: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا: "فإن قيل المبشرون بالجنة معدودون بالعشرة، وبهذا يزاد عليهم، لأنه ﷺ نص عليه أنه من أهل الجنة وأجيب بأن التنصيص على العدد لا ينافى الزيادة، وقد ورد أيضًا في حق كثير مثل ذلك، كما قال ﷺ في الحسن والحسين وأزواجه" (١) وأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وغيرهم.
* * *
- أما تفاوت الصحابة في درجات ذلك الفضل فقد تقدمت الإشارة إليه في كلام الصاوي، ويستند هذا التفاوت إلى الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك منها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]
يقول الإمام ابن جرير في معنى الآية الكريمة: "يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية، وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا". (٢)
وقال ﵊ ناهيًا خالد بن الوليد ﵁ في سبة سبها عبد الرحمن بن عوف ﵁: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه). (٣)
فعلم منه تقدم السابقين في الإسلام والهجرة على من بعدهم.
وقال ﵊ في فضل الخلفاء الراشدين: (فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (٤).
стр. 632
وقال ﵊ في فضل أهل بدر من حديث حاطب بن أبي بلتعة ﵁: (وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). (١)
وقال أيضًا في حديث آخر، عندما جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال له: (ما تعدون أهل بدر فيكم؟ ، قال: من أفضل المسلمين، فقال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) (٢).
إلى غير ذلك من الأحاديث، التي دلت على تفاوتهم ﵃ في الرتبة والفضل، وقد كانت هذه المسألة مما استرعى اهتمام العلماء، حتى قاموا بتصنيف الصحابة إلى درجات استنادًا للأدلة المستفيضة في ذلك، ولكنهم اختلفوا في وضع عدد ثابت لها، وأشهر التقسيم الذي عليه أهل العلم، كالتالى:
الأولى: قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة كالخلفاء الأربعة.
الثانية: أصحاب دار الندوة.
الثالثة: مهاجرة الحبشة.
الرابعة: أصحاب العقبة الأولى.
الخامسة: أصحاب العقبة الثانية وأكثرهم من الأنصار.
السادسة: أول المهاجرين الذين وصلوا إليه إلى قباء قبل أن يدخل المدينة.
السابعة: أهل بدر.
الثامنة: الذين هاجروا بين بدر والحديبية.
التاسعة: أهل بيعة الرضوان.
العاشرة: من هاجر بين الحديبية وفتح مكة.
الحادية عشر: مسلمة الفتح.
стр. 633
الثانية عشر: صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح وفي حجة الوداع" (١).
هذا وقد تعرض الصاوي إلى مسألة مهمة بعد بيان تدرجهم - رضي الله تعالى عليهم بالفضل -، وهى قضية التوسل بهم، حيث بنى على ذلك التدرج أن التوسل بهم أيضًا يكون وفق ذلك الترتيب.
والحقيقة أن هذه المسألة من مهام المسائل العقدية، لوقوع الكثير في الضلال بسبب اختلاف التوسل المذموم عليهم بالممدوح منه.
فمع التسليم بمشروعية التوسل بهم - رضي الله تعالى عنهم أجمعين -، إلا أن الصاوي لم يوضح مراده من ذلك التوسل، ولا كيفيته المشروعة، فالتوسل المشروع في حقهم هو التوسل إلى بمحبتهم وإجلالهم، والاقتداء بهم، وحفظ أعراضهم، أو بطلب الدعاء منهم في حياتهم، كما فعل عمر- رضى الله تعالى عنه - مع عم النبي ﷺ : العباس - رضي الله تعالى عنه - (٢). وما خلا ذلك من التوجه لهم بالدعاء واعتقاد حصول الضر أو النفع من جهتهم فلا صحة له، بل هو عين الشرك الذي حذر النبي ﷺ أمته منه.
* * *
الدفاع عن الصحابة:
تقدم الحديث عن فضل الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، واستفاضة الأدلة في ذلك، مما يعني أنه لا يجوز بحال القدح أو الطعن فيهم، مهما كان السبب، لأنه كما قال شيخ الإسلام ﵀ بعد ذكر الأحاديث الواردة في فضلهم: "هذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم، وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون، والقدح فيهم قدح في القرآن والسنة" (٣).
стр. 634
وقد تفطن أهل الافتراق والأهواء لهذه الحقيقة التي لا مراء فيها، فاتجهوا إلى ذلك المعين الصافى، وراموا بغيًا تكدير صفوه، وأنى لهم، فطعن الشيعة في حفظ القرآن الكريم, وزعموا تحريفه بأنواع الأكاذيب، كما أعرضت الخوارج عن تحكيم السنة فأخذت تعمل رأيها في قبول ما تشاء ورد ما تريد، وهكذا حتى خرج زعماء هذه الفرق على جماعة المسلمين بتكفير كبار الصحابة ممن شهد لهم رسول الله بالجنة، فعلم من ذلك أن الطعن في الصحابة هو ديدن الخارجين عن منهج الكتاب والسنة، فالرد عليهم إذًا يكون أولًا: ببيان مكانة التلقى عنهما، وأنه لا نجاة بغير الاهتداء بهديهما.
وعليه فإن الطعن في عدالة الصحابة الكرام بما يوجب الفسق أو الكفر بحجة ما وقع بينهم من خصام ليس له مسوغ شرعى مهما كانت حجة الخصم، لأنه قد ثبتت عدالتهم بما يوجب لهم الترضى ودخول الجنة بالخبر اليقينى المتواتر كتابًا وسنة.
هذا والحديث في بيان حقيقة الخصام الذي حدث في صفوف الصحابة ﵃، مما امتلأت بمروياته كتب التاريخ، فقد جمعت بين دفتيها عددًا ضخمًا منها، ولكنه مع الأسف كان غالبه مما وضعه أصحاب الأهواء والبدع المارقين من جماعة المسلمين، لذا كان تنبيه الصاوي السابق من هذه المرويات، متبعًا بذلك منهج أكابر العلماء.
فتحرى الصحيح منها، ونبذ ما خالف ذلك، مما لا مستند له من الصحة سندًا أو متنًا مما يدل على التمسك بمنهج الكتاب والسنة في اعتقاد عدالة الصحابة وحفظهم عن موجبات الفسق وما شاكله.
وقبل الحديث في الاستدلال لهذا الموقف السديد من الصاوي، أتوجه بالبيان:
أولًا: لما حدث بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم -، لعلى أعطى للقارئ فكرة موجزة عن حقيقة التخاصم الذي حدث من جهة أسبابه ودوافعه، أقول: لقد كان لأعداء المسلمين من اليهود، دور كبير في غرس بذور الفتنة، ومن ثم تعهد نموها واشتدادها، فقد رصد التاريخ بما لا يدع مجالًا للشك، تحركات ابن سبأ
стр. 635
اليهودى، الذي تظاهر بالإسلام في أثناء خلافة عثمان ﵁، حيث قام بإيغار قلوب عماله عليه، وذلك بمساعدة أتباعه الذين أطلق عليهم مسمى السبئية، حتى تمخض عن ذلك الحشد النفسى على الخليفة الراشد حشدًا حقيقيًا مجندًا، أدى إلى مقتله على حين غرة، غدرًا في منزله - رضى الله تعالى عنه وأرضاه -.
أقول لقد كان لهذا الحادث الأليم أثر بالغ، بل هو الدافع الأول لحدوث التخاصم بين الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -، حيث اختلفت الآراء وتباينت في كيفية معالجة الوضع الراهن.
فقد طالب الصحابة الخليفة الرابع: علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه - بأخذ القود لعثمان ﵁، المقتول ظلمًا وغدرًا.
ولكن علي ﵁، وهو الفطن الحكيم، تريث في الأمر وطلب المهلة ريثما تحين الفرصة المناسبة فيتمكن من القبض على هذه العصابة الآثمة دون إحداث أمر يؤدى بدوره إلى بث الفرقة، خصوصًا والخلافة لم تحكم قبضتها بعد على أطراف الدولة المترامية (١).
ومع هذا الموقف المتأنى منه ﵁، لم يطق بعض الصحابة الصبر لما حدث للخليفة المقتول غدرًا ﵁، فامتنعوا عن المبايعة حتى يتم الأخذ بالثأر خوفًا من أن يهدر دمه ويصعب معرفة قاتليه (٢).
وهكذا أخذ الخلاف بالتبلور متجهًا نحو الشدة والسيطرة، حتى استقر الأمر على انشقاق الصف إلى فرقتين: واحدة يتزعمها الصحابى الجليل على، وواحدة يتزعمها معاوية بن أبي سفيان ﵄، واستمر الخلاف إلى أن نشبت بين صفوف هاتين الفئتين حروبًا عظيمة، قيل: إن عدد الذين قتلوا فيها فاق عدد شهداء معارك الفتوح الإسلامية بأسرها إبان الخلافة الراشدة.
стр. 636
ومن خلال تلك الاحداث الجسام، التي فتت في عضد الأمة الإسلامية سنح للمغرضين فرص كثيرة، يدسون فيها الأقاويل الكاذبة، والافتراءات المحضة على أصحاب رسول الله ﷺ ، فأظهروهم في كثير من المواقف الحرجة بمظهر لا يليق بهم، وهم الذين اصطفاهم المولى تعالى؛ ليكونوا أصحاب رسوله ﷺ ، ورافعى لواء الإسلام من بعده.
ودون خوض في آحاد تلك الحوادث الجسام، التي هتكت أمن الأمة الإسلامية دهرًا من الزمن، يمكن التخلص إلى أن حقيقة الخلاف إنما نشأ عن اجتهاد وإعمال الرأى، وعليه فلا تثريب على أحد من الفئتين، لأنه كما قال الصاوي مستدلًا بالحديث الشريف: ليس على المجتهد المخطئ ذنب، فقد قال المصطفى ﷺ : (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١).
وكان هذا المبدأ هو أحد الأصول التي قام عليها معتقد السنة والجماعة في تعظيم الصحابة وإجلالهم وعدم الوقوع في أعراضهم؛ بسبب ذلك التخاصم الذي حدث بينهم، وليس لأحد أن يعترض، فيقول أن أمر الدماء ليس كغيرها، فإن المولى تعالى لم ينزع عن الفئتين المتقاتلتين وصف الإيمان بل أمر بالإصلاح بينهما، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
وهذا ما شهد به الخليفة الراشد علي ﵁ للقتلى من الفريقين، حيث قال حين سئل عن قتلى معركة صفين: "قتلانا وقتلاهم في الجنة" (٢).
وعليه فإن إعمال الأصل الأول في الحكم على الصحابة وهو اعتقاد فضلهم وما ترتب على ذلك من شهادة المولى تعالى لهم بالرضوان الموجب لدخول الجنة، هو أهم المبادئ التي يستند إليها في التغاضى عما بدر منهم في عهد الفتن.
стр. 637
كما أن الأحاديث التي وردت في تحريم الوقوع في أعراضهم، والنهى عن كل ما ينقص من قدرهم؛ لتدل دلالة صريحة لا يمكن معها إلا التوقف والإمساك عن الخوض في التخاصم، الذي حدث بين الصحابة - رضوان الله عليهم -، هذا وقد جاء الأمر بالإمساك مصرحًا به في الحديث الشريف، قال ﷺ : (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا) (١).
ومن هنا شرع الإمساك عن الخوض فيما حدث بين الصحابة الكرام، والتورع عن تتبع تفاصيل الخصام بينهم، ويعد هذا الموقف معلمًا بارزًا من أهم المعالم، التي يتميز بها معتقد الفرقة الناجية، فقد سئل الحسن البصري - رحمه الله تعالى - عن قتال الصحابة فيما بينهم، فقال: "قتال شهده أصحاب محمد ﷺ وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا" (٢).
وأجاب بنحو ذلك عمر بن عبد العزيز ﵀، حيث قال: "تلك دماء طهر الله يدى منها أفلا أطهر لسانى، مثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها" (٣).
وقد فصل القول في ذلك شيخ الإسلام ﵀ مبينًا أن الكثير مما روى في التخاصم الذي حصل: مكذوب عليهم، وإنما أريد به تشويه سمعتهم والطعن فيهم، يقول حاكيًا موقف السنة والجماعة في ذلك: "ويتبرءون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم
стр. 638
منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص، وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون.
وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة.
ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم، لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم: (١).
وقد أشار الإمام الذهبي (٢) في معرض حديثه عن موقف أهل السنة والجماعة من الخصام الذي حدث بين الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى الشروط التي يجب أن يلتزمها من أراد أن يطالع تلك الروايات التي تحدثت عن ذلك التخاصم، موضحًا الهدف من إعمالها وضبط النفس عليها؛ حيث قال: "تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين -، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب.
وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغى طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوافر على حب الصحابة والترضى عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العرى من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى، حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
стр. 639
ومع إجماع أهل العلم على هذا الذي بينه الإمام الذهبي من وجوب الإمساك عن التخاصم الذي حدث بينهم، إلا أنه قد يستحب على المتمكن المنصف العالم دراسة تلك الروايات، ومعرفة أغوارها، وتنقيتها من الكثير مما داخلها من الأغلوطات الوهمية، التي سجلتها كتب التاريخ، كل ذلك بقصد الذب، عنهم، وإجلاء حقيقة ما أثير ضدهم ﵃ أجمعين -، فلا يشك حينئذ من موافقة هذا العمل للمقاصد الشرعية المعتبرة عند أهل العلم.
فإنه لا يخفى على المتبصر بأمر هذا الدين الحنيف ما للصحابة الكرام من الفضل في حفظه، وفي نشر تعاليمه، وهداية الناس له، إذًا فحقيقة الدفاع عنهم - رضوان الله عليهم -، دفاع عن الدين نفسه، كما أن الطعن فيهم طعن في الدين، ليس من جهة اشتماله على مدحهم والأمر بحفظ أعراضهم والترضى عنهم فحسب، بل من جهة كونهم القاعدة الرصينة التي أريمى عليها دعائم الإسلام، ولا يخفى على المتأمل ما تحمله كلمات الرسول ﷺ وهو يناجى ربه في أول غزوة في الإسلام، في معركة بدر:
تلك المعركة التي احتدم فيها الصراع بين النور والظلام مؤذنًا بغلبة النور واستعلائه، حيث قال - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم -: (اللهم! إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض) (١).
وأما إذا خلت المطالعة من اقتضاء هذه المصلحة المعتبرة، فمن المسلم عدم اعتبار شرعيته، وأن الأولى والأصوب هو التوقف عن مثل هذا العمل الذي لا نفع فيه، بل قد يلحق بصاحبه من المضار ما لا طاقة له بدفعه، فيتأثر بتلك الروايات والأكاذيب مما يؤدى به في نهاية المطاف إلى الطعن فيهم، والقدح في أعراضهم، فيخرج بذلك عن المنهج الذي خطه الشارع الحكيم لاتباع هذا الدين، حيال حملة أمانته، وحفظة كتابه وسنته؛ الصحابة الكرام - رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أجمعين -، وجمعنا بهم في مستقر رحمته، آمين.
стр. 640
ومصداقًا لهذا المعنى يقول العالم الجليل: العوام بن حوشب (١): "أدركت من أدركت من صدر هذه الأمة، بعضهم يقول لبعض: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ لتأتلف عليه القلوب، ولا تذكروا ما شجر بينهم، فتحرضوا الناس عليهم" (٢).
* * *
стр. 641
(المبحث الثاني): الإمامة
لقد تناول الصاوي في حديثه عن الإمامة عددًا من المسائل المهمة المتعلقة بهذا الموضوع، ولكنه اتسم في طريقة تحريرها بالإيجاز والاختصار الشديدين، ولعل لهذا الموقف منه أسبابًا ودوافع اجتماعية، حدت به عن التفصيل والاستيعاب.
أولًا: يبين الصاوي حكم تنصيب الإمام بالشروط المعتبرة شرعًا، فيقول: "يجب على الأمة وجوبًا كفائيًا إقامة خليفة عدل، لا يميل به الهوى فيجور في الحكم".
والمراد به عدل الشهادة، وهو من استكمل شروطًا ستة: الإسلام، والبلوغ والعقل، والحرية، والذكورة، وعدم الفسق بجارحة؛ أو اعتقاد.
- وليتم إعمال هذه الشروط عند اكتمالها وتوظيفها فيمن تأتى له الاتصاف بها لا بد من الإقرار بمشروعية إمامته من الجهات المسؤولة، وعلى الترتيب المعتبر شرعًا، يقول: "وليس كل من يصلح للإمامة يصير إمامًا، بل لا بد من النص على إمامته إما من الله تعالى أو رسوله ﷺ أو من السابق أو إجماع الأمة"
ثم ينبه على أن البحث عن توفر هذه الشروط إنما يكون منذ البدء لا في نهاية المطاف، يقول: "وهذه الشروط في حالة الابتداء والاختيار ولذلك يعزل إن أزيل وصفه أو تغلب علينا في الابتداء وهو معدوم الأوصاف".
أما عن أهمية تنصيب الإمام، فيرى أنه مما يقدم على غيره من الواجبات الشرعية المعتبرة التي يمكن تأجيلها، وذلك لما يترتب عليه من انتظام الأمور وإحكام الأمن، يقول: "وجوب نصبه حكم شرعى فهو أهم الواجبات ولذا اشتغل الصحابة بذلك عن دفن رسول الله ﷺ فتأخر دفنه يومين، لأنه ورد أنه توفى يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء".
стр. 642
وحتى ينتظم أمر الأمة ويتحقق المطلوب من الإمامة، يرى أنه: لا يجوز تعدد الخليفة".
وعليه فإن الواجب اتجاه كل من سولت له نفسه الخروج على الإمام هو القتال، يقول: "ومن خرج وجب قتاله".
ويستثنى من هذا الحكم وجود الحاجة لتعدد الإمام، كاتساع الأقطار، مثلًا، يقول: "إلا إذا اتسعت الأقطار، وبعدت جدًا فيجوز التعدد، لوجوب طاعته على سائر الرعايا ظاهرًا وباطنًا، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
ولقوله ﷺ : (من أطاع أميرى؛ فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى؛ فقد عصانى).
ومع تقريريه لوجوب طاعة وامتثال أمر الوالى إلا أنه يرى عدم إطلاق الحكم بذلك عند وجود الموانع، يقول: "إلا إذا وقع منه الكفر، وأمر به فلا تجوز طاعته". وبهذا يرى أنه "إذا ولى مستكملًا للشروط فزال وصف العدالة منه بأن طرأ عليه الفسق؛ فلا يعزل، وأما طروء الكفر؛ فيعزل". (١)
* * *
تعليق:
أولًا: حكم تنصيب الوالي:
بين الصاوي أن حكم تنصيب الإمام واجب على الأمة وجوبًا كفائيًا بالشرع، وقد وافق بذلك ما أجمع عليه أهل العلم، ومستند هذا الوجوب المجمع عليه من جهة الشرع ما يترتب على تنصيبه من مصالح عميمة، يستقر بها أمر الأمة في الدين والدنيا، يقول الإمام ابن القيم ﵀ في هذا المعنى: "اعلم أن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - أجمعوا على أن نصب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات، حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله ﷺ .
стр. 643
ووجه ذلك الوجوب أنه أمر بإقامة الحدود، وسد الثغور، وتجهيز الجيوش للجهاد، وحفظ بيضة الإسلام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به إن كان مقدورًا فهو واجب، ولأن في نصبه جلب منافع لا تحصى، ودفع مضار لا تستقصى، وكل ما كان كذلك يكون واجبًا" (١)
أما انعقاد البيعة باستخلاف الخليفة السابق، أو بجعله الأمر شورى بين أهل الحل والعقد، أو بالقوة والغلبة، فقد حكى الحافظ ابن حجر ﵀ عن الإمام النووي وغيره إجماع أهل العلم على انعقاد الخلافة بمثل هذه الأمور". (٢)
* * *
ثانيًا: ما تنعقد به البيعة:
أما حديثه عما تنعقد به الإمامة، فقد كان القول بالنص: أي الدليل الشرعي من الكتاب أو السنة محل اختلاف لين العلماء، وقد اشتهر القول به عند الشيعة، حتى ادعى أحدهم أنه لم يقل أحد بالتنصيص على خلافة أحد من الصحابة بعد رسول الله، إلا علي ﵁، وقد أبطل شيخ الإسلام حجته في ذلك ببيان أن من الصحابة والسلف وأهل العلم، من ذهب إلى التنصيص على خلافة أبى بكر الصديق ﵁ (٣).
وإلى هذا المعنى يشير الإمام ابن القيم، مستدلًا بما روى عن علي ﵁ أنه قال: "لقد أمر النبي أبا بكر أن يصلى بالناس، وإنى لشاهد وما أنا غائب، وما بى مرض، فرضينا لدنيانا ما رضيه النبي لديننا".
"ووجه ما تقرر من أن الأمر بتقديمه للصلاة؛ كما ذكر فيه الإشارة أو التصريح بأحقيته بالخلافة إذ القصد الذاتى من نصب الإمام العالم إقامة الشعائر". (٤)
стр. 644
ولكن هل يعد هذا من قبيل القياس والإشارة - كما تقدم من كلام ابن القيم -، أم هو من قبيل النص الصريح؟ كان هذا مجال اجتهاد بين العلماء.
يقول شيخ الإسلام ﵀ مفصلًا القول في هذه المسألة: "ذهبت طوائف من أهل السنة إلى أن إمامة أبى بكر ثبتت بالنص، والنزاع في ذلك معروف في مذهب أحمد وغيره من الأئمة.
وقد وردت روايتين عن الإمام أحمد في ذلك:
أحدهما: أنها ثبتت بالاختيار، وبهذا قال جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية.
الثانية: أنها ثبتت بالنص الخفى والإشارة، وبهذا قال الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث" (١).
وأخذ بإيراد الأدلة التي استند إليها القائلون بالنص، حيث أورد كلام ابن حزم الصريح في اعتقاد ذلك، مما يطول المقام باستقصائه ولكنه في الجملة لا يخرج عن مثل ما روى عن علي ﵁.
صفات الوالي:
- وما ذكره الصاوي من الشروط التي يتم بها اختيار الخليفة فصحيحة مع القدرة على ذلك، يقول شيخ الإسلام: "أهل السنة يقولون: ينبغى أن يولى الأصلح للولاية إذا أمكن: إما وجوبًا عند أكثرهم، وإما استحبابًا عند بعضهم، وأن من عدل عن الأصلح مع قدرته لهواه فهو ظالم، ومن كان عاجزًا عن تولية الأصلح مع محبته لذلك فهو معذور" (٢).
- وينبنى القول بوجوب تقديم الفاضل بالخلافة على الاستنان بما سنه لنا أصحاب رسول الله، وهم من هم في الصدق والورع، فلا ريب في أن اختيار الصحابة لأبي بكر وعمر من بعده ثم عثمان وعلي ﵃ أجمعين -
стр. 645
وتقديمهم على غيرهم إنما كان لاستحقاقهم الإمامة باكتمال الشروط التي يحبها الله ورسوله فيهم ﵃ أجمعين -، والأدلة في ذلك كثيرة متضافرة (١).
كما يستند التقديم بالأولية في الفضل إلى أن مهمة الإمام الأولى هي الحكم بشريعة الله ورسوله، والقيام برعاية مصالح المسلمين، فلما انعدم المماثل للرسول ﷺ في حكمه بشريعة الله كان؛ "أحق الناس بخلافة نبوته أقربهم إلى الأمر بما يأمر به، والنهى عما نهى عنه" (٢).
* * *
تعدد الولاة:
- ومن المسائل المتعلقة بالإمامة والتى أشار إليها الصاوي مبينًا رأيه: قضية تعدد الإمام، حيث حكم بتحريم تعدد الإمام ما لم تكن هناك مصلحة متحققة من تعدده، كاتساع الدولة الإسلامية وتعدد أقطارها مثلًا.
وكان هذا الذي ذهب إليه الصاوي مما حكى الإجماع عليه من أهل العلم، يقول ابن حزم ﵀: "اتفق من ذكرنا ممن يرى فرض الإمامة على أنه لا يجوز كون إمامين في وقت واحد في العالم، ولا يجوز إلا إمام واحد".
وقد استدل لهذا بعدد من الأدلة: نقلية، وأخرى عقلية مستنبطة من النقلية، إذ لا تعارض بين الصحيح منهما، يقول: "قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
وقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦].
فحرم الله التفرق والتنارع، وإذا كان إمامان فقد حصل التفرق المحرم؛ فوجد التنازع، ووقعت المعصية لله تعالى، وقلنا ما لا يحل لنا.
وأما من طريق النظر والمصلحة، فلو جاز أن يكون في العالم إمامان لجاز أن
стр. 646
يكون فيه ثلاثة وأربعة وأكثر، فإن منع من ذلك مانع كان متحكمًا بلا برهان ومدعيًا بلا دليل.
وإن جاز ذلك زاد الأمر حتى يكون في كل عالم إمام، وفي كل مدينة إمام، أو في كل قرية إمام، أو يكون كل أحد إمامًا وخليفة في منزله، وهذا هو الفساد المحض، وهلاك الدين والدنيا" (١).
* * *
حق الإمام:
الواجب عند انعقاد البيعة: السمع والطاعة في غير معصية، وقد عد الإمام البيهقي (٢) طاعة ولى الأمر من شعب الإيمان مستدلًا بالآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. (٣)
وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة عن رسول الله كلها تأمر بالامتثال لأمر الإمام، قال رسول الله ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا، وان استعمل عليكم عبد حبشى، كأن رأسه زبيبة). (٤)
ومع ذلك فليست طاعة الإمام طاعة مطلقة، إذ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله، أما طاعة الإمام فهى مقيدة بطاعنه فيما يرضى الله تعالى، أما في معصيته فلا يجوز ذلك في حق أحد كائنًا من كان، قال ﷺ : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلون عليكم، وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله! أفلا
стр. 647
ننابذهم بالسيف؟ ، فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه؛ فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة). (١)
وعليه فلا يجوز الخروج على الإمام؛ بحجة عدم استكمال الشروط فيه، لظهور ما يحكم عليه بالفسق مثلًا، كالأمر بما يغضب الله تعالى من المعاصى، بعد انعقاد الإمامة له، وذلك لدلالة النصوص الشرعية صراحة بوجوب السمع والطاعة في غير معصية، وتحريم الخروج عليه مع عدم الدافع من الأمر بالكفر الصريح.
إذًا يفرق بين طاعة الإمام المسلم الطاعة إلى تستلزم امتثال أمره مهما كان، وبين طاعته التي تعنى عدم الخروج عليه:
أما الأولى؛ فقد دلت الأحاديث على تقييدها بالمعروف؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأما الثانية؛ فقد جاءت الأحاديث بإطلاقها، فحرمت الخروج عليه، بل وشددت في ذلك، مادام الإمام على التزام بإقامة شعائر الإسلام، قال رسول الله ﷺ : (ستكون أمراء؛ فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ ، قال: لا، ما صلوا) (٢).
يقول شيخ الإسلام في تعليقه على الحديث السابق: "وهذا يبين أن الأئمة هم الأمراء وولاة الأمور، وأنه يكره ينكر ما يأتونه من معصية الله، ولا تنزع اليد من طاعتهم، بل يطاعون في طاعة الله، وأن منهم خيارًا وشرارًا". (٣)
وهذا إنما يلتزم به في حال عدم خروج الإمام عن التزام شعائر الإسلام وتحقيقها في الرعية، ولو بالحد الأدنى منها، كما بين ذلك المصطفى ﷺ حيث علق أحقية الوالى في الإمامة بإقامة الصلاة في رعيته.
стр. 648
فإنه مع وجود ما يقتضى خروج الإمام من دائرة الإسلام إلى الكفر الصريح؛ فلا أحقية له حينئذ في الخلافة الشرعية، دل على ذلك الحديث الصحيح، فقد روى عن عبادة بن الصامت ﵁ أنه قال: (دعانا النبي ﷺ فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن ترو كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان). (١)
* * *
стр. 649
الباب الثالث: (آراؤه في باب السلوك)
ويتضمن ثلاثة فصول:
الفصل الأول: التصوف وآدابه.
الفصل الثاني: الأحوال والمقامات.
الفصل الثالث: الولاية والكرامة.
стр. 650
الفصل الأول: (التصوف وآدابه)
فيه مبحثان:
المبحث الأول: التعريف بالتصوف.
المبحث الثاني: آداب التصوف.
стр. 651
تمهيد
إن تعريف التصوف تعريفًا جامعًا مانعًا دالًا على ما يعالجه من مسائل وقضايا لمما يتعذر الوقوف عليه في كتب أهله العارفين به، فإذا أراد الباحث معرفة معنى التصوف كمصطلح له دلالته، يجد نفسه أمام كم كبير من العبارات المتعددة، بل والمتباينة، وهذه العبارات تتعدد اتجاهاتها بالنسبة للدلالة على هوية هذا العلم، فمنها ما يتجه الي توضيح الثمرة والهدف، ومنها ما ينصب على كشف الوسيلة التي يكون بها تلقى هذا العلم.
وهكذا يجد الباحث نفسه أمام عبارات كثيرة متعددة الاتجاهات، أقرب ما تكون إلى التقريب والوصف دون إصابة الهدف، وهاك بعضًا مما قيل في تعريفه:
- وقال ابن خلدون (١): التصوف هو "العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه، والانفراد في الخلوة للعبادة". (٢)
- وقال الشعرانى (٣): ليس علم التصوف إلا معرفة طريق الوصول إلى العمل بالإخلاص لا غير". (٤)
- وقال الجنيد: تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية،
стр. 652
وإخماد صفات البشرية، ومجانبة الدعاوى النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بعلوم الحقيقة، واستعمال ما هو أولى على السرمدية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله تعالى على الحقيقة، واتباع رسول الله ﷺ في الشريعة
وقال دلف الشبلى: التصوف الجلوس مع الله تعالى بلا هم". (١)
وعرفه ابن عربى بأنه: "الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، وقد يقال بإزاء إتيان مكارم الأخلاق، وتجنب سفاسفها". (٢)
ويقول الكاشانى (٣): "التصوف هو التخلق بالأخلاق الإلهية". (٤)
ولعل في اختلاف وجهات النظر حول التعريف، ما يكشف عن حقيقة هذا العلم، فالغموض والمعانى الوجدانية من الأمور التي لا يكاد يفارق الباحث ملاحظتها في الكثير من المسائل التي تمحور اهتمام التصوف حولها، وقد يرجع هذا لأسباب عدة، من أهمها:
- أولًا: مراحل التصوف، ويدخل في هذا نشأته والعوامل المؤثرة فيه، فقد مر التصوف بمراحل مختلفة ومتعددة، ففى بداية نشأته كان يتسم بالبساطة والبعد عن التعقيد الفلسفى، ينحو في معظم اهتماماته إلى تقويم الجانب السلوكى، فالزهد والعزوف عن الدنيا هو الطابع الذي يميزه في هذه المرحلة.
أما في المراحل المتأخرة منه، وذلك حين أخذت الروافد الغريبة المتأثرة بالفلسفات والأديان القديمة تؤثر على مجرى الفكر، أصبحت قضاياه الأساسية المنصبة على الاتجاه النظرى التقعيدى الفلسفى أساسًا للترقى بالسلوك نحو الهدف، وهو التخلق بالخلق الإلهى، كما هو ملاحظ من تعريف ابن عربى: الفيلسوف الصوفى.
стр. 653
ثانيًا: مع تبلور الفكر الصوفى كانت النزعة الوجدانية ذات صبغة عالية التأثير على المفاهيم والأسس، ولهذا أسباب سيرد ذكرها فيما بعد - بإذن الله تعالى -، فأصبح مصدر التلقى المعتمد هو الوجدان أو التجربة الشعورية، فليس ثمة معيار ثابت ذى قيم مستقيمة، ينبنى على أساسه استيعاب المصطلحات الصوفية، أو التعبير عنها، بدأ من مصطلح التصوف (١).
ويمعن بعضهم في تقرير هذا السلوك لتلقى المعارف عندهم، ومن ذلك ما حكاه الشعرانى في ترجمة على ولده (٢)، حيث قال عنه: "الضروريات والبديهيات إنما هي أمور وجدانيات وهى أصول النظريات، فالوجد أصل أصول هذا الباب فافهم، وإنما احتيج إلى الحجج والأدلة لتوقع المطالب في النفس موقع الوجدان أو ما يقاربه، متى وجدت المطلوب لم تحتج إلى شيء من ذلك، فيا واجد الحق تحقيقًا أو تصديقًا حسبك وجدك، . . .، : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤]، ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] فالأمر عندهم وجدانى فافهم ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ". (٣)
- وقد التزم أهل التصوف في سيرهم على هذا المنهج المتضارب العجيب آدابًا يتمسكون بها أشد التمسك، وكان في مقدمتها تعظيم الشيخ والتلقى عنه بلا أدنى جدال أو اعتراض، حتى غدا هذا الضرب من الالتزام الأخلاقي سببًا كبيرًا وأساسًا صلبًا لاتساع دائرة التصوف ودخول عدد كبير من الناس فيه، حيث عمل على سد باب الاعتراض الذي يفرضه التضارب الحاصل في الفكر الصوفى، والذي يعمل جاهدًا في محاولة الانتماء إلى الإسلام وعدم الخروج عنه، ولو ظاهرًا.
* * *
стр. 654
(المبحث الأول): مفهوم التصوف
- يعرف الصاوي التصوف، كما هو في اصطلاح الصوفية بأنه "علم بأصول، يعرف به إصلاح القلب وسائر الحواس، فبذلك تصلح الأعضاء لما في الحديث (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهى القلب) (١) ".
وفي بيان أصله اللغوى، يقول: "والتصوف مأخوذ من الصفا، أي خلص باطنه من الشهوات، وصفاه، فعومل بالصفا، فمن أجل ذلك سمى الصوفى" (٢).
هذا ويعضد الصاوي ما تقرر لديه من كون التصوف علم: بذكر المبادئ التي يقوم عليها، كأى علم آخر معتد به، يقول:
"وغاية هذا العلم: صلاح القلب.
وموضوعه: الأخلاق المحمدية، وهى أوامر القرآن ونواهيه، لما ورد عن عائشة أنها حين سئلت عن أخلاقه ﷺ ، قالت: (كان خلقه القرآن).
واضعه: هم العارفون الآخذون عن النبي بالسند المتصل.
نسبته: أنه فرع علم التوحيد.
استمداده: من الكتاب والسنة.
اسمه: علم التصوف.
حكمه: الوجوب.
مسائله: قضاياه التي يبحث فيها عن عوارضه الذاتية: كالفناء والبقاء والمراقبة والمشاهدة والجلال والجمال" (٣).
стр. 655
- وبناءً على ما سبق فإنه يعرف الصوفية: بأنهم "هم أهل الباطن الذين اشتغلوا بعلم السر والتصوف".
ويضرب لذلك مثالًا، فيقول: "كاشتغال الجنيد (١) وأضرابه بعلم السر والتصوف، ومعرفة شروطه وآدابه".
ويسند مشروعيته إلى التأسي بما كان عليه النبي ﷺ كما هو واضح في بيانه لمبادئ هذا العلم -، فيقول: "لأنه نقل عن النبي ﷺ علم الظاهر والباطن". (٢)
* * *
المناقشة:
أولًا: حقيقة التعريف:
من الملاحظ في تعريف الصاوي للتصوف أنه يحكم عليه بكونه علم من العلوم المستمدة من الكتاب والسنة، ويؤكد ذلك بتأصيله من مصادر الإسلام الأساسية، حيث يستند في تقرير مشروعية الالتزام بآداب التصوف وعلومه إلى كونها طريق يتحقق بسلوكه صلاح القلب، ومعلوم أن إرادة صلاحه من الأسس المعتبرة التي جاء الإسلام لتحقيقها، إذ فيها صلاح الفرد وهو لبنة صلاح المجتمع بأسره، فيورد لذلك حديث المصطفى ﷺ : (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله).
ومع التسليم له بأن هذا من مرادات الشارع الحكيم الكبرى، والتي أناط بها النجاة يوم القيامة، حيث قال عز من قال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ
стр. 656
أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، إلا أنه لا يمكن أن نسلم له بأن التصوف هو السبيل إلى تحقيق هذه الأهداف السامية، ولعل في الحديث عن أصل التصوف والمراحل التي مر بها ما يكشف ولو يسيرًا عن هذه الحقائق التي يحاول التملص منها كل من نسب التصوف إلى نفسه. فقد تناول الصاوي عند بدء حديثه عن التصوف بيان اشتقاقه وأصله اللغوى، ولا شك أن معرفة هذه المسألة أصل يستدل به على حقيقة التصوف من حيث النشأة، وهذا ما يتأكد عند سبر الأقوال المختلفة في أصل هذه الكلمة، فقد اختلف الباحثون في ذلك تبعًا لبيان حقيقة التصوف ومنشئه الأصلى على عدة مذاهب:
المذهب الأول:
نرى الكلاباذى (١) صاحب كتاب التعرف يجمع الأقوال التي ترجع في نهاية الأمر إلى التأكيد على أن الصوفية إنما نشأت في تعاليم الإسلام، ويستمد للاستدلال لذلك بحياة الصحابة، بل وهدى الرسول ﷺ أيضًا ما يؤكد به ما ذهب إليه، حيث يرجع الأقوال في حقيقة نسبة التصوف إلى ثلاثة أقوال لا يرى ثمة تعارض بينها البتة، يقول مفصلًا القول في ذلك:
قال قوم: إنما سموا صوفية لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة، الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ .
وقال قوم: إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدى الله جل وعز بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.
وقالت طائفة: إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، قال بشر بن الحارث الصوفى: من صفا قلبه لله، وقال بعضهم: الصوفي من صفت لله معاملته، فصفت له من الله كرامته.
стр. 657
وقال قوم: إنما سموا صوفية للبسهم الصوف.
وللجمع بين هذه الأقوال يرى الكلاباذى أن جميعها مستنبط من حال أهل الصفة، يقول: "ثم هذه كلها أحوال أهل الصفة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ فإنهم كانوا غرباء فقراء مهاجرين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ووصفهم أبو هريرة وفضالة بن عبيد، فقالا يخرون من الجوع حتى تحسبهم الأعراب مجانين، وكان لباسهم الصوف حتى إن كان بعضهم يعرق فيه فيوجد منه ريح الضأن إذا أصابه المطر.
وقال الحسن البصري: كان عيسى ﵇ يلبس الشعر ويأكل من الشجرة ويبيت حيث أمسى.
وقال أبو موسى: كان النبي ﷺ يلبس الصوف، ويركب الحمار ويأتى مدعاة الضعيف.
وقال الحسن البصري: لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف ثم الصوف لباس الأنبياء وزى الأولياء". (١)
- المذهب الثاني:
ويتلخص هذا الاتجاه في بيان أصل التصوف بأن مبدأه إنما يرجع في الحقيقة إلى تاريخ العرب الجاهليين؛ حيث تنتسب كلمة صوفى إلى رجل يقال له صوفة، واسمه الغوث بن مر، فانتسب إليه الصوفية لمشابهتهم إياه في الانقطاع إلى الله .
وهذا ما رجحه ابن الجوزى ﵀، ولم يكتف بذلك بل رد الأقوال الأخرى حيث نقض القول بنسبتهم إلى الصفة لمخالفة الاشتقاق اللغوى، يقول "ونسبة الصوفى إلى أهل الصفة غلط، لأنه لو كان كذلك، لقيل: صفى". (٢)
стр. 658
ويتبين من هذا الموقف لابن الجوزى أن أصل التصوف يرجع إلى الجاهلية وأنه ليس له ما يستند إليه في عصر الرسول والصحابة من حيث النسبة والنشأة، مما يؤكد به غرابته وابتداعه وبالتالى خروجه عن نهج النبي ﷺ وأتباعه، يقول:
"كانت النسبة في زمن الرسول ﷺ إلى الإيمان والإسلام، فيقال: مسلم، ومؤمن، ثم حدث اسم زاهد وعابد، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد، فتخلوا عن الدنيا، وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها، وأخلاقًا تخلقوا بها، ورأوا أن أول من أفرد بخدمة الله عند بيته الحرام رجل، يقال له: صوفة". (١)
المذهب الثالث:
أما هذا المذهب فيبعد كل البعد عن هذه الأقوال المتقدمة، حيث جعل أصل التصوف مشتقًا من سوفيا وتعنى الحكمة، وهذا ما رجحه البيرونى مؤكدًا ذلك بتوثيق الصلة بين الصوفية وحكماء الهند؛ حيث التشابه الكبير بين الفكر الصوفى والفكر الهندوسى الفلسفى، وبهذا فهو يبعد تمامًا فكرة التأصيل الإسلامى له (٢).
المذهب الرابع:
تبقى الإشارة إلى أن هناك من مال إلى القول بعدم الاشتقاق وأن هذا الاسم كاللقب اشتهرت به طائفة معينة ليس له أصل اشتق منه، وكان القشيرى هو من اشتهر عنه هذا الرأى، وتأكيدًا على ذلك فإنه يبين بطلان جميع الاشتقاقات التي قال بها غيره، يقول: "وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، وإلا ظهر فيه أنه كاللقب، فأما قول من قال: إنه من الصوف، وتصوف إذا لبس الصوف، فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.
ومن قال: إنهم منسوبون إلى صفة مسجد رسول الله ﷺ فالنسبة إلى الصفة لا تجئ على نحو الصوفى.
стр. 659
ومن قال: إنه من الصفاء - كقول الصاوي - فاشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد عن مقتضى اللغة.
وكذلك النسبة إلى الصف فإن اللغة لا تقتضى هذه النسبة" (١).
وعليه فإن هذا القول ليس فيه تمييز واضح لبيان نشأة التصوف.
المذهب الراجح:
من كل هذه الأقوال يمكن معرفة نسبة التصوف ببيان أنها مشتقة من لباس الصوف، ولكن ليس على جهة تجعل في لبسه اقتداء بالنبى وأصحابه الكرام مما يضفى على نشأته صورة مستمدة من خالص التعاليم الشرعية، بل على جهة تبين الاشتقاق الصحيح لهذه الكلمة وتدع لتأصيلها الدينى مجالًا تكثر فيه الأقوال بل وتتضارب، وهذا ما رجحه شيخ الإسلام ﵀، حيث يقول بعد بيانه مناقضة الأقوال السابقة لأصل الكلمة من حيث اللغة: "وقيل وهو المعروف إنه نسبة إلى لبس الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية من البصرة، وأول من بنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن.
وقد كان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر الأمصار، ولهذا كان يقال: فقه كوفى، وعبادة بصرية، وقد روى عن محمد بن سيرين: أنه بلغه أن قومًا يفضلون لباس الصوف، فقال: إن قومًا يتخيرون الصوف، يقولون: إنهم متشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدى نبينا أحب إلينا، وكان النبي ﷺ يلبس القطن وغيره". (٢)
والذي يظهر من كلام الشيخ أن في لباس الصوف اقتداء بالنصارى دون النبي ﷺ مما يدل على النقيض من كلام الكاشاني السابق، وهذا ابن الجوزى يحكم على جميع الأحاديث التي ورد فيها نسبة لبس الصوف إلى الرسول ﷺ على جهة
стр. 660
التفضيل والتحسين بالوضع، فيقول: "ومن الصوفية من يلبس الصوف ويحتج بأن النبي ﷺ لبس الصوف.
فأما لبس رسول الله ﷺ الصوف، فقد كان يلبسه في بعض الأوقات، لم يكن لبسه شهرة عند العرب.
وأما ما يروى في فضل لبسه، فمن الموضوعات التي لا يثبت منها شيء" (١).
وقد أورد ﵀ من الروايات ما يثبت بها مخالفة هذا المعتقد، وأن جذور هذا اللباس مستمدة من أصول ديانة سابقة، وهى المسيحية كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، فيروى بسنده أثرًا مفاده أن رجلًا يدعى عبد الكريم جاء إلى أبي العالية وعليه ثياب صوف، فقال له أبو العالية: (إنما هذه ثياب الرهبان إن كان المسلمون إذا تزاوروا تجملوا) (٢).
وقد روى أن: "عيسى ﵇ كان يلبس الصوف، ويأكل من الشجرة، ويبيت حيث أمسى" (٣).
- وشيخ الإسلام إذ يقرر هذا، فإنه لا يرى صحة نسبة الصوفية أيضًا إلى ذلك الرجل الجاهلى المسمى بصوفة، مع صحة الاشتقاق من حيث اللغة، ويرجع ذلك لعدم اشتهار تلك القيلة من جهة، ومن جهة أخرى لأن الصوفية الأوائل كانوا من التدين والتمسك بمكان لا يقبلون فيه النسبة لأمر لا صلة له بالإسلام البتة.
ولعل في هذا ما يكفى لإبطال القول بنسبة الصوفية إلى سوفيا من حيث الأصل، لأن هذا بعيد من جهة اللغة والواقع الذي عرفت فيه الصوفية.
* * *
стр. 661
مراحل التصوف:
من ذلك البيان المسبق يمكن القول بأن التصوف ظهر في بيئة محافظة، عرفت بالعبادة والزهد، ولكن هذا لا يعني صحة ما ذهب إليه الصاوي من الحكم على التصوف بأنه فرع علم التوحيد، وأن استمداده من الكتاب والسنة، وأن واضعه هو النبي وأصحابه الكرام، بل يعد هذا في الحقيقة من قبيل التقارير الذاتية، التي لا تستند إلى الموضوعية البتة، وذلك لأن الحديث عن نشأة التصوف يعد حديثًا عن المرحلة الأولى من مراحل التصوف، الذي كان يميل في تلك الآونة إلى معالجة السلوك وتهذيبه بأنواع التبتل والانقطاع عن الدنيا، وذلك نتيجة لإقبال الناس على الدنيا والتفاخر بها، فكان هذا منهم كردة فعل اتجاه ذلك الانحراف الخلقي الذي ساد المجتمع في القرن آنذاك.
ومع وجود بعض المخالفات من أولئك الصوفية والتي حملت بعض الصحابة الكرام على إنكار تلك الأحوال إذ خرجت في مجملها على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام - رضوان الله عليهم -، إلا أنه لا يمكن أن يقال: إن التصوف بقى على تلك الحالة التي كان عليها أولئك الزهاد والعباد، بل يعد هذا القول من الصاوي محاولة متعذرة النجاح في الجمع بين فترات متباينة مختلفة أشد الاختلاف، ومن ثم الحكم عليها بحكم واحد دون تمييز، أو تنبيه.
والصواب في هذا أن التصوف قد مر بمرحلة بعد هذه المرحلة خرج فيها التصوف عن شعار الزهد والانقطاع عن الدنيا، فقد تحول التصوف من الجانب العملي إلى جانب التنظير والتقعيد، حيث ألفت التآليف وخرج القوم بأفعال خالفوا فيها السنة بوضوح، فبدلًا من المحبة استحدثت كلمة العشق كتعبير عنها، وصار الحب الإلهي هو عنوان السائرين إلى الله، فليس للخوف أو الرجاء مكانًا عليًا عندهم، وظهرت المصطلحات الغامضة كالفناء والبقاء والجمع، لتضيف نوعًا من التميز والخصوصية لأهل التصوف، ومع أنها في بادئ الأمر لم تصل إلى القدح في المعتقد، إلا أنه قد ردها الكثير من العلماء، وتكلموا في بيان ما تحمله من الاشتباه المخل بصفاء الإيمان وبرد اليقين (١).
стр. 662
ولكل ما تقدم فقد توسعت في هذه المرحلة دائرة الابتداع، فلم يعد التكلف مقصورًا على السلوك فقط، بل تعداه إلى الاعتقاد، وهذا ما كان سببًا لظهور ألوان أخرى من البدع فتحت بابًا كبيرًا من الشر، حتى داخل الاعتقاد من أنواع الكفر والإلحاد ما الله به عليم، وكل ذلك كان خلف ستار مصطلح التصوف.
وكان مالك بن دينار (١)، ورابعة العدوية (٢)، من كبار رواد التصوف في هذه المرحلة. (٣)
وهذا ما نبه إليه الكثير ممن اعتنوا بدراسة التصوف والمراحل التي تطور بها، ففي كتاب الحياة الروحية في الإسلام، ذكر أن أول من نقل الزهد إلى التصوف بمعناه الخاص هي رابعة العدوية (٤).
ولعل المتأمل لكلام ابن الجوزي السابق يلحظ هذا بوضوح، فالتدرج في الألفاظ على فترات متتالية يوحي إلى هذا التطور الذي حصل للتصوف.
وكما سبق وأن أشرت كانت هذه المرحلة المتوسطة بوابة للمراحل الخطيرة والتي دخلت فيها النظريات الفلسفية التي تناقض الإسلام تمامًا بل وتعارض أسس العقيدة
стр. 663
فيه من الأصل، وكان من أقطاب هذه المرحلة: الفيلسوف ابن عربى الطائى، وابن الفارض.
فقد تأثر الاتجاه الفكرى في المجتمع المسلم بالمترجمات الفلسفية على مختلف أنواعها، فإذا كان علم الكلام مع ما فيه من المصطلحات الفلسفية كالجوهر والعرض وغيرها نتاجًا لاحتدام الصراع بين الفلسفة والمتأثرين بها من المسلمين، كان في المقابل علم التصوف وجهًا آخر ظهر فيه أثر ذلك الانحراف الفكرى الناتج عن التأثر بالفلسفة، ولكن خطورته فاقت جميع صور التأثر الفلسفى بأجمعها، حيث خرج التصوف في هذه المرحلة بأفكار كفرية ترتدى ثوب الإسلام لتقتلع جذور العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة من قلوب بعض المسلمين، ولعل تفسير ابن عربى لكلمة التصوف يعد أكبر دليل على ذلك حيث عرفه بأنه: الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرًا وباطنًا وهى الخلق الإلهية، فهذا التعريف في الحقيقة مستمد من معنى الفلسفة التي عرفت بأنها: التشبه بالإله على قدر الطاقة.
ومن هنا نشأت العقيدة الضالة وهى القول بوحدة الوجود، والتى ترمى إلى عدم التفريق بين الخالق والمخلوق، وتدعى أن عين الوجود واحدة، وتأتى كتب ابن عربى الضال في الدرجة الأولى لتأصيل هذا الفكر المنحرف البعيد، المستمد من بطون كتب الفلسفة الإشراقية على الخصوص.
ولم تكن الفلسفة هي المؤثر الوحيد في الفكر الصوفى، فقد تأثر بروافد غريبة أخرى لا تقل خطرًا عن الفلسفة من حيث ما نتج عنها من انحراف خطير لا يمت إلى الإسلام بصلة: "منها نزعة الزهد عند فقراء الهندوس (١)، وغنوصية (٢) مصر
стр. 664
والشام، وبحوث الأفلاطونية الجديدة (١) عند اليونان المتأخرين، وتأثير الرهبان المسيحيين المنتشرين في جميع بلاد المسلمين. . .
وقد ازدهرت حركة التصوف في بلاد الفرس بنوع خاص، ولعل سبب ازدهارها فيها قربها من بلاد الهند، كما ازدهرت في جنديسابور بتأثير الديانة المسيحية، وتقاليد الافلاطونية الجديدة التي وضعها فلاسفة اليونان بعد أن فروا من أثينة إلى فارس عام ٥٢٩ م". (٢)
وقد ساق الباحثون في هذه المجال عددًا من الشواهد والأدلة، التي تؤكد حقيقة هذا التأثر، فبالنسبة للتأثر بالمسيحية، يعد استعمال الصوف الذي كان سببًا في نسبة الصوفية إليه أحد تلك الدلائل، ولعل في استعمال الخرقة كدلالة على التمسك بالطريقة، والتسبيح بالمسابح وما تخلق به الصوفية من العزوف عن الزواج والانقطاع في الخلوات ما يوثق القول بذلك التأثر.
أما عن التأثر بأديان الهند: الهندوسية والبوذية (٣)، فأظهر ما يمكن أن يكون
стр. 665
دليلًا صادقًا على ذلك: المقامات في الفكر الصوفي خصوصًا ما يتعلق منها بمعرفة الله إن صح التعبير كالفناء والبقاء حيث يجتهد الهندوسي من أجل الخلاص من كل ما يمكن أن يعيق تحرره للوصول إلى النرفانا.
وتعني النرفانا تصفية النفس من كل متعلقاتها الشهوانية حتى تصل إلى مرتبة الاتحاد، فلا تعود مرة أخرى بعد الموت ملبسة بعقاب التناسخ الذي يحكم عليها بالحياة مرة أخرى في قيود الأجسام والشهوات (١)، وقد لا تتفق تمامًا حقيقة المعتقد، إلا أن التشابه واضح جدًا في جعل إشباع الحاجات البشرية من الطعام والشهوات ولو بصورة مباحة عائقًا من الخلاص، كما أن الغاية التي يرنو إليها الصوفي - الغالي - وهي الوصول إلى الفناء الوجودي، كبيرة الشبه بأمنية الهندوسي في الاتحاد.
وكان التأثر بالفكر اليوناني الأفلاطوني أحد العوامل التي لعبت دورًا خطيرًا في التنظير لفكرة الفيض والإشراق، والتي تبلورت عند السهروردى المقتول وابن عربي الطائي. (٢)
ومهما قيل عن التأثير الفارسي في مذهب الإشراق، إلا أن رواسب الفكر الأفلاطوني في ذلك المذهب لتؤكد وبطريقة حاسمة أن هذا المذهب هو استمرار للفلسفة اليونانية بالصورة الأفلاطونية المتأثرة بتيارات الفكر الفلسفي التلفيقي، الذي راجت تعاليمه عند السريان، وانتقلت على هذه الصورة إلى المسلمين في عصر الترجمة.
يؤكد هذا أن "نظرية المتصوفين في الكشف والشهود إنما هي أفلاطونية حديثة في صميمها، وكذلك نظريتهم في المعرفة التي هي ترجمة لكلمة غنوص اليونانية، وفي النفس وهبوطها إلى هذا العالم، وفي العقل الأول والنفس الكلية، بل إن الفيوضات كلها مستمدة من مصادر أفلاطونية حديثة مع قليل أو كثير من التحوير"
стр. 666
"ولتوثيق هذه الحقائق تجدر الإشارة إلى أهم المؤلفات الأفلاطونية التي تم لها الترجمة فعرفها المسلمون في أواخر القرن الثالث الهجري، وكانت ملأى بهذه الأوهام الفلسفية، وهي: كتاب أثولوجيا أرسطاطاليس بمعنى: قول في الربوبية. وكتاب الإيضاح في الخير المحض، وكتب أحد القساوسة الذين تنصروا على يد بولس بعنوان: الله المقدس. (١)
ولما انحرف مصدر التلقي عند الصوفية، وصار سبيل المعرفة عندهم هو ما يتوصل إليه بالوجد والذوق والكشوف، اضطربت لديهم المفاهيم حول أصول العقيدة وقد "تجلى ذلك واضحًا في تفسير الولاية والنبوة والوحي ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء" حتى لا يكاد "يختلف في ذلك الصوفية المسمون بصوفية أهل السنة عن الصوفية الإشراقيين، أو ممن سموا بالصوفية المتفلسفين" (٢)
ولعلي أفصل الحديث في هذه المهمات فيما بعد، ويكفيني هنا أن أشرت إلى بطلان القول بأن ما انتهى إليه التصوف مستمد من الكتاب والسنة، كما قرر ذلك الصاوي.
فإذا اتضح هذا فإنه من العجب أن يدعى الصاوي نقل علم الباطن والذي يقصد به التصوف عن النبي ﷺ ، فأي باطن هذا الذي نقل عنه، وإذا كان حقًا ما يقول فلماذا لم يظهر أثره على الصحابة الكرام؟ مع ما عرف عنهم من شدة المحبة له ﵊ والتمسك بسنته واقتفاء أثره، حتى روى عن بعضهم أنه كان يقلده في مشيه وأكله وجلسته، كل ذلك رجاء الثواب الموعود به في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
وهذا ما يقال أيضًا في الوجه الآخر من محاولته تأصيل علم التصوف من جانب الشرع، حيث ادعى أن واضعوه هم الآخذون عن النبي بالسند المتصل، فأي سند
стр. 667
هذا الذي نقل لنا ما اعتمده المتصوفة من بدعهم المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا في الحقيقة يرجع إلى اعتقاده استمداده من الكتاب والسنة الصحيحة. ولمخالفة كلام الصاوي في هذا صريح المأثور عن النبي فإنه يحاول أن يستخرج من معاني القرآن والحديث، ما يؤيد به موقفه التأصيلي للتصوف، فنراه يستخدم الإشارة والتأويل المنافي للتفسير بالمأثور من أجل تقرير تلك المعتقدات الصوفية، وسيأتي بيانها تبعًا للمباحث المتعلقة بآرائه السلوكية، فالطريقة وميثاق الشيخ مع المريد، كلها مما حاول تأصيله بهذا السبيل المبتدع.
* * *
стр. 668
(المبحث الثاني): آداب التصوف
إن تحقيق كمال التعلم إنما يكمن بحسن التلقي، إذ الحاجة إلى الاقتداء في تحصيل العلم من الضروريات المتفق عليها، ولهذا كان اتباع النبي ﷺ بالتأسي به من أعظم مقتضيات الإيمان برسالته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد شرع ذلك التأسي؛ لأن الغاية من البعثة وهي تحقيق العبودية بالتزام مراضي الرب، واجتناب مساخطه، يصعب إمكان تحققها دون وجود الأسوة، التي تقوم بترجمة هذه الشرائع الربانية إلى واقع حي، يمثل الأنموذج الصادق الذي يتطلع إليه بعين الاقتداء والاتباع.
ومن هنا أنيط صدق الرجاء في نيل الثواب؛ بحسن اتباع النبي ﷺ ، والتأسي به في جميع الأقوال والأفعال، وكان هذا الأصل في الدين أحد الدعائم التي قامت عليها الشريعة جملة وتفصيلًا.
فصار اتباعه ﵊، هو دليل محبة الله تعالى، التي هي أساس العبودية وخالص لبها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
ولما كان النبي ﷺ هو المتكفل بالتبليغ عن الله تعالى بتلقيه الوحي، وكان قد تكفل الله تعالى له بالعصمة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كان ﵊ هو المنفرد بتمام الاقتداء، وكمال الاتباع وليست هذه المنزلة في الاتباع إلا للنبي ﷺ ، وحقيقة هذا طاعة لله تعالى والتزام مراضيه، حتى أناط الحق تعالى حقيقة الإيمان به بالتزام شرعة نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا
стр. 669
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وهذه الحقيقة باقية ببقاء الدين وحفظه، ومع الحاجة للأسوة في تلقى علوم الشريعة والتأدب بآدابها بعد وفاة النبي ﷺ ، فإن القيام بهذه المهمة هو من دأب ورثته، وهم العلماء العاملون، ربانيوا هذه الأمة، وكلما تحقق صدق الاتباع منهم للنبي في أقواله وأفعاله؛ كلما تأكد قيامهم بهذه المهمة، ومن ثم وجبت لهم حقوق التأدب من آحاد المسلمين.
وتوضيحه أن مشيئة المولى ﵎ قد قضت أن بقاء هذا الدين منوط بحفظ أتباعه له، حيث كان الحفظ في الصدور هو المصدر المعول عليه في تلقى علوم الشريعة بدأً بالقرآن الكريم، وانتهاءً بسنة النبي ﷺ ، ومع كتابة الصحابة للقرآن في وقت متقدم، إلا أن الحاجة لتلقيه بطريق المشافهة ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.
ومن جهة أخرى، فإن من أهم مقومات التربية السليمة توفر المربى المحافظ الملتزم أمر نبيه؛ مما يؤدى إلى تحقيق مبادئ الإسلام وقيمه، وذلك بغرسها في نفوس المؤمنين، وقد فطن أوائل المسلمين إلى أهمية هذا الأصل فاجتهدوا في تحرى المشايخ للتلقى عنهم، ومن ثم القيام بحقوقهم من التأدب والاحترام، وحكاية ذلك من أخبارهم مما يطول المقام باستقصائها.
ومن ذلك ما حكى عن ابن عباس ﵄ من اجتهاد في تحصيل العلم واحترام أهله، فقد: "أمسك ابن عباس ﵄ بركاب زيد بن ثابت ﵁، فقال: تمسك ركابى وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ ، قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء" (١)
ولم يكن يحملهم تيقنهم بأهمية الشيخ، وارتباط تلقى العلم بشخصه؛ على
стр. 670
الوقوع في الغلو المنهي عنه، بل كانوا على يقين بأن العصمة لا تكون لأحد بعد الأنبياء والرسل، فالعلاقة إذًا وثيقة بين محبة الشيخ وتعظيمه، وبين الاعتراف ببشريته ومحدودية قدراته، ولهذا فلم يؤثر عنهم هذه المزاعم التي يدعيها الصوفية.
فعند مطالعة أقوال الصوفية في آداب تلقى العلم؛ نجد البون شاسعًا بين ما كان عليه السلف الصالح، وما وصل إليه غلاتهم، ومرجع هذا الانحراف هو المنهج الخاطئ في التلقي، حيث اعتقدوا في مشايخهم الكمال فأخذوا عنهم دون رد إلى النصوص، فأدى بهم ذلك إلى الوقوع في الاضطراب، ويحتج البعض لمشروعية التأسي بهم بما كان عليه الصحابة الكرام مع رسول الله ﷺ من تمام المتابعة، فلا يرون فرقًا بين مقام النبي ومقام الشيخ. (١)
ولعلي أذكر طرفًا من أقوالهم، حتى يتبين مجمل أصول اعتقادهم في هذا الباب:
١ - حصر التلقي: يرى الصوفية أن الطالب إذا عقد عهدًا مع شيخ رأى فيه ما يطلبه من العلوم والآداب؛ أن ذلك العهد يقضي بوجوب التزامه، ومن أهم ما يستلزمه الاكتفاء به في التلقي، فيمتنع عليه أن يجالس غير شيخه (٢)، يقول ابن عربي: "اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ له شيخًا إلا واحدًا، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين، ولا المكلف بين رسولين، . . .، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين" (٣)
٢ - الطاعة التامة: من أهم آداب التصوف المتعلقة بالطالب، وأبرزها مكانة: طاعة الشيخ، والتزام أمره التزامًا تامًا، بحيث يقبح من الطالب الاعتراض ولو بسؤال الكيف، يحكى المناوي في طبقاته عن أحد كبارهم؛ أنه عرف التصوف بهذا الأدب، فقال: "التصوف الإعراض عن الاعتراض، فمن قال لشيخه: لمَ؟ لم يفلح أبدًا" (٤)