← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

٩٧٩ - حدثني محمد بن المثنى العنزي، قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طارق بن زيد الجعفي، ثنا الثمالي: "أن رجلا خرج يتنزَّه، فإذا هو بصوت من قبر ينادي: هذا أبونا قد أتانا زائرا ... أحبب به زورا إلينا باكرا وخير ميت ضمن المقابرا ... جدّ إلينا عتبة سائرا قد وحَّد اللَّه زمانا صابرا ... عوض من توحيده أساورا في جنة الفردوس نزلا فاخرا قال: فقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، وعن الميت، فجيء بجنازة رجل، فسألتهم عنه فقيل: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عتبة، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما، ثم انصرفوا" (١). ٩٨٠ - حدثني إبراهيم بن عبد الملك، عن أبي جعفر الفراء قال: "كان الحسن بن صالح إذا صعد الصومعة يشرف على أهل القبور فيقول: ما

стр. 1087

أحسن ظاهرك، إنما الدواهي بواطنك" (١). ٩٨١ - حدثني الحسن بن سليمان، ثنا روح بن عبد المؤمن المقرئ، حدثني إبراهيم بن عبد اللَّه النميري، عن بقية الزهراني قال: سمعت ثابتا البناني قال: "بينا أنا أمشي في المقابر إذ بهاتف يهتف من ورائي يقول: يا ثابت لا يغرّنَّك سكونها، فكم من مغموم فيها، قال: فالتفت فلم أر أحدا" (٢). ٩٨٢ - حدثني سلمة بن شبيب، ثنا سهل بن عاصم، ثنا وداع بن مرجي بن وداع قال: سمعت بشر بن منصور يقول: قال لي عطاء الأزرق (٣): "إذا حضرت المقابر فليكن قلبك فيما أنت بين ظهرانيه، فإني بينا أنا نائم ذات ليلة في المقابر إذ تفكرت في شيء، فإذا بصوت يقول: إليك يا غافل، إنما أنت بين ناعم في نعيمه، أو معذّب في

стр. 1088

سكراته يتقلّب" (١). ٩٨٣ - حدثني أبو الحسن البصري، حدثني رباح شيخ كان ينزل بالعدوية، عن جار له قال: "مررت بالمقابر فتركت عليهم فهتف هاتف: نعم فترحم عليهم، فإن فيه المهموم والمحزون" (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات عذاب القبر، ووجه إثباته فيها هو ما ورد عن بعض السلف من رؤيتهم لأنواع منه، كرؤية الحية التي تملأ لحد الغاش في طعامه، أو نهيق الرجل الذي كان يعصي أمه فدعت عليه بأن يحول حمارا، أو اشتعال القبر نارا على التي كانت تؤخر الصلاة عن وقتها، وتتجسس على جيرانها، بل أكثر وضوحا منها ما رآه بعضهم من تعذيب أشخاص بأعيانهم بالنار كما في قصة الحويرث بن الرباب الذي رأى إنسانا يلتهب وجهه ورأسه نارا. . .، وقد استعظم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب ﵁ هذا الخبر فجمع له بعض أشياخ أدركوا الجاهلية فأخبروه أنهم يعرفونه وكان من أهل الجاهلية الذين لا يرون للضيف حقا، ثم

стр. 1089

حدث هذا لابنه عبد اللَّه الذي رأى رجلا خرج من القبر يتأجّج نارا، أو سماع بعض الأصوات التي يظن أنها لأصحاب القبر، أو شهادتهم بأن تحت القبور دواهي وغموم، وأن أصحابها بين منعم في نعيمه، ومعذب في عذابه، مهموم ومحزون. وهذا من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة كما قال الإمام أحمد: "أصول السنة عندنا. . . الإيمان بعذاب القبرا" (١)، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر قال شيخ الإسلام: "ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت؛ فيؤمن بفتنة القبر وبعذاب القبر ونعيمه" (٢)، ولما ذكر الإسفراييني إنكار المعتزلة لعذاب القبر قال: "وفي عذاب القبر قد بلغت الأخبار حد التواتر في المعنى، وإن كان كل واحد منها لم يبلغ حد التواتر في اللفظ" (٣)، وكذا شيخ الإسلام لما ذكر إنكار الجهمية له قال: "وجحدوا عذاب القبر وأن الكفار في قبورهم يعذبون، وقد أجمع على ذلك الصحابة والتابعون" (٤).

стр. 1090

وأما الروايات التي وردت في هذه الآثار من رؤية بعض السلف لشيء من عذاب القبر، لا سيما ما صح السند إلى أصحابه وهم ثقات عدول، فإنه لا ينافي عقيدة أهل السنة، ولا يوجد شيء يستدعي استنكاره أو التشكيك فيه، وإن كان ذلك قد وقع لا سيما عند من لم يكن عنده خبرة بالآثار وأقوال السلف، وقد فصّل ابن القيم ﵀ ذلك فقال: "النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا، ولا من زروع الدنيا فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا فلا يحس به أهل الدنيا. . . وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللَّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللَّه وعصمه. . . فإذا شاء اللَّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيدة أطلعه، وغَيَّبَه عن غيره؛ إذ لو طلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف، والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس. . . فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحيانا لمن شاء اللَّه أن يريه ذلك -ثم ذكر آثارا كثيرة في هذا المعنى عن ابن أبي الدنيا وغيره- وهذه الأخبار وأضعافها وأضعاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللَّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا" (١).

стр. 1091

المبحث الثاني: الآثار الواردة في استمرارية عذاب القبر . ٩٨٤ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (١) قال: تكون للكافر والمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال سفيان: هذا موصول مفصول (٢) " (٣). ٩٨٥ - دثنا عمار بن نصر المروذي، دثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد ابن بشير قال: أرني قتادة: "إنه لا يفتّر عن أهل القبور عذاب القبر إلا فيما بين نفخة الصعق ونفخة البعث، فلذلك يقول الكافر حين يبعث: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ يعني تلك الفترة، فيقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ

стр. 1092

وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ " (١). ٩٨٦ - أخبرنا حماد بن محمد الفزاري قال: بلغني عن الأوزاعي أنه سأله رجل بعسقلان على الساحل فقيل له: يا أبا عمرو، إنا نرى طيرا سودا يخرج من البحر، فإذ كان العشيّ عاد مثلها بيضا، قال: وفطنتم لذلك؟ قالوا: نعم، قال: تلك طير في حواصلها أرواح آل فرعون، يعرضون على النار فتلفحها، فيسود ريشها، ثم يلقى ذلك الريش، ثم تعود إلى أوكارها فتلفحها النار، فذلك دأبها حتى تقوم الساعة، فيقال: ﴿آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ " (٢). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أن عذاب القبر مستمر غير منقطع، وأنه لا ينقطع إلا بقيام الساعة، كما صرح بذلك قتادة ﵀ بأن العذاب لا يفتر إلا ما بين النفختين أي نفخة الصعق ونفخة البعث، وبعدها يقول

стр. 1093

الكافر: من بعثنا من مرقدنا، ويقول المؤمن: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، وأثر الأوزاعي المشهور في الطير التي كانوا يرونها وتفسيرها بأنها أرواح آل فرعون تعذب إلى قيام الساعة ويوم تقوم الساعة يدخلون أشد العذاب (١)، والقول باستمرارية عذاب القبر ودوامه لا يلزم منه عدم انقطاعه مطلقا بل هو أنواع كما قال ابن القيم: "قوله عذاب القبر دائم أم منقطع؟ جوابها أنه نوعان: نوع دائم: سوى ما ورد في بعض الأحاديث أنه يخفف عنهم ما بين النفختين، فإذا قاموا من قبورهم قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. النوع الثاني إلى مدة ثم ينقطع: وهو عذاب بعض العصاة، الذين خفت جرائمهم، فيعذب بحسب جرمه، ثم يخفف عنه كما يعذب في النار مدة ثم يزول عنه العذاب، وقد ينقطع عنه العذاب بدعاء، أو صدقة، أو استغفار، أو ثواب حج، أو قراءة تصل إليه من بعض أقاربه أو غيرهم، وهذا كما يشفع الشافع في المعذب في الدنيا فيخلص من العذاب بشفاعته" (٢).

стр. 1094

المبحث الثالث: الآثار الواردة في إثبات وجود الملكين في القبر . ٩٨٧ - أخبرني يحيى بن جعفر، ذكر عمرو بن عثمان بن أخي علي ابن عاصم (١)، أخبرنا محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن يزيد ابن طريف (٢) قال: "مات أخي، فلما ألحد وانصرف الناس وضعت رأسي على قبره، فسمعت صوتا ضعيفا، أعرف أنه صوت أخي وهو يقول: اللَّه، فقال له الآخر: فما دينك: قال: الإسلام" (٣). ٩٨٨ - ذكر محمد بن الحسين، ذكر أبو زيد: شجاع بن الوليد السكوني، ذكر العلاء بن عبد الكريم (٤) قال: "مات رجل، وكان له أخ ضعيف البصر، قال أخوه: فدفنّاه، فلما انصرف الناس وضعت رأسي على القبر، فإذا أنا بصوت من داخل القبر يقول: من ربك ومن نبيّك؟

стр. 1095

فسمعت صوت أخي وهو يقول: اللَّه ربي، ومحمد ﷺ نبيِّي، قال له الآخر: فما دينك؟ قال: الإسلام" (١). ٩٨٩ - حدثني محمد بن حميد بن عبد الرحمن بن يوسف الأصبهاني قال: وجدت كتابا عند جدي عبد الرحمن بن يوسف: من محمد بن يوسف إلى عبد الرحمن بن يوسف: "سلام عليك، فإني أحمد اللَّه الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإني محذّرك متحوَّلَك من دار مهلتك إلى دار إقامتك وجزاء أعمالك، فتصير في قرار باطن الأرض بعد ظاهرها، فيأتيك منكر ونكير، فيقعدانك وينتهزانك، فإن يكن اللَّه معك فلا بأس ولا وحشة ولا فاقة، وإن يكن غير ذلك فأعاذني اللَّه وإياك من سوء مصرعٍ وضيق مضجعٍ، ثم تتبعك صيحة الحشر ونفخة الصور وبروز (٢) الجبّار لفصل قضاء الخلائق، وخلاء الأرض من أهلها، والسموات من سكانها، فباحت الأسرار، وأُسعرت النار، ووضعت الموازين، وجيء بالنبيّين والشهداء: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ (٣)، فيا ليت شعري ما حالي وحالك يومئذ؟ ففي هذا ما هدم اللذات، وسلا عن الشهوات،

стр. 1096

وقصر الأمل، فاستيقظ النائمون، وحذر الغافلون، أعاننا اللَّه وإياك على هذا الخطر العظيم، وأوقع الدنيا والآخرة من قلبي وقلبك موقعها من قلوب المتقين، فإنما نحن به وله" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات السؤال في القبر، والتنصيص على الملكين الموكلين به وهما: منكر ونكير، وهي مسألة تابعة لما قبلها حيث أورد العلماء الكلام عليها عند الكلام على إثبات عذاب القبر؛ لأنها تفصيل لهذا وذكر لأنواعه وبداياته، ولذلك فهى مسألة إجماعية كسابقتها قال ابن القيم: "أحاديث عذاب القبر، ومساءلة منكر ونكير، فكثيرة متواترة عن النبي ﷺ . . . وهذا كما أنه مقتضى السنة الصحيحة، فهو متفق عليه بين أهل السنة" (٢) وقال ابن أبي عاصم: "في المساءلة أخبار ثابتة، والأخبار التي في المساءلة في القبر منكر ونكير أخبار ثابتة توجب العلم، فنرغب إلى اللَّه أن يثبتنا في قبورنا عند مسألة منكر ونكير والقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" (٣).

стр. 1097

المبحث الرابع: الآثار الواردة في تلاقي الأرواح بعد الموت . ٩٩٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني يحيى بن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن المبارك، عن ثور بن يزيد، عن أبي رهم، عن أبي أيوب (١) قال: "تعرض أعمالكم على الموتى؛ فإن رأوا حسنا فرحوا واستبشروا وقالوا: اللهم هذه نعمتك على عبدك فأتمها عليه، وإن رأوا سوءا قالوا: اللهم راجع به" (٢). ٩٩١ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا عبد اللَّه بن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أن أبا الدرداء كان يقول: "إن أعمالكم تعرض على موتاكم؛ فيسرّون ويساؤون، وكان أبو الدرداء يقول عند ذلك: "اللهم إني أعوذ بك أن أعمل عملا يخزى به عبد اللَّه بن رواحة" (٣).

стр. 1098

٩٩٢ - حدثني محمد بن عبد اللَّه بن بزيع، حدثنا فضيل بن سليمان النميري، عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن جده (١) قال: "لما مات بشر بن البراء بن معرور، وجدت عليه أم بشر وجدا شديدا فقالت: يا رسول اللَّه لا يزال الهالك يهلك من بني سلمة، فهل يتعارف الموتى، فأرسل إلى بشر بالسلام؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "نعم والذي نفسي بيده يا أم بشر، إنهم ليتعارفون كما تتعارف الطير في رؤوس الشجر"، وكان لا يهلك هالك من بني سلمة إلا جاءته أم بشر فقالت: يا فلان عليك السلام، فيقول: وعليك، فتقول: اقرأ على بشر السلام" (٢). ٩٩٣ - حدثنا أبو هشام الرفاعي، حدثنا يحيى بن يمان، حدثنا أشعث،

стр. 1099

عن جعفر، عن سعيد قال: "إذا مات الميت استقبله ولده كما يستقبل الغائب" (١). ٩٩٤ - حدثنا أبو هشام، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه: "إنه ليبشر المؤمن بصلاح ولده من بعده لتقر عينه" (٢). ٩٩٥ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي قال: سمعت صالحا المري قال: "بلغني أن الأرواح تتلاقى عند الموت، فتقول أرواح الموتى للروح التي تخرج إليهم: كيف كان مأواك؟ وفي أي الجسدين كنت، في طيب أو خبيث؟ قال: ثم بكى صالح حتى غلبه البكاء" (٣). ٩٩٦ - حدثني سريج بن يونس، حدثنا عبيدة بن حميد، حدثني عمار، عن سالم بن أبي الجعد قال: قال حذيفة: "الروح بيد ملك، وإن الجسد ليغسل، وإن الملك ليمشي معه إلى القبر، فإذا سوي عليه سلك فيه، فذلك

стр. 1100

حتى يخاطب" (١). ٩٩٧ - حدثني الحسين بن محمد العنقزي، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "الروح بيد ملك يمشي مع الجنازة يقول: اسمع ما يقال لك، فإذا بلغ حفرته دفنه معه" (٢). ٩٩٨ - حدثني محمد بن يزيد الآدمي، حدثنا محمد بن عثمان بن صفوان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد: "إذا مات الميت فملك قابض نفسه، فما من شيء إلا وهو يراه، عند غسله، وعند حمله، حتى يصير إلى قبره" (٣). ٩٩٩ - حدثني محمد بن الحسين، حدثنا شبابة بن سوار، حدثنا محمد ابن طلحة بن مصرف قال: سمعت بكر بن عبد اللَّه المزني (٤) يقول: "بلغني

стр. 1101

أنه ما من ميت إلا وروحه بيد ملك الموت، فهم يغسلونه ويكفنونه، وهو يرى ما يصنع أهله، فلو أنه يقدر على الكلام لنهاهم عن الرَّنَّة والعَوِيل (١) " (٢). ١٠٠٠ - حدثني محمد بن عثمان العقيلي قال: سمعت يحيى الحماني قال: دخل حماد بن مغيث على ابن السماك يعوده في مرضه، فقال: سمعت سفيان يقول: "إنه ليعرف كل شيء -يعني الميت (٣) - حتى إنه ليناشد غاسله باللَّه إلا خففت غسلي" (٤). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات تلاقي الأرواح بعد موت الإنسان، حيث تتلاقى وتتزاور فيما بينهما، كما تتلقى من يموت حديثا وتستخبره عن أحوال من تعرفه من أهل الدنيا، فتسر بحسناتهم، وتحزن لقبيح فعالهم، وقد اعتنى العلماء بهذه المسألة وعقدوا لها أبوابا مستقلة في كتبهم حتى

стр. 1102

وصفها ابن القيم بأنها: "مسألة شريفة كبيرة القدر" (١)، وقد غلب على هذه الآثار الضعف حتى ظن بعض العلماء أنه لم يصح منها شيء، قال ابن عبد البر: "قد قالت العلماء بما وصفنا، واللَّه أعلم بالصحيح من ذلك، وما احتج به القوم فليس حجة واضحة، ولا هو مما يقطع بصحته؛ لأنه ليس فيه خبر صحيح يقطع العذر، ويوجب الحجة، ولا هو مما يدرك بقياس ولا استنباط، بل العقول تنحسر وتعجز عن علم ذلك" (٢)، ولما أجاب الآلوسي على هذه المسألة أحال على كتاب الروح لابن القيم فتعقبه الألباني ﵀ بقوله: "وقد ساق لها أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين، لكن الأحاديث التي أوردها ليس فيها ما يحتج به من قبل إسناده، وقد فاته حديث أبي هريرة وفيه: ". . . وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فيستخبرونه عن معارفهم من أهل الأرض. . " الحديث. وسنده حسن وصححه السيوطي وقد خرجته في "الصحيحة" (٣). وهذا التلاقي والتزاور يتضمن أن الأرواح لا تفنى بعد الموت، ولا تموت اللهم إلا إن سُمِّي مفارقتها للجسد موتا، فهو اصطلاحي، أما أنها

стр. 1103

تعدم ولا تبقى بعد مفارقتها الجسد فذلك قول الفلاسفة الذين اعتبروها عرضا من أعراض الجسم، وهذا كذلك ما تضمنته بقية الآثار السابقة في أن الروح بعد مفارقة البدن تبقى في قبضة يد مَلَك من الملائكة، حتى إنها لتعلم كل ما يفعله الغاسل، ومن حولها من الناس، وورودها مع البدن حتى تدخل القبر، فتعاد ليسأل الميت في قبره، ولخطورة القول بفناء الروح وموتها لم يعده العلماء من أقوال أهل الإسلام بل عدوه قولا شاذا؛ لأنه يؤدي إلى إنكار عذاب القبر ونعيمه، بل إلى إنكار معادها، قال شيخ الإسلام: "مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأيضا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب" (١) وقال: "الذي عليه الأنبياء وأتباعهم، وجمهور العقلاء أن الروح تفارق البدن، وتبقى بعد فراق البدن، ومن قال من متكلمة أهل الملل أنه لا يبقى بعد البدن روح تفارقه، وأن الروح جزء من البدن، أو عرض من أعراض البدن، فقوله مع أنه خطأ في العقل الصريح هو أيضًا مخالف لكتب اللَّه المنزلة ولرسله ولمن اتبعهم من جميع أهل الملل" (٢) وقال ابن رجب عند مناقشته استدلالتهم ومنها قوله تعالى: " ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (٣) إنما أراد كل مخلوق فيه

стр. 1104

حياة؛ فإنه يذوق الموت وتفارق روحُه بدنَه، فإن أراد أنها تعدم وتتلاشى فليس بحق، وقد اشتد نكير العلماء لهذه المقالة، حتى قال سحنون بن سعيد وغيره: هذا قول أهل البدع، والنصوص الكثيرة الدالة على بقاء الأرواح بعد مفارقتها الأبدان ترد ذلك وتبطله" (١).

стр. 1105

الفصل الثالث: الآثار الواردة في القيامة . وفيه عشرة مباحث: المبحث الأول: الآثار الواردة في الصور. المبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور. المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان. المبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف. المبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن. المبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها. المبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة. المبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود. المبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته. المبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط.

стр. 1106

المبحث الأول: الآثار الواردة في الصور . ١٠٠١ - دثني عبيد اللَّه بن جرير، دثنا موسى بن إسماعيل، دثنا عبد الواحد بن زياد، دثنا عبيد اللَّه بن الأصم، دثنا يزيد بن الأصم قال: قال ابن عباس: "إن صاحب الصور لم يطرف مُذ وُكِلَ بِهِ، كأن عينيه كوكبان دُرِّيان (١)، ينظر تجاه العرش، ما يطرف مخافة أن يؤمر أن ينفخ فيه قبل أن يرتدّ إليه طرفه" (٢). ١٠٠٢ - دثنا عبيد اللَّه بن جرير، دثنا مسلم بن إبراهيم، دثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء، عن ابن مسعود قال: "الصور كهيئة القرن الذي ينفخ فيه" (٣). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات الصور، وذكر شيء من أوصافه، وأنه كهيئة القرن، وأنه ينفخ فيه النفختان الأولى والثانية.

стр. 1107

وللصور تسميات كثيرة هو الصور والناقور الوارد في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ (١)، وهو البوق، وهو القرن، والناقور والبوق والصور كلها بمعنى واحد كما أفاده ابن حجر على اختلاف لغات العرب، فيكون معناه أنه قرن على هيئة البوق، والبوق معروف يزمر به، وهو الذي يتخذه اليهود للأذان، قال ابن حجر: "ذكره في القرآن: في الأنعام، والمؤمنين، والنمل، والزمر، وق وغيرها، وهو بضم المهملة وسكون الواو، وثبت كذلك في القراءات المشهورة والأحاديث" (٢)، وهو من جملة الإيمان باليوم الآخر قال الشيخ حافظ حكمي: "كما يدخل في الإيمان باليوم الآخر الموت وما بعده، من فتنة القبر ونعيمه أو عذابه، وباللقاء والبعث، والنشور والقيام من القبور، كذلك يدخل في ذلك الإيمان بالصور والنفخ فيه، الذي جعله اللَّه سبب الفزع والصعق والقيام من القبور" (٣)، وقد نص الإمام أحمد في رسالته إلى مسدد أنه من عقيدة أهل السنة والجماعة، وكذا ابن بطة (٤).

стр. 1108

المبحث الثاني: الآثار الواردة في النفخ في الصور . ١٠٠٣ - دثني محمد بن الحسين، دثنا داود بن المحبر، دثنا ميمون المرئي قال: سمعت الحسن في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (١) قال: "وثب القوم من قبورهم لما سمعوا الصرخة ينفضون التراب" (٢). ١٠٠٤ - دثنا إسحاق بن إسماعيل، دثنا سفيان، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ (٣) قال: تكون للكافر والمؤمن، فلما أصابتهم النفخة قال الكافر: ﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويقول المؤمن: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قال سفيان: هذا موصول مفصول (٤) " (٥). ١٠٠٥ - دثني محمد، دثنا يحيى، عن الهياج بن بسطام، عن سعيد بن عبد اللَّه، عن وهب بن منبه قال: "يبلون في قبورهم، فإذا سمعوا الصرخة عادت الأرواح إلى الأبدان والمفاصل بعضها إلى بعض، فإذا سمعوا النفخة

стр. 1109

الثانية وثب القوم قياما على أرجلهم ينفضون التراب عن رؤوسهم" (١). ١٠٠٦ - دثنا محمد بن عبد اللَّه المديني، أرنا هشيم، أرنا سيار، عن أبي جعفر، عن ابن عباس أنه سئل عن قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ (٢)، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ (٣) قال: "هي مواقف، فأما الصعقة الأولى إذا صعقوا ماتوا فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فإذا نفخ في الصور النفخة الأخرى، فإذا هم قيام ينظرون، فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" (٤).

стр. 1110

١٠٠٧ - دثنا يوسف، دثنا أبو عبد الرحمن المقرئ، دثنا سعيد بن أبي أيوب، دثني محمد بن عبيدة المكي، عن أبي فراس يزيد بن رباح، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص قال: "ينفخ في الصور النفخة الثانية من الباب الآخر" (١). ١٠٠٨ - دثنا هارون بن عمر القرشي، ثنا الوليد بن مسلم، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السكسكي (٢) قال: "يبعث اللَّه ريحا طيّبة بعد قبض عيسى بن مريم ﷺ ، وعند دنوّ من الساعة فتقبض روح كلّ مؤمن ومؤمنة، ويبقى شرار الناس يتهارجون، تهارج الحمر، عليهم تقوم الساعة، قال: فبينما هم على ذلك إذ بعث اللَّه على أهل الأرض الخوف، فترجف أفئدتهم ومساكنهم، فتخرج الجن والإنس

стр. 1111

والشياطين إلى سيف البحر، فيمكثون كذلك ما شاء اللَّه، ثم تقول الجن والشياطين: هلمّ نلتمس المخرج، فيأتون خافق المغرب، فيجدونه قد سُدّو (كذا) عليه الحفظة، ثم يرجعون إلى الناس، فبينما هم كذلك، إذ أشرقت عليهم الساعة ويسمعون مناديا ينادي: يا أيها الناس أتى أمر اللَّه فلا تستعجلوه قال: فما المرأة أشد استماعا من الوليد في حجرها، ثم ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء اللَّه" (١).

стр. 1112

١٠٠٩ - دثنا علي بن الجعد، أرنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (١) قال: "الشهداء ثنيّة اللَّه حول العرش متقلّدي السيوف" (٢).

стр. 1113

١٠١٠ - دثنا محمد بن الحسين، دثنا يونس أبو نباتة، دثنا إسماعيل ابن رافع، عن محمد بن كعب القرظى (١) قال: "بلغني أن آخر من يموت ملك الموت، يقال له: يا ملك الموت مُت موتا لا تحيى بعده أبدا، قال: فيصرخ عند ذلك صرخة، لو سمعها أهل السماوات وأهل الأرض لماتوا فزعا، ثم يموت، ثم يقول اللَّه : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٢) " (٣).

стр. 1114

١٠١١ - دثنا هارون بن عمر القرشي، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن عطاء بن يزيد السكسكي: "إذا لم يبق إلا اللَّه مجّد نفسه، ثم قال: أين الذين كانوا يدّعون معي الملك، وأنا الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له لي كفوا أحد" (١). ١٠١٢ - قال عمار بن نصر دثنا الوليد بن مسلم، دثنا سعيد بن بشير، عن قتادة قرأ: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾ (٢) قال: "ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي: أيتها العظام البالية والأوصال المتطّقعة، إن اللَّه يأمركم أن تجتمعن لفصل القضاء" (٣). . . (٤).

стр. 1115

١٠١٣ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: "يرسل ريح فيها صر بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمنا إلا لفت بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على الناس، قال: ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون. . ." (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات النفخ في الصور، والتصريح أنهما نفختان، وإلى المكان الذي تحصل فيه النفختان، وأن الشهداء مستثون من

стр. 1116

الصعق عند النفخ في الصور، ثم آخر من يموت من المخلوقات. فأما النفخ في الصور فالآثار تنوعت فمنها ما تضمن الإشارة إلى النفخة الثانية وهي نفخة البعث، ومنها ما تضمن الإشارة إلى النفخة الأولى وهي نفخة الصعق، ومنها ما صرح بأنهما نفختان وبيّن أن مكانهما مختلف، وبعضها يوحي بأنها أكثر من نفختين كأثر وهب بن منبه الذي ذكر نفختين غير نفخة الفزع والصعق. وقد اختلف العلماء في عدد النفخات التي تقع، فعدها ابن حزم أربعا هي: نفخة الإماتة يموت كل من بقي حيا في الأرض، ثم نفخة الإحياء والنشر من القبور، ثم نفخة الفزع والصعق يفيقون جميعا كالمغشي عليه من الموت، ثم نفخة إقامة بعد ذلك الغشي (١). وذهب ابن العربي (٢)، وهو ظاهر كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٣)، وابن كثير (٤)، والسفاريني (٥) إلى أنها ثلاثة: نفخة الفزع، ثم الصعق، ثم البعث. وذهب القرطبي (٦) وابن حجر (٧) إلى أنها نفختان: نفخة الصعق يموت فيها من بقي حيا من أهل الأرض، ويغشى على من استثنى اللَّه، ثم

стр. 1117

نفخة البعث يحيى بها من مات، ويفيق من غشي عليه. وخلاصة أدلة هذه الأقوال ما قاله ابن حجر ﵀، فأما عما ذهب إليه ابن حزم فقال: "هذا الذي ذكره من كون الثنتين أربعا ليس بواضح، بل هما نفختان فقط، ووقع التغاير في كل واحدة منهما باعتبار من يستمعها؛ فالأولى: يموت بها كل من كان حيا، ويغشى على من لم يمت ممن استثنى اللَّه. والثانية: يعيش بها من مات، ويفيق بها من غشي عليه واللَّه أعلم". وأما عن قول من جعلها ثلاث نفخات فقال ﵀: "وجدت مستند ابن العربي في حديث الصور الطويل، فقال فيه: "ثم ينفخ في الصور ثلاث نفخات نفخة الفزع ونفخة الصعق ونفخة القيام لرب العالمين" أخرجه الطبري هكذا مختصرا، وقد ذكرت أن سنده ضعيف ومضطرب" (١). ثم شرع ﵀ يذكر الأدلة الصحيحة الصريحة في أنها نفختان فقال: "وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمرو أنهما نفختان، ولفظه في أثناء حديث مرفوع: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا، ورفع ليتا، ثم يرسل اللَّه مطرا كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون. . . وفي كل

стр. 1118

ذلك دلالة على أنهما نفختان فقط" (١). وقد جمع ﵀ بين هذا القول والقول بأنها ثلاث نفخات، باعتبارهم أن الفزع نفخة مستلقة فقال: "ويمكن الجمع بأن النفخة الأولى يعقبها الصعق من جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم، وهو الفزع كما وقع في سورة النمل: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٢)، ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتا، ثم ينفخ الثانية للبعث فيفيقون أجمعين" (٣). وأما مكان النفخ في الصور فتضمنت الآثار أنه يكون ببيت المقدس، أو الباب الآخر كما في أثر عمرو بن العاص ﵁، وفي أثر أبي الزعراء أن الملك يقوم بين السماء والأرض، ولم أقف في هذه على شيء صحيح مسند إلى النبي ﷺ ، أو موقوف على الصحابة، وما روي عن بعضهم فقد عرف عنه أنه يروي عن أهل الكتاب ككعب الأحبار الذي سبق أن أثر قتادة هو شيخه فيه، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وقصته مشهورة في الزاملتين اللتين وجدهما وفيهما كتب أهل الكتاب، قال ابن كثير ﵀: "كان عبد اللَّه بن عمرو ﵄ قد أصاب يوم اليرموك زاملتين

стр. 1119

من كتب أهل الكتاب، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك، والأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتضاد، فإنها على ثلاثة أقسام: أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح. والثاني: ما علمنا كذبه مما عندنا مما يخالفه. والثالث: ما هو مسكوت عنه، لا من هذا القبيل، ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، وتجوز حكايته لما تقدم، وغالب ذلك مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني" (١). وأما المستثنون من الموت في عند النفخ في الصور، فقد ورد في أثر سعيد بن جبير التنصيص على الشهداء، ولا شك في دخولهم في الاستثناء لثبوت الدليل في حقهم، بل رجح هذا القول القرطبي وقال: "قد ورد حديث أبي هريرة بأنهم الشهداء وهو الصحيح" (٢) وقال ابن حجر:

стр. 1120

"ثبت ذلك للشهداء، ولا شك أن الأنبياء أرفع رتبة من الشهداء، وورد التصريح بأن الشهداء ممن استثنى اللَّه" (١)، هذا في حق الشهداء أما غيرهم فقال شيخ الإسلام: "أما الاستثناء فهو متناوِلٌ لمن دخل في الجنة من الحور العين، فإن الجنة ليس فيها موت، ومتناوِلٌ لغيرهم، ولا يمكن الجزم بكل من استثناه اللَّه؛ فإن اللَّه أطلق في كتابه، وقد ثبت في الصحيح أن النبي قال: "إن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى آخذا بساق العرش، فلا أدري هل أفاق قبلي، أم كان ممن استثناه اللَّه". . . وبكل حال النَّبِيُّ قد توقف في موسى، وهل هو داخل في الاستثناء فيمن استثناه أم لا، فإذا كان النبي لم يخبر بكل من استثنى اللَّه لم يمكنا نحن أن نجزم بذلك، وصار هذا مثل العلم بوقت الساعة، وأعيان الأنبياء، وأمثال ذلك مما لم يخبر به، وهذا العلم لا ينال إلا بالخبر واللَّه أعلم وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم" (٢). ونص ابن القيم ﵀ على الأقوال في المسألة فقال: "قيل هم الشهداء هذا قول أبي هريرة وابن عباس وسعيد بن جبير. وقيل هم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وهذا قول مقاتل وغيره.

стр. 1121

وقيل هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا" (١). وبعد هذا يموت كل من بقي ويكون آخرهم ملك الموت، وقد عقد في ذلك القرطبي بابا فقال: "باب يفنى العباد ويبقى الملك للَّه وحده -أورد فيه بعض الأحاديث ثم قال- هذه الأحاديث تدل على أن اللَّه سبحانه يفني جميع خلقه أجمع. . . المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين، وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم" (٢)، ولما تكلم ابن كثير عن نفخة الصعق قال: "نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلا من شاء اللَّه كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أوَّلًا، وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء" (٣).

стр. 1122

المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان . ١٠١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر ابن برقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" (١). ١٠١٥ - حدثني محمد قال: حدثنا أبو عمر الضرير قال: حدثنا عتبة (٢) بن عبد اللَّه الأصم قال: سمعت فرقد السبخي (٣) يقول: "بلغنا أن الأعمال كلها توزن إلا الدمعة تخرج من عين العبد من خشية اللَّه؛ فإنه ليس لها وزن ولا قدر، وإنه ليُطفأ بالدمعة البحور من النار" (٤).

стр. 1123

١٠١٦ - حدثني محمد قال: حدثني أبو حفص الحبطي قال: حدثنا زرعة الأعشى، عن وهب بن منبه قال: "البكاء من خشية اللَّه تعالى مثاقيل برّ، ليس ثوابه وزنا، إنما يعطى الباكي من خشية اللَّه والصابر على طاعة اللَّه أجرهم بغير حساب" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات وزن الأعمال، وتأكيد ذلك بأن بعض تلك الأعمال لا توزن لعظم شأنها، بل يتولى اللَّه سبحانه مكافأة أصحابها بدون حساب، كالصبر والبكاء من خشية اللَّه، وفي أثر عمر ﵁ الأول بيان أن الموزون هم العباد أنفسهم. والإيمان بالميزان من عقائد أهل السنة والجماعة، قال أبو إسحاق الزجاج: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (٢) وقال السفاريني: "الإيمان بالميزان كأخذ الصحف، ثابت بالكتاب والسنة

стр. 1124

والإجماع. . . دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفّتين ولسان. . . وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه" (١)، وقال ابن أبي العز: "الذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. . . فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفَوَّال! ! ، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم اللَّه لهم يوم القيامة وزنا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين فكيف وَوَرَاءَ ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه" (٢). أما أثر عمر ﵁ الذي يفيد أن العباد يوزنون ففيه بحث حيث إن العلماء ذكروا في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

стр. 1125

القول الأول: أن الذي يوزن هو العامل مع عمله، كما هو أثر عمر ﵁. القول الثاني: أن الذي يوزن هو الصحائف تكتب فيها أعمال العباد. القول الثالث: أن الذي يوازن هو العمل نفسه. وقد ذكر العلماء لكل واحد من هذه الأقوال أدلة صريحة وصحيحة وبعضها من القرآن، لكن بعضهم أورد شبهة وهي أن الأعمال أعراض، بمعنى أنها لا تقوم بأنفسها فكيف توزن، وقد أجاب غير واحد من العلماء على هذه الشبهة فقال ابن أبي العز الحنفي: "وردت الأحاديث أيضًا بوزن الأعمال أنفسها. . . فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام! ! ، فإن اللَّه يقلب الأعراض أجساما" (١). وليس بين هذه الأقوال الثلاثة تعارض ما دام قد ثبت بها الدليل الشرعي وهي أمور غيبية، فيجيب إلإيمان بكل ثبت، ولذلك فقد جمع بينها ابن أبي العز فقال: "فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، واللَّه تعالى أعلم بما وراء ذلك من
следующие страницы →