← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وقيل هم الذين في الجنة من الحور العين وغيرهم، ومن في النار من أهل العذاب وخزنتها، قاله أبو إسحاق بن شاقلا من أصحابنا" (١). وبعد هذا يموت كل من بقي ويكون آخرهم ملك الموت، وقد عقد في ذلك القرطبي بابا فقال: "باب يفنى العباد ويبقى الملك للَّه وحده -أورد فيه بعض الأحاديث ثم قال- هذه الأحاديث تدل على أن اللَّه سبحانه يفني جميع خلقه أجمع. . . المقصود إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعوى المدعين، وانتساب المنتسبين؛ إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نسبتهم ودعاويهم" (٢)، ولما تكلم ابن كثير عن نفخة الصعق قال: "نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض، إلا من شاء اللَّه كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أوَّلًا، وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء" (٣).

стр. 1122

المبحث الثالث: الآثار الواردة في الميزان . ١٠١٤ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، ثنا سفيان بن عيينة، عن جعفر ابن برقان، عن ثابت بن الحجاج قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا؛ فإنه أهون عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية" (١). ١٠١٥ - حدثني محمد قال: حدثنا أبو عمر الضرير قال: حدثنا عتبة (٢) بن عبد اللَّه الأصم قال: سمعت فرقد السبخي (٣) يقول: "بلغنا أن الأعمال كلها توزن إلا الدمعة تخرج من عين العبد من خشية اللَّه؛ فإنه ليس لها وزن ولا قدر، وإنه ليُطفأ بالدمعة البحور من النار" (٤).

стр. 1123

١٠١٦ - حدثني محمد قال: حدثني أبو حفص الحبطي قال: حدثنا زرعة الأعشى، عن وهب بن منبه قال: "البكاء من خشية اللَّه تعالى مثاقيل برّ، ليس ثوابه وزنا، إنما يعطى الباكي من خشية اللَّه والصابر على طاعة اللَّه أجرهم بغير حساب" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات وزن الأعمال، وتأكيد ذلك بأن بعض تلك الأعمال لا توزن لعظم شأنها، بل يتولى اللَّه سبحانه مكافأة أصحابها بدون حساب، كالصبر والبكاء من خشية اللَّه، وفي أثر عمر ﵁ الأول بيان أن الموزون هم العباد أنفسهم. والإيمان بالميزان من عقائد أهل السنة والجماعة، قال أبو إسحاق الزجاج: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (٢) وقال السفاريني: "الإيمان بالميزان كأخذ الصحف، ثابت بالكتاب والسنة

стр. 1124

والإجماع. . . دلت الآثار على أنه ميزان حقيقي، ذو كفّتين ولسان. . . وقد بلغت أحاديثه مبلغ التواتر، وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه" (١)، وقال ابن أبي العز: "الذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان. . . فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولا نقصان، ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفَوَّال! ! ، وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم اللَّه لهم يوم القيامة وزنا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده؛ فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللَّه؛ من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين فكيف وَوَرَاءَ ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه" (٢). أما أثر عمر ﵁ الذي يفيد أن العباد يوزنون ففيه بحث حيث إن العلماء ذكروا في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

стр. 1125

القول الأول: أن الذي يوزن هو العامل مع عمله، كما هو أثر عمر ﵁. القول الثاني: أن الذي يوزن هو الصحائف تكتب فيها أعمال العباد. القول الثالث: أن الذي يوازن هو العمل نفسه. وقد ذكر العلماء لكل واحد من هذه الأقوال أدلة صريحة وصحيحة وبعضها من القرآن، لكن بعضهم أورد شبهة وهي أن الأعمال أعراض، بمعنى أنها لا تقوم بأنفسها فكيف توزن، وقد أجاب غير واحد من العلماء على هذه الشبهة فقال ابن أبي العز الحنفي: "وردت الأحاديث أيضًا بوزن الأعمال أنفسها. . . فلا يلتفت إلى ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن، وإنما يقبل الوزن الأجسام! ! ، فإن اللَّه يقلب الأعراض أجساما" (١). وليس بين هذه الأقوال الثلاثة تعارض ما دام قد ثبت بها الدليل الشرعي وهي أمور غيبية، فيجيب إلإيمان بكل ثبت، ولذلك فقد جمع بينها ابن أبي العز فقال: "فثبت وزن الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أن الميزان له كفتان، واللَّه تعالى أعلم بما وراء ذلك من

стр. 1126

الكيفيات" (١)، وكذا ابن كثير ﵀ فقال: "يمكن الجمع بين هذه الآثار -بعد ذكره للأقوال الثلاثة وأدلتها- بأن يكون ذلك كله صحيحا، فتارة توزن الأعمال، وتارة توزن محالها (٢)، وتارة يوزن فاعلها واللَّه أعلم" (٣).

стр. 1127

المبحث الرابع: الآثار الواردة في هول الموقف . ١٠١٧ - دثنا حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سليمان، عن أبي صالح: "إن الناس يحشرون هكذا -ونكس رأسه، ووضع يده اليمنى على كوعه- للقيامة" (١). ١٠١٨ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، دثنا سليم بن عامر، دثني من سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "الشمس يوم القيامة تدنو من العباد في الموقف، حتى يكون منهم قدر ميل، أو اثنين"، قال سليم بن عامر (٢): "واللَّه ما أدري ما عنى بقوله: الميل، مسافة الأرض، أو الذي يكحل به العين" (٣). ١٠١٩ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا حنظلة بن أبي سفيان، أنه حمع طاووسا يقول: "إن الكافر ليذهب عرقه تحته يوم القيامة كذا وكذا ذراعا، وفوقه حتى يلجمه" (٤).

стр. 1128

١٠٢٠ - دثنا أبو خيثمة وعبد اللَّه بن رومي، قالا: دثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد اللَّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (١) قال: "يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه" (٢). ١٠٢١ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا مالك بن مغول، عن عبيد اللَّه بن العيزار (٣) قال: "إن الأقدام يوم القيامة مثل النبل في القرن، فالسعيد الذي يجد لقدميه موضعا يضعهما، وإن الشمس تدنو من رؤوسهم حتى لا يكون بينها وبين رؤوسهم، إما قال: ميلا أو ميلين، ويزاد في حرها بضعة وستّين ضعفا" (٤). ١٠٢٢ - قال عمار بن نصر، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا أبو بكر بن

стр. 1129

سعيد أنه حمع مغيث بن سُميّ (١) يقول: "تركد الشمس على رؤوسهم على أذرع، وتفتح أبواب جهنم فتهب عليهم رياحها، وسمومها، وتخرج عليهم نفحاتها حتى تجري الأنهار من عرقهم، أنتن من الجيف، والصائمون في حياتهم في ظل العرش" (٢). ١٠٢٣ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (٣) قال: "مستوفزين (٤) على الركب" (٥).

стр. 1130

١٠٢٤ - دثني حمزة، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، دثنا محمد بن يسار، عن قتادة قال: ذكر لنا أن كعبا كان يقول: "يقومون ثلاثمائة سنة" (١). ١٠٢٥ - دثنا هارون، دثنا الوليد بن مسلم، دثنا ابن لهيعة، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري قال: "يقوم الناس لرب العالمين يوم القيامة، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" (٢). ١٠٢٦ - دثني حمزة بن العباس قال: أرنا عبد اللَّه بن عثمان قال: أرنا ابن المبارك، أرنا عنبسة بن سعيد، عن محارب، عن ابن عمر في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ (٣) قال: "يقومون مائة سنة" (٤). ١٠٢٧ - دثني محمد بن إدريس، دثنا الحسن بن واقع، دثنا ضمرة،

стр. 1131

عن ابن شوذب، عن يزيد الرِّشْك (١) قال: "يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين ألف سنة، ويقضى بينهم في مقدار عشرة آلاف سنة" (٢). ١٠٢٨ - دثني محمد بن إدريس، دثنا ابن الأصبهاني، عن ابن السماك، عن شيخ من أهل البصرة، عن الحسن قال: "للناس يوم القيامة خمسين موقفا، كل موقف ألف سنة" (٣). ١٠٢٩ - دثنا علي بن الجعد، أرنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن حجر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (٤) قال: "الشهداء ثنيّة اللَّه حول العرش متقلّدي السيوف" (٥). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بعض الأهوال التي تحدث يوم القيامة، فهو عصيب وفيه أهوال وعظائم، فمنها: أن الناس يحشرون على هيئة ذليلة

стр. 1132

منكسي الرؤوس أيديهم على أكواعهم، مستوفزين على الركب؛ أي غير مطمئنين وإنما جالسين على ركبهم وأطراف أقدامهم (١)، وتدنو الشمس من العباد مسافة ميل أو ميلين أو أذرع، ويزاد في حرها ستون ضعفا، فيعرقون وتتفاوت درجاتهم في ذلك شيئًا فشيئا حتى إن منهم من يغرقه عرقه، ويزدحم الموقف حتى إن السعيد من وجد لقدميه موطئا، وتكون الأقدام كالنبل في القرن، وتفتح أبواب جهنم، فتهبّ عليهم رياحها وسمومها، كما يطول مكث الواقفين في ذلك اليوم، على اختلاف فيما ذكره السلف في مدة ذلك الوقوف، من مائة سنة، أو ثلاثمائة، أو أربعين ألف سنة، أو خمسين ألف سنة، وقد اكتفى ابن جرير بقوله: "بعض يقول: مقدار ثلاث مئة عام، وبعض يقول: مقدار أربعين عاما" (٢)، بينما جعل هو والقرطبي هذا مشكلا فقد قال القرطبي: "قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ (٣) فمشكل مع هذه الآية، وقد سأل عبد اللَّه بن فيروز الديلمي عبد اللَّه بن عباس عن هذه الآية وعن قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ فقال: أيام سماها سبحانه وما أدري ما هي؟ فأكره أن أقول فيها ما لا علم، ثم سئل عنها سعيد بن المسيب فقال: لا أدري، فأخبرته بقول ابن عباس، فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن

стр. 1133

عباس اتقى أن يقول فيها، وهم أعلم مني، ثم تكلم العلماء في ذلك فقيل: إن آية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ هو إشارة إلى يوم القيامة، بخلاف هذه الآية، والمعنى: أن اللَّه تعالى جعله في صعوبته على الكفار كخمسين ألف سنة، قاله ابن عباس، والعرب تصف أيام المكروه بالطول، وأيام السرور بالقصر. . . وقيل: إن يوم القيامة فيه أيام، فمنه ما مقداره ألف سنة، ومنه ما مقداره خمسون ألف سنة. وقيل: أوقات القيامة مختلفة؛ فيعذب الكافر بجنس من العذاب ألف سنة، ثم ينتقل إلى جنس آخر مدته خمسون ألف سنة. وقيل: مواقف القيامة خمسون موقفا، كل موقف ألف سنة، فمعنى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (١) أي مقدار وقت، أو موقف من يوم القيامة وقال النحاس: اليوم في اللغة بمعنى الوقت، فالمعنى: تعرج الملائكة والروح إليه في وقت كان مقداره ألف سنة، وفي وقت آخر كان مقداره خمسين ألف سنة" (٢). فالظاهر أن ما صح من هذه الأعداد يحمل على اختلاف حال الإنسان من مسلم وكافر، ودرجات كل منهما، أو يحمل على اختلاف مواقف يوم القيامة فيكون لكل موقف مدة تخصه، ومجموع وقت يوم القيامة من بدايته إلى نهايته هو خمسون ألف سنة واللَّه أعلم.

стр. 1134

المبحث الخامس: الآثار الواردة في هوان الموقف على المؤمن . ١٠٣٠ - دثنا عبيد اللَّه بن عمر الجشمي، دنا يزيد بن زريع، دثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي قال: "تدنو الشمس من الناس يوم القيامة حتى تكون من رؤوسهم قاب قوس أو قوسين، وتعطى حرّ عشر سنين، وما من أحد من الناس عليه طحرية (١)، وما ترى في ذلك عورة مؤمن ولا مؤمنة، ولا يضر حرها يومئذ مؤمنا ولا مؤمنة، وأما الآخرون أو الكفار فإنها تطبخهم طبخا، فإنما أجوافهم غقّ غقّ" (٢). ١٠٣١ - دثنا هارون، دثنا الوليد، دثنا خليد بن دعلج، عن قتادة

стр. 1135

قال: "يهون موقف يوم القيامة على المؤمن، ويطول على الكافر حتى يلجمه العرق من شدّة كربه" (١). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان هوان الموقف -بكل أهواله السابقة في المبحث المنصرم- على المؤمن، قال عبد الحق الإشبيلي -لما ذكر بعض أهوال يوم القيامة-: "فمن الناس من يخفف عليه اليوم حتى لا يجد فيه مشقة طول، ولا يرد له فيه رغبة ولا سؤل. . . فمن الناس من يطول مقامه وحبسه إلى آخر اليوم، ومنه من يكون انفصاله في ذلك اليوم في مقدار يوم من أيام الدنيا، وفي ساعة من ساعاته، أو فيما شاء اللَّه من ذلك، أو يكون رائحا في ظل كسبه وعرش ربه. . . فتفكر أيها الإنسان في طول ذلك اليوم، وفي طول ذلك القيام فيه مع ذلك الحال الأخطر، والفزع الأكبر، والهول الذي لا يكَيَّف ولا يقَدَّر، فاختر لنفسك كم تريد أن تقف فيه، وكيف تريد أن تكون فيه، ما دام النظر إليك، والاختيار بيديك، مع توفيق ربك ومعونته إياك" (٢). وهذا التخفيف الذي يحصل للمؤمن إنما يكون بقدر أعماله الصالحة، وليس على درجة واحدة للجميع، فالكامل للكُمَّل، ودونه لمن

стр. 1136

دونهم، وكلٌّ بحسبه، ولا يظلم ربك أحدا، قال القرطبي: "ظاهر ما رواه ابن المبارك عن سلمان أن الشمس لا يضر حرها مؤمنا ولا مؤمنة العموم في المؤمنين، وليس كذلك لحديث المقداد المذكور بعده (١)، وإنما المراد لا يضر حرها مؤمنا كامل الإيمان، أو من استظل بظل عرش الرحمن. . . وكذلك ما جاء أن المرء في ظل صدقته، وكذلك الأعمال الصالحة أصحابها في ظلها إن شاء اللَّه، وكل ذلك من ظل العرش واللَّه أعلم، وأما غير هؤلاء فمتفاوتون في العرق" (٢)، وقد نُقل عن ابن أبي حمرة كلاما حسنا في هذا حيث قال: "ظاهر الحديث تعميم الناس بذلك، ولكن دلت الأحاديث الأخرى على أنه مخصوص بالبعض وهم الأكثر، ويستثنى الأنبياء والشهداء ومن شاء اللَّه، فأشدهم في العرق الكفار، ثم أصحاب الكبائر، ثم من بعدهم، والمسلمون منهم قليل بالنسبة إلى الكفار كما تقدم تقريره في حديث بعث النار، قال: والظاهر أن المراد بالذراع في الحديث المتعارف، وقيل: هو الذراع الملكي، ومن تأمل الحالة المذكورة عرف عظم الهول فيها، وذلك أن النار تحف بأرض الموقف، وتدنى الشمس من الرءوس قدر ميل، فكيف تكون حرارة تلك الأرض؟ وماذا يرويها من العرق؟ حتى يبلغ منها سبعين ذراعا، مع أن كل واحد لا يجد إلا قدر موضع قدمه، فكيف تكون حالة هؤلاء في عرقهم؟ مع تنوعهم

стр. 1137

فيه؟ إن هذا لمما يبهر العقول، ويدل على عظيم القدرة، ويقتضي الإيمان بأمور الآخرة، أن ليس للعقل فيها مجال، ولا يعترض عليها بعقل ولا قياس ولا عادة، وإنما يؤخذ بالقبول، ويدخل تحت الإيمان بالغيب، ومن توقف في ذلك دل على خسرانه وحرمانه، وفائدة الإخبار بذلك أن يتنبه السامع، فيأخذ في الأسباب التي تخلصه من تلك الأهوال، ويبادر إلى التوبة من التبعات، ويلجأ إلى الكريم الوهاب في عونه على أسباب السلامة، ويتضرع إليه في سلامته من دار الهوان، وإدخاله دار الكرامة بمنه وكرمه" (١).

стр. 1138

المبحث السادس: الآثار الواردة في أرض المحشر وصفتها . ١٠٣٢ - دثني حمزة، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه ﵁ قال: "يجتمع الناس في صعيد واحد بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضة لم يعص اللَّه فيها، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي منادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ (١)، ثم يكون أول ما يبدأ به من الخصومات في الدنيا، فيؤتى بالقاتل والمقتول، فيقال: لم قتلت هذا؟ فإن قال: قتلته لتكون العزة للَّه، قال: فإنها له، وإن قال: قتلته لتكون العزة لفلان، قال: فإنها ليست له، ويبوء بإثمه فيقتله، ومن (٢) كان قتل بالغين ما بلغوا، ويذوق الموت عدد ما ماتوا" (٣). ١٠٣٣ - دثنا يوسف، دثنا عبد اللَّه بن الجهم الرازي، دثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁ قال: "يجتمع الناس

стр. 1139

في صعيد واحد، في أرض بيضاء كأنها سبيكة فضّة، يكون أول كلام يتكلم به أن ينادي مناد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ إلى قوله: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١) " (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر ابن مسعود ﵁ بيان صفة أرض المحشر وهي أنها تكون أرضا بيضاء كأنها سبيكة فضة (٣)، وقد نص القرآن على تبديل الأرض غير

стр. 1140

الأرض في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ (١)، وفي المراد بتغيّر الأرض خلاف بين السلف: هل المراد تبديل ذاتها وعينها والإتيان بأخرى مكانها، أم تبديل صفتها مع بقاء ذاتها؟ والأثر الذي في المبحث يؤيد تبديل الذات؛ لأنها تصير أرضا أخرى من فضة، لم يعص فيها اللَّه طرفة عين، ولم يسفك فيها دم حرام، ولكل قول أدلة معتبرة وأحاديث صالحة، ولذلك جنح ابن حجر ﵀ إلى الجمع بينها، فحمل أحاديث التبديل في الذات على أرض المحشر الذي يعقب الصعقة الأولى، وأحاديث تبديل الصفات فقط على أرض الدنيا وما يحدث في الحشر الأول الذي يصعق الناس بعده، فقال: "يمكن الجمع بأن ذلك كله -يقصد الأحاديث الواردة في تبديل الصفات فقط- يقع لأرض الدنيا، لكن أرض الموقف غيرها" (٢)، وذهب شيخ الإسلام إلى أن استحالة الأرض عن صورتها وكيفياتها لا يلزم منه عدمها وفسادها، بل أصلها باق، وإن حصل لها ما حصل (٣)، وشبه الشيخ حافظ حكمي هذا التبديل مع بقاء الأصل بجلود أهل النار، فإنها كلما نضجت جلودهم بدلهم اللَّه جلودا غيرها وهي هي التي فعلت المعاصي واستوجبت العذاب (٤)، ومن

стр. 1141

العلماء من لم يجزم فيها بشيء لأنها أمور غيبية ولا نص فيها قاطع للنزاع فنؤمن بالتبديل وما صح من كيفياته الثابتة، قال ابن جرير: "أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: يوم تبدل الأرض التي نحن عليها اليوم يوم القيامة غيرها، وكذلك السماوات اليوم تبدل غيرها كما قال جل ثناؤه، وجائز أن تكون المبدلة: أرضا أخرى من فضة، وجائز أن تكون نارا، وجائز أن تكون خبزا، وجائز أن تكون غير ذلك، ولا خبر في ذلك عندنا من الوجه الذي يجب التسليم له أَيُّ ذلك يكون، فلا قول في ذلك يصح إلا ما دل عليه ظاهر التنزيل" (١)، قال الشيخ ابن عيسى: "التبديل قد يكون في الذات، كما في بدلت الدراهم بالدنانير، وقد يكون في الصفات، كما بدلت الحلقة خاتما، والآية تحتمل الأمرين، وبالثاني قال الأكثر" (٢).

стр. 1142

المبحث السابع: الآثار الواردة في الشفاعة . ١٠٣٤ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن، نا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: "أبطأ عن علي بن الحسين أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبر أنه مشغول بموت ابن له كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي بن الحسين: إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها: فشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأما الثانية: فشفاعة رسول اللَّه ﷺ ، وأما الثالثة: فرحمة اللَّه التي وسعت كل شئ" (١). ١٠٣٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا المحاربي، عن أبي مالك الأشجعي، عنِ ربعِيّ، عن حذيفة ﵁ قال: قال رجل: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد ﷺ ، فقال حذيفة: "إن اللَّه يغني المؤمنين عن شفاعة محمد ﷺ ، وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين" (٢).

стр. 1143

١٠٣٦ - حدثنا حمدون بن سعد، حدثنا النضر بن إسماعيل، عن أبي طالب، عن عمار الدهني، عن أبي جعفر قال: سمع علي ﵁ امرأة تقول: اللهم أدخلني في شفاعة محمد، قال: "إذًا تمسّكِ النار" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة إثبات الشفاعة لنبينا محمد ﷺ ، وكما تضمن أثرا علي وحذيفة ﵄ أن اللَّه يغني المؤمنين عن شفاعة النبي ﷺ ، ولذلك كرهوا سؤال اللَّه الشفاعة، معللين ذلك باستلزامها أن يكونوا مذنبين، أو دخولهم النار، فكأنهم حملو الشفاعة على نوع واحد فقط وهو الشفاعة فيمن دخل النار من عصاة الموحدين. فأما ثبوت شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته فهو أمر مجمع

стр. 1144

عليه، وأحاديثه متواترة (١)، قال شيخ الإسلام: "مذهب سلف الأمة وأئمتها، وسائر أهل السنة والجماعة، إثبات الشفاعة لأهل الكبائر، والقول بأنه يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان" (٢)، وقال: "إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة، وتابعيهم بإحسان، وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم" (٣)، بل قال ابن عبد البر: ". . . إثبات الشفاعة وهو ركن من أركان اعتقاد أهل السنة" (٤). بل إن شفاعة نبينا ﷺ ليست مختصة بهذه الشفاعة، وإنما أنواع كثيرة ذكره العلماء، عدها ابن القيم فقال: "أحدها: الشفاعة العامة التي يرغب فيها الناس إلى الأنبياء نبيا بعد نبي حتى ريحهم اللَّه من مقامهم. النوع الثاني: الشفاعة في فتح الجنة لأهلها. النوع الثالث: الشفاعة في دخول من لا حساب عليهم الجنة. النوع الرابع: الشفاعة في إخراج قوم من أهل التوحيد من النار. النوع الخامس: في تخفيف العذاب عن بعض أهل النار. ويبقى نوعان يذكرهما كثير من الناس:

стр. 1145

أحدهما: في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم أن لا يدخلوها، وهذا النوع لم أقف إلى الآن على حديث يدل عليه (١)، وأكثر الأحاديث صريحة في أن الشفاعة في أهل التوحيد من أرباب الكبائر، إنما تكون بعد دخولهم النار، وأما أن يشفع فيهم قبل الدخول فلا يدخلون، فلم أظفر فيه بنص. والنوع الثاني: شفاعته ﷺ لقوم من المؤمنين في زيادة الثواب ورفعة الدرجات، وهذا قد يستدل عليه بدعاء النبي ﷺ لأبي سلمة، وقوله: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين" (٢). وأما أثرا حذيفة وعلي ﵄ في سؤال اللَّه الشفاعة وأنه يستلزم أن يكون العبد مذنبا، أو أنه يدخل النار، وترتيبهما على ذلك عدم سؤال اللَّه ذلك، فعلى ما فيهما من لين، فقد تعقبهم القاضي عياض فيما نقله عنه النووي في الأذكار بكلام متين فقال: "هذا خطأ، ولولا خوف الاغترار بهذا الغلط، وكونه قد ذكر في كتب مصنفة، لما تجاسرت على حكايته، فكم من حديث صحيح جاء في ترغيب المؤمنين الكاملين بوعدهم شفاعة النبي ﷺ لقوله ﷺ : "من قال مثل ما يقول المؤذن حلت له شفاعتي" وغير ذلك، وقد أحسن الإمام الحافظ الفقيه أبو الفضل

стр. 1146

عياض ﵀ في قوله: قد عرف بالنقل المستفيض سؤال السلف الصالح ﵃ شفاعة نبينا ﷺ ورغبتهم فيها، قال: وعلى هذا لا يلتفت إلى كراهة من كره ذلك لكونها لا تكون إلا للمذنبين؛ لأنه ثبت في الأحاديث في صحيح مسلم وغيره إثبات الشفاعة لأقوام في دخولهم في الجنة بغير حساب، ولقوم في زيادة درجاتهم في الجنة، قال: ثم كل عاقل معترف بالتقصير، محتاج إلى العفو، مشفق من كونه من الهالكين، ويلزم هذا القائل أن لا يدعو بالمغفرة والرحمة؛ لأنهما لأصحاب الذنوب، وكل هذا ما عرف من دعاء السلف والخلف" (١)، ولم أجد لغيره تنبيها على هذا وعدّه خطأً، قلت: ويؤيد كون هذا خطأ ما نقله ابن الجوزي في العلل المتناهية بعد إيراد حديث: "خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم، أترونها للمؤمنين المتقين، لا ولكنها للمذنبين الخطائين" قال: "قال الدارقطني: ليس في الأحاديث شيء صحيح" (٢)، وكذا في العلل للدارقطني (٣) قوله بعد سرده طرق الحديث: "ليس فيها شيء صحيح"، فهذا يدل على أنه لا أصل لهذا القول في السنة المرفوعة؛ أي نفيها عن المؤمنين المتقين أما ثبوتها لأصحاب الكبائر فهو ثابت صحيح، وليس فيه الحصر وعدم دخول غيرهم فيها، واللَّه أعلم.

стр. 1147

المبحث الثامن: الآثار الواردة في المقام المحمود . ١٠٣٧ - دثنا سريج بن يونس، دثنا أبو سفيان، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن حذيفة قال: "يجمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، كما خلقوا أول مرة، ثم يقوم النبي ﷺ فيقول: "لبّيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهدي من هديت، عبادك بين يديك، أنا منك وإليك، سبحانك رب البيت، تباركت وتعاليت" قال: وهو المقام المحمود" (١).

стр. 1148

١٠٣٨ - دثنا خلف ومحمد بن سليمان، دثنا أبو الأحوص، عن آدم ابن علي قال: سمعت ابن عمر يقول: "إن الناس يصيرون جثا يوم القيامة، كل أمة تتبع نبيّها يقولون: يا فلان، اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي، فذلك اليوم الذي يبعثه اللَّه المقام المحمود" (١). التحليل والتعليق تضمن أثرا حذيفة وابن عمر ﵄ تفسير المقام المحمود بأنه الشفاعة العظمى التي يشفعها النبي ﷺ لأهل الموقف لكي يأتي اللَّه لفصل القضاء بينهم، قال ابن عبد البر: "على هذا أهل العلم في تأويل قول اللَّه : ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ (٢) أنه الشفاعة،

стр. 1149

وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود أن يقعده معه يوم القيامة على العرش، وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم من الخالفين، أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة" (١). وقال ابن جرير: "اختلف أهل التأويل في معني ذلك المقام المحمود، فقال أكثر أهل العلم: ذلك هيو المقام الذي هو يقومه ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم. . . وهذا وإن كان هو الصحيح من القول في تأويل قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ لما ذكرنا من الرواية عن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه والتابعين، فإن ما قاله مجاهد من أن اللَّه يقعد محمدا ﷺ على عرشه قول غير مدفوع صحته؛ لا من جهة خبر ولا نظر، وذلك لأنه لا خبر عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن أحد من أصحابه، ولا عن التابعين بإحالة ذلك" (٢). وكذلك ابن حجر والشوكاني -رحمهما اللَّه- ذكرا أن قول مجاهد لا يعارض القول بأن المقام المحمود هو الشفاعة، بل يمكن أن يكون الأمران معا الإقعاد والشفاعة، ويكون الإقعاد من صفات المقام المحمود الذي

стр. 1150

يشفع فيه ﷺ (١)، وهذا الذي ذهب إليه الإمام القصاب ﵀ فجوّز أن تكون الشفاعة من موضع الإقعاد، فالأمر ممكن غير مستحيل كما يدعي بعض المؤولة للنصوص (٢)، لكن الشأن في الجزم به.

стр. 1151

المبحث التاسع: الآثار الواردة في البعث وصفته . ١٠٣٩ - دثنا يوسف، دثنا عبيد اللَّه بن موسى وخلف بن الوليد، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (١): "إعادته أهون عليه من ابتدائه، وكل عليه يسير" (٢). ١٠٤٠ - دثني حمزة بن العباس، أرنا عبد اللَّه بن عثمان، أرنا ابن المبارك، أرنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء قال: "يرسل ريح فيها صِرٌّ بارد زمهرير، فلا تذر على الأرض مؤمنا إلا لفت بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على الناس، قال: ثم يقوم ملك بين السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماء والأرض إلا مات، ثم يكون بين النفختين ما شاء اللَّه أن يكون، فيرسل اللَّه ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم قرأ ابن مسعود " ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ (٣)، ثم يقوم ملك بين

стр. 1152

السماء والأرض بالصور فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها فتدخل فيه، فيجيئون قياما لرب العالمين" (١). ١٠٤١ - دثنا إسحاق بن إبراهيم، دثنا معاذ بن هشام، دثني أبي، عن بديل (٢) قال: "حُدِّثت أن أهل الضلالة إذا خرجوا من قبورهم يتسكّعون في الظلمات مثل الدنيا، أو مثلي الدنيا، ما يكلَّمون، وإن الأرض تأجّج نارا، أو ما ظلٌ إلا من كان في ظل العرش" (٣). ١٠٤٢ - دثنا يوسف، دثنا عمرو بن حمران، عن سعيد، عن قتادة عن الحسن: " ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ (٤) قال: "فزعوا يوم القيامة حين خرجوا من قبورهم" (٥).

стр. 1153

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أمر البعث، وقدرة اللَّه عليه، وأنه لا يعجزه شيء، وكل شيء أمام قدرته تعالى هين، مهما تعاظمه الخلق، وأنه يحصل بأمر حسي وهو نزول ماء من تحت العرش، فتنبت جسمانهم ولحمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى، ثم يحصل فزع الناس عند هذا القيام، ويشتد على بعضهم حتى إن أهل الضلالة يتسكعون في الظلمات. قال ابن أبي العز: "الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب، والسنة، والعقل، والفطرة السليمة؛ فأخبر اللَّه سبحانه عنه في كتابه العزيز، وأقام الدليل عليه، وردَّ على منكريه في غالب سور القرآن، وذلك: أن الأنبياء ﵈ كلهم متفقون على الإيمان باللَّه؛ فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم، وهو فطري كلهم يقر بالرب إلا من عاند كفرعون، بخلاف الإيمان باليوم الآخر؛ فإن منكريه كثيرون ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بَيَّن تفصيل الآخرة بيانا لا يوجد في شيء لمن كتب الأنبياء" (١)، قال ابن كثير: "قد علمتم أن اللَّه أنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا؛ فخلقكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، فهلا تتذكرون وتعرفون أن الذي قدر على هذه النشأة وهي البداءة، قادر على النشأة الأخرى وهي الإعادة

стр. 1154

بطريق الأولى والأحرى" (١)، وهذا أسلوب من أساليب القرآن في إثبات المعاد قال شيخ الإسلام: "من المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك، وكذلك استدلاله على ذلك بالنشاة الأولى في مثل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢) " (٣)، وتفصيل هذا أن: "الإنسان يعلم الإمكان الخارجي، تارة بعلمه بوجود الشيء، وتارة بعلمه بوجود نظيره، وتارة بعلمه بوجود ما هو أبلغ منه؛ فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولى بالإمكان منه، ثم إنه إذا بُيِّن كون الشيء ممكنا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه إن لم تعلم قدرة الرب على ذلك فبين سبحانه هذا كله" (٤). ومن ذلك ذكره للطريقة التي يحصل بها البعث بإنزال ماء من تحت العرش، قال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾: "كما أحيينا هذه الأرض بعد موتها كذلك نحيي الأجساد بعد صيرورتها رميما يوم

стр. 1155

القيامة ينزل اللَّه ماء من السماء فتمطر الأرض أربعين يوما فتنبت منه الأجساد في قبورها كما ينبت الحب في الأرض وهذا المعنى كثير في القرآن يضرب اللَّه مثلا ليوم القيامة بإحياء الأرض بعد موتها" (١).

стр. 1156

المبحث العاشر: الآثار الواردة في الصراط . ١٠٤٣ - ذكر حمزة بن العباس، أنا عبد اللَّه بن عثمان، أنا ابن المبارك، أنا رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال (١) قال: "بلغنا أن الصراط يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض الناس مثل الوادي الواسع" (٢). ١٠٤٤ - ذكر علي بن أبي مريم، عن المقدمي، نا جعفر بن سليمان قال: سمعت مالك بن دينار يسأل علي بن زيد وهو يبكي فقال: "يا أبا الحسن كم بلغك أن ولي اللَّه يجلس على الصراط؟ قال: كقدر رجل في

стр. 1157

صلاة مكتوبة أتم ركوعها وسجودها، قال: وهل بلغك أن الصراط يتسع لأولياء اللَّه؟ قال: نعم" (١). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان إثبات الصراط، وذكر بعض أوصافه مثل اختلاف سعته ضيقا واتساعا بحسب المارِّ عليه، فيتسع إلى أن يصير كالوادي الواسع، ويضيق حتى يصير أدق من الشعر، ومدة المرور عليه التي تختلف أيضًا، والصراط هو: "جسر على جهنم أحدُّ من السيف، وأدقُّ من الشعرة، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم: كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوا، ومنهم المكدوش على وجهه في النار" (٢).

стр. 1158

الفصل الرابع: الآثار الواردة في الجنة . وفيه واحد وعشرون مبحثا: المبحث الأول: الآثار الواردة في العرش سقف الجنة. المبحث الثاني: الآثار الواردة في أدنى أهل الجنة نعيما. المبحث الثالث: الآثار الواردة في معنى الظل الممدود. المبحث الرابع: الآثار الواردة في نخل الجنة وأشجارها. المبحث الخامس: الآثار الواردة في أرض الجنة. المبحث السادس: الآثار الواردة في شراب أهل الجنة وأكلهم. المبحث السابع: الآثار الواردة في لباسهم. المبحث الثامن: الآثار الواردة في فراشهم. المبحث التاسع: الآثار الواردة في حُلِيُّهم. المبحث العاشر: الآثار الواردة في صفة أهلها وخدمهم. المبحث الحادي عشر: الآثار الواردة في لسانهم. المبحث الثاني عشر: الآثار الواردة في تزاور أهلها. المبحث الثالث عشر: الآثار الواردة في سوقها. المبحث الرابع عشر: الآثار الواردة في غنائهم. المبحث الخامس عشر: الآثار الواردة في الحور العين. المبحث السادس عشر: الآثار الواردة في الجماع وما يتعلق

стр. 1159

به من الولد وغيره. المبحث السابع عشر: الآثار الواردة في قصور الجنة وخيامها. المبحث الثامن عشر: الآثار الواردة في أبواب الجنة. المبحث التاسع عشر: الآثار الواردة في موضع الجنة. المبحث العشرون: الآثار الواردة في وجود الجنة الآن. المبحث الحادي والعشرون: الآثار الواردة في ذكر بعض عيونها وأنهارها.

стр. 1160

المبحث الأول: الآثار الواردة في أن العرش سقف الجنة . ١٠٤٥ - حدثني المشرف بن أبان، سمعت صالح بن عبد الكريم قال: قال لنا الفضيل بن عياض: "تدرون لم حسنت الجنة؟ لأن عرش رب العالمين سقفها" (١). ١٠٤٦ - حدثنا العباس بن عبد اللَّه، ثنا جعفر بن عمر (٢)، ثنا الحكم -يعني ابن أبان- عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁ قال: "إذا سكن أهل الجنةِ الجنةَ، نوَّرَ سقفَ مساكنهم نورُ عرشه" (٣). ١٠٤٧ - حدثنا يحيى بن كثير العنبري، ثنا مروان بن بكير (٤)، عن
следующие страницы →