← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع . وفيه ثمانية مطالب: المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد. المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين. المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع. المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها. المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع. المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع. المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة. المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة.

стр. 142

المبحث الثاني: الآثار الواردة في سد الذرائع إلى البدع. إن من قواعد الشرع العظيم قاعدة سد الذرائع، وإذا تدبرت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات، والشارع حرم الذرائع وإن لم يُقصد بها المحرَّم لإفضائها إليه، فكيف إذا قُصد بها المحرم نفسه؟ (١)، فإذا حرم الرب تعالى شيئا، وله طرق ووسائل تفضي إليه؛ فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له، ومنعا أن تقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم، وإغراء للنفوس به، وحكمتُه تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء (٢)، وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف؛ فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان أحدهما: مقصود لنفسه، والثاني: وسيلة إلى المقصود، والنهي نوعان: أحدهما ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني: ما يكون وسيلة إلى المفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين (٣). وأدلة هذه القاعدة الشريفة كثيرة جدا من الكتاب والسنة، أشهرها قوله : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا

стр. 143

كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (١). وقوله ﷺ : "إن من أكبر الكبائر: أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول اللَّه وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" (٢)، قال ابن بطال: "هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن من آل فعله إلى محرم، يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل في هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. . .﴾ (٣) الآية" (٤). ولما كانت البدع من جملة المعاصي كما سبق بيانه، بل هي شرها وأخطرها؛ فإن سد الذرائع إليها كان أعظم وأحكم، وكان للسلف الصالح في ذلك عدة آثار، وقفت في كتب ابن أبي الدنيا على كثير منها، ووزعتها على عدة مطالب، أبرزت فيها الجوانب التي لاحظها السلف في ذلك، وهى:

стр. 144

المطلب الأول: الآثار الواردة في التحذير من أهل البدع والرأي والقياس الفاسد . ٣٨ - حدثني يحيى بن عبد اللَّه المقدمي، حدثني عبد الوهاب بن يزيد الكندي (١) قال: "رأيت أبا عمر الضرير (٢) في النوم فقلت: ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي ورحمني، قلت: فأي الأعمال وجدت أفضل؟ قال: ما أنتم عليه من السنة والعلم، قلت: فأي الأعمال وجدت شرًّا؟ قال: "احذر الأسماء، قلت: وما الأسماء؟ قال: قدري (٣)، معتزلي (٤)، مرجئ (٥)،

стр. 145

فجعل يعد أصحاب الأهواء" (١). ٣٩ - ذكر محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، نا داود بن المحبر، نا عباد بن كثير وحماد بن زيد، عن واصل مولى أبي عيينة (٢) قال: "كنت مع

стр. 146

محمد بن واسع (١) بمرو فأتاه عطاء بن مسلم ومعه ابنه عثمان فقال عطاء لمحمد: أي عمل في الدنيا أفضل؟ قال: صحبة الأصحاب، ومحادثة الإخوان، إذا اصطحبوا على البر والتقوى، فحينئذ يذهب اللَّه بالخلاف من بينهم فواصلوا وتواصلوا، ولا خير في صحبة الأصحاب ومحادثة الإخوان إذا كانوا عبيد بطونهم، لأنهم إذا كانوا كذلك ثَبَّط بعضهم بعضا عن الآخرة، قال عطاء: يا أبا عبد اللَّه، بينا أنا قائم أصلي وأنا غلام، إذ أتاني رجل على فرس فقال: يا غلام عليك بالبر والتقوى؛ فإن البر والتقوى يهديان إلى الإيمان، وإياك والكذب والفجور، فإن الكذب والفجور يهديان إلى النار، ثم قال: يا ابن أخي اصحب أولياء اللَّه، فقلت: بأي شيء أعرف أولياء اللَّه؟ قال: إن أولياء اللَّه هم الألبّاء العقلاء الحذرون المسارعون في رضوان اللَّه المراقبون اللَّه، فإذا رأيت أهل هذه الصفة فاقترب منهم فهم أولياء اللَّه، فقلت: فكيف أعرف أهل النفاق والكذب والفجور؟ قال: أولئك قوم إذا رأيتهم يأباهم قلبك ولا يقبلهم عقلك؛ إذا سمعت كلامهم سمعت كلاما حلوا له لذاذة ولا منفعة له، وإياك أن تصحب أهل الخلاف، قلت: ومن أهل الخلاف؟ قال: المفارقون للسنة والكتاب، أولئك عبيد أهوائهم، تراهم مضطجعين وقلوبهم يلعن بعضهم بعضا، فاحذر هؤلاء واجتنبهم، وعليك بالصلاة وانته

стр. 147

عن محارم اللَّه وتقرب إلى اللَّه بالنوافل" (١). ٤٠ - حدثنا أبو نصر المؤدّب، عن أبي عبد الرحمن الفاسي، أنا قال أبو سعيد البقال (٢): "كنت محبوسا في ديماس (٣) الحجاج، ومعنا إبراهيم التيمي، فبات في السجن، فقلت: يا أبا أسماء في أي شيء حبست؟ قال: جاء العريف فتبرّأ مني، وقال: إن هذا يكثر الصلاة والصوم، فأخاف أن يكون يرى رأي الخوارج، قال: واللَّه إنا لنتحدّث عند مغيب الشمس، ومعنا إبراهيم التيمي, إذا نحن برجل قد دخل علينا السجن، فقلنا: يا عبد اللَّه ما قصّتك وما أمرك؟ قال: لا واللَّه ما أدري، ولكني أظن أخذت في رأي الخوارج (٤)، فباللَّه إنه لرأي ما رأيته ولا هويته ولا أحببت أهله، يا هؤلاء ادعوا إليّ بوضوء، قال: فدعونا له بماء، فتوضّأ، ثم قام فصلّى أربع ركعات، فقال: اللهم إنك تعلم أني على إساءتي وظلمي وإسرافي،

стр. 148

أني لم أجعل لك ولدًا ولا ندًّا ولا صاحبة ولا كفرًا، فإن تعذّب فعبدك، وإن تغفر فإنك أنت العزيز الحكيم، اللهم إني أسألك يا من لا يبرمه إلحاح الملحّين، أن تجعل لي في ساعتي هذه فرجا ومخرجا، من حيث أحتسب، ومن حيث لا أحتسب، ومن حيث أعلم، ومن حيث لا أعلم، ومن حيث أرجو ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج، وسمعه وبصره ولسانه ويده ورجله، حتى تخرجني في ساعتي هذه؛ فإن قلبه وناصيته في يدك, أي رب أي رب أي رب، قال: فأكثر، قال: فواللَّه الذي لا إله غيره ما قطع إذ ضرب باب السجن ابن فلان، فقام صاحبنا، فقال هؤلاء: إن يكن العافية فواللَّه لا أدع الدعاء، وإن يكن الأخرى فجمع اللَّه بيننا وبينكم في رحمته، فبلغنا من غد أنه خلّي عنه" (١). ٤١ - حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي، حدثنا أبو عوانة، عن صالح بن مسلم قال: قال عامر (٢): "لقد تركتني هذه الصعافقة (٣)،

стр. 149

وللمسجد أبغض إلي من كناسة (١) داري -يعني أصحاب القياس-" (٢). ٤٢ - حدثني ابن إسحاق قال: حدثنا جعفر بن عون، عن عيسى الحنّاط قال: "سأل رجل الشعبي عن شيء؟ فقال: قال ابن مسعود: كذا كذا، فقال: أخبرني برأيك، فقال: ألا ترون إلى هذا؟ أخبره عن ابن مسعود ويسألني رأيي، اللَّه ﵎ آثر عندي وديني من أن أقول فيها برأيي، واللَّه لأن أتغنّى بغنية أحب إليّ من أن أقول فيها برأيي" (٣).

стр. 150

٤٣ - حدثني سعيد بن سليمان قال حدثنا زافر بن سليمان عن بشير أبي إسماعيل عن الضحاك (١) قال: "أدركت الناس وهم يتعلمون الورع، وهم اليوم يتعلمون الكلام" (٢). ٤٤ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: "سألت مالك بن أنس (٣) عن القدري والمخنث, أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: "إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة" (٤).

стр. 151

٤٥ - حدثني أحمد بن محمد بن سليمان، أنه حدث عن حليسي الضبعي (١)، عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (٢) قال: قال لي عمران بن حطان: "إني لأعلم خِلَافَكَ (٣)، ولكن على ذلك احفظ، ثم أخذ بيدي فقال: حتى متى تُسقى النفوس بكأسها ... ريب المنون وأنت لاهٍ ترتع أحلام نوم أو ظل زائل ... إن اللبيب بمثلها لا يخدع فتزوّدنّ من قبل يومك زادا ... أم هل لغيرٍ لا أبا لك تجمع (٤) ٤٦ - ثنا الحسين بن عبد الرحمن، عن بعض أشياخه، عن أبي الزناد قال: قال بعض الحكماء: "لا ينبغي لعاقل أن يعرض عقله للنظر في كل

стр. 152

شيء، كما لا ينبغي أن يضرب بسيفه كل شيء" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة تحذير السلف من أهل البدع، وذم طريقتهم، وبغضهم لها ولأهلها، وأن السلامة للمسلم أن ينأى بنفسه عن هؤلاء وبدعهم، ويقطع كل الطرق الممدودة بينه وبينهم، فأثر أبي عمر الضرير فيه التحذير من الأسماء أي الانتساب لبدعة من البدع كالقدر والاعتزال والإرجاء، والسبب في ذلك هو ما سبق أن من صفات أهل السنة العبودية المطلقة للَّه، وتجريد المتابعة لرسوله، ولذلك كانوا: "بمنزلة الذخائر المخبوءة، وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات؛ فإن الآفات كلها تحت الرسوم، والتقيد بها، ولزوم الطرق الاصطلاحية، والأوضاع المتداولة الحادثة، هذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن اللَّه وهم لا يشعرون، والعجب أن أهلها هم المعروفون بالطلب والإرادة (٢)، والسير إلى اللَّه وهم إلا الواحد بعد الواحد المقطوعون عن اللَّه بتلك الرسوم والقيود" (٣).

стр. 153

كما أن التحذير من مصاحبة أهل البدع لأنهم أهل خلاف وفرقة، فارقوا الكتاب والسنة، ولم يجتعموا على قول، بل يلعن بعضهم بعضا ولو كانوا في الظاهر متآلفين، كما في أثر عطاء، ولا شك أن الفرقة والاختلاف هي سمة أهل البدع، كما أن الاجتماع والسنة هي سمة الفرقة الناجية، قال شيخ الإسلام: "وهذا الأصل العظيم وهو الاعتصام بحبل اللَّه جميعا وأن لا يتفرقوا، هو من أعظم أصول الإسلام، ومما عظمت وصية اللَّه تعالى به في كتابه، ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الكتاب وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي في مواطن عامة وخاصة" (١)، وقال: "البدعة مقرونة بالفرقة، كما أن السنة مقرونة بالجماعة، فيقال: أهل السنة والجماعة، كما يقال: أهل البدعة والفرقة" (٢). كما حذر السلف من كل ما يعيق الاتباع، ويقف في طريقه، فهم يبغضون الآراء المحدثة كرأي الخوارج ويبغضون أهله كما قال إبراهيم التيمي، كما أنهم يحذرون من القياس الفاسد، الذي يضرب لمعارضة النصوص، والقول في الدين بالرأي كما فعل الشعبي، ولم يكن الكلام من علومهم التي يدرسونها ويتعلمونها، كما قال الضحاك، قال ابن عبد البر المالكي: "أجمع أهل الفقه والآثار في جميع الأمصار: أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في الأمصار في جميع طبقات العلماء، وإنما العلماء

стр. 154

أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالاتفاق والميز والفهم" (١)، بل بلغت مفاصلتهم لأهل البدع أنهم أفتوا بعدم اتخاذه سترة في الصلاة، حتى علم ذلك عنهم واشتهر موقفهم؛ فتجد أهل البدع يعلمون هذه المخالفة والمفاصلة لهم، كما صرح بذلك عمران بن حطان وهو أحد رؤوس الخوارج لقتادة، وبهذا يعلم أن هذه الطريقة كانت سدا لذريعة البدع؛ فإنه كما جاء في آخر أثر عن بعض الحكماء، من أنه لا ينبغي للعاقل أن ينظر بعقله في كل شيء، لأن ذلك سد لذريعة الوقوع في البدع والضلالات، وذلك أن اتباع القياس الفاسد، والقول بالرأي في الدين، هو من باب تحسين الظن بالعقل، وأنه يوصل إلى ما لم يوصل إليه النقل، وذلك أحد أسباب الإحداث في الدين كما قال الشاطبي ﵀: "الإحداث في الشريعة إنما يقع: من جهة الجهل، وإما من جهة تحسين الظن بالعقل، وإما من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة" (٢).

стр. 155

المطلب الثاني: الآثار الواردة في النهي عن الخصومات في الدين . ٤٧ - حدثنا علي بن الحسين العامري، حدثنا أبو النضر هاشم بن القاسم، عن الأشجعي، حدثنا الربيع بن المُلاح قال: سمعت أبا جعفر (١) يقول: "إياكم والخصومة فإنها تمحق الدين"، وحدثني من سمعه يقول: "وتورث الشنآن وتذهب الاجتهاد" (٢). ٤٨ - حدثني أبي، وأحمد بن منيع قالا: حدثنا مروان بن شجاع، عن عبد الكريم أبي أمية (٣) قال: "ما خاصم ورع قط -يعني في الدين-" (٤).

стр. 156

٤٩ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن الحكم، عن محمد بن علي قال: "لا تجالسوا أصحاب الخصومات؛ فإنهم يخوضون في آيات اللَّه" (١). ٥٠ - حدثني محمد بن أبي حاتم، حدثنا عبد اللَّه بن داود قال: سمعت سفيان، عن الحسن بن عمرو، عن فضيل قال: قال إبراهيم: "ما

стр. 157

خاصَمتَ؟ قلت: لا، قال: قط؟ قلت: قط" قال ابن داود: كذا يعني (١). ٥١ - حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: قال عمر بن عبد العزيز ﵀: "من جعل دينه غرضا للخصومات، أكثر التنقل" (٢). ٥٢ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أبو إسماعيل شيخ له قال: سمعت الحسن ﵁ يقول: "إنما يخاصم الشاك في دينه" (٣).

стр. 158

٥٣ - حدثنا عبيد اللَّه، حدثني عصمة بن غرزة، عن مغيرة، عن إبراهيم ﵁ قال: "كانوا يكرهون التَّلَوُّنَ في الدين" (١). ٥٤ - حدثنا أبو كريب الهمداني، نا عبد اللَّه بن نمير، عن مالك بن مغول، عن الشعبي، حدثني شيخ قال: قال علي ﵁: "تهادوا تحابوا، ولا تماروا فتباغضوا" (٢).

стр. 159

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة نهي السلف عن الخصومة في الدين، ولهم في ذلك ملاحظ لاحظوها، فعللوا ذلك بأنها تورث الشنآن والبغضاء، وتنافي الورع، وتورث الشك والتنقل والتلون في الدين، وهي طريقة أهل البدع الذين يخوضون في آيات اللَّه، ولذلك لم تكن من طريقة أهل السنة كما قال الإمام أحمد في رسالته لأبي عبد الرحيم الجوزجاني من خراسان يذكر احتجاجات المرجئة فقال له أحمد: "اعلم رحمك اللَّه: أن الخصومة في الدين ليست من طريق أهل السنة" (١)، وقال البربهاري: "الكلام والخصومة والجدال والمراء محدَث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة" (٢)، وعن أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهم اللَّه تعالى قال: "مذهب أهل الجماعة عندنا، وما أدركنا عليه جماعة أهل الفقه، ممن لم يأخذ من البدع والأهواء: ولا يخاصم في الدين؛ فإنها من أعظم البدع. . . والخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة، لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول اللَّه ﷺ وأتباعهم فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر"، وعلق شيخ الإسلام على كلامه بقوله: "ما ذكر أبو يوسف في أمر الجدال هو يشبه كلام كثير من

стр. 160

أئمة السنة يشبه كلام الإمام أحمد وغيره" (١)، ومن هنا "جعل العلماء من عقائد الإسلام ترك المراء والجدال في الدين، وهو الكلام فيما لم يؤذن في الكلام فيه: كالكلام في المتشابهات من الصفات والأفعال (٢) وغيرهما، وكمتشابهات القرآن" (٣)، بل يؤمن بكل ما في القرآن والسنة فهم معناه أم لم يفهم، وقد بين الشاطبي ﵀ علاقة الخصومة بأهل البدع فقال: "لما كان اتباع الهوى أصل الابتداع، لم يعدم صاحب الجدال أن يماري ويطلب الغلبة" (٤). فحال أهل الجدل والخصومات شك في المعتقد، يتبعه تنقل وكثرة التلون، ثم ينتج عن ذلك تشاحن وتباغض وتنافر، قال شيخ الإسلام: "أهل الكلام أكثر الناس انتقالا من قول إلى قول، وجزما بالقول في موضع وجزما بنقيضه وتكفير قائله في موضع آخر، وهذا دليل عدم اليقين. . . أما أهل السنة والحديث فما يعلم أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده، بل هم أعظم الناس صبرا على ذلك، وإن امتحنوا بأنواع المحن، وفتنوا بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة" (٥)، ثم بين ﵀ علاقة هذه

стр. 161

الصفات طردا وعكسا بقرب الفرق من الكتاب والسنة واتباع السلف، فقال: "المتفلسف أعظم اضطرابا وحيرة في أمره من المتكلم؛ لأن عند المتكلم من الحق الذي تلقاه عن الأنبياء ما ليس عند المتفلسف، ولهذا تجد مثل أبي الحسين البصري وأمثاله أثبت من مثل ابن سينا وأمثاله، وأيضا تجد أهل الفلسفة والكلام أعظم الناس افتراقا واختلافا مع دعوى كل منهم أن الذي يقوله حق مقطوع به، قام عليه البرهان، وأهل السنة والحديث أعظم الناس اتفاقا وائتلافا وكل من كان من الطوائف إليهم أقرب كان إلى الاتفاق والائتلاف أقرب، فالمعتزلة أكثر اتفاقا وائتلافا من المتفلسفة. . . وأهل الإثبات من المتكلمين مثل الكلابية والكرامية والأشعرية، أكثر اتفاقا وائتلافا من المعتزلة؛ فإن في المعتزلة من الاختلافات وتكفير بعضهم بعضا، حتى ليكفر التلميذ أستاذه، من جنس ما بين الخوارج. . . ولست تجد اتفاقا وائتلافا إلا بسبب اتباع آثار الأنبياء من القرآن والحديث، وما يتبع ذلك ولا تجد افتراقا واختلافا إلا عند من ترك ذلك، وقدم غيره عليه. . . ولهذا لما كانت الفلاسفة أبعد عن اتباع الأنبياء كانوا أعظم اختلافا، والخوارج والمعتزلة والروافض لما كانوا أيضا أبعد عن السنة والحديث، كانوا أعظم افتراقا في هذه، لا سيما الرافضة فإنه يقال إنهم أعظم الطوائف اختلافا، وذلك لأنهم أبعد الطوائف عن السنة والجماعة بخلاف المعتزلة فإنهم أقرب إلى ذلك منهم" (١).

стр. 162

المطلب الثالث: الآثار الواردة في النهي عن الاستماع لأهل البدع . ٥٥ - حدثني أحمد بن إسحاق بن عيسى الأهوازي قال: حدثنا أبو عبد الرحمن المقري قال: بلغني أن يونس بن عبيد (١) قال لرجل: "آمرك بثلاث: بالتودّد إلى الناس فإنه نصف العقل، والاقتصاد في النفقة فإنه ثلث الكسب، وحسن المسألة فإنه نصف العلم، وقال لرجل: أنهاك عن ثلاث: إيّاك والأمراء وإن قرؤوا عليك القرآن وقرأت عليهم، ولا تخلونّ بامرأة لست منها بسبيل، ولا تمكّن أذنيك من صاحب بدعة" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر يونس بن عبيد ﵀ التحذير من السماع لأهل البدع، وقد كان ذلك منهج السلف عموما، يذكرونه في عقائدهم، كما قال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويبغضون

стр. 163

أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم، ولا يصحبونهم، ولا يسمعون كلامهم، ولا يجالسونهم، ولا يجادلونهم في الدين، ولا يناظرونهم، ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان، وقرَّت في القلوب، ضرَّت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت" (١)، وقال الذهبي: "أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة والشبه خطافة" (٢)، وقد أوضح الإمام الشاطبي ﵀ وجه النهي عن الاستماع إليهم فقال: "قد يكون المرء على يقين من أمر من أمور السنة، فيلقي له صاحب الهوى فيه هوى مما يحتمله اللفظ لا أصل له، أو يزيد له فيه قيدًا من رأيه، فيقبَله قلبُه، فإذا رجع إلى ما كان يعرفه وجده مظلمًا؛ ، فإما أن يشعر به فيرده بالعلم، أو لا يقدر على رده، وإما أن لا يشعر به فيمضي مع من هلك" (٣)، وهذا الاشتباه الذي يقع للمرء إنما هو عقوبة من اللَّه له على سماعه لصاحب البدعة كما قال سفيان الثوري: "من أصغى بأُذنه إلى صاحب بدعة خرج من عصمة اللَّه وَوُكِل إليها يعني إلى البدع" (٤). ولما كان صاحب البدعة يتجارى به الهوى كما يتجارى الكَلَب

стр. 164

بصاحبه، بيّن الشاطبي ﵀ الربط بين الأمرين فقال: "داء الكَلَب فيه ما يشبه العدوى، فإن أصل الكَلب واقع بالكَلْب، ثم إذا عض ذلك الكَلْب أحدًا صار مثلَه، ولم يقدر على الانفصال منه في الغالب إلا بالهلكة، فكذلك المبتدع إذا أورد على أحد رأيه وإشكاله، فقلما يسلم من غائلته، بل إما أن يقع معه في مذهبه ويصير من شيعته، وإما أن يثبت في قلبه شكا يطمع في الانفصال عنه فلا يقدر. . . وقد أتى في الآثار ما يدل على هذا المعنى؛ فإن السلف الصالح نهوا عن مجالستهم ومكالمتهم وكلام مُكَالِمِهِم، وأغلظوا في ذلك" (١).

стр. 165

المطلب الرابع: الآثار الواردة في منع الحكام أهل البدع من الكلام فيها . ٥٦ - حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم أنه سمع رجلا من قريش من بني زهرة قال: "سألت أمير المؤمنين المهدي أبا عبيد اللَّه (١) ينظر رجلا من بقايا أهل المدينة من مشيختهم، فأخبر محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف (٢) فكتب إليه: اكتب إليّ بما أدركت عليه المشايخ في أصحاب الأهواء؟ فإني سمعت من عمرو بن عبيد (٣) كلاما كثيرا، فكتب إليه: أما بعد؛ فإني أحذّرك أهواء متَّبعة، أُحدثت لضُلَّالٍ مبتدعة، لم

стр. 166

يكن من عند اللَّه أصلها، وليس معها من قول اللَّه ما يصدّقها، النظر فيها هلكة، والجهالة بها عصمة، فاحذر على نفسك مشبَّهاتها، فإنها تدعو إلى موبقاتها، وحسبي اللَّه ونعم الوكيل، فقال المهدي لما وردت عليه الرسالة: ما سمعت كلمات أشهى إلى القلب، ولا أبلغ ولا أوجز منها، ثم كتب إلى جميع الأمصار ينهى أن يتكلّم أحد من أهل الأهواء في شيء منها" (١). التحليل والتعليق تضمن الأثر السابق منع الإمام المهدي أهل الأهواء أن يتكلموا فيها، وبعثه بذلك كتابا إلى الأمصار، وقد كانت هذه سيرة أئمة الإسلام وحكامهم مع أهل البدع، ولهم في ذلك مواقف مشهودة ومشهورة ﵏، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وتجد الإسلام والإيمان كلما ظهر وقوي كانت السنة وأهلها أظهر وأقوى، وإن ظهر شيء من الكفر والنفاق ظهرت البدع بحسب ذلك، مثل دولة المهدي والرشيد ونحوهما، ممن كان يعظم الإسلام والإيمان، ويغزو أعداءه من الكفار والمنافقين، كان أهل السنة في تلك الأيام أقوى وأكثر، وأهل البدع أذلّ وأقلّ؛ فإن المهدي قتل من المنافقين الزنادقة من لا يحصى عدده إلا اللَّه. . . وكان المهدي من خيار خلفاء بني العباس، وأحسنهم إيمانا وعدلا وجودا، فصار يتتبع المنافقين الزنادقة كذلك. . . كانت البدع في القرون الثلاثة الفاضلة مقموعة، وكانت الشريعة أعز وأظهر وكان القيام بجهاد أعداء الدين من

стр. 167

الكافرين والمنافقين أعظم. . .. وكان في أيام المتوكل قد عز الإسلام، حتى ألزم أهل الذمة بالشروط العمرية، وألزموا الصغار، فعزت السنة والجماعة، وقمعت الجهمية والرافضة ونحوهم، وكذلك في أيام المعتضد والمهدي والقادر وغيرهم من الخلفاء الذين كانوا أحمد سيرة وأحسن طريقة من غيرهم، وكان الإسلام في زمنهم أعز وكانت السنة بحسب ذلك، وفي دولة بني بويه ونحوهم الأمر بالعكس؛ فإنهم كان فيهم أصناف المذاهب المذمومة، قوم منهم زنادقة، وفيهم قرامطة كثيرة، ومتفلسفة ومعتزلة ورافضة، وهذه الأشياء كثيرة فيهم غالبة عليهم، فحصل في أهل الإسلام والسنة في أيامهم من الوهن ما لم يعرف، حتى استولى النصارى على ثغور الإسلام، وانتشرت القرامطة في أرض مصر والمغرب والمشرق وغير ذلك، وجرت حوادث كثيرة، ولما كانت مملكة محمود بن سبكتكين من أحسن ممالك بني جنسه كان الإسلام والسنة في مملكته أعز؛ فإنه غزا المشركين من أهل الهند، ونشر من العدل ما لم ينشره مثله، فكانت السنة في أيامه ظاهرة والبدع في أيامه مقموعة، وكذلك السلطان نور الدين محمود الذي كان بالشام عز أهل الإسلام والسنة في زمنه، وذل الكفار وأهل البدع ممن كان بالشام ومصر وغيرهما من الرافضة والجهمية ونحوهم، وكذلك ما كان في زمنه من خلافة بني العباس ووزارة ابن هبيرة لهم؛ فإنه كان من أمثل وزراء الإسلام، ولهذا كان له من العناية بالإسلام

стр. 168

والحديث ما ليس لغيره" (١). قال الشيخ الإمام ابن باز ﵀: "وقد ثبت عن عثمان بن عفان ﵁، الخليفة الراشد أنه قال: "إن اللَّه يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، ويروي عن عمر ﵁ أيضا، وهذا صحيح، كثير من الناس لو جئته بكل آية لم يمتثل، لكن إذا جاءه وازع السلطان بالضرب والسجن ونحو ذلك أذعن، وترك باطله (٢)، لماذا؟ ! لأن قلبه مريض؛ ولأنه ضعيف الإيمان، أو معدوم الإيمان. . . فلهذا لا يتأثر بالآيات والأحاديث. . لكن إذا خاف من السلطان ارتدع ووقف عند حده، ووازع السلطان له شأن عظيم، ولهذا شرع اللَّه لعباده القصاص والحدود والتعزيرات لأنها تردع عن الباطل، وأنواع الظلم، ولأن اللَّه يقيم بها الحق، فوجب على ولاة الأمور أن يقيموها، وأن يعينوا من يقيمها، وأن يلاحظوا الناس، ويلزموهم بالحق، ويوقفوهم عند حدهم حتى لا يهلكوا، وينقادوا مع تيار الباطل، ويكونوا عونا للشيطان وجنده علينا" (٣).

стр. 169

المطلب الخامس: الآثار الواردة في عدم الاعتداد بصلاح أهل البدع . ٥٧ - ثنا عاصم بن عمر بن علي بن مقدم قال: ثنا أبي قال: ثنا (١) أبو العباس الهلالي قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول: "ما بلغني عن رجل صلاح فاعتددت بصلاحه حتى أسأل عن خلال ثلاث؛ فإن تمّت تمّ صلاحه، وإن نقصت منه خصله كانت وصمة عليه في صلاحه: أسأل عن عقله؛ فإن الأحمق يفعل يقصد صلاح غيره (٢) إنما هلك وأهلك فئاما من الناس، يمر بالمجلس فلا يسلم فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا! ، ويترك عيادة الرجل من جيرانه، فإذا قيل له: قال: من أهل الدنيا، ويدع الجنازة لا يتبعها لمثل ذلك، ويدع أم أبيه يبرد فإذا هو قد صار عاقًّا، وأسأل عن النعمة العظيمة التي لا نعمه أعظم منها ولا أوضح وهي الإسلام (٣)، إن كان أحسن احتمال النعمة ولم يدخلها بدعة ولا زيغ، وإلا لم أعتد به فيما سوى ذلك، وأسأل عن وجه معاشه؛ فإن لم يكن له وجه معاش لم آمن عليه، وأظل بخلافه أقرب ما يكون من أجله" (٤). ٥٨ - حدثني الفضل بن إسحاق بن حيّان قال: حدثنا الأشجعي،

стр. 170

عن أبي عمر الخراساني، عن مقاتل بن حيّان (١) قال: "ليس لملوك صديق، ولا لحسود غنى، وطول النظر في الحكمة تلقيح للعقل، وأهل هذه الأهواء آفة [أمة (٢) محمد ﷺ ؛ إنهم يذكرون النبي ﷺ وأهل بيته فيَتصيَّدُونَ بهذا الذّكرِ الحسنِ الجهّال من الناس، فيقذفون بهم في المهالك، فما أشبههم بمن يسقي الصَّبِر باسم العسل، ومن يسقي السمّ القاتل باسم التِّرياق، فأبصِرهم فإنك إن لا تكن أصبحت في بحر الماء فإنك قد أصبحت في بحر الأهواء، الذي هو أعمق غورا وأشدّ اضطرابا وأكثر عواصفا وأبعد مذهبا من البحر وما فيه، فلتكن مطيّتك التي تقطع بها سفر الضلال اتّباع السنة، فإنهم هم السيّارة الذين إلى اللَّه يعمدون" (٣). التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان بيان منهج السلف في تقويم الرجال، وهو أن صلاح الرجل لا يعتد به إذا خالطته بدعة، وأن على المسلم أن لا يغتر بصلاح من ظاهره الصلاح من أهل البدع؛ لأنهم يستغلون ذلك لدسّ السم من خلاله في الأمة، قال شيخ الإسلام: "كان الشيوخ العارفون

стр. 171

المستقيمون من مشايخ التصوف وغيرهم يأمرون أهل القلوب، أرباب الزهد والعبادة والمعرفة والمكاشفة بلزوم الكتاب والسنة، قال الجنيد بن محمد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. . . . قال غير واحد من الشيوخ والعلماء: لو رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تغتروا به حتى تنظروا وقوفه عند الأمر والنهي، ومثل هذا كثير في كلام المشائخ والعارفين وأئمة الهدى، وأفضل أولياء اللَّه عندهم أكملهم متابعة للأنبياء" (١). وقال ﵀: "كان السلف يعدون كل من خرج عن الشريعة في شيء من الدين من أهل الأهواء، ويجعلون أهل البدع هم أهل الأهواء، ويذمونهم بذلك ويأمرون بألا يغتربهم ولو أظهروا ما أظهروه من العلم والكلام والحجاج أو العبادة والأحوال مثل المكاشفات وخرق العادات" (٢). وأصل هذا القول الأحاديث الكثيرة المشهورة الواردة في الخوارج وصفاتهم ومع ذلك لم تشفع لهم تلك الصفات، بل أمر النبي ﷺ بقتلهم فقاتلهم الإمام علي بن أبي طالب ﵁ قال شيخ الإسلام: "فهؤلاء مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وما هم عليه من العبادة والزهادة أمر النبي ﷺ بقتْلهم، وقَتَلَهُم علي بن أبي طالب ومن معه من أصحاب النبي ﷺ (٣). بل إن من عدم الاعتداد بصلاحهم، ما وقع من الخلاف بين أهل العلم

стр. 172

في قبول شهادتهم وإجازتها، وهو مذهب مالك وأحمد رحمهما اللَّه (١). وأما استغلال صلاحهم أو ما يظهرونه من ذلك في تمرير بدعهم وترويجها كما قال مقاتل، فقد ذكر ابن القيم ﵀ في القسم الخامس من الحيل المحرمة في الشرع: "أن يقصد حل ما حرمه الشارع، أو سقوط ما أوجبه؛ بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سببا إلى أمر مباح مقصود، فيجعله المحتال المخادع سببا إلى أمر محرم مقصود اجتنابه"، ثم ذكر أنواعا من البدع وكيف خرجها أصحابها في صور الطاعات والمشروعات فقال: "كما أخرجت الجهمية التعطيل في قالب التنزيه. . . وأخرج الروافض الإلحاد والكفر والقدح في سادات الصحابة وحزب رسول اللَّه وأوليائه وأنصاره في قالب محبة أهل البيت والتعصب لهم وموالاتهم، وأخرجت الإباحية وفسقة المنتسبين إلى الفقر والتصوف بدعهم وشطحهم في قالب الفقر والزهد والأحوال والمعارف ومحبة اللَّه ونحو ذلك" (٢). وقد وقع في هذه الحيل كثير من المسلمين، ومن ذلك ما ذكره الذهبي ﵀ عن الخليفة العباسي المنصور الذي كان يعظم عمرو بن عبيد وينشد فيه: كلكم يمشي رويدا، كلكم يطلب صيدا، غير عمرو بن عبيد، قال الذهبي: "اغتر بزهده وإخلاصه وأغفل بدعته" (٣).

стр. 173

المطلب السادس: الآثار الواردة في عدم ذكر محاسن الفاسق المبتدع . ٥٩ - حدثني أبو صالح قال: سمعت رافع بن أشرس (١) قال: كان يقال: إن من عقوبة الكذاب، ألا يقبل صدقه، قال: وأنا أقول: "ومن عقوبة الفاسق المبتدع، أن لا تذكر محاسنه" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر رافع بن أشرس ﵀، بيان بعض ما يستحقه الفاسق المبتدع من العقوبة، وهو أن تذكر محاسنه، وهي مسألة تحتاج إلى تفصيل:

стр. 174

الحالة الأولى: أن لا يذكر أصلا، لا بسوء ولا بخير، بل يُعزف عنه كُلِّيَةً ما دام حيًّا وإذا مات ماتت معه بدعته، وسلم منه الناس، ولا يلفت نظرهم إليه؛ لأنهم غافلون عنه، وغير منتبهين له، وقد علل ابن دقيق العيد ﵀ ذلك بقوله: "إخمادا لبدعته وإطفاء لناره" (١)، وهذا مُعْتَمَدُ من منع الرواية عن المبتدع مطلقا -داعية أو غيره-، لأن فيه ترويجا لأمره وتنويها بذكره، قال السخاوي: "وعلى هذا ينبغي أن لا يروى عن مبتدع شيء شاركه فيه غيره" (٢)، وهذا معنى أثر أبي بكر بن عياش: "صاحب السنة إذا مات أحيا اللَّه ذكره، والمبتدع لا يذكر" (٣)، وقد كان ذلك منهجا عاما للسلف كما قال اللالكائى ﵀: "لم يكن لهم -أهل البدع- قهرٌ ولا ذلٌّ أعظمَ مما تركهم السلف على تلك الجملة، يموتون من الغيظ كمدا ودَرَدًا (٤)، ولا يجدون إلى إظهار بدعتهم سبيلا" (٥). الحالة الثانية: أن يكون المقام مقام تحذير، وفي هذه الحالة يجب ويتعين أن تُبيَّن بدعة المبتدع، والرَدّ عليه، وكشف عواره، ونشر مثالبه، وكفِّ

стр. 175

العامة عن الرجوع إليه، دفاعا عن الدين، وصونا لعقائد عموم المسلمين، من التبديل والتحريف والتأويل. وذلك أن المقصود بالرد عليه بيان بدعته وخطورتها على الدين، وقمعها ودفنها في مهدها؛ فإن البدع إذا تمكنت من القلوب استشرت وعمت، وحينئذ يتسع الخرق على الراقع كما يقال، ومن هنا لم يناسب حكاية ما له من حسنات في هذا المقام؛ لأنه يعود على المقصود بالإبطال، أو الإضعاف على أقل تقدير، وبهذا تعلم أن من أوجب ذكر حسنات المبتدع عند الرد فقد جانب الصواب واللَّه أعلم، وقد أفتى بذلك سماحة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد اللَّه بن باز ﵀ لما سئل: "فيه أناس يوجبون الموازنة: أنك إذا انتقدت مبتدعا ببدعته لتحذر الناس منه يجب أن تذكر حسناته حتى لا تظلمه؟ فأجاب الشيخ رعاه اللَّه: "لا، ما هو بلازم، ما هو بلازم، ولهذا إذا قرأت كتب أهل السنة، وجدت أن المراد التحذير، اقرأ في كتب البخاري "خلق أفعال العباد"، في كتاب الأدب في "الصحيح"، كتاب "السنة" لعبد اللَّه بن أحمد، كتاب "التوحيد" لابن خزيمة، "رد عثمان بن سعيد الدارمي على أهل البدع". . . إلى غير ذلك. يوردونه للتحذير من باطلهم، ما هو المقصود تعديد محاسنهم. . . المقصود التحذير من باطلهم، ومحاسنهم لا قيمة لها بالنسبة لمن كفر، إذا كانت بدعته تكفره، بطلت حسناته، وإذا كانت لا تكفره، فهو على خطر، فالمقصود هو بيان الأخطاء والأغلاط التي يجب الحذر

стр. 176

منها" (١). وأما الحالة الثالثة: أن يكون المقام يتعلق يحانب أعم من التحذير والرد على المبتدع، وإنما يتعلق بتقويم رجل أو جماعة، أو الترجمة التاريخية، والبحث العلمي، فقد جرت عادة العلماء في مثل هذه المواطن ذكر كل ما يروى عن المترجم له، من حسنات وسيئات، فكتب التاريخ تجد فيها كل ما يتعلق بالمترجم له، ولو كان صاحب بدعة، وتجد في تقويم شيخ الإسلام ابن تيمية لكثير من الطوائف، ذكر بعض حسناتهم، وأحيانا كثيرة يقارن بين جماعة وأخرى، وبيان أيها أفضل مع اجتماعهم في البدعة عموما، كمقارنته بين الخوارج والروافض، والمعتزلة والأشاعرة، وهكذا (٢)، بل إنك لتجد له كلاما عاما في هذا الموضوع، كقوله ﵀: "معلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم" (٣)، وقال ﵀ في معرض كلامه عن الأشعري وموقف بعض الحنابلة منه ومن توبته: "الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات، وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحث، والعفو عنه من الخطأ والنسيان، بحيث يستحق الثواب على حسناته، ويستحق العقاب

стр. 177

على سيئاته، بحيث لا يكون محمودا ولا مذموما على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم. . . ولهذا يكثر في الأمة من أئمة الأمراء وغيرهم من يجتمع فيه الأمران فبعض الناس يقتصر على ذكر محاسنه ومدحه غلوا وهوى، وبعضهم يقتصر على ذكر مساويه غلوا وهوى، ودين اللَّه بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيار الأمور أوسطها، ولا ريب أن للأشعري في الرد على أهل البدع كلاما حسنا، هو من الكلام المقبول الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية، وله أيضا كلام خالف به بعض السنة هو من الكلام المردود الذي يذم به قائله إذا أصرَّ عليه بعد قيام الحجة، وإن كان الكلام الحسن لم يخلص فيه النية والكلام السيء كان صاحبه مجتهدا مخطئا مغفورا له خطأه لم يكن في واحد منهما مدح ولا ذم، بل يحمد نفس الكلام المقبول الموافق للسنة، ويذم الكلام المخالف للسنة، وإنما المقصود أن الأئمة المرجوع إليهم في الدين مخالفون للأشعري في مسألة الكلام، وإن كانوا مع ذلك معظمين له في أمور أخرى، وناهين عن لعنه وتكفيره، ومادحين له بما له من المحاسن" (١). وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ السؤال التالي: "ما رأيكم فيمن إذا أراد أن يقوِّم شخصًا، لا يذكر ما لديه من خير بل يذكر مساوئه فقط؟ ، فقال ﵀ جوابًا على ذلك: "هذا من الإجحاف والجور؛ لأن اللَّه يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ

стр. 178

لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١)، فنهانا اللَّه أن يحملنا بغض قوم على عدم العدل، بل أمرنا أن نقول العدل، وقد أقر اللَّه تعالى الحق الذي صدر من المشركين، وأقر النبي ﷺ الحق الذي صدر من اليهود، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢)، فكان الجواب: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فأبطل قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ لأنها باطل، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ لأنها حق. . . والواجب على من أراد أن يقوِّم شخصًا تقويمًا كاملًا (٣)، إذا دعت الحاجة أن يذكر مساوئه ومحاسنه، وإذا كان ممن عرف بالنصح للمسلمين أن يعتذر عما صدر من المساوئ، مثلًا نحن نرى العلماء كابن حجر والنووي وغيرهما ممن لهم أخطاء في العقيدة لكنها أخطاء نعلم علم اليقين فيما تعرف من أحوالهم أنها حدثت عن اجتهاد" (٤).

стр. 179

المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة . ٦٠ - حدثني بشار بن موسى قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة: "دخلت على عثمان وهو محصور -أنا ورجل من قومي- نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل فوقف بين يدي عثمان وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: يا ابن أخي، وَصَلَتْك، حم، إن القوم ما يريدون غيري، وواللَّه لا أتوقّى بالمؤمنين، ولكن أوقى المؤمنين بنفسي (١)، فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كونٌ، فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد؛ فإن اللَّه لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت، قال بشّار: فحدّث حماد بن زيد (٢)، فرقَّ ودمعت عينه وقال: رحم اللَّه أمير المؤمنين، حوصر نيّفا وأربعين ليلة، لم تبد منة كلمة يكون لمبتدع فيها حجّة" (٣).

стр. 180

التحليل والتعليق تضمن أثر حماد بن زيد السابق، اعتناء السلف بكلامهم وحرصهم على حفظه، حيث أثنى حماد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في وصيته بالجماعة، وحثه على اتباع ما أجمعت عليه الأمة، والكون مع الجماعة حيث كانت، وبيّن أن وجه ذلك كونه يسد أي منفذ يحاول مبتدع النفوذ من خلاله ليبتدع في الدين، وهذه عادة السلف ﵏ أنهم لا يذكرون بعض الكلام ولو كان حقا، حتى لا يتخذ ذريعة للبدع، لا سيما في بعض الأوقات كأوقات الفتن ونحوها، فهذا سفيان الثوري عليه رحمة اللَّه يصفه عمرو بن حسان بقوله: "كان سفيان الثوري نِعْمَ المداوي؛ إذا دخل البصرة حدث بفضائل علي، وإذا دخل الكوفة حدث بفضائل عثمان" (١)، وهذا داخل في السياسة الشرعية، ورعاية المفاسد والمصالح، قال شيخ الإسلام: "ومن العلم ما يضر بعض النفوس؛ لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب، والمال للفاجر" (٢).
следующие страницы →