← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

-﵁ ومن قاتله قال: "جرى الشيطان بين الفريقين حتى اقتتلوا، ثم ندموا على ما فعلوا، وتاب أكثرهم" (١)، وقال ﵀: "إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يوم الجمل لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم" (٢)، وهنا تنبيه مهم جدا يدل على خطورة القتال في الفتنة، وأن النية الحسنة لا تبرر فعل من فعله، فإن الذين ندموا عن قتالهم هم من أفاضل الصحابة وكبارهم، ومن هنا فإن من بعدهم "ليسوا أفضل من علي وعائشة وطلحة والزبير وغيرهم، ومع هذا لم يحمدوا ما فعلوه من القتال، وهم أعظم قدرا عند اللَّه وأحسن نية من غيرهم" (٣).

стр. 1052

المطلب الثالث: الآثار الواردة في الارتحال عن بلد الفتنة . ٩٥٦ - كتب إليّ أبو نصر قال: سمعت عبد اللَّه بن خبيق يقول: قال محمد بن يوسف (١): "استشرت سفيان الثوري في المقام بالشام فقال: لا أرى لك ذلك؛ لأنها بلاد فتنة، ولكن إن صح عزمك فعليك ببعض السواحل، ثم استفد مائة صديق، فإذا استقصيت أمرهم فاطرح تسعة وتسعين، وكن من الواحد في شك، واعلم أنه لم يكن في الأرض إلا وزيرين -ولدي آدم- غضب أحدهما على الآخر فقتله" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر الزهري ﵀ مشروعية الانتقال من بلد الفتنة إلى البلاد الأكثر استقرارا، خوفا على الدين وعدم الثبات، قال ابن كثير -لما تكلم عن أصحاب الكهف-: "المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه" (٣)، وقال ابن عبد البر تعليقا على قول أبي هريرة ﵁: "والذي نفسي بيده ليوشك أن يأتي على الناس زمان تكون

стр. 1053

الثلة من الغنم أحب إلى صاحبها من دار مروان" قال: "في هذا الخبر. . . دليل أيضًا على أن المدن تكثر فيها الفتن، والتقاتل على الدنيا، حتى تفسد وتهلك، ويكون الفرار منها إلى القفار والشعاب بقطائع الغنم" (١)، ولما تكلم ابن حجر ﵀ عن أحكام العزلة وأقوال السلف فيها، علق بقوله: "وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامة؛ فإن وقعت الفتنة ترجحت العزلة، لما ينشأ فيها غالبا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة فتعم من ليس من أهلها" (٢). وقد عقد البخاري ﵀ في مشروعية الانتقال عن بلد الفتنة بابين في صحيحه الأول في كتاب الإيمان وهو باب من الدين الفرار من الفتن، والآخر في كتاب الفتن وهو باب التعرب في الفتنة (٣).

стр. 1054

المطلب الرابع: الآثار الواردة في التعوذ من الفتن وتمني الموت قبل وقوعها . ٩٥٧ - ثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن الأسود بن شيبان قال: "كان عمار بن ياسر (١) ﵁ رجلا طويل الحزن والكآبة، وكان عامة كلامه: عائذ بالرحمن من فتنة" (٢). ٩٥٨ - حدثني يعقوب بن عبيد قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا هشام، عن الحسن قال: قال حذيفة في مرضه: "حبيب جاء على فاقة، لا أفدح من ندم، السرُّ بعدي ما أعلمُ، الحمد للَّه الذي سبق بي الفتنة، قادتها وعلوجها" (٣).

стр. 1055

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان تعوّذ السلف من الفتن، وتمنّي بعضهم الموت قبل حلولها، فقد كان عامة كلام عمار: عائذ باللَّه من فتنة، وحمد اللَّه حذيفة على موته قبل وقوع الفتن قادتها وعلوجها، وقد سبق التعليق على تمني الموت قبل وقوع البدع والفتن في الباب الأول (١)، وقد عقد المروزي في كتاب الفتن بابا فيمن رخص في تمنى الموت لما يفشوا في

стр. 1056

الناس من البلاء والفتن (١)، وعلق ابن حجر على استعاذة عمار ﵁ من الفتن بقوله: "فيه دليل على استحباب الاستعاذة من الفتن، ولو علم المرء أنه متمسك فيها بالحق؛ لأنها قد تفضي إلى وقوع من لا يرى وقوعه، قال ابن بطال: وفيه رد للحديث الشائع: لا تستعيذوا باللَّه من الفتن؛ فإن فيها حصاد المنافقين" (٢)، ولما شرح ابن حجر حديث استعاذة النبي ﷺ في آخر الصلاة من أربع ومنها فتنة المحيا والممات نقل عن ابن بطال قوله: "هذه كلمة جامعة لمعان كثيرة، وينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل، ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك، وكان ﷺ يتعوذ من جميع ما ذُكر؛ دفعا عن أمته، وتشريعا لهم، ليبين لهم صفة المهم من الأدعية" (٣).

стр. 1057

المبحث الرابع: الآثار الواردة في موقف الخوارج من أهل السنة . وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين. المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين. المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة.

стр. 1058

المطلب الأول: الآثار الواردة في تكفيرهم لخيار المسلمين . ٩٥٩ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد قال: حدثني رجل من النخع، عن صالح بن ميثم قال: "بينا عليّ بن أبي طالب قبل تلك الليلة بليلة يوقظ الناس للفجر، إذ أتاه ابن ملجم (١) بصحيفة ملفوفة، يدعوه فيها أو ينابذه، ففتحها عليّ فلم ينظر فيها، فأمسكها حتى صلى، ثم فتحها فإذا فيها: أدعوك إلى التوبة من الشرك وأنابذك (٢) وإن اللَّه لا يهدي كيد الخائنين، فقال عليّ: من صاحب هذه الصحيفة؟ فلم يكلّمه أحد، فبصق عليها فمحاها، ثم رمى بها، وقال: عليه لعنة اللَّه" (٣).

стр. 1059

المطلب الثاني: الآثار الواردة في تقربهم إلى اللَّه -بزعمهم- بقتل المسلمين . ٩٦٠ - حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال: حدثنا عبد اللَّه بن سعيد، عن زياد بن عبد اللَّه، عن عوانة بن الحكم (١): "أن ثلاثة تبايعوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، فخرج إلى عمرو بن العاص (٢)، وآخر إلى معاوية يقال له: البُرَك، رجل من بني تميم من بني سعد ثم من بني صُرَيم، وآخر إلى علي وهو ابن ملجم، فجاء ابن ملجم إلى الكوفة، فخطب قطام، وكانت من بني التيم، وكانت ترى رأي المحكمة، فقالت: لا واللَّه لا أتزوّجك إلا على ثلاثة آلاف وقتلِ عليّ، فأعطاها ذلك، وبنى بها" (٣).

стр. 1060

٩٦١ - حدثنا سعيد بن يحيى قال: نا عبد اللَّه بن سعيد الأموي، عن زياد بن عبد اللَّه البكّائي، عن عوانة بن الحكم الكلبي قال: فحدثني مزاحم بن زفر التيمي، عن وجيه (١): "أن ابن ملجم كان يجلس في قومه من صلاة الغداة إلى ارتفاع النهار، والقوم يهضبون (٢)، وهو لا يتكلّم بكلمة، وبلغني أنه كان يوما جالسا في السّوق متقلِّدا السيف، فمرّت به جنازة فيها المسلمون والقسِّيسون فقال: ويلكم ما هذا؟ قالوا: أبجر بن [جابر، أبو (٣) حجار العجلي، وابنه سيد بكر بن وائل، فاتّبعه المسلمون لمكان ابنه، وتبعه النصارى لنصرانيته، فقال ابن ملجم: أما واللَّه لولا أني أستبقي نفسي لأمر هو أعظم من هذا أجرا عند اللَّه، لاستعرضته بالسيف" (٤).

стр. 1061

٩٦٢ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن محمد ابن عبد اللَّه بن أبي يعقوب، عن ابن أبي نعم قال: "كنت جالسا عند ابن عمر، فسأله رجل عن دم البعوض، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا، يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن رسول اللَّه ﷺ ، سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ابناي هذان ريحانتي من الدنيا" (١).

стр. 1062

المطلب الثالث: الآثار الواردة في أذيتهم لأهل السنة . ٩٦٣ - حدثني أبي ﵀، عن هشام بن محمد قال: قال لي أبو بكر ابن عياش: سألت أبا حصين وعاصم بن بهدلة والأعمش وغيرهم، فقلت: "أخبركم أحد أنه صلَّى على عليٍّ، أو شهد دفنه؟ قالوا: لا، فسألت أباك محمد بن السائب فقال: أُخرج به ليلا، خرج به الحسن والحسين وابن الحنفيّة وعبد اللَّه بن جعفر، وعددٌ من أهل بيتهم، فدُفن في ظهر الكوفة، قال: فقلت لأبيك: لِمَ فُعل به ذلك؟ قال: خافوا أن تنبشه الخوارج أو غيرهم" (١). ٩٦٤ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني راشد أبو يحيى بن راشد، حدثني عصام بن زيد -رجل من مزينة- قال: "كان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن فيؤذيهم، فقيل للحسن: يا أبا سعيد ألا تكلّم الأمير حتى يصرفه عنا؟ قال: فسكت عنهم، قال: فأقبل ذات يوم والحسن جالس مع أصحابه، فلما وافى قال: اللهم قد علمت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت، قال: فخرّ واللَّه الرجل من قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سرير، فكان الحسن إذا ذكره بكى،

стр. 1063

وقال: ما كان أغرّه باللَّه" (١). ٩٦٥ - أخبرني العباس بن هشام، عن أبيه، عن عوانة بن الحكم قال: قال عبد الملك بن مروان لجلسائه: "من كان أشجع العرب؟ فقالوا: عمير -شبث- فعدوا فرسانا من فرسان العرب، فقال عبد الملك: أشجع العرب رجل جمع بين سكينة وعائشة، وأمه أحمد بنت سيّد كلب، ولي العراق فأصاب ألف ألفٍ وألف ألفٍ، فخذله أهل العراق، وعرضنا عليه الأمان فأبى أن يقبله ومضى حتى قتل، مصعب بن الزبير، لا من قطع الجسور هاهنا مرة، وهاهنا مرة (٢)، ثم قال: متى تغدو حواضن قريش مثل مصعب" (٣).

стр. 1064

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة الموزعة على المطالب الثلاثة بيان بعض أهم صفات الخوارج، وهي: تكفيرهم للمسلمين، بل لخيارهم فقد كفّروا علي بن أبي طالب ﵁، وقد كانوا معه وفي عسكره. وتقربهم إلى اللَّه بزعمهم بقتلهم، فتجدهم يتبايعون على ذلك كما تبايع الثلاثة على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، بل شرطت قطام خطيبة أحدهم وهو ابن ملجم أن يكون من مهرها رأس علي ﵁، فاستفرغ جهده كله، واستبقى نفسه للقيام بهذه الجريمة المنكرة لأنه عدها أعظم أجرا، وكان هذا الأمر عندهم من الوضوح بمكان بحيث لم يستشكلوه أبدا، ولذلك أنكر عليهم ابن عمر ﵁ سؤالهم عن دم البعوض، مع عدم تورعهم عن دماء خيار المسلمين وخاصتهم. وأقلُّ ذلك أذيتهم بأي نوع من الإيذاء، وذلك عندما تعجز سيوفهم عن النيل من أهم السنة والمسلمين عموما؛ يبسطون عليهم ألسنتهم بالسوء، وينالون منهم كلما استطاعوا من أنواع الأذية والنكال. وهذه الصفات هي من أهم صفات الخوارج تكفير المسلمين ثم قتالهم، وكل أذية أو مضايقة ونحوها فإنما ناشئة عما سبق، وهذا الأمر مما

стр. 1065

باينوا به جميع الأمة الإسلامية، قال شيخ الإسلام: "الخوارج أيضًا باينوا جميع المذاهب فيما اختصوا به من التكفير بالذنوب، ومن تكفير على ﵁. . . وأمثال ذلك" (١)، ثم نقل قول الأشعري: "أجمعت الخوارج على إكفار علي بن أبي طالب ﵁ إذ حكم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟ قال: وأجمعوا على أن كل كبيرة كفر إلا النجدات؛ فإنها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أن اللَّه يعذب أصحاب الكبائر عذابا دائما إلا النجدات أصحاب نجدة" (٢)، وقال: "الخوارج هم أول من كفر المسلمين، يكفرون بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم فيها، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون اللَّه ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق" (٣). وليس المقصود أن فرقة الخوارج فقط هم الموسومون بهذه الصفات، فضلا أن يكون المقصود الخوارج الذين قاتلهم عليٌّ ﵁، بل كل من كفّر المسلمين وقاتلهم وخرج على إمامهم فله من هذا نصيب، قال شيخ الإسلام: "هؤلاء أصل ضلالهم اعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل، وأنهم ضالون، وهذا مأخذ الخارجين عن السنة من الرافضة ونحوهم، ثم يعدون ما يرون أنه ظلم عندهم كفرا، ثم يرتبون

стр. 1066

على الكفر أحكاما ابتدعوها، فهذه ثلاث مقامات للمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم في كل مقام تركوا بعض أصول دين الإسلام" (١)، ولهذا فقد تكون بعض الفرق أسوأ من الخوارج وتشملها النصوص الواردة في الخوارج كما قال شيخ الإسلام لما تكلم عن الرافضة: "إنهم خارجون عن الطاعة والجماعة، يقتلون المؤمن والمعاهد، لا يرون لأحد من ولاة المسلمين طاعة، سواء كان عدلا أو فاسقا، إلا لمن لا وجود له، وهم يقاتلون لعصبية شر من عصبية ذوى الأنساب، وهي العصبية للدين الفاسد؛ فإن في قلوبهم من الغل والغيظ على كبار المسلمين وصغارهم وصالحيهم وغير صالحيهم ما ليس في قلب أحد، وأعظم عبادتهم عندهم لعن المسلمين من أولياء اللَّه، مستقدمهم ومستأخرهم، وأمثلهم عندهم (٢) الذي لا يلعن ولا يستغفر. . . أعظم أصولهم عندهم التكفير واللعن والسب لخيار ولاة الأمور؛ كالخلفاء الراشدين، والعلماء المسلمين، ومشايخهم لاعتقادهم أن كل من لم يؤمن بالإمام المعصوم الذي لا وجود له فما آمن. . . وإنما كان هؤلاء شرا من الخوارج الحرورية وغيرهم من أهل الأهواء لاشتمال مذاهبهم على شر مما اشتملت عليه مذاهب الخوارج" (٣).

стр. 1067

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي - الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عمادة البحث العلمي - رقم: (١٣٠) الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا «جمعًا ودراسة» تأليف الدكتور حميد بن أحمد نعيجات [الجزء الثالث]

стр. 1068

(ح) الجامعة الإسلامية ١٤٣١ هـ فهرس مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر نعيجات، حميد بن أحمد الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا جمعًا ودراسة / حميد أحمد نعيجات. - المدينة المنورة، ١٤٣١ هـ. ٣ مج. ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ٦٣٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٣) ١ - ابن أبي الدنيا، عبد اللَّه بن محمد، ت ٢٨١ ٢ - العقيدة الإسلامية أ. العنوان ديوي: ٢٤٠ ... ٤٠٢٠/ ١٤٣١ رقم الإيداع: ٤٠٢٠/ ١٤٣١ ردمك: ٥ - ٦٢٧ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٥ - ٦٣٠ - ٠٢ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٣) أصل هذا الكتاب رسالة دكتوراه نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصلت على تقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى. الآراء الواردة في هذا الكتاب تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الجامعة جميع حقوق الطبع محفوظة للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة

стр. 1069

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1070

الباب الخامس: الآثار الواردة في اليوم الآخر وما يتعلق به . وفيه خمسة فصول: الفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة. الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر. الفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة. الفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة. الفصل الخامس: الآثار الواردة في النار.

стр. 1071

الفصل الأول: الآثار الواردة في أشراط الساعة . ٩٦٦ - دثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس، دثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي جبيرة بن الضحّاك قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بعثت في نَسَمِ الساعة"، سمعت أعرابيا يقول: في أول وقتها" (١). ٩٦٧ - حدثني أبو إسحاق الأدمي، حدثنا زيد بن عوف، حدثنا حماد ابن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن ابن مسعود قال: "إن اللَّه جعل الدنيا كلها قليلا، فما بقي منها إلا قليل من قليل، ومثل ما بقى منها كَعَيْن الغَدِير، شُرب صفوه وبقي كدرده" (٢).

стр. 1072

٩٦٨ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير قال: كان النخعي يقول: "يا أيها الناس إن الدنيا جعلت قليلا، ولم يبق من القليل إلا قليل" (١). ٩٦٩ - حدثنا علي بن الجعد قال: حدثنا شعبة، عن أبي قيس قال: سمعت هزيل بن شرحبيل يحدّث عن عبد اللَّه بن مسعود قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس: من لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا، يتهارجون كما تتهارج البهائم في الطريق، تمرّ المرأة بالرجل في الطريق فيقضي حاجته منها، ثم يرجع إلى أصحابه، فيضحك إليهم ويضحكون إليه، كرجراجة (٢) الماء الخبيث الذي لا يطعم" (٣).

стр. 1073

٩٧٠ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثنا علي بن عباس قال: حدثنا سعيد بن سنان قال: حدثني حدير بن كريب، عن أبي ثعلبة الخشني (١) أنه كان يقول: "أيها الناس، إن من أشراط الساعة أن تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم، وتقع علامات الحق، ويظهر الظلم، وإن من أشراط الساعة أن ترفع الأمانة، وترفع الرحمة، ويقطع الرحم، وتقطع الصدقة، ويلجم الناس الشح. . . " (٢). ٩٧١ - حدثني عبيد اللَّه بن جرير، دثنا عبد اللَّه بن رجاء، أرنا همام، عن رجل، عن أبي سعيد الخدري قال: "يسمعون صوتا من السماء: اقتربت الساعة، فمن بين مصدّق ومكذّب، وعارف ومنكر، فبينما هم كذلك، إذ يسمعون مناديا ينادي من السماء: يا أيها الناس اقتربت الساعة، قال: فمن بين مصدّق ومكذّب، وعارف ومنكر، فلا يلبثون إلا

стр. 1074

يسيرا حتى يسمعون الصيحة، فذاك حين تلهى كل والدة عن ولدها" (١). ٩٧٢ - حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث المروزي، دثنا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: دثني أبيّ بن كعب قال: "ستّ آيات قبل يوم القيامة، بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك، إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحرّكت، واضطربت، واختلطت، ففزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، فاختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ (٢) قال: انطلقت، ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤)﴾ قال: أهملها أهلها، ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾ قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، انطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجّج، قال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى، وإلى السماء السابعة العليا، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم" (٣).

стр. 1075

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة الإشارة إلى بعض أشراط الساعة، فمن ذلك قربها، وبعثة النبي ﷺ في نسمها، وهو أول وقتها، وأنه لم يبق لقيامها إلا قليل القليل، كعين الغدير، شرب صفوها وبقي كدرها، وأنها لا تقوم إلا على شرار الناس الذين لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، يتهارجون تهارج البهائم في الطريق، يأتي أحدهم المرأة في الطريق، ويتضاحك مع جلسائه، تنتقص العقول، وتعزب الأحلام، ويكثر الهم، وتقع علامات الحق، ويظهر الظلم، وترفع الأمانة، وترفع الرحمة، ويقطع الرحم، وتقطع الصدقة، ويلجم الناس الشح، وتسمع أصوات من السماء تخبر بقربها، ثم الصيحة فتلهو كل والدة عن ولدها، ثم الآيات الست التي ذكرها حذيفة ﵁ قبل وقوعها. فأما قربها: فلقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ (١)، وغيرها من الآيات الصريحة، قال صديق حسن خان: "والآيات في ذلك كثيرة. . . والأحاديث في الباب لا تكاد تحصى، ولا يقال: كيف يوصف بالاقتراب ما قد مضى قبل وقوعه ألف ومئتان وأربع وتسعون عاما؟ لأن الأجل إذا مضى أكثره وبقي أقله فهو قريب"، (٢)، إلا أن الصنعاني ﵀

стр. 1076

رجح قرب أشراط الساعة من بعثة النبي ﷺ وليس قرب وقوعها، بدليل طول الزمان من وفاته إلى يومنا هذا، بخلاف الأشراط فقد وقع كثير منها بعد وفاته بقليل، بل كان موته من أشراطها (١)، والذي يظهر لي واللَّه أعلم أن قرب أشراطها من قربها، ولا تضر هذه المدة الطويلة من بعثة النبي ﷺ لأنه بالنسبة إلى ما سبق كالمهمل. وكونها لا تقوم إلا على شرار الناس: فقد ثبت في السنة ما يدل على ذلك، لكن ثبت أيضا ما قد يوهم خلافه وهو أن لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين إلى قيام الساعة (٢)، فكيف تقوم الساعة على شرار الخلق وهؤلاء من خيار الخلق، وقد وفّق العلماء بين هذه النصوص بعدة أوجه؛ فمنهم من حمل لفظ الساعة على ظاهره في كل الأحاديث، وفسّر المراد بقيام الساعة عليهم باختلاف الأماكن والبقاع فتقوم الساعة على شرار الناس في مكان غير المكان الذي تكون فيه الطائفة الظاهرة،

стр. 1077

حيث وردت نصوص تفيد أن الطائفة المنصورة تكون ببيت المقدس، أو بحمل النصوص على الخصوص وإن كان اللفظ لفظ عموم، فالمراد أنها تقوم في الأغلب على شرار الخلق وهذا لا يمنع أن يكون فيهم خيار وهم الطائفة الظاهرة المنصورة (١)، وكلا القولين لا يزيلان الإشكال، ولذلك تعقبهما الحافظ ابن حجر بأن قيام الساعة على شرار الخلق فقط أيدته عمومات كثيرة، ولذلك لا يمكن حمل الساعة على معناها الحقيقي في حق الطائفة المنصورة، قال: "الجمع بينه وبين حديث: "لا تزال طائفة" حمل الغاية في حديث: لا تزال طائفة، على وقت هبوب الريح الطيبة، التي تقبض روح كل مؤمن ومسلم، فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة" (٢)، فتبقى هذه الطائفة ظاهرة منصورة إلى أن يأتي أمر اللَّه أو قيام الساعة، والمراد بذلك الريح التي تهب فتأخذ كل مؤمن وذلك بعد نزول عيسى ﵇ (٣)، ومقاتلة الدجال وظهور الآيات الكبرى للساعة، فلا يبقى إلا شرار الناس تقوم عليهم، قال ابن حجر: "وجدت في هذا مناظرة لعقبة بن عامر ومحمد بن مسلمة فأخرج الحاكم من رواية عبد الرحمن بن شماسة: أن عبد اللَّه بن عمرو قال: لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد اللَّه أعلم

стр. 1078

ما يقول، وأما أنا فسمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر اللَّه ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك"، فقال عبد اللَّه: أجل، ويبعث اللَّه ريحا ريحها ريح المسك، ومسها مسُّ الحرير، فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس، فعليهم تقوم الساعة، فعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة: "حتى تأتيهم الساعة" ساعتهم هم، وهي وقت موتهم بهبوب الريح واللَّه أعلم" (١)، ووجه إطلاق الساعة على هبوب الريح: "لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، فهذا الوقت لقربه من القيامة يطلق عليه القيامة" (٢). وليس المراد استقصاء أشراط الساعة وذكر تفاصيلها هنا فإن لذلك كتبا مستقلة، وهي كثيرة جدا سواء منها ما صُنِّف على أنه من الأشراط الصغرى أو الكبرى، قال صديق حسن خان بعدما انتهى من ذكر الأشراط الصغرى: "هذه قطرة من بحار أشراط الساعة ذات الفتن والأهوال، وذرة من وادي علاماتها وأماراتها التي وردت بها الأخبار والآثار والأقوال"، ثم عقد بابا في الفتن العظام والمحن التي تعقبها الساعة وقال: "وهي كثيرة جدا أيضًا" (٣).

стр. 1079

الفصل الثاني: الآثار الواردة في القبر . وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: إثبات عذاب القبر. المبحث الثاني: استمرارية عذاب القبر. المبحث الثالث: إثبات وجود الملكين في القبر. المبحث الرابع: تلاقي الأرواح.

стр. 1080

المبحث الأول: الآثار الواردة في إثبات عذاب القبر . ٩٧٣ - حدثني محمد، ثنا يزيد بن هارون، ثنا هشام بن حسان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عمرو، عن عبد الحميد بن محمود المعولي قال: "كنت جالسا عند ابن عباس فأتاه قوم فقالوا: إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا حتى أتينا ذا الصفاح (١) فمات، فهيّأناه ثم انطلقنا، فحفرنا له قبرا، ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وحفرنا له مكانا آخر، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسود قد ملأ اللحد، فتركناه وأتيناك، فقال ابن عباس: ذلك الغل الذي تغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيها، فانطلقنا فدفناه، فلما رجعنا أتينا أهله بمتيّع كان له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان عمل زوجك؟ فقالت: كان يبيع الطعام، فيأخذ كل يوم منه قوت أهله، ثم يقرض القصب مثله فيلقيه فيه" (٢). ٩٧٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا سفيان، عن داود بن

стр. 1081

شابور، وعن أبي قزعة رجل من أهل البصرة (١) أو عن غيره، قال: "مررنا ببعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيق؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا، فكانت أمه تكلّمه بالشيء، فيقول: انهقي نهيقك، قال غير إسحاق: فكانت أمه تقول: جعلك اللَّه حمارا، فلما مات، نسمع هذا النهيق عند قبره كل ليلة" (٢). ٩٧٥ - حدثني سويد بن سعيد قال حدثنا الحكم بن سنان عن عمرو ابن دينار (٣) قال: "كان رجل من أهل المدينة له أخت في باحة المدينة، فهلكت وأتى السوق يجهزها ولقيه رجل معه كيس فيه دنانير، فجعلته في حجرته (٤)، فلما دفنها ورجع إلى منزله ذكر الكيس في القبر فاستعان برجل من أصحابه فنبشا فوجدا الكيس، فقال الرجل لصاحبه: تنحى حتى. . . على الرجال (٥) أختي فرفع ما على اللحد، وإذا القبر يشتعل نارا،

стр. 1082

فرده ودعا الرجل فسوى معه القبر، ثم رجع إلى أمه فقال: أخبريني ما حال أختي؟ قالت: وما تسأل عنها؟ السر قد مات (١)، قال: أخبريني، قالت: كانت أختك تؤخر الصلاة ولا تصلي فيما كتب (٢) الوضوء، وتأتي أبواب الجيران إذا ناموا فتلقم أذنها أبوابهم فتُخرج حديثهم" (٣). ٩٧٦ - أخبرنا أبو بكر المديني، أخبرنا ابن عفير، ذكر يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن الحويرث بن الرباب (٤) قال: "بينما أنا بالأثاية (٥)، إذ خرج علينا إنسان من قبر، يلتهب وجهه ورأسه نارا، وهو في جامعة من حديد، فقال اسقني من الإداوة، وخرج إنسان في أثره فقال: لا تسق الكافر، لا تسق الكافر، فأدركه فأخذ بطرف السلسلة فجذبه فكبّه، ثم جرّه حتى دخلا القبر جميعا، فقال الحويرث: فضربت بي الناقة لا أقدر منها على كل شيء حتى التوت بعرق الظبية (٦)، فبركت فنزلت، فصليت المغرب والعشاء الآخرة، ثم ركبت حتى أصبحت بالمدينة،

стр. 1083

فأتيت عمر بن الخطاب فأخبرته الخبر فقال: يا حويرث واللَّه لا أتهمّك، ولقد أخبرتني خبرا شديدا، ثم أرسل عمر إلى مشيخة من كنفي الصفراء (١) قد أدركوا الجاهلية، ثم دعا الحويرث فقال: إن هذا أخبرني حديثا ولست أتهمه، حدثهم يا حويرث ما حدثتني، فحدّثتهم فقالوا: قد عرفنا يا أمير المؤمنين، هذا رجل من بني غفار مات في الجاهلية، فحمد اللَّه عمر وسُرَّ بذلك حين أخبروه أنه مات في الجاهلية، وسألهم عمر عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين كان رجلا من رجال الجاهلية، ولم يكن يرى للضيف حقا" (٢). ٩٧٧ - أخبرنا عبد الرحمن بن صالح العتكي، أخبرنا خالد بن حيان أبو يزيد الرقي، عن كلثوم بن جوشن القشيري، عن يحيى المدني، عن سالم ابن عبد اللَّه عن أبيه قال: "خرجت مرة لسفر، فمررت بقبر من قبور

стр. 1084

الجاهلية، فإذا رجل قد خرج من القبر يتأجّج نارا، في عنقه سلسلة من نار، ومعي إداوة من ماء، فلما رآني قال: يا عبد اللَّه اسقني، قال: قلت: عرفني باسمي، أو كلمة تقولها العرب يا عبد اللَّه؟ إذا خرج على إثره رجل من القبر فقال: يا عبد اللَّه لا تسقه؛ فإنه كافر، ثم أخذ السلسلة واجتذبه فادخله القبر، قال: ثم أضافني الليل إلى بيت عجوز إلى جانب بيتها قبر، فسمعت من القبر صوتا يقول: بَوْلٌ وما بَوْلٌ، شَنٌّ وما شَنٌّ (١)، فقلت للعجوز: ما هذا؟ قالت: كان هذا زوجا لي، وكان إذا بال لم يتق البول، وكنت أقول له: ويحك إن الجمل إذا بال تفاج، فكان يأبى، فهو ينادي منذ يوم مات: بَوْلٌ وما بَوْلٌ، قلت: فما الشِنّ؟ قالت: جاءه رجل عطشان، فقال: أسقني، فقال: دونك الشِنّ، فإذا ليس فيه شيء، فخرّ الرجل ميتا، فهو ينادي منذ يوم مات شِنٌّ وما شِنٌّ، فلما قدمت على رسول اللَّه ﷺ أخبرته فنهى أن يسافر الرجل وحده" (٢).

стр. 1085

٩٧٨ - حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه، عن سعيد بن محمد الجرمي، ثنا أبو تميلة، ثنا زيد بن عمر التيمي، ثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: "كان صفوان بن أمية (١) في بعض المقابر، فإذا أنوار قد أقبلت ومعها جنازة، فلما دنوا من المقبرة، قال: انظروا قبر كذا وكذا، قال: فسمع رجل صوتا من القبر حزينا موجعا يقول: أنعم بالضعينة عينا ... وبمسراك يا أمين إلينا جزعا ما جزعت من ظلمة القبر ... ومن مسك التراب أمينا قال: فأخبر القوم بما سمع فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، ثم قال: هل تدري من أمينة؟ قلت: لا، قالوا: صاحبة هذا السرير، وهذه أختها ماتت عام أول، فقال صفوان: قد علمنا أن الميت لا يتكلم فمن أين هذا الصوت؟ " (٢).

стр. 1086

٩٧٩ - حدثني محمد بن المثنى العنزي، قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طارق بن زيد الجعفي، ثنا الثمالي: "أن رجلا خرج يتنزَّه، فإذا هو بصوت من قبر ينادي: هذا أبونا قد أتانا زائرا ... أحبب به زورا إلينا باكرا وخير ميت ضمن المقابرا ... جدّ إلينا عتبة سائرا قد وحَّد اللَّه زمانا صابرا ... عوض من توحيده أساورا في جنة الفردوس نزلا فاخرا قال: فقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، وعن الميت، فجيء بجنازة رجل، فسألتهم عنه فقيل: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عتبة، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما، ثم انصرفوا" (١). ٩٨٠ - حدثني إبراهيم بن عبد الملك، عن أبي جعفر الفراء قال: "كان الحسن بن صالح إذا صعد الصومعة يشرف على أهل القبور فيقول: ما

стр. 1087

أحسن ظاهرك، إنما الدواهي بواطنك" (١). ٩٨١ - حدثني الحسن بن سليمان، ثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه النميري، عن بقية الزهراني قال: سمعت ثابتا البناني قال: "بينا أنا أمشي في المقابر إذ بهاتف يهتف من ورائي يقول: يا ثابت لا يغرّنَّك سكونها، فكم من مغموم فيها، قال: فالتفت فلم أر أحدا" (٢). ٩٨٢ - حدثني سلمة بن شبيب، ثنا سهل بن عاصم، ثنا وداع بن مرجي بن وداع قال: سمعت بشر بن منصور يقول: قال لي عطاء الأزرق (٣): "إذا حضرت المقابر فليكن قلبك فيما أنت بين ظهرانيه، فإني بينا أنا نائم ذات ليلة في المقابر إذ تفكرت في شيء، فإذا بصوت يقول: إليك يا غافل، إنما أنت بين ناعم في نعيمه، أو معذّب في

стр. 1088

سكراته يتقلّب" (١). ٩٨٣ - حدثني أبو الحسن البصري، حدثني رباح شيخ كان ينزل بالعدوية، عن جار له قال: "مررت بالمقابر فتركت عليهم فهتف هاتف: نعم فترحم عليهم، فإن فيه المهموم والمحزون" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات عذاب القبر، ووجه إثباته فيها هو ما ورد عن بعض السلف من رؤيتهم لأنواع منه، كرؤية الحية التي تملأ لحد الغاش في طعامه، أو نهيق الرجل الذي كان يعصي أمه فدعت عليه بأن يحول حمارا، أو اشتعال القبر نارا على التي كانت تؤخر الصلاة عن وقتها، وتتجسس على جيرانها، بل أكثر وضوحا منها ما رآه بعضهم من تعذيب أشخاص بأعيانهم بالنار كما في قصة الحويرث بن الرباب الذي رأى إنسانا يلتهب وجهه ورأسه نارا. . .، وقد استعظم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ هذا الخبر فجمع له بعض أشياخ أدركوا الجاهلية فأخبروه أنهم يعرفونه وكان من أهل الجاهلية الذين لا يرون للضيف حقا، ثم

стр. 1089

حدث هذا لابنه عبد اللَّه الذي رأى رجلا خرج من القبر يتأجّج نارا، أو سماع بعض الأصوات التي يظن أنها لأصحاب القبر، أو شهادتهم بأن تحت القبور دواهي وغموم، وأن أصحابها بين منعم في نعيمه، ومعذب في عذابه، مهموم ومحزون. وهذا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة كما قال الإمام أحمد: "أصول السنة عندنا. . . الإيمان بعذاب القبرا" (١)، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر قال شيخ الإسلام: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت؛ فيؤمن بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه" (٢)، ولما ذكر الإسفراييني إنكار المعتزلة لعذاب القبر قال: "وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر في اللفظ" (٣)، وكذا شيخ الإسلام لما ذكر إنكار الجهمية له قال: "وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون" (٤).

стр. 1090

وأما الروايات التي وردت في هذه الآثار من رؤية بعض السلف لشيء من عذاب القبر، لا سيما ما صح السند إلى أصحابه وهم ثقات عدول، فإنه لا ينافي عقيدة أهل السنة، ولا يوجد شيء يستدعي استنكاره أو التشكيك فيه، وإن كان ذلك قد وقع لا سيما عند من لم يكن عنده خبرة بالآثار وأقوال السلف، وقد فصّل ابن القيم ﵀ ذلك فقال: "النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا، ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا فلا يحس به أهل الدنيا. . . وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللَّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللَّه وعصمه. . . فإذا شاء اللَّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيدة أطلعه، وغَيَّبَه عن غيره؛ إذ لو طلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف، والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس. . . فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانا لمن شاء اللَّه أن يريه ذلك -ثم ذكر آثارا كثيرة في هذا المعنى عن ابن أبي الدنيا وغيره- وهذه الأخبار وأضعافها وأضعاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللَّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا" (١).
следующие страницы →