← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وليس بمخلص له ما ذكره من أن أحوالهم أكمل من أحوال غيرهم من الأولياء، وإن كان هذا مما يحمد له ويذكر فقد خالف ما عليه الكثير من المتصوفة في تفضيل الأولياء على الأنبياء، بل يجب اعتقاد كمال عبادتهم لله تعالى حتى صح تعليق كمال الاهتداء بمتابعتهم؛ فأمر النبي ﵊ باقتفاء هديهم - صلى الله عليهم وسلم تسليما كثيرًا -، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾. هذا وقد نسب الصاوي مقام البقاء إلى إبراهيم ﵇ عند سؤاله المولى ، ويكون حقًا إذا أريد بالبقاء المعنى الذي ليس فيه ما ينافي الفناء الصحيح، وهو حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وأول المقامات وآخرها ذلك هو "تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فيفنى من قلب العبد التأله لغير الله ويبقى في قلبه تأله الله وحده، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، "وقد جعله الله لنا ومن معه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر" (١). يقول شيخ الإسلام ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه وتعليق النجاة والفلاح واقتضاء السعادة في الآخرة به، ومعلوم أن الناس متفاضلون في تحقيقه، وحقيقته إخلاص الدين كلة لله، والفناء في هذا التوحيد مقرون بالبقاء، وهو أن تثبت إلهية الحق في قلبك، وتنفي إلهية ما سواه، فتجمع بين النفي والإثبات، فتقول: لا إله إلا الله، فالنفي هو الفناء، والإثبات هو البقاء، وحقيقته أن تفنى بعبادته عما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخشيته عن خشية ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبموالاته عن موالاة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبالاستعاذة به عن الاستعاذة بما سواه". (٢)

стр. 737

(المبحث الثالث): وحدة الوجود ووحدة الشهود أولًا: وحدة الوجود: عند تتبع خط الانحراف الذي داخل الفكر الصوفي نجد أنه يصل إلى نقطة الهاوية عند وحدة الوجود، ذلك الفكر الذي يترجم عن انطماس معالم العقيدة الإسلامية في فكر مؤيديه، فوحدة الوجود تعني أنه ليس في الوجود كله إلا الله وأن الوجود كله عبارة عن ذات واحدة هي ذات الله تعالى، أما عن كيفية تفسير هذه الكثرة المشاهدة مع هذه الوحدة المزعومة فيذهب هؤلاء إلى أن كل هذه الموجودات الكثيرة ما هي إلا تجليات ليست تغاير حقيقة الذات الإلهية. فهي إذا تقوم على الأحدية بمعنى نفى الإثنينية، فلا مغايرة بين الموجودات من حيث هي حقيقة واحدة تمثل الذات الإلهية وتعبر عنها. وليس بخفى ما يحمل هذا الفكر من هدم لأصول الاعتقاد، ولكن الغريب حقًا أن يختلط الأمر على بعض من ينتسب إلى الإسلام ويحاول التأصيل لهذه العقيدة الضالة من الكتاب والسنة. وقبل الخوض في هذه العقيدة الضالة أود الكشف بصورة أوضح عن بعض المعتقدات الفاسدة التي قد تتحد مع معتقد وحدة الوجود من حيث المبدأ، كما أنها يمكن أن تعد من قبيل البوادر التي مهدت للقول بهذه العقيدة الفاجرة، كالحلول، والاتحاد (١) الذي اشتهر على لسان الحلاج، وابن الفارض، وفي شطحات أبي يزيد البسطامي (٢)، وذلك أن الحلول يعني أن تحل الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - في بعض مخلوقاته، أو فيها كلها.

стр. 738

فإن لهذا الحلول نوعين، النوع الأول: أن تحل الذات العلية - تعالى الله عن قولهم - في الإنسان، ولكن دون أن يحصل بينهما امتزاج. أما الصورة الثانية فهي أن تحل الذات بالذات حلولًا اتحاديًا سريانيًا بحيث تنتفي المغايرة بينهما، فيصبحان شيئًا واحدًا، فتكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر. (١) وهذا هو الاتحاد الذي يكون بمعنى "جعل الشيئين واحدًا" (٢) ومن هنا اتضح عين المبدأ الذي تقوم عليه عقيدة وحدة الوجود، مع شيء من التوسع، بحيث يندرج في هذا الاتحاد جميع من يوصف بالوجود دون تميز لبعض الموجودات عن البعض الآخر. وهذه بعض النقول عن القائلين بالاتحاد والحلول تفسر حقيقة مذهبهم، وما ينبني عليه من أحكام تهدم المعتقد: - يقول ابن الفارض: لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلت ويقول في التنظير لوحدة الأديان الذي انبنى على كل هذه الانحرافات: وإن عبد النار المجوس وما انطفت ... كما جاء في الأخبار في ألف حجة فما قصدوا غيري وإن كان قصدهم ... سواي وإن لم يظهروا عقدية. (٣) أما عن وحدة الوجود بالمفهوم الذي تقرر عرضه في بدء الحديث فإن ظهورها كفر منظر مقعد إنما تم على يد الضال ابن عربي، يقول في بيت الشاعر: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد وهذه الآية التي في كل شيء التي تدل على وحدانية الله هي وحدانية الشيء لا أمر آخر. . . فإذن المعبود بكل لسان وفي كل حال وزمان إنما هو الواحد، والعابد من كل عابد إنما هو الواحد، فما ثم إلا الواحد، والاثنان إنما هو واحد وكذلك الثلاثة والأربعة والعشرة والمائة". (٤)

стр. 739

ولبيان مصادر هذا الانحراف الخطير في الفكر الصوفي فإن الحديث يرجع بنا إلى الكلام عن مصادر التصوف ومشاربه المتعددة، فقد سبقت الإشارة إلى أن الفكر اليوناني المتمثل بمذهبه الأفلاطوني الإشراقي هو أبرز العناصر التي أثرت في الفكر الصوفي عبر مراحله المتأخرة التي سادت فيها النزعة الفلسفية حتى وصلت إلى قمة الإغراق في الاتجاه الغالي نحو الفلسفة عند ابن عربي. (١) ثانيًا: وحدة الشهود: وبعد هذا التوضيح المجمل لمعتقد وحدة الوجود بقي أن نعرف ما المراد بوحدة الشهود التي كثر حديث الصوفية عنها؟ وهل هي كما يظن بعضهم أنها عين وحدة الوجود؟ وما العلاقة بينهما مع وجود الفرق؟ إن وحدة الشهود بالمفهوم الصوفي تغاير في حقيقتها المعتقد السابق، فهي عندهم عبارة عن حالة نفسية وجدانية يصل فيها العبد بالمجاهدة إلى القرب من الرب تعالى حتى يتم له الاتصال به - سبحانه - فيتمكن الصوفي من رؤية ربه، ومشاهدته مشاهدة قلبية، على إثر فنائه عن مشاهدة الأغيار، وقد يصل الأمر بالصوفي إلى حال يفقد فيه القدرة على التمييز بينه وبين الرب، فكأن الصوفي هو الله، والله هو الصوفي - تعالى الله عن قولهم -، فوحدة الشهود إذًا "تعني اتحاد العبد مع الله اتحاد عيان ومكاشفة، لا اتحاد جواهر وأعيان". (٢) بيان ذلك أنه قد سبقت الإشارة إلى أن للحلول نوعين: أحدهما الحلول الثنائي الذي يمتاز فيه الحال عن المحل، حيث تظل ذات الله - سبحانه - متميزة عن ذات الإنسان ولا تمتزج به، فيكون شخص الإنسان محلًا للذاتين معًا: ذات الله - تعالى عن قولهم - وذات الإنسان مع تمايز كل ذات عن الأخرى. فهذا هو المراد بالشهود عندهم. (٣)

стр. 740

وهذا هو حقيقة توحيد الخواص عندهم، فمن لم تتسام نفسه لتقف على حقيقة التوحيد مجردًا فليس له نصيب من التوحيد الذي شهد به الحق تعالى لنفسه، ولتأصيل هذا المعتقد يلجأ الجنيد - بحسب ما نقل عنه - إلى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾، قائلًا: "فمن أين كان، وكيف كان قبل أن يكون؟ وهل أجابت إلا الأرواح الظاهرة بإقامة القدرة وإنفاذ المشيئة؟ فهو الآن في الحقيقة كما كان قبل أن يكون، وهذا غاية حقيقة التوحيد للواحد: أن يكون العبد كما لم يكن، ويبقى الله تعالى كما لم يزل". (١) ويقول الشبلي: "ما شم رائحة التوحيد من تصور عنده التوحيد". (٢) ويقول الهروي: "وأما التوحيد الثالث: فهو توحيد اختصه الحق لنفسه، واستحقه لقدره، وألاح منه لائحًا إلى أسرار طائفة من صفوته، وأخرسهم عن نعته وأعجزهم عن بثه" (٣) وكما بينت سابقًا إن هذه الحالة أو المقام قد تحمل صاحبها على النطق بالشطحات المعروفة والتي كان مصدرها ذهول الصوفي وعجزه عن التمييز، كما يدعون. (٤) ولم يقف الأمر عند حد الشطحات بل تعداه إلى ادعاء سقوط التكاليف في حال المشاهدة لمحل السكر والاصطلام، فيستوى المحظور والمأمور عند السالك، حيث تفنى إرادته عن مشاهدة الإرادة الشرعية، وتبقى الإرادة الكونية ماثلة لتأملاته الوجدانية، ليربط بمشاهدتها تخليه عن الامتثال للأحكام الشرعية. (٥) ومن هنا فإن وحدة الشهود تعني أن يقف الصوفي على عين التوحيد بتجربة نفسية تخضع لعدد من المجاهدات والشروط، فيفقد فيها نتيجة لما يصاب به من

стр. 741

السكر القدرة على التمييز، قد تكون متعمدة وقد تكون طارئة لشدة ما يجده من قوة الوارد، يؤكد ذلك أقوال بعضهم في حقيقة التوحيد المعتبر، يقول أبو سعيد الخراز: "أول مقام لمن وجد علم التوحيد وتحقق بذلك فناء ذكر الأشياء عن قلبه وانفراده بالله " (١) فمن هذا النص يتبين أنه لا يمكن لتحقيق هذه الوحدة إلا بسلوك طريق المجاهدة ومحو الأغيار، فهي إذًا حالة لا تنفك عن الوجدان الذي هو من أخص سمات المنهج الصوفي، بخلاف وحدة الوجود التي ليس لها اتصال بالتجربة النفسية إلا بالقدر الذي يتبناه أهل الاتحاد من وحدة الشهود، وإنما هي نظرية فلسفية بحتة النشأة، يشترك فيها الصوفي وغيره. وبهذا الذي تقدم يمكن تحديد الفرق بين وحدة الشهود ووحدة الوجود وذلك بالتأكيد على أن الشهود يقوم على الإثنينية، بمعنى أنه لا يتأتى الشهود إلا بشاهد ومشهود، وإن حصل اللبس على الصوفي الغارق فإنه لا ينتهي به إلى الاتحاد الذي يتحدث عنه أصحاب الوحدة، ومع وجود بعض الألفاظ في ثنايا التقارير الصوفية التي توحي بخلاف ذلك، كقول القشيري: "وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف التفرقة، لأن باب المفاعلة إنما يحدث بين اثنين، وهذا تخيل من صاحبه، فإن في ظهور الحق - سبحانه - إهلاك الخلق" (٢)، إلا أنها لا تصل إلى تقرير معتقد وحدة الوجود القائم على أساس الأحدية الذي يحكم بأن جميع الموجودات إنما هي مظاهر وتجليات للذات الإلهية، إذ تبقى حقيقة المشاهدة قائمة على أساس من الثنوية التي لا ينكرها واحد منهم (٣). أما الشطح وأحكامه فقد سبق الحديث عنه في أقسام المقامات. ويصرح بعضهم تأكيدًا لهذا الفارق بنفي الاتحاد، يقول الطوسي: "فإن صح عن

стр. 742

أحد أنه قال هذه المقالة - يعني الاتحاد - وظن أن التوحيد أبدى له صفحته بما أشار إليه، فقد غلط في ذلك، وذهب عليه أن الشيء مجانس للشيء الذي حل فيه، والله تعالى بائن من الأشياء، والأشياء بائنة منه بصفاتها، والذي أظهر في الأشياء: فذلك آثار صنعته ودليل ربوبيته. . فمن صح عنه شيء من هذه المقالات فهو ضال بإجماع الأمة، كافر يلزمه الكفر فيما أشار إليه" (١). وعليه فإني أخالف بعض الباحثين فيما ذهبوا إليه من اتحاد مفهوم وحدة الوجود بالشهود. ويجدر بي التنبيه إلى أن ما ذكرته لا يعني أن وحدة الشهود ليس فيها ما قد يصل بصاحبها إلى ما يناقض التوحيد، لأنها كما مر من تعريفها باب لمزلة عظيمة قد تهوى بالمستهلك الغارق إلى دائرة العدم فيسقط الفرائض ويدعي الاتحاد مع الله (٢)، ولكن هو من باب ذكر الفروق حتى يتم تمييز هذه المصطلحات وما ينبني عليها من أحكام. وفي مقابل هذا التفسير لوحدة الشهود بأنها مماثلة لوحدة الوجود فقد ذهب بعض الصوفية إلى العكس من ذلك، حيث فسروا بما يلزم وحدة الوجود من الاتحاد بوحدة الشهود، يقول الجرجاني في تعريف الاتحاد: "وهو شهود الوجود الحق الواحد المطلق، الذي الكل موجود بالحق، فيتحد به الكل من حيث كون كل شيء موجودًا به، معدومًا بنفسه ولا من حيث إن له وجودًا خاصًا اتحد به فإنه محال" (٣) رأي الشيخ الصاوي: يمنع الصاوي وهو الأشعري المتمسك بأشعريته من اعتقاد الحلول أثناء الترقي في هذه المقامات؛ لما في ذلك من مناقضة أصل معرفة الله تعالى مما هو معلوم من أدلة المتكلمين، يقول في أقسام الناس الذين عرفوا الله بالمعرفة الخاصة، كما هي عليه في عرف الصوفية: "المعرفة الخاصة: شهود أفعال: وهي للأبرار، وشهود أسماء

стр. 743

وصفات: وهي للأخيار، وشهود ذات: وهي لخيار الخيار، والمراد شهود الذات من غير وقوف على كنه؛ إذ الكنه لا يدرك حتى للمصطفى، لأن الحادث لا يحيط بالقديم، وقال شيخنا المؤلف: اختلف، هل تجلى الذات يكون لغير الأنبياء؟ أو لا يكون إلا للأنبياء؟ والصحيح أنه يكون لغير الأنبياء أيضًا لكن لا كتجلي الأنبياء، وكذلك شهود الأنبياء يتفاوت، فشهود نبينا أعلى لا يساويه شهود أحد" (١). وتأكيدًا لهذا المعنى يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦]: "فإني قريب: أي بعلمي وسمعي وبصري وقدرتي وإرادتي، ولم يقل بذاته وإن كانت الصفات لا تفارق الذات؛ لأنه ربما يتوهم للقاصر الحلول فيقع في الحيرة، وأما من فنى عن وجوده فلم يشهد إلا الله فقد زال عنه الحجاب فلا حيرة عنده، إذ لم يشهد غيره وإنما خص المفسر العلم بذلك لأنه من صفات الإحاطة". (٢) - ولكن هناك ما يدعو إلى الشعور بالتناقض وعدم الانضباط، حيث يثبت معتقد وحدة الوجود ولكنه مع ذلك يحاول تخريج القول به دون اعتقاد الحلول، التأصيل وهذا المقام يسمى: بوحدة "لاعتقاد وحدة الوجود من آيات الكتاب الكريم: "يقول: الوجود، ولا يدركه الشخص إلا بعد الفناء في الأحدية، وحدة الوجود هذه يسمى صاحبها: في مقام البقاء، ويسمى غرقان في بحر الوحدة التي هي شهود المولى من حيث قيام الأسماء والصفات به" (٣) ويقول مؤصلًا لها مبينًا المراد منها عنده: "شاع على ألسنة العوام: الله موجود في كل الوجود، وهو كلام صحيح في نفسه، لأن مفاده وحدة الوجود، لكنه غير لائق منهم لإيهام الحلول، وتأويله أن تقول: معناه أنه مع كل موجود، أي لا يغيب

стр. 744

عنه موجود أصلًا، ومعيته معه معناها تصرفه فيه، وتدبيره له معية معنوية لا يعلمها إلا هو، كما أن ذاته لا يعلمها إلا هو، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ومن كلام ابن وفا أن من أعظم إشارات وحدة الوجود: قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] ". (١) وتأكيدًا لكونه لا يرى اعتقاد الحلول أو وحدة الوجود على ما عناه الغلاة من الصوفية، يقول في تفسيره: "وأشار للحقيقة بقوله: وهدى ورحمة للمؤمنين، لأن بالحقيقة التحلي بالأنوار الساطعة في القلوب، التي يرى بها الأشياء، على ما هي عليه عيانًا، فعند ذلك يرى الله في كل شيء، وأقرب إليه من كل شيء، علمًا ذوقيًا لا علمًا يقينيًا" (٢). وهو لا يكتفي بهذا بل ينزه الله عن هذا الفهم، يقول في وصف التاج الذي يضعه أصحاب الطريقة الخلواتية: "مما يسمى بالتاج بين الصوفية الذي يوضع على الرأس وقرصه صوف أبيض وهو الخرقة المشهورة للسادة الخلواتية التي هي شعارهم، وفيه إشارة، كما قال أستاذنا المؤلف إلى سلوك طريق التصوف وبياض القلب، وهو مضرب على وجه مخصوص محيط به أربع جلالات أي من كل جهة اثنا عشر ضلعًا، عدة حروف لا إله إلا الله إشارة إلى شهود إحاطة الرب به من جميع جهاته إحاطة قيومية لا حسية تنزه الله عن ذلك، وبعضهم يجعل وسطه زارا إشارة للوحدة، وبعضهم يجعله خاليًا إشارة للفناء، وبعضهم يجعل في وسطه هاء هكذا إشارة إلى الهوية الدائرة بالعلم، دوران علم وقدرة وقيومية لا دوران حس" (٣). وهو بهذا المعنى الذي يفسر فيه مراد الصوفية من وحدة الوجود نجده أيضًا يؤول

стр. 745

فيه كلام كبار الصوفية القائلين صراحة بهذه الوحدة، يقول في شرحه لإحدى الصلوات: [وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وأدخلنا حظيرة القدس]: "تطلق على مكان عن يمين العرش من نور، يقال فيه: حظيرة، من الحظر، وهو المنع، لمنعه من غير الخواص، وهو مكان في أعلى الجنة يشاهد المقربون فيه ربهم، كما يقتضي ذلك. وتطلق على عالم الجبروت وهو عالم الأسرار وشهود الواحد القهار، وهذا لا يناله إلا من تخلى عن الشهوات النفسانية وخرج من الطبائع الحيوانية، حتى يمزق السبعين حجابًا الظلمانية التي حجبت بها النفس الأمارة بالسوء، وبمعنى هذا قول السيد البكري في ورد السحر: اجعل أرواحنا سابحات في عالم الجبروت أي عالم الأسرار كما علمت، واكشف لنا عن حضائر اللاهوت أي عن الحضرة الإلهية، فيشهدون سر المعية التي في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ومن التحقيق بهذا المقام قول ابن الفارض: ومتى غبت ظاهرًا عن عياني ... ألقه نحو باطني ألقاك" (١) المناقشة: ظهر تمامًا في خلال عرضي لرأى الصاوي أنه لا يريد بوحدة الوجود التي صرح بها ما يريده الملاحدة منها، وأنه إنما عبر بها عن وحدة الشهود، لذا فإن مناقشتي هنا ستدور حول محورين، أولهما أبين به حقيقة وحدة الوجود الكفرية التي عرفت عن غلاة الصوفية والفلاسفة ونقضها وبيان بطلانها وعدم إمكان إرادتها من جهة الشرع، لأصل إلى أنه لا يمكن حملها على ما أراده الصاوي بها وفسر بها ألفاظ الغلاة من الصوفية الكفرية الصريحة. أما الثاني: فهو بيان حقيقة وحدة الشهود وما يحويه هذا المصطلح المبتدع من موافقة ومخالفة، في ضوء أقوال السلف وفهمهم لهذه البدع الحادثة.

стр. 746

أولًا: نقض وحدة الوجود: إن نظرية وحدة الوجود التي تسربت إلى أوساط المسلمين من حطام العقائد الهندية واليونانية مما لا يخفى معارضته لأصول الدين الإسلامي، فكفر القائلين بها مما يعلم بالضرورة من الدين الإسلامي، إذ فيها مناقضة لحقيقة الإيمان بوجود الله تعالى ربًا متصفًا بصفات العظمة والكمال، يقول شيخ الإسلام ﵀ بعد أن بين بطلان ما يقوم عليه معتقد الفلاسفة في إثبات وجود الرب تعالى: "وهكذا أقوال من نسج على منوالهم وأخذ معانيهم فأخرجها في قالب المكاشفة والمشاهدة والتحقيق والعرفان كابن عربي وأمثاله. . فإن هؤلاء حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وأنه ليس وراء الأفلاك شيء، فلو عدمت السموات والأرض لم يكن شيء موجود، ولهذا كان يصرح بذلك التلمساني (١)، وهو كان أعرفهم بقولهم وأكملهم تحقيقًا له، ولهذا خرج إلى الإباحة والفجور، وكان لا يحرم الفواحش ولا المنكرات" (٢). وبيان ذلك أن الإيمان بالله تعالى يقوم على ثلاثة أسس وهي توحيده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، وذلك الاعتقاد الضال وهو القول بوحدة الوجود ينقض هذا الأصل العظيم من أصول العقيدة الحقة، فالتوحيد بأقسامه الثلاث والذي يعني اعتقاد تفرد الرب تعالى بكل صفات الربوبية والعظمة والكمال ومن ثم صرف العبادة لمن قامت به هذه الصفات وحده لا شريك له ليس له مكانة عند القائلين بهذه الوحدة، إذ مؤدى هذه العقيدة الباطلة مساواة الرب تعالى بجميع خلقه في الاتصاف بهذه الصفات بمعنى تعطيله تعالى عن أي صفة لا يشاركه فيها الموجودات فلو عدمت السموات والأرض لم يكن ثمة موجود وراءها (٣)، وهذا المراد بأحادية الوجود، فيبطل بالتالي حقيقة الإيمان بربوبية المولى القائم على اعتقاد الإثنينية في

стр. 747

الوجود: وجود الأول الآخر الظاهر الباطن، ووجود المخلوقات الفانية الحادثة من العدم والآيلة إلى عدم، وجميع رسالات الأنبياء إنما أتت لتدل على هذه الحقيقة إذ عبادة الله وحده لا شريك له تتضمن إفراده تعالى بما هو أهل له، وما من دليل يستدل به على وجوب توحيده تعالى بالعبادة إلا وهو يدل بالتضمن على هذا الأصل العظيم، ولكونه من الأمور المقررة في الفطرة السليمة فقد استدل به ولم يستدل له، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، فإنه لبداهة امتناع القضيتين سكت عن بيان جوابهما. وآيات الكتاب الحكيم في الدلالة على هذا كثيرة، وسورة الفاتحة التي تضمنت أصول الاعتقاد الذي تعبد الله تعالى به الخلق لتدل صراحة على نقض هذا المعتقد وإبطاله، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. يقول الإمام ابن القيم ﵀ في بيان رد هذه الآية على القائلين بهذا المعتقد الباطل: "العالم كل ما سواه فثبت أن كل ما سواه مربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، فإذًا ربوبيته تعالى لكل ما سواه: تستلزم تقدمه عليه، وحدوث المربوب، ولا يتصور أن يكون العالم قديمًا وهو مربوب أبدًا، فإن القديم مستغن بأزليته عن فاعل له، وكل مربوب فهو فقير بالذات فلا شيء من المربوب بغني ولا قديم" (١). * * * ولما كانت هذه العقيدة مناقضة للأصل الذي قام عليه توحيد الألوهية: وهو إفراد الله تعالى بأفعال الربوبية، فقد أدت إلى معارضة حقائق العبودية وهدم مسلماتها، فقد اقتضى هذا الاعتقاد المارق كثيرًا من أسس الإلحاد في ألوهية المولى تعالى، والتي كان له قدم السبق في إرسائها عند من عمى عليهم فلم يعرفوا الحق من

стр. 748

الباطل، فوحدة الأديان التي لا تفرق بين كافر ومسلم كانت إحدى المسلمات التي تمخضت عنها هذه العقيدة المارقة، يقول ابن عربي: لقد صار قلبي قابلًا كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني" (١) وكذلك إسقاط التكاليف، فليس ثمة فرق بين الرب والعبد حتى يجهد العبد نفسه بالتزام الأوامر والنواهي مع ذلك الاتحاد الموهوم، يقول ابن عربي: الرب حق والعبد حق ... يا ليت شعري من المكلف إن قلت عبد فذاك ميت ... أو قلت رب أنى يكلف" (٢). وإذا تبين ما في هذا المعتقد من نقض لأصول الإيمان وحقائق التوحيد فإن فيه أيضًا مناقضة لصريح المعقول ولا غرابة إذ لا معارضة بين النص الصحيح والعقل الصريح. وذلك لأن الوجود من الكليات التي ليس لها واقع إلا في جزئياتها المتحققة في الخارج، فمن غير الممكن إثبات المتعين في الواقع الخارجي بالكلي، لأن الكلي لا وجود له في الأعيان، وإنما وجوده في الأذهان، ولا يكون الشيء موجودًا في الخارج إلا مع تحققه بالصفات التي يتحقق بها وجوده وتميزه عن غيره من الموجودات، أما ما يذهب إليه هؤلاء من إثبات إله لا صفات له تباينه عن غيره من الموجودات فهذا من الأوهام الذاتية الباطلة التي مؤداها نفي الخالق، تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا. ومن هنا فإنه لا يصح إثباتهم لوجود الله تعالى بهذه العقيدة الضالة. يقول شيخ الإسلام ﵀ في محاجاة القائلين بهذه الأوهام أذناب الفلاسفة المجحفين: "فإذا ثبت له أن العقل الصريح يمنع أن يكون في الخارج

стр. 749

وجود كلي مطلق بشرط الإطلاق، وأن الكليات بشرط إطلاقها أو عمومها إنما وجودها في الأذهان، لا في الخارج، وكان عارفًا بهذه العلوم، وبينت له ما تستلزم أقوالهم الكثيرة من الجمع بين المتناقضات التي هي معلوم استحالتها ببداهة العقول، وما كان كذلك، فإذا ادعى أنه عرفه كشفًا وشهودًا أو ذوقًا علم أنه خيالات فاسدة، وأذواق فاسدة، وذلك أنه لا بد من أحد الأمرين: إما أن يكون قد شهد ما وجوده في الأذهان، فاعتقد وجوده في الأعيان، كما يقع لكثير من الناس، ومعلوم أن شهود الشيء غير العلم بكونه في النفس أو الخارج، وهؤلاء قد يحصل لهم مجرد الشهود من غير تمييز بين الموجود في النفس أو الخارج، وكثيرًا ما يضلهم الشيطان بتخيلات لا حقيقة لها في الخارج. وإما أن يكون قد شهد ما وجوده في الخارج، فظن أنه الخالق، وإنما هو مخلوق ليس هو الخالق، فكل شهود وذوق وكشف يدعى فيه أن المشهود بالقلب هو الله تعالى فذلك مما يناقض المعلوم بصريح العقل، ويخالف الكتاب والسنة والإجماع، فإنه يكون المشهود به إما في الذهن وإما في الخارج ولكن ليس هو الله ولا هو ما يقال هو وجوده ولا ذاته". (١) ولهذا فقد كان كفر هؤلاء الاتحادية أشد من اليهود والنصارى وعباد الأصنام، "فإن هؤلاء يقولون بالحلول المقيد الخاص، وأولئك يقولون بالإطلاق والتعميم، ولهذا يقولون إن النصارى إنما كان خطؤهم لأنهم اقتصروا على بعض المظاهر دون بعض، وهم يجوزون الشرك وعبادة الأصنام مطلقًا على وجه الإطلاق والعموم" (٢). ويقول الإمام الشوكاني بعد أن ذكر أقوال العلماء في تكفير هؤلاء أمثال ابن تيمية وابن القيم وعبد السلام وابن حجر وابن خلدون ما نصه: "فأنا لا أرضى لهم بمطلق الكفر، بل أقول: لا أعلم أحدًا من مردة الكفرة: النمرود وفرعون وإبليس والباطنية والفلاسفة بل نفاة الصانع، فإن هؤلاء نفوا الصنع فانتفى الصانع، فما

стр. 750

أعلم أحدًا بلغ هذا المبلغ في جميع الكفريات الماضية، وإحداث ما هو شر منها. . إلى أن قال ﵀: اللهم العنهم لعنًا كثيرًا واقطع دابرهم وامح أثرهم، اللهم أمتنا على هذا واحشرنا عليه، واكتبنا من الشاهدين عليهم آمين" (١). * * * ومع وضوح بطلان هذا المعتقد، ومناقضته لحقيقة الدين المرتضى جملة وتفصيلًا، ومع وضوح سذاجة الفكر الذي لم يقنع بمخالفة مثل هذه الأوهام لصريح المعقول والمنقول، إلا أنه يحسن بيان الخلط الذي وقع فيه أمثال هؤلاء، يقول الإمام ابن القيم ﵀: وقد لحظ ملاحدة الاتحادية أمرًا اشتبه عليهم: من وحدة الموجد بوحدة الوجود. وتوحيد الذات والصفات والأفعال بتوحيد الوجود. وفيضان جوده بفيضان وجوده. فوحدوا الوجود وزعموا أنه المعبود". ولا شك أن إيجاده تعالى هو الذي فاض على الموجودات فوجدت وهو الذي اكتسته، أما وجوده: فمختص به لا يشاركه فيه غيره، كما هو مختص بماهيته وصفاته، فهو بائن عن خلقه والخلق بائنون عنه، فوجود ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، حاصل بإيجاده له، فهو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى" (٢). * * * موقف الصاوي: وبناء على ما تقدم من بيان حقيقة ذلك الاعتقاد الضال، وما ينبني عليه من أحكام، فإنه يستحيل إثبات وحدة الوجود دون اعتقاد للحلول والاتحاد، وذلك لأن وحدة الوجود بمعناها الكفري المعروف تتفق تمام الاتفاق مع الحلول والاتحاد من

стр. 751

حيث المبدأ الذي يقضي بعدم التفريق بين الله عن قولهم - وبين النفس البشرية، ومن هنا يظهر الخطأ الذي وقع فيه الصاوي من اعتقاد صحة القول بالوحدة مع التنزيه عن الحلول المزجى، والذي يقضي بالوقوف على الكنه، لأن هذا في حقيقة الأمر جمع بين النقيضين: الوجود والعدم، فمنع الاتحاد يعني عدم الوحدة، وإثباته يعني إثباتها، لذلك فإن ما خرج به الصاوي وحدة الوجود مع التنزيه عن الحلول والإحاطة مغالطة ليس لها أساس من الصحة. وقد يفسر موقف الصاوي المتناقض في إثبات الوحدة مع التنزيه عن الحلول وتفسيرها بالمعية والإحاطة والعلم بما يكشف عن وجهة نظره في معنى وحدة الوجود عنده، فإنه قد نص على تعريف وحدة الوجود بما يفسر به وحدة الشهود كما أن تأويله لوحدة الوجود بمشاهدة أفعال الله تعالى من المعية والقدرة والإحاطة ليدل على أن مراده بها وحدة الشهود، ومن هنا فإن إبطال إثباته لوحدة الوجود يكون ببيان مخالفة نظرية وحدة الشهود لوحدة الوجود، فوحدة الشهود كما سبق وأن بينت المراد منها أن يرى السالك الله تعالى رؤية قلبية فلا يشهد شيئًا مع شهوده إياه، كما أن أساس استشعارها قائم على مبدأ الثنوية، وقد يغرق الصوفي في هذا المعنى حتى يصل إلى ما يقارب وحدة الوجود من اعتقاد الحلول والاستغراق في الذات الإلهية - تعالى الله عن قولهم - فمع التسليم بأن وحدة الشهود قد تكون سبيلًا لوحدة الوجود وذريعة للإلحاد، إلا أن كلام الصاوي في منع الحلول والوقوف على الكنه والتأكيد على أن المراد بها عنده قيومية الله قيومية إحاطة وعلم وقدرة يقطع بعدم إرادته للمعنى الكفري من وحدة الشهود. وإذا ثبت بطلان إثبات وحدة الوجود على معنى لا يكون فيه اتحاد بين الخالق والمخلوق للاعتبارات السابقة، فإن أي تفسير لنصوص الكتاب والسنة في سبيل التأصيل لها، يعد من التقول على الله بغير علم، فهو إذًا تأويل باطل لا اعتداد به. وعليه فإن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى

стр. 752

يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ على ما تقدم من كلام الصاوي تأويل باطل ترده دلالة النص صراحة، إذ معنى الآية: العلامة الدالة على صدق المستدل له، فالتأويل الصحيح لها أن هذا وعد من المولى تعالى بتحقيق الأدلة التي تقطع بصدق ما جاء به النبي ﷺ . يقول الإمام ابن كثير ﵀ في معنى الآية: "أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًا منزلًا من عند الله على رسول الله ﷺ بدلائل خارجية: من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان، قال مجاهد والحسن والسدي: ودلائل في أنفسهم قالوا: وقعة بدر وفتح مكة ونحو ذلك من الوقائع التي حلت بهم، نصر الله فيها محمدًا ﷺ وصحبه، وخذل فيها الباطل وحزبه. ويحتمل أن يكون المراد من ذلك ما الإنسان مركب منه وفيه وعليه من المواد والأخلاط والهيئات العجيبة، كما هو مبسوط في علم التشريح الدال على حكمة الصانع ﵎، وكذلك ما هو مجبول عليه من الأخلاق المتباينة من حسن وقبح، وغير ذلك" (١). - بقى هنا معرفة وجه استدلال الصاوي بكلام ابن الوفا على وحدة الوجود، أو ما الدافع الذي حمل الصاوي على نقل استدلال ابن الوفا لتقرير وحدة الوجود؟ ، مع اختلاف وجهات النظر اختلافًا جذريًا في المراد بهذه الوحدة، إذ المطالع لأقوال ابن الوفا لا يتردد في الحكم عليه أنه من الاتحادية الغلاة. ثم إن هذا الاستفسار ينسحب أيضًا على استشهاده ببيت ابن الفارض، الحق أن هذا دفاع عن الصوفية الغلاة وتأويل لكلامهم بما يخالفه، وهذا مما لا يسلم له أبدًا. ثانيًا: حقيقة وحدة الشهود: - ودون إغفال لحقيقة الشهود عند الصوفية وما جر إليه الاستغراق به من

стр. 753

مخاطر أوهت بالثوابت وأردت بالقيم، حيث حملهم على عدم التفريق بين المحظور والمأمور، فصارت الطاعة مماثلة للمعصية حتى قال قائلهم: فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر، وهذا هو عين الكفر والخروج من الدين، وقد يكون هذا من شدة الوارد وقد يكون متعمدًا وأيًا كان فإن هذا من الأوهام التي يستند إليها الجهلة في ارتكاب المحاذير، يقول شيخ الإسلام حاكيًا شبهتهم في شهود الأفعال والاستغراق في مطالعة القدر: "وأما شهود القدر، فيقال: لا ريب أن الله تعالى خالق كل شيء ومليكه، والقدر هو قدرة الله - كما قال الإمام أحمد - وهو المقدر لكل ما هو كائن، لكن هذا لا ينفي حقيقة الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأن من الأفعال ما ينفع صاحبه فيحصل له به النعيم، ومنها ما يضر صاحبه فيحصل به عذاب، فنحن لا ننكر اشتراك الجميع من جهة المشيئة والربوبية وابتداء الأمور، لكن نثبت فرقًا آخر من جهة الحكمة والأوامر الإلهية ونهاية الأمور، فإن العاقبة للتقوى، لا لغير المتقين، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (١) ومن هنا كان "الفناء الذي يفضي بصاحبه إلى مثل هذا حال ناقص، وإن كان صاحبه غير مكلف، ولهذا لم يرد مثل هذا عن الصحابة الكرام الذين هم أفضل هذه الأمة، ولا عن نبينا محمد ﷺ وهو أفضل الرسل" (٢) ولما كانت البدعة بريدًا إلى الكفر ومفتاحًا لبابه، لم يتوقف الأمر عند هذا الخلط والاضطراب في حقيقة الطاعة والمعصية، بل تعداه إلى الكفر الصراح بتسوية الخالق بالمخلوق، يقول شيخ الإسلام: "فمن شهد الحقيقة الكونية دون الحقيقة الدينية، سوى بين هذه الأصناف المختلفة التي فرق الله بينها غاية التفريق، حتى تؤول به هذه التسوية إلى أن يسوى بين الله وبين الأصنام، كما قال تعالى:

стр. 754

﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. بل قد آل الأمر بهؤلاء إلى أن سووا الله بكل موجود، إذ جعلوه هو وجود المخلوقات، وهذا من أعظم الكفر والإلحاد برب العباد" (١) ولكل ما تقدم أتى تحذير الشارع الحكيم من البدع، قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. * * *

стр. 755

(المبحث الرابع): الترقي في المقامات لما كان الهدف الأسمى - عند الصوفية - من العروج في هذه المقامات تحقق مقتضى الخلاص بتجلى المعارف النورانية حيث تنكشف الغيوب وتتحد الإرادة إلى غير ذلك من أوهامهم، فقد وضعوا للمريد عددًا من المجاهدات، التي يتم بها قطع عقبات النفس، وذلك بمحو أي خصلة فيها قد تحول دون صاحبها والتلذذ بأعلى هذه المقامات (١). وبيان ذلك أن النفس عند المتصوفة يراد بها كل "ما كان معلولًا من أوصاف العبد، ومذمومًا من أخلاقة وأفعاله" (٢). وإذا كان قد سبق الحديث عن أقسام المقامات من جهة ما يتعلق بها من أحكام، فإن الحديث هنا يختص ببيان حال النفس عند محاولة العروج والترقى في تلك المقامات، وأثرها على نجاح تلك المحاولة أو إخفاقها، ومن ثم بيان السبل التي ينصح بها المريد من أجل الخلوص من كل ما يمكن أن يحول دون تذليل تلك القواطع والصوارف. وعند إرادة الكشف عن حقيقة هذه المجاهدات التي أجمع الصوفية على تأصيلها والدفاع عنها، فإن الحديث يرتبط بما سبقت الإشارة إليه من وجود تأثر واضح بالديانة البوذية، فإن الصوفى يعتقد "كما يعتقد الهندوسى أن نظامًا من التطهير لا بد منه لكى ينكشف عنه الغطاء، ويرقى إلى عالم الفيض والإلهام، والتطهير يكون بضروب من التفانى في الطاعات والتأمل والنظر والتدبر. . . . . . فالصوفى الكامل يحب الله لذاته لا رغبة في ثواب ولا خوف من عقاب" (٣).

стр. 756

وهذا منهج معروف عند الصوفية، وقد قامت بوضع أساسه رابعة العدوية التي أثر عنها أقوال عدة في تقرير هذا المبدأ، ومن ذلك أنه حين سئلت عن حقيقة إيمانها، "قالت: ما عبدته خوفًا من ناره ولا طمعًا لجنته كالأجير السوء، عبدته حبًا له وشوقًا إليه" (١). ويقول القشيرى عن أحدهم: حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله ، وينسى حوائجه إليه. وقيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇ أنى إذا اطلعت على قلب عبد، فلم أجد فيه حب الدنيا والآخرة ملأته من حبى" (٢). ومن جملة الأسباب التي يتوصل بها إلى تذليل عوائق الطريق النفسية تجلى الأسماء الحسنى، حيث يعتقد الصوفى أن فناءه عن شهود السوى الذي حقيقته فناء عن شهود جميع الأفعال غير فعل الرب الذي هو الحقيقة الكونية القدرية يضفى عليه تجليات من صفات مشهوده الذي استغرق في مشاهدته، وبحسب استغراقه في استشعار الأسماء والصفات يكون حظه من تلك الصفات، وقد يغرق بعضهم في هذا حتى يدعى لنفسه منها ما يضفى عليه بعضًا من خصائص الربوبية، كالتصرف في الأكوان إلى غير ذلك (٣). وهذا بلا شك تأثر واضح بالمعتقد الكفرى الفلسفى الإشراقى، الذي يقوم على مبدأ الفيض والصدور، فالعقل الفعال هو العقل العاشق وإذا اقترب منه الناسك تجلى عليه بالعلوم والمعارف وأحرز تقدمًا كبيرًا في الاقتراب من الإله أو التشبه به على قدر الطاقة (٤) وقد يصرح بعضهم (٥) بمماثلة هذا الكفر لعالم المثل الذي

стр. 757

ابتدعه أفلاطون ليصل إلى النفس إنما تتحصل على الكمال إذا شابهت مثالها في العالم العلوى، فيقول: "فالنفوس إذا صفت ورقت تبهت بالملأ الأعلى وانتقشت فيها أمثلة الكائنات، واطلعت على المغيبات، وأثرت في السفليات، كما أن الحديدة المحماة إذا تشبثت بالنار وتكيفت بها صارت تؤثر في الأجسام أثرها، لأجل التشبه بها، فمن أجل ذلك كان تأثير النفوس في هذا العالم على قدر تشبهها بالعالم الأعلى". (١) ويخضع هذا الاتجاه الفكرى إلى قضية الرمز والتأمل، فالأسماء الحسنى التي تدل على ما يتصف به الرب إذا ذكرها العبد مستغرقًا تجلت له معارف وعلوم تناسب حاله في الاستغراق، حيث يفتح له بابًا من الفيض والإشراق يتمكن به من الوقوف على حقائقها المجردة، وحالهم في هذا الزعم مشابه تمامًا لحال أسلافهم من الفلاسفة الأفلاطونية "فكما أن رجال الأفلاطونية لم يروا في الألفاظ إلا ظلالًا شاحبة للحقيقة المجردة، وقالوا: إن المعرفة الحقة اليقينية لا تدرك إلا بالتأمل الباطنى العميق والمجاهدة النفسية في درجات الكشف العليا حين تتضح خلالها للمتأمل الحقائق على ما هي عليه، كذلك اعتمد فلاسفة الصوفية هذه الدعوى، وزعموا أن الوقوف على ظاهر نصوص الشرع حجاب يمنع من الوصول إلى حقائق الأمور" (٢) وفي تقرير مبدأ الوصول إلى أعلى الأحوال بالذكر المعروف الذي يكون بترديد اسم من الأسماء الحسنى: كقولهم: الله الله، أو حى حى يقول الحكيم الترمذي (٣) في رسالته المسماة بختم الأنبياء: مكر النفس بما يعبر عن مسلك معتدل في

стр. 758

الفكر الصوفى اتجاه استشعار الأسماء الحسنى: "إنا وجدنا مكر النفس في الكليتين، وكياسة المعرفة في الفؤاد، فبكياسة المعرفة يعرف مكر النفس: وكياسة المعرفة من اسمه الحى، ومكر النفس من حدة الهوى الذي يصير إلى النفس من معدنه، فتلتقط لطائف الشهوات، وعذوبة الأفراح، وبهاء الزينة، فتحمله إلى الصدر حتى يشبه على عين الفؤاد، ويطفئ نور الكياسة، ويخمد وقود حياتها، فيكون كالحى المسبوت (١). فمن شأن القائم ببرهان ذلك بالعناية والبال العظيم، أن يراقب أحوال النفس في هذا المكر الذي يعامل به، فيلقى كل حال وكل شأن بمثلها من الكياسة حتى يردعها عن وجهتها التي قصدت إليها، فترجع النفس بمكرها منقمعة خاسئة بما لقيت من زجرة الكياسة". (٢) أما غلاة الصوفية فيجعلون من ذكر الله تعالى بالأسماء الحسنى سبيلًا إلى الاتصاف بها حتى يخرج بهم الأمر إلى ادعاء مشاركة الرب تعالى في مقتضى هذا الاسم الذي لا ينبغى إلا لذاته سبحانه، يقول الكاشانى في تعريف العبادلة: "هم أرباب التجليات الأسمائية إذا تحققوا بحقيقة اسم من أسمائه تعالى، واتصفوا بالصفة التي هي حقيقة ذلك الاسم" ومن أمثلة ذلك، يقول في معنى عبد القهار: هو الذي وفقه الله بتأييده لقهر قوى نفسه، فتجلى له باسمه القهار، فيقهر كل من نوأه، ويهزم كل من بارزه وعاداه، ويؤثر في أكوان ولا يتأثر منها" (٣) ويقول: "عبد الحى: من تجلى له الحق بحياته السرمدية، فحى بحياته الديمومية. عبد القيوم: هو الذي شاهد قيام الأشياء بالحق، فتجلت قيوميته فصار قائمًا بمصالح الخلق قيمًا بالله، مقيمًا لأوامر الله تعالى في خلقه بقيوميته، ممدًا لهم فيما يقومون به من معايشهم ومصالحهم وحياتهم" (٤)

стр. 759

ومن هنا كانت عناية الطائفة بالذكر، فقد قدموه على جميع الوسائل المقومة للسلوك من الصلاة وغيرها، يقول الشعرانى: "ومن شأنه مكايدة خواطره، ومعالجة أخلاقه، ونفى الغفلة عن قلبه بمداومة الذكر، وأما كثرة تلاوة القرآن والصلاة، فلا يعول المريد الصادق عليه، لأن القرآن إنما هو ورد الكمل، وكذلك الصلاة. وأما المريد فإنما عمله الدائم في تنظيف ظاهره وباطنه عن الصفات التي تمنعه من دخول حضرة الله ، كالغضب وعزة النفس والكبر والحسد ونحو ذلك" (١) رأي الشيخ الصاوي: يرى الصاوي أن طريق الوصول إلى هذه المقامات يكون بالتزام الطريقة الصوفية على يد شيخ عارف، وعليه فإنه يرى أن هذه المقامات مما ينال بطريق المجاهدة وبذل الأسباب، يقول: "ولما ذكر مقام البقاء ولا يكون صاحبه إلا كامل الإيمان لتخليه عن الأغيار، طلب تحليته بالعطايا" وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وانشر علينا نعمتك المخصوصة بأهل العنايات، وهم الصديقون الذين أخذهم الله لنفسه، على حد قوله تعالى " ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] وهذا من التحلية بعد التخلية، لأنه طالب الفتح الأكبر ولا يكون بالمجاهدة، بل بالمواهب الربانية، بخلاف التخلية من الأغيار حتى يكون من أهل البقاء، فبن له سببًا عاديًا وهو المجاهدة على يد شيخ عارف التزم معه الشروط والآداب" (٢) أولًا: عقبات الترقي: وفي بيان العقبات التي يجب على المريد تذليلها من أجل الترقى إلى هذه المقامات فإنه يقول في شرحه لإحدى الصلوات: (وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وانزع من قلوبنا حب الشهوات والأغراض) "المبعدة عن الحضرة الإلهية، وهي حجب النفس الظلمانية والنورانية"

стр. 760

ثم يشرع في بيات هذه الحجب، يقول: "فالظلمانية: شهوات المعاصى الباطنية والظاهرية. والنورانية: طلب غير الله من الأمور الأخروية، كالعبادة لأجل حصول العلم. أو لأجل الكرامات: كالكشف والطيران والجنة والخلاص من النار والقبر ونعيمه وعذابه وسعة الدنيا وإقبال الناس بقصد نفعهم، أو قصد الولاية أو الاجتماع بالنبى أو الأنبياء أو الأولياء والحاذق يقيس، كما قال بعض العارفين: أحبك لا لي بل لانك أهله ... وما لى في شيء سواك مطامع وقال سيدى عمر بن الفارض ﵁: قال لي حسن كل شيء تجلى ... بى تمل فقلت قصدى وراكا وحد القلب حبه فالتفاني ... لك شرك ولا أرى إلا شراكا وقال صاحب الحكم ﵁: ما أردت همة سألك أن تقف عندما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقيقة: الذي تطلب أمامك، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] ولذلك ورد أن من عبد الله بهذا الوجه: تزفه الملائكة إلى الجنة مسحوبًا من سلاسل من ذهب، ومن هنا قال العارف: تركت للناس دنياهم ودينهم ... شغلًا بحبك يا دينى ودنياى. وقال ابن الفارض: تعلق بأذيال الهوى واخلع الحيا ... وخل سبيل الناسكين وإن جلوا * * * ثانيًا: طريق الخلاص: وبعد أن بين العقبات فإنه يصف السبيل إلى تذليلها - كما يرى - وذلك بالإكثار من ذكر بعض أسماء الله الحسنى بقصد الاستدواء، وفقًا للطريقة الخلواتية،

стр. 761

يقول: "ولما كان الخلاص من تلك الحجب واجبًا عينيًا على كل مريد لله، وضعت أهل الطريقة الخلواتية أسماء سبعة، لأن كمال النفس وخلاصها من تلك الحجب لا يحصل إلا بتجليات تلك الأسماء على الترتيب المعلوم عندهم، لأنهم قسموا النفس إلى سبعة أقسام: أمارة، ولوامة، وملهمة، ومطمئنة، وراضية، ومرضية، وكاملة: ثم يأخذ بتوضيح سبب تسمية النفوس بهذه الأسماء مع وقفة يسيرة للنفس الرفيعة وذلك لبيان ترقيها بالمقامات بحسب ما اتصفت به من صفات علت بها عن غيرها، يقول: فأخذوا الأمارة: من قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] وهي نفوس الفساق لا تأمر صاحبها بخير أصلًا. واللوامة: من قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] وهي تأمر بالمعاصى، لكن تلوم صاحبها وتتوب. والملهمة: من قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] وهى التي ألهمت عيوبها فلا ترى لها تقوى ولا عملًا وصاحبها فانٍ في مقام السكر. والمطمئنة والراضية والمرضية: من قوله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧، ٢٨] والكاملة: من قوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠]. ويسترسل في بيان استحقاق هذه النفس لكل تلك الصفات على الترتيب وملاحظة الترقى في المقامات، يقول: وسميت مطمئنة لرجوعها لمقام البقاء بربها، وسكونها للمقادير لشهودها الحق في الآثار فترى كل شيء جميلًا. فلذلك كان أول قدم يضعه المريد في الطريق - هو الوصول إلى مقام البقاء - وقبله كان مريدًا ولم يكن من أهل الطريق.

стр. 762

فإذا استمرت تلك الطمأنينة واستمر بالباب، كانت راضية، فتكون مرضيًا عليها من الله، لأن من رضى له الرضا. فإذا استمرت على الباب تجلى عليه الحق بشهِود الذات فضلًا منه وإحسانًا وهي الكاملة، وهذا إشارة لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي جنة مشهودى في الدنيا (١) "وهذا مقام الواصلين وقبل ذلك يسمى مقام السائرين" (٢) ويعلل تفسيره للجنة بهذا المقام، فيقول: "فإنه تقدم لنا أن مشهود الذات نعيم معجل للأولياء أعظم من نعيم الجنان". وبعد ذلك يبين - الصاوي كما يرى - أثر تجلى أسماء الله الحسنى السبعة على هذه النفوس في ترقيها إلى المقامات الصوفية، يقول: "فوضعوا للمقام الأول - يعني النفس الأمارة -: لا اله الا الله لنفى الأغيار من كل حجاب ظلمانى. ووضعوا الاسم الأعظم وهو الله في المقام الثاني: للخلاص من النفس اللوامة فإن تجليه يفنيها. ووضعوا للمقام الثالث - النفس الملهمة - هو بالسكون والمد موضوع لحقيقة الحق فذكره يناسب الفانى في ذات الله. فإذا صحا من سكوه وضعوا له حق، لأن تجليه يحصل به دوامًا الطمأنينة، لكون معنى الحق الثابت الذي لا يقبل الزوال أزلًا ولا أبدًا. فإذا استمر ثابتًا بعد صحوه من الفناء وضعوا له في المقام الخامس: حى لتليه عليه بالحياة السرمدية، فإذا خلعت عليه خلعته صارت نفسه مرضية للرب، وناسبه قيوم لأن به قوام العالم فتخلع عليه خلعة القيومية، وهو التصرف في العالم، فيصلح للخلافة. فينتقل للكمال وهو شهود الذات، فيناسبه قهار ليخلع عليه خلعة يقهر بها المعاندين والمعارضين، لأنه صار داعيًا من دعاة الحق" (٣).

стр. 763

أمر المشايخ المريدين بتلاوة القرآن والتعبد به بعد كمالهم ونظافة قلوبهم، وما داموا لم يكملوا يأمرونهم بالمجاهدة بالذكر ونحوه لتخلص قلوبهم، والحكمة في ذلك أن الغفلة في الذكر أخف منها في القرآن لما في الأثر: رب قارئ والقرآن يلعنه، فجعل العارفون للتوصل للقرآن طرقًا يجاهدون أنفسهم بها ليزدادوا بقراءتهم القرآن علومًا ومعارف وأخلاقًا". (١) المناقشة: إن موقف الصاوي من أساليب التطهير والذي يتحدد في أن إرادة النجاة من النار والفوز من الجنة إحدى الحجب التي تحول دون إخلاص العمل لله تعالى يعد امتدادًا لما ادعاه أسلافه من الصوفية الذين تأثروا بالمذاهب الملحدة، فحقيقته مستوحاة من غير هدى الرسالات المنزلة التي تتفق مع القيم والمبادئ الفطرية على هيئة تتكامل فيها الفطرة بما جبلت عليه مع الهدى الذي أتى لتقويمها وسدادها في مسيرة متوازنة بعيدًا عن التناقض واختلاق العقبات. إن نصوص الكتاب والسنة أتت صريحة بخلاف هذا الذي ذهب إليه بل بعده من الأباطيل التي ينقضها العقل والنقل، إذ الترغيب والترهيب من أهم المقومات التي ارتكزت عليها دعوة الأنبياء والرسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -. قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. يقول الإمام ابن جرير: "أرسلهم الله مبشرين لمن أطاع الله واتبعهم، بالسعادة الدنيوية والأخروية، ومنذرين من عصى الله وخالفهم بشقاوة الدارين" (٢) وعليه فإن إغفال هذا الجانب الجزائى العظيم من عملية التربية الدينية يعد خطأ جسيمًا، وذلك لما يترتب عليه من أخطار عقدية وسلوكية يتحتم وجودها عند

стр. 764

الإخفاق في هذه المهمة، إذ النفس مجبولة على محبة الثواب وإرادته، ولما كان الالتفات إليه في الدنيا مخل بحقيقة الإخلاص انعقد الخلاص بتوجيهه نحو الجزاء الأخروى الذي تعلقت آمال المخلصين بالحصول عليه. ومن هنا أتى مدح المولى تعالى لخيرة عباده المؤمنين من المصطفين الأخيار، حيث قال في محكم التنزيل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾، يقول الإمام ابن جرير ﵀ في بيان هذا الركن العظيم من أركان العبادة: "عنى بالدعاء في هذا الموضع: العبادة، كما قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] ويعنى بقوله: (رغبًا)؛ : أنهم كانوا يعبدونه رغبة منهم فيما يرجون منه من رحمته وفضله (ورهبًا): يعني رهبة منهم من عذابه وعقابه، بتركهم عبادته، وركوبهم معصيته" (١) بقى التنبيه على حقيقة المحبة التي أنيط الفوز ببلوغ العبد إياها، إن محبة الله تعالى أمر قد فطرت النفوس عليه إذ جبلها الله على محبة من أحسن إليها ولا أحد نعمه لا تحصى إلا إياه ومن هنا كانت محبته مخالطة لبشاشة قلوب الخلق، حتى كان هذا الأصل مما لم ينازع فيه أحد وإنما كان النزاع في حقيقة المحبة المرادة الشرعية، والتي أنيط تحقيق الأمل برضا الله عند تحقيقها في قلب العبد، يتجلى هذا المعنى وضوحًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هنا علق المولى حقيقة المحبة المرادة بشرط تحققها وهو متابعة النبي ﷺ . وكما قيل لما كثر المدعون طولبوا بالبينة. فالمحبة أصل التوحيد ولب العبادة ولكنها لا يمكن أن تتحقق بما يحفظ لها نقاءها مع امتناع الضابط والقائد، فالضابط هو الخوف من عذاب الله تعالى، فحتى

стр. 765

لا يخرج الهوى صاحبه عن طريق العبادة المتمثل بالمحبة إلى الهوى فيضل عن سبيل الله كان الخوف رادعًا وزاجرًا يهيب بالعبد من مغبة الإعراض عن أمره ونهيه. وكان القائد هو الرجاء، فإذا استعدى الخوف بصاحبه أتى الرجاء قائدًا له حاديًا إلى مرضاة الله بعيدًا عن القنوط من رحمته وجنته. يقول شيخ الإسلام ﵀ في بيان هذه القاعدة الجليلة: "إن محركات القلوب إلى الله ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء. وأقواها: المحبة وهى مقصودة تراد لذاتها، لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف، فإنه يزول في الآخرة، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. والخوف المقصود منه الزجر والمنع عن الطريق، فالمحبة تلقى العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه. فالخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه" (١). ومما يظهر به ضلال معتقدهم في تهميش جانب الرجاء، وجعله من عوائق الخلاص والترقى في مقامات العبادة والسلوك، أن غاية ما يرجوه العبد هو دخول الجنة، والتنعم بما فيها، وقد علم أن أعظم نعيم الجنة هو رؤية الله، قال ﵊: (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئًا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم (٢). وبهذا يكون موقفهم من ترك عبادة الله بالرجاء مناقضًا لأصل ادعائهم المحبة,

стр. 766

فإن المحب مشتاق لرؤية محبوبه لا يزال يمنى نفسه بها ويعمل لأجلها، لذا كان من عذاب الكافرين أن الله لا ينظر إليهم يوم القيامة وأنهم يحجبون عن رؤيته، فلا يكلمهم ولا يزكيهم، وكان من أعظم نعيم أهل الجنة النظر إلى وجهه الكريم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وإذا تم بيان مكانة المحبة في تحقيق العبودية، وجب أن يبين ما يجب أن يعبر عنها من الألفاظ حتى تبقى هذه الحقيقة الإيمانية في صفاء بعيدًا عن درن الضلال والزيغ الذي يمليه الهوى، يقول الإمام ابن القيم ﵀: "ولما كانت المحبة جنسًا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى: ما يختص به ويليق به كالعبادة والإنابة والإخبات ولهذا لا يذكر فيها لفظ العشق والغرام والصبابة والشغف والهوى، وقد يذكر المحبة كقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] (١). ومن هنا ظهر ضلال من سمى محبة الله هوى وعشقًا كابن الفارض وغيره ممن تاهوا بإرادة هذه المعانى ولم يصلوا، وقد سبقت الإشارة إلى أنواع الإلحاد التي ارتادها ابن الفارض بهذا الحب المزعوم الذي سولت له نفسه أن يجعله مسوغًا له فيما ادعاه من أوهام الاتحاد، ومع موقف الصاوي التأويلى لهذا الإلحاد الذي عجت به أشعاره إلا أن الحق أحق أن يتبع، وعليه فما ذكره في البيت من أمر للناسكين بالتعلق بأذيال الهوى وخلع الحياء في ذلك محض ضلال وتيه وبعد عن مقتضيات المحبة الشرعية، التي لا سبيل إليها إلا بالتزام آداب الشرع ظاهرًا وباطنًا، ولو علم هذا المحجوب: ابن الفارض، وأمثاله، أن قرة عين المحب في رضا محبوبه عنه لما

стр. 767

تاه به المراد عن السبيل مع التلازم: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾. هذا وقد أصاب الصاوي في منعه إرادة المناصب أو الكرامات أو النعم المؤجلة أيًا كانت لذاتها، وجعلها من معوقات الوصول إلى الإخلاص. أما مع وقوعها دون تشوق قلب فذلك فضل الله وهو كما قال النبي ﷺ : (عاجل بشرى المؤمن) (١). وكان حديث الصاوي عن النفس مع أثر تجليات الأسماء عليها في الترقى للوصول إلى أعلى المقامات محل نقاش في بعض ما ذكر، ويمكن إجمال ما يلحظ إليه في النقاط التالية: أولًا: أنه جعل صاحب النفس الملهمة التي وردت في قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ في مقام الفناء الذي هو محل سكر واصطلام، فكان هذا من باب تحميل النص ما لا يدل عليه، فإن الفناء الذي يحمل صاحبه على السكر مقام نقص، فمن غير الممكن أن تجبل النفس على إرادته، وليس فيه مراعاة للتقوى والوجل - كما ذكر - بل كثيرًا ما يدعى أصحابه سقوط التكاليف واستواء المأمور بالمحظور لمشاهدة المشيئة الكونية، يصدق هذا من كلام الصاوي ما نقله عن أحدهم في مقام الفناء: فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر. وعليه فإن استدلاله بهذه الآية الكريمة على بلوغ النفس هذا المقام مما يرد عليه، ثم إن في نفس الآية ما يدل على مناقضة ما ذهب إليه لأن المراد بهذه الآية الكريمة بيان حقيقة النفس التي جبلها الله تعالى على معرفة الخير من الشر، حتى تقوم الحجة عليها ويصح تكليفها فلا حجة لها حينئذ في معصية الأوامر الشرعية وقد جبلت على تمييز الخير من الشر. ثانيًا: أما تسمية النفس التي في مقام البقاء بالمطمئنة ففيه تفصيل، ويرجع إلى ما

стр. 768

سبق بيانه في الحديث عن مقام البقاء، فبن البقاء الذي لا ينافى الفناء هو ما يكون العبد فيه بحيث لا تحجب مشاهدة أفعاله تعالى عن إدراك الفرق بين ما يحبه تعالى وما يسخطه يصل بصاحبه حقيقة إلى مقام الطمأنينة والرضا، أما إذا أراد به المعنى الذي عليه عامة الصوفية والذي يظهر أنه المقصود من كلامه وهو مشاهدة الأفعال في الآثار حتى لا يرى معصية ولا يشهد كفرًا أو ضلالًا، فمعنى باطل ترده نصوص الكتاب والسنة وحقيقته غياب عن مقتضى العبودية الذي يلزم العبد باتباع المحاب واجتناب المساخط، وقد سبق تفصيل ذلك. - وبناء على هذا الذي تقرر عنده في معنى المطمئنة فقد أوَّل دخول الجنة بتحقق وحدة الشهود، متبعًا بذلك مسلك الاستبطان في الاستدلال للأحكام الصوفية، وبطلان هذا الذي ذهب إليه أبين من أن يستدل له، ويكفى في رده أن القرآن أنزل بلغة العرب وليس هذا مما يراد بلفظ الجنة. ومع أن الصاوي أشعرى المعتقد ولا يقول بالمعاد الروحى قطعًا، إلا أنه في تحريره لهذه الترقيات بوجهة نظر صوفية، كشف عن تأثر التصوف في مراحله الأخيرة بعقائد الفلاسفة في إثبات المعاد الروحانى دون الجسمانى، إذ غاية النعيم - عندهم - هو معرفة الروحانيات والتلذذ بها. * * * ثالثًا: لقد تابع الصاوي أسلافه المتصوفة في مفهوم تجلى الأسماء الحسنى على ذاكرها والمتعبد باستشعار معانيها، ولا يخفى ما في هذا من غلو مقيت يخلط الحقائق ويطوى المرادات الشرعية على خلاف ما يقتضيه إثبات آثار الأسماء والصفات لله ﵎. فإذا كان الهدف الأسمى من العبادة السنية تحقيق الذل والافتقار إلى الله تعالى بالقيام بكل مأمور وترك كل محظور والازدياد من النوافل والقربات، فإن هدف العبادة الصوفية الترقى إلى مراقى الربوبية، وأنى لهم؟ بل هي مهاوى الإلحاد والمروق من الدين بالكلية، وبيان ذلك ما يلى:

стр. 769

إن توحيد الله تعالى بأسمائه وصفاته يقوم على نفى التمثيل والتشبيه والتحريف والتعطيل، وكلامهم في هذا التجلى المزعوم ادعاء لمشاركة العبد ربه في مقتضى الصفة، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، فإنه متى قامت الصفة بالموصوف لزمها أمور أربعة: أمران لفظيان، وأمران معنويان: فاللفظيان: ثبوتى، وسلبى، فالثبوتى: أن يشتق للموصوف منها اسم. والسلبى: أن يمتنع الاشتقاق لغيره. والمعنويان: ثبوتى، وسلبى، فالثبوتى: أن يعود حكمها إلى الموصوف، ويخبر بها عنه. والسلبى: أن لا يعود حكمها إلى غيره، ولا يكون خبرًا عنه" (١). وهذه قاعدة تتوجه إلى جميع من اتصف بصفة فعلم قيامه بها، وحقيقة هذا الحكم امتناع اتحاد الأفراد في الخارج لاشتراكها في أمر كلى، مثال ذلك صفة السمع فإن السمع إذا أفرد صار معنى كلى يشترك فيه كل من اتصف بهذه الصفة وليس يعني ذلك اتحاد المحل القابل للسمع فإن كل من له سمع في الخارج يختلف عن الآخر فسمع الإنسان ليس كسمع الحيوان وهكذا. وهذه هي القاعدة التي قال عنها الإمام ابن القيم ﵀: أنها أصل أهل السنة الذي ردوا به على المعتزلة والجهمية وهو من أصح الأصول طردًا وعكسًا (٢). فإذا كانت هذه القاعدة يصح طردها في كل من اتصف بصفة أن يمتنع اتصاف غيره بنفس الصفة التي اتصف بها، فإنه يتعين مزيد بيان بالنسبة لصفات الخالق في مقابل صفات المخلوق، فكما أنه تعالى له ذات ليست؛ كالذوات فكذلك له صفات ليست كالصفات، "فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات".

стр. 770

وهذا الأصل مستفاد من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. ومثال ذلك اتصافه تعالى بالسمع والعلم، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، معنى ذلك أنه "هو وحده الذي له كمال قوة السمع وإحاطة العلم، لا كما يظن به أعداؤه الجاهلون: أنه لا يسمع إن أخفوا وأنه لا يعلم كثيرًا مما يعملون" (١). - وبهذا يتحقق إيمان العبد بصفاته تعالى؛ فكلما ازداد العبد استشعارًا وعلمًا للفرق الذي بينه وبين خالقه؛ كلما تحققت عبوديته له وتأكدت، إذ العبودية التامة هي غاية الحب مع غاية الذل والافتقار، لذلك قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، إذًا فمقتضى العلم بمعرفة أسمائه وصفاته تعالى هو الالتجاء بها إليه تعالى بالدعاء الذي هو حقيقة العبادة. وبيان ذلك أن الدعاء - كما سبق ذكره - ينقسم إلى قسمين: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ودعاء العبادة هو العمل بمقتضى تعظيم أسمائه فكل عمل ظاهر أو باطن صدر من العبد نتيجة لإيمانه بأسمائه وصفاته كالعلم والسمع والبصر والرحمة فهو من الدعاء بالأسماء، وكل سؤال توجه به العبد لربه سائلًا إياه بأسمائه فهو من الدعاء بها، وهكذا. وبناء على ما تقدم فإن ما تقرر عند الصاوي متبعًا بذلك طريقة الصوفية من آثار بعض ما ذكر من الأسماء مردود عليه، فقد ذكر أن ترديد الضمير (هو) يكون للنفس الملهمة، وهذا مما لا أساس له، أولًا؛ لبدعية هذا الذكر، فذكر المولى تعالى المعتبر شرعًا لا بد أن يكون مقرونًا بتعظيم المولى وتبجيله، كقول: لا إله إلا الله، الحمد لله، سبحان الله، وقد ورد في أفضل ما يذكر به المولى تعالى حديث النبي ﷺ ، حيث يقول: (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله). وحقيقة هذا؛ أن الكلام لا يضاف إليه مدحًا أو ذمًا حتى يظهر به المراد، لذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الذكر بالاسم المفرد مظهرًا أو مضمرًا بدعة في

стр. 771

الشرع وخطأ في القول واللغة، فإن الاسم المجرد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا" (١). فكيف يكون مثل هذا الكلام عمدة لأهل التحقيق والعبادة؟ ومن هنا فقد حكم العلماء ببدعية هذا الذكر ووجوب رده على محدثه، استنادًا لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢). هذا وقد شرع ذكر الحق لمن صحا من سكره لأنه يفيد معنى الثبات والبقاء، وكأنه يريد بذلك أن هذه الصفة مع كثرة ترديدها تنعكس معانيها على قائله فتكسبه الثبات بعد سكره وغيابه، ونقض هذا يرجع إلى ما سبق وأن بينته من أسماء الله تعالى حقيقة فيه ليس لأحد أن يشاركه فيها كما أنها لا تستفاد أحكامها ومعانيها اللازمة لأحد مهما كثر ترديده لها فالله سبحانه فرد أحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فكل ما يناله العبد منها من آثار الإيمان بها، والتعبد بمقتضاها، إنما يتوقف على الأحكام المتعدية منها والتى ينالها أهل الإيمان بإيمانهم بها والعمل بما يلزم من ذلك الإيمان. فإن الإيمان بأن الله هو الحق كما دلت على ذلك النصوص الشرعية يثمر الاعتقاد الجازم بأن الله هو الموجود الباقى إذا الحق من صفات الله تعالى التي تفيد الثبات وتفيد البقاء والوجود الذي لم يزل ولا يزال متصفًا بالجلال والجمال والكمال، فقوله حق وفعله حق ولقاؤه حق، وهو الحق الذي لا يعبد غيره، فكل ما عبد من دونه باطل زائل: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] (٣). فآثاره في قلب العبد يقينًا بوجود الله الذي لا يعتريه زوال فهو الأول والآخر،

стр. 772

وإيمانًا باستحقاقه لصفات الربوبية والألوهية، وكل ما خلا ذلك من أوهام الصوفية، فلا حجة فيه ولا معتمد. أما ما ذكره من أن اسمه الحى إذا ردده العبد بعد الصحو من الفناء فإنه يخلع عليه صفة الحياة السرمدية، فهذا باطل ليس له أساس من الصحة، فصفة الحياة لله تعالى من الصفات الذاتية اللازمة، التي تعنى اتصافه بالحياة على جهة لا يماثله فيها أحد، كما في آية الكرسى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فقد نفى تعالى عنه السنة وهى النعاس ليثبت في مقابلها كمال حياته وقيوميته، فأين هذا مما يدعيه أولئك؟ وقد دلت النصوص على جهة لا تحتمل الشك أن كل مخلوق فهو إلى فناء وأن البقاء لله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. وهذا أيضًا ما يقال في صفة القيومية، فإنه تعالى لما وصف نفسه بالحياة الذاتية التامة، بين أن كل موجود سواه إنما كان بإيجاده له وقيوميته عليه فهو القائم على كل نفس خلقًا ومشيئة إحياء وإماتة، وعلى كل موجود حفظًا ورعاية وإبقاء وإفناء، فهو الحى القيوم الذي قامت به السموات والأرض. وبهذا يعلم أن الأثر التعبدى للإيمان بهاتين الصفتين إنما يكون باستشعار الذل والافتقار لكمال الواحد القهار الذي بيده ملكوت كل شيء ومن ثم إفراده تعالى بالعبادة دعاء واستغاثة وتوسلًا ومحبة، لا كما يدعى هؤلاء من مزاعم التجلى التي هي صورة من صور الفيض الكفرى الإشراقى الذي جاء به فلاسفة اليونان. يقول الإمام ابن القيم ﵀ في وصف حال من ظهر عليه آثار التعبد بهذين الاسمين العظيمين: أن من شهد وصفه تعالى بالحى القيوم فإنه يلمس "في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرًا تامًا إليه، من جهة كونه ربًا ومن وجهة كونه إلهًا معبودًا لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره، فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى، وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية، فهنالك تتم

стр. 773

له معرفة هذا الفقر. فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية، اتصف بهذا الفقر حالًا، فما أغناه حينئذ من فقير، وما أعزه من ذليل، وما أقواه من ضعيف، وما آنسه من وحيد، فهو الغنى بلا مال، القوى بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفى بلا عتاد، قد قرت عينه بالله، فافتقر إليه الأغنياء" (١). وكذلك صفة القهار لله فإن العبد إذا علم ما اتصف به تعالى من القوة والغلبة والقهر كان ذلك دافعًا له للخوف والعمل، كما أن من أثر الإيمان بهذه الصفة أن يزداد توكلًا عليه وتوجهًا فلا يخاف في الله أحدًا، وبهذا تظهر عزة المؤمن وكبريائه أمام أعداء الله؛ فالحكم لله العلى الكبير. * * *

стр. 774

الفصل الثالث: (الولاية والكرامة) وفيه مبحثان: المبحث الأول: حقيقة الولاية. المبحث الثاني: حقيقة الكرامة.

стр. 775

تمهيد يقوم المعتقد الصحيح في استحقاق قبول العمل كما تقتضيه حقيقة الإيمان الشرعية على أمرين أساسين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر وهما: صحة القصد وسلامة المنهج، فإخلاص العمل لله تعالى، مع موافقته لشرعه المطهر، أساس القبول من المولى ﵎. وعلى هذا الأساس قام بناء الدين متكاملًا، يدعو لتحقيق السعادة في الدارين، فإذا كانت دعوة الرسل الأولى هي الدعوة إلى التوحيد، والتجرد من كل ألوان الشرك المخلة بهذا الأصل العظيم، فقد بينت أيضًا وجوب الاستقامة على الشرع، وأناطت قبول ذلك الإخلاص المجرد لله تعالى بالتزام هدى الأنبياء والرسل، الذين هم ترجمان الوحى، والقدوة الحية، التي يستنير بها طلاب الهداية والخير. قال تعالى موجهًا الأمر لنبيه ﷺ بالاستقامة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] إن هذه الآية قال فيها ابن عباس ﵄: (ما نزل على رسول الله ﷺ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه) (١) لتكشف عن حقيقة الاتباع المأمور به، والذي يقتضيه صدق الإيمان بالله تعالى وبرسوله، وإخلاص التوبة له. فالأمر بالاستقامة على دين الله هو حقيقة إقامة شرائع الدين المنزلة على المصطفى ﷺ ؛ لذلك كان تفسير سفيان له بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: استقم على القرآن (٢).
следующие страницы →