← Акыда

Акыда · id 151177

آراء الصاوي في العقيدة والسلوك

أسماء بنت محمد ملا حسين

Полный текст (854 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

الشرع وخطأ في القول واللغة، فإن الاسم المجرد ليس هو كلامًا لا إيمانًا ولا كفرًا" (١). فكيف يكون مثل هذا الكلام عمدة لأهل التحقيق والعبادة؟ ومن هنا فقد حكم العلماء ببدعية هذا الذكر ووجوب رده على محدثه، استنادًا لقوله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) (٢). هذا وقد شرع ذكر الحق لمن صحا من سكره لأنه يفيد معنى الثبات والبقاء، وكأنه يريد بذلك أن هذه الصفة مع كثرة ترديدها تنعكس معانيها على قائله فتكسبه الثبات بعد سكره وغيابه، ونقض هذا يرجع إلى ما سبق وأن بينته من أسماء الله تعالى حقيقة فيه ليس لأحد أن يشاركه فيها كما أنها لا تستفاد أحكامها ومعانيها اللازمة لأحد مهما كثر ترديده لها فالله سبحانه فرد أحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فكل ما يناله العبد منها من آثار الإيمان بها، والتعبد بمقتضاها، إنما يتوقف على الأحكام المتعدية منها والتى ينالها أهل الإيمان بإيمانهم بها والعمل بما يلزم من ذلك الإيمان. فإن الإيمان بأن الله هو الحق كما دلت على ذلك النصوص الشرعية يثمر الاعتقاد الجازم بأن الله هو الموجود الباقى إذا الحق من صفات الله تعالى التي تفيد الثبات وتفيد البقاء والوجود الذي لم يزل ولا يزال متصفًا بالجلال والجمال والكمال، فقوله حق وفعله حق ولقاؤه حق، وهو الحق الذي لا يعبد غيره، فكل ما عبد من دونه باطل زائل: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢] (٣). فآثاره في قلب العبد يقينًا بوجود الله الذي لا يعتريه زوال فهو الأول والآخر،

стр. 772

وإيمانًا باستحقاقه لصفات الربوبية والألوهية، وكل ما خلا ذلك من أوهام الصوفية، فلا حجة فيه ولا معتمد. أما ما ذكره من أن اسمه الحى إذا ردده العبد بعد الصحو من الفناء فإنه يخلع عليه صفة الحياة السرمدية، فهذا باطل ليس له أساس من الصحة، فصفة الحياة لله تعالى من الصفات الذاتية اللازمة، التي تعنى اتصافه بالحياة على جهة لا يماثله فيها أحد، كما في آية الكرسى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فقد نفى تعالى عنه السنة وهى النعاس ليثبت في مقابلها كمال حياته وقيوميته، فأين هذا مما يدعيه أولئك؟ وقد دلت النصوص على جهة لا تحتمل الشك أن كل مخلوق فهو إلى فناء وأن البقاء لله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦، ٢٧]. وهذا أيضًا ما يقال في صفة القيومية، فإنه تعالى لما وصف نفسه بالحياة الذاتية التامة، بين أن كل موجود سواه إنما كان بإيجاده له وقيوميته عليه فهو القائم على كل نفس خلقًا ومشيئة إحياء وإماتة، وعلى كل موجود حفظًا ورعاية وإبقاء وإفناء، فهو الحى القيوم الذي قامت به السموات والأرض. وبهذا يعلم أن الأثر التعبدى للإيمان بهاتين الصفتين إنما يكون باستشعار الذل والافتقار لكمال الواحد القهار الذي بيده ملكوت كل شيء ومن ثم إفراده تعالى بالعبادة دعاء واستغاثة وتوسلًا ومحبة، لا كما يدعى هؤلاء من مزاعم التجلى التي هي صورة من صور الفيض الكفرى الإشراقى الذي جاء به فلاسفة اليونان. يقول الإمام ابن القيم ﵀ في وصف حال من ظهر عليه آثار التعبد بهذين الاسمين العظيمين: أن من شهد وصفه تعالى بالحى القيوم فإنه يلمس "في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فقرًا تامًا إليه، من جهة كونه ربًا ومن وجهة كونه إلهًا معبودًا لا غنى له عنه، كما لا وجود له بغيره، فهذا هو الفقر الأعلى الذي دارت عليه رحى القوم، بل هو قطب تلك الرحى، وإنما يصح له هذا بمعرفتين لا بد منهما: معرفة حقيقة الربوبية والإلهية، ومعرفة حقيقة النفس والعبودية، فهنالك تتم

стр. 773

له معرفة هذا الفقر. فإن أعطى هاتين المعرفتين حقهما من العبودية، اتصف بهذا الفقر حالًا، فما أغناه حينئذ من فقير، وما أعزه من ذليل، وما أقواه من ضعيف، وما آنسه من وحيد، فهو الغنى بلا مال، القوى بلا سلطان، العزيز بلا عشيرة، المكفى بلا عتاد، قد قرت عينه بالله، فافتقر إليه الأغنياء" (١). وكذلك صفة القهار لله فإن العبد إذا علم ما اتصف به تعالى من القوة والغلبة والقهر كان ذلك دافعًا له للخوف والعمل، كما أن من أثر الإيمان بهذه الصفة أن يزداد توكلًا عليه وتوجهًا فلا يخاف في الله أحدًا، وبهذا تظهر عزة المؤمن وكبريائه أمام أعداء الله؛ فالحكم لله العلى الكبير. * * *

стр. 774

الفصل الثالث: (الولاية والكرامة) وفيه مبحثان: المبحث الأول: حقيقة الولاية. المبحث الثاني: حقيقة الكرامة.

стр. 775

تمهيد يقوم المعتقد الصحيح في استحقاق قبول العمل كما تقتضيه حقيقة الإيمان الشرعية على أمرين أساسين، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر وهما: صحة القصد وسلامة المنهج، فإخلاص العمل لله تعالى، مع موافقته لشرعه المطهر، أساس القبول من المولى ﵎. وعلى هذا الأساس قام بناء الدين متكاملًا، يدعو لتحقيق السعادة في الدارين، فإذا كانت دعوة الرسل الأولى هي الدعوة إلى التوحيد، والتجرد من كل ألوان الشرك المخلة بهذا الأصل العظيم، فقد بينت أيضًا وجوب الاستقامة على الشرع، وأناطت قبول ذلك الإخلاص المجرد لله تعالى بالتزام هدى الأنبياء والرسل، الذين هم ترجمان الوحى، والقدوة الحية، التي يستنير بها طلاب الهداية والخير. قال تعالى موجهًا الأمر لنبيه ﷺ بالاستقامة: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥]. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] إن هذه الآية قال فيها ابن عباس ﵄: (ما نزل على رسول الله ﷺ آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه) (١) لتكشف عن حقيقة الاتباع المأمور به، والذي يقتضيه صدق الإيمان بالله تعالى وبرسوله، وإخلاص التوبة له. فالأمر بالاستقامة على دين الله هو حقيقة إقامة شرائع الدين المنزلة على المصطفى ﷺ ؛ لذلك كان تفسير سفيان له بقوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾: استقم على القرآن (٢).

стр. 776

ثم إن في هذه الكلمة وهى الأمر بالاستقامة في قوله: (فاستقم) دلالة على وجوب انتهاج الصراط المستقيم، الذي هو مطلب العبد، ومبتغاه الأسمى؛ للوصول إلى رضوان الله تعالى، وعليه فإن أي انحراف عن النهج السوى في امتثال شرع الله تعالى، يعد مسلكًا عوجًا ينأى بصاحبه عن سلوك الصراط المستقيم؛ ليوقعه في متاهات الهوى، فليس الأمر بالاستقامة على ما يشاؤه العبد، وإنما هو أمر اختص بما تصح به وجهته، أنه أمر بالاستقامة كما أمر المولى تعالى، لذلك أتى التحذير بعده من اتباع الهوى، حيث قال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وهنا يأتى الأمر مرة أخرى بالاعتدال، وأخذ الحيطة في رسوخ القدم على الصراط المستقيم، فليس ثمة طريق للنجاة سواه، إنه التحذير من الطغيان؛ وهو مجاوزة الحد بعد النهى عن التفريط والإهمال، هكذا حتى يتم الثبات على الاستقامة المطلوبة، بلا إفراط أو تفريط. وكلما تحققت مقومات الاستقامة من الإتيان بالعمل الصالح الناجم عن التصور السليم، المنبعث من صدق النية وصفاء الإرادة؛ كلما أتت ثمارها بإذن ربها، فتحقق بتحققها مقام الولاية الذي تعلقت به آمال الكثير، وأنيط به مقام الأمن والسعادة: ركنا النجاة ومقوماتها الأساسية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ومن هذا المنطلق أتى فهم السلف الصالح لحقيقة الولاية الشرعية، إن الولاية عند أهل السنة والجماعة؛ تعنى ثمرة الالتزام بطاعة الله تعالى وحسن التوجه له ظاهرًا وباطنًا، هكذا دون تشدق بالألفاظ المنمقة، التي ليس لها مستند من الشرع المطهر، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣]. فالإيمان والتقوى قرينان يستلزم أحدهما الآخر، وهذا في الآية الكريمة من باب بيان الصفات التي تتأتى بها الولاية الموجبة للأمن في الدارين، أمن يورثه تحقق معية المولى في الدنيا بالنصرة والمحبة، وأمن يوم الفزع الأكبر، يوم تتلقاهم الملائكة بالتبشير.

стр. 777

فالولاية عند أهل السنة والجماعة لها جانبان: أحدهما من جهة العبد؛ قيامًا بأمر الله تعالى؛ طاعة وامتثالًا لما جاء به؛ واجتنابًا لما نهى عنه، ثم يكون التدرج في مراقى التقرب إلى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، كما جاء في الحديث: (ولا يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) (١). والجانب الآخر هو الذى يكون من جهة الرب ﵎؛ جزاء لما كان من العبد، فيتولاه المولى بالقرب والرحمة. ومع وضوح مفهوم الولاية عند سلف الأمة، فقد خالف في ذلك الكثير من الطوائف المبتدعة، وكان على رأسها طائفة الصوفية، التي نحن الآن بصدد الحديث عنها، فقد غلت في هذا المقام غلوًا أبعد بها عن مقتضى الأمر بالاستقامة، الذي هو أساس الدين، حتى أنه حين سئل النبي عن قول في الإسلام يكون جامعًا لأسسه، قال ﵊: (قل آمنت بالله ثم استقم) (٢). فصارت الولاية عند أكثرهم مرتبة لا ينالها إلا أهل الكرامات وخرق العادات، فليس صلاح الظاهر والاستقامة على الشريعة الغراء هو دليل تحققها للعبد، بل الترقى في مقامات الفناء والبقاء هو السبيل الأوحد إليها، والذي به تحصل الكرامات المنشودة، فتنكشف الأسرار وتتخطى النفس حجب المادة؛ لتسبح في عالم الملكوت، وتشارك في تصريف الكون، وكل هذا بإذن الله! . * * *

стр. 778

(المبحث الأول): حقيقة الولاية أولًا: تعريف الولاية: " الولى من الولاء والتوالى، وهو أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة، والنصرة، والاعتقاد. . والولى والمولى يستعملان في ذلك كل واحد منهما يقال في معنى الفاعل، أي الموالى، وفي معنى المفعول أي المولى، يقال للمؤمن: هو ولى الله ولم يرد مولاه، وقد يقال: الله تعالى ولى المؤمنين ومولاهم، فمن الأول: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ومن الثاني: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١] (١). ولبيان آراء الصوفية على مختلف توجهاتهم بين الاعتدال والغلو في معنى الولاية وتعريف الولى؛ سأذكر بعض أقوالهم فيها حتى يتسنى تصنيف أقوال الصاوي وتوجيهها وفق هذه الآراء المتعددة: يقول: عماد الدين الأموى: "الولى: من توالت طاعته لله تعالى من غير تخلل معصية، وقيل الولى: هوالذى تولى الحق حفظه وحراسته عن المعاصى والمخالفات، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. وعلى هذين التفسيرين، فالولى محفوظ من المعاصى، لا على سبيل الوجوب، لأن الحفظ منها على سبيل الوجوب عصمة، وذلك مخصوص بالأنبياء ﵈" (٢).

стр. 779

ويقول الكاشاني: "الولى من تولى الحق أمره، وحفظه من العصيان، ولم يخله ونفسه بالخذلان، حتى يبلغه في الكمال مبلغ الرجال، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾. والولاية: هي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه، وذلك بتولى الحق إياه حتى يبلغه غاية مقام التمكين" (١). كما تعرف بأنها "التصرف في الخلق بالحق" (٢). ويقول ابن عربى الضال في تفسير قوله تعالى: " ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾: المستغرقين في عين الهوية الأحدية بفناء الآنية. ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: إذ لم يبق منهم بقية خافوا بسببها حرمان، ولا غاية وراء ما بلغوا. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾: لامتناع فوات شيء من الكمالات واللذات منهم فيحزنوا عليه. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾: إن جعل صفة لأولياء الله، فمعناه الذين آمنوا الإيمان الحقى، وكانوا يتقون بقاياهم وظهور تلويناتهم" (٣). * * * وتكشف هذه الأقوال عن حقيقة الولى في منظور الفكر الصوفى، فالولاية عندهم منزلة قد تسمو بصاحبها حتى ترتفع به فوق منازل العباد، فيتمكنون من التصرف في الكون، وقد تنكشف لهم الحجب فيشهدون ما خفى من العلوم الغيبية بحكم هذه الولاية. ولتأصيل هذه الأوهام والانحرافات العقدية، فالصوفية يعتقدون بالإلهام أو

стр. 780

بالوجدان النفسى، كمصدر معتمد من مصادر المعرفة، فيسلمون بالتلقى منه في الحكم على كثير من الأمور المتعلقة بالغيب والتشريع؛ مما يؤدى في حقيقة الأمر إلى التقريب بين مقام النبوة والولاية، أو إلى الدمج بينهما، ويفصح عن هذا المعنى أبو حامد الغزالي وهو يحاول تقريب حقيقة النبوة للأفهام، يقول: "ووراء العقل طور آخر تتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل. . وإنما ذكرناها لأن معك أنموذجًا منها وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهى معجزات الأنبياء، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلًا. وأما ما عدا هذا من خواص النبوة؛ إنما يدرك بالذوق من سلوك طريق التصوف" (١). وقد يعتقد بعضهم ارتفاعها على مرتبة النبوة، كما هو عند الغلاة منهم، يقول ابن عربي: "وهذا المقام دائرته أتم وأكبر من دائرة النبوة؛ لذلك انختمت النبوة والولاية دائمة، وجعل الولى اسم من أسماء الله دون النبي" (٢). وحجته في ذلك أن الولى يأخذ العلم بلا واسطة أما الرسول فلا بد له من واسطة ملك، ولا شك أن في هذا من الكفر والجحود ما ليس يخفى على أحد، يقول شيخ الإسلام بعد ذكر هذه الأوهام الصوفية: "فتدبر ما فيه من الكفر، الذي تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدًّا، وما فيه من جحد خلق الله وأمره وجحود ربوبيته وألوهيته وشتمه وسبه، وما فيه من الإزراء برسله وصديقيه والتقدم عليهم" (٣). وحتى يتم لهم هذا التقريب المزعوم بين الولاية والنبوة؛ فقد ادعوا العصمة للأولياء، فلا يجوز الاعتراض على حالهم، حتى ولو عارض الشرع في الظاهر،

стр. 781

وقد لا يصرحون باعتقاد العصمة؛ لمخالفتها مقتضى دلائل الشرع التي تقطع باختصاص الأنبياء في هذا الوصف، فيعبرون لأجل ذلك بالحفظ بدلًا عن العصمة وهذا كثير في مؤلفاتهم. والحقيقة أنهم لا يريدون به المعنى المراد في الشرع من التزام أوامر الشارع دون درجة الامتناع التام عن المعاصى، ولكنهم يعنون به المعنى الأول وهو العصمة كحال الأنبياء، وكتب القوم وتراجمهم أكبر شاهد على هذا، وقد يقرنون بين حال الأنبياء والأولياء لدلالة الموافقة في معنى العصمة. يقول الكلاباذى في ذلك: "وقول من قال إن الفانى يرد إلى أوصافه محال، لان القائل إذ أقر بأن الله تعالى اختص عبدًا، واصطنعه لنفسه، ثم قال: إنه يرده، فكأنه قال: يختص ما لا يختص، ويصطنع ما لا يصطنع، وهذا محال، وجوازه من جهة التربية والحفظ عن الفتنة لا يصح أيضًا؛ لأن الله تعالى لا يحفظ على العبد ما آتاه من جهة السلب، ولا بأن يرده إلى الأوضع عن الأرفع، ولو جاز هذا جاز أن لا يحفظ مواضع الفتن من الأنبياء بأن يردهم من رتبة النبوة إلى رتبة الولاية، أو ما دونها وهذا غير جائز، ولطائف الله تعالى في عصمة أنبيائه، وحفظ أوليائه من الفتنة أكثر من أن تقع تحت الإحصاء والعد" (١). * * * - وهذا والصوفية في وجوب التخلق بآداب الشريعة لتحقق الولاية على مذاهب مختلفة، فأوائل القوم كانوا يؤمنون بوجوب استقامة حال الولى على أصول الشرع، أما المتأخرون منهم وهم أكثر فلا يرون ذلك شرطًا، بل يجوزون مخالفته ظاهر الشرع؛ ما دام الباطن قد عمر بالإخلاص، الذي هو أساس الولاية كما زعموا، ولهم في ذلك حكايات عجيبة تعج بها المؤلفات التي عنت بترجمتهم. وممن رأى أن الاستقامة شرط الولاية، موافقًا بذلك المعتد الصحيح، سهل بن عبد الله، يقول: "الولى هو الذى توالت أفعاله على الموافقة" (٢).

стр. 782

- أما من تخطى هذا القيد فهم الكثير من أهل التصوف، روى عن بعضهم أنه قال: "الوقوف مع الظاهر حجاب ظاهر، والترقي عن المظاهر كشف ظاهر" (١). وفي ترجمة واحد منهم عد المناوى (٢) الأكل في نهار رمضان من دلائل كراماته وسمو أحواله، يقول عنه: "كان من أرباب الأحوال والمكاشفات الخارقة، وكان يحلق رأسه ولحيته وحواجبه، وكان أصحاب النوبة يعظمونه، وكان يأكل في نهار رمضان ويقول: أنا معتوق، أعتقني ربي، وكان من أنكر عليه يعطبه في الحال" (٣). ويصل ابن عربي إلى قمة الإغراق في الانحراف الفكري عند الصوفية، حتى ذهب إلى أن الكافرين هم الأولياء وقد صدق لأنهم أولياء الشيطان، يقول في تجلى نعت الولى: "هم المجهولون في الدنيا والآخرة المسودة وجوههم عند العالمين لشدة القرب وإسقاط التكليف، لا في الدنيا يحكمون، ولا في الآخرة يشفعون، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١]، ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨] " (٤). ومن هنا ارتبط مقام الولاية بالخفاء والسرية؛ فليس من الممكن الاطلاع على السرائر، وهي أهم ما يجب أن يصلحه العبد بالإخلاص، لذلك فقد أبعد كثير من الصوفية في هذا الجانب، وهو عدم إمكان معرفة الولي، نقل عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: "أولياء الله عرائس الله تعالى، ولا يرى العرائس إلا المحرمون، فهم مخدرون عنده في حجاب الأنس، لا يراهم أحد في الدنيا ولا في الآخرة" (٥).

стр. 783

وعليه فإن "الأولياء يعيشون مغمورين غالبًا ويموتون وهم مجهولون، ويوجد منهم أربعة آلاف لا يعرف أحدهم الآخر، كما لا يتبينون جمال حالهم، وهم مستورون في كل الأحوال عن أنفسهم وعن الخلق أجمعين" (١). ولهذا فحين سئل أحدهم عن الله تعالى، وعن الولى، أيهما معرفته أصعب؟ قال: معرفة الولى أصعب من معرفة الله تعالى. حتى بلغ ببعضهم أنه قال: "من ادعى إنه ولي يموت كافرًا؟ . وقال: إن الولي لو كشف للناس لعبدوه؛ لأن حقيقة الولي أنه يسلب من جميع البشرية، ويتحلى بالأخلاق الإلهية ظاهرًا وباطنًا (٢). - وتعظيمًا لشأن الولاية وإغراقًا في الانحراف الغالى اتجاهها، فإن بعض الصوفية أمثال الحكيم الترمذي، وابن عربى، يرون ختمها بما يسمى: خاتم الأولياء، ولابن عربي كلام خطير في هذا المنحى، يفصل فيه وجهة نظره في تفضيل خاتم الأولياء على خاتم الأنبياء، وكان هذا الاعتقاد منه برهانًا اعتمده العلماء في تكفيره (٣). رأي الشيخ الصاوي: حقيقة الولي: يعرف الصاوي الولي في اللغة، فيقول: "الولى من الولاء وهو العز والقرب والنصرة. أما في الاصطلاح، فيقول في معنى الأولياء: "جمع ولي وهو المواظب على الطاعات، التارك للمنهيات، المعرض عن اللذات والشهوات، فلا يفعل شهوة من حيث هي شهوة، بل أفعاله دائرة بين واجب ومندوب، مثل: يأكل بقصد التقوى

стр. 784

على الطاعات، وينكح بقصد عفة الزوجة والنسل، وبالجملة فأفعاله ليست بشهوات" (١). ويعلل سبب تسميته بذلك، فيقول وسموا بذلك لأنهم هم المنصورون بالله المعززون به لا يطمعون في شيء سوى القرب منه". وذلك لأن أصل كلمة ولى: "فعيل: إما بمعنى فاعل أي متولى خدمة ربه بكل ما أمكنه بروحه وجسمه ودنياه. أو بمعنى مفعول، أي تولى الله إكرامه وعطاياه ونفحاته، فلم يكله لشيء سواه، فحيث تولى الخدمة تولاه الله بالنعمة والنفحة". ولكل ما سبق فإن معنى الولي: هو "المنهمك في طاعة ربه الذي أفيضت عليه الأنوار والأسرار، لما ورد في الحديث: (من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) " (٢). صفات الولي: ولهذا الذي سبق بيانه من تعريف الولي يمكن معرفة العلامات التي يتأتى بها معرفته وتمييزه عن غيره، يقول: "وعلامة الولى كما في الحديث: سئل رسول الله عن علامة الأولياء، فقال: (هم الذين إذا رؤوا ذكر الله) (٣). وسبب ذلك ظهور أنوار المعرفة الكائنة في قلوبهم على ظواهرهم، وذلك سر قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]. - وكانت هذه العلامة للولى - كما بين الصاوي - دليلًا على اتصافه بأكرم الصفات من معرفة الله وتقواه، وهذا ما فصل القول به عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

стр. 785

يقول: "هذه الجملة مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر تقديره ما صفات أولياء الله؟ . فأجاب: بأنهم الذين اتصفوا بالإيمان والتقوى، والمعنى: أن أولياء الله هم الذين اتصفوا بالإيمان، وهو: الاعتقاد الصحيح المبني على الدلائل القطعية. والتقوى وهي: الامتثال بالمأمورات، واجتناب المنهيات على طبق الشرع. ولكن اتصاف الولى بالتقوى - في نظره - لا يمنع من وقوعه في المعصية؛ لعدم العصمة، يقول في قصة أخوة يوسف ﵇: "إنه على القول بعدم نبوتهم ففعلهم باقٍ على ظاهره ولا تأويل فيه، لأن الولي تجوز عليه المعصية، ولكن لا يصر عليها بل يتوب، وهؤلاء آل أمرهم لحسن التوبة" (١). شرط الولاية: ولما تقدم فإنه يرى أن للولاية شروطًا لا يمكن لأحد أن يتصف بها دون أن تقوم به هذه الشروط، يقول: "إن شرط الولاية المعرفة بالله ، وظهور نور الإيمان له حتى يكون مراقبًا لله في جميع أحواله، فينتج ذلك أنه يستدل بالحق على الخلق، عكس العوام (٢). "فشرط الولي أن يكون محفوظًا، كما أن من شرط النبي أن يكون معصومًا، فكل من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع. قال الإمام الشافعي وأبو حنيفة: إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، وذلك في العالم العامل بعلمه" (٣). وإذا كان الصاوي يرى وجوب الالتزام بالشرع في حق الولى وأنه من ظهر منه خلاف ذلك فليس له ولاية في حقيقة الأمر، إلا أنه في موضع آخر يخالف هذا عند حديثه عن آداب المريد مع الشيخ، حيث يوجب احترامه وتوقيره "وعدم

стр. 786

الاعتراض عليه في شيء فعله، ولو كان ظاهره أنه حرام، ويؤول ما أنبههم عليه" (١). ومما لا يرى اشتراطه لنيل الولاية التمكن من أنواع العلوم، عدم التعمق في العلوم الشرعية ليس مانعًا من الولاية، يقول: "أما العلم بالأحكام الشرعية كالأنكحة والبياعات، وغير ذلك فإن هذا ليس شرطًا بإجماع العارفين" (٢). وبناء على ما سبق فإن كل عالم عامل ولي، وليس كل ولي عالم عامل، فقد يكفيه الحد المتوسط من العلم الذي يحمله على الإخلاص، فهو أساس الولاية وسرها الأوحد. - وهذا ما أشار إليه، في قوله: "وقال العارفون: معرفة الولي أصعب من معرفة الله تعالى، فإن الله معروف بكماله وجلاله، لأن ولايته متوقفة على إخلاصه في العمل لربه، والإخلاص سر بين العبد وربه لا يطلع عليه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده، فإذا علمت ذلك فالخلق لا تعرف من بعضها إلا الظاهر، ويجب عليهم تحسين الظن، حيث حسن الظاهر، والله متولى السرائر" (٣). * * * الفرق بين الولي والدعي: وهو بهذه التنبيهات والقيود والشروط للاتصاف بالولاية؛ يؤكد على أن هناك الكثير ممن يدعي الولاية، وليس لهم منها في الحقيقة سوى الاسم، حيث خالفوا طريق السلامة في الاستقامة على الشريعة، يقول: "أما المشتبهون بلبس الخرق، المنهمكون في الشهوات، وأنواع الجهالات، ولا يعرفون من طريقة شيخهم إلا اسمها، وينكبون على الدنيا انكباب الأسد على الفريسة، ويخترعون أمورًا لا تحل في الشرع، كالطبول والزمور والكاسات، خصوصًا في مساجد الله، ويكثرون من

стр. 787

وقيد الزيت والشموع، ويزعمون أنها طريقة الرحمن، كلا والله، بل طريقة الشيطان" (١). جزاء الأولياء: - وكان حديثه في جزاء الأولياء وما أعد الله لهم، مما فصل القول به وذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فقد ذكر في ذلك الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب ﵁، فقد روى عنه أنه قال: قال النبي ﷺ : (إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور: لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾) (٢). أما في بيان الشق الثاني من الجزاء وهو البشرى، فيفسرها بما فسرها به النبي ﷺ ، حيث قال: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات). قالوا: وما المبشرات؟ قال: (الرؤيا الصالحة) (٣). فإن الرؤيا الصالحة، كما قال النبي ﷺ : (جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (٤) ولا يكتفي بهذا التفسير بل يورد ما قيل في معنى البشرى من أقوال: "قيل: المراد بالبشرى في الحياة الدنيا: نزول الملائكة بالبشارة من عند الله عند الموت، ويدل

стр. 788

عليه قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. وقيل: البشرى في الحياة الدنيا: الثناء الحسن، ومحبة الخلق لهم، لما ورد عن أبي ذر ﵁: قيل لرسول الله ﷺ : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: (تلك عاجل بشرى للمؤمن) (١). وورد أيضًا: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادى جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) (٢). قال بعض المحققين: إذا اشتغل العبد بالله استنار قلبه، وامتلأ نورًا فيفيض من ذلك النور الذي في قلبه على وجهه، فيظهر عليه آثار الخشوع والخضوع، فيحبه الناس ويثنون عليه، فتلك عاجل بشراه بمحبة الله له ورضوانه عليه. وقيل: البشرى في الحياة الدنيا ظهور الكرامات، وقضاء الحوائج بسهولة، فكلما توجه العبد المحبوب لشيء من أموره قضى عاجلًا. والأحسن: أن يراد بالبشرى في الدنيا جميع ما تقدم، وأعظمها: التوفيق لخدمة الله، وراحة الجسد في طاعة الله، وانشراح الصدر لذلك. وأما البشرى في الآخرة، فالجنة وما فيها من النعيم الدائم، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد: ١٢]. طرق الولاية: - وقد تعرض الصاوي لمسألة مهمة مما يتعلق بالولاية، وكان رأيه فيها يعتبر نوع

стр. 789

امتداد لتعريفه للولى، وبيان صفاته، وما يشترط فيه، وهي: هل الولاية مكتسبة؟ أم هي محض عناية من الله تعالى؟ يقول على جهة التفصيل: "قال بعضهم: الولاية مكتسبة. وقال بعضهم: كالنبوة ليست مكتسبة. فمن قال: مكتسبة وأراد بها التخلي عن الأغيار، وشهود الواحد القهار، فإنها مكتسبة بالمجاهدة، كما علمت. وأما الولاية بمعنى العطايا التي خصت بها العنايات كالعلوم اللدنية، والكشف على المغيبات والاجتماع بسيد العالمين، والكرامات: فليست مكتسبة، بل قد يكمل الشخص ولا يحصل له شيء من ذلك" (١). وهو بهذا يقرر استقلال الإلهام في اعتماد معرفة العلوم الغيبية، إلا أنه في موضع الحكم على الإلهام يرى مفارقته للوحي من حيث انعدام العصمة لهم، يقول: "غير أن إلهام الأولياء لا مانع من اختلاط الشيطان به؛ لأنهم غير معصومين بخلاف الأنبياء، فإلهامهم محفوظ منه" (٢). فضائل الأولياء: - ولكل هذه الخصائص التي قد تتحصل للأولياء فإن الصاوي يرى مشروعية التبرك بهم على نحو لا يكون لغيرهم من عامة المسلمين، يقول عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [العنكبوت: ٤١]: "حمل المفسر - السيوطي - الأولياء على الأصنام مخرج للأولياء، بمعنى المتولين في خدمة ربهم، فإن اتخاذهم بمعنى التبرك بهم والالتجاء لهم والتعلق بأذيالهم مأمور به، وهم أسباب عادية: تنزل الرحمات والبركات عندهم، لا بهم، خلافًا لمن جهل وعاند، وزعم أن التبرك بهم شرك" (٣).

стр. 790

زمن الولاية: - ومما أتم به الحديث عن الولاية: فترتها الزمنية الممكنة، حيث بين أن الولاية باقية ببقاء القرآن وتختتم برفعة وبموت عيسى، ويعلل ذلك بقوله: "لأنه ما دام المتذكرون للقرآن المعتبرون به فهو باقٍ، فعلامة انعدام الأولياء رفع القرآن". وبهذا تبين أن كل ما يحدث في خلال هذه المدة، مما قد يظن في ظاهره انعدام وجود الولي، كنزول البلايا وحلول الفتن، فلا يعد في حقيقته مانعًا لوجود الأولياء، يقول: "ونزول البلايا ليس دليلًا على عدم وجود الأولياء، فإن البلايا كانت تنزل في زمن الأنبياء، وفي الحديث: "يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم، إذا كثر الخبث) (١) " (٢). المناقشة: حقيقة الولاية: عند سبر أقوال الصاوي في هذا المبحث، يظهر جليًا موقفه المعتدل مقارنة بما سبق بيانه من الاتجاهات الصوفية الغالية، فالصاوي يرى وجوب التمسك بالشرع، ببيان أن الاستقامة هي طريق الولاية الأوحد، فالتقوى والإيمان هي من أهم صفات الولي كما أشار إلى ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فحقيقة الولاية؛ كما تقدم هي متابعة المولى تعالى في أمره ونهيه، حتى يكون موافقًا له في مراده المحبوب، وهذا هو مقتضى الإيمان الشرعي الذي يحمل على التزام التقوى ومجانبة الهوي، وعليه فإن المقياس الصحيح في ثبوت وصف الولاية للمعين هو المتابعة التامة للمأمور الشرعي "إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية" (٣).

стр. 791

فـ "أصل الولاية الحب، وهذا لأن حقيقة التوحيد ألَّا يحب إلا الله، ويحب ما يحبه الله الله، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله" (١). فإذا تحقق هذا الأصل في قلب العبد فإنه "يصير محبًا لما أحب الرب مبغضًا لما أُبغض، مواليًا لمن يوالي، معاديًا لمن يعادي, "فيتحد مراده مع المراد المأمور به الذي يحبه الله ويرضاه، وهذا مما يدخل في موالاة العبد لربه، وموالاة الرب لعبده، فإن الولاية ضد العداوة، والولاية تتضمن المحبة والموافقة، والعداوة تتضمن البغض والمخالفة" (٢). ويعرف الحافظ ابن حجر ﵀ الولي وفق هذا المفهوم السلفى، فيقول: "المراد بولى الله العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته المخلص في عبادته". ولهذا فقد استحق الولي موالاة الله له بإتمام نعمته عليه وهدايته إلى الصراط المستقيم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ومن هنا فإن كل من ثبت له وصف الإيمان فإنه ولي لله تعالى، يقول الإمام ابن القيم ﵀ في بيان هذه الحقيقة: "فإن الله قد وصف الولى بصفة المؤمن فقال: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، وهذه صفة المؤمن ثم لا يجوز أن يصف نفسه بأنه ولي وكذلك المؤمن، ولأنه إنما يكون وليًا بتوليه لطاعات الله وقيامه بها كالمؤمن - و - لأن الولاية هي القرب من الله ؛ فولي الله هوالقريب منه المختص به، والولاء هو في اللغة القرب، ولهذا علامات وأدلة وله أسباب وشروط وموجبات، وله موانع وآفات وقواطع". ومع هذا إلا أن المؤمنين في ثبوت الولاية لهم على مراتب، فكما أن أهل الإيمان على درجات متفاوتة فيه؛ فكذلك حالهم مع الولاية، فإنه بحسب التزام العبد بمقتضيات الإيمان يكون حظه من ولاية الله تعالى له، وكأن منزلة الولاية التامة - بمعناها الخاص - مقارنة لمرتبة الإحسان من حيث ملازمة أسباب القرب،

стр. 792

واكتمال أوصاف العبودية، يقول ابن القيم متممًا حديثه في هذه الحقائق: فـ "ولاية الله تعالى نوعان: عامة وخاصة، فالعامة: ولاية كل مؤمن، فمن كان مؤمنًا لله تقيًا كان له وليًا، وفيه من الولاية بقدر إيمانه وتقواه. . والولاية الخاصة: إن من علم من نفسه أنه قائم لله بجميع حقوقه، مؤثر له على كل ما سواه في جميع حالاته، قد صارت مراضي الله ومحابه هي همه، ومتعلق خواطره، يصبح ويمسي وهمه مرضاة ربه، وإن سخط الخلق؛ فهذا إذا قال: أنا ولي الله، كان صادقًا" (١). وإذا علمت حقيقة الولاية أدركت درجات التفاضل بين الأولياء فيكون "أفضل أولياء الله هم الأنبياء، وأفضل الأنبياء هم المرسلون، وأفضل الرسل هم أولو العزم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ومحمد ﷺ ، وأفضل أولي العزم نبينا محمد ﷺ ، وهو الذي أنزل سبحانه عليه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل سبحانه صدق محبة الله متوقفة على اتباعه، وجعل اتباعه سبب حصول المحبة من الله سبحانه" (٢). فبتحقق الاتباع من العبد وفق الطريقة النبوية؛ يتحقق البرهان الأوحد على صدق المحبة التي هي أصل الولاية وغايتها، فعلاقة الاتباع بالولاية حينئذ علاقة تلازم واقتضاء لا يصلح انفكاكها عنه، وإلا فسد الإدعاء وصار كحال اليهود والنصارى حيث قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُه﴾، فجاء الرد عليهم بما يدل على عدم إتيانهم بمقتضى المحبة من الاتباع والتزام أسباب النجاة: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: ١٨]. وقد أكد الصاوي على أن هذه هي حقيقة الولي في مقابل الدعي الذي لم يلتزم طريق الولاية الحقة من اتباع الطريقة النبوية، فخالفها إلى الابتداع بارتكاب أمور ما

стр. 793

أنزل الله بها من سلطان، كاستخدام الطبول والزمور والكاسات خصوصًا في مساجد الله، فقد أجاد ﵀ ببيان بطلان هذه المحدثات وأن من ادعى ولايته على أساسها فهو موافق لطريقة الشيطان لا طريقة الرحمن. وبهذا فالصاوي قد وافق منهج السلف الصالح في تحديد الطريق إلى الولاية، ومع ذلك فلم تمنعه هذه البداية المسددة من الانحراف في بقية مقتضيات الولاية ومستلزماتها، وسأقوم بتناول هذه الملاحظات على جهة الترتيب، كما أوردتها في أقواله: ١ - شروط الولي: إن ما ذكره الصاوي من أن الولى يشترط لصحة ولايته أن يتعمق في تقوى الله ومراقبته؛ حتى يستدل بالحق على الخلق، فحقيقته اعتقاد أن معرفة الله تعالى من أعرف المعارف أي من الضروريات، التي يستدل بها ولا يستدل لها، ومع التسليم له بهذه الحقيقة إلا أن هذا لا يخرج عن كونه فناء في ربوبية المولى، ولم يكن هذا هو المقصد الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب، بل حقيقة التوحيد الذي دعا إليه الأنبياء هو إفراد الله تعالى بالعبادة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. وهذا يرجع إلى ما أسلفت الحديث عنه، من أن معرفة الله تعالى فطرية في النفوس، وإنما كانت الخصومة فيما تقتضيه هذه المعرفة، من وجوب إفراد الله بالعبادة على الطريقة التي شرعها، وأنزلها على أنبيائه ورسله. بقى معرفة حقيقة الاستدلال على وجود الله بالخلق هل هو - كما يدعي الصاوي - من مسالك العوام في معرفة الله، دون الخواص من الأولياء؟ إن مصادر التلقي الشرعية، التي هي محور الاستدلال الديني، لتدل في الكثير من مواضعها على شرعية هذا المسلك، بل وعلى بيان فضله ومنزلة سالكيه، فالآيات والأحاديث في هذا كثيرة، مما يصعب استقصاؤه هنا، ولعلى اكتفى منها بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ

стр. 794

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠، ١٩١]. إن هذا القرآن الذي جاء ليخاطب الفطرة الإنسانية بما أودع فيها من ركائز، ليسمو بالمخاطب في درجات العبودية بحثه على إعمال تلك الركائز المودعة فيه، فيجعل منها طريقًا يصل به إلى إدراك أسمى المعارف والعلوم الدينية، فليس ثمة تناقض بينها، وليس في اعتمادها ما يشين العبد، كما يظن أمثال هؤلاء المتصوفة، إن السبيل الأوحد لمرضاة الله تعالى هو موافقة المنهج القرآني، الذي يرسم الطريق الأمثل في إدراك حقائق العبودية، ذلك السبيل الذي يتسم بتحقيق التوازن بين القدرات البشرية، وبين متطلبات العبودية، دون إفراط أو تفريط. - ومما اشترطه الصاوي لأجل الولاية الحفظ، وعلل ذلك بأنه من كان للشرع عليه اعتراض فهو مغرر مخادع، ومع ما قدمت من بيان أصل هذا المعتقد عند الصوفية، وأن مقصودهم بذلك هو اعتقاد العصمة للولى، بحيث لا يمكن أن يتردى عن هذه المنزلة التي وصل إليها، واعتمدت من كلامهم الكثير في هذا مما أورده الكلاباذي، حيث عمد إلى عقد مقارنة بين النبي والولي، ببيان أنه كما لا يجوز سلب مقام النبوة عن النبي بعد اختياره لها، فكذلك لا يجوز هذا في حال الولي. فإذا كنت قد أشرت إلى أن مرادهم بهذا الحفظ هو عدم الاعتراض على الولي؛ حتى ولو أتى بما يخالف الشرع، فإن ما وقع به الصاوي من التناقض في هذا المجال، ليدل صراحة على هذا المعنى، حيث أوجب على المريد تعظيم الشيخ، وعدم الاعتراض عليه، حتى ولو أتى بما يخالف ظاهر الشرع، وأن على المريد تأويل تلك المخالفة بما لا يخلع عن الولي مهابة الحفظ، التي توجب الاتباع والتقدير. يقول شيخ الإسلام في بيان حقيقة الحفظ: "وكثير من الغلاة في المشايخ يعتقد أحدهم في شيخه نحو ذلك، ويقولون: الشيخ محفوظ، ويأمرون باتباع الشيخ في

стр. 795

كل ما يفعل، لا يخالف في شيء أصلًا، وهذا من جنس غلو الرافضة والنصارى والإسماعيلية: تدعى في أئمتها أنهم كانوا معصومين" (١). وإذا علم هذا تبين أن ما يدعيه الصوفية في حفظ الولي مخالف لمقتضى البشرية، وهذا ما ظهر من موقف الصاوي المتناقض حيث حصر أفعال الأولياء في دائرة الواجب والمندوب فلا تخرج عنها، ومع ذلك جوز المعصية عليهم في حديثه عن الأسباط وما قيل في حقيقتهم، ومن ثم فهو محاولة منهم في تزكية المشايخ؛ حتى لا يعترض عليهم معترض، وكل هذا مما لا أصل له من الشرع المطهر، فها هو أبو بكر الصديق ﵁، وهو خير من طلعة عليه الشمس بعد الأنبياء والرسل، يقول في خطبة توليه الحكم: "يا أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن ضعفت فقوموني، وإن أحسنت فأعينوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، الضعيف فيكم القوي عندى حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم الضعيف عندى حتى آخذ منه الحق إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالفقر، ولأظهرت - أو قال: شاعت - الفاحشة في قوم إلا عمهم البلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم" (٢). ٢ - معرفة الولي: وما ذكره الصاوي من أن معرفة الولي أصعب من معرفة الله؛ لأن أساس الولاية الإخلاص وهو سر بين العبد وربه، فيه مقارنة لا وجه لها إذ أن معرفة الله تعالى فطرية في الخليقة، فليس ثمة مجال للمقارنة بينهما، ثم إن في هذا رفع لمقام الولاية، بما لا يليق؛ فلا وجه لمقارنة الرب تعالى بخلقه. كما أن فيه نوعًا من المبالغة في سرية الولاية وتضيقًا لدائرتها، مع أن المولى تعالى قد أثبتها لكل من سلك سبيل الإيمان، معتصمًا فيه بتقواه وملاحظته.

стр. 796

٣ - آثار الولاية، وهذا ما عبر عنه بفيض الأنوار والأسرار، وإن كنت قد أفردت الحديث عنه لاحقًا في مبحث الكرامة، فيحسن أن أبين ما في هذا الكلام من غموض قد يدل على انحراف في مقتضيات الولاية، فمع أن الصاوي لم يوضح مراده من الأنوار والأسرار هنا، إلا أنه يمكن فهم مراده منها من خلال تتبع آرائه في مختلف مؤلفاته العقدية، فإن الصاوي قد قصر علم الإشارة الذي يدرك به أسرار التنزيل على الأولياء كما قدمت الحديث عنه في مبحث القرآن، وجعله من العلوم الخاصة التي لا تكشف لأهل الظاهر، كما يرى، ولا شك أن هذا اعتقاد ليس يسنده شيء من أدلة الشرع والدين، فلا أسرار ولا باطن بل العلم هو ما جاء به النبي المرسل لكل الناس، فلا يختص إدراكه لأحد منهم بلا سبب كوني أو شرعي (١). طرق الولاية: يعرض الصاوي لمسألة مهمة وهي هل الولاية مكتسبة أم لا؟ واستنادًا إلى ما ذهب إليه من وجوب التمسك والاستقامة؛ فإنه يرى أنها مكتسبة، ولكن في تعبيره عن هذا بالشهود والتخلي مما يقضي بأن وصول العبد إلى مقام الفناء هو مفتاح الولاية، وغاية التزام التقوى، وهذا مما سيرد تفصيله في مبحث مستقل، حتى يتسنى معرفة حقيقته في الميزان الشرعي، وفق ما أريد به على لسان القوم. وتكفي الإشارة هنا إلى بدعية هذه المفاهيم، لانعدام مستندها من فعل النبي ﷺ وصحابته الكرام. وهو بهذا يرى أن مقتضيات الولاية الأخرى، والتي تعني في المفهوم الصوفي: الكرامات والعطايا المترتبة على التزام مقام الولاية، ليست مما يمكن تحصيله بالاكتساب؛ فهي محض فضل يختص المولي به من يشاء من عباده، فقد يكمل الشخص ولا يتحقق له شيء من ذلك. وهذا المعتقد في بادئ الأمر دون الخوض

стр. 797

في تفاصيل هذه المواهب مما يسلم له، فليست الكرامة هي دليل الولاية وبرهانها، بحيث لا يمكن ثبوت الاتصاف بها إلا مع التحلي بتلك العطايا والكرامات. وأعني بها: الكرامة في معناها الخاص، وهي ما يتحصل به خرق العادات، كالسير على المياه ومعرفة ما قد يقع في المستقبل، عن طريق الإلهام الكشفي أو المنامي مثلًا. ولكن هنا ما يجب التنبيه إليه: فكما أن هذه المواهب مما لا يتوقف ثبوت الولاية عليها، فليست مانعًا من قيامها بالعبد، فكذلك الحال مع وجودها؛ أعني أن تحققها في المكلف لا يدل على ولايته، وهذا ما لم يفطن إليه الصاوي. وعليه فالكرامة بهذا المفهوم الخاص قد فقدت مقومات الدلالة، فمن المقرر أنه إذا وجد الدليل وجد المدلول "فإن الدليل ملزوم للمدلول عليه، وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا ثبت الدليل ثبت المدلول عليه، وإذا فسد المدلول عليه لزم فساد الدليل" (١). يقول العلامة الألوسي: "وأحسن ما يعتمد عليه في معرفة الولاية اتباع الشريعة الغراء، وسلوك المحجة البيضاء، فمن خرج عنها قيد شبر بعد عن الولاية بمراحل، فلا ينبغي أن يطلق عليه اسم ولي، ولو أتى بألف ألف خارق، فالولى الشرعي اليوم أعز من الكبريت الأحمر، ولا حول ولا قوة إلا بالله: أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها" (٢) أما ما ذكر إمكان حصوله من الأمور الغير مكتسبة للولى كالعلم بالمغيبات، والعلوم اللدنية والاجتماع بسيد العالمين، فهذا فيه تفصيل، لأن العلم بالغيب وإن وقع بطريق الكشف والإلهام المقرر شرعًا، إلا أنه لا يستند إليه في أمر أخروي على جهة الإطلاق. إن مهمة الرؤيا الصادقة كواحدة من أهم مسالك الإلهام للعبد لتقف عند حد التبشير، كما بين ذلك المولى بقوله: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا

стр. 798

تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [يونس: ٦٤]، أما ما عدا ذلك من وظائف الوحي، كالبلاغ كمثلًا، فليس لها أي تأثير فيها، لأن هذه المهمة متعلقة بالرسالة لتكفل المولى تعالى بالعصمة لأنبيائه من اختلاط الشياطين ومضلاتهم. أما ما ذكره من الاجتماع بسيد العالمين النبي ﷺ ، فإنه لم يحدد مراده بهذا الاجتماع، متى يكون وكيف وأين؟ وما هي عمدته في تحققه؟ ولكن يكفي فيه أنه باطل لا حقيقة له شرعًا؛ فلا يجتمع أحد برسول الله ﷺ بعد مماته أبدًا إلا في المنام فإنه ﷺ قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتخيل بي، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) (١)، أما في اليقظة فالنبي بشر قد توفاه الله، وعلم ذلك بالضرورة الشرعية والعقلية والعرفية، وهذا الاعتقاد مشهور عن الصوفية، فإنهم يعتقدون بالحضرة ويقيمون من أجلها الموالد والحفلات، ويقرؤون الأشعار والابتهالات، حتى إذا لبس عليهم الشيطان وأنساهم ذكر الله ظنوا أن النبي حاضر بينهم، وما هو إلا شيطان أغواهم لما صرفوا أنواع العبادة لغير الله تعالى من التوسل والاستغاثة والدعاء والذكر. وفي المبحث التالي مزيد بيان لارتباط هذه المفاهيم بحقيقة الكرامة. فضائل الأولياء: يرى الصاوي مشروعية التبرك بالأولياء؛ موافقة لمذهب الصوفية في هذا الاعتقاد، ولأن هذا المبحث من مفردات توحيد الإرادة؛ فقد قدمت الحديث عنه في مبحث التوحيد، مبينة أن لفظ التبرك من الألفاظ المجملة، التي تشتمل على معنى حق مراد من جهة الشرع، وآخر بدعي شركي كثر خوض الناس فيه بالباطل، وقطعًا فإن هذا المعنى الباطل من قوادح التوحيد التي أتى فيها الوعيد مفصلًا. وليس هذا مجال تفصيل ما تقدم، ويكفى التنبيه إلى أن التبرك بذوات الأولياء مما ليس له مستند شرعي، فحقيقته ابتداع لا حجة له من الكتاب أو السنة. أما التبرك بدعاء الأولياء، وحضور مجالس ذكرهم ومحبتهم، فهذا من التوسل

стр. 799

المشروع، الذي لا يخرج العبد من دائرة التوحيد فحقيقته أخذ بالأسباب المشروعة الممدوحة، التي جاء بها الوحي المظهر. ويظهر من كلام الصاوي هنا تشبثه بنفي السببية حتى أنه يرجع حصول البركة من المشايخ بالاقتران العادي لا بالسبب المقتضى، ولا شك أن هذا يظهر تمسكه بأشعريته حتى في تحرير كلام الصوفية واعتقادهم في أوليائهم، وإن كان الحديث هنا منصبًا على بيان حقيقة البركة المشروعة ورد ما عداها من المبتدعة، فإن القول بأن البركة التي تحصل شرعًا من المشايخ ترجع إلى مجرد العادة لا السبب القدري فهذا غير صحيح، لأن الله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها فكونه تعالى يخلق السبب سواء كان شرعيًا أم كونيًا في أمر من الأمور فإن هذا يؤكد على حقيقة تأثيره بمشيئة الله وتقديره، فلو شاء لأبطل الأسباب ولو شاء لتحقق مقتضاها مع توفر شروطها وانتفاء موانعها. أما عن التبرك الغير مشروع، نعود إلى التأكيد على أهمية التوحيد، فإن من أسمى مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ الدين، وأساس الدين توحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له، فهو حق الله الأعظم الذي أنيط بتحققه قبول العمل الموجب لدخول الجنة والنجاة من النار. فلا غرو إذًا أن يأتي الشارع الحكيم بسد ذرائع الشرك التي كانت سببًا في وقوع أمم من الجن والإنس في الشرك الأكبر المخرج من الملة، ولعلي أذكر أمثلة لحرص المصطفى ﷺ على صفاء المعتقد وخلوصه من أدران الشرك، فـ "عن عبد الله بن الشخير قال انطلقت في وفد بني عامر إلى النبي ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: (السيد الله تعالى)، قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا، فقال: (قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان) (١). وهذا كله من حماية النبي ﷺ جناب التوحيد، وكما قال لمن قال تعالوا بنا

стр. 800

نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق قال: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله) " (١). ومن هنا كان التوسل بذوات الأولياء، من أعظم ذرائع الشرك، فقد تسبب هذا المعتقد في ضلال قوم نوح. كما أن أساس الشرك الذي وقع فيه كفار مكة؛ مرده إلى هذا التوسل الشركي، حيث ظن مشركو قريش أن لهذه الآلهة منزلة عند الله، تقربهم بعبادتها، والتبرك بها، والتعلق بأذيالها من المولى تعالى. ولما كانت العبادة توقيفية، فليس للعقل فيها استقلال عن الشرع؛ فقد حرم التبرك بذوات الصالحين، وعد الوقوع به من ألوان الابتداع الذي يقدح في جناب التوحيد، وبحسب درجة الاعتقاد في ذلك التبرك؛ يقرب هذا الابتداع من دائرة الشرك أو يدخل فيها. فمن ظن أن لهؤلاء الأولياء نوع نفع أو ضر، ولو على غير جهة الاستقلال - وهذا هو حال من يعتقد البركة فيهم، إذ حقيقة التبرك هو طلب البركة بالزيادة والنفع - كما ظن أولئك المشركون في آلهتهم، فقد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة، إذ العلة في دخول أولئك في الشرك مع فعل هؤلاء واحدة، فلم يكن الدافع لأولئك في توسلهم بالآلهة اعتقاد انفرادهم بالضر أو النفع، فقد كانوا يعلمون بأنهم عبيد الله، يصدق ذلك قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك. وأساس هذا المنع: أعني به التبرك بالذوات من جهتين: الأولى من جهة وجوب إفراد الله تعالى بأفعال الربوبية، فإن في نسبة نوع من الضر أو النفع لأحد لم يرد في استحقاقه ذلك دليل كوني أو شرعي، محض تحكم على المولى تعالى، كيف وقد أمر المصطفى وهو خير من طلعت عليه الشمس أن يعلن افتقاره إلى ربه بقوله:

стр. 801

وقد أمر المصطفى وهو خير من طلعت عليه الشمس أن يعلن افتقاره إلى ربه بقوله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾. أما الجهة الأخرى وهي في الحقيقة مستلزمة للأولى: حفظ لإرادة العبد من التعلق بغير الله تعالى، فينصرف لأجله نوع من أنواع العبادة التي لا تنبغي إلا لله، كالخوف أو الرجاء أو المحبة لذلك الولى، مما يؤدي إلى الوقوع في الشرك المخرج من الملة، فمن المعلوم أن أساس التوحيد هو إفراد الله تعالى بأفعال العباد، وفي الحديث الصحيح: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا) (١). وهذا التوحيد هوالذي حصلت فيه الخصومة بين الأنبياء والأمم، فكان أساس دعوتهم لأقوامهم يستند إلى تحقيقه، وتخليص العقائد من معوقاته وموانعه، وأكتفى بهذا البيان هنا (٢). مدة الولاية: لقد وافق الصاوي في هذه المسألة معتقد أهل السنة والجماعة؛ فظهر اعتداله في التفكير الصوفي جليًا هنا، فمن المسلم به أن الولاية ليست مقيدة بزمن معين، فهي باقية ببقاء أهل الإيمان وقراءة القرآن، فمع وجود المقتضى من الإيمان والتقوى، وانتفاء المانع من الإفراط أو التفريط؛ يتحقق مقام الولاية لمن اكتملت فيه هذه المقومات الموجبة لاتصافه بها. وعليه فلا أساس لدعوى القائلين بختم الولاية من الصوفية، يقول شيخ الإسلام في هذه الحقيقة: "ولفظ خاتم الأولياء لا يوجد في كلام أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا له ذكر في كتاب الله ولا سنة رسوله، وموجب هذا اللفظ أنه آخر مؤمن تقي فإن الله يقول: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فكل من كان مؤمنًا تقيًا كان الله وليًا، وهم على درجتين: السابقون المقربون،

стр. 802

وأصحاب اليمين المقتصدون، كما قسمهم الله تعالى في سورة فاطر وسورة الواقعة والإنسان والمطففين" (١). أما الشق الثاني من هذه الدعوى الباطلة، وهو اعتقاد أفضلية خاتم الأولياء، فليس ثمة ما يستند إليه في ذلك، بل الأدلة تقطع بأفضلية القرون الأولى، وهذا في حال أهل الإيمان عامة، فما بال المقارنة بخاتم الرسل - عليه أفضل الصلاة والتسليم - إن العلم بتفضيله على سائر الأمة، مما يعلم من الدين بالضرورة. وشيخ الإسلام إذ يقطع بكفر من اعتقد هذا، فإنه أيضًا يبطل حجة من اعتقد أفضلية خاتم الأولياء على غيره من المؤمنين على افتراض وجوده، وهو بهذا يسلك مسلك التنزل مع المخالف للوصول إلى الهدف المنشود، يقول ﵀: "وإذا كان خاتم الأولياء آخر مؤمن تقي في الدنيا؛ فليس ذلك الرجل أفضل الأولياء ولا أكملهم، بل أفضلهم وأكملهم سابقوهم، الذين هم أخص بأفضل الرسل من غيرهم. فإنه كلما كان الولى أعظم اختصاصًا بالرسول وأخذًا عنه، وموافقة له كان أفضل، إذ الولي لا يكون وليًا لله إلا بمتابعة الرسول باطنًا وظاهرًا، فعلى قدر المتابعة للرسول يكون قدر الولاية" (٢). * * *

стр. 803

المبحث الثاني: حقيقة الكرامة مما يقوم عليه معتقد أهل السنة والجماعة في جانب الولاية، الإيمان بإمكان وقوع الكرامة في حق الأولياء، وأنها من فضل الله الذي يؤتيه من يشاء من أهل تقواه والاستقامة على دينه القويم. والكرامة في اللغة مشتقة من الإكرام، و"الكرام بالضم مثل الكريم فإذا أفرط في الكرم قلت كرام بالتشديد، والتكريم والإكرام بمعنى والاسم منه: الكرامة" (١). أما في الاصطلاح، فالكرامة لها معنيان، معنى عام، وآخر خاص، أما العام فتكون اسمًا جامعًا لكل ما يكرم الله به عبده من النعم الظاهرة والباطنة، كالعلم والطاعة والرزق. وأما في معناها الخاص؛ فهى الأمر الخارق العادة الإنس والجن، يقع على يد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبيه. فكان أهل السنة بهذا الاعتقاد وسطًا بين الغلو والتفريط، فقد جفت المعتزلة في هذا الباب، فأنكروا الكرامة، وكان مستندهم في ذلك مسلماتهم العقلية، إذ الخوف من اختلاط الكرامة بالمعجزة حجتهم في المنع؛ حتى لا يحصل اللبس بين الولي والنبي. ولا شك أن في هذا مخالفة لصريح المنقول من الشرع المطهر، فقد دلت آيات الكتاب وأحاديث المصطفى ﷺ على إثبات الكرامة في حق من استقام حاله ظاهرًا وباطنًا. وفي مقابل هذا الاتجاه الجافي؛ يأتي مذهب أهل الغلو والإفراط وهم الصوفية، فقد غلو في إثبات الكرامة إلى حد بعيد، فحادوا بذلك عن الطريق المستقيم، حيث

стр. 804

أدخلوا في مسمى الكرامة الكثير من الأمور، التي لا يصح وقوعها لأحد من البشر كائنًا من كان، وقد ساقهم هذا المنحى المضطرب في فهم حقيقة الكرامة إلى ابتذالها، حتى غدت علمًا عندهم على الإتيان بالعجائب من الأفعال والأقوال، ولو كانت مما يخل بالمروءة والقيم الأصيلة، وحتى غدا المارستان موطنًا للكثير من الكرامات. - ولعلي أذكر بعض ما عجت به تصانيف الصوفية في هذا المقام، يقول المناوي في ذي النون المصرى: ومن مقاماته العلية الفائقة وأحواله المدهشة الخارقة أن روحه الشريفة كانت تدبر أجسامًا متعددة" (١) فهل هذا من الكرامة أم من الأوهام الخيالية؟ ويقول في عبد القادر الجيلاني: ومن كراماته أنه كان أيام رضاعته لا يرضع في رمضان، فكان الناس إذا شكوا في الهلال رجعوا إليه" (٢). ويقول في أحدهم: "وله كرامات كثيرة، فلما قدم السهروردي إلى دمشق أراد زيارته فقالوا له: لا تفعل الرجل لا يصوم ولا يصلي ويمشي مكشوف العورة غالبًا، فركب السهروردي بغلته وحوله الجمع الجم، فلما وصل إلى قرب مكانه رآه الرجل فكشف عورته" (٣) وهناك الكثير من القصص التي يستحيي من ذكرها (٤)، ولعل في هذا القدر كفاية، ولكل هذا الانحراف؛ فقد صارت حقيقة الكرامة عندهم مخالفة تمامًا للحقيقة الشرعية، التي دلت عليها نصوص الكتاب والسنة. أما عن منزلة الكرامة عندهم؛ فتعد الدليل الأوحد الذي يمكن بتحققه الوصول إلى مرتبة الولاية عندهم، بل يرى البعض أن معرفة الولاية لا يكون إلا بمعرفة حد الكرامة، كما أن النبوة لا تعرف إلا بمعرفة حد المعجزة، فإذا كان من غير الممكن تكذيب النبي بعد ثبات نبوته بدليل المعجز كدليل برهاني، فكذلك لا يمكن بعد معرفة الكرامة وثبوت الوصف المعين الذي يميزها عن غيرها إنكار ولاية من قامت

стр. 805

به دون غيره، ومن جهة أخرى فالكرامة مما جاء الشرع بوجوب التصديق به، فإذا ثبتت لأحد فلا يجوز أن يقدح في ولايته. يقول القشيرى في بيان ذلك: "ولأن من شرط صحة المعرفة بالنبوة الوقوف على حد المعجزة، ويدخل في جملته العلم بحقيقة الكرامات، فإذا رأى الكرامات ظاهرة عليه لا يمكنه أن ألّا يميز بينها وبين غيرها، فإذا رأى شيئًا من ذلك علم أنه في الحال على الحق" (١). ويقول: "وظهور الكرامات علامة صدق من ظهرت عليه في أحواله، فمن لم يكن صادقًا فظهور مثلها عليه لا يجوز" (٢). ويعد التصرف في الكون ومعرفة الغيوب من أهم الكرامات، يعرف الزركشي الولى في ضوء مفهوم الكرامة عند الصوفية، فيقول: "وسمى الولى وليًا لأنه تولى الله بطاعته، وقيل لأن الله تولاه بلطفه، فهو فعيل، إما بمعنى فاعل أو مفعول، وحينئذ يصير مجاب الدعاء مكاشفًا بغيب الأرض والسماء، مخاطبًا بسائر الأسماع فلا يدع إلا إياه إليه، ولا يستدل بغيره عليه" (٣). وهذا أصل اعتقادهم في الأقطاب فـ "القطب هو أعظم صوفية الزمان، والحاكم على أولياء الله، ومتى أراد فيجتمع حوله كل أولياء الله بطى الأرض من أطراف الدنيا، وأكنافها في طرفة عين، ويأتى عدد من الأولياء بعد القطب، يعدون من أهل الحل والعقد، وهم القادة في ساحة الله ﷻ " (٤). رأي الشيخ الصاوي: يعرف الصاوي الكرامة، فيقول: "الكرامة هي: أمر خارق للعادة، غير مقرون

стр. 806

بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها، يظهر على يد شخص ظاهر الصلاح، ملتزم لمتابعة نبيه". ثم يذكر قيود التعريف وذلك لتوضيح محترزاته، يقول: "فخرج بالخارق للعادة: السحر ونحوه. وبقوله: غير مقرون بدعوى النبوة: المعجزة. وبقوله: ولا هو مقدمة لها: الإرهاص. وبقوله: ظاهر الصلاح: المعونة والاستدراج والإهانة. وفي بيان حكم اعتقاد ثبوتها وما يستند إليه، يقول: "مما يجب اعتقاده ثبوت الكرامات للأولياء، فهى واقعة شرعًا جائزة عقلًا. دليل ذلك: ما ورد في القرآن من قصة مريم وولادتها عيسى من غير زوج مع كفالة زكريا لها، وحفظها. وقصة آصف بالمد وفتح الصاد، ومجيئه بالعرش قبل أن يرتد طرف سليمان ﵇ إليه، حيث كان يعرف الاسم الأعظم ودعا الله به. وما وقع من كرامات الصحابة والتابعين إلى وقتنا هذا" (١). - وتأكيدًا لاشتراط الصلاح والمتابعة؛ فإن الصاوي يقوم بتعريفها تبعًا للأسباب الموجبة لها، يقول في ذلك: "تطلق على الأمر الخارق للعادة على يد ظاهر الصلاح، ولكن المراد هنا - أي في لفظ الصلاة الدرديرية - ما أكرم به العبد من العطايا الإلهية، كانت خارق للعادة أم لا. معنوية، كالمعرفة بالله، والخشية ودوام المراقبة له، والمسارعة لامتثال أمره ونهيه، والرسوخ في اليقين ودوام المتابعة لله، والفهم عنه وغير ذلك. أو حسية، كالأرزاق الدنيوية من الحلال، وصحة البدن، والزوجة الصالحة، وحسن المنزل والمركب والفوز بالجنة من غير سابقة حساب ولا عذاب، والسلامة من

стр. 807

عذاب القبر، والتنعم بنعيمه، إلى غير ذلك من نعم الله التي قال فيها: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (١). * * * ومما يراه الصاوي خارقًا للعادة من الكرامات: انكشاف يتأتى به الإطلاع على المغيبات، إذًا الصاوي ينسب علم الغيب للأولياء، ولكن ليس على جهة الاستقلال بل على جهة العناية والفضل، وهذا ما صرح به عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾، يقول: "أي من حيث ذاتها، أما بإعلام الله للعبد، فلا مانع منه كالأنبياء وبعض الأولياء، قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. وقال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. قال العلماء: وكذلك ولى، فلا مانع من كون الله يطلع بعض عباده الصالحين على بعض هذه المغيبات، فتكون معجزة للنبي، وكرامة للولى" (٢). ويقول عند آية الميثاق: "وكان علي - كرم الله وجهه - يقول: إني لأذكر العهد الذي عهد إلى ربى، وكان سهل التسترى يقول: إني لأعرف تلامذتى من ذلك اليوم ولم أزل أربيهم" (٣). ويقول أيضًا في بيان هذه العطايا الخاصة بالأولياء عند قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾: أما أجسادهم - الشهداء - فمحلها القبور، غير أن الأرواح لها تعلق بها، فلذلك لا يحصل لأجسادهم بلاء، فأرواحهم لها جولان عظيم من البرزخ إلى أعلى السموات إلى داخل الجنان، والطيور الخضر لها كالهودج مع كونها

стр. 808

متصلة بجسم صاحبها، وما وصل للروح من النعيم يحصل للجسم أيضًا، وذلك نظير النائم، فإن النائم يرى أن روحه في المشرق أو في المغرب مع كونها متصلة بجسمه، وكالأولياء الذين أعطاهم الله التصريف، فالواحد منهم يكون جالسًا في مكان، وروحه تسرح في أمكنة متعددة، وربك على كل شيء قدير" (١). ولهذا التصريف الذي يعتقده الصاوي لأهل المراتب العالية في الولاية، فإنه يرى مشروعية الاستغاثة بهم، يقول: "وتطلق الأنجاب في عرف الصوفية على طائفة فوق الأبدال، ويقال لهم النجباء. فأول المراتب الأولياء، ثم الأبدال، ثم النجباء، ثم النقباء، ثم العرفاء، ثم الأقطاب، ثم الغوث، فيستغاث بهم في النوازل على هذا الترتيب: (٢). * * * المناقشة: أولًا: حقيقة الكرامة: إن مفهوم الكرامة عند أهل السنة والجماعة؛ يعد في الحقيقة نوع امتداد لمفهوم الولاية عندهم، وكذلك الحال عند الصوفية، فلما كانت حقيقة الولاية في ضوء ما ورد من نصوص الكتاب والسنة؛ تعنى تولى مراضى الرب تعالى بالاستقامة على شرعه ومتابعة نبيه محمد ﷺ ، الموجبة لمولاة الرب تعالى بأنواع المنن، وأعظمها دخول الجنة، والأمن من عذاب النار، كانت حقيقة الكرامة أيضًا هي ثمرة التزام الاستقامة من خوارق العادات، والعلم النافع وطاعة الباري تعالى. وكما أن مفهوم الولاية عند الصوفية يقوم على اعتقاد خرق العادات والتصوف في الكون وعلم المغيبات، فكذلك الكرامة عندهم، إنها هي بعينها مقومات الولاية في الفكر الصوفى، فليست تخرج عن هذه الأمور، التي هي مطمح القوم، ومحط آمالهم في الولاية، ولو مع مخالفة ظاهرة لأوامر الشرع.

стр. 809

يقول شيخ الإسلام ﵀ معرفًا الكرامة بما لا يمكن أن تتأتى إلا به: "إن الكرامة لزوم الاستقامة، وإن الله لم يكرم عبده بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ " (١). حجية الكرامة: لقد ثبت في الأدلة الشرعية ومن حياة أصدق الأولياء من الصحابة والتابعين - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين -: إجراء أحكام خارجة عن مقتضى العادة على يد بعض عباد الله الصالحين، يتأتى بها تحقيق مطلب دينى أو دنيوى لهم، تكون من الله تعالى إكرامًا للعبد، وتبشيرًا له؛ لثبوته على مقومات الولاية. فالكرامة من حيث هي أمر خارق للعادة، يستند في تحققه إلى محض تصرف الباري تعالى، قد ثبت وقوعها على وجوه كثيرة، جماعها كما بين شيخ الإسلام: القدرة والعلم والغنى، يقول شيخ الإسلام: "المعجزة للنبي والكرامة للولى وجماعها الأمر الخارق للعادة، فنقول: صفات الكمال ترجع إلى ثلاث: العلم والقدرة والغنى، وإن شئت أن تقول: العلم والقدرة إما على الفعل وهو التأثير، وإما على الترك وهو الغنى. والأول أجود. وهذه الثلاثة لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علمًا، وهو على كل شيء قدير وهو غني عن العالمين" (٢). ومن الأمثله الدالة على ذلك: ما وقع لعمر ﵁ من انكشاف الغيب؛ فطابق الوحي قبل نزوله على قلب النبي ﷺ ، فعن أنس قال: قال عمر ﵄: (وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.

стр. 810

وآية الحجاب، قلت يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب. واجتمع نساء النبي ﷺ في الغيرة عليه، فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ (١). فكان هذا دليلًا على حصول الانكشاف، الذي به يتحصل علم الغيب، لكن هو دون رتبة الأنبياء. ومن ذلك ما أورده الصاوي من قصة مريم ﵍، وذلك الذي أتى بالعرش لسليمان ﵇، وتسميته بآصف قد وردت بها روايات ضعيفة (٢) لا يصح اعتمادها في التسمية. ومن ذلك ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ : (بينما رجل بفلاة من الأرض، فسمع صوتًا في سحابة: اسق حديقة فلان، فتنحى ذلك السحاب، فأفرغ ماءه في حرة، فإذا شرجة من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتتبع الماء، فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمسحاته، فقال له: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: فلان. للاسم الذي سمع في السحابة، فقال له: يا عبد الله! لم تسألنى عن اسمى؟ فقال: إني سمعت صوتًا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول: اسق حديقة فلان، لاسمك، فما تصنع فيها؟ قال: أما إذ قلت هذا، فإنى أنظر إلى ما يخرج منها، فأتصدق بثلثه، وأكل أنا وعيالى ثلثًا، وأرد فيها ثلثه) (٣). فـ "إذا ثبت ما ذكرت من الدلائل على جواز ظهورها بخرق العادة على يد الأولياء على سبيل الكرامة، فماذا تتميز الكرامة عن المعجزة؟ اختلفوا فيه، فذهب قوم إلى أن شرط الكرامة: أن تكون من غير إيثار واختيار من الولى، والمعجزة
следующие страницы →