"ولتوثيق هذه الحقائق تجدر الإشارة إلى أهم المؤلفات الأفلاطونية التي تم لها الترجمة فعرفها المسلمون في أواخر القرن الثالث الهجري، وكانت ملأى بهذه الأوهام الفلسفية، وهي: كتاب أثولوجيا أرسطاطاليس بمعنى: قول في الربوبية. وكتاب الإيضاح في الخير المحض، وكتب أحد القساوسة الذين تنصروا على يد بولس بعنوان: الله المقدس. (١)
ولما انحرف مصدر التلقي عند الصوفية، وصار سبيل المعرفة عندهم هو ما يتوصل إليه بالوجد والذوق والكشوف، اضطربت لديهم المفاهيم حول أصول العقيدة وقد "تجلى ذلك واضحًا في تفسير الولاية والنبوة والوحي ومعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء" حتى لا يكاد "يختلف في ذلك الصوفية المسمون بصوفية أهل السنة عن الصوفية الإشراقيين، أو ممن سموا بالصوفية المتفلسفين" (٢)
ولعلي أفصل الحديث في هذه المهمات فيما بعد، ويكفيني هنا أن أشرت إلى بطلان القول بأن ما انتهى إليه التصوف مستمد من الكتاب والسنة، كما قرر ذلك الصاوي.
فإذا اتضح هذا فإنه من العجب أن يدعى الصاوي نقل علم الباطن والذي يقصد به التصوف عن النبي ﷺ ، فأي باطن هذا الذي نقل عنه، وإذا كان حقًا ما يقول فلماذا لم يظهر أثره على الصحابة الكرام؟ مع ما عرف عنهم من شدة المحبة له ﵊ والتمسك بسنته واقتفاء أثره، حتى روى عن بعضهم أنه كان يقلده في مشيه وأكله وجلسته، كل ذلك رجاء الثواب الموعود به في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
وهذا ما يقال أيضًا في الوجه الآخر من محاولته تأصيل علم التصوف من جانب الشرع، حيث ادعى أن واضعوه هم الآخذون عن النبي بالسند المتصل، فأي سند
стр. 667
هذا الذي نقل لنا ما اعتمده المتصوفة من بدعهم المحدثة التي ما أنزل الله بها من سلطان، وهذا في الحقيقة يرجع إلى اعتقاده استمداده من الكتاب والسنة الصحيحة. ولمخالفة كلام الصاوي في هذا صريح المأثور عن النبي فإنه يحاول أن يستخرج من معاني القرآن والحديث، ما يؤيد به موقفه التأصيلي للتصوف، فنراه يستخدم الإشارة والتأويل المنافي للتفسير بالمأثور من أجل تقرير تلك المعتقدات الصوفية، وسيأتي بيانها تبعًا للمباحث المتعلقة بآرائه السلوكية، فالطريقة وميثاق الشيخ مع المريد، كلها مما حاول تأصيله بهذا السبيل المبتدع.
* * *
стр. 668
(المبحث الثاني): آداب التصوف
إن تحقيق كمال التعلم إنما يكمن بحسن التلقي، إذ الحاجة إلى الاقتداء في تحصيل العلم من الضروريات المتفق عليها، ولهذا كان اتباع النبي ﷺ بالتأسي به من أعظم مقتضيات الإيمان برسالته، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقد شرع ذلك التأسي؛ لأن الغاية من البعثة وهي تحقيق العبودية بالتزام مراضي الرب، واجتناب مساخطه، يصعب إمكان تحققها دون وجود الأسوة، التي تقوم بترجمة هذه الشرائع الربانية إلى واقع حي، يمثل الأنموذج الصادق الذي يتطلع إليه بعين الاقتداء والاتباع.
ومن هنا أنيط صدق الرجاء في نيل الثواب؛ بحسن اتباع النبي ﷺ ، والتأسي به في جميع الأقوال والأفعال، وكان هذا الأصل في الدين أحد الدعائم التي قامت عليها الشريعة جملة وتفصيلًا.
فصار اتباعه ﵊، هو دليل محبة الله تعالى، التي هي أساس العبودية وخالص لبها، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾.
ولما كان النبي ﷺ هو المتكفل بالتبليغ عن الله تعالى بتلقيه الوحي، وكان قد تكفل الله تعالى له بالعصمة، فما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، كان ﵊ هو المنفرد بتمام الاقتداء، وكمال الاتباع وليست هذه المنزلة في الاتباع إلا للنبي ﷺ ، وحقيقة هذا طاعة لله تعالى والتزام مراضيه، حتى أناط الحق تعالى حقيقة الإيمان به بالتزام شرعة نبيه ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا
стр. 669
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وهذه الحقيقة باقية ببقاء الدين وحفظه، ومع الحاجة للأسوة في تلقى علوم الشريعة والتأدب بآدابها بعد وفاة النبي ﷺ ، فإن القيام بهذه المهمة هو من دأب ورثته، وهم العلماء العاملون، ربانيوا هذه الأمة، وكلما تحقق صدق الاتباع منهم للنبي في أقواله وأفعاله؛ كلما تأكد قيامهم بهذه المهمة، ومن ثم وجبت لهم حقوق التأدب من آحاد المسلمين.
وتوضيحه أن مشيئة المولى ﵎ قد قضت أن بقاء هذا الدين منوط بحفظ أتباعه له، حيث كان الحفظ في الصدور هو المصدر المعول عليه في تلقى علوم الشريعة بدأً بالقرآن الكريم، وانتهاءً بسنة النبي ﷺ ، ومع كتابة الصحابة للقرآن في وقت متقدم، إلا أن الحاجة لتلقيه بطريق المشافهة ما زالت قائمة إلى يومنا هذا.
ومن جهة أخرى، فإن من أهم مقومات التربية السليمة توفر المربى المحافظ الملتزم أمر نبيه؛ مما يؤدى إلى تحقيق مبادئ الإسلام وقيمه، وذلك بغرسها في نفوس المؤمنين، وقد فطن أوائل المسلمين إلى أهمية هذا الأصل فاجتهدوا في تحرى المشايخ للتلقى عنهم، ومن ثم القيام بحقوقهم من التأدب والاحترام، وحكاية ذلك من أخبارهم مما يطول المقام باستقصائها.
ومن ذلك ما حكى عن ابن عباس ﵄ من اجتهاد في تحصيل العلم واحترام أهله، فقد: "أمسك ابن عباس ﵄ بركاب زيد بن ثابت ﵁، فقال: تمسك ركابى وأنت ابن عم رسول الله ﷺ ؟ ، قال: إنا هكذا نصنع بالعلماء" (١)
ولم يكن يحملهم تيقنهم بأهمية الشيخ، وارتباط تلقى العلم بشخصه؛ على
стр. 670
الوقوع في الغلو المنهي عنه، بل كانوا على يقين بأن العصمة لا تكون لأحد بعد الأنبياء والرسل، فالعلاقة إذًا وثيقة بين محبة الشيخ وتعظيمه، وبين الاعتراف ببشريته ومحدودية قدراته، ولهذا فلم يؤثر عنهم هذه المزاعم التي يدعيها الصوفية.
فعند مطالعة أقوال الصوفية في آداب تلقى العلم؛ نجد البون شاسعًا بين ما كان عليه السلف الصالح، وما وصل إليه غلاتهم، ومرجع هذا الانحراف هو المنهج الخاطئ في التلقي، حيث اعتقدوا في مشايخهم الكمال فأخذوا عنهم دون رد إلى النصوص، فأدى بهم ذلك إلى الوقوع في الاضطراب، ويحتج البعض لمشروعية التأسي بهم بما كان عليه الصحابة الكرام مع رسول الله ﷺ من تمام المتابعة، فلا يرون فرقًا بين مقام النبي ومقام الشيخ. (١)
ولعلي أذكر طرفًا من أقوالهم، حتى يتبين مجمل أصول اعتقادهم في هذا الباب:
١ - حصر التلقي: يرى الصوفية أن الطالب إذا عقد عهدًا مع شيخ رأى فيه ما يطلبه من العلوم والآداب؛ أن ذلك العهد يقضي بوجوب التزامه، ومن أهم ما يستلزمه الاكتفاء به في التلقي، فيمتنع عليه أن يجالس غير شيخه (٢)، يقول ابن عربي: "اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ له شيخًا إلا واحدًا، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين، ولا المكلف بين رسولين، . . .، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين" (٣)
٢ - الطاعة التامة: من أهم آداب التصوف المتعلقة بالطالب، وأبرزها مكانة: طاعة الشيخ، والتزام أمره التزامًا تامًا، بحيث يقبح من الطالب الاعتراض ولو بسؤال الكيف، يحكى المناوي في طبقاته عن أحد كبارهم؛ أنه عرف التصوف بهذا الأدب، فقال: "التصوف الإعراض عن الاعتراض، فمن قال لشيخه: لمَ؟ لم يفلح أبدًا" (٤)
стр. 671
ويحذر الشعراني كل من سولت له نفسه الاعتراض على الشيخ من الوعيد الذي ينتظره في الدنيا قبل الآخرة، فيقول: "من أضر شيء على المريد الصادق اعتراضه على أحوال الرجال، ومن ابتلاه الله تعالى بذلك فلا بد أن يموت قبل أجله ثلاث موتات: موت بالذل، وموت بالفقر، وموت بالحاجة إلى الناس، ثم لا يجد من يرحمه منهم" (١)
ومبالغة في تأصيل هذا الالتزام، فإنهم يرون في البيعة المنعقدة بين الطالب والشيخ ما يحمل على اتحاد متعلق إرادته بإرادة شيخه، فـ "من شروط المريد أن لا تكون له إرادة، بل يكون مع الشيخ على ما يريده الشيخ، فهو مريد لما يريده الشيخ وتارك لإرادة ما سواه" (٢)
وفي الاستدلال لهذا الرضوخ والانطراح بين يدي الشيخ، يقول الغزالي في أدب المتعلم: "ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم فليقلده وليدع رأيه، فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه. .
وقد نبه الله تعالى بقصة الخضر وموسى ﵉، حيث قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٢]، فشرط عليه السكوت والتسليم، حيث قال: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠] " (٣). فـ "المريد مع الشيخ كالميت مع الغاسل، وكذلك كان الصحابة ﵃ مع النبي ﷺ " (٤).
٣ - المبالغة في تعظيم الشيخ وإجلاله؛ وهذا كثير في كلام الصوفية، فمن الآداب التي يجب على الطالب التزامها ألا يكثر الجلوس مع الشيخ، وأن لا يكثر الضحك معه، وأن لا يكثر النظر في وجهه، وأن لا يجلس في موضع الشيخ،
стр. 672
وبالجملة فإن لهم في هذا المقام من التفاصيل ما يصعب استقصاؤه، ومرد هذا إلى غلوهم في اعتقاد كمال الشيخ، حتى قام كثير منهم بإضفاء هالة من القداسة عليه وذلك باعتقاد أنه الواسطة بين العبد وبين الرب، فلا يمكن للعبد الوصول إلى الله إلا بطريق شيخه ورضاه عنه.
فالشيخ عند السالك من الصوفية: "واسطة بينه وبين الله، ولا يصير واسطة حتى يكون ظاهره عبودية محضة، وباطنه حرية يقابل العبيد بظاهره، ويمدهم بباطنه، فيأخذهم، ولولا ظاهره ما عرف باطنه، ولولا باطنه ما عرف ظاهره، ولكان مثل عامة الناس". (١)
وتتنوع ألفاظ الصوفية في التعبير عن هذه المسلمات، وقد يميل بعضها إلى الغلو المصرح به كما هو في النص السابق، وقد يلمس فيه نوع من الاعتدال ولكن دون أن يخرج عن هذه الأسس.
* * *
رأي الشيخ الصاوي:
يعرض الصاوي لبيان آداب التصوف، متبعًا بذلك ما تعارف عليه أصحاب هذا المسلك من وجوب الالتزام بآداب وتعاليم معينة، لا يمكن بدونها للسالك أن ينخرط في مسلك التصوف، إذ يعد الإخلال بها خروج عن مقتضى الانضمام إلى أصحاب هذه الطريقة، بل ومما يقدح في العدالة على أقل درجات العقوبة.
أهمية اختيار الشيخ:
لما كان من المقرر المعهود عند الصوفية أن هذا العلم لا يتأتى تعلمه والتحلي به إلا بطريق الشيخ؛ بين الصاوي العلاقة بين موضوع هذا العلم وهو الأخلاق والسلوك؛ وبين المتلقى عنهم من مشايخ الصوفية، وذلك من حيث كونهم القدوة الحية التي يحسن بها الوصول إلى ثمرة العلم، وهي صلاح الأعمال والسلوك،
стр. 673
يقول: "ولا يدل على الأخلاق المحمدية إلا الأشياخ العارفون بربهم، فمن أراد السلوك والوصول، فليلزم عارفًا كاملًا على الكتاب والسنة، فيوزنه قبل الأخذ عنه، فإن وجده كاملًا على القدم المحمدي فليطلب رضا الله في رضاه، ويعتقد أنه أكمل أهل عصره، ولذلك قال العارفون: حال رجل في ألف رجل، أنفع من وعظ ألف رجل في رجل.
ومن هنا تأكدت أهمية اختيار الشيخ، وفقًا لما يتأتى به الاتساء بالأخلاق المحمدية.
صفات الشيخ:
ويعرض بعد ذلك أهم ما يجب أن يتصف به الشيخ من الجانب السلوكي، حيث يعلل وجوب اتصافه بالحلم، كصفة من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها المربي، قائلًا: "لأنه جامع لأوصاف الخير"، وذلك حتى يكون منه "التحمل لمشاق عباد الله، والصبر على آذاهم، فلا يستفزه الغضب مع التكثير بالإخوان، إلا فيما يغضب الله".
ومع تحقق اتصاف الشيخ بهذا الخلق الفاضل؛ فإنه يرى وجوب التزامه بالسير على منهج صحيح، يتفق مع ما كان عليه النبي ﷺ ، يقول: ويجب مع هذا أن يكون: "تابعًا للحق: أي للدين القويم، مستمسكًا بأوامره، مجتنبًا لنواهيه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (١) ".
أما عند انعدام من يستحق الاتباع والاقتداء؛ فإن الصاوي يوصي بالإكثار من الصلاة على النبي ﷺ ، يقول بعد بيان قضايا التصوف الأساسية: "هذا الذي أبديته لك لا يؤخذ إلا عن سالك الطريق، البالغ الكمال، الآخذ عن الرجال، بالجد والاجتهاد، فإن لم تجد كاملًا، فالزم الصلاة على الحبيب المصطفى، فإنها شيخ من لا شيخ له". (٢)
стр. 674
آداب السلوك:
عند انخراط الطالب في سلك التصوف على يد شيخ معتمد؛ فإنه يؤكد على وجوب التزامه بآداب معينة، اشتهر كلام الصوفية فيها، يقول: أما الآداب "فهي كثيرة جدًا فنقتصر منها على المهمات:
بعضها يتعلق بحق الشيخ، وبعضها يتعلق بحق الإخوان الذين معه في الطريق، وبعضها يتعلق بحق العامة، وبعضها يتعلق بحق نفسه".
- وهو إذ يؤكد على وجوب الالتزام بهذه الآداب؛ فإنه يرجع حقيقة استمدادها إلى آيات الكتاب الحكيم، مستندًا إلى التفسير الإشاري، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]: "هذه السورة جمعت آدابًا ظاهرية وباطنية، وأوامر ونواهي ظاهرية وباطنية عامة وخاصة, فهي متضمنة لطريقة الصوفية التي من تمسك بها وصل" (١)
أولًا: ما يتعلق بآداب اختيار العلم:
يرى الصاوي وجوب مراعاة الأولوية في طلب العلوم، حيث يعتقد أن هذا العلم مما يتحلى به، فلا يصح قصده إلا بعد الإلمام بالعلوم الأساسية من الدين الإسلامي، يقول في ذلك: وهذا العلم "لا يكون إلا بعد معرفة الأحكام الفقهية التي بها تصح عبادته، ولذا قيل: من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف وتفقه فقد تحقق".
ثانيًا: الآداب المتعلقة بحق الشيخ:
١ - تعظيمه وتوقيره ظاهرًا وباطنًا، وعدم الاعتراض عليه في شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه حرام، ويؤول ما أنبههم عليه.
ويؤصل لهذه الركيزة في المعتقد الصوفي من أدلة الكتاب والسنة، حيث يستخدم في ذلك طريقة التفسير الإشارى للوصول إلى تحقيق هذه المعاني المرادة عند
стр. 675
الصوفية، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٨٣] عهد الله هو: الامتثال بالمأمورات واجتناب المنهيات، والدال على ذلك تجب مطاوعته، فالشيخ المتمسك بشرع رسول الله القائم بحقوق الله وحقوق عباده إذا أخذ العهد بذلك على إنسان وجب عليه اتباعه، ونقض عهده إما كفر، إذا قصد نقض ما هو عليه من التوحيد وغيره، أو ضلال مبين إذا قصد عدم الالتزام بأوراده".
وقد يقع في نوع من التناقض حين يرى أن في مخالفة الشرع ما يوجب نقض عهده، يقول: "وأما من خالف الشرع واتبع هوى نفسه فالواجب نقض عهده، لأن من لا عهد له مع الله لا عهد له مع خالقه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦] " (١).
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، يقول: "وهذه الآية وإن كان سبب نزولها بيعة الرضوان، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، فيشمل مبايعة الإمام على الطاعة والوفاء بالعهد، ومبايعة الشيخ العارف على محبة الله ورسوله والتزام شروطه وآدابه، ومن هنا استعمل مشايخ الصوفية هذه الآية عند أخذ العهد على المريد" (٢)
٢ - ولا يلتجئ لغيره من الصالحين.
٣ - ولا يزور صالحًا إلا بإذنه.
٤ - ولا يحضر مجلس غيره.
٥ - لا يستمع ممن سواه حتى يتم سقيه من ماء سر شيخه.
٦ - ولا يقعد وشيخه واقف.
стр. 676
٧ - ولا ينام بحضرته، إلا بإذنه في محل الضرورات.
٨ - ولا يكثر للكلام بحضرته، ولو باسطه.
٩ - ولا يجلس على سجادته، ولا يسبح بسبحته، ولا يجلس في المكان المعد له.
١٠ - ولا يفعل فعلًا من الأمور المهمة، إلا بإذنه.
١١ - ولا يمسك يده للسلام وهى مشغولة بشيء، بل يسلم عليه بلسانه، ولا يمشى أمامه، ولا يساويه في مشيه، إلا بليل مظلم، ليكون مشيه أمامه صونًا له.
١٢ - وأن لا يذكره عند أعدائه.
١٣ - وأن يحفظه في غيبته كحفظه في حضوره، وأن يلاحظه بقلبه في جميع أحواله، "إن ملاحظته ترد الشيطان عنه".
١٤ - ويرى كل نعمة وصلت إليه من بركته.
١٥ - وأن لا يعاشر من كان الشيخ يكرهه.
١٦ - وأن يصبر على جفوته وإعراضه عنه.
١٧ - وأن يحمل كلامه على ظاهره؛ فيمتثله إلا بقرينة صارفة عن إرادة الظاهر.
١٨ - وأن يلازم الورد الذي رتبه، فإن مدد الشيخ في ورده؛ فمن تخلف عنه حرم المدد.
١٩ - وأن يقدم محبته على محبة غيره، ما عدا الله ورسوله، فإنها مقصودة بالذات، ومحبة الشيخ وسيلة" (١).
الآداب المتعلقة بجماعة الطلاب:
١ - فأن يكون محبًا لهم.
٢ - ولا يخص نفسه بشيء دونهم، ويحب لهم ما يحب لنفسه.
стр. 677
٣ - ويعودهم إذا مرضوا، ويسأل عنهم إذا غابوا.
٤ - ويبتدرهم بالسلام وطلاقة الوجه.
٥ - وأن يراهم خيرًا منه، ويطلب منهم الرضا.
٦ - ولا يزاحمهم في أمر دنيوى، بل يبذل لهم ما فتح عليه به، وأن يوقر كبيرهم، ويرحم صغيرهم، ويتعاون معهم على حب الله، وليجعل رأس ماله مسامحة إخوانه، يخدمهم ولو بتقديم النعال لهم.
وأما الآداب التي تتعلق بالعامة:
فالتواضع، وبذل الطعام، وإفشاء السلام، والصدق معهم في جميع الأحوال.
وأما الآداب التي تتعلق بالطالب:
١ - أن يكون مشغولًا بالله، زاهدًا فيما سواه.
٢ - غاضًا عن المحارم، ليس للدنيا عنده قيمة، تاركًا لفضول الحلال، كالتوسعة في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب، مقتصرًا على قدر الكفاية.
٣ - مديمًا الطهارة، لا ينام على جنابة.
٤ - ولا يفضى بيده إلى عورته، إلا في ضرورته، ولا يكشف عورته ولو بخلوة.
٥ - ولا يطمع فيما في أيدى الناس.
٦ - يحاسب نفسه على الدوام.
٧ - لا يأكل إلا حلالًا وهو ما جهل أصله.
٨ - يكابد نفسه عن النظر إلى الصور الجميلة: من النساء والأحداث، فإن تلك قواطع عن الله تسد باب الفتح أجارنا الله من ارتكابه.
٩ - ويطالع كتب القوم: ككتب سيدى عبد الوهاب الشعرانى "فإنها تعلم الآداب". (١)
стр. 678
- أما عن نتيجة التزام هذه الآداب، والحرص على الإتيان بمقتضاها؛ فإنه يرى أن الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] تفيد "معنى إشارى للصوفية، وهو: أن العباد لو حصلت منهم استقامة على الطريقة، بالانهماك في مرضات الله تعالى، لملأ الله قلوبهم بالأسرار والمعارف والمحبة الشبيهة بالماء، في كونها حياة الأرواح، كما أن الماء حياة الأجسام، فيحصل لهم بسبب ذلك الفتنة فيه بأن يسكروا ويطربوا ويدهشوا، ويخرجوا عن الأهل والأوطان، فالاستقامة سبب للرزق الظاهر والباطني" (١)
المناقشة:
أولًا: مكانة علم التصوف بين العلوم:
لقد حاول الصاوي التوسط في مكانة التحلي بالآداب الصوفية، حيث أكد على أهمية تعلم العلوم الشرعية قبل الآداب، ولكنه وقع في نوع من التحكم حين جزم بأن من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، وذلك لأن مؤدى هذا طعن في السلف الصالح من الصحابة - رضوان الله عليهم - وكبار الأئمة والعلماء، الذين لم يكن الهم علاقة بالصوفية من قريب أو بعيد.
وإذا كان قد سبق بيان ما جزم به من أن التصوف هو علم أحوال القلوب، وأن واضعه هو النبي ﷺ ، فلا عجب إذا من هذا الذي ذهب إليه هنا، وتبقى مناقشته في حقيقة هذا الادعاء؛ هل التصوف حقًا مما دل عليه الكتاب والسنة، أم لا؟ . وقد تقدم تفصيل هذا في المبحث السابق، ويكفي هنا أن أؤكد على أن وجود الانحراف الخطير في الفكر الصوفي خصوصًا عند المتأخرين منهم، يقطع بتأثره بل واندماجه في كثير من علومه بالفلسفات الخارجة، وبقايا الديانات المنحرفة، ومن كل هذا فلا سبيل أبدا إلى موافقته على تلك المقولة، بل الحق أحق أن يتبع، وما دام أن المولى ﵎ قد حفظ لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل الخير
стр. 679
معقودًا فيما أثر عن النبي ﷺ ، فلسنا بحاجة لهذه العلوم الدخيلة التي تحمل من الضرر ما يربوا على المصلحة منها.
ومن جهة أخرى فما حقيقة هذا العلم الذي إذا أخذ قبل التعمق في الدين كان مؤداه إلى الزندقة؟ إن هذا إقرار من الصاوي على خطورة هذا العلم الذي قد يصل بصاحبه إلى مدارج الكفر، ولعل في هذا ما يجزم ببطلان دعوى استمداده من الكتاب والسنة، كيف والمولى تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠].
فليس في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يفضي بأي وجه إلى ما يخالف شرائعه المطهرة، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ , يقول الإمام ابن القيم ﵀: "فهو سبحانه على صراط مستقيم في قوله وفعله، فهو يقول الحق ويأمر بالعدل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ " (١).
وعليه فإن في هذه المقولة من التناقض ما لا يخفى، وكفى بها بيان للاضطراب الذي وقع فيه فقهاء الصوفية.
* * *
ثانيًا: صفات الشيخ:
هذا وقد أكد الصاوي على وجوب اختيار الشيخ الكامل، وعمدته في استحقاق وصف الكمال اتباعه لمنهج الكتاب والسنة، واقتفاؤه أثر النبي ﷺ ولا شك أن هذا أصل عظيم في صحة التلقي والتربية الصحيحة، فقد أمر النبي ﷺ أصحابه بالاقتداء به، وحذر أيما تحذير من مخالفة أمره، فعن العرباض بن سارية قال: "وعظنا رسول الله ﷺ يومًا بعد صلاة الغداة؛ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا
стр. 680
رسول الله؟ قال: (أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم بري اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة؛ فمن أدرك ذلك منكم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) (١)
وفي حديث ثوبان ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) (٢)، والضلال مخالفة ما أتى به النبي ﷺ اتباعًا للهوى.
ويقول الإمام النووي في وجوب استواء حال الشيخ في دينه وتقواه: "ولا يتعلم إلا ممن تكملت أهليته، وظهرت ديانته وتحققت معرفته، واشتهرت صيانته، فقد قال محمد بن سيرين، ومالك بن أنس وغيرهما من السلف: هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" (٣).
كما أكد الصاوي أيضًا على وجوب تخلق الشيخ بالخلق الفاضل من الحلم والرفق، وهذا أيضًا من عظيم أصول التعليم، فقد كان رسول الله ﷺ رحيمًا رءوفًا، قال فيه من أدبه فأحسن تأديبه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال في معرض امتنانه عليه: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وقد تابع الصحابة رضوان الله عليهم - نهج نبيهم في حسن تربية أتباعهم بالصبر والرفق واللين فـ "عن ابن عباس ﵄، قال: أكرم الناس على جليسي الذي يتخطى الناس حتى يجلس إلى، لو استطعت أن لا يقع الذباب على وجهه لفعلت، وفي رواية: إن الذباب ليقع عليه فيؤذيني" (٤)
стр. 681
فعن أبي سعيد الخدري أنه كان يقول لمن يأتيه طالبًا العلم: "مرحبًا بوصية رسول الله ﷺ ، إن النبي ﷺ قال: (إن الناس لكم تبع وإن رجالًا يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرًا) (١) ".
وقد تمثل أهل العلم العاملين به بهذا الخلق الكريم، فقد روى الخطيب البغدادي عن الربيع بن سليمان، أنه قال: "كتب إلى أبو يعقوب البويطى أن اصبر نفسك للغرباء، وأحسن خلقك لأهل حلقتك، فإني لم أزل أسمع الشافعي ﵀ يكثر أن يتمثل بهذا البيت:
أهين لهم نفسي لكي يكرموها ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها (٢) " (٣).
* * *
آداب التلقي:
أما عن حديثه في بيان الآداب على جهة التفصيل، فقد ذكر عددًا من الآداب الصحيحة، التي درج على اعتمادها أهل العلم منذ القرون المفضلة، فاحترام الشيخ وتعظيمه والتأدب معه من الأمور التي دلت عليها الآيات والأحاديث، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
ويقول الإمام النووي في بيان آداب المتعلم مع شيخه: "وينبغي أن يتواضع لمعلمه ويتأدب معه، وإن كان أصغر منه سنًا، وأقل شهرة ونسبًا وصلاحًا، وغير ذلك ويتواضع للعلم فبتواضعه يدركهـ وقد قالوا نظمًا:
العلم حرب للفتى والمتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي
وينبغي أن ينقاد لمعلمه ويشاوره في أموره ويقبل قوله كالمريض العاقل يقبل قول الطبيب الناصح الحاذق. وهذا أولى" (٤)
стр. 682
وعليه أن ينظر معلمه بعين الاحترام، ويعتقد كمال أهليته ورجحانه على طبقته، فإنه أقرب إلى انتفاعه به، وكان بعض المتقدمين إذا ذهب إلى معلمه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني.
وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: من حق المعلم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بتحية، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تعرض أي تشبع من طول صحبته، وينبغي أن يتأدب بهذه الخصال التي أرشد إليها علي - كرم الله وجهه -، وأن يرد غيبة شيخه إن قدر فإن تعذر عليه ردها فارق ذلك المجلس" (١).
وقال الحسين بن علي ﵄، لابنه: "يا بني إذا جالست العلماء فكن على أن تسمع أحرص منك على أن تقول، وتعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الصمت، ولا تقطع على أحد حديثًا وإن طال حتى يمسك" (٢).
وكان هذا هو ديدن أهل العلم في العصور المفضلة، يروى الخطيب البغدادي عن أحد الذين حضروا مجالس الإمام مالك ﵁، حيث يقول: "رأيت مالك بن أنس غير مرة، وكان بأصحابه من الإعظام له والتوقير له. وإذا رفع أحد صوته صاحوا به. وكان إلى الأدمة ما هو" (٣)
* * *
أما آداب الإخوان فقد وردت فيها نصوص شرعية كثيرة، كلها تفيد الحث على التآخي، ونبذ أسباب الفرقة والخلاف، والقيام بحق الإخوان باطنًا وظاهرًا، ولهذه الحقوق أشكال متعددة، فمنها ما يستند إلى الكف عن الأذى؛ كترك الحسد والحقد
стр. 683
والظلم، ومنها ما يستند إلى بذل المعروف، كالإحسان إليهم بتقديم العون، وتفريج الكربة، وطلاقة الوجه إلى غير ذلك مما لا مجال لحصره الآن.
وقد أمر المولى باستشعار نعمة الأخوة والحفاظ عليها من كل ما يقتضي الإخلال بحقوقها، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
يقول الإمام الشوكاني في معنى الآية: "أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق الناشئ عن الاختلاف في الدين" (١).
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.
ومن ذلك قوله ﷺ : (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله! إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا)، ويشير إلى صدره ثلاث مرات: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه). (٢).
ويتأكد هذا الخلق في حق من تآخوا في تلقي العلم؛ فعليهم أن يحذروا من الحسد والتشاحن والتباغض والعجب المؤدي إلى احتقار الغير، يقول الإمام النووي: "ومما يجب عليه ويتأكد الوصية به أن لا يحسد أحدًا من رفقته أو غيرهم على فضيلة رزقه الله إياها، وأن لا يعجب بنفسه بما خصه الله.
وطريقه في نفي العجب أن يذكر نفسه أنه لم يحصل ما حصله بحوله وقوته، وإنما هو فضل من الله، ولا ينبغي أن يعجب بشيء لم يخترعه بل أودعه الله تعالى فيه.
стр. 684
وطريقه في نفي الحسد أن يعلم أن حكمة الله تعالى اقتضت جعل هذه الفضيلة في هذا، فينبغي أن لا يعترض عليها، ولا يكره حكمة أرادها الله تعالى" (١)
هذا والنصوص الدالة على حق الأخوة في الدين كثيرة، منها قوله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر والحمى) (٢)
ومنها قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (٣)
ومنها قوله ﷺ : (حق المسلم على المسلم ست. قيل ما هن؟ يا رسول الله! قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فأنصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه) (٤)
* * *
احترازات في التلقي:
ولمتابعة الصاوي نهج أسلافه من الصوفية؛ فقد وقع في عدد من المخالفات فيما يتعلق بالآداب المتعينة في حق الشيخ، ومناقشتها على النحو التالي:
فمع سلامة مبدئه في اختيار الشيخ، وذلك وفقًا لعرضه على منهج الكتاب والسنة، إلا أن في بعض ما ذكره الصاوي من الآداب المتعلقة به يكاد يكون على النقيض من هذا الذي ذهب إليه أولًا، وبيانه كالتالي:
أولًا: طاعة الشيخ:
إن أول ما يحسن مناقشة الصاوي فيه، هو محاولة استدلاله على الآداب المتعلقة بحق الشيخ على الطريقة الصوفية من الكتاب والسنة. والحق أن آيات الكتاب ليس
стр. 685
فيها دلالة إلا للطريقة النبوية السنية، وما خلا ذلك فيقبل منه ما وافق المنهج، ويرد ما خالفه، ففي الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]. استدلالًا لآداب الصوفية خصوصًا صوفية المتأخرين مخالفة صريحة لكثير من الأسس الصحيحة.
ولعل في هذا متابعة لما درج عليه الكثير من الصوفية، حيث اعتمدوا حال الصحابة - رضوان الله عليهم - مع نبيهم ﷺ في الاستدلال لما يجب أن يكون عليه حال الطالب مع الشيخ، ولا شك أن هذا اشتباه وإجمال يؤخذ منه ويرد، فعقد مقارنة بين النبي ﷺ وبين آحاد المسلمين مما لا دليل عليه يسنده في كل الأحوال، وذلك لأن المولى تعالى لم يتعبدنا باتباع أحد بعد النبي ﷺ متابعة كاملة، يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
يقول الإمام الشوكاني في تفسير الآية: "لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق؛ أمر الناس بطاعتهم ها هنا، وطاعة الله هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسول الله ﷺ هي فيما أمر به ونهى عنه. وأولي الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ ، وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر: (هم أهل القرآن والعلم)، وبه قال مالك والضحاك. وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد ﷺ . وقال ابن كيسان هم أهل العقل والرأي، والراجح القول الأول" (١).
وبناء على ما تقدم فإن اعتماد هذه الآية في تحريم الاعتراض على الشيخ، والتزام عهده وميثاقه مهما كان من الباطل الذي ترده الآيات والأحاديث، وما
стр. 686
يقوله الصوفية من أن العلماء هم ورثة الأنبياء، وأن العالم هو المبلغ عن النبي ليس بحجة في الاقتداء الكامل التام إذا ورد منه ما يخالف هدي النبي ﷺ .
فإن الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ورسوله مبلغًا عن ربه، أما الشيخ فطاعته تكون مقيدة بما يوافق أصل الطاعة المطلقة لله ولرسوله، لذا كانت طاعته الطاعة المطلقة حتى فيما خالف أمر الله وأمر رسوله نوعًا من أنواع الشرك الأكبر، وهو شرك الطاعة، ومما يدل على هذا الأصل الإيماني العظيم في وجوب صرف الطاعة المطلقة لله تعالى توحيدًا وتجريدًا، قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ , ففي هذه الآية دليل على أن من أحل شيئًا مما حرم الله, أو حرم ما أحل الله فهو مشرك (١).
وهذا ما فسر به قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾، يقول الإمام ابن كثير: "إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا، وقال السدي: استنصحوا الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع وما حكم به نفذ" (٢).
"ومن اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا؛ طاعة العلماء علماء الضلال فيما أحدثوه في دين الله من البدع والخرافات والضلالات؛ كإحياء أعياد الموالد والطرق الصوفية والتوسل بالأموات ودعائهم من دون الله" (٣) وغير ذلك مما يناقض أصل الانقياد للشارع الحكيم في كل صغيرة وكبيرة كما يقتضيه حقيقة الإذعان والتسليم بنبوته ﷺ .
стр. 687
ولا شك أن مناقضة هذا الأصل بصرف الطاعة لغير الله من أعظم ما يفسد معيشة الناس في الدنيا والآخرة، يقول الإمام ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها، ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به؛ هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به، ومخالفة أمره. . . .
وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والاتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهى عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله" (١).
ومن هنا علم أن تحريم الصاوي التقدم على الشيخ وتصريحه بمنع الاعتراض عليه؛ ولو ظهر منه ما هو حرام في الشرع، فيه مخالفة صريحة جريئة للحق الذي دلت عليه شرائع الدين، ومناقضة لما ذهب إليه أولًا من وجب التزام الشيخ بأوامر الشريعة، كما أن فيه إجحافًا بحق الشيخ، لأن النصح له المأمور به في حق كل مسلم، يقتضي نهيه عن المنكر إذا بدر منه، قال ﷺ : (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) (٢).
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في معنى النصيحة: "النصيحة كلمة تتضمن قيام الناصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلًا".
والنصح للعالم ليس يقتصر نفعه عليه فقط كآحاد المسلمين، بل هو من حقيقة النصح لله تعالى وكتابه ورسوله، فـ "رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على
стр. 688
مواردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها" (١) من أوجب أنواع النصح لهذا الدين.
ثم إن التقصير في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لحلول اللعنة وغضب الرب، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
يقول الإمام السعدي ﵀ في السكوت عن المنكر، وذلك في تفسيره لهذه الآية الكريمة: "فلو كان لديهم تعظيم لربهم لغاروا لمحارمه، ولغضبوا لغضبه، وإنما كان السكوت عن المنكر مع القدرة موجبًا للعقوبة، لما فيه من المفاسد العظيمة:
منها: أن مجرد السكوت، فعل معصية وإن لم يباشرها الساكت، فإنه كما يجب اجتناب المعصية، فإنه يجب الإنكار على من فعل المعصية.
ومنها: أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.
ومنها: أن ذلك يجرئ العصاة والفسقة، على الإكثار من المعاصي
ومنها: أنه بترك الإنكار للمنكر يندرس العلم ويكثر الجهل، فإن المعصية مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها، يظن أنها ليست بمعصية، وربما ظنها الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرم الله حلالًا وانقلاب الحقائق في نفوس الناس.
ومنها: أن بالسكوت على معصية العاصين، ربما تزينت المعصية في صدور الناس، واقتدى بعضهم ببعض، فالإنسان مولع بالاقتداء.
فلما كان السكوت على الإنكار بهذه المثابة، نص الله تعالى أن بني إسرائيل الكفار منهم، لعنهم بمعاصيهم واعتدائهم، وخص من ذلك هذا المنكر العظيم" (٢).
стр. 689
وعليه فإن منهجه في الاستدلال على وجوب التزام عهد الشيخ بالآيات الكريمة مما لا يسلم له، ومع أنه قد سبقت الإشارة إلى بيان عدم مشروعية هذا الضرب من التفسير (١)، وذلك لعدم استناده إلى الأسس الصحيحة التي يجب على المفسر اعتمادها في تفسير كلام المولى تعالى، إلا أن المقام هنا يستوجب مزيدًا من المقال، فإذا كان كلامه في الجملة في هذا الباب باطلًا، لأنه من التقول على الله تعالى بغير علم، فإنه يتأكد بطلانه عند وصفه لمن عارض الشيخ في ترديد أوراده بالضلال المبين، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، فمن المعلوم أن أوراد مشايخ الصوفية يغلب عليها في الجملة الابتداع إن لم يكن مما يعمها من جهة الحكم، وهذا في حالة خلوها من الشرك، أما مع احتوائها عليه، فإن اتباع الشيخ عندئذ ليس من الضلال فقط، بل هو في الحقيقة من الكفر المخرج من الملة.
ولعل للاختلاف الواقع بين السلف الصالح وبين الأشاعرة في فهم حقيقة التوحيد أثرًا كبيرًا في استساغة مثل هذه البدع الشركية، التي تحوى على الاستغاثات والابتهالات المحرمة، ويؤكد هذا أنه لم ير في هذه الأوراد ما ينافي ذلك القيد الذي اشترطه في اتباع الشيخ، وهو التزامه بالمنهج الصحيح المستمد من الكتاب والسنة.
هذا ولم يكن حكمي على تلك الأوراد بالابتداع وعلى كثير منها بالشرك محض افتراء وتوهم، بل هذه حقيقة يشهد بها كل متجرد يتأمل تلك الأوراد، ولعل حاشيته على الصلوات الدرديرية أكبر شاهد على هذا، وسأنقل منها بعض الأوراد لكبار الصوفية حتى يزداد الأمر وضوحًا، فهذه إحدى الصلوات الدرديرية، يقول فيها الدردير؛ ناقلًا صلاة إبراهيم الدسوقي: "اللهم صل على الذات المحمدية اللطيفة الأحدية، شمس سماء الأسرار، ومظهر الأنوار، ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجلال، بسره لديك، وبسيره إليك، آمن خوفي وأقل عثرتي".
فهذه الصلاة تشتمل على أنواع الضلالات من الغلو بالنبي إلى درجة تقدح في اعتقاد عبوديته، وكذلك التوسل به بعد مماته وغير ذلك مما يجزم ببدعيتها، بل
стр. 690
واعتبارها من الصلوات الشركية المحرمة، وسأكتفي بهذا القدر لضيق المقام، ولأن ما ذكرته فيه الكفاية للدلالة على المراد.
فهل بعد الذي بينته من المحاذير، التي تحملها مثل هذه الأوراد، يمكن القول: بأن الآية الكريمة التي نزلت في تنبيه بني إسرائيل على القيام بالعهد المأخوذ عليهم بطاعة الله، والإيمان بمحمد ﷺ فيها إشارة إلى التمسك بمثل هذه الأوراد، وأن من خالف شيخه فيها يعد من أهل الضلال؟ إن هذا الذي ذهب إليه بعيد كل البعد عن الصواب، بل يعد في الحقيقة هو ضرب من الضلال المذموم، والذي يحمل صاحبه على التقول في كتاب الله بغير علم.
ثانيًا: التبرك بالشيخ:
- ومن جملة ما يناقش فيه الصاوي ما أمر به المريد من اعتقاد أن حصول النعم إنما هي ببركة الشيخ، وإذا كان هذا الحديث مما سبقت مناقشته إلا أنه يتوجب هنا مزيد بيان، وذلك لأن لفظ التبرك من الألفاظ المجملة التي تشتمل على معنى حق وآخر باطل، "فأما الصحيح فأن يراد به أنه هدانا وعلمنا وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، فببركة اتباعه وطاعته حصل لنا من الخير ما حصل" (١).
وعليه فإن مرد النعمة هنا إلى الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]، يقول الإمام ابن جرير في هذه الآية: "وتأويل الكلام: ما يكن بكم في أبدانكم أيها الناس من عافية وصحة وسلامة، وفي أموالكم من نماء، فالله المنعم عليكم بذلك لا غيره؛ لأن ذلك إليه وبيده" (٢).
كذلك إذا اعتقد حصول البركة بدعائه لاستقامته وصلاحه، كما قال النبي ﷺ : (هل تنصرون إلا بضعفائكم). (٣)
стр. 691
أما المعنى الباطل وهو اعتقاد حصول البركة بذاته، ففيه تفصيل، فإذا اعتقد أن ذاته مباركة بمعنى أن الله خلق فيها البركة، وهو يرجع حصولها منه فشرك أصغر، لأنه من أنواع التوسل الشركي المحرم؛ إذ فيه اعتقاد حصول الخير، أو دفع الضر، بلا سبب شرعي أو كوني، فيؤدي إلى اعتقاد الوساطة البدعية، ولا شك أن هذا الاعتقاد بريد للوقوع في الشرك الأكبر؛ فإنه أحد أصول عقائد مشركي قريش، التي استندوا إليها في صرف أنواع العبادة من التوسل والدعاء والاستغاثة بغير الله تعالى.
أما إذا اعتقد أن ذاته تحدث البركة لمن حوله استقلالًا عن فعل الله؛ فهذا شرك أكبر في الخلق.
وهذا ما يعلم بضرورة التعبد لأسماء الله تعالى وصفاته، إذ "أن البركة كلها له تعالى ومنه؛ فهو المبارك، ومن ألقى عليه بركته فهو المبارك، ولهذا كان كتابه مباركًا، وبيته مباركًا، والأزمنة والأمكنة التي شرفها واختصها عن غيرها مباركة، فليلة القدر مباركة، وما حول الأقصى مبارك، وأرض الشام وصفها بالبركة في أربعة مواضع من كتابه أو خمسة، وتدبر قول النبي ﷺ في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه عند انصرافة من الصلاة: (اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام). (١)
فتأمل هذه الألفاظ الكريمة كيف جمعت نوعى الثناء؛ أعني ثناء التنزيه والتسبيح، وثناء الحمد والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزه وأتمه معنى، فأخبر أنه السلام ومنه السلام؛ فالسلام له وصفًا وملكًا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه كلها سلام، وكذا الحمد كله له وصفًا وملكًا؛ فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودًا فيهبه حمدًا من عنده، وكذلك العزة كلها له وصفًا وملكًا، وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده فبإعزازه له.
стр. 692
وكذلك الرحمة كلها له ووصفًا وملكًا.
وكذلك البركة؛ فهو المتبارك في ذاته، والذي يبارك فيمن شاء من خلقه وعليه، فيصير بذلك مباركًا، فـ ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] " (١)
ومن هذا يعلم أن البركة أمر توقيفى لا يصح نسبتها لشيء لم يرد فيه دليل شرعي، عقلي أو خبري، إذ مرد البركة لله تعالى أمرًا وكونًا، فأسباب البركة والخير تعلم إما بالضرورة العقلية الشرعية مما أراده تعالى كونًا وخلقًا، أو الخبرية الشرعية التي أتى الرسل الكرام ببيانها تبليغًا ودعوة وإرشادًا من المولى ﵎، وبهذا المعنى يكون الرسل مباركين لأنهم ينفعون من يرسلون إليه بما علمهم الله وأوحى إليهم، وكذلك يكون أتباعهم بتبليغهم دعوة الرسل ونشرها بين الناس، قال تعالى مخبرًا عن المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
"قال غير واحد من السلف معلمًا للخير أينما كنت وهذا جزء المسمى فالمبارك كثير الخير في نفسه الذي يحصله لغيره تعليمًا وإقدارًا ونصحًا وإرادة واجتهادًا ولهذا يكون العبد مباركًا لأن الله بارك فيه وجعله كذلك والله تعالى متبارك لأن البركة كلها منه فعبده مبارك وهو المتبارك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] " (٢)
ولعل ما ذهب إليه من مشروعية الاستغاثة بالأولياء يدني اعتقاده في التبرك من المعنى الممنوع؛ لأن فيه ذريعة لاعتقاد حصول النفع أو الضر منهم.
ثالثًا: ملاحظة الشيخ:
ومن جملة الغلو الذي قرره الصاوي في الآداب المتعلقة بالشيخ: وجوب ملاحظته في كل الأوقات، وأن في هذا العمل القلبي ما يدفع به شر الشيطان الرجيم، ولعل في هذا ما يؤكد انحرافه في قضية التبرك بالشيخ، حيث بنى على
стр. 693
اعتقاد حلول البركة فيه بالمفهوم الصوفي وجوب صرف عبادة قلبية لا تجوز إلا لله تعالى، فليس لأحد أن يستغرق تمام الاستحضار القلبي إلا المولى تعالى.
بل إن مداومة العبد على ملاحظة المولى تعالى في كل الأحوال طريقه إلى بلوغ مقام الإحسان الذي قال فيه ﵊: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). (١)
يقول الحافظ ابن رجب ﵀ في بيان هذا المعنى: "يشير إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة، وهو استحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوف والهيبة والتعظيم. . .
وقوله ﷺ (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) قيل: إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يشق ذلك عليه فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيء من أمره، فإذا تحقق هذا المقام، سهل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحقيق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده ومعيته حتى كأنه يراه" (٢)
وعليه فكيف يوصى الطالب بإحلال عبد في مقام هو أعلى مراتب الدين؟ كما دل الحديث السابق عليه.
ثم إن طرد الشيطان لا يكون إلا بذكر المولى تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
فهذا هو السبيل الأوحد لإبعاد الشيطان، وقد علمنا رسول الله ﷺ عددًا من الأوراد التي يتقى بها كيده: عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال
стр. 694
: (من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه) (١).
رابعًا: الاستغناء بالشيخ:
- أما ما قرره من وجوب التلقي عن شيخ واحد؛ بحيث يمتنع على الطالب حضور مجلس غيره، أو الاستفادة منه، فليس من الآداب المستحبة في شيء، بل هو مما حذر منه أهل العلم، وقد عقد الإمام النووي فصلًا في بيان ضرره على العالم والمتعلم، وسأنقله بنصه لتتم به الفائدة وليعلم ضلال الصوفية في هذا المسلك:
(فصل) وليحذر كل الحذر من قصده التكثر بكثرة المشتغلين عليه والمختلفين إليه، وليحذر من كراهته قراءة أصحابه على غيره ممن ينتفع به، وهذه مصيبة يبتلى بها بعض المعلمين الجاهلين، وهي دلالة بينة من صاحبها على سوء نيته وفساد طويته، بل هي حجة قاطعة على عدم إرادته بتعليمه وجه الله تعالى الكريم، فإنه لو أراد الله بتعليمه لما كره ذلك، بل قال لنفسه: أنا أردت الطاعة بتعليمه، وقد حصلت، وقد قصد بقراءته على غيري زيادة علم، فلا عتب عليه.
وقد روينا في مسند الإمام المجمع على إمامته وحفظه وأمانته أبي محمد الدارمي - رحمة الله عليه - عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا حملة القرآن أو قال: (يا حملة العلم اعملوا به؛ فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم، يخالف عملهم علمهم، وتخالف سريرتهم علانيتهم، يجلسون حلقًا يباهي بعضهم بعضًا، حتى أن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه، أولئك لا تصعد أعمالهم في مجالسهم تلك إلى الله تعالى) (٢) " (٣)
стр. 695
وقد صح عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على ألا ينسب إلى حرف منه" (١)
وهذه التوجيه والتفصيل والتصحيح إنما يصح عند حمل كلامه على أحسن المحامل، ومعاملته بظاهرية مطلقة، أما وقد عرفنا حقيقة التصوف وما خالطه من ألوان الشرك وما تسرب إليه من أنواع المعتقدات المارقة، فإن هذه الشروط تؤول جملة إلى تأليه الشيخ وعبادته من دون الله، وهذا هو واقع الصوفية المشاهد، فإنهم من أكثر الناس شركًا في الألوهية، حيث التوجه إلى القبور والتعلق بأذيال ساكنيها والتوسل بهم ودعائهم الاستعانة والاستغاثة بهم وقت الشدائد وقد صرح بذلك الصاوي كما بينت ذلك في مبحث التوحيد وكما سيأتي في الحديث عن الولاية.
* * *
стр. 696
الفصل الثاني: (المقامات والأحوال)
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: التعريف بالمقامات.
المبحث الثاني: التأصيل للمقامات.
المبحث الثالث: وحدة الوجود ووحدة الشهود.
المبحث الرابع: الترقي في المقامات.
стр. 697
تمهيد
تعريف المقام:
المقامات جمع مقام، وإما أن يراد به أمر حسي أو أمر معنوي، والحسي كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] إذ "المقام في اللغة: موضع القيام" (١)، فقد يكون بمعنى الإقامة، وقد يكون بمعنى موضع القيام" (٢) أما استعماله في الأمر المعنوي، قد ورد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] عن ابن عباس ﵄: (المقام المحمود: مقام الشفاعة). (٣)
ومما يصح حمله على كلا الوجهين المقام في قوله : ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، يقول البغوي: "يقول جبرائيل للنبي ﷺ : وما منا معشر الملائكة إلا له مقام معلوم يعبد الله فيه (٤) ".
ومما قيل في معناه: " (إلا له مقام معلوم): في القربة والمشاهدة" (٥)
وللصوفية في تعريف المقام أقوال، ويرجع هذا إلى عدم انضباط معارفهم، حيث تستند إلى الذوق والوجدان؛ مما يؤدي بدوره إلى صعوبة تحديد مصطلحاتهم، ويمكن القول بأن المقامات - عندهم - هي مدارج العبودية التي يترقى في سلوكها العبد، يقول أبو نصر السراج فيه: "مقام العبد بين يدي الله فيما يقام فيه من العبادات. . قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٤] " (٦)
стр. 698
ويعرف الجرجاني، فيقول: "المقام في اصطلاح أهل الحقيقة، عبارة عما يتوصل إليه بنوع تصرف، ويتحقق به بضرب تطلب ومقاساة وتكلف". (١)
أما عن كيفية الترقي من مقام إلى مقام؛ فإن القشيرى يشترط لصحة الانتقال استيفاء أحكام المقام السابق، فإن من لا قناعة له لا يصح له التوكل" (٢).
وتأكيدًا على أنه لا يمكن للعبد أن يكون من أهل الترقي في المقامات؛ حتى يستوفي لكل مقام ما ينبني عليه في الأصل من القيام ببعض المهمات السلوكية على المنهج الصوفي؛ نرى ابن عربي يفسر المقام ليس فقط بالطريق المؤدي إليه، كما فعل الجرجاني، وإنما بالتأكيد على وجوب استيفاء تلك التكاليف السلوكية، يقول: "المقام: عبارة عن استيفاء حقوق المراسم على التمام" (٣)
وحتى لا يكون هذا الشرط لحصول الترقي مانعًا منه، فقد ذهب بعض محققيهم إلى أن للمريد أن يحقق الترقي؛ إذا كان منه الاستيفاء الجملي، فليس يشترط فيه التقصي، وإنما يكتفي منه بالقدر الذي يفيده معنى الرسوخ والثبات. (٤)
تعريف الحال:
يعرف الصوفية الحال بأنه: "ما يرد على القلب بمحض الموهبة، من غير تعمل ولا اجتلاب، كحزن أو خوف أو بسط أو قبض أو شوق أو ذوق، ويزول بظهور صفات النفس" (٥).
وبناء على ما سبق؛ يتحدد الفرق مجملًا بينهما، إلا أنه من الممكن عندهم أن ينقلب الحال مقامًا، إذا اكتسب صفة الديمومة والبقاء.
ومع ذلك فقد يتجاوز بعضهم فيعبر عن المقام بالحال أو العكس، يقول القشيري: "وأشار قوم إلى بقاء الأحوال ودوامها، فقالوا: إنها إذا لم تتوال فهى لوائح
стр. 699
وبواده، ولا يصل صاحبها إلى الأحوال، فإذا دامت تلك الصفة فعند ذلك تسمى حالًا" (١). والسبب: "وجود الاشتباه لمكان تشابههما في نفسهما، وتداخلهما، فتراءى للبعض الشيء حالًا وتراءى للبعض مقامًا" (٢).
ومع ذلك فإنه يمكن القول بأن الأحوال تبقى في هذه المنزلة ولا تنتقل منها إلى درجة المقام إلا عند الثبات عليها، فإن وجود التداخل بينهما؛ قد يصح معه أن يكون نفس الأمر عند البعض حالًا والبعض مقامًا (٣).
أما عن حقيقة هذه المقامات، فإنه قد سبق الحديث عن المراحل التي مر بها التصوف، وذلك عندما تبلورت مواضيع التصرف وفق المذاهب والفلسفات التي تأثرت بها، فلم يكن التصوف ثمرة لاتجاه معين؛ بل هو فكر متعدد المصادر، فإن الحكم على المقامات في الحقيقة يتبع الحكم على التصوف نفسه؛ إذ هي المحور الذي تدور حوله موضوعات التصوف، فليس حديث المتقدمين عن المقامات، التي هي عندهم عدد من العبادات المشروعة؛ كالرضا والطمأنينة، وإن وجد فيها نوع من الغلو؛ كالحديث عن المقامات التي استقر عليها خط الانحراف.
فإن من أظهر "أوجه الشبه الموجودة بين البوذية، وبين طرق التصوف: مسألة المقامات، التي يرتقي فيها السالك بالترتيب والتدريج من مقام إلى آخر؛ حتى يصل إلى مقام الفناء"، فوجهة الفناء الأخلاقية هي: "إخماد كل الميول والأهواء، ومحو الصفات الذميمة؛ بممارسة الأخلاق الفاضلة، والنيرفانا هي: كبح جماح النفس، التي هي تلك الناحية الحيوانية المثيرة للمعاصي، الموجودة في جبلة البشر؛ بحكم عملنا لإرادة الحياة، وهي تجعل الإنسان قعيدًا لا يأتي بشيء". (٤)
* * *
стр. 700
(المبحث الأول): أقسام المقامات (عند الصوفية)
لقد سبقت الإشارة إلى أن الحديث عن المقامات والأحوال في الفكر الصوفي؛ حديث عن أهم الموضوعات التي يدور محور اهتمامه حولها، فالتوبة، والشكر، والرضا، والإخلاص، ومن ثم الفناء والبقاء والصحو والفرق والجمع، هي أهم ما يعتنى الصوفية للحديث عنه، واتجاهات القوم في تقرير هذه المقامات تختلف تبعًا الموقفهم من مصادر التصوف المختلفة، فحديث أوائل الصوفية في المقامات يختلف عن حديث المتأخرين، ولعل كتاب (مدارج السالكين) أقرب ما يكون في بيان حقيقة المقامات عند المتقدمين، ومع التسليم بوجود بعض المخالفات في تحرير مدارج العبودية؛ من حيث التعمق الغير معهود، أو استخدام عبارات لم يكن لها وجود عند السلف، إلا أنها تخالف ما عليه متأخرو الصوفية، حيث شابهوا العقائد الوثنية عند الهنود والفلاسفة؛ فظهرت مخالفتهم جلية في حقائق التوحيد.
وكما وقع الاختلاف في تعريف المقام بين محققى الصوفية، فقد وقع في تعداد المقامات وبيانها، فنجد أن الطوسي قد قسم المقامات إلى سبعة: التوبة، والورع، والزهد، والفقر، والصبر، والتوكل، والرضا، ومع ذلك فلم يصدر حكمًا باقتصار المقامات عليها، قائلًا: (وغير ذلك) (١)، أما في عوارف المعارف؛ فقد عدت بعشرة: التوبة، والورع، والزهد، والصبر، والفقر، والشكر، والخوف والرجاء، والتوكل، والرضا. (٢)
هذا وقد عد بعض الصوفية الفناء والبقاء، والجمع والفرق من الأحوال، وعدها البعض من المقامات، والبعض جوز كليهما، فيكون الفناء في مبدأ الأمر حالًا؛ فإذا
стр. 701
استقر العبد عليه صار مقامًا، فحين يعرض الكلاباذي لأقوالهم في الفناء يكشف عن هذا الاضطراب، وذلك في مسألة دوام الفناء للعبد، حيث يذهب البعض إلى أن "حالة الفناء لا تكون على الدوام، لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركتها في أمور معيشتها".
بينما يذهب البعض الآخر؛ كالجنيد، والخراز إلى أنه لا يمكن رد الفاني إلى البقاء، وحجتهم "أن مقام الفناء لا يدرك بالاكتساب فيجوز أن يكتسب ضده" (١).
وقد يرى البعض عدم التمييز؛ فيجعلها حالًا واحدة (٢).
ولا عجب؛ إذا علم أن مستند القوم في كل ما ذهبوا إليه هو الذوق والتجربة الشعورية، فكل منهم يعبر ويحكم بحسب ما وقع له، لذا كان من الصعب الوصول إلى حكم يصح طرده في ما آل إليه المقام والحال، وهذا يرجع إلى انعدام الأسس العلمية عندهم. والآن مع عرض أقوال المتصوفة في هذه المقامات:
الفناء والبقاء:
يقول الجرجاني معرفا الفناء بأنه "سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء: وجود الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان، أحدهما ما ذكر، وهو بكثرة الرياضة والثاني؛ عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق (٣).
ويقول الكلاباذي: "الفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ؛ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، ويسقط عنه التمييز فناء عن الأشياء كلها وشغلًا بما فنى به.
والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله".
وهو إذ يعرف الفناء بما يوهم استواء الأمور لدى الفاني حتى يسقط عنه التمييز، فإنه يبين أن من محترزات التعريف: "أن تصير المخالفات له موافقات - بل - ألَّا يجرى عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه". (٤)
стр. 702
ويقول ابن عربي الغالي: "الفناء: رؤية العبد للعلة بقيام الله على ذلك، والبقاء: رؤية العبد قيام الله على كل شيء". (١)
ولمقام الفناء أحوال، حيث يكون الصوفي فيه عرضة للشطح، ويعرف الشطح بأنه: "عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى" (٢).
والصوفية إزاء هذه الشطحات على صنفين، فصنف لا يرى موافقة قائلها، ويقوم بتبرير فعله، حيث سلب منه الشعور، ونطق به لسان حاله؛ فلا يمكن الوقوف على كنه ما ينطق به، إلا بالترقى إلى ما وصل إليه. (٣)
وصنف آخر؛ يرون أنها عين الحقيقة، فلا يجدون فيها ما يشين، وهم في التصريح بهذا على درجات، فقد يقرون بها ولكن مع تأويل لظاهرها، بحيث يخفف من حدة خروجها على الشرع.
هذا والعناصر الضرورية لوجود ظاهرة الشطح؛ كالتالي: "شدة الوجد، أن تكون التجربة تجربة اتحاد، أن يكون الصوفي في حال سكر، أن يتم هذا كله والصوفي في حال من عدم الشعور". (٤)
الجمع والفرق:
أما عن بقية المقامات، كالجمع والفرق وجمع الجمع، والفرق الثاني فقد تتداخل معانيها مع مقام الفناء والبقاء؛ إلا أنه قد يعبر عنها بصورة أكثر عمقًا، يقول الكاشاني في معنى الجمع: "شهود الحق بلا خلق.
وجمع الجمع: شهود الخلق قائمًا بالحق، ويسمى الفرق بعد الجمع" (٥).
يقول ابن عربي في الجمع: هو الاستهلاك بالكلية في الله.
стр. 703
أما الفرق الأول: فهو الاحتجاب بالخلق عن الحق، وبقاء الرسوم الخلقية بحالها، ويقول ابن عربى: هو إشارة إلى خلق بلا حق، وقيل مشاهدة العبودية. (١)
الفرق الثاني: هو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب صاحبه بأحدهما عن الآخر. (٢)
وهو بهذا المعنى يصرح بوحدة الوجود، التي تبلورت فكرتها على يده.
ويعرف المناوي هذه المقامات، فيقول: الجمع "إشارة إلى حق بلا خلق، وقيل: لمشاهدة العبودية، وقيل: الفرق ما نسب لك والجمع ما سلب عنك. . . .
- وجمع الجمع: مقام أتم وأعلى من الجمع، فالجمع شهود الأشياء بالله، والتبرى من الحول والقوة، وجمع الجمع: الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله، وهو المرتبة الأحدية". (٣)
وفي بيان هذه المرتبة، يقول الجرجاني: "الأحدية إذا أخذت حقيقة الوجود بشرط ألا يكون معها شيء، فهي المرتبة المستهلكة جميع الأسماء والصفات، فهي تسمى جمع الجمع" (٤).
ومن هنا فإن غاية هذه المقامات المتتالية؛ الوصول إلى مرتبة الفناء التام، بحيث لا تبقى حقيقة إلا حقيقة الوجود، وهذا تصريح بأن غاية الفكر الصوفي: وحدة الوجود، والصوفية في تحقيق هذه الرتبة على اختلاف؛ فمنهم من يرجعها إلى ما فسرها به ابن عربي، ومنهم من يرى التخفيف، فيبقى الشهود أقصى ما يراد.
ويأتي التعبير عن بلوغ السالك أقصى هذه المقامات بالوصل، أو وصل الوصل، فـ: "الواصل - عندهم - من اتصل بمحبوبه دون كل شيء سواه، وغاب عن كل شيء سواه". (٥)
стр. 704
وكأنه أعمق ما يراد من معاني الفناء، الذي به تتحقق الولاية عندهم.
ويرى الصوفية أن السالك قد يتعرض في مقامه لأنواع من الأحوال، منها السكر والصحو وغير ذلك، ومع إمكان التجوز، إلا أن غالب الصوفية على عدها من الأحوال، يقول القشيري: "الصحو: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة، والسكر غيبة بوارد قوي" ويرى الفرق بينهما في أن صاحب السكر قد يكون فيه نوع من الإحساس؛ بخلاف الغيبة، وذلك في حال عدم استيفاء الوارد، وقد يفوق حال صاحب السكر الغيبة مع قوة الوارد.
وأن السكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد، فعندما يكاشف العبد يحصل له السكر والطرب. (١)
- رأي الشيخ الصاوي:
عند تتبع أقوال الصاوي في مسألة المقامات من خلال مؤلفاته المتعددة؛ يجد الباحث إعراضًا عن كثير من المقامات، التي كانت محل اهتمام الصوفية بل وإجماعهم، فالصاوى عند بيانه لأقسام المقامات لم يذكر التوبة والشكر والرضا والصبر وغير ذلك، وقد اقتصر في حديثه عنها على ما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده بالمفهوم الصوفي، فالفناء والبقاء والجمع والفرق ونحو ذلك كان محل اهتمامه، حيث اعتمدها مفصلًا ما يتعلق بها من أحكام بالشرح والتوضيح، ولعل لهذا المسلك من الصاوي أسبابًا نبه إليها في بدء حديثه عن التصوف، وذلك لأنه عند ذكر مبادئ هذا العلم عمد إلى القول بأن نسبته فرع علم التوحيد، وقد سبقت الإشارة إلى أن مفهوم التوحيد عند الأشاعرة والصوفية يعني؛ معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.
ومن هنا كان اهتمامه جليًا في تفصيل هذه المقامات، وتوضيحها للمريد، بل والذب عنها، والتأصيل لها، وسيأتي تفصيل كلٍّ فيما خصص له.
стр. 705
وإذا كانت الإشارة قد سبقت إلى أن المصطلحات الصوفية بعامة؛ تستند في التعبير عنها إلى مفاهيم ذوقية، تبعد كل البعد عن المقاييس والاعتبارات العلمية، لذا فهي تميل إلى وصف حالة شعورية أكثر من أن تحدد ماهيتها أو تفصح عن حقيقتها، فإن هذا ما يؤكده الصاوي، حيث يقول: "البقاء بالله، والفناء في الله، أخلاق ذوقية، لا تعلم إلا بالذوق، والعبارة عنهما لا تفيد شيئًا".
ومع هذا فإننا نجد عبارات كثيرة من الصاوي؛ تحاول تقريب هذه المصطلحات إلى ذهن القارئ، ولعل كتابه المسمى بشرح الصلوات الدرديرية هو الذي نعتمده في هذا المقام، حيث التفصيل والتوضيح للكثير من هذه المصطلحات ولكن دون أن يشير إلى الفرق بين المقام والحال، وهو بهذا قد يتجوز في العبارة؛ فيتكلم عن المقام بلفظ الحال أو العكس.
يقول مفصلًا القول في عدد المقامات والمراد من كل واحد منها؛ حسب الفهم الصوفي، وذلك في شرحه لواحدة من الصلوات المبتدعة:
" المقامات ثلاثة:
- مقام المحجوبين السائرين إلى الله، المستدلين بالصنعة على الصانع.
- مقام أهل الفناء المحض، الذين غرقوا في توحيد الأحدية، فلم يشهدوا سوى ذات الله تعالى.
ولما كان هذا المقام مقام سكر، وخروج عن طور البشرية، وعن حدة التكليف، قال - في صلاته -: وانشلنى من أوحال التوحيد.
- "مقام أهل البقاء بعد الفناء: وهم الذين يشهدون الصنعة بوجود الصانع؛ لكونهم شهدوا قبل كل شيء ذات مولاهم وصفاته وأسمائه".
ويسمى هذه المرتبة بالوحدة، ويرى أن من بلغها فقد بلغ منابع الصدق مع الله في عبادته، يقول: "فالعارف يرى الله قبل الآثار، ويستدل بالله على ثبوت الآثار، والمحجوب يرى الآثار قبل شهود الله؛ فيستدل بالآثار على الله.