استقر العبد عليه صار مقامًا، فحين يعرض الكلاباذي لأقوالهم في الفناء يكشف عن هذا الاضطراب، وذلك في مسألة دوام الفناء للعبد، حيث يذهب البعض إلى أن "حالة الفناء لا تكون على الدوام، لأن دوامها يوجب تعطيل الجوارح عن أداء المفروضات وعن حركتها في أمور معيشتها".
بينما يذهب البعض الآخر؛ كالجنيد، والخراز إلى أنه لا يمكن رد الفاني إلى البقاء، وحجتهم "أن مقام الفناء لا يدرك بالاكتساب فيجوز أن يكتسب ضده" (١).
وقد يرى البعض عدم التمييز؛ فيجعلها حالًا واحدة (٢).
ولا عجب؛ إذا علم أن مستند القوم في كل ما ذهبوا إليه هو الذوق والتجربة الشعورية، فكل منهم يعبر ويحكم بحسب ما وقع له، لذا كان من الصعب الوصول إلى حكم يصح طرده في ما آل إليه المقام والحال، وهذا يرجع إلى انعدام الأسس العلمية عندهم. والآن مع عرض أقوال المتصوفة في هذه المقامات:
الفناء والبقاء:
يقول الجرجاني معرفا الفناء بأنه "سقوط الأوصاف المذمومة، كما أن البقاء: وجود الأوصاف المحمودة، والفناء فناءان، أحدهما ما ذكر، وهو بكثرة الرياضة والثاني؛ عدم الإحساس بعالم الملك والملكوت، وهو بالاستغراق في عظمة الباري ومشاهدة الحق (٣).
ويقول الكلاباذي: "الفناء هو أن يفنى عنه الحظوظ؛ فلا يكون له في شيء من ذلك حظ، ويسقط عنه التمييز فناء عن الأشياء كلها وشغلًا بما فنى به.
والبقاء الذي يعقبه هو أن يفنى عما له ويبقى بما لله".
وهو إذ يعرف الفناء بما يوهم استواء الأمور لدى الفاني حتى يسقط عنه التمييز، فإنه يبين أن من محترزات التعريف: "أن تصير المخالفات له موافقات - بل - ألَّا يجرى عليه إلا ما أمر به وما يرضاه الله تعالى دون ما يكرهه". (٤)
стр. 702
ويقول ابن عربي الغالي: "الفناء: رؤية العبد للعلة بقيام الله على ذلك، والبقاء: رؤية العبد قيام الله على كل شيء". (١)
ولمقام الفناء أحوال، حيث يكون الصوفي فيه عرضة للشطح، ويعرف الشطح بأنه: "عبارة عن كلمة عليها رائحة رعونة ودعوى" (٢).
والصوفية إزاء هذه الشطحات على صنفين، فصنف لا يرى موافقة قائلها، ويقوم بتبرير فعله، حيث سلب منه الشعور، ونطق به لسان حاله؛ فلا يمكن الوقوف على كنه ما ينطق به، إلا بالترقى إلى ما وصل إليه. (٣)
وصنف آخر؛ يرون أنها عين الحقيقة، فلا يجدون فيها ما يشين، وهم في التصريح بهذا على درجات، فقد يقرون بها ولكن مع تأويل لظاهرها، بحيث يخفف من حدة خروجها على الشرع.
هذا والعناصر الضرورية لوجود ظاهرة الشطح؛ كالتالي: "شدة الوجد، أن تكون التجربة تجربة اتحاد، أن يكون الصوفي في حال سكر، أن يتم هذا كله والصوفي في حال من عدم الشعور". (٤)
الجمع والفرق:
أما عن بقية المقامات، كالجمع والفرق وجمع الجمع، والفرق الثاني فقد تتداخل معانيها مع مقام الفناء والبقاء؛ إلا أنه قد يعبر عنها بصورة أكثر عمقًا، يقول الكاشاني في معنى الجمع: "شهود الحق بلا خلق.
وجمع الجمع: شهود الخلق قائمًا بالحق، ويسمى الفرق بعد الجمع" (٥).
يقول ابن عربي في الجمع: هو الاستهلاك بالكلية في الله.
стр. 703
أما الفرق الأول: فهو الاحتجاب بالخلق عن الحق، وبقاء الرسوم الخلقية بحالها، ويقول ابن عربى: هو إشارة إلى خلق بلا حق، وقيل مشاهدة العبودية. (١)
الفرق الثاني: هو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب صاحبه بأحدهما عن الآخر. (٢)
وهو بهذا المعنى يصرح بوحدة الوجود، التي تبلورت فكرتها على يده.
ويعرف المناوي هذه المقامات، فيقول: الجمع "إشارة إلى حق بلا خلق، وقيل: لمشاهدة العبودية، وقيل: الفرق ما نسب لك والجمع ما سلب عنك. . . .
- وجمع الجمع: مقام أتم وأعلى من الجمع، فالجمع شهود الأشياء بالله، والتبرى من الحول والقوة، وجمع الجمع: الاستهلاك بالكلية والفناء عما سوى الله، وهو المرتبة الأحدية". (٣)
وفي بيان هذه المرتبة، يقول الجرجاني: "الأحدية إذا أخذت حقيقة الوجود بشرط ألا يكون معها شيء، فهي المرتبة المستهلكة جميع الأسماء والصفات، فهي تسمى جمع الجمع" (٤).
ومن هنا فإن غاية هذه المقامات المتتالية؛ الوصول إلى مرتبة الفناء التام، بحيث لا تبقى حقيقة إلا حقيقة الوجود، وهذا تصريح بأن غاية الفكر الصوفي: وحدة الوجود، والصوفية في تحقيق هذه الرتبة على اختلاف؛ فمنهم من يرجعها إلى ما فسرها به ابن عربي، ومنهم من يرى التخفيف، فيبقى الشهود أقصى ما يراد.
ويأتي التعبير عن بلوغ السالك أقصى هذه المقامات بالوصل، أو وصل الوصل، فـ: "الواصل - عندهم - من اتصل بمحبوبه دون كل شيء سواه، وغاب عن كل شيء سواه". (٥)
стр. 704
وكأنه أعمق ما يراد من معاني الفناء، الذي به تتحقق الولاية عندهم.
ويرى الصوفية أن السالك قد يتعرض في مقامه لأنواع من الأحوال، منها السكر والصحو وغير ذلك، ومع إمكان التجوز، إلا أن غالب الصوفية على عدها من الأحوال، يقول القشيري: "الصحو: رجوع إلى الإحساس بعد الغيبة، والسكر غيبة بوارد قوي" ويرى الفرق بينهما في أن صاحب السكر قد يكون فيه نوع من الإحساس؛ بخلاف الغيبة، وذلك في حال عدم استيفاء الوارد، وقد يفوق حال صاحب السكر الغيبة مع قوة الوارد.
وأن السكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد، فعندما يكاشف العبد يحصل له السكر والطرب. (١)
- رأي الشيخ الصاوي:
عند تتبع أقوال الصاوي في مسألة المقامات من خلال مؤلفاته المتعددة؛ يجد الباحث إعراضًا عن كثير من المقامات، التي كانت محل اهتمام الصوفية بل وإجماعهم، فالصاوى عند بيانه لأقسام المقامات لم يذكر التوبة والشكر والرضا والصبر وغير ذلك، وقد اقتصر في حديثه عنها على ما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده بالمفهوم الصوفي، فالفناء والبقاء والجمع والفرق ونحو ذلك كان محل اهتمامه، حيث اعتمدها مفصلًا ما يتعلق بها من أحكام بالشرح والتوضيح، ولعل لهذا المسلك من الصاوي أسبابًا نبه إليها في بدء حديثه عن التصوف، وذلك لأنه عند ذكر مبادئ هذا العلم عمد إلى القول بأن نسبته فرع علم التوحيد، وقد سبقت الإشارة إلى أن مفهوم التوحيد عند الأشاعرة والصوفية يعني؛ معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.
ومن هنا كان اهتمامه جليًا في تفصيل هذه المقامات، وتوضيحها للمريد، بل والذب عنها، والتأصيل لها، وسيأتي تفصيل كلٍّ فيما خصص له.
стр. 705
وإذا كانت الإشارة قد سبقت إلى أن المصطلحات الصوفية بعامة؛ تستند في التعبير عنها إلى مفاهيم ذوقية، تبعد كل البعد عن المقاييس والاعتبارات العلمية، لذا فهي تميل إلى وصف حالة شعورية أكثر من أن تحدد ماهيتها أو تفصح عن حقيقتها، فإن هذا ما يؤكده الصاوي، حيث يقول: "البقاء بالله، والفناء في الله، أخلاق ذوقية، لا تعلم إلا بالذوق، والعبارة عنهما لا تفيد شيئًا".
ومع هذا فإننا نجد عبارات كثيرة من الصاوي؛ تحاول تقريب هذه المصطلحات إلى ذهن القارئ، ولعل كتابه المسمى بشرح الصلوات الدرديرية هو الذي نعتمده في هذا المقام، حيث التفصيل والتوضيح للكثير من هذه المصطلحات ولكن دون أن يشير إلى الفرق بين المقام والحال، وهو بهذا قد يتجوز في العبارة؛ فيتكلم عن المقام بلفظ الحال أو العكس.
يقول مفصلًا القول في عدد المقامات والمراد من كل واحد منها؛ حسب الفهم الصوفي، وذلك في شرحه لواحدة من الصلوات المبتدعة:
" المقامات ثلاثة:
- مقام المحجوبين السائرين إلى الله، المستدلين بالصنعة على الصانع.
- مقام أهل الفناء المحض، الذين غرقوا في توحيد الأحدية، فلم يشهدوا سوى ذات الله تعالى.
ولما كان هذا المقام مقام سكر، وخروج عن طور البشرية، وعن حدة التكليف، قال - في صلاته -: وانشلنى من أوحال التوحيد.
- "مقام أهل البقاء بعد الفناء: وهم الذين يشهدون الصنعة بوجود الصانع؛ لكونهم شهدوا قبل كل شيء ذات مولاهم وصفاته وأسمائه".
ويسمى هذه المرتبة بالوحدة، ويرى أن من بلغها فقد بلغ منابع الصدق مع الله في عبادته، يقول: "فالعارف يرى الله قبل الآثار، ويستدل بالله على ثبوت الآثار، والمحجوب يرى الآثار قبل شهود الله؛ فيستدل بالآثار على الله.
стр. 706
وقد علمت أن من غرق في عين بحر الوحدة؛ يكون باقيًا بالله ولا بد، لا بنفسه ولا بشيء سوى الله، لأنه يرى الأكوان كظل الشخص" (١).
وبهذا المعنى الذي فسر به المقام المسمى بالبقاء، والذي عبر عنه بشهود الذات متصفة بالأسماء والصفات؛ فإنه يفسر المعتقد الصوفي الفلسفي المسمى بوحدة الوجود:
يقول: "وهذا المقام يسمى: بوحدة الوجود، ولا يدركه الشخص إلا بعد الفناء في الأحدية، ووحدة الوجود هذه يسمى صاحبها: في مقام البقاء، ويسمى غرقان في بحر الوحدة، التي هي شهود المولى من حيث قيام الأسماء والصفات به (٢).
وكان لهذا المقام تسمية خاصة عند الصوفية، تكشف عن حقيقة الأحكام المتعلقة بهذه المرتبة، هي: حضرة الإطلاق، فليس بمخفى ما تنطوى عليه هذه التسمية من إباحة الخروج عن كل القيود، يقول في شرح إحدى الصيغ المبتدعة: [وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة تدخلنا بها حضرة الإطلاق]: "أي حضرة هي الإطلاق، أي من قيد الأقفاص، أي من الطبائع الجسمانية؛ بأن يخرج العبد من أسر الطبيعة، ومن سائر الحجب الظلمانية والنورانية؛ فيصير حرًا لخروجه عن شوائب الرقية، وهذا معنى قول صاحب السحر: "اللهم إنك فتحت أقفال قلوب أهل الاختصاص، وخلصتهم من قيد الأقفاص، فخلص سرائرنا من التعلق بملاحظة سواك، وافننا عن شهود أنفسنا؛ حتى لا نشهد إلا إياك"، لأن مراده بالأقفاص الأجسام، وقيدها طبائعها، وهي الحجب النفسانية: ظلمانية أو نورانية.
وقد أشار لهذا المعنى محمد بن وفا (٣)، بقوله:
وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا ... فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر".
стр. 707
فصاحب هذا الوصف يقال له في اصطلاح القوم: في "حضرة الإطلاق" ويقال له: من الأحرار؛ "لكونه طلوقًا من طبائعه، ومن كل ما سوى مولاه، باقٍ بربه لا يشهد إلا علاه" (١).
ومرة أخرى يعرض لبيان هذه المقامات؛ ولكن في حالة خاصة، وهي حالة الاستغراق مع الذكر، يقول: "الله الله الله كرره ثلاثًا، إشارة إلى أن المراتب ثلاثة: توحيد الأفعال، والصفات، والذات، فإذا قال: الله، شاهد أفعاله في خلقه، وإذا قالها ثانيًا: شاهد الصفات، فيشاهد أن الله متصف بكل كمال، وإذا قالها ثلاثًا: ارتقى لمشاهدة الذات، فيشهدها بدون الصفات، وهي مرتبة أهل الفناء، أو مع الصفات والأفعال، وهذه مرتبة أهل البقاء" (٢).
ويقول في حال الاستغراق مع الذكر الصوفي المعروف (الله): "إن من داوم على ذكره في خلوة مجردًا، بأن يقول: الله الله؛ حتى يغلب عليه منه حال، شاهد عجائب الملكوت، يقول بإذن الله للشيء كن فيكون، وهو ذكر الأكابر من المولهين وأرباب المقامات، وأهل الكشف التام" (٣).
* * *
ولم تكن هذه المقامات الثلاثة؛ هي منتهى المقامات المعروفة عند الصوفية، وهذا ما فصل الصاوي القول به عند شرحه لبيت الدردير في منظومته:
وجد لي بجمع الجمع فضلًا ومنة ... وداوى بوصل الوصل روحي من الضنا.
يقول معربًا القول في معاني هذه الكلمات، التي سألها الدردير في دعائه:
"اعلم أن لهم مقامًا يقال له: الفناء.
ومقامًا يقال له: البقاء، والجمع والفرق.
стр. 708
ومقامًا يقال له: جمع الجمع.
ومقامًا يقال له: الفرق الثاني.
ومقامًا يقال له: الوصل.
ومقامًا يقال له: وصل الوصل".
وبعد هذا التقسيم المجمل يشرع في بيان حقيقة هذه المقامات بما يماثل ما تقدم من أقواله، وبذلك في المقامين الأولين، ولكنه يزيد في إيضاح سبب تسمية مقام البقاء بالجمع والفرق، فيقول: "ومشاهد الوحدة مشاهد للذات متصفة بالأسماء والصفات مثبتًا للآثار، جامعًا بين الحق والخلق، وهذا هو الكمال بعينه، فلذلك قالوا: لا بد لكل فناء من بقاء، ومقام البقاء هذا هو المسمى بالجمع والفرق، فجمعه شهود لربه، وفرقه شهود لصنعه.
أما عن المقامات التالية لهذا المقام؛ فكلامه في توضيحها وبيان ما يختص بها من أحكام هو التالى:
"أما الجمع: فهو مقام أعلى من البقاء، وهو أن يأخذه الحق بعد بقائه، فيسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكًا بالكلية عما سوى الله تعالى، فمنهم من يبقى بهذه السكرة إلى الموت كالسيد البدوي (١)، ولذلك قال العارفون: إنه جذب جذبة استغرقه إلى الأبد، ومنهم من يرد إلى الصحو عند أوقات الفرائض، والقيام بأمور الخلق، كالسيد الدسوقي (٢) وأضرابه والمؤلف؛ فيكون رجوعًا لله بالله، لا للعبد بالعبد".
стр. 709
ومن هذا الرجوع يأتي بيان المقام الذي يليه وهو الفرق الثاني، يقول: "وهذا الرجوع يسمى بالفرق الثاني.
وأما الوصل؛ فهو تلذذ القلب بشهود الحق بعد زوال الحجب الظلمانية والنورانية. فإن دام له الشهود يقال له: وصل الوصل، أي الوصل الكامل، كقولهم: سر السر، وعين العين، مبالغة في كمال الشيء". (١)
* * *
المناقشة:
إن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته الحسنى، وبكماله المنزه عن المثيل والشريك؛ حقيقة فطرية أقامها المولى في قلب كل العباد، يوم أخذ الميثاق عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾
فالفطرة السليمة لا تدل على مجرد معرفة الله تعالى، أو الإقرار بوجوده؛ بل إن ذلك الإقرار ليتضمن من الإيمان بحقائق الكمال ما يعجز المنصف عن إنكاره؛ إذ حقيقة الإقرار بوجود الله تعالى تعني الإيمان بربوبيته، والربوبية هي اعتقاد تفرد الرب تعالى بكل صفات الغنى والقوة والكمال والإحاطة والصمدية، وكل ما يقتضى قيامه تعالى بأفعال الربوبية، ولم تكن هذه الحقيقة بمكان ينازع فيه العقلاء؛ حتى أن كفار قريش عندما أنكر عليهم الباري عبادتهم غير الله بالسؤال عن خالقهم؛ لم يملكوا سوى الإقرار بربوبيته تعالى.
كما أن الالتجاء إلى الله تعالى في البأساء والضراء مما غرس إرادته في النفس
стр. 710
البشرية، حتى إذا خلصت من الأهواء والشهوات لمكان نزول الضر، الذي استقر في صميمها أن دفعه لا يكون إلا من جهة الرب، سكنت بكليتها لهذا النداء الفطري، واتجهت برفع الأيدي؛ لتترجم مقتضى هذه الفطرة، بكلمات تضم صراحة أعلى درجات الإيمان بالله تعالى، والإقرار بكمال ربوبيته وجلاله وعظمته، ولهذا أشار الحق بقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧].
ومن هنا كان الاستدلال بالخلق على الخالق تعالى؛ هو من قبيل الكشف عن هذه الحقيقة الفطرية المغروسة في النفس البشرية، ومن ثم تنبيهها إذا أصابتها الغفلة أو علاها النسيان، ولهذا امتدح المولى تعالى عباده الذين يتفكرون في عظيم مخلوقاته؛ إذ يتحقق بذلك استشعار عظمة الله تعالى، ومن ثم إخلاص العبادة له على وجه يتم به تحقيق مقتضى الإيمان من التسليم لمراضى الرب تعالى، وعلى هذا فليس الاستدلال بالخلق على الحق سبحانه هو مقام المحجوبين؛ كما يدعي الصاوي، بل حقيقة هذا الاستدلال إن صح إطلاق ذلك المسمى عليه؛ ترتيب مقدمات ضرورية فطرية، تسلم أيضًا إلى نتيجة فطرية، فكون هذه الموجودات مخلوقة؛ فمن الأمور الفطرية، التي لم يمارى فيها من لم تدنسه أوهام الفلسفات، وكونها مخلوقة لله تعالى فهي أيضًا من الأمور الفطرية، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].
* * *
- وقبل الخوض في مسألة المقامات التي اعتمدها الصاوي، لا بد أولًا من توجيه الألباب إلى أن كل هذه المصطلحات من البدع الحادثة، التي لم تصل إلينا بطريق معتمد، يتحقق به التشريع والتعبد، ولكن لما اشتهر الحديث عنها بين الصوفية على طبقاتهم المختلفة؛ فكان منهم أهل تقوى وورع وعلم، وكان منهم من هو بخلاف ذلك، ممن تستر بهذه التسمية ليدخل على الإسلام والمسلمين أشد أنواع الفتن في الدين، عمد أهل التحقيق بدافع الورع والإنصاف إلى تحليل هذه المفاهيم الذوقية،
стр. 711
وعرضها على منهج السلف الكرام، فقبلوا ما كان موافقًا لذلك منها، وردوا ما خالف وخرج عن النهج القويم، تمامًا كما اجتهدوا في النصح لدين الله تعالى في مواجهة ما أحدثه المتكلمون من استخدام ألفاظ مبتدعة، كالجوهر والعرض والتحيز والجهة، إلى غير ذلك مما أقاموا عليه صرح مواقفهم الكلامية في بناء العقيدة على أسس ليس لها من الإسلام مستمد، فكانوا كمن رفع بنيانه على شفا جرف هار لم يتمالك أمام معاول النصح الصادق لدين الله تعالى، فانهار على أم رأسه، وبقى الحق موقوفًا على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة.
ومن هنا قام أهل العلم؛ بدافع الإنصاف والتحقيق إلى سبر أغوار هذه المصطلحات، وعرضها على النهج القويم، فقبلوا منها ما استقام معناه وردوا ما أجحف وضل وغاب عن الحق، ليس من باب التسليم بصحة ما ذهب إليه أولئك، وإنما من باب إقامة الحجة، ورد الباطل، والدفاع عن العقيدة الصحيحة، مع الالتزام بآداب الجدال الصحيح، الذي تقوم أركانه على الاعتدال والتوسط مع رد المتشابه إلى المحكم؛ تمسكًا بحقيقة الحكمة التي أنيط بتحقيقها صدق الدعوة إلى الله تعالى.
فالفناء والبقاء والجمع والفرق والصحو والمحو والسكر والوجد، كلها مصطلحات غريبة المبنى والمعنى، لا يمكن أن تعتمد في بناء العقيدة، وهي معرفة الله تعالى وتوحيده والإيمان به، ويتضح هذا إذا علم على جهة اليقين بأن أعظم رسالة للأنبياء والرسل كانت في بناء هذه العقيدة في قلوب الناس، فكيف يغفل خيرة خلق الله تعالى وأبرهم قلوبًا وأصدقهم إيمانًا، أولئك الذين اختارهم الله ليكونوا ترجمانًا حيًا لما أوحاه الله إليهم يصدق بكل ما جاءوا به من عند الله تعالى، كيف يغفل أولئك الأخيار عن هداية الناس لمثل هذه المقامات، التي أناط الصوفية بتحقيقها نيل درجة الولاية: أسمى أماني العبد، الذي يريد أن يكون من أهل هذه البشرى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢].
ولكل الذي تقدم؛ فإن كل ما سيأتي بيانه وتفصيله في ثنايا دراسة هذه المقامات
стр. 712
تحليلًا وعرضًا ونقدًا، فإنما يستمد من طريقة أولئك العلماء؛ نصحًا لدين الله تعالى، واستجابة لداعى الإنصاف والعدل.
* * *
أولًا: تعريف الفناء:
لما كان الفناء هو أول المقامات الآنفة الذكر، وكان بمثابة البوابة التي دخل منها أهل التصوف إلى درجات الترقى في سلم الوصول إلى الولاية؛ كما اعتقدوا بغير سلطان آتاهم، صح أن أبدأ الحديث به.
فإن ما ادعاه الصاوي من أن مقام الكمل في التوحيد هو مقام الفناء، حيث لا يشهد العبد سوى ذات الله تعالى، فليس بمسلم له، فإن تفصيل القول فيه كما يلي: أن للفناء أقسام بعضه مقبول، بل عليه مدار التوحيد، وهو الفناء عن عبادة السوى.
وبعضه مردود؛ باعتبار ما فيه من الابتداع، الذي قد يؤدى بصاحبه إلى بوابة الإلحاد، وهو الفناء عن شهود السوى، وغايته تعمق في توحيد الربوبية، وشهود للقدر.
وبعضه كفر بواح، مناقض للدين بالكلية، وهو الفناء عن وجود السوى، فليس ثمة موجود إلا الله، وهذا ما حكاه ابن عربي وأمثاله من الملاحدة.
ولكن لما كانت هذه المصطلحات؛ كما هو واضح من التقسيم السابق، محل اشتباه وإيهام؛ فقد حذر من الاغترار بها العلماء، "فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية، دخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق، وأراد قدماء الصوفية بالفناء نسيان المخلوقات، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله، ولا يسلم إليهم هذا أيضًا، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات، ورؤيتها والإقبال عليها، وتعظيم خالقها" (١).
وأدع تفصيل القول فيما يقبل منه وما يرد - إنصافًا وتحقيقًا - لشيخ الإسلام
стр. 713
- ﵀؛ فقد أتم بيان ذلك، حيث يقول: "الفناء ثلاثة أقسام: فناء عن وجود "السوى"، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة "السوى":
فالأول؛ هو فناء أهل الوحدة الملاحدة؛ كما فسروا به كلام الحلاج، وهو أن يجعل الوجود وجودًا واحدًا.
وأما الثاني؛ هو الفناء عن شهود السوى، فهذا هو الذي يعرض لكثير من السالكين؛ كما يحكى عن أبي يزيد وأمثاله، وهو مقام الاصطلام، وهو أن يغيب بموجوده عن وجوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمشهوده عن شهادته، وبمذكوره عن ذكره، فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، وهذا كما يحكى أن رجلًا كان يحب آخر فألقى المحبوب نفسه في الماء؛ فألقى المحب نفسه خلفه، فقال: أنا وقعت فلم وقعت أنت؟ ، فقال: غبت بك عنى، فظننت أنك أنى، فهذا حال من عجز عن شهود شيء من المخلوقات؛ إذا شهد قلبه وجود الخالق، وهو أمر يعرض لطائفة من السالكين، ومن الناس من يجعل هذا من السلوك، ومنهم من يجعله غاية السلوك، حتى يجعلوا الغاية هو الفناء في توحيد الربوبية، فلا يفرقون بين المأمور والمحظور، والمحبوب والمكروه، وهذا غلط عظيم، غلطوا فيه بشهود القدر وأحكام الربوبية عن شهود الشرع والأمر والنهي وعبادة الله وحده وطاعة رسوله، فمن طلب رفع بهذا الاعتبار لم يكن محمودًا على هذا، ولكن قد يكون معذورًا.
وأما النوع الثالث؛ وهو الفناء عن عبادة السوى، فهذا حال النبيين وأتباعهم وهو أن يفنى بعبادة الله عن عبادة ما سواه، وبحبه عن حب ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وطاعته عن طاعة ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه، فهذا تحقيق توحيد الله وحده لا شريك له وهو الحنيفية ملة إبراهيم، ويدخل في هذا أن يفنى عن اتباع هواه بطاعة الله فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطى إلا لله، ولا يمنع إلا لله فهذا هو الفناء الديني الشرعي، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه". (١)
стр. 714
وعليه فإن كل ما أتى الصوفية به في مقام الفناء عن شهود السوى؛ إنما هو من قبيل تقرير المسلمات، والاستدلال لليقينيات، وجعل غاية الطلب في تقرير أمر قد سلم له الكثير من المشركين، والكفرة المارقين، "وهذا الموضع وقع فيه من الشيوخ الكبار من شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وهؤلاء غاية توحيدهم هو توحيد المشركين، الذين كانوا يعبدون الأصنام، الذين قال الله عنهم: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] " (١)
أحكام الفناء:
أما عن الأحوال التي قد تعترض صاحب هذا المقام من الذهول والخروج عن طور التكليف؛ كما بين الصاوي، حتى سوغ لصاحبه هذا المقال الشنيع، وهو قوله: انشلنى من أوحال التوحيد، الذي صار ذكر أكابر المولهين من أصحاب الطرق الصوفية المتأخرة، لمن الأمور التي يعلم بطلانها بالضرورة من دين الإسلام، وهذه المقولة وأمثالها من شطحات الصوفية قد فصل العلماء في بيان حكم قائلها بما يقطع عدم إرادتها من جهة الشرع، فليس يخرج قائلها عن قولها: إما بعمد، أو غلبة حال.
فإن كان الأول؛ فهو كافر مارق، وهذا من ألفاظ الردة؛ لأن فيها استهزاء بالدين، ووصفًا للب الدين، وحقيقة العبودية؛ بما يستقذر منه.
وأما إن قالها عن غلبة حال؛ فهو معذور لزوال عقله، ومن هنا فليس حاله حال كمال، بل هو حال نقص، لأن زوال العقل مما لا مدح فيه.
وإن كان زوال عقله بقصد وتعمد فهو آثم؛ لأنه سلك غير سبيل المؤمنين، التي
стр. 715
كان عليها الصحابة - رضوان الله عليهم - في طلب القرب من المولى تعالى، وإن كان قد وصل إلى ما وصل بلا تعمد؛ كحال بعض المجانين، الذين عظم شأنهم الصوفية فهؤلاء معذورون، والإثم يلحق بمن عظم كلامهم حال اصطلامهم، يقول شيخ الإسلام ﵀: "فمثل هذه الحال التي يزول فيها تمييزه بين الرب والعبد، وبين المأمور والمحظور، ليست علمًا ولا حقًا، بل غايته أنه نقص عقله، الذي يفرق به بين هذا وهذا، وغايته أن يعذر، لا أن يكون قوله تحقيقًا". (١)
ولا شك أن هذا كله من كيد الشيطان، يقول الإمام ابن القيم في بيان ما لبس عليهم من وحيه وكذبه: "ومن كيده: ما ألقاه إلى جهال المتصوفة من الشطح والطامات، وأبرزه لهم في قالب الكشف من الخيالات، فأوقعهم في أنواع الأباطيل والترهات، وفتح لهم أبواب الدعاوى الهائلات، وأوحى إليهم: أن وراء العلم طريقًا إن سلكوه أفضى بهم إلى كشف العيان، وأغناهم عن التقيد بالسنة والقرآن، فحسن لهم رياضة النفوس وتهذيبها، وتصفية الأخلاق، والتجافي عما عليه أهل الدنيا وأهل الرياسة والفقهاء وأرباب العلوم، والعمل على تفريغ القلب وخلوه من كل شيء، حتى ينتقش فيه الحق بلا واسطة تعلم، فلما خلا من صورة العلم الذي جاء به الرسول؛ نقش فيه الشيطان بحسب ما هو مستعد له، فلغير الله لا له سبحانه ما يفتحه عليهم الشيطان من الخيالات والشطحات". (٢)
ثانيًا: تعريف البقاء:
أما عن حقيقة البقاء الشرعية، فإذا كان الفناء عن إرادة السوى هو حقيقة التوحيد، وغاية الإخلاص لله تعالى، وهو المراد من أنواع الفناء، الذي اجتهد في تحصيلها العباد؛ فما هو البقاء الشرعي المقابل لذلك الفناء، الذي يدعيه أهل البدع والضلالات؟ إن البقاء المحمود؛ كما يقول شيخ الإسلام ﵀، هو ما كان عليه سلف الأمة، وهو البقاء في مراضى الرب تعالى، كما قال - عليه الصلاة
стр. 716
والسلام - في الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشى عليها، ويده التي يبطش بها) (١).
وهذا البقاء لا ينافي الفناء الشرعي، حيث يصير العبد فانيًا "عن تأله ما سوى الله؛ بتأله الله تحقيقًا لقوله: (لا إله إلا الله)، فينفى ويفنى من قلبه تأله ما سواه، ويثبت ويبقى في قلبه تأله الله وحده" (٢).
وكل معنى للبقاء سوى هذا؛ فهو مردود: إما أن يدخل صاحبه في دائرة الابتداع، أو دائرة الكفر بالقول بوحدة الوجود.
أحكام البقاء:
يرى الصاوي أن للبقاء أحكامًا تكون علمًا على بلوغ هذه المرتبة للسالك، فالاستدلال بالصنعة على الصانع عنده هو طريق السالكين الذين لما يصلوا بعد، أما الاستدلال بالله على خلقه فهذا هو صفة الواصلين من أهل البقاء، وغاية ما فيه استغراق في توحيد الربوبية، ولكنه غير كافٍ في بلوغ منازل الكمل من الناجين" فلو أقر رجل بتوحيد الربوبية، الذي يقر به النظار، ويفنى فيه كثير من أهل التصوف، ويجعلونه غاية السالكين، . . .، وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده، ويتبرأ من عبادة ما سواه، كان مشركًا من جنس أمثاله من المشركين" (٣).
ومع ذلك فإنه لا يسلم له أن طريق الاستدلال بالخلق على الخالق طريق السائرين الذين لم يصلوا بعد، بل قد أمر المولى عباده به، ووصف من انتهجه منهم بالعقل والفكر، قال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وسيأتي تفصيله في المبحث التالي بإذن الله.
أما ما ادعاه الصاوي من أن البقاء الذي يتبع الفناء، يطلق العبد من التكاليف، فتخرج أفعاله عن مقتضى الحساب من العقوبة والذنب، فهذا عين التقول الباطل،
стр. 717
قد اعتقد أن العبد إذا استغرق في مقام الفناء؛ فإنه يصل إلى البقاء بربه، حتى يتمكن من شهود ذاته تعالى متصفة بالأسماء والصفات، وبالتالي فإن أفعاله تصير مرادة للحق تعالى مهما كانت على اعتبار موافقتها لأفعال الله القدرية، حيث شهد ذاته تعالى متصفة بصفات الربوبية، فهذا نوع من التعمق في شهود القدر بما لم يشرع، بل هو عين مخالفة أمر النبي ﷺ ، كما أن فيه مماثلة لأفعال المشركين الذين احتجوا بالقدر، وليس لهم حجة في ذلك؛ لقيام الحجة عليهم بالتكليف وإرسال الرسل، وقد سماهم شيخ الإسلام بالإبليسية؛ لموافقتهم إبليس في فعله، والذي يترجح عندي أن هذا الحال مخالف للشطحات التي قد تصدر من الفاني بلا إرادة، لأن البيت الذي استدل به على ما قدم من أحكام وهو: "وبعد الفنا في الله كن كيفما تشا"، فيه إثبات لمشيئة المريد، فليست تخرج أفعاله عن مقتضى إرادته. وهذا هو حقيقة وصفه بالبقاء، ومن ثم فلا حجة له في زوال التمييز؛ لأنه في حالة صحو كما هو ظاهر، وهذا ما يسمى بإسقاط التكاليف.
وعليه فإن في هذا الكلام من إبطال الشرائع، وهدم العقائد ما لا يخفى خطره، ومن ثم فليس يحتاج لهدمه كبير معول، وتكفي الإشارة إلى ما كان عليه النبي ﷺ وهو أكمل العابدين، وأيضًا ما كان عليه الصحابة الكرام - رضوان الله عليهم - من التمسك بشرائع الدين حتى لقوا الله على ذلك، ولا شك أن هذا من الأوهام الصوفية المتأثرة بغثاء الأمم الكافرة من الفلسفة والبوذية وغيرها.
ومن جملة ما ادعاه الصاوي لهذه المرتبة من الأحكام أن يقول صاحب المقام المستغرق في الذكر للشيء كن فيكون بإذن الله، فإن هذا في حقيقة الأمر من أوهام الصوفية التي لا تستند إلى شرع أو عقل، وقد تقدم الحديث عنها في مبحث شهادة التوحيد ونواقضها؛ فإن هذه الكلمة هي مما اختص الله تعالى به لتمام ربوبيته وقيوميته واستغنائه عن كل ما سواه، وقد أتت بما يفيد الحصر، فلا مثيل له ولا رب سواه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]
стр. 718
يقول الإمام ابن جرير في تفسير الآية: "يقول تعالى ذكره: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائنا لهم، ولا في غير ذلك مما نخلق ونكون ونحدث، لأنا إذا أردنا خلقه وإنشاءه، فإنما نقول له: كن فيكون، لا معاناة فيه، ولا كلفة علينا.
واختلفت القراء في قراءة قوله: يكون، فقرأه أكثر قراء الحجاز والعراق على الابتداء، وعلى أن قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كلام تام مكتف بنفسه عما بعده، ثم يبتدأ فيقال: فيكون، كما قال الشاعر: يريد أن يعربه فيعجبه" (١).
ولا شك أن هذا لا يكون إلا لله تعالى، واعتقاد أنه يحصل لغيره من خلقه بإذنه يحتاج إلى دليل يدل عليه، فإن عيسى ﵇ وهو رسول أيده الله بالمعجزات إثباتًا لنبوته وتأييدًا له فأعجز قومه بإذن الله في إبراء الأكمه والأبرص وخلق الطيور من الطين والنفخ فيها، إلى غير ذلك لم يثبت أنه كان ينطق بهذه الكلمة: (كن فيكون) عند فعل هذه الأمور وإنما الذي ثبت أنه كان يدعو الله فيرقي المرضى فيشفيهم الله بحوله وقوته، وهي معجزة قد ثبتت حتى لنبينا ﷺ .
ومن جهة أخرى فإن حقيقة المعجزات أفعال لله تعالى أيد بها عباده المرسلين؛ فلا تصح لأحد غيرهم.
فلما انعدم الدليل المؤيد لهذه المقولة واستبان خواؤها وبعدها عن الحجج البرهانية علم أنها من أوهام الصوفية، والتي تعد من وسائل الشرك الصريح، فإن اعتقاد الإذن لا يكفي في نسبة هذه الأمور التي علم بالضرورة اختصاص المولى بها لغير الله؛ ما لم يدل دليل صريح على إمكانها وحصولها، بل إن هذه المقولات وما يشابهها هي عين ما كان يشتبه على كفار قريش في آلهتهم التي كانوا يعتقدون عبوديتها لله ولكنهم ظنوا أن لها قدرة بإذن ربها على التصريف والعطاء والمنع لمكانتها عنده، فصرفوا لها الآلهة، وكانوا يقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى زلفى.
стр. 719
وهذه المرتبة أشد نكارة من التي قبلها؛ لأن فيها من معاني وحدة الوجود الشيء الكثير، ومع أن الصاوي قد أقر بأن هذا مراد الصوفية من وحدة الوجود إلا أن هذا مما لا يسلم له بإطلاق، لأن وحدة الوجود بالمعنى الصوفي الفلسفي تعني أن عين وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ولأهمية هذه القضية فسيأتي تفصيلها في مبحث مستقل بإذن الله تعالى.
* * *
وقد كان حديثه في باقي المقامات من الجمع والفرق، وجمع الجمع وغير ذلك مما كثر فيه خوض أرباب السلوك والأحوال، من الأمور التي لا يسلم إرادتها من جهة الشرع، وذلك لأنها من البدع المحدثة، التي لم ترد ألفاظها في الكتاب أو السنة، وعليه فمن غير المسلم أن تكون نهاية إرب أهل التوحيد وأولى الاستقامة، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
ثم أن ما تحويه هذه المصطلحات من ألفاظ غريبة، يصعب فهمها، ومعرفة معانيها لكثير من الناس، لما يقطع بعدم اعتمادها في هذه المرادات العظيمة، يقول الإمام ابن القيم ﵀ بعد أن سبر أغوار مذهبهم ومحصه على ضوء الهدى النبوي: "فلا تجد هذا التكلف الشديد، والتعقيد في الألفاظ والمعاني عند الصحابة أصلًا، وإنما يوجد عند من عدل عن طريقهم، وإذا تأمله العارف وجده كلحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فيطول عليك الطريق، ويوسع لك العبارة، ويأتى بكل لفظ غريب، ومعنى أغرب من اللفظ، فإذا وصلت لم تجد معك حاصلًا طائلًا، ولكن تسمع جعجعة ولا ترى طحنًا" (١).
ومن جهة أخرى؛ فإنه لا يخفى ما في هذه الألفاظ والمعاني من التنطع الذي أتى بذمه الكتاب والسنة، وكما يقول ابن القيم ﵀: "فإن لم تكن هذه الألفاظ والمعاني التي نجدها في كثير من كلام هؤلاء تنطعًا؛ فليس للتنطع حقيقة" (٢).
стр. 720
والذي أدى بهم إلى هذا المسلك الضال؛ ما اعتمدوه من إعمال الرأي في دين الله، فضلوا عن المنهج النبوي إلى مثل هذه المحدثات، التي كانت مدخلًا للكثير من أوهام الملحدين والزنادقة والمارقين: أمثال ابن عربي وغيره.
ولما كانت هذه الاصطلاحات المبتدعة من الألفاظ المجملة، التي هي محل اشتباه في مرادها من حيث المعنى، فقد فصل الأئمة في الكلام عنها؛ كما فصلوا في مقام الفناء والبقاء؛ ببيان الوجه المراد منهما، وبيانه كالتالي:
مقام الجمع:
إن حقيقة الجمع في اصطلاح القوم: "شخوص البصيرة إلى من كانت منه المتفرقات كلها" بمعنى أن يقبل العبد بكليته إلى مولاه؛ فلا يبقى لأحد منه التفات، فحقيقته، امتداد لمقام الفناء مع زيادة في المعنى، ولهذا الجمع أنواع: فمنه جمع الوجود، ومنه جمع الشهود، ومنه جمع الإرادة والقصد:
فأما جمع الوجود؛ فهذا هو المعنى الباطل، الذي عليه أهل الإلحاد والزندقة، كما عرفه ابن عربي: هو الاستهلاك بالكلية في الله.
وأما جمع الشهود، فهو كما عبر عنه الصاوي بقوله: أن يسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكًا بالكلية عما سوى الله تعالى، ومع أنه قد يقرب من المراد إلا أن ما وقع فيه أربابه من مقاربة لأوهام الملاحدة؛ جعل القول به خطرًا محدقًا يكاد أن يكون بوابة لجمع الوجود، يصدق هذا استدلاله بحال البدوي، الذي نسب إليه الكثير من أوهام الصوفية في معرفة الغيوب والتصرف في الكون؛ حتى صار قبره وثنًا يعبد من دون الله، حيث تشد الرحال إليه لطلب الحاجات ورفع البلايا النازلات.
وكان جمع القصود مرادفًا لمعنى الفناء عن عبادة السوى، وهذا هو "الجمع الصحيح الذي عليه الاستقامة، وهو جمع توحيد الربوبية والإلهية، فيشهد صاحبه قيومية الرب تعالى فوق عرشه، يدبر أمر عباده وحده.
стр. 721
وأما جمع توحيد الإلهية، فهو أن يجمع قلبه وهمه وعزمه على الله، وإرادته، وحركاته على أداء حق الله تعالى، والقيام بعبوديته سبحانه، فتجتمع شؤون إرادته على مراده الديني الشرعي" (١).
مقام الفرق:
وأما مقام الفرق؛ فهو أيضًا في مقابل مقام البقاء بعد الفناء، لذلك يسمى بالفرق الثاني، حيث يصير العبد في حال من الصحو يتمكن بها من التمييز ومشاهدة الفروق، وقد قسم الإمام ابن القيم الفرق إلى الثلاثة أنواع: فرق حيواني، وفرق إسلامي، وفرق إيماني، وجعل الفرق الحيواني ما يحصل بمجرد الطبع والميل، حيث يكون موجب تفريقه ومعياره ما يمليه عليه طبعه وهواه، وهذا فرق المشركين وغيرهم من أهل الأهواء.
أما الفرق الإسلامي؛ فهو تفريق العبد بين ما شرعه الله وأمر به وأحبه ورضيه، وبين ما نهى عنه وكرهه ومقته، وكل من فقد التفريق بين هذه الأمور المتضادة؛ فقد خرج عن دائرة الإسلام.
وأما الفرق الإيماني؛ فهو ما يتوصل إليه بتحقيق مقتضى الإيمان بصفات الله تعالى؛ فيحصل للعبد بذلك التفريق بين أفعال الله تعالى وبين أفعال العباد، يقول شيخ الإسلام ﵀: وأما إبراهيم وآل إبراهيم الحنفاء من الأنبياء والمؤمنين بهم، فهم يعلمون أنه لا بد من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولا بد من الفرق بين الطاعة والمعصية، وأن العبد كلما ازداد تحقيقًا لهذا الفرق، ازدادت محبته لله وعبوديته له وطاعته له، وإعراضه عن عبادة غيره ومحبة غيره وطاعة غيره" (٢).
"وذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تنفى عن قلبه ألوهية ما سوى الله، وتثبت في قلبه ألوهية الحق، فيكون نافيًا لألوهية كل شيء من المخلوقات،
стр. 722
مثبتًا لألوهية رب العالمين، ورب الأرض والسماوات، وذلك يتضمن اجتماع القلب على الله، وعلى مفارقة ما سواه، فيكون مفرقًا في علمه وقصده، في شهادته وإرادته، في معرفته ومحبته: بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالمًا بالله تعالى، ذاكرًا له، عارفًا به، وهو مع ذلك عالم بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم، وتوحيده دونهم" (١) وكان فرق الصاوي مغايرًا لهذه الحقيقة الإيمانية، يكشف هذا أنه استدل بحال الدسوقي في تحقيق هذا المقام مع ما حكى عنه من أقوال تخرج بقائلها عن دائرة الإسلام، والذي يظهر أن ما اعتمده الصاوي من حاله حتى حكم عليه أنه من أهل هذا الضرب من المقامات؛ تمسكه بأحكام الشريعة الظاهرة من الصلاة والصيام وغيرها مع ما ادعاه من اطلاع على الغيب وتحكم في المخلوقات، وغير ذلك من ترهات الصوفية وخرافاتهم.
أما عن مقام الوصل؛ فهو أحد المواجيد التي يعبر بها عن مقام الفناء التام عندهم، لذا فإنه يقال فيه ما يقال في مقام الفناء من حيث التفصيل، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 723
(المبحث الثاني): منهج الصوفية في التأصيل للمقامات
لقد اجتهد أهل التصوف في التأصيل لمذهبهم من الكتاب والسنة؛ إمعانًا منهم في التبرير لكل ما أتوا به من أمور لم يكن لها مستند من الشرع، وحتى يتم لهم المراد؛ اعتمدوا التأويل كوسيلة أساسية يتمكنون بها من لي أعناق النصوص؛ وفقًا لما أملته عليهم أهواءهم، بعيدًا عن حقائق الدين والعقل، فقد "استطاع الصوفية - متبعين في ذلك الشيعة - أن يبرهنوا بطريقة تأويل نصوص الكتاب والسنة تأويلًا يلائم أغراضهم، على أن كل آية، بل كل كلمة في القرآن، تخفى وراءها معنى باطنًا لا يكشفه الله إلا للخاصة من عباده" (١).
وكانت المقامات والأحوال؛ هي أهم ما يجتهد الصوفي المربى من تأصيلها؛ ومن هذا المبدأ ظهر التفسير الإشاري؛ كأبرز معلم يدل على تبنى هذا الفكر وتبلوره عندهم، حتى غدى هذا النوع من التفاسير مشتهرًا بين العامة، لا يكاد يفطن للخلط الذي حواه إلا أولو العلم المحققون.
ولم تقتصر جهود أولئك المبتدعة على تحريف آيات الكتاب الكريم لتقرير مبادئهم وأصولهم، بل تعدى فعلهم ذلك إلى السنة المطهرة على صاحبها - أتم الصلاة وأزكى التسليم -، فأخذوا يحرفون الكلم؛ ليا بألسنتهم وطعنًا في الدين, فامتدت أيديهم إلى عدد من الأحاديث، على مختلف درجاتها من الصحة إلى الضعف، وراموا هدم حقائقها الإيمانية بمعاول التأويل؛ فضلوا وأضلوا، ولكن أنا لهم؛ وقد قام العلماء المحققون، الذين نالوا شرف النصح لدين الله، للذود عن حماه المقدسة
стр. 724
من أيدي العابثين، فبينوا فساد أقوال أولئك المبتدعة في تحميل النصوص ما لم تحمله من تلك الأوهام، وكانت لهم شروحات وتفاسير جليلة، عمدوا فيها إلى تمييز ما قيل في معناها، ووضعوا لذلك قواعد في فهمها؛ تبعًا لاستقراء النصوص، وفهم أقوال الصحابة، وإعمالًا للغة الدين: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥].
وغالب ما اعتمده الصوفية من النصوص لتقرير مقاماتهم المتشابه منها، حيث قاموا بالتلبيس على العامة من أتباعهم، وهذا هو الغالب فيهم، وإن كانت قد سبقت الإشارة إلى أنواع من التأويل الصوفي في تأصيل بعض مبادئ التصوف كالعهد والبيعة والطريقة، فسأكتفي هنا بعرض نماذج من تأويلاتهم الباطلة فيما يتعلق بالفناء والبقاء؛ الموضوع الذي دار حوله البحث في هذا الفصل.
وقد تتفق بعض تأويلاتهم مع المعنى المراد؛ وذلك عند حملها على الفناء، أو البقاء المشروع كما مر سابقًا، أما عند توجيهها إلى تقرير البدع؛ فهنا يكون ردها مما يستلزمه حقيقة النصح لدين الله تعالى.
ومما يستند إليه الصوفية في تقرير الفناء باعتباره سبيلًا لتحقيق التوحيد قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومرادهم بهذا أنه لا يصل السالك إلى تحقيق التوحيد إلا إذا انتفت عنه الأغيار؛ فيشهد التوحيد بهذه الصورة، حيث لا تكون شهادته نطقًا باللسان، وإنما عن تجربة يشاهد ربه فيها بالذوق والوجدان، يقول أبو سعيد الخراز: "أول مقام لمن وجد علم التوحيد وحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله " (١). وقد يغرق بعضهم فيرى أنه: "ليس في التوحيد حلق (٢) وما وحد الله غير الله، والتوحيد للحق من الخلق طفيلى" (٣).
стр. 725
وفيما يلي نص من كلام أحد المتأخرين في عرض صورة الفناء: "إن فناء الصوفي ليس فناء جسد في جسد، ولا فناء روح في روح، إنه فناء إرادة في إرادة، وفناء أخلاق في أخلاق، أو كما يقول الصوفية فانيًا عن أوصافه؛ باقيًا بأوصاف الحق، . . .، وهذا الفناء هو الذي عبر عنه الحديث النبوي: (تخلقوا بأخلاق الله)، والحديث القدسي (فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). (١)
وقد كان الحديث الأول بلفظ تخلقوا بأخلاق الله مما لا أصل له، وقد بنى عليه الصوفية الكثير من أوهامهم، وهذا الغزالي يعقد فصلًا يبين فيه أهمية التخلق بالأخلاق الإلهية بأنه لا سعادة للعبد ما لم يكن له نصيب من ذلك (٢).
أما الحديث الثاني فهو المعول عليه عندهم في مقام الفناء والبقاء، يقول الكاشاني في تعريف المحو: "هو إزالة العلل والآفات، ويقابله إثبات المواصلات، وذلك برفع أوصاف العبد، ورسوم أخلاقه وأفعاله بتجليات صفات الحق وأفعاله، كما قال: (كنت سمعه الذي يسمع به) " (٣)
يوضح هذا المعنى العطار (٤)، فيقول: "إن معنى كنت سمعه. . إلخ أن ذلك الكون الشهودي - الفناء عن الشهود - مرتب على ذلك الشرط الذي هو حصول المحبة، فمن حيث الترتيب الشهودي جاء الحدوث المشار إليه بقوله: كنت سمعه، لا من حيث التقرير الوجودي". (٥) ولكن الكثير من الصوفية من يستدل به على الكون الوجودي كحال ابن عربي وغيره.
стр. 726
رأي الشيخ الصاوي:
لما كان بلوغ هذه المقامات من أسمى مقاصد الصوفية في تحقيق التوحيد، وكان الصاوي من تابعي التأصيل لهذه المراتب من جهة الشرع، أخذ في الاستدلال لتلك المقامات بالحديث القدسي المعروف، يقول: "فأشار في الحديث إلى مقام السائرين بقوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل).
وإلى مقام الفناء المحض بقوله: (حتى أحبه).
وإلى مقام البقاء بقوله: (فإذا أحببته كنت سمعه)، ومعناه كنت مشهودًا قبل سمعه ومسموعه، وبصره ومبصره، ويده وبطشها، ورجله ومشيها، لكونه يشهدني قبل كل شيء، وهذه آثارى لا ترى له إلا بعد شهودي، وهو معنى قول بعض العارفين:
تلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار
ويسترسل في توضيح هذه المفاهيم من هذا البيت، فيقول: "فقوله: تلك آثارنا، أمرنا بالسير لمن يستدل بالصنعة على الصانع.
وقوله: فانظروا بعدنا، أي؛ بعد الفناء فينا بسيركم إلينا إلى الآثار، أي؛ فاشهدوا آثارنا بعد شهودنا، وهذا مقام البقاء". (١)
وهو مع استناده إلى الأحاديث في التأصيل لهذه المقامات؛ فإنه أيضًا يستمد لتشريعها من حياة الأبرار بدءً بسيدهم محمد ﷺ ، والأنبياء - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، وصحابته الكرام - رضوان الله عليهم أجمعين -، يقول: "وتارة تضاف حضرة الإطلاق إلى الله تعالى، يقال: حضرة الله حضرة الإطلاق، معناه الفناء المطلق، والكمال المطلق، والتعزز المطلق، وهذا أيضًا يشهده العارفون، فإذا شهده العارف ذاب من خشية الله، وخاف حتى من أعماله الصالحة،
стр. 727
وهو الذي قال فيه صاحب ورد السحر: إلهي إني أخاف أن تعذبني بأفضل أعمالي، فكيف لا أخاف من عقابك بأسوأ أعمالي.
وقال عمر بن الخطاب: ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتني كبشًا فسمنني أهلي وأكلوني. (١)
ومن شهودها: جثو الأنبياء على الركب يوم القيامة، وقول النبي ﷺ : شيبتني هود وأخواتها (٢) " (٣)
كما يستدل لمقام الفناء والبقاء بحال إبراهيم ﵇ على جهة الخصوص، فيقول عن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦]: "قول إبراهيم رب اجعل هذا البلد. . . إلخ يقتضى أن دأبه الدعاء، وما ورد من قوله حين ألقى في النار: حسبي من سؤالي علمه بحالي، يقتضي أنه لم يكن دأبه الدعاء، فما السر في ذلك؟ .
أجيب؛ بأنه كان في زمن إلقائه في النار في مقام الفناء والسكر، وهو الغيبة عن شهود الخلق بشهود الحق، فلا يشهد أثرًا، وفي زمن دعائه في مقام البقاء وجمع الجمع وهو البقاء بالله بمعنى شهود الآثار بعد شهود مؤثرها، فمقامه في حال دعائه أعلى وأجل من مقامه في حال تركه له، ولا يقاس بمقامات الأنبياء مقام، بل بدايتهم أعلى وأجل من نهاية غيرهم، فالأولياء وإن عظموا لا يصلون لأدنى رتب الأنبياء، وأما قول أبي الحسن الشاذلي: وأقرب مني بقدرتك قربًا تمحق به عني كل حجاب محقته عن إبراهيم خليلك، فمعناه قربًا يليق بى؛ لا كقرب الخليل، فقد طلب من الله أن يذيقه قطرة من بحار تجلياته، التي تجلى بها على الخليل فأسكره، فلم يشهد شيئًا سواه" (٤)
стр. 728
المناقشة:
إن ما اعتمده الصاوي في تحرير المقامات؛ كما فهمها من حديث رسول الله ﷺ متابعًا بذلك أسلافه من الصوفية لا يسلم له، وذلك لعدم دلالته على ما ذهب إليه، فإنه أوَّل الحديث إلى حيث يستدل به على مقامات الصوفية في الفناء والبقاء، فجعل التقرب إلى الله تعالى بالنوافل، هو سبيل السائرين المستدلين بالصنعة على الصانع.
وجعل مقام الفناء في استحقاق المحبة، وذلك في قوله: حتى أحبه.
ومقام البقاء في قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، كما عبر عنه بأن العبد في هذه المرحلة يشهد الله قبل سمعه ومسموعه. . . .
وحتى يتم التنبيه إلى المراد لا بد من بيان معنى هذا الحديث العظيم، الذي دندن حوله الكثير من المتصوفة في الاستدلال؛ لما أتوا به من محدثات لا تمت إلى الدين بصلة.
وبادئ ذي بدء؛ فإنه قد سبقت الإشارة إلى أن الله تعالى قد ابتلى عباده بالإيمان بالمتشابه من الأدلة الشرعية، وبين أن الإيمان بها يقتضي التسليم، وعدم اعتقاد التضارب والتناقض في دين الله تعالى، حيث قال في محكم التنزيل على لسان المؤمنين: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ومن هنا قرر العلماء حتى يتحقق التسليم الموجب لدفع التناقض؛ وجوب رد المتشابه إلى المحكم، الذي لا يختلف في معرفة المراد منه، وكان هذا الحديث أحد نصوص المتشابه، الذي يتعين رده إلى ما أحكم من النصوص؛ حتى يتبين المراد منه، دون وقوع فيما نهى المولى تعالى عنه.
وكما بينت سابقًا فقد يقع التشابه في النصوص؛ تبعًا للاختلاف في فهم النص على العامة، بحيث يغلب عدم إدراك المراد منه على الظاهر؛ مما يؤدي إلى وقوع البعض في اللبس، مع أن الحقيقة المقررة من قبل أهل العلم، تؤكد أن التشابه التام لا يكون إلا فيما يتعلق بالأمور الغيبية، من حيث إدراك الكنه، أما ما يتعلق بفهم
стр. 729
النصوص والإيمان بها؛ فقد بين المولى تعالى أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، لهذا جاء أمره بتدبر القرآن، حتى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، ويقال هذا أيضًا في السنة المطهرة التي وصفها بالبيان، حيث قال: ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾، وإنما كان الأمر برد المتشابه لعلمه سبحانه باختلاف أفهام الناس، وأن منهم من ليست له أهلية كافية في فهم النصوص، فعليه إذا لم يتمكن من إدراك معناها أن يردها إلى المحكم، الذي لا يلتبس معناه على أحد، هذا في حال تمكنه من الاستنباط، أما مع عدم ذلك فيكون الرد لمن أتاه الله علمًا وفهمًا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
فالحديث وهو قوله ﷺ : (إن الله قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته). بيان لمراتب القرب من المولى تعالى بحسب ما يتقرب به العبد من المولى تعالى، فقد نص الحديث على أن الفرائض هي أحب ما يتقرب به إليه، وإذا تابعها العبد بمزيد من النوافل والطاعات؛ كان ذلك زيادة في معنى القرب، وهذا القرب هو قرب الرحمة، والكلاءة، والمعونة، والمحبة، لذلك رتب المولى تعالى تحقق ما يطلبه العبد من السؤال، والاستعاذة على ذلك.
وأما قوله: (كنت سمعه الذي يسمع. . إلخ)؛ فمراده تحقق مرتبة الولاية بموافقة مرادات الرب تعالى، فلا يعمل إلا في محابه، ومرضاته.
فهذا الحديث الذي قيل فيه: "إنه أشرف حديث في ذكر الأولياء" (١)، نص في بيان السبيل المؤدى إلى تحقق العبد من مرتبة الولاية، فليس ثمة طريق إلى مرضاة الله تعالى إلا بما شرعه من القربات والطاعات، بدأً بالفرائض التي أوجب المولى
стр. 730
تعالى القيام بها على عباده المؤمنين، وأناط النجاة بها، كما في الحديث الذي فيه أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ يسأله عن الإسلام فذكر له ما افترض عليه وكان في كل مرة يقول له: هل على غيرها؟
فيقول له النبي: (لا، إلا أن تطوع)، فأدبر الرجل؛ وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا، وأنقص، قال رسول الله ﷺ : (أفلح إن صدق). (١)
فدل ذلك على أن أصل القرب، وهو حقيقة الولاء؛ ينال بالقيام بما افترضه المولى تعالى، أما تمامه وكماله؛ فمتعلق بزيادة التقرب بالنوافل والطاعات.
وهنا يأتي الحديث عن أثر الحسنات، الذي به يدرك مراد المصطفى بإذن الله، فإن للطاعة بركة وثمرة تتأتى للعبد من جهتين، الأولى: أنها تفتح له باب الزيادة والاسترسال مع مراضى الرب تعالى، وقد قال العلماء: إن دليل قبول العمل الصالح إتباعه بمثله، فالحسنة تجر الحسنة، وهكذا. . . حتى يصير العبد منهمكًا في مراضى الرب تعالى؛ فيتحقق مقتضى الولاية من تمام الموافقة في المرادات الشرعية؛ فلا يمشى ولا يسمع ولا يبصر إلا فيما هو مراد لله تعالى.
ومن جهة أخرى فإن الطاعة محبوبة لله تعالى؛ فإذا استرسل العبد في التقرب إلى المحبوب بما يحبه، واستأثر مراضيه عند غلبة الهوى؛ جازاه المولى تعالى بمحبته له، فالله يحب التوابين ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيًا مرصوص، وإذا نال العبد محبة الله تعالى حفظه واصطنعه لنفسه، فما يزال سبحانه في كلاءته لعبده، وحفظه له من أنواع المعاصي والذنوب، حتى يصح وصفه بأنه لا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا به، ولا يمشي إلا به.
يقول الإمام ابن القيم ﵀ في معنى الحديث: "والمراد به حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل.
وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل؛ حتى يصير محبوبًا لله؛ فإذا صار محبوبًا
стр. 731
لله أوجبت محبة الله له محبة منه أخرى، فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه مثله الأعلى، مالكًا لزمام قلبه، مستوليًا على روحه استيلاء المحبوب على محبه الصادق في محبته، التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له، ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع لمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش بطش به، وإن مشى مشى به، فهو في في قلبه ومعه ومؤنسه وصاحبه، فالباء ها هنا باء المصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها، ولا تدرك أنزل الإخبار عنها والعلم بها، فالمسألة حالية لا علمية محضة، وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق، التي لم يخلق لها، ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين:
خيالك في عيني وذكرك في فمي ... ومثواك في قلبي فأين تغيب
وقال الآخر:
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ... ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي
ومن عجب أني أحن إليهم ... فأسأل عنهم من لقيت وهم معي" (١)
وعليه فلا حجة في هذا الحديث لمن استدل به على مقام الفناء والبقاء بالمعنى المنحرف، فقد ذهب غلاة الصوفية إلى أن المراد من قوله: كنت سمعه الذي يسمع به، اتحاد العبد بربه؛ حتى يصير هذا عين هذا؛ كما قال بذلك ابن عربي وغيره، وهذا يبطله النص ذاته قبل أن يستدل على بطلانه بغيره من النصوص، التي تعلم بالضرورة من دين الإسلام، يقول شيخ الإسلام ﵀ في بيان ذلك: فـ "قد بين في هذا الحديث أن المتقرب ليس هو المتقرب إليه بل هو غيره، وأنه ما تقرب إليه بمثل أداء المفروض، وأنه لا يزال بعد ذلك يتقرب بالنوافل؛ حتى يصير محبوبًا لله، فيسمع به ويبصر به ويبطش به ويمشي به، ثم قال: (ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه)، ففرق بين السائل والمسؤول، والمستعيذ والمستعاذ به وجعل العبد سائلًا لربه مستعيذًا به" (٢).
стр. 732
وإذا استحال إرادة ذلك المعنى الباطل من الحديث، فإنه يرد كل معنى لا يدل عليه، ومن ذلك ما ذكره الصاوي في هذا الشأن، فقد أغرب حين استدل به على ما ذكر من المقامات وأبعد، وحقيقة كلامه أنه جعل المتقربين إلى مرضاة الله تعالى، الراجين بذلك عفوه، الراغبين في ثوابه بالنوافل، هم في مقام السائرين، ولما يصلوا بعد إلى مقام الكمل، وأما الذين فنوا في نيل مبتغاهم من أهل محبته، فهم في مقام الفناء.
ويأتي في المرتبة التالية لهم من غرقوا في هذه الحقيقة، حتى صارت معرفتهم بكل شيء سوى الله تالية لمعرفتهم به.
ومع تقدم بيان بطلان أن يكون هذا مقام الكاملين؛ لأن غايته فناء في توحيد الربوبية، الذي لم يكن محل نزاع بين الرسل وأقوامهم، فمعرفة الله تعالى فطرية لم يمار فيها إلا القليل؛ ممن انتكست فطرتهم، وغابوا عما جبلت عليه قلوبهم؛ بما أصابها من رين الشهوات والشبهات، إلا أن المقام هنا يستدعي مزيدًا من البيان؛ لعدم دلالة الحديث على ما ذهب إليه فيها.
فليس مقام السائرين إلى الله تعالى بالقيام بأنواع النوافل مقام العوام، كما تقدم من كلامه، بل هو مقام الكمل من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال تعال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، يقول الشيخ السعدي ﵀: "أي يبادرون إليها ويفعلونها في أوقاتها الفاضلة، ويكملونها على الوجه اللائق الذي ينبغي، ولا يتركون فضيلة يقدرون عليها، إلا انتهزوا الفرصة فيها" (١). وهم في كل ذلك راغبين راهبين خاشعين.
فإن محبة الله تعالى لم تكمل لأحد كما كملت للأنبياء، وعلى جهة الخصوص: إبراهيم ومحمد - عليهم جميعًا أفضل الصلاة والتسليم -، ومع ذلك
стр. 733
كانوا على أتم ما يكون من طلب مرضاة الله تعالى بالنوافل؛ خوفًا ورجاء ومحبة وخشوعًا.
وعليه فلا مفارقة بين بلوغ المحبة، وبين السير إلى الله تعالى بأنواع القربات؛ إذ العلاقة بينهما علاقة تلازم واقتضاء، فكلما ازداد العبد في طلب القرب من الله تعالى؛ كلما ازدادت محبة المولى تعالى له، والعكس بالعكس، حتى يتم له الثبات على الاسترسال في مراضى المولى؛ بتوفيق منه سبحانه، فلا يسمع إلا بالله، ولا يبصر إلا بالله وهكذا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* * *
أما ما ذكره من مقام حضرة الله حضرة الإطلاق، فإن هذا المصطلح لم يرد عن أحد من السلف أو ممن تبعهم بإحسان، كما أن فيه من الغموض ما لا يخفى، ولعله أراد بهذه التسمية أن تفنى إرادة العبد عن كل ما يلحظ سوى الله؛ فيصبح طليقًا من المرادات الأخرى، ويفنى في مرادات الله، وتعظيمه، وإجلاله؛ فيتملكه الخوف حتى لا يبقى في إرادته ما يتمكن به من ملاحظة أعماله الصالحة.
وعند إرادة هذا المعنى، فإنه يبقى التأكد على أن الطريق إلى الله لا يكون إلا بثلاثة مسالك، من انقطع به السير في أحدها لا يمكن له البلوغ، وهي الخوف والرجاء والمحبة (١)، كما كان عليه حال الأولين السابقين، ومن الأنبياء والمرسلين.
وأما ما اعتمده الصاوي لنسبة الفناء إلى إبراهيم ﵇ مما اشتهر عند الصوفية من إعراض إبراهيم ﵇ عن الدعاء عند إرادة إحراقه بالنار فغير مسلم، بل هو من الأقاويل المختلقة، والصحيح في هذا ما رواه حبر الأمة عبد الله بن عباس ﵄، حيث قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل) (٢).
стр. 734
ومن المعلوم أن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكل منهما متضمن للآخر، قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥, ٥٦].
يقول الإمام ابن القيم في بيان هذا التقسيم: "هاتان الآيتان مشتملتان على آداب نوعي الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، فإن الدعاء في القرآن يراد به هذا تارة وهذا تارة، ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان؛ فإن دعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي، وطلب كشف ما يضره أو دفعه، وكل من يملك الضر والنفع فإنه هو المعبود حقًا، والمعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضرر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا.
وذلك كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ فنفى سبحانه عن هؤلاء المعبودين من دونه النفع والضر القاصر والمتعدى، فلا يملكونه لأنفسهم ولا لعابديهم، بيد أن المعبود لا بد أن يكون مالكًا للنفع والضر؛ فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفًا ورجاءً دعاء العبادة؛ فعلم أن النوعين متلازمان، فدعاء العبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة". (١)
وعليه فكل عبادة لله تعالى باللسان أو القلب أو الجوارح؛ فهي دعاء لله تعالى، ولهذا فسر النبي ﷺ الدعاء بالعبادة، ففي الحديث الصحيح أن النبي قال: (الدعاء هو العبادة)، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] (٢).
стр. 735
وإذا تبين هذا علم أن التوكل دعاء، والاستعانة دعاء، والرجاء دعاء، والذكر دعاء، ومع هذا فلا يصح ترك الأخذ بالأسباب اعتمادًا على هذه العبادات في تحصيل النفع، أو دفع الضر الدنيوى، لذلك ورد أن النبي ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لما أدبر: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فقال النبي ﷺ : (إن الله تعالى يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل). (١)
"فلو فعل الأسباب التي يكون بها كيسًا، ثم غلب فقال: حسبي الله ونعم الوكيل؛ لكانت الكلمة قد وقعت موقعها، كما أن إبراهيم الخليل لما فعل الأسباب المأمور بها ولم يعجز بتركها، ولا بترك شيء منها، ثم غلبه عدوه، وألقوه في النار، قال في تلك الحال: (حسبي الله ونعم الوكيل)، فوقعت الكلمة موقعها، واستقرت في مظانها؛ فأثرت أثرها، وترتب عليها مقتضاها، وكذلك رسول الله ﷺ وأصحابه يوم أحد، لما قيل لهم بعد انصرافهم من أحد: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فتجهزوا وخرجوا للقاء عدوهم أعطوهم الكيس من نفوسهم، ثم قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. (٢)
ومن هنا نجزم بأن إبراهيم ﵇ لم يدع الدعاء وقت إلقائه في النار، بل كان في حالة تلك متوسلًا إلى الله تعالى بالتوكل إليه، وتفويض الأمر له، وهذا من أعلى درجات العبادة، لذلك أتى معطوفًا عليها من باب عطف الخاص على العام لبيان أهميته: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
وعليه فكل ما بنى على هذه الحكايات الباطلة؛ فلا اعتداد به، كما أن نسبة السكر والغياب إلى الأنبياء مما لا يجوز في حقهم، لأنه حال نقص، والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أحوالهم في عبادة الله في أعلى المقامات الكاملة التامة
стр. 736
وليس بمخلص له ما ذكره من أن أحوالهم أكمل من أحوال غيرهم من الأولياء، وإن كان هذا مما يحمد له ويذكر فقد خالف ما عليه الكثير من المتصوفة في تفضيل الأولياء على الأنبياء، بل يجب اعتقاد كمال عبادتهم لله تعالى حتى صح تعليق كمال الاهتداء بمتابعتهم؛ فأمر النبي ﵊ باقتفاء هديهم - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.
هذا وقد نسب الصاوي مقام البقاء إلى إبراهيم ﵇ عند سؤاله المولى ، ويكون حقًا إذا أريد بالبقاء المعنى الذي ليس فيه ما ينافي الفناء الصحيح، وهو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وأول المقامات وآخرها ذلك هو "تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فيفنى من قلب العبد التأله لغير الله ويبقى في قلبه تأله الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، "وقد جعله الله لنا ومن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" (١).
يقول شيخ الإسلام ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والفلاح واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كلة لله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء، وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه". (٢)
стр. 737
(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود
أولًا: وحدة الوجود:
عند تتبع خط الانحراف الذي داخل الفكر الصوفي نجد أنه يصل إلى نقطة الهاوية عند وحدة الوجود، ذلك الفكر الذي يترجم عن انطماس معالم العقيدة الإسلامية في فكر مؤيديه، فوحدة الوجود تعني أنه ليس في الوجود كله إلا الله وأن الوجود كله عبارة عن ذات واحدة هي ذات الله تعالى، أما عن كيفية تفسير هذه الكثرة المشاهدة مع هذه الوحدة المزعومة فيذهب هؤلاء إلى أن كل هذه الموجودات الكثيرة ما هي إلا تجليات ليست تغاير حقيقة الذات الإلهية.
فهي إذا تقوم على الأحدية بمعنى نفى الإثنينية، فلا مغايرة بين الموجودات من حيث هي حقيقة واحدة تمثل الذات الإلهية وتعبر عنها.
وليس بخفى ما يحمل هذا الفكر من هدم لأصول الاعتقاد، ولكن الغريب حقًا أن يختلط الأمر على بعض من ينتسب إلى الإسلام ويحاول التأصيل لهذه العقيدة الضالة من الكتاب والسنة.
وقبل الخوض في هذه العقيدة الضالة أود الكشف بصورة أوضح عن بعض المعتقدات الفاسدة التي قد تتحد مع معتقد وحدة الوجود من حيث المبدأ، كما أنها يمكن أن تعد من قبيل البوادر التي مهدت للقول بهذه العقيدة الفاجرة، كالحلول، والاتحاد (١) الذي اشتهر على لسان الحلاج، وابن الفارض، وفي شطحات أبي يزيد البسطامي (٢)، وذلك أن الحلول يعني أن تحل الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - في بعض مخلوقاته، أو فيها كلها.
стр. 738
فإن لهذا الحلول نوعين، النوع الأول: أن تحل الذات العلية - تعالى الله عن قولهم - في الإنسان، ولكن دون أن يحصل بينهما امتزاج.
أما الصورة الثانية فهي أن تحل الذات بالذات حلولًا اتحاديًا سريانيًا بحيث تنتفي المغايرة بينهما، فيصبحان شيئًا واحدًا، فتكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. (١) وهذا هو الاتحاد الذي يكون بمعنى "جعل الشيئين واحدًا" (٢)
ومن هنا اتضح عين المبدأ الذي تقوم عليه عقيدة وحدة الوجود، مع شيء من التوسع، بحيث يندرج في هذا الاتحاد جميع من يوصف بالوجود دون تميز لبعض الموجودات عن البعض الآخر.
وهذه بعض النقول عن القائلين بالاتحاد والحلول تفسر حقيقة مذهبهم، وما ينبني عليه من أحكام تهدم المعتقد:
- يقول ابن الفارض:
لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت
ويقول في التنظير لوحدة الأديان الذي انبنى على كل هذه الانحرافات:
وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في ألف حجة
فما قصدوا غيري وإن كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقدية. (٣)
أما عن وحدة الوجود بالمفهوم الذي تقرر عرضه في بدء الحديث فإن ظهورها كفر منظر مقعد إنما تم على يد الضال ابن عربي، يقول في بيت الشاعر:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وهذه الآية التي في كل شيء التي تدل على وحدانية الله هي وحدانية الشيء لا أمر آخر. . . فإذن المعبود بكل لسان وفي كل حال وزمان إنما هو الواحد، والعابد من كل عابد إنما هو الواحد، فما ثم إلا الواحد، والاثنان إنما هو واحد وكذلك الثلاثة والأربعة والعشرة والمائة". (٤)
стр. 739
ولبيان مصادر هذا الانحراف الخطير في الفكر الصوفي فإن الحديث يرجع بنا إلى الكلام عن مصادر التصوف ومشاربه المتعددة، فقد سبقت الإشارة إلى أن الفكر اليوناني المتمثل بمذهبه الأفلاطوني الإشراقي هو أبرز العناصر التي أثرت في الفكر الصوفي عبر مراحله المتأخرة التي سادت فيها النزعة الفلسفية حتى وصلت إلى قمة الإغراق في الاتجاه الغالي نحو الفلسفة عند ابن عربي. (١)
ثانيًا: وحدة الشهود:
وبعد هذا التوضيح المجمل لمعتقد وحدة الوجود بقي أن نعرف ما المراد بوحدة الشهود التي كثر حديث الصوفية عنها؟ وهل هي كما يظن بعضهم أنها عين وحدة الوجود؟ وما العلاقة بينهما مع وجود الفرق؟
إن وحدة الشهود بالمفهوم الصوفي تغاير في حقيقتها المعتقد السابق، فهي عندهم عبارة عن حالة نفسية وجدانية يصل فيها العبد بالمجاهدة إلى القرب من الرب تعالى حتى يتم له الاتصال به - سبحانه - فيتمكن الصوفي من رؤية ربه، ومشاهدته مشاهدة قلبية، على إثر فنائه عن مشاهدة الأغيار، وقد يصل الأمر بالصوفي إلى حال يفقد فيه القدرة على التمييز بينه وبين الرب، فكأن الصوفي هو الله، والله هو الصوفي - تعالى الله عن قولهم -، فوحدة الشهود إذًا "تعني اتحاد العبد مع الله اتحاد عيان ومكاشفة، لا اتحاد جواهر وأعيان". (٢)
بيان ذلك أنه قد سبقت الإشارة إلى أن للحلول نوعين: أحدهما الحلول الثنائي الذي يمتاز فيه الحال عن المحل، حيث تظل ذات الله - سبحانه - متميزة عن ذات الإنسان ولا تمتزج به، فيكون شخص الإنسان محلًا للذاتين معًا: ذات الله - تعالى عن قولهم - وذات الإنسان مع تمايز كل ذات عن الأخرى. فهذا هو المراد بالشهود عندهم. (٣)
стр. 740
وهذا هو حقيقة توحيد الخواص عندهم، فمن لم تتسام نفسه لتقف على حقيقة التوحيد مجردًا فليس له نصيب من التوحيد الذي شهد به الحق تعالى لنفسه، ولتأصيل هذا المعتقد يلجأ الجنيد - بحسب ما نقل عنه - إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قائلًا: "فمن أين كان، وكيف كان قبل أن يكون؟ وهل أجابت إلا الأرواح الظاهرة بإقامة القدرة وإنفاذ المشيئة؟ فهو الآن في الحقيقة كما كان قبل أن يكون، وهذا غاية حقيقة التوحيد للواحد: أن يكون العبد كما لم يكن، ويبقى الله تعالى كما لم يزل". (١)
ويقول الشبلي: "ما شم رائحة التوحيد من تصور عنده التوحيد". (٢)
ويقول الهروي: "وأما التوحيد الثالث: فهو توحيد اختصه الحق لنفسه، واستحقه لقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثه" (٣)
وكما بينت سابقًا إن هذه الحالة أو المقام قد تحمل صاحبها على النطق بالشطحات المعروفة والتي كان مصدرها ذهول الصوفي وعجزه عن التمييز، كما يدعون. (٤)
ولم يقف الأمر عند حد الشطحات بل تعداه إلى ادعاء سقوط التكاليف في حال المشاهدة لمحل السكر والاصطلام، فيستوى المحظور والمأمور عند السالك، حيث تفنى إرادته عن مشاهدة الإرادة الشرعية، وتبقى الإرادة الكونية ماثلة لتأملاته الوجدانية، ليربط بمشاهدتها تخليه عن الامتثال للأحكام الشرعية. (٥)
ومن هنا فإن وحدة الشهود تعني أن يقف الصوفي على عين التوحيد بتجربة نفسية تخضع لعدد من المجاهدات والشروط، فيفقد فيها نتيجة لما يصاب به من