فعدله الباقلانى؛ بأن أثبت للقدرة الإنسانية تأثيرًا، هو حال به يتصف صاحب القدرة بكسبه لهذا الفعل، وجعل هذه الحال هي التي ينالها العقاب والثواب، لكن الجويني رأى أن هذا غير معقول، ويساوى نفى التأثير الذي قال به الأشعري، ولهذا خطا خطوة أبعد فأقر قيام نسبة حقيقية بين فعل العبد وبين قدرته، لكن في غير أمور الإحداث والخلق، وهذه النسبة تطرد من فعل إلى سببه، باستمرار حتى نصل إلى مسبب الأسباب؛ أي الله تعالى" (٢).

стр. 605

ومما سبق يظهر وجه الاستحالة في نظرية الكسب؛ لأنها محاولة في التوسط بين الاختيار والجبر، والحقيقة أنه لا توسط بينهما، ولا بد من القول بأحدهما في نهاية المطاف، وهذه هي حقيقة الكسب؛ تنظير للجبر بقالب الاختيار؛ فإن نزع التأثير من فعل العبد تمامًا وإرجاع حصول الفعل عند قدرته إلى مجرد الاقتران ينفى تمامًا صورة الاختيار عن فعل العبد، ويقضى بالجبر الذي كثيرًا ما صرح به الصاوي في حواشيه، ومن العجب أن يحكم الصاوي على من قال بالجبر بالكفر المخرج من الملة، ثم يعلن بصراحة أن العبد مجبور في قالب مختار، فأى مفهوم للجبر إن لم يكن هذا هو المراد منه! ثم إن في جعله من العباد مظاهر للتصريف الإلهى، وفى نسبته أفعال العباد له تعالى ليس فقط على جهة الخلق كما هو الصحيح، بل حتى على جهة الفعل حيث يصف الله تعالى بأنه فاعل لأفعال العباد، وفي تقسيمه أيضًا للحقيقة والشريعة وذكر أقوال كبار مذهب التصوف في حكاية العذر عن أهل الكفر والقبائح، مناقضة صريحة لمهاجمته مذهب الجبرية، والحكم عليه بما حاول الفرار منه، وصريح كلام الشهرستانى وهو أحد كبار منظرى المذهب الأشعري في نسبة الجبر لمن نفى التأثير تمامًا عن فعل العبد بالجبر، ومع ذلك فإن العدل يقضى ببيان وجه مخالفة الأشعرية لمذهب جهم؛ وذلك أن الصاوي متبعًا رأى الأشعري يفرق - كما هو ظاهر من كلامه - بين الأفعال الاختيارية والاضطرارية، كما أنه ينسب للعبد قدرة حادثة وهذا ما لا يقول به جهم وأتباعه (١). وعليه فمناقشته في هذه القضية ترجع إلى أمرين: أولًا: إثبات أن لقدرة العبد الحادثة أثرًا في وجود الفعل على جهة السببية لا الإحداث والخلق. ثانيًا: أن الله لا يوصف بأنه فاعل لأفعال العباد؛ بل خالق لها.

стр. 606

وحقيقة ما تقدم في إثبات الأثر أنه لا يمكن بحال التفريق بين أفعال العبد الاختيارية والاضطرارية؛ إلا مع إثبات تأثير لقدرة العبد في وجود الفعل، وهذا ما عليه مذهب أهل السنة والجماعة، ومع ذلك فإن هذا التأثير ليس على جهة الخلق والإيجاد، التي تقضى بالاستقلال في وجود الفعل وإخراجه من حيز العدم، وإنما على جهة السببية التي ترجع إلى مسبب الأسباب وحده جل في علاه، وليس في هذا أي تناقض كما يتصور الأشاعرة، بل المناقضة في مخالفة ذلك، يقربه أنه كما أثبتم للعبد قدرة حادثة ليس في إثباتها منازعة للقدرة القديمة؛ فليس بممتنع أن يثبت لهذه القدرة تأثيرًا حادثًا في وجود الفعل، ليس له استقلال في ذلك، أما نفى التأثير عن القدرة فهو حكم بعدمها، فالمعقول من القدرة معنى به يفعل الفاعل، ولا تثبت قدرة لغير فاعل، ولا قدرة يكون وجودها وعدمها بالنسبة إلى الفاعل سواء" (١). وأساس هذا إثبات السببية على جهة الحقيقة، وأن في الأسباب قوة أوجدها الله تعالى فيها، تستمد منها وجودها وفاعليتها، والمذهب الأشعري في نفيه للأسباب يغالط مبدأ من أسمى مبادئ التفكير الإنسانى، الذي وهبه الله تعالى للعقل البشرى، والذي يعد الدليل الأول، والمقدمة الأولى، التي لا نزاع في التسليم لها؛ للاستدلال على وجوده سبحانه. وهذا ما قدمته سابقًا في الحديث عن أدلة إثبات وجود الله تعالى؛ لذا كان التشكيك في هذه المسلمة؛ من أهم ما يرمى إليه أعداء الدين من الملاحدة، وحتى لا يخرج بى الكلام عن المقام؛ أقول أن الطعن في هذا الأساس والركيزة الفطرية المسلمة ليس له أساس من الصحة يعتمد عليه، وكل ما هنالك أن هذا التصرف من الشيغ الأشعري - عليه رحمة الله تعالى -؛ كان من قبيل ردود الأفعال ضد الغلاة في مطالعة الأسباب من القدرية أو الفلاسفة المنتسبين؛ حتى أدى بهم ذلك إلى أن أثبتوا لها الإحداث على جهة الاستقلال، وهذا ما لا يقول به السلف الصالح - رضوان الله تعالى عليهم -، وكثيرًا ما يؤكد الإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن

стр. 607

القيم على حقيقة السبب في المنظور الشرعي، وأنه غير كافٍ في ترتب مقتضاه على وجوده حتى تتحقق له الشروط وتنتفى الموانع، وكل ذلك لا يكون إلا بإرادة المولى ومشيئته النافذة. وهذا ما يفسر به الأئمة ما حدث عند إلقاء الخليل - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم - في النار؛ فإن النار سبب للإحراق، ولكن لما أن أراد المولى تعالى إبطال السبب لعدم توفر شرط إعماله من مشيئة الله تعالى النافذة، كان ما كان من تحويل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﵇، وهذا ما يقال أيضًا في قصة الخليل مع ابنه إسماعيل ﵇، ولا داعى لمعارضة الأحكام الكونية بمثل هذه التأويلات المخالفة للعقل والشرع. وبذلك تنتفى حجة الأشاعرة في نفى التأثير عن قدرة العبد؛ فمع الأخذ بمفهوم السببية كما قرره السلف - رضوان الله عليهم -، وما يترتب عليه من نسبة التأثير على جهة الحقيقة الحادثة لا على جهة الخلق والإحداث؛ لم يعد للأشعرية حجة في نفى السبب عقلًا ولا شرعًا. يقول شيخ الإسلام ﵀ مفصلًا منهج السلف الكرام في قضية السبب: "الذي عليه السلف وأتباعهم، وأئمة أهل السنة وجمهور الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير سائر الأسباب في مسبباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسببات، والأسباب ليست مستقلة بالمسببات، بل لا بد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة. ." (١).

стр. 608

أما المحور الثاني في مناقشتهم؛ وهو عدم تفريقهم بين الخلق والمخلوق والفعل والمفعول؛ فهذا أيضًا مما لبس عليهم فيه، وخلطوا نتيجة لذلك بين حق وباطل، فالله تعالى خالق لأفعال العباد، موجد لها من العدم؛ فتنسب إلى أفعاله من جهة الخلق كباقى المخلوقات، ولا تنسب إلى أفعاله من حيث قيام الوصف به. ولذا كان الصحيح في المسألة ما ذكره شيخ الإسلام في التفريق بين الفعل والمفعول، فالفعل للعبد وهو الانفعال في المراد، والمفعول بمعنى المخلوق هو لله تعالى، يقول: "وأما الجمهور الذين يفرقون بين هذا وهذا، فيقولون هذه مخلوقة لله مفعولة لله ليست هي نفس فعله، وأما العبد فهى فعله القائم به، وهى أيضًا مفعولة له إذا أريد بالفعل المفعول" (١) وهذا "إجماع من أهل السنة حكاه الحسين بن مسعود البغوي (٢) وغيره، فالعبد فعله حقيقة، والله خالقه وخالق ما فعل به من القدرة والإرادة وخالق فاعليته" (٣). وبهذا يتضح معنى الكسب المذكور في قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ويكون المعنى الذي أراده الأشعرية للكسب من جملة المستحيلات، لأنه لا يعقل فرق بين الفعل الذي نفاه والكسب الذي أثبته" لذا قال الناس: "عجائب الكلام ثلاثة: طفرة النظام، وأحوال أبى هاشم، وكسب الاشعرى" (٤). وكان هذا الضلال الذي وقع في الأشعرية نتيجة لهذا الخلط المشين بين فعل الله تعالى وفعل العبد أساسًا اعتمده المتصوفة في التفريق بين الحقيقة والشريعة، والذي

стр. 609

سوغ لغلاتهم التشدق بمذهب الجبر دون تورع ووجل، ويظهر من خلال ما ذكرت من كلام الصاوي في نقله لعباراتهم شناعة ما توصلوا إليه نتيجة لذلك: فنسبة القبيح إلى الله تعالى واستحسانه لذلك، والجهر بعذر الخلق طائعهم وفاجرهم؛ لأنهم مظاهر لأفعال الله، كل هذا كان محصلة تلك الأهواء الفاسدة هي نفى الفعل عن العبد حقيقة. ومهما تستروا بستار الكسب؛ فإن ألفاظهم تدل صراحة على اعتناق الجبر، والمتأمل لكلام الرازي يجد صراحة الإقرار بهذا، وعليه فلا سبيل بين الجبر والاختيار، فمن أثبت الاختيار بحال لا يمكن أن يقر بمذهب الجبر إطلاقًا والعكس صحيح، ومن رام خلافه وقع في التناقض؛ كما هو واضح في موقف الصاوي من التشديد في الحكم على الجبرية، ثم حكاية كلام المتصوفة الصريح في اعتناق مذهب الجبر. وحقيقة ما تكلم فيه هؤلاء المتصوفة من عذر الخلق بفعل الرب، والتفريق بين الشريعة والحقيقة؛ هو الاحتجاج بالقدر على معصيته تعالى، وقد بين شيخ الإسلام ﵀ ضلالهم، فقال: وهولاء الذين يشهدون الحقيقة الكونية وهى ربوبيته تعالى لكل شيء، ويجعلون ذلك مانعًا من اتباع أمره الدينى الشرعي على مراتب في الضلال. فغلاتهم يجعلون ذلك مطلقًا عامًا؛ فيحتجون بالقدر في كل ما يخالفون فيه الشريعة، وقول هؤلاء شر من قول اليهود والنصارى، وهو من جنس قول المشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]. وهؤلاء من أعظم أهل الأرض تناقضًا، بل كل من احتج بالقدر فإنه متناقض، فإنه لا يمكن أن يقر كل آدمى على ما فعل إلى أن قال: "فيقال له إن كان القدر حجة؛ فدع كل أحد يفعل ما يشاء بك وبغيرك، وإن لم يكون حجة بطل أصل قولك حجة.

стр. 610

ومنهم صنف يدعون التحقيق والمعرفة؛ فيزعمون أن الأمر والنهى لازم لمن شهد لنفسه فعلًا، وأثبت له صنعًا، أما من شهد أن أفعاله مخلوقة، أو أنه مجبور على ذلك، وأن الله متصرف فيه كما تحرك سائر المتحركات، فإنه يرتفع عنه الأمر والنهى والوعد والوعيد. . ." إلى أن قال ﵀: "وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله، ومعاداة له، وصد عن سبيله، ومشاقة له، وتكذيب لرسله، ومضادة له في حكمه" (١). ومن خلال النص السابق يظهر أن أقوى دليل في إبطال الاحتجاج بالقدر هو ما لا يمكن دفعه من إرادة العبد وقدرته على الاختيار، وهذا ما يقتضيه التكليف الشرعي، فالله تعالى قد كلف عباده ما في وسعهم وتحت تصرفهم، وفى ذلك مقولة أهل العلم: إذا سلب ما وهب؛ أسقط ما أوجب، وعليه فلا تناقض بين الشرع والقدر حتى يحتج هؤلاء على معارضة الشرع بالقدر، فأساس ما يبطل به الاحتجاج بالقدر على المعصية إثبات التكليف، وقد علم أن المكلف لا تقام عليه الحجة بالتكليف حتى تقام عليه الحجة من إرسال الرسل وإبلاغه بذلك، وتحقق الشروط فيه من البلوغ والعقل، وانتفاء الموانع؛ فأى عذر بعد هذا للمحتج بالقدر على معصية الله تعالى! ومن كل ما سبق؛ نرجع إلى التأكيد على الحقيقة السابقة الذكر، من أن أساس الضلال في كل المسائل المتعلقة بالقدر، ومن جملتها مسألة الاحتجاج به، هو اعتقاد التناقض بين الشرع والقدر، وكانت هذه الألفاظ كلفظ الحقيقة والشريعة والظاهر والباطن من المتصوفة تعبيرًا ناطقًا عن هذا التناقض، الذي لا أساس له صحيح من عقل ولا نقل. * * *

стр. 611

الفصل العاشر: آراؤه في الصحابة والإمامة وفيه مبحثان: المبحث الأول: الصحابة الكرام. المبحث الثاني: مسائل الإمامة.

стр. 612

تمهيد سبق وأن أشرت إلى عظم مكانة القرآن الكريم من بين الكتب المنزلة، وكيف أن المولى تعالى قد اجتباه واختاره ليكون المهيمن عليها، والحافظ لأصول الإيمان فيها حتى أوكل المولى تعالى حفظه إليه، لتبقى له هذه المكانة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولما اقتضت حكمة العزيز أن كل ما في الكون إنما يسير وفق سنن مطردة ثابتة، فليس ثمة أمر يقع من مقدور الله إلا وقد هيأ المولى له أسبابًا، يتأتى بها وقوعه وفق مشيئته سبحانه، وأن هذه السنن لا تخرق إلا لأمر عظيم، يرشد به المولى عباده لصدق نبيه، أما سوى ذلك فلا يخرج عن هذه السنن، التي يكمن بتسخيرها المطرد عظمة الخالق ، وإحكامه في خلقه، ومن ذلك حفظه لهذا الدين القويم، بحفظ دستوره العظيم، وهو القرآن الكريم. فإن المولى تعالى لما قدر له البقاء والاستمرار، واختاره ليكون خاتم الدين المنزل، والمهيمن عليه، وفق لحفظه أسبابًا، هي محض كرمه تعالى وتوفيقه، يرفع بها من يشاء من عباده، فسخر له رجالًا كان لهم الفضل والسابقة في حفظه وتبليغه، بل والتفانى في الدفاع عنه، حتى اشتمل ذلك الاحتفاء البالغ به على فهم تفسيره بحفظ السنة المطهرة - المصدر الثاني من مصادر التشريع - فبذلوا في سبيل القيام بهذه الأمور العظيمة النفس والنفيس، فكان لهم شرف الهجرة والجهاد، إعلاءً لراية الدين عقيدة ومنهاجًا، حتى وجب لهم بذلك الحق الأرفع في توليهم، وتعظيمهم، وإظهار مكانتهم، والاعتراف بجميل فضلهم، والدعاء لهم بالترضى والاستغفار، وحفظ أعراضهم والذب عنهم، إلى غير ذلك مما يمليه واجب شكرهم، كما أتى الأمر بذلك في صريح الكتاب قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]

стр. 613

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]. كما جاءت الأحاديث عن المصطفى ﷺ ؛ تنوه بشرفهم وسابقتهم، ووجوب أداء حقهم، وتتوعد كل من حاد عن ولائهم وتلبس بعدائهم، وسيأتي بيانها - بإذن الله - عند عرض أقوال الشيخ الصاوي. ومع ظهور الفتن في المجتمع المسلم إبان الخلافة الراشدة، تغير موقف الكثير من أهل الأغراض الفاسدة حيال ما ينبغى أن يكون من محبتهم وحفظ أعراضهم، فخاض من خاض فيها، إما جهلًا وإما عداءً وحنقًا على الإسلام وأهله، حتى تصدى بعضهم إلى إظهار ذلك، وجعله من الدين الذي لا ينعقد الاعتقاد إلا به، وتظهر الرافضة كأكبر فرقة تتزعم هذا المعتقد الخطير، وتحاول بشتى الطرق والوسائل أن تجعل لما تعتقده من عداء بعض الصحابة، بل وشتمهم بأقبح الشتائم، والذي يصل بهم في الكثير من الأحيان إلى تكفيرهم؛ مبررًا سوغ لها مثل هذه الشناعات في حقهم. ولست الآن بصدد استقصاء الأسباب التي أدت بهم إلى هذا الانحراف العقدى الخطير، والذي حمل الكثير من أهل العلم على تكفيرهم وتضليلهم، ولكن الذي أود أن أبينه هنا بطلان ما ذهبوا إليه فيما ادعوه بصورة مجملة، ترتكز على ما ورد في شأن الصحابة الكرام من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة. هذا ولم يكن من الأشاعرة مخالفة للمعتقد الصحيح في حق الصحابة الكرام، بل كان لهم في ذلك شأن في ادحاض شبه الخصوم ومفترياتهم، وعليه فلا حاجة في تقديم آرائهم على رأى الشيخ الصاوي؛ لعدم وجود المعارض في هذا الباب. ولما كان أساس الخلاف الواقع في حق الصحابة منذ البداية قد نشأ في أجواء الخلاف في أحقية الإمامة، حيث احتدم الصراع بين أهل السنة والجماعة والرافضة في شرعية إمامة الصديق ﵁، وخالف في ذلك الرافضة، بل وشنوا

стр. 614

حربًا على العقيدة والأخلاق في سبيل الانتصار لمذهبهم، كما استمرأ الباغون من الخوارج الخروج على الإمام علي ﵁؛ لوجود ما يسوغ لهم ذلك في معتقدهم الباغى، كان للحديث عن الإمامة ومعتقد أهل السنة والجماعة فيها ارتباط وثيق بالحديث عن الصحابة الكرم - رضوان الله عليهم -، وبيان ما يجب في حقهم، لذا فقد ارتأيت الجمع في حديثى عن هذين المبحثين تحت فصل واحد، مبتدئة ببيان رأى الصاوي في كل منهما، متممة بذكر أهم ما يقوم عليه الاعتقاد الصحيح فيهما. * * *

стр. 615

(المبحث الأول): الصحابة الكرام لقد تناول الصاوي عددًا من المسائل المتعلقة بالصحابة الكرام، كلها تدور في محور واحد، وهو بيان فضل الصحابة وواجب المسلم نحوهم، ويمكن توضيح ذلك بإبراز آرائه الموجزة في هذا المبحث تحت عناوين موضحة للفكرة التي يريد عرضها في كلامه، ومن ثم التعليق عليها وفق ما ذهب إلى تقريره فيها، وهى كالتالى: أولًا: تعريف الصحابة: - يضع الصاوي حدًا في تمييز الصحابة الكرام عن غيرهم، فيقول في تعريف الصحابى: "هو كل من اجتمع بالنبى ﷺ بعد البعثة مؤمنًا، ولو لم تطل صحبته، - ولو كان غير مميز - فشمل الصبيان الذين حنكهم النبي ﷺ ومات على ذلك". وبهذا يصل إلى أنه لا اختصاص لجنس بعينه في هذا المسمى، يقول: "ولو من الجن والملائكة والأنبياء في حال الحياة، فعيسى والخضر وإلياس والملائكة الذين اجتمعوا به في الأرض صحابة باقون" (١). - في تحديد زمن الصحابة يقول: "وقرن الصحابة مائة وعشرون سنة، مبدؤها البعثة". وعليه فإن "أصحاب رسول الله ﷺ لا يعلم عددهم إلا الله تعالى" (٢). * * * ثانيًا: فضائل الصحابة: يوضح الصاوي ما يجب أن يكون عليه المعتقد الصحيح في حقهم؛ حيث يقول: "مما يجب اعتقاده: أن أصحاب رسول الله ﷺ خير الخلق بعد الأنبياء، ورؤساء الملائكة (٣) " (٤).

стр. 616

- ويستدل لهذا الفضل بما ورد في شأنهم من قوله ﷺ : (لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) (١). وقال: (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (٢). (٣) - مع وجوب اعتقاد أفضليتهم على سائر قرون الأمة؛ إلا أنهم في ذلك الفضل على درجات متفاوتة، يقول: "ولا يخفى ترجيح رتبة من لازمه وقاتل تحت رايته على من لم يكن كذلك". - ثم يفصل القول في هذا التفضيل، مبينًا: أن "أفضل الصحابة من تولى الخلافة عنه ﷺ ، فأفضلهم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي". وعليه فإنه "ينبغي حبهم، والتوسل بهم على هذا الترتيب". فـ "الذين بشروا بالجنة يلوون عليًا في الفضل، وأهل بدر رتبتهم تلى رتبة الستة من العشرة. وأهل أحد رتبتهم تلى رتبة بقية أهل بدر الذين لم يحضروا أحد، وأهل بيعة الرضوان تلى رتبتهم رتبة أهل أحد". (٤) - وقد كان هذا الاصطفاء والتفضيل من الله تعالى؛ جزاء لما قدموه من جليل العمل للإسلام وأهله، فقد "كانوا يحبون الرسول ﷺ أكثر من أنفسهم وأولادهم وأموالهم، ولذلك قتلوا من أجله آباءهم وأبناءهم وعشيرتهم، وكان الواحد منهم

стр. 617

يعذبه الأعداء بأنواع العذاب؛ لأجل سبة يسبها لرسول الله ﷺ فيختار العذاب، كما وقع لبلال وغيره. (١) فـ "هم الملازمون للنبي ﷺ في أشغاله، وحروبه، وهجرته، وصلاته للقبلتين، وقد عاشروه الزمن الطويل، ومازوا بخطاب القرآن لهم مشافهة، وحلول جبريل ﵇ بينهم في غالب الأوقات" (٢) وعند تفسير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يبين أن الصحابة الكرام هم أصحاب السبق في ميدان الخيرية والتفضيل؛ لاكتمال صفات المدح فيهم، يقول: "هذا مدح عظيم وتفضيل من الله لهذه الأمة المحمدية وفيه إعلام بتثبيتهم على تلك الأوصاف العظيمة، واعلم أن المخاطب مشافهة الصحابة، وثبتت لهم هذه الأوصاف المرضية فمدحهم الله على ذلك، ومن تمسك بأوصافهم وأخلاقهم كان ممدوحًا مثلهم، وهذا المدح يدل على أن أوصافهم مرضية لله، فشرفهم الله بشرف نبيهم، قال صاحب البردة: لما دعا الله داعينا لطاعته ... بأشرف الرسل كنا أكرم الأمم (٣) - وقد استحقوا لعظيم ما تخلقوا به من مقتضيات الإيمان الأجر العظيم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، يقول عند تفسيرها: "يؤخذ من هذه الآية أن جميع المهاجرين والأنصار مبشرون بالجنة من غير سابقة عذاب، وأما ما ورد من أن المبشرين بالجنة عشرة فلأنهم جمعوا في حديث واحد". (٤) - ويفصل القول في مزايا المهاجرين والأنصار منهم على جهة الخصوص،

стр. 618

وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، يقول: "الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: اعجبوا؛ أي تعجبوا من حال المهاجرين حيث تنزهوا عن الديار والأموال، وتركوا ذلك ابتغاء وجه الله تعالى، وعبر فيه بالخروج؛ لأن المال لما كان يستر صاحبه، كان كأنه ظرف له". وهم في ذلك: "طالبين الرزق من الله لإعراضهم عن أملاكهم الدنيوية، ومرضاة الله تعالى في الآخرة". والذي حملهم على ذلك ما وصفهم به المولى، حيث قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ "أي الخالصون في إيمانهم، حيث اختاروا الإسلام، وخرجوا عن الديار والأموال والعشائر، حتى روى أن الرجل كان يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتخذ الحفيرة في الشتاء ماله من دثار غيرها". ويذكر ما ورد في شأن المهاجرين عن النبي ﷺ ، يقول: وفي الحديث: "أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا" (١) ثم يشرع في بيان ما للأنصار من منزلة علية في ضوء الآية الكريمة، يقول: "والذين تبوءوا الدار، أي؛ اتخذوها منزلًا بإسلامهم من قبل قدوم النبي ﷺ بسنتين، فعصموها، وحفظوها بالإسلام، فكأنهم استحدثوا بناءها، والمعنى: لزموا الدار والإيمان، أو شبه تمكنهم في الإيمان باتخاذهم منزلًا فيه، جمع بين الحقيقة والمجاز. ولا يجدون في ذلك كله: "حسدًا ولا منًا ولا غيظًا ولا حزازة". ومن جميل ما تصفوا به أنهم "يؤثرون على أنفسهم في كل شيء من أسباب

стр. 619

المعاش؛ حتى إن من كان عنده امرأتان كان ينزل عن إحداهما، ويزوجها واحدًا من المهاجرين". (١) هذا وحقيقة الإيثار التي اتصفوا بها: "تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية، رغبة في الحظوظ الدينية. وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وغاية المحبة، والصبر على المشقة". ثم يختم حديثه ببيان أن هذا الوصف لا يخص الأنصار دون غيرهم من الصحابة، فقد روى عن ابن عمر أنه قال: (أهدى لرجل من أصحاب النبي ﷺ رأس شاة، فقال: أخى فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا فبعثه إليهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات ثم عادت إلى الأول؛ فنزلت هذه الآية) (٢). وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة، ثم قال للغلام: اذهب بها إلى عبيدة بن الجراح، ثم امكث عنده في البيت حتى ننظر وما يصنع بها فذهب بها الغلام إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: وصله الله ورحمه، ثم قال: تعالى يا جارية، اذهبى بهذه السبعة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان، حتى فقدها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره ووجده قد ربط مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إليه، وامكث في البيت ساعة حتى ننظر ما يصنع فذهب بها إليه وقال له: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجاتك، فقال: ﵀ ووصله، وقال يا جارية:

стр. 620

اذهبي إلى بيت فلان بكذا، واذهبى إلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ فقالت: نحن والله مساكين فأعطنا، ولم يبق في الخرقة إلا ديناران، فدحا بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، وسر بذلك وقال: إنهم أخوة". (١) - وفي التنويه بما اختص به أبو بكر الصديق- ﵁ من الفضائل والمزايا، يقول في حديثه عن الردة والمرتدين: "فكفى الله أمرهم على يد أبى بكر الصديق حين خرج لقتالهم، حيث منعوا الزكاة، فكره ذلك الصحابة وقالوا: هم أهل القبلة فكيف نقاتلهم، فتقلد أبو بكر بسيفه، وخرج وحده، فلم يجدوا بدًا من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء وحمدناه في الانتهاء، وقال بعض الصحابة: ما ولد بعد النبيين أفضل من أبى بكر لقد قام مقام نبى من الأنبياء في قتال أهل الردة" (٢) * * * ثالثًا الدفاع عن الصحابة: - يقول موضحًا ما يجب على المسلم اعتقاده في الخلاف الذي وقع بين الصحابة - رضوان الله عليهم -: "أصرف التخاصم عن ظاهره وجوبًا للذى ورد عنهم بالسند المتصل، متواترًا كان أو مشهورًا كان أولًا، حين كان سنده صحيحًا، وإلا فهو مردود لذاته، لا يحتاج إلى تأويل". ثم يبين مراده بالصرف عن الظاهر، فيقول: "المراد أن تصرفه إلى محمل حسن حيث كان ممكنًا، فإن لم يكن تأويله وقفنا، لاعتقادنا حفظهم مما يوجب الفسق، لأنهم مجتهدون، وقد قال العلماء: المصيب بأجرين والمخطئ بأجر". ويبرهن على حجية هذا الموقف بشهادة الله تعالى لهم بالعدالة، يقول: فـ "قد شهد الله ورسوله لهم بالعدالة".

стр. 621

هذا من جهة ومن جهة أخرى: "لأن التفتيش عما جرى بينهم ليس من العقائد الدينية، ولا مما ينتفع به في الدين، بل ربما ضر في اليقين". وبهذا الطرح المسبق يصل إلى بيان حكم الخوض فيما وقع بين الصحابة الكرام من الخلاف، يقول مفصلًا رأيه: وعليه فإنه؛ "لا يباح الخوض فيه إلا للتعليم، أو الرد على المعتصبين. أما العوام؛ فلا يجوز لهم الخوض فيه؛ لفرط جهلهم وعدم معرفتهم للتأويل". ومع الإقرار بجواز الخوض فيه في بعض الحالات؛ كما تقتضيه الضرورة، إلا أنه يلفت الانتباه إلى وجوب التمسك بالأدب في الحديث عنهم، كما يقتضيه الاعتراف بفضلهم، يقول: "ويجب عليك حال خوضك فيما شجر بينهم لأمر مما تقدم أن تتجنب الحسد حال خوضك، لقوله ﷺ : (الله الله في أصحابي، الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدى، فمن أحبهم فبحبى أحبهم، ومن أبغضهم فببغضى أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذانى، ومن آذانى فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه) (١). (٢) التعليق: أولًا: تعريف الصحابة: جاء في لسان العرب: "صحبه يصحبه صحبة بالضم، وصحابة بالفتح، وصاحبه عاشره، والصحب جمع الصاحب، مثل راكب وركب، والأصحاب جماعة الصحب، مثل: فرخ وأفراخ، والصاحب المعاشر" (٣) وقال شيخ الإسلام ﵀: "الأصحاب جمع صاحب، والصاحب اسم فاعل من صحبه يصحبه، وذلك يقع على قليل الصحبة وكثيرها" (٤)

стр. 622

أما تعريف الصحابة في الاصطلاح الشرعي، فقد تعددت أقوال العلماء في وضع حد له، يكون جامعًا لأفراده، مانعًا من دخول غيره فيه، من هؤلاء الإمام البخاري ﵀، فقد قال في تعريفهم: (من صحب النبي ﷺ ، أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه) (١) وأدق ما قيل في هذا الباب وأضبطه ما قرره الحافظ ابن حجر ﵀، حيث قال: "الصحابى من لقى النبي مؤمنًا ومات على الإسلام" (٢) وكان تعرف الصاوي للصحابة موافقًا لما ذهب إليه الحافظ ابن حجر، وإن صحت العبارة يكاد يكون شارحًا له، مفسرًا لمفرداته، وذلك لأن جميع الألفاظ التي زادها فيما ذكر إنما تدخل في القيود التي اشتمل عليها تعريف ابن حجر المذكور. - فاشتراطه لزمن الرؤية أن يكون بعد البعثة، داخل في مفهوم كلمة "مؤمنًا به"؛ لأنه قد علم بالضرورة عدم التكليف بالإيمان به قبل البعثة. - ثم إن عدم اشتراط التمييز، الذي قيد به الصاوي تعريفه أيضًا مما يندرج في تعريف الحافظ، وذلك لأن الأطفال الغير مميزين لهم حكم البالغين من جهة ثبوت وصف الإسلام لهم، وهذا على القول المعتمد في تفسير الفطرة. ومع وجود المخالف في هذه المسألة من العلماء (٣)، حيث قيد بعضهم التعريف باشتراط التمييز والإدراك، إلا أنه لا اعتداد بقوله هنا، وذلك لرجحان الأدلة في تعريف الفطرة التي ذكرت في الأدلة الشرعية بالإسلام (٤). - وأما ما ذهب إليه الصاوي من عدم اشتراط الجنس لثبوت حكم الصحبة،

стр. 623

فإنه مما لا يسلم له على جهة التعميم، وذلك لأنه قد علم توجه الأمر بالإيمان بالنبى ﷺ للمخاطب بالتكاليف الشرعية، ممن يتأتى منهم القبول أو الرفض، وهم الثقلين: الإنس والجن. وقد أشار إلى هذا المعنى الحافظ ابن حجر حين شرح مفردات التعريف، حيث قال: "ويدخل في قولنا مؤمنًا به كل مكلف من الجن والإنس" (١). أما الملائكة، فلا يصح إدخالهم في هذا، لأن المولى قد جبلهم على الإيمان به وعلى طاعته فلا تعمهم أحكام المكلفين من الثقلين. - وكان في إدخاله عيسى والخضر - على القول بنبوته - وإلياس ﵈ في حكم الصحبة، مما لا يصح، وذلك لأنه ﵊ لم يثبت أنه التقى بهم في حياته إلا ليلة الإسراء، وهم في حال البرزخ، وقد علم أن حياة البرزخ مما لا ينسحب عليها أحكام الحياة الدنيا، ومع ثبوت الخير كتابًا وسنة بأن عيسى ﵇ سينزل إلى الأرض، وسيحكم بشريعة الإسلام، إلا أنه ليس في ذلك دلالة على ثبوت الصحبة له. أما ما ذهب إليه من إثبات وصف الصحبة للخضر وإلياس ﵉، فإنه مبنى على أمرين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر: أولًا: اعتقاد أن الخضر وإلياس أحياء على الدوام، وأنه لم ولن يتعرضا للموت أبدًا. ثانيًا: أن الخضر وإلياس قد ثبتت لهما رؤية النبي ﵊ والاجتماع به. والحقيقة أن كلا الأمرين مما لا مستند له من الصحة. وتفصيل ذلك: أن اعتقاد دوام حياة الخضر وإلياس؛ مما تنقضه أدلة الكتاب والسنة، وذلك لأنها نصت على أنه لا نجاة لأحد من الموت أبدًا، منها قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾.

стр. 624

كما أنه لا يوجد دليل معتمد يستثنى الخضر وإلياس من هذا الحكم الكلى، الذي لم ينج منه أحد، ولا حتى أشرف الثقلين: محمد ﷺ . ولعل الصاوي في نفس حديثه عن الفاصل الزمنى الذي يمكن أن ينتسب إليه الصحابة ما يكفى في إبطال ما ادعاه من بقائهما، فقد ورد في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (أرأيتكم ليلتكم هذه فإن رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) (١). أما حكاية التقائه ﵊ بالخضر وإلياس ﵉، فهذا مما ترويه المسانيد الواهية، التي يجمع على تلقيها بالقبول كافة المتصوفة، وكثير من العوام وقد تلتبس على بعض أهل العلم (٢). وقد تصدى الحافظ ﵀ لبيان شدة ضعف هذه الروايات، التي تدل على بقاء الخضر، ومن ثم التقائه بالنبي ﷺ ، وذلك في عدد من مواضع الفتح (٣) , كما أورد حجج أهل العلم في دحض هذه الادعاءات ضمن شرحه للأحاديث التي استندوا إلى دلالتها، كحديث النبي ﷺ الذي قال فيه: (يرحم الله موسى، لو كان صبر يقص علينا من أمرهما) (٤). يقول الحافظ حاكيًا حجتهم "فلو كان الخضر موجودًا لما حسن هذا التمنى، ولأحضره بين يديه وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة، لا سيما أهل الكتاب" (٥). هذا وقد أفرد الحافظ في توضيح ذلك مصنفًا أسماه: (الزهر النضر في نبأ الخضر) (٦)، جزم فيه بضعف جميع ما روى في هذا المعنى.

стр. 625

أما عن تعمير إلياس ﵇، وحكاية اجتماعه بالنبي ﷺ ، فهذا مما وضع على النبي خبره، فقد روى الحاكم في مستدركه (١) حديث يطول في هذا المعنى، ولكن الحافظ الذهبي بين بطلانه عند ترجمة يزيد البلوى (٢). كما نقل الحافظ ابن حجر ﵀ كلامًا للذهبى من كتابه: (تلخيص المستدرك) حكم فيه على الحديث بالوضع ورد على الحاكم تصحيحه لهذا الخبر. (٣) - أما ما ذكره الصاوي من عدم معرفة عدد الصحابة ﵃؛ فصحيح دل عليه حديث كعب بن مالك في غزوة تبوك، حيث قال فيه: (والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ). (٤) - فالذى يفهم من الحديث أنه لم يقيد عددهم بحد معين، وذلك لكثرتهم، وقد علم أن هناك الكثير أيضًا ممن تخلف من أصحاب العذر رجالًا ونساءً وأطفالًا، وعليه فكل من قيدهم بعدد احتاج ضبطه لمستند صحيح، وقد علم عدمه، أما من ذكر عددًا مقاربًا فلا بأس بذلك، قال الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى -: "وللحاكم في الإكليل من حديث معاذ خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى غزوة تبوك زيادة على الثلاثين ألفًا، وبهذه العدة جزم ابن إسحاق، وأورده الواقدى بسند آخر موصول وزاد أنه كان معهم عشرة آلاف فرس" (٥) * * * فضل الصحابة: إن الأدلة في استحقاق الصحابة الفضل على سائر الأمة مما استفاضت به الأدلة

стр. 626

قال ﵊: (خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم). (١) وكما تقدم من كلام الصاوي لم يكن استحقاقهم لهذا الفضل العظيم مجردًا عن الحكمة، وإنما كان ذلك جزاء لما اتصفوا به من عظيم الأخلاق، ولما قدموه للإسلام وللمسلمين. هذا والحديث عن فضل الصحابة؛ مما يطول المقام في استقصائه، ولعلى أشير إلى الآية التي استدل بها الصاوي على خيرية الصحابة وعدالتهم، وهى آية آل عمران، يقول السفارينى ﵀: "معتمد القول عند أئمة السنة أن الصحابة - رضوان الله عليهم كلهم - عدول بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق المعتبرين، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قيل: اتفق المفسرون على أن ذلك في الصحابة، لكن الخلاف في التفاسير مشهور، ورجح كثير عمومها في أمة محمد ﷺ " (٢) وقد أجاد القول الإمام ابن كثير ﵀ في توجيه ما قيل فيها من أقوال، يقول: "والصحيح أن هذه الآية عامة في جميع الأمة كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] " (٣) ولكن ما يؤخذ على الصاوي هنا استدلاله بالأحاديث الضعيفة على ما يجب في حقهم مع وجود الصحيح الثابت الذي يحصل به الكفاية واليقين. - كما أن استدلاله بما يثبت فضلهم ويقطع بالنعيم المعد لهم لإثبات تساويهم في دخول الجنة بلا سابقة عذاب مما لا يسلم له بإطلاقه، فإنه قد ثبت في السنة المطهرة

стр. 627

تفاوت الصحابة في مسائل الحساب والمغفرة، مما يدل على ذلك حديث الصحيحين الذي بشر فيه النبي ﷺ بدخول طائفة من أمته الجنة بلا حساب أو عقاب، فعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال في حديث عرض الأمم عليه: (فإذا سواد عظيم. فقيل لي: هذه أمتك، ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ . وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله. وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: ما الذي تخوضون فيه؟ فأخبروه. فقال: هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محصن. فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال: أنت منهم ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلنى منهم. فقال: سبقك بها عكاشة) فدلالة الحديث على تفاوت الصحابة في هذه المسائل واضحة جلية من جهتين الأولى، أنه سمع اجتهادهم في معرفة هذه الطائفة؛ وقد كان من جملة ما ظهر لهم، أنهم الذين صحبوا رسول الله ﷺ ، ومع ذلك لم يقرهم على شيء مما ظنوه، وبين ﵊ الصفات التي أكرمهم بها المولى تعالى وجازاهم لاتصافهم بها دخول الجنة بلا حساب أو عقاب (١)، فإن النبي ﷺ جعل الوصف الذي يستحق به هؤلاء دخول الجنة بغير حساب هو تحقيق التوحيد وتجريده فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون والطيرة نوع من الشرك ويتوكلون على الله وحده لا على غيره (٢).

стр. 628

أما الثانية؛ فقد شهد النبي ﵊ لعكاشة بكونه منهم مع أنه توقف فيمن طلب أن يدعو له بذلك (١). والذي يظهر تفاوت الصحابة في هذه المسائل لتوقف النبي ﷺ في الشهادة لأحد سوى من أوحى إليه أنه توفرت فيه ما ذكر من الصفات. ويحسن هنا بعد بيان المسألة إجمالًا أن ينبه إلى أنه قد يكون ممن يحاسب ويبقى مدة بعد دخول هؤلاء الجنة في عرضات القيامة من هو خيرًا منهم وأن هذا التفضيل لهذه الخصلة وليس تفضيلًا شاملًا عامًا، يقول شيخ الإسلام - رحمة الله -: "فالفقراء متقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم، والأغنياء مؤخرون لأجل الحساب، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير كانت درجته في الجنة فوقه، وإن تأخر في الدخول. كما أن السبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ومنهم عكاشة بن محصن، وقد يدخل الجنة بحساب من يكون أفضل منهم". ومما تقدم يتبين أن نفى العذاب عن أجمعهم مطلقًا مما يحتاج لدليل، لأن في إثبات أصل الحساب ودخولهم في عمومه ما ينافى ذلك، فالحساب على درجات وقد ثبت من حديث النبي ﷺ أنه قال: (من نوقش الحساب عذب) (٢) وهذا من حيث الإجمال، أما وقد ثبت بالأدلة الصحيحة استحقاق العذاب على بعضهم ممن ثبتت له عموم الصحبة ممن هو دون المشهورين أصحاب الفضل والسابقة؛ فلا حجة

стр. 629

إذًا لمن منعه مطلقًا عن كل من أطلق عليه مسمى صحابى، فعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ليردن على ناس من أصحابي الحوض، حتى إذا عرفتهم اختلجوا دونى، فأقول: أصحابي؟ فيقول: لا تدرى ما أحدثوا بعدك). وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁، فأقول: يا رب أصحابي. . الحديث (١)، وعن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال: (ليردن على الحوض رجال ممن صحبنى ورآنى، حتى إذا رفعوا إلى ورأيتهم اختلجوا دونى، فلأقولن: رب، أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك). (٢) وكان للعلماء عددًا من التوجيهات التي فسروا بها الصحبة المثبتة هنا لهؤلاء المذادين ذكرها الحافظ ﵀ منها أن المقصود بهؤلاء "الذين ارتدوا على عهد أبى بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر. ." وهذا إنما يتوجه لغير المشهورين من الصحابة فإنه "لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدنيا، وذلك لا يوجب قدحًا في الصحابة المشهورين" وقال بعضهم: يحتمل أن يكونوا منافقين أو من مرتكبى الكبائر، كما لا يمتنع دخول أصحاب البدع في ذلك، ولكن رد وصمهم بالابتداع لأن البدع إنما حدثت من غير القرن الذين صحبوا رسول الله. وبهذا يكون المراد هنا الصحبة العامة التي تثبت بالرؤية والدخول في الإسلام وهذا ما أثبته سابقًا، فليس المراد المشهورين من الصحابة ولا من كانت له سابقة في الإسلام، يقول الحافظ: "وأجيب بحمل الصحابة على المعنى الأعم" كما أن في رواية أصيحابى بالتصغير ما يدل "على قلة عددهم" (٣)

стр. 630

ومع إنه ليس في هذه الأحاديث ما يقطع بدخولهم في النار إلا أن مجرد ذبهم عن الحوض فيه معنى العقوبة، ويدخل في عموم العذاب، يقول الإمام النووي: "لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه فيدخلهم الجنة بغير عذاب" (١) وبهذا يتبين أن الآية التي استدل بها الصاوي وهى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤]، تفيد قاعدة كلية وحكمًا عامًا، قد يستثنى منه البعض لوجود مانع أو انتفاء شرط، وهذا كصاحب الغلة التي غلها في غزوة مع رسول الله ﷺ عن أبي هريرة ﵁ أنه قال افتتحنا خيبر، ولم نغنم ذهبًا ولا فضة، إنما غنمنا البقر والإبل والمتاع والحوائط، ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادى القرى، ومعه عبد له يقال له مدعم أهداه له أحد بنى الضباب (٢)، فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه سهم عائر، حتى أصاب ذلك العبد، فقال الناس: هنيئًا له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ : (بل، والذي نفسى بيده، إن الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه نارًا) (٣) كما أنه مما اشتهر أن الجنة لا يشهد لأحد بدخولها إلا من ورد تبشيره بها على جهة التعيين، فمع صحة ما ذهب إليه الصاوي من أن حديث العشرة لا يفيد حصر البشارة على هؤلاء، فإنه لا يسلم أن تعم على أحد حتى مع عدم ورود الدليل على تعيينه بالبشارة، والصحيح أن الحديث لا يفيد الحصر ولا ينفى الزيادة المثبتة بالأحاديث الأخرى المتفرقة، يقول العينى في تعليقه على حديث النبي ﷺ الذي فيه

стр. 631

: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا: "فإن قيل المبشرون بالجنة معدودون بالعشرة، وبهذا يزاد عليهم، لأنه ﷺ نص عليه أنه من أهل الجنة وأجيب بأن التنصيص على العدد لا ينافى الزيادة، وقد ورد أيضًا في حق كثير مثل ذلك، كما قال ﷺ في الحسن والحسين وأزواجه" (١) وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم. * * * - أما تفاوت الصحابة في درجات ذلك الفضل فقد تقدمت الإشارة إليه في كلام الصاوي، ويستند هذا التفاوت إلى الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠] يقول الإمام ابن جرير في معنى الآية الكريمة: "يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا". (٢) وقال ﵊ ناهيًا خالد بن الوليد ﵁ في سبة سبها عبد الرحمن بن عوف ﵁: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه). (٣) فعلم منه تقدم السابقين في الإسلام والهجرة على من بعدهم. وقال ﵊ في فضل الخلفاء الراشدين: (فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (٤).

стр. 632

وقال ﵊ في فضل أهل بدر من حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). (١) وقال أيضًا في حديث آخر، عندما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: (ما تعدون أهل بدر فيكم؟ ، قال: من أفضل المسلمين، فقال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) (٢). إلى غير ذلك من الأحاديث، التي دلت على تفاوتهم ﵃ في الرتبة والفضل، وقد كانت هذه المسألة مما استرعى اهتمام العلماء، حتى قاموا بتصنيف الصحابة إلى درجات استنادًا للأدلة المستفيضة في ذلك، ولكنهم اختلفوا في وضع عدد ثابت لها، وأشهر التقسيم الذي عليه أهل العلم، كالتالى: الأولى: قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة. الثانية: أصحاب دار الندوة. الثالثة: مهاجرة الحبشة. الرابعة: أصحاب العقبة الأولى. الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار. السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه إلى قباء قبل أن يدخل المدينة. السابعة: أهل بدر. الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية. التاسعة: أهل بيعة الرضوان. العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة. الحادية عشر: مسلمة الفتح.

стр. 633

الثانية عشر: صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع" (١). هذا وقد تعرض الصاوي إلى مسألة مهمة بعد بيان تدرجهم - رضي الله تعالى عليهم بالفضل -، وهى قضية التوسل بهم، حيث بنى على ذلك التدرج أن التوسل بهم أيضًا يكون وفق ذلك الترتيب. والحقيقة أن هذه المسألة من مهام المسائل العقدية، لوقوع الكثير في الضلال بسبب اختلاف التوسل المذموم عليهم بالممدوح منه. فمع التسليم بمشروعية التوسل بهم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، إلا أن الصاوي لم يوضح مراده من ذلك التوسل، ولا كيفيته المشروعة، فالتوسل المشروع في حقهم هو التوسل إلى بمحبتهم وإجلالهم، والاقتداء بهم، وحفظ أعراضهم، أو بطلب الدعاء منهم في حياتهم، كما فعل عمر- رضى الله تعالى عنه - مع عم النبي ﷺ : العباس - رضي الله تعالى عنه - (٢). وما خلا ذلك من التوجه لهم بالدعاء واعتقاد حصول الضر أو النفع من جهتهم فلا صحة له، بل هو عين الشرك الذي حذر النبي ﷺ أمته منه. * * * الدفاع عن الصحابة: تقدم الحديث عن فضل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، واستفاضة الأدلة في ذلك، مما يعني أنه لا يجوز بحال القدح أو الطعن فيهم، مهما كان السبب، لأنه كما قال شيخ الإسلام ﵀ بعد ذكر الأحاديث الواردة في فضلهم: "هذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة" (٣).

стр. 634

وقد تفطن أهل الافتراق والأهواء لهذه الحقيقة التي لا مراء فيها، فاتجهوا إلى ذلك المعين الصافى، وراموا بغيًا تكدير صفوه، وأنى لهم، فطعن الشيعة في حفظ القرآن الكريم, وزعموا تحريفه بأنواع الأكاذيب، كما أعرضت الخوارج عن تحكيم السنة فأخذت تعمل رأيها في قبول ما تشاء ورد ما تريد، وهكذا حتى خرج زعماء هذه الفرق على جماعة المسلمين بتكفير كبار الصحابة ممن شهد لهم رسول الله بالجنة، فعلم من ذلك أن الطعن في الصحابة هو ديدن الخارجين عن منهج الكتاب والسنة، فالرد عليهم إذًا يكون أولًا: ببيان مكانة التلقى عنهما، وأنه لا نجاة بغير الاهتداء بهديهما. وعليه فإن الطعن في عدالة الصحابة الكرام بما يوجب الفسق أو الكفر بحجة ما وقع بينهم من خصام ليس له مسوغ شرعى مهما كانت حجة الخصم، لأنه قد ثبتت عدالتهم بما يوجب لهم الترضى ودخول الجنة بالخبر اليقينى المتواتر كتابًا وسنة. هذا والحديث في بيان حقيقة الخصام الذي حدث في صفوف الصحابة ﵃، مما امتلأت بمروياته كتب التاريخ، فقد جمعت بين دفتيها عددًا ضخمًا منها، ولكنه مع الأسف كان غالبه مما وضعه أصحاب الأهواء والبدع المارقين من جماعة المسلمين، لذا كان تنبيه الصاوي السابق من هذه المرويات، متبعًا بذلك منهج أكابر العلماء. فتحرى الصحيح منها، ونبذ ما خالف ذلك، مما لا مستند له من الصحة سندًا أو متنًا مما يدل على التمسك بمنهج الكتاب والسنة في اعتقاد عدالة الصحابة وحفظهم عن موجبات الفسق وما شاكله. وقبل الحديث في الاستدلال لهذا الموقف السديد من الصاوي، أتوجه بالبيان: أولًا: لما حدث بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، لعلى أعطى للقارئ فكرة موجزة عن حقيقة التخاصم الذي حدث من جهة أسبابه ودوافعه، أقول: لقد كان لأعداء المسلمين من اليهود، دور كبير في غرس بذور الفتنة، ومن ثم تعهد نموها واشتدادها، فقد رصد التاريخ بما لا يدع مجالًا للشك، تحركات ابن سبأ

стр. 635

اليهودى، الذي تظاهر بالإسلام في أثناء خلافة عثمان ﵁، حيث قام بإيغار قلوب عماله عليه، وذلك بمساعدة أتباعه الذين أطلق عليهم مسمى السبئية، حتى تمخض عن ذلك الحشد النفسى على الخليفة الراشد حشدًا حقيقيًا مجندًا، أدى إلى مقتله على حين غرة، غدرًا في منزله - رضى الله تعالى عنه وأرضاه -. أقول لقد كان لهذا الحادث الأليم أثر بالغ، بل هو الدافع الأول لحدوث التخاصم بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -، حيث اختلفت الآراء وتباينت في كيفية معالجة الوضع الراهن. فقد طالب الصحابة الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه - بأخذ القود لعثمان ﵁، المقتول ظلمًا وغدرًا. ولكن علي ﵁، وهو الفطن الحكيم، تريث في الأمر وطلب المهلة ريثما تحين الفرصة المناسبة فيتمكن من القبض على هذه العصابة الآثمة دون إحداث أمر يؤدى بدوره إلى بث الفرقة، خصوصًا والخلافة لم تحكم قبضتها بعد على أطراف الدولة المترامية (١). ومع هذا الموقف المتأنى منه ﵁، لم يطق بعض الصحابة الصبر لما حدث للخليفة المقتول غدرًا ﵁، فامتنعوا عن المبايعة حتى يتم الأخذ بالثأر خوفًا من أن يهدر دمه ويصعب معرفة قاتليه (٢). وهكذا أخذ الخلاف بالتبلور متجهًا نحو الشدة والسيطرة، حتى استقر الأمر على انشقاق الصف إلى فرقتين: واحدة يتزعمها الصحابى الجليل على، وواحدة يتزعمها معاوية بن أبي سفيان ﵄، واستمر الخلاف إلى أن نشبت بين صفوف هاتين الفئتين حروبًا عظيمة، قيل: إن عدد الذين قتلوا فيها فاق عدد شهداء معارك الفتوح الإسلامية بأسرها إبان الخلافة الراشدة.
следующие страницы →