← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

المطلب السابع: الآثار الواردة في الخوف من الانتكاس وعدم الصبر على الابتلاء بعد الخروج . ٩٢٣ - حدثنا علي بن الحسن، عن محمد بن إسحاق الموصلي قال: "وعظ سيار أبو تراب أميرا كان بالمدينة فحُبِس، فلما كان وقت الحج بعث إلى خالصة فكلمت له الوالي فخرج، فبلغ الخبران كلاهما الفضيل بن عياض قبل أن يجيء سيار، فلما قدم من مكة جاء الفضيل فلما رآه من قريب قال: هيه، وما عليك لو فاتك الحج، أما بلغك ما لقي يوسف ﵇ حين استشفع بغيره، قال: فصاح سيّار ثم انقلب، قال: وأصحاب الحديث عند الفضيل، فجعلوا يلحظونه بأبصارهم، قال الفضيل: أي شيء تنظرون إليه؟ فواللَّه لو خرجت نفسه لما عجبت منه" (١). ٩٢٤ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد ﷺ ، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة" (٢).

стр. 1017

٩٢٥ - حدثني علي بن الحسن، عن أبي يزيد الرقي، عن فضيل بن عياض: "أنه سئل عن الأمر والنهي فلم يأمر بذلك، ثم قال: إن صبرت كما صبر الإسرائيلي فنعم، قيل: فكيف كما صبر الإسرائيلي؟ قال: كان ثلاثة نفر اجتمعوا فقالوا: إن هذا الرجل يفعل ويفعل -يعنون ملكهم- فقالوا: فيأتيه واحد منا فيخلو به في السر فيأمره وينهاه، فذهب واحد منهم فدخل عليه فأمره وفاه، فقال: لا أراك هاهنا، فأمر به فحبس، فبلغ الخبر الآخرين، فقالا: الآن وجب، فجاءه واحد منهما فقال: يا هذا جاءك رجل يأمرك وينهاك فأمرت به فحبس، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أفعل بك ما فعلت به، فأمر به فضرب حتى مات، فجاء الخبر إلى الثالث، فقال: الآن وجبت، فأتاه فقال: يا هذا جاءك رجل فأمرك ونهاك فحبسته، وجاءك الآخر فضربته حتى قتلته، فقال: ألا أراك صاحبه، أما إني لا أصنع بك ما صنعت به، فأمر به فضرب وتدا في أذنه في الشمس، فحرّ الشمس من فوقه ومن تحته، وأرادوه على أن يتكلّم بشيء -أي شبه الاعتذار- إلى الملك فأبى، قال أبو القاسم -رجل من أصحاب الفضيل-: وأحدكم لو انتهر قال: جعلني اللَّه فداك" (١).

стр. 1018

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان خوف السلف من الانتكاس لمن تعرض لعقوبة السلطان بسبب قيامه عليه، وذلك أن سيف السلطان مشهور كما قال الإمام أحمد لمن سأله عن أمره ونهيه (١)، ولذلك تعيّن اتخاذ الوسائل التي يؤدّي فيها المسلم ما وجب عليه من الأمر والنهي دون تعريض نفسه إلى ما لا يطيق من البلاء، قال ابن عبد البر: "لا يلزم التغيير إلا من القوة والعزة والمنعة، وأنه لا يستحق العقوبة إلا من هذه حاله، وأما من ضعف عن ذلك فالفرض عليه التغيير بقلبه والإنكار والكراهة" (٢)، وقال القاضي عياض: "إن غلب على ظنه أن تغييره بيده يسبب منكرا أشد منه؛ من قتله، أو قتل غيره بسببه كفَّ يده، واقتصر على القول باللسان، والوعظ والتخويف، فإن خاف أن يسبب قوله مثل ذلك غَيَّر بقلبه وكان في سعة. . . هذا هو فقه المسألة، وصواب العمل فيها عند العلماء والمحققين، خلافا لمن رأى الإنكار بالتصريح بكل حال، وإن قُتِل، ونِيل منه كل أذى" (٣).

стр. 1019

المطلب الثامن: الآثار الواردة في ظلم الحكام عقوبة لا تستقبل بالسيف، بل بالتوبة والتضرع . ٩٢٦ - حدثنا محمد بن إدريس قال: حدثنا موسى بن أيوب البجلي قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: قال حذيفة بن اليمان: "ما استخفّ قوم بحق اللَّه ، إلا بعث اللَّه عليهم من يستخفّ بحقّهم" (١). ٩٢٧ - حدثني محمد بن الحارث الخرّاز قال: حدثنا سيار قال: حدثنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: "إن اللَّه إذا غضب على قوم سلّط عليهم صبيانهم" (٢). ٩٢٨ - أخبرنا أحمد بن إبراهيم العبدي قال: سمعت رجلا من أهل أصبهان يحدث عن عبد الرحمن بن مهدي قال: "كتب أخو محمد بن يوسف إليه يشكو إليه جَوْر العمال، فكتب إليه (٣): يا أخي بلغني كتابك تذكر ما أنتم فيه، وإنه ليس ينبغي لمن عمل بالمعصية أن ينكر العقوبة، وما أرى ما أنتم فيه إلا من شؤم الذنوب" (٤).

стр. 1020

٩٢٩ - حدثني أزهر بن مروان قال: حدثنا جعفر بن سليمان قال: حدثنا هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: "إن الفتنة واللَّه ما هي إلا عقوبة من اللَّه تحل بالناس" (١). ٩٣٠ - حدثني علي بن الحسن، عن الفيض بن إسحاق قال: سألت فضيل بن عياض عن الأمر والنهي قال: "ليس هذا زمان كلام، هذا زمان بكاء وتضرّع واستكانة، ودعاء لجميع أمة محمد ﷺ ، لو أوثقك في رجلك في هذه -وأشار إلى أسفل الركبة- جزعت ولم تصبر، ولو ابتليت لكفرت، قد ابتُلي قوم فكفروا من الشدّة" (٢). ٩٣١ - أخبرني علي بن مسلم قال: أخبرنا سيار قال: أخبرنا جعفر قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سمعت الحسن يقول: "إن الحجاج عقوبةٌ من اللَّه لم تكُ، فلا تستقبلوا عقوبة اللَّه بالسيف، ولكن استقبلوها بتوبة وتضرّع واستكانة، وتوبوا تكفوه" (٣).

стр. 1021

٩٣٢ - حدثنا الحسن بن عبد العزيز، عن ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، عن الحسن قال: "دعونا اللَّه منذ سبعين سنة أن يولّي أمرنا خيارنا، فإن كان استجاب لنا فإنا للَّه وإنا إليه راجعون، وإن كان لم يستجب لنا فإنا للَّه وإنا إليه راجعون" (١). ٩٣٣ - حدثني أبو حاتم، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثني محمد ابن كامل العبسي قال: "أتيت عراك بن خالد (٢) وهو جالس في مجلس ابن مرة في فتنة ابن محرز فقلت له: يا أبا الضحاك، طاب الموت، قال: يا ابن أخي لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر" (٣).

стр. 1022

٩٣٤ - حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن غيلان بن جرير قال: "حبس الحجاج مورّقا، قال: فطلبنا فأعيانا، فلقيني مطرف فقال: ما فعلتم في صاحبكم؟ قلنا: ما صنعنا شيئا، طلبنا فأعيانا، قال: تعالى فلندع، فدعا مطرف وأمَّنَّا، فلما كان من العشيّ، أذن الحجاج للناس، فدخلوا ودخل أبو مورّق فيمن دخل، فلما رآه الحجاج قال لحرسه: اذهب مع هذا الشيخ إلى السجن، فادفع إليه ابنه" (١). ٩٣٥ - حدثني إسحاق بن إسماعيل، ثنا جرير، عن حصين، عن الشجي: "أنه كان جالسا عند زباد فجيء برجل إلى زياد يُحمل ما يشكّ في قتله، فحرّك شفتيه بشيء ما ندري ما هو، فخلي سبيله، فقلت له: ما قلت؟ قال: قلت: اللهم رب إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ورب جبريل وميكائل وإسرافيل، ومنزل التوراة والإنجيل والزبور والقرآن العظيم، ادرأ عني شرّ زياد فدرئ عنه شرّه" (٢).

стр. 1023

٩٣٦ - حدثت عن الفضل بن يعقوب، ثنا الفريابي قال: "لما أخذ أبو جعفر إسماعيلَ بن أمية (١) أمر به إلى السجن، فمرّ على حائط مكتوب: يا ولِيَّ نعمتي، ويا صاحبي في وحدتي، وعدّتي في كربتي، فلم يزل يدعو بها حتى خلّي سبيله، فمرّ على ذلك المكان فنظر فلم يجد شيئا مكتوبا" (٢). ٩٣٧ - حدثني عيسى بن أبي حرب الصفار والمغيرة بن محمد قالا: ثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثني الحسن بن الفضل بن الربيع قال: حدثني عبد اللَّه بن الفضل بن الربيع قال: حدثني أبي قال: "حج أبو جعفر سنة سبع وأربعين ومائة، فقدم المدينة فقال: ابعث إلى جعفر بن محمد (٣) من يأتيني به تعبا، قتلني اللَّه إن لم أقتله، فأمسكت عنه رجاء أن ينساه، فأغلظ بي في الثالثة، فقلت جعفر بن محمد بالباب يا أمير المؤمنين، قال: ائذن له، فقلت له، فدخل فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته، فقال: لا سلّم اللَّه عليك يا عدو اللَّه، تلحد في سلطاني، وتبغيني الغوائل في

стр. 1024

ملكي، قتلني اللَّه إن لم أقتلك، قال جعفر: يا أمير المؤمنين إن سليمان أعطى فشكر، وإن أيوب ابتلي فصبر، وإن يوسف ظلم فغفر، وأنت أسمح من ذلك، فنكس طويلا ثم رفع رأسه وقال: إليَّ وعندي يا أبا عبد اللَّه البريء الساحة، السليم الناحية، القليل الغائلة، جزاك اللَّه من ذي رحم أفضل ما يجزي ذوي الأرحام عن أرحامهم، ثم تناول بيده فأجلس معه على مفرشه، ثم قال: يا غلام عليّ بالمتحفة، والمتحفة مدهن كبير فيه غاية، فأتي به فغلفه بيده حتى خلت لحيته قاطرة، ثم قال له: في حفظ اللَّه وكلاءته، يا ربيع الحَق أبا عبد اللَّه جائزته وكسوته، فانصرف فلحقته، فقلت: إني قد رأيت قبل ذلك ما لم ير، ورأيت بعد ذلك ما قد رأيت، وقد رأيت تحرك شفتيك فماذا قلت؟ ، قال: نعم إنك رجل منا أهل البيت، ولك محبّة وودّ، قلت: اللهم احرسني بعينيك التي لا تنام، وبرّك الذي لا يرام، واغفر لي بقدرتك عليّ لا أهلَكُ، وأنت رجائي، رب كم من نعمة أنعمت بها عليّ قلّ لك عندها شكري، وكم من بليّة ابتليتني بها قلّ عندها صبري، فيا من قلّ عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قلّ عند بلائه صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على الخطايا فلم يفضحني، يا ذا المعروف الذي لا ينقضي أبدا، ويا ذا النعم التي لا تحصى عددا، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد أبدا، وبك أدرأ في نحره وأعوذ بك من شره، اللهم أعني على ديني بالدنيا، وأعني على آخرتي بالتقوى، واحفظني فيما غبت عنه، ولا تكلني إلى نفسي فيما حضرته، يا من لا

стр. 1025

تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، إنك أنت الوهاب، أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، ورزقا واسعا، والعافية من جميع البلاء، وشكر العافية" (١). ٩٣٨ - نا إسحاق بن إسماعيل قال: نا أبو أسامة، عن مسعر، عن معن، عن عون بن عبد اللَّه قال: "بينا رجل في بستان، بمصر في فتنة ابن الزبير مكتئبا، معه شيء ينكت به في الأرض، إذ رفع رأسه، فسنح له صاحب مسحاة، فقال له: يا هذا ما لي أراك مكتئبا حزينا؟ قال: فكأنه ازدراه، فقال: لا شيء، فقال صاحب المسحاة: ألِلدُّنيا؟ فإن الدنيا عَرَضٌ حاضر يأكل منها البَّرُّ والفاجر، والآخرة أَجَلٌ صادقٌ يحكم فيها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل، حتى ذكر أن لها مفاصل كمفاصل اللحم (٢)، من أخطأ شيئا أخطأ الحق، فلما سمع ذلك منه كأنه أعجبه، قال: فقال: لِمَا فيه المسلمون، قال: فإن اللَّه سينجِّيك بشفقتك على المسلمين، وسَل فمن ذا الذي سأل اللَّه فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكَّلَ عليه فلم يكفه، أو وَثِقَ به فلم ينجه؟ قال: فَعَلِقتُ الدُّعَاءَ: "اللهم سَلِّمنِي وسَلِّم مني، فَتَجَلَّت الفتنة ولم تصب منه أحد" (٣).

стр. 1026

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أسباب الفتن التي تنال الأمة، وبيان الوسيلة الشرعية لعلاجها، حيث ورد فيها أن أهم أسباب الفتن وتسلُّط حكام الجور على الأمة هو ذنوب العباد، فالاستخفاف بحق اللَّه يقابله استخفاف اللَّه بحق العباد، فيغضب عليهم ويسلط عليهم صبيانهم، وجور العمال بشؤم ذنوبهم، وحدوث الفتن، ولذلك تعين أن تقابل هذه العقوبات بالتوبة والتضرع والاستكانة، كما قاله غير واحد من السلف كالفضيل بن عياض والحسن البصري، ولأهمية موضوع الدعاء في دفع الفتن، فقد حمل همّه السلف وتوجهوا به إلى اللَّه في رفع الفتن، حتى إن الحسن ذكر أنهم دعوا للَّه منذ سبعين سنة أن يولي أمرهم خيارهم، ولما رأى الأمر لم يتغير كبير شيء تحسّر من ذلك، فإن كان استجيب لهم فهي مصيبة وأي مصيبة أن يكون أولئك الظلمة هم خيارهم، وإن لم يكن استجيب لهم فهى مصيبة أيضًا فإنهم ليسوا أهلا لذلك، وعدم استجابة الدعاء يوجب النظر في تحقق شروطه، ومن هنا كان هذا منهج السلف في الفتن فإنهم بين ناصح له وداع إليه كما نصح عراك بن خالد من قال له طاب الموت، بقوله: "لساعة تعيش فيها تستغفر اللَّه خير لك من موت الدهر"، وكذا مطرف لما حبس الحجاجُّ مورِّقا، وطلبوا له طرقا لإخراجه فلم يفلحوا، لم يكن منه إلا أن دعا وأمَّن أصحابه فخُلي سبيله، وهكذا من كان يظلم

стр. 1027

ويحبس منهم يلتجئ إلى الدعاء فيفرج اللَّه عنه، بل إنهم كانوا يعتزلون الفتن لما تموج بالناس ويتوجهوا إلى اللَّه بالتضرع والدعاء، فلا تصيبه بشيء ولا يصيب المسلمين منه شيء يكرهونه وللَّه الفضل والمنة. وقد نبّه العلماء على أهمية التوبة والتضرع والاستغفار في دفع العقوبات، وعلاقة ذلك بالذنوب والمعاصي قال شيخ الإسلام: "الفتن سببها الذنوب والخطايا فعلى كل من الطائفتين أن يستغفر اللَّه ويتوب إليه فإن ذلك يرفع العذاب وينزل الرحمة" (١)، وقال ابن القيم: "ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعا من الفساد؛ في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. . . فكلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبا أحدث اللَّه لكم من سلطانه عقوبة. . . ومن تأثير معاصي اللَّه في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل، ويمحق بركتها. . . وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات، وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطةً، الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها اللَّه بما أحدث العباد من الذنوب، فإذا أراد اللَّه أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، ويخرج عبدا من عباده من أهل بيت نبيه فيملأ الأرض قسطا كما ملئت جورا، ويقتل المسيح اليهود والنصارى، ويقيم الدين الذي بعث اللَّه به رسوله، وتخرج

стр. 1028

الأرض بركاتها وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس ليأكلون الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويكون العنقود من العنب وقر بعير، ولبن اللقحة الواحدة يكفى الفئام من الناس، وهذا لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من اللَّه تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. . . والمقصود أن الذنوب إنما ترتب عليها العقوبات الشرعية والقدرية، أو يجمعها اللَّه لعبد، وقد يرفعها عمن تاب وأحسن. . . وعقوبات الذنوب نوعان: شرعية وقدرية، فإذا أقيمت الشرعية رَفَعت العقوبات القدرية أو خففتها. . . وإذا عطلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية، وربما كانت أشد من الشرعية، وربما كانت دونها، ولكنها تعم والشرعية تخص؛ فإن الرب ﵎ لا يعاقب شرعا إلا من باشر الجناية، أو تسبب إليها، وأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة" (١). وقد ذكر ابن القيم بعض ورد في هذا المعنى فقال: "ذكر عن مالك بن دينار قال: قرأت في الحكمة يقول اللَّه : أنا اللَّه مالك الملوك، قلوب الملوك بيدي؛ فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، ولكن توبوا إلي أعطفهم عليكم، وفي مراسيل الحسن: إذا أراد اللَّه بقوم خيرا جعل أمرهم إلى حلمائهم، وفيأهم عند سمحائهم، وإذا أراد بقوم شرا جعل أمرهم إلى سفهائهم، وفيئهم عند بخلائهم، وذكر الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال يونس: يا رب أنت في السماء ونحن في الأرض، فما علامة غضبك من

стр. 1029

رضاك؟ قال: إذا استعملت عليكم خياركم فهو من علامة رضائي عليكم، وإذا استعملت عليكم شراركم فهو من علامة سخطي عليكم، وذكر ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض قال: أوحى اللَّه إلى بعض الأنبياء: إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني، وذكر أيضًا من حديث ابن عمر يرفعه: والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يبعث اللَّه أمراء كَذَبَة، ووزراء فجرة، وأعوانا خونة، وعرفاء ظلمة، وقرَّاء فسقة، سيماهم سيما الرهبان، وقلوبهم أنتن من الجيف، أهواؤهم مختلفة، فيتيح اللَّه لهم فتنة غبراء مظلمة، فيتهاوكون فيها، والذي نفس محمد بيده لينقضن الإسلام عروة عروة حتى لا يقال: اللَّه اللَّه، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن اللَّه عليكم أشراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن اللَّه عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم" (١)، وكان من دعاء ابن حمش: "اللهم بما كسبت أيدينا سلطت علينا من لا يعرفنا ولا يرحمنا" (٢)، وقال إسماعيل المزني في معتقد: "الطاعة لأولي الأمر فيما كان عند اللَّه مرضيا، واجتناب ما كان مسخطا، وترك الخروج عند تعديهم وجورهم، والتوبة إلى اللَّه كيما يعطف بهم على رعيتهم" (٣).

стр. 1030

المطلب التاسع: الآثار الواردة في توبة الخارج على الحكام . ٩٣٩ - أخبرني عمر بن شبَّة قال: حدثني أيوب بن أبي محمد بن سلمة الغفاري قال: حدثني قطن بن معاوية الغلابي (١) قال: "كنت ممن سارع إلى إبراهيم واجتهد معه، فلما قُتل طلبني أبو جعفر فاختفيت، فقبض أموالي ودوري، ولحقت بالبادية، فجاورت في بني نضر بن معاوية، ثم في بني كلاب، ثم في بني فزارة، ثم في بني سلم، ثم انطلقت في بوادي قيس أجاور فيهم، ثم ضقت ذراعا بالاختفاء، فأزمعت على القدوم على أبي جعفر والاعتراف له، فقدمت البصرة فنزلت في طرف منها، ثم أرسلت إلى أبي عمرو بن العلاء وكان بي وادًّا، فشاورته في الذي أزمعت عليه فقَبَّل رأسي وقال: واللَّه إذًا ليقتلنّك، وإنك لتعين على نفسك، فلم ألتفت إليه، وشخصت حتى قدمت بغداد وقد بنى بها أبو جعفر مدينته ونزلها، فليس أحد من الناس يركب فيها ما خلا المهدي، فنزلت دارًا، ثم قلت لغلماني أنا ذاهب إلى أمير المؤمنين فأمهلوا ثلاثا؛ فإن جئتكم وإلا فانصرفوا، حتى دخلت المدينة فجئت دار الربيع والناس ينتظرونه، وهو حينئذ ينزل داخل المدينة في الدار الشارعة على قصر الذهب، فلم ألبث أن خرج يمشي فقام إليه الناس فقمت معهم، فسلمت عليه فردّ عليّ السلام وقال: من أنت؟ قلت: قطر بن معاوية، قال: انظر ما تقول، قلت:

стр. 1031

أنا هو، فأقبل على سودة معه فقال: احتفظوا هذا، قال: فلما حرست لحقتني الندامة، وذكرت رأي أبي عمرو بن العلاء، فتأسّفت عليه، ودخل الربيع فلم يطل حتى خرج خصيّ فأخذ بيدي فأدخلني قصر الذهب، ثم أتى بي بيتا حصيئا فأدخلنيه، ثم أغلق الباب عليّ وانطلق فاشتدّت ندامتي، وأيقنت بالهلاك وخلوت بنفسي ألومها، فلما كان الظهر أتاني الخصيّ بماء فتوضّأت وصلّيت، وأتاني الطعام فأخبرته أني صائم، فلما كان المغرب أتاني بماء فتوضّأت وصلّيت، وأرخى عليّ الليل سدوله يئست من الحياة، فسمعت أبواب المدينة تغلق وأقفالها تشدّد، فامتنع مني النوم فلما ذهب صدر من الليل أتاني الخصيّ، ففتح عني ومضى بي فأدخلني صحن الدار، ثم أدناني من ستر مسدول فخرج علينا خادم فأدخلنا فإذا أبو جعفر وحده وإذا الربيع قائم ناحية، فأكبّ أبو جعفر هنيهة مطرقا ثم رفع رأسه فقال: هيه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا قطر بن معاوية، فقد واللَّه جهدت عليك جهدي، فعصيت أمرك، وواليت عدوّك، وحرصت على أن أسلبك ملكك، فإن عفوت فأهل ذلك أنت، وإن عاقبت فبأصغر ذنوبي تقتلني، قال: فسكت هنيهة ثم قال: هيه؟ فأعدت مقالتي، قال: فإن أمير المؤمنين قد عفا عنك، يا أمير المؤمنين إني امرؤ من وراء بابل لا أصل إليك، وضياعي ودوري مقبوضة، فإن رأى أمير المؤمنين أن يردّها فعل، قال: فدعا بالدواة ثم أمر خادما له يكتب بإملائه: إلى عبد الملك بن أيوب النميري -وهو يومئذ بالبصرة- إن أمير المؤمنين قد رضي عن قطر بن

стр. 1032

معاوية، ورد عليه ضياعه ودوره وجميع ما قبض له، فاعلم ذلك وأنفذه له إن شاء اللَّه، قال: ثم ختم الكتاب ودفعه إليّ، قال: فخرجت من ساعتي لا أدري أين أذهب، فإذا الحرس بالباب، فجلست جانب أحدهم أحدثه، فلم ألبث أن خرج الربيع فقال: أين الرجل الذي خرج آنفا؟ فقمت إليه فقال: انطلق أيها الرجل واللَّه سلمت، فانطلق بي إلى منزله فعشّاني وأقرشني، فلما أصبحت ودعله فأتيت غلماني وأرسلتهم يكترون لي فوجدوا صديقا لي من الدهاقين من أهل ميسان قد اكترى سفينة لنفسه، فحملني معه فقدمت على عبد الملك بن أيوب بكتاب أمير المؤمنين فأقعدني عنه فلم أقم حتى ردّ عليّ جميع ما استصفى لي" (١). ٩٤٠ - حدثني واصل بن عبد الأعلى قال: حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين قال: "أتيت سعيد بن جبير بمكة فقلت: إن هذا الرجل قادم -يعني خالد بن عبد اللَّه- ولم يقدم، ولا آمنه عليك فأطعني واخرج، فقال: واللَّه لقد فررت حتى استحييت من اللَّه، قال: قلت: واللَّه لأراك (٢)

стр. 1033

كما سمّتك أمك" (١). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان ندم من حمل السلاح على الحاكم المسلم، وتركه الخروج والقتال، ثم البقاء متخفيا لمدة طويلة، ثم عدم احتماله لهذا الهروب والاستمرار فيه، وبالتالي اتخاذ قرار وقف التخفي أو الاستسلام للخليفة المسلم، وفي ضمن ذلك من نصحه من العلماء بأن لا يلقي نفسه للتهلكة، ليقينه بأنه سيقتل، كما أن الخليفة المنصور كان له موقف رائع بالعفو والصفح وإرجاع الحقوق إلى أهلها، وتسليم ما صودر منه وتأمينه على ماله ونفسه، ولا شك أن هذا هو المتعيّن في أيام الفتن والخروج، أن تكف الفئة الباغية، والطائفة الخارجة، الحاملة للسلاح، والشاقة لعصا المسلمين، وترجع إلى رشدها بكف أذاها عن المسلمين، وجمع الكلمة، وتأمين الخائفين، وترك ترويع الآمنين، كما يجب على الحاكم والسلطان أن يقابل فعلهم بالترحيب، وعملهم بالقبول والتأييد، وتيسير سبل الصلح والألفة والتراحم بين العبيد، وأن لا يقابله بالحبس

стр. 1034

والاعتقال وبالتعذيب، بله القتل والتشريد، قال شيخ الإسلام: "الشارع أمر كل إنسان بما هو المصلحة ليه وللمسلمين، فأمر الولاة بالعدل والنصح لرعيتهم. . . وأمر الرعية بالطاعة والنصح. . . وأمر بالصبر على استئثارهم ونهى عن مقاتلتهم ومنازعتهم الأمر مع ظلمهم؛ لأن الفساد الناشئ من القتال في الفتنة، أعظم من فساد ظلم ولاة الأمر فلا يزال أخف الفسادين بأعظمهما" (١)، والمراد أن كل واحد عليه أن يقوم بما أمر اللَّه به ولا يدفعه حظ نفسه وهواها أن يجاوز حكم اللَّه، كما فعل قتلة الحسين ﵁ حين أبوا إلا أن يستأسر لهم، رغم مرضه عليهم أن يرجع إلى بيته أو يذهب إلى الثغر أو يذهبوا به إلى ابن عمة يزيد، فلم يمكنوه من كل ذلك وأبوا إلا أن يستأسر لهم، قال شيخ الإسلام: "ومعلوم باتفاق المسلمين أن هذا لم يكن واجبا عليه، وأنه كان يجب تمكينه مما طلب، فقاتلوه ظالمين له، ولم يكن حينئذ مريدا لتفريق الجماعة، ولا طالبا للخلافة، ولا قاتل على طلب خلافة، بل قاتل دفعا عن نفسه لمن صال عليه وطلب أسره" (٢)، والمراد أن منهج أهل السنة والجماعة في هذا هو المنهج الوسط، وطريق العدل بجمع الكلمة وتأليف القلوب، وبهذا أفتى العلماء المعاصرون لما حدث من فتن وقلاقل في بعض البلدان الإسلامية، ومن ذلك النصيحة الذهبية لفضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀ لمن حمل السلاح في الجزائر

стр. 1035

بقوله: "نصيحتي لإخواني الذين حملوا السلاح، ويحملونه الآن: أن يضعوا السِّلاح، وأن يدخلوا من هذا الباب الذي فتحته الحكومة. ونصيحتي للحكومة ألَّا تؤذي هؤلاء الذين وضعوا السلاح، وألَّا تمسَّهم بعذاب، وألَّا تحرمهم من حقوقهم الوظيفية والاجتماعية ما داموا أهلًا لذلك، بمعنى أنَّها تعفو عن كلِّ ما سلف، وكأن شيئًا لم يكن، حتى تطيب النفوس، وتهدأ الأمور، فما من قلب من قلوب بني آدم إلَّا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، يُصرِّفه تعالى كيف يشاء، فلا ييأس هؤلاء المقاتِلون، والحكومة يجب أن ترحمهم، وأن تعفو عنهم ما سلف، حتى تهدأ الأمور وتستقرَّ إن شاء اللَّه" (١)، بل استمر ﵀ في النصح لعامة المسلمين والدعاة وتوجيههم لأمثل طريق يقضوا به على الفتن ويقطعوا دابرها، حتى لا تعاود الظهور، وتقصم الظهور، وكيف يتعاملوا مع الذي ألقوا السلاح فقال: "بالنسبة للآخرين: أن يتلقَّوا هؤلاءِ بوجهٍ طلْقٍ وصدرٍ مُنشرِحٍ، وأن يفرحوا بهم، وأن يُكرموهم، وألَّا يروهم جفاءً أو كراهيةً أو عبوسًا في وجوههم؛ لأنَّ الحالَ بعد وضع السِّلاح ليس كالحال قبل وضع السِّلاح، وأن يتناسَوا كلَّ ما جرى. سادسًا: بالنسبة للدُّعاة أيضًا: يَحثُّون الناسَ على أن يتآلفوا ويتقاربوا، ويتعاونوا على البرِّ والتقوى، ويتناسَوا ما سبق، وتبدأ الحياة

стр. 1036

من جديد"، "ونحن نشكرُ الدولةَ على العفوِ العام، ونشكرُ مَن ألقى السِّلاحَ على استجابتِه" (١). كما أنه ﵀ أشار إلى أمر مهم تضمنه الأثران السابقان وهو ما يتعلق بتململ قطن بن معاوية وسعيد بن جبير من الاختفاء والهروب من الحاكم، وعدم رضاهم بالحالة التي يعيشونها، رغم تركهم القتال والخروج، فعلّل ذلك تعليل فقيه بصير بالمصالح والمفاسد ومدرك لعواقب الأمور وهذا نص سؤال المقاتلين وجواب الشيخ عليهم: "السائل: شيخنا بعض الإخوة عندنا - بعد أن سلَّموا بأنَّ هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم؛ يعني لم يثقوا في الحكومة؛ يعني نسبيًّا، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلى الحياة المدنية، بدون قتال يعني يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقَّفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟ الشيخ: أقول: إنَّهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بدَّ أن تحرِّكهم نفوسُهم في يوم من الأيام حتى ينقضُّوا على أهل القرى والمدن؛ فالإنسانُ مدنيٌّ بالطبع، يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟ ! ، في يوم من الأيام لا بدَّ أن تُهيِّجهم النفوسُ حتى يكونوا قطَّاعَ طرق!

стр. 1037

السائل: إذًا لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟ الشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى ولأهليهم وذويهم وأصحابهم" (١)، ومصداق كلامه ﵀ ما وقع لمرداس بن أدية الخارجي، وكان خارجيا لا يرى حمل السيف واستحلال الدماء، قال عنه المبرد: "لما خرج من حبس ابن زياد ورأى جِدَّ ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج، فقال لأصحابه: إنه واللَّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم، مجانبين للعدل، مفارقين للفصل، واللَّه إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم، ولكنا ننتبذ عنهم، ولا نجرد سيفًا، ولا نقاتل إلا من قاتلنا" (٢)، فكان هذا شعاره لكنه ما لبث أن بدأ يقطع سبيل قوافل الخليفة فيأخذ بزعمه نصيبه ونصيب أصحابه من الفيء، وانتهى به الأمر إلى القتال فقتل وصُلب.

стр. 1038

المبحث الثالث: الآثار الواردة في موقف المسلم من الفتنة . وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن. المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة. المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة. المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها.

стр. 1039

المطلب الأول: الآثار الواردة في لزوم البيوت في الفتن . ٩٤١ - حدثنا أبو بكر بن عمرو الباهلي، حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى بن سعيد قال: سمعت عبد اللَّه بن عامر (١) يقول: "قام عامر بن ربيعة يصلي من الليل، وذلك حين سعى الناس في الطعن علي عثمان ﵁ فصلى من الليل، ثم نام، فأري في منامه فقيل له: قم فاسأل اللَّه أن يعيذك من الفتنة التي أعاذ منها صالح عباده، فقام فصلى، ثم اشتكى فما خرج قط إلا جنازةً" (٢). ٩٤٢ - ثنا محمد بن أبي حاتم، ثنا موسى بن داود، ثنا ابن لهيعة، عن سيَّار بن عبد الرحمن قال: قال لي بكير بن الأشج (٣): "ما فعل عمك؟ قال: قلت: لزم البيت منذ كذا وكذا، فقال: إن رجالا من أهل بدر لزموا

стр. 1040

بيوتهم بعد قتل عثمان نضّر اللَّه وجهه، فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم" (١). ٩٤٣ - حدثني داود بن عمرو الضبي، ثنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرني عاصم الأحول، عن رجل من بني سدوس، عن أبي موسى الأشعري قال: ". . . إن بعدكم فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسى مؤمنا ويصبح كافرا، قالوا: فما تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: كونوا أحلاس البيوت" (٢). ٩٤٤ - ثنا محمد بن حماد قال: سمعت مسلم بن إبراهيم، ثنا بشير بن عقبة قال: قلت ليزيد بن عبد اللَّه بن العلاء: "ما كان يصنع مطرّف إذا هاج في الناس هيج؟ قال: كان يلزم قعر بيته، ولا يأتي لهم صَفّا ولا جماعة، حتى تنجلي عما انجلت" (٣).

стр. 1041

٩٤٥ - ثنا إبراهيم بن سعيد، حدثني يحيى بن صالح، ثنا مالك بن أنس، ثنا يحيى بن سعيد قال: "كان أبو جهيم الأنصاري (١) بدريّا، وكان لا يجالس الناس، وكان يعتزل في بيته، فقالوا له: لو جالست الناس وجالسوك، فقال: وجدت مقارفة الناس شرا، وكان عبد اللَّه بن عمرو أكثر الناس مجالسة له، وكان يحدثه عن الفتن، فلما كان من أمر عبد اللَّه ابن عمرو ما كان بالشام (٢)، قال: تحدثني ما تحدثني -وكان هذا من أمره- للَّه عليّ ألا أكلمه أبدا" (٣). ٩٤٦ - حدثني محمد بن هارون، حدثنا الفريابي، حدثنا سفيان قال:

стр. 1042

"كان طاووس يجلس في البيت، فقيل له: لِمَ تجلس في البيت؟ قال: حيف الأئمة، وفساد الناس" (١). ٩٤٧ - حدثني محمد بن عباد بن موسى قال حدثنا كثير بن هشام قال: كان سفيان الثوري قاعدا بالبصرة فقيل له: هذا مساور بن سوار يمر -وكان على شرطة محمد بن سليمان- فوثب فدخل داره، وقال: "أكره أن أرى من يعصي اللَّه ولا أستطيع أن أغيّر عليه" (٢). ٩٤٨ - حدثنا روح بن حاتم، حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن ليث، عن الحكم، عن أبي البختري، عن عليّ قال: "طوبى لكل عبد نُوَمَة (٣)، عرف الناس ولم يعرفه الناس، وعرفه اللَّه منه برضوان، أولئك مصابيح الدجى، تُجلى عنهم كل فتنة مظلمة، أولئك ليسوا بالمذاييع (٤) البُذُر (٥)، ولا الجفاة المرائين، قال سمعت ابن الأعرابي يقول: النومة: الذي

стр. 1043

لا يدخل مع الناس فيما هم فيه" (١). ٩٤٩ - وبه حدثنا يحيى بن سليم قال: سمعت شب بن عبّاد قال: سمعت أبا الطفيل قال: سمعت علي بن أبي طالب ﵁ يقول: "أظلّتكم فتنة عمياء متسكِّنة، لا ينجو منها إلا النومة، قيل: يا أبا الحسن، وما النومة؟ قال: الذي لا يعرف الناس ما في نفسه" (٢). ٩٥٠ - حدثني محمد بن إسحاق الباهلي، حدثنا سفيان ﵀ قال: كنا عند الأعمش، فذكروا قتل زيد بن علي، فقال: "أنا لكم النذير العريان، كَفَّ رجل يده، وأمسك لسانه، وعالج قلبه" (٣).

стр. 1044

٩٥١ - حدثني علي، عن محمد بن الحسين قال: حدثني حكيم بن جعفر قال: حدثني عصام بن طليق، عن شيخ من أهل البصرة، عن أبي الجلد قال: "لقيني رجل من أهل العجم، فشكا إلي سلطانه وما يلقى منه من الظلم، فقلت له: ألا أدلك على أمر إن أخذت به وتركت ما سواه كفيت أمر السلطان وغيره، قاله: بلى، قلت: ارجع إلى أهلك وتوكل على اللَّه في أمرك كله؛ فإنك إن تفعل تجد ما أقول لك، قال: فلقيني بعد ذلك فجعل يشكرني ويقول: إني واللَّه رجعت يومئذ إلى أهلي وتوكلت

стр. 1045

على اللَّه فلم ألبث أن جاءني ما أحب" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة موقف المسلم عند هيجان الفتن، واضطراب أمور الناس، أو استشراء ظلم الحكام وبطشهم بالرعية، وانتشار المنكرات العلنية، ويتلخص هذا الموقف في: لزوم البيوت: وهو ما عبرت عنه الآثار عن كثير من البدريين الذين لم يخرجوا من بيوتهم بعد موت عثمان ﵁ إلا إلى المقابر والجنازات، ووصية بعضهم لمن سأله عن المخرج بأن يكونوا أحلاس بيوتهم، وإذا اشتدَّ الخطب لم يحضروا ترك الجمعة والجماعات، وهكذا الأمر عند حيف الأئمة وانتشار الظلم والمنكرات كانوا يلزمون بيوتهم خشية التأثم من رؤية المنكر وعدم إنكاره. عدم الخوض ففي شيء من الفتن: ومن هنا مدحوا النُّوَمَة، وفسروه بأنه الذي لا يدخل مع الناس فيما هم فيه، أو الذي لا يعرفون ما في نفسه، وكلاهما متلازمان، وأمروا بكفّ اليد، وإمساك اللسان، ومعالجة القلب، بل هذه نصيحتهم حتى لغير المسلمين. ولا شك أن هذين المسلكين من أهم ما المسلم به نفسه من الفتن، فيَسلم ويُسلم منه، فلا يكون وقودا لنارها، ولو سلك الناس هذان

стр. 1046

المسلكان لماتت الفتن في مهدها، ولوُئدت قبل استهلالها، ولهذا عقد العلماء في كتبهم عدة أبواب في لزوم البيوت في الفتن وذكروا النصوص الواردة فيه، فقد عقد الآجري باب فضل القعود في الفتنة عن الخوض فيها، وتخويف العقلاء على قلوبهم أن يهووا ما يكرهه اللَّه ، ولزوم البيوت والعبادة للَّه وقال: "ليكون المؤمن العاقل يحتاط لدينه؛ فإن الفتن على وجوه كثيرة؛ قد مضى منها فتن عظيمة، نجا منها أقوام، وهلك فيها أقوام باتباعهم الهوى، وإيثارهم للدنيا، فمن أراد اللَّه تعالى به خيرا فتح له باب الدعاء، والتجأ إلى مولاه الكريم، وخاف على دينه، وحفظ لسانه، وعرف زمانه، ولزم الحجة الواضحة السواد الأعظم، ولم يتَلَوَّن في دينه، وعبد ربَّه فترك الخوض في الفتنة؛ فإن الفتنة يفتضح عندها خلق كثير" (١)، قال القرطبي -بعد ذكره من اعتزل الفتنة من الصحابة والتابعين-: "هذا وكانت تلك الفتنة والقتال بينهم على الاجتهاد منهم، فكان المصيب منهم له أجران، والمخطئ له أجر، ولم يكن قتال على الدنيا، فكيف اليوم الذي تسفك فيه الدماء باتباع الهوى، طلبا للملك والاستكثار من الدنيا، فواجب على الإنسان أن يكف اليد واللسان عند ظهور الفتن، ونزول البلايا والمحن" (٢)، وكلما كان المسلم أعلم بهذه النصوص كان أقرب إلى العصمة من الوقوع في الفتن، وهذا ما حصل لمن

стр. 1047

اعتزل القتال من الصحابة فمن بعدهم كما قال شيخ الإسلام: "الذين رووا هذه الأحاديث من الصحابة مثل: سعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، وأسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وأبي هريرة وغيرهم، جعلوا قتال الجمل وصفين من ذلك، بل جعلوا ذلك أول قتال فتنة كان في الإسلام، وقعدوا عن القتال، وأمروا غيرهم بالقعود عن القتال، كما استفاضت بذلك الآثار عنهم" (١).

стр. 1048

المطلب الثاني: الآثار الواردة في ندم من حضر في قتال فتنة . ٩٥٢ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثنا نجدة بن المبارك السلمي قال: سمعت مالك بن مغول قال: كان طلحة اليامي (١) يقول: "ليت أنها قطعت من ها هنا -يعني يديه من المرفقين- وأني لم أكن شهدت يوم الجماجم (٢) " (٣). ٩٥٣ - حدثني خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد، عن مجالد بن سعيد: "أن عليا ﵁ قال يوم الجمل: ليتني مت قبل هذا اليوم بكذا وكذا" (٤).

стр. 1049

٩٥٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسماعيل، عن قيس، قال: قالت عائشة ﵂: "لوددت أني كنت ثكلتُ عشرة كلهم مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأني لم أسر مسيري الذي سرت" (١). ٩٥٥ - حدثني عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن أبي بكر بن عياش قال: قال المختار (٢) لما أحيط به: "ذهبت الدنيا والآخرة" (٣).

стр. 1050

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان ندم من حضر قتال فتنة، سواء من حضر الجماجم أو صفين والجمل، ولما ذكر شيخ الإسلام مكفرات الذنوب ذكر أولها التوبة ثم قال: "عائشة ﵂ ندمت على مسيرها إلى البصرة، وكانت إذا ذكرته تبكي حتى تبل خمارها، وكذلك طلحة ندم على ما ظن من تفريطه في نصر عثمان، وعلى غير ذلك، والزبير ندم على مسيره يوم الجمل، وعلي بن أبي طالب ﵁ ندم على أمور فعلها من القتال وغيره. . . وقد روى هذا عن علي ﵁ من وجهين أو ثلاثة، وتواترت الآثار بكراهته الأحوال في آخر الأمر، ورؤيته اختلاف الناس وتفرقهم، وكثرة الشر الذي أوجب أنه لو استقبل من أمره ما استدبر ما فعل ما فعل" (١)، وقد عقد المروزي في كتابه الفتن باب ما يذكر من ندامة القوم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم في الفتنة وبعد انقضائها، وما تقدم إليهم فيها (٢)، ولما تكلم شيخ الإسلام عن الفرق بين قتال الخوارج وقتال الفتنة قال: "أما قتال الجمل وصفين فكان قتال فتنة، كرهه فضلاء الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وسائر العلماء، كما دلت عليه النصوص، حتى الذين حضروه كانوا كارهين له، فكان كارهه في الأمة أكثر وأفضل من حامده" (٣)، ولما ذكر البيهقي ما حصل بين على

стр. 1051

-﵁ ومن قاتله قال: "جرى الشيطان بين الفريقين حتى اقتتلوا، ثم ندموا على ما فعلوا، وتاب أكثرهم" (١)، وقال ﵀: "إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم" (٢)، وهنا تنبيه مهم جدا يدل على خطورة القتال في الفتنة، وأن النية الحسنة لا تبرر فعل من فعله، فإن الذين ندموا عن قتالهم هم من أفاضل الصحابة وكبارهم، ومن هنا فإن من بعدهم "ليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرا عند اللَّه وأحسن نية من غيرهم" (٣).

стр. 1052

المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة . ٩٥٦ - كتب إليّ أبو نصر قال: سمعت عبد اللَّه بن خبيق يقول: قال محمد بن يوسف (١): "استشرت سفيان الثوري في المقام بالشام فقال: لا أرى لك ذلك؛ لأنها بلاد فتنة، ولكن إن صح عزمك فعليك ببعض السواحل، ثم استفد مائة صديق، فإذا استقصيت أمرهم فاطرح تسعة وتسعين، وكن من الواحد في شك، واعلم أنه لم يكن في الأرض إلا وزيرين -ولدي آدم- غضب أحدهما على الآخر فقتله" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر الزهري ﵀ مشروعية الانتقال من بلد الفتنة إلى البلاد الأكثر استقرارا، خوفا على الدين وعدم الثبات، قال ابن كثير -لما تكلم عن أصحاب الكهف-: "المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه" (٣)، وقال ابن عبد البر تعليقا على قول أبي هريرة ﵁: "والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون

стр. 1053

الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان" قال: "في هذا الخبر. . . دليل أيضًا على أن المدن تكثر فيها الفتن، والتقاتل على الدنيا، حتى تفسد وتهلك، ويكون الفرار منها إلى القفار والشعاب بقطائع الغنم" (١)، ولما تكلم ابن حجر ﵀ عن أحكام العزلة وأقوال السلف فيها، علق بقوله: "وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة؛ فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها" (٢). وقد عقد البخاري ﵀ في مشروعية الانتقال عن بلد الفتنة بابين في صحيحه الأول في كتاب الإيمان وهو باب من الدين الفرار من الفتن، والآخر في كتاب الفتن وهو باب التعرب في الفتنة (٣).

стр. 1054

المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها . ٩٥٧ - ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان قال: "كان عمار بن ياسر (١) ﵁ رجلا طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه: عائذ بالرحمن من فتنة" (٢). ٩٥٨ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال حذيفة في مرضه: "حبيب جاء على فاقة، لا أفدح من ندم، السرُّ بعدي ما أعلمُ، الحمد للَّه الذي سبق بي الفتنة، قادتها وعلوجها" (٣).

стр. 1055

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان تعوّذ السلف من الفتن، وتمنّي بعضهم الموت قبل حلولها، فقد كان عامة كلام عمار: عائذ باللَّه من فتنة، وحمد اللَّه حذيفة على موته قبل وقوع الفتن قادتها وعلوجها، وقد سبق التعليق على تمني الموت قبل وقوع البدع والفتن في الباب الأول (١)، وقد عقد المروزي في كتاب الفتن بابا فيمن رخص في تمنى الموت لما يفشوا في
следующие страницы →