← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

منها" (١). وأما الحالة الثالثة: أن يكون المقام يتعلق يحانب أعم من التحذير والرد على المبتدع، وإنما يتعلق بتقويم رجل أو جماعة، أو الترجمة التاريخية، والبحث العلمي، فقد جرت عادة العلماء في مثل هذه المواطن ذكر كل ما يروى عن المترجم له، من حسنات وسيئات، فكتب التاريخ تجد فيها كل ما يتعلق بالمترجم له، ولو كان صاحب بدعة، وتجد في تقويم شيخ الإسلام ابن تيمية لكثير من الطوائف، ذكر بعض حسناتهم، وأحيانا كثيرة يقارن بين جماعة وأخرى، وبيان أيها أفضل مع اجتماعهم في البدعة عموما، كمقارنته بين الخوارج والروافض، والمعتزلة والأشاعرة، وهكذا (٢)، بل إنك لتجد له كلاما عاما في هذا الموضوع، كقوله ﵀: "معلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم" (٣)، وقال ﵀ في معرض كلامه عن الأشعري وموقف بعض الحنابلة منه ومن توبته: "الصواب الذي عليه أهل السنة والجماعة أنه قد يجتمع في الشخص الواحد والطائفة الواحدة ما يحمد به من الحسنات، وما يذم به من السيئات، وما لا يحمد به ولا يذم من المباحث، والعفو عنه من الخطأ والنسيان، بحيث يستحق الثواب على حسناته، ويستحق العقاب

стр. 177

على سيئاته، بحيث لا يكون محمودا ولا مذموما على المباحات والمعفوات، وهذا مذهب أهل السنة في فساق أهل القبلة ونحوهم. . . ولهذا يكثر في الأمة من أئمة الأمراء وغيرهم من يجتمع فيه الأمران فبعض الناس يقتصر على ذكر محاسنه ومدحه غلوا وهوى، وبعضهم يقتصر على ذكر مساويه غلوا وهوى، ودين اللَّه بين الغالي فيه والجافي عنه، وخيار الأمور أوسطها، ولا ريب أن للأشعري في الرد على أهل البدع كلاما حسنا، هو من الكلام المقبول الذي يحمد قائله إذا أخلص فيه النية، وله أيضا كلام خالف به بعض السنة هو من الكلام المردود الذي يذم به قائله إذا أصرَّ عليه بعد قيام الحجة، وإن كان الكلام الحسن لم يخلص فيه النية والكلام السيء كان صاحبه مجتهدا مخطئا مغفورا له خطأه لم يكن في واحد منهما مدح ولا ذم، بل يحمد نفس الكلام المقبول الموافق للسنة، ويذم الكلام المخالف للسنة، وإنما المقصود أن الأئمة المرجوع إليهم في الدين مخالفون للأشعري في مسألة الكلام، وإن كانوا مع ذلك معظمين له في أمور أخرى، وناهين عن لعنه وتكفيره، ومادحين له بما له من المحاسن" (١). وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ السؤال التالي: "ما رأيكم فيمن إذا أراد أن يقوِّم شخصًا، لا يذكر ما لديه من خير بل يذكر مساوئه فقط؟ ، فقال ﵀ جوابًا على ذلك: "هذا من الإجحاف والجور؛ لأن اللَّه يقول في كتابه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ

стр. 178

لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١)، فنهانا اللَّه أن يحملنا بغض قوم على عدم العدل، بل أمرنا أن نقول العدل، وقد أقر اللَّه تعالى الحق الذي صدر من المشركين، وأقر النبي ﷺ الحق الذي صدر من اليهود، قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ (٢)، فكان الجواب: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ فأبطل قولهم: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ لأنها باطل، وسكت عن قولهم: ﴿وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ لأنها حق. . . والواجب على من أراد أن يقوِّم شخصًا تقويمًا كاملًا (٣)، إذا دعت الحاجة أن يذكر مساوئه ومحاسنه، وإذا كان ممن عرف بالنصح للمسلمين أن يعتذر عما صدر من المساوئ، مثلًا نحن نرى العلماء كابن حجر والنووي وغيرهما ممن لهم أخطاء في العقيدة لكنها أخطاء نعلم علم اليقين فيما تعرف من أحوالهم أنها حدثت عن اجتهاد" (٤).

стр. 179

المطلب السابع: الآثار الواردة في الحذر من الكلام الذي يكون للمبتدع فيه حجة . ٦٠ - حدثني بشار بن موسى قال: أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك قال: حدثني يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة: "دخلت على عثمان وهو محصور -أنا ورجل من قومي- نستأذنه في الحج، فأذن لنا، فلما خرجت استقبلني الحسن بن علي بالباب، فدخل وعليه سلاحه، فرجعت معه، فدخل فوقف بين يدي عثمان وقال: يا أمير المؤمنين، ها أنذا بين يديك فمرني بأمرك، فقال له عثمان: يا ابن أخي، وَصَلَتْك، حم، إن القوم ما يريدون غيري، وواللَّه لا أتوقّى بالمؤمنين، ولكن أوقى المؤمنين بنفسي (١)، فلما سمعت ذلك منه قلت له: يا أمير المؤمنين، إن كان من أمرك كونٌ، فما تأمر؟ قال: انظروا ما أجمعت عليه أمة محمد؛ فإن اللَّه لا يجمعهم على ضلالة، كونوا مع الجماعة حيث كانت، قال بشّار: فحدّث حماد بن زيد (٢)، فرقَّ ودمعت عينه وقال: رحم اللَّه أمير المؤمنين، حوصر نيّفا وأربعين ليلة، لم تبد منة كلمة يكون لمبتدع فيها حجّة" (٣).

стр. 180

التحليل والتعليق تضمن أثر حماد بن زيد السابق، اعتناء السلف بكلامهم وحرصهم على حفظه، حيث أثنى حماد على أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ في وصيته بالجماعة، وحثه على اتباع ما أجمعت عليه الأمة، والكون مع الجماعة حيث كانت، وبيّن أن وجه ذلك كونه يسد أي منفذ يحاول مبتدع النفوذ من خلاله ليبتدع في الدين، وهذه عادة السلف ﵏ أنهم لا يذكرون بعض الكلام ولو كان حقا، حتى لا يتخذ ذريعة للبدع، لا سيما في بعض الأوقات كأوقات الفتن ونحوها، فهذا سفيان الثوري عليه رحمة اللَّه يصفه عمرو بن حسان بقوله: "كان سفيان الثوري نِعْمَ المداوي؛ إذا دخل البصرة حدث بفضائل علي، وإذا دخل الكوفة حدث بفضائل عثمان" (١)، وهذا داخل في السياسة الشرعية، ورعاية المفاسد والمصالح، قال شيخ الإسلام: "ومن العلم ما يضر بعض النفوس؛ لاستعانتها به على أغراضها الفاسدة، فيكون بمنزلة السلاح للمحارب، والمال للفاجر" (٢).

стр. 181

المطلب الثامن: الآثار الواردة في تورع السلف عن أفعالٍ خشية أن تكون بدعة . ٦١ - حدثني محمد، ثنا مالك بن إسماعيل قال: حدثني عبد السلام ابن حرب، عن خلف بن حوشب قال: قال الربيع بن أبي راشد: "اقرأ عليّ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ (١)، قال: فقرأتها عليه , فبكى ثم قال: "واللَّه لولا أن تكون بدعة، لسحت -أو قال: لهِمت- في الجبال" (٢). ٦٢ - حدثني القاسم بن هاشم قال: حدثني علي بن عياش، عن إسماعيل بن عياش، ثنا أبو بكر بن عبد اللَّه، عن حبيب بن عبيد، عن العرباض بن سارية (٣) أنه كان يقول: "ولا أن يقال: فعل أبو نجيح، لألحقت مالي سُبُلَه، ثم لحقت واديا من أودية لبنان، فعبدت اللَّه حتى أموت" (٤).

стр. 182

٦٣ - قال أحمد: حدثني عمرو بن محمد بن أبي رزين قال: "ذكر بعض أصحابنا أن مالك بن دينار قال عند الموت: "لولا أني أخاف أن يكون بدعة لأمرتكم إذا أنا متّ فشُدَّت يدي بشريط، فإذا أنا قدمت على اللَّه فسألني وهو أعلم: ما حملك على ما صنعت؟ قلت: يا رب لم أرض لك نفسى قط" (١). التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة تورع السلف وإحجامهم عن بعض الأفعال

стр. 183

خشية أن تكون داخلة في البدعة، وذلك أن مسؤولية العالم عظيمة أمام اللَّه, لأنه محل القدوة، والناس ينظرون إليه ليأخذوا عنه، وقد عقد الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀ بابا بعنوان: اجتناب العالم ما يتورّط بسببه العامة فقال: "هذا باب من أبواب الدين، موضوعه إصلاح المعتقدات في العبادات، وتنبيه العامة، حكم ما ألفوه من العادات" (١)، قال الطرطوشي ﵀ لا تكلم عن التعريف (٢): "اعلموا -رحمكم اللَّه- أن هؤلاء الأئمة علموا فضل الدعاء يوم عرفة، ولكن علموا أن ذلك بموطن عرفة، لا في غيرها، ولا منعوا من خلا بنفسه، فحضرته نية صادقة أن يدعو اللَّه تعالى، وإنما كرهوا الحوادث في الدين، وأن يظنّ العوام أن من سنة يوم عرفة لسائر الآفاق الاجتماع والدعاء، فيتداعى الأمر إلى أن يدخل في الدين ما ليس منه" (٣)، وقال أبو شامة ﵀: "إن الرجل العالم المقتدى به، والمرموق بعين الصلاح, إذا فعلها أي صلاة الرغائب كان موهما للعامة أنها من السنن، كما هو الواقع، فيكون كاذبا على رسول اللَّه ﷺ بلسان الحال، ولسان الحال قد يقوم مقام لسان القال وأكثر ما أوتي الناس في البدع بهذا السبب، يظن في شخص أنه من أهل العلم والتقوى، وليس في نفس الأمر كذلك، فيرمقون أقواله وأفعاله، فيتبعونه في ذلك فتفسد أمورهم. . . فلا ينبغي للعالم أن يفعل ما يتورط العوام

стр. 184

بسبب فعله، في اعتقاد أمر على مخالفة الشرع" (١)، ولما تكلم الشاطبي ﵀ عن ترك السلف لبعض الأمور الجائزة أو المستحبة وجَّه ذلك بقوله: "فهذه أمور جائزة، أو مندوب إليها، ولكنهم كرهوا فعلها خوفًا من البدعة؛ لأن اتخاذها سنة إنما هو بأن يواظب الناس عليها مظهرين لها، وهذا شأن السنة، وإذا جرت مجرى السنن صارت من البدع بلا شك" (٢). وعدّ ﵀ هذا من أسبالب نشأة البدع فقال: "فالبدعة تنشأ عن أربعة أوجه: أحدها: -وهو أظهر الأقسام- أن يخترعها المبتدع. والثاني: أن يعمل بها العالم على وجه المخالفة، فيفهمها الجاهل مشروعة. والثالث: أن يعمل بها الجاهل مع سكودت العالم عن الإنكار، وهو قادر عليه، فيفهم الجاهل أبها ليست بمخالفة. والرابع: من باب الذرائع، وهي أن يكون العمل في أصله معروفًا، إلا أنه يتبدل الاعتقاد فيه مع طول العهد بالذكرى. إلا أن هذه الأقسام ليست على وزان واحد، ولا يقع اسم البدعة عليها بالتواطؤ، بل هي في القرب والبعد على تفاوت، فالأول هو الحقيق باسم البدعة. . . ويليه القسم الثاني. . . ويليه القسم الثالث. . . ويليه القسم الرابع" (٣).

стр. 185

المبحث الثالث: الآثار الوادة في أحكام المبتدعة في الدنيا والآخرة . وفيه مطلبان: المطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا. المطلب الثاني: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الآخرة.

стр. 186

المطلب الأول: الآثار الواردة في أحكام المبتدعة في الدنيا . وفيه سبع مسائل: المسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم. المسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم. المسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم. المسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم. المسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم. المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في رمضان. المسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم.

стр. 187

المسألة الأولى: الآثار الواردة في حكم غيبتهم . ٦٤ - حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد الرحمن بن مَغراء، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال: "ثلاث كانوا لا يعدوهن من الغيبة: الإمام الجائر، والمبتدع، والفاسق المجاهر بفسقه" (١). ٦٥ - بلغني عن أحمد بن عمران الأخنسي، حدثنا سليمان بن حيان، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: "ثلاثة ليس لهم غيبة: الظالم، والفاسق، وصاحب البدعة" (٢) ٦٦ - حدثني محمد, حدثنا يحيى بن أبي بكير، عن شريك، عن عقيل، عن الحسن ﵁ قال: "ثلاثة ليس لهم غيبة: صاحب

стр. 188

هوى، والفاسق المعلن بالفسق، والإمام الجائر" (١). ٦٧ - حدثني أبي، أنبأنا علي بن شقيق، أنبأنا خارجة، حدثنا ابن جابان، عن الحسن رفعه قال: "ثلاثة لا تحرم عليك أعراضهم: المجاهر بالفسق، والإمام الجائر، والمبتدع" (٢). ٦٨ - حدثنا علي بن الجعد، أنبأنا الربيع بن صَبيح، عن الحسن ﵁

стр. 189

قال: "ليس لمبتدع غيبة" (١). ٦٩ - حدثني محمد بن عباد بن موسى، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، عن همام عن قتادة قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "ليس لفاجر حرمة، وكان رجل قد خرج مع يزيد بن المهلب (٢)، فكان الحسن إذا ذكره هرته (٣) " (٤).

стр. 190

٧٠ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا حسين الجعفي، عن هانئ بن أيوب قال: سألت محارب بن دثار (١) عن غيبة الرافضة (٢)؟ ، قال:

стр. 191

"إنهم إذًا لقومٌ صُدُق (١) " (٢). ٧١ - حدثني محمد، حدثنا مروان بن معاوية، عن زائدة بن قدامة قال: قلت لمنصور بن المعتمر (٣): "إذا كنت صائما أنال من السلطان؟ قال: لا، قلت: فأنال من أصحاب الأهواء؟ قال: نعم" (٤).

стр. 192

٧٢ - حدثنا عبيد اللَّه بن جرير، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا المبارك، عن الحسن ﵁ قال: "إذا ظهر فجوره فلا غيبة له، قال: نحو المخنث، ونحو الحرورية (١) " (٢). ٧٣ - حدثني عبيد اللَّه، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا الصلت ابن طريف المغولي قال: سمعت الحسن ﵁ قلت: رجل قد علمتُ عنه الفجور، وقتلتُه علما، أفذكري له غيبة؟ قال: "لا، ولا نعمت عين للفاجر" (٣).

стр. 193

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة جواز غيبة المبتدع، وأن ذلك ليس من الغيبة المحرمة التي في الشرع عنها، وقد تضمنت الآثار أن الغيبة تشرع لمن أظهر بدعته، أو أصرَّ عليها مع بيان الحق له كما في أثر الحسن مع الصلت بن طريف وهذا يرجع إلى الأول فإنه نوع من الإظهار، أو كانت بدعته تخرجه عن العدالة كبدعة الرفض كما في أثر محارب بن دثار، وقد بيّن العلماء متى تجوز غيبة المسلم فلم يختلفوا على إيراد المبتدع في جملة ذلك، وقد حصرت في أسباب أوردها النووي فقال: "اعلم أن الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي، لا يمكن الوصول إليه إلا بها، وهو ستة أسباب: -ثم ذكرها ومنها- الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه: . . . منها إذا رأى متفقه يتردد إلى مبتدع أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر التفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه، وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك. . . الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته. . . فيجوز ذكره بما يجاهر

стр. 194

به ويحرم ذكره بغيره من العيوب إلا أن يكون لجوازه سبب آخر مما ذكرناه" (١). وقد شرح شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الأسباب فقال: "الشخص المعين فيذكر ما فيه من الشر في مواضع. . . ومنها أن يكون على وجه النصيحة للمسلمين في دينهم ودنياهم. . . وإذا كان النصح واجبا في المصالح الدينية الخاصة والعامة، مثل نقلة الحديث الذين يغلطون أو يكذبون. . . ومثل أئمة البدع: من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة، أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة، فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل، فبَيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل اللَّه؛ إذ تطهير سبيل اللَّه ودينه ومنهاجه وشرعته، ودفع بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجب على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه اللَّه لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين" (٢). وقد نبّه العيني ﵀ إلى فائدة مهمة في غيبة أهل البدع بعد موتهم، حيث ناقش الأسباب الستة التي أوردها النووي وغيره، ثم علق

стр. 195

عليها بقوله: "ذكر الغزالي والنووي إباحة العلماء الغيبة في ستة مواضع، فهل تباح في حق الميت أيضا؟ وأن ما جاز غيبة الحي به جازت غيبة الميت به؟ أم يختص جواز الغيبة في هذه المواضع المستثناة بالأحياء؟ ينبغي أن ينظر في السبب المبيح للغيبة: إن كان قد انقطع بالموت كالمصاهرة والمعاملة، فهذا لا يذكر في حق الميت؛ لأنه قد انقطع ذلك بموته، وإن لم ينقطع ذلك بموته كجرح الرواة، وكونه يؤخذ عنه اعتقاد أو نحوه، فلا بأس بذكره به ليحذر ويتجنب" (١).

стр. 196

المسألة الثانية: الآثار الواردة في حكم لعنهم . ٧٤ - حدثني هارون بن عبد اللَّه، حدثني محمد بن أبي كبشة (١) قال: "سمعت هاتفا في البحر ليلا، فقال: كذب المريسي (٢) على اللَّه ، ثم هتف ثانية فقال: لا إله إلا اللَّه، على ثمامة (٣) والمريسي لعنة اللَّه، قال: وكان معنا في المركب رجل من أصحاب بشر المريسي فخر ميتا" (٤).

стр. 197

التحليل والتعليق تضمن أثر ابن أبي كبشة ﵀ جواز لعن المبتدع المعين، وقد أتى ما يؤيد فعل هذا الهاتف عن بعض السلف فقد أورد الشاطبي ﵀ أثرا عن أبي داود فيه أنه ما: "لعن أحدًا قط إلا رجلين: أحدهما: رجلٌ ذكر له أنه لعن مالكًا، والآخر: بشر المريسي" (١)، وكذا جاء عن وكيع لعنة المريسي (٢)، والإمام مالك لعن بشرا كذلك (٣). ولا شك أن الأصل أن ينزه المسلم لسانه عن اللعن والسب بأنواعه، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا ينبغي للصديق أن يكون لعانا" (٤)، قال ابن ناصر الدين الدمشقي فيما نقله عن النووي: "اتفق العلماء على تحريم اللعن، فإنه في اللغة: الإبعاد والطرد، وفي الشرع: الإبعاد من رحمة اللَّه، فلا يجوز أن يبعد من رحمة اللَّه من لا يعرف حاله وخاتمة أمره معرفة قطعية؛ فلهذا قالوا: لا يجوز لعن أحد بعينه مسلما كان، أو كافرا، أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه، كأبي جهل،

стр. 198

وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة" (١)، ومن منهج السلف أنهم لا يعيِّنون في نصوص الوعيد، وإنما يطلقون الكلام على النوع دون الأعيان، قال شيخ الإسلام: "إن نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعين شخص من الأشخاص، فيقال: هذا ملعون ومغضوب عليه، أو مستحق للنار، لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات. . . لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة، أو استغفار، أو حسنات ماحية، أو مصائب مكفرة، أو شفاعة، أو لمحض مشيئته ورحمته. . . فإذا قلنا بموجب -وذكر بعض نصوص الوعيد- إلى غير ذلك من أحاديث الوعيد لم يجز أن نعين شخصا ممن فعل بعض هذه الأفعال، ونقول: هذا المعين قد أصابه هذا الوعيد" (٢). هذه القاعدة العامة التي بنى أهل السنة عليها منهجهم، ولهذا فإن ما صدر عن بعضهم من لعن بعض أعيان أهل البدع؛ عده بعض العلماء نزاعا في المسألة ثم ذكروا له توجيها، قال شيخ الإسلام: "في لعنة المعين إذا كان فاسقا أو داعيا إلى بدعة نزاع" (٣)، وقال في توجيه ذلك: "من

стр. 199

جوَّز من أهل السنة والجماعة لعنة الفاسق المعين؛ فإنه يقول: يجوز أن أصلي عليه وأن ألعنه؛ فإنه مستحق للثواب مستحق للعقاب؛ فالصلاة عليه لاستحقاقه الثواب، واللعنة له لاستحقاقه العقاب، واللعنة البعد عن الرحمة، والصلاة عليه سبب للرحمة، فيرحم من وجه ويبعد عنها من وجه" (١)، كما ذكر ابن حجر ﵀ بعض التوجيهات الأخرى فقال: "قيل إن المنع -أي من لعن المعين- خاص بما يقع في حضرة النبي ﷺ لئلا يتوّهم الشارب عند عدم الإنكار -أي إنكار النبي ﷺ على من لعنه- أنه مستحق لذلك -أي اللعن- فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه، وإلى ذلك الإشارة بقوله في حديث أبي هريرة: "لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم"، وقيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد؛ لأن الحد قد كفر عنه الذنب المذكور، وقيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة، والجواز مطلقا في حق المجاهرين، وصوَّب ابن المنير أن المنع مطلقا في حق المعين، والجواز في حق غير المعين. . . واحتج شيخنا الإمام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو في الصحيح (٢)، وقد توقف فيه بعض من يقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم، وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها، والذي قاله شيخنا أقوى؛ فإن

стр. 200

الملك معصوم، والتأسي بالمعصوم مشروع، والبحث في جواز لعن المعين وهو الموجود" (١). وقال ﵀: "الحق أن من منع اللعن -لعن الفاسق المعين- أراد به معناه اللغوي، وهو الإبعاد من الرحمة، وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم، بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع عن المعصية، والذي أجازه أراد به معناه العرفي وهو مطلق السب، ولا يخفي أن محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر، وأما حديث الباب فليس فيه إلا أن الملائكة تفعل ذلك ولا يلزم منه جوازه على الإطلاق" (٢)، وزاد ابن عابدين معنى آخر وهو أن المراد باللعن في حق المسلم الفاسق الطرد عن منازل الأبرار وليس الطرد من رحمة اللَّه فجاز بهذا الاعتبار (٣). والذي يظهر لي من خلال هذه النقولات أن من ثبت عنه لعن المبتدع المعين فإما أن يكون ذلك من باب مطلق السب والحط عليه والإذلال والصغار، أو أنه ترجح له كفره، فإن السلف مطبقون على كفر الجهمية عموما (٤)، ونقل عن بعضهم تكفير بعض أعيانهم واللَّه أعلم (٥).

стр. 201

المسألة الثالثة: الآثار الواردة في حكم تزويجهم . ٧٥ - حدثنا أحمد بن إبراهيم، حدثني أبو مسلمة (١) المنقري قال: سمعت سلّام بن أبي مطيع (٢) يقول: "لا أعلمه يحلّ لرجل أن يزوِّج صاحب بدعة، ولا صاحب الشراب، أما صاحب البدعة فيدخل ولده النار، وأما صاحب الشراب فيطلق ولده (٣) ولا يعلم، ويفعل ويفعل" (٤). التحليل والتعليق تضمن أثر سلام بن أبي مطيع تحريم تزويج الرجل موليته رجلا مبتدعا، معللا ذلك بأنه يدخل ابنه النار، وقد سبق بيان أن البدع من جملة المعاصي، كما سبق بيان ن بعضها يكون كفرا، وبعضها يكون من الكبائر، فلا شك أن صاحب البدعة معرض للوعيد، وهذه المسألة بحثها

стр. 202

الفقهاء في مباحث الكفاءة في النكاح، حيث ذكروا أن المبتدع لا يكون كفؤا للسنية (١)، وقال ابن قدامة في المغني: "فصل فأما أهل البدع؛ فإن أحمد قال في الرجل يزوج الجهمي: يفرق بينهما، وكذلك إذا زوّج الوَاقِفِيّ إذا كان يخاصم ويدعو، وإذا زوَّج أخته من هؤلاء اللقطة، وقد كتب الحديث فهذا شر من جهمي يفرق بينهما" (٢)، وهذا الأمر راجع إلى هجر المبتدع والابتعاد عنه ومفاصلته، قال الشاطبي في تعداد الأحكام التي تلحق بالمبتدع: "الحادي عشر: الأمر بأن لا يناكحوا، وهو من ناحية الهجران، وعدم المواصلة" (٣). ولما كان هذا الأمر من باب الهجر ينظر إلى أحوال المبتدع وحال بدعته، فمن كانت بدعته مكفرة فهو أشد نهيا؛ لأنه لا ولاية للكافر على المسلم، قال شيخ الإسلام عند كلامه على كفر الجهمية والرافضة، وما نقل عن السلف في ذلك وفي فيهم عن تزويجهم وعيادتهم وغير ذلك: "فإن هاتين الفرقتين هما أعظم الفرق فسادا في الدين، وأصلهما من الزنادقة المنافقين، ليستا من ابتداع المتأولين، مثل: قول الخوارج والمرجئة والقدرية؛ فإن هذه الآراء ابتدعها قوم مسلمون بجهلهم، قصدوا بها طاعة اللَّه فوقعوا في معصيته، ولم يقصدوا بها مخالفة الرسول ولا محادته، بخلاف

стр. 203

الرفض والتجهم فإن مبدأهما من قوم منافقين، مكذبين لما جاء به الرسول، مبغضين له، لكن التبس أمر كثير منهم على كثير من المسلمين الذين ليسوا بمنافقين ولا زنادقة، فدخلوا في أشياء من الأقوال والأفعال التي ابتدعها الزنادقة والمنافقون، ولبسوا الحق بالباطل وفي المسلمين سماعون للمنافقين" (١)، ومن كانت بدعته غير مكفرة فهو على أحوال أيضًا: "التعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات، وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة، والتظاهر بالمظالم والفواحش، والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع، وهذا حقيقة قول من قال من السلف والأئمة إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ العلم، ولا يناكحون فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا، ولهذا يفرقون بين الداعية وغير الداعية؛ لأن الذاعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة، بخلاف الكاتم فإنه ليس شرا من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى اللَّه مع علمه بحال كثير منهم" (٢)، ولما تكلم ﵀ عن بعض أنواع الهجر الذي شرع تعزيرا للمبتدع كرد شهادته وروايته وعدم الصلاة خلفه قال: "تنازع الفقهاء في الصلاة خلف أهل الأهواء والفجور؛ منهم من أطلق الإذن، ومنهم من أطلق المنع، والتحقيق: أن الصلاة خلفهم لا ينهى عنها لبطلان صلاتهم في

стр. 204

نفسها، لكن لأنهم إذا أظهروا المنكر استحقوا أن يهجروا، وأن لا يقدموا في الصلاة على المسلمين، ومن هذا الباب ترك عيادتهم، وتشييع جنائزهم، كل هذا من باب الهجر المشروع في إنكار المنكر للنهي عنه، وإذا عرف أن هذا هو من باب العقوبات الشرعية علم أنه يختلف باختلاف الأحوال، من قلة البدعة وكثرتها، وظهور السنة وخفائها، وأن المشروع قد يكون هو التأليف تارة والهجران أخرى" (١).

стр. 205

المسألة الرابعة: الآثار الواردة في حكم من خالطهم . ٧٦ - حدثنا أحمد بن إسماعيل البتي، حدثني عبد اللَّه بن قريش البخاري، عن أبي توبة، عبد اللَّه بن المبارك قال: قال الأوزاعي (١): "من خفيت علينا بدعته فلن تخفي علينا أُلفته" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر الأوزاعي ﵀ أن من خالط المبتدع فهو منهم، وقد بين القرطبي ﵀ الاستدلال على هذه المسألة من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ (٣) فقال: "ومضى في النساء

стр. 206

وهذه السورة النهي عن مجالسة أهل البدع والأهواء، وأن من جالسهم حكمه حكمهم. . . فألحق -أي اللَّه في الآيتين- من جالسهم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من أئمة هذه الأمة، وحكم بموجب هذه الآيات في مُجَالِسِ أهلِ البدع على المعاشرة والمخالطة، منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وابن المبارك، فإنهم قالوا في رجل شأنه مجالسة أهل البدع، قالوا: ينهى عن مجالستهم، فإن انتهى وإلا ألحق بهم يعنون في الحكم" (١)، ولما تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية على بعض المبتدعة الباطنية قال: "من كان محسنا للظن بهم، وادَّعى أنه لم يعرف حالهم، عُرِّف حالهم؛ فإن لم يباينهم ويظهر لهم الإنكار، وإلا أُلحق بهم، وجُعل منهم" (٢). وعليه فيجوز التحذير منه ومنابذته ليحذره الناس، وقد سئل شيخ الإسلام عن: "الشهادة على العاصي والمبتدع، هل تجوز بالاستفاضة والشهرة، أم لا بد من السماع والمعاينة؟ وإن كانت الاستفاضة في ذلك كافية، فمن ذهب إليه من الأئمة وما وجه حجته؟ " فأجاب ﵀: "ما يجرح به الشاهد وغيره، مما يقدح في عدالته ودينه، فإنه يشهد به إذا علمه الشاهد به بالاستفاضة، ويكون ذلك قدحا شرعيا كما صرح بذلك طوائف الفقهاء من المالكية والشافعية والحنبلية. . . هذا إذا كان المقصود تفسيقه لرد شهادته وولايته، وأما إذا كان المقصود التحذير منه واتقاء

стр. 207

شره فيكتفي بما دون ذلك، كما قال عبد اللَّه بن مسعود: "اعتبروا الناس بأخدانهم"، وبلغ عمر بن الخطاب ﵁ أن رجلا يجتمع إليه الأحداث فنهى عن مجالسته، فإذا كان الرجل مخالطا في السير لأهل الشر يحذر عنه" (١). وذلك أن من خالط أهل البدع وباسطهم، إما أن يكون منهم متخف ببدعته لحاجة في نفسه، وإما أنه داخله شيء من أهوائهم، ومن كان كذلك وجب الحذر منه ولو لم نتيقن أنه منهم، وباب الحذر غير باب الحكم على الشخص كما بيّنه شيخ الإسلام في النقل السابق، وقال القرطبي ﵀ مبينا خطورة المخالَطَة على المخالِط: "نهى اللَّه المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وَوُلَجَاء يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أموالهم، ويقال: كل من كان على خلاف مذهبك ودينك فلا ينبغي لك أن تحادثه" (٢).

стр. 208

المسألة الخامسة: الآثار الواردة في حكم مجالستهم . ٧٧ - حدثني أبو بكر بن أبي النضر، حدثنا سعيد بن عامر، عن حزم، عن غالب القطان قال: "رأيت مالك بن دينار في المنام وعليه نحو من ثيابه في مسجده، وهو يقول: صنفان من الناس لا تجالسوهما: صاحب دنيا مترف فيها، وصاحب بدعة قد غلا فيها، ثم قال: حدثني بهذا الحديث حكيم، وكان رجلا من جلسائه يقال له: حكيم، قال: وكان معنا في الحلقة، قال: قلت: يا حكيم أنت حدثت مالكا بهذا الحديث؟ قال: نعم، قلت: عن من؟ قال: عن المقامع (١) من المسلمين" (٢). ٧٨ - حدثنا أبو إسحاق الأزدي، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: سألت مالك بن أنس عن القدري والمخنث؛ أيجوز لي أن أجعله سترا بين يدي؟ فقال: "إذا تحققت أنهما كذلك فلا تجعلهما سترة في الصلاة" (٣).

стр. 209

التحليل والتعليق تضمن الأثران السابقان في السلف عن مجالسة أهل البدع، وتحذيرهم من ذلك، حتى إن الإمام مالكا ﵀ نهي أن يتخذ القدري سترة في الصلاة، وهذا أمر مشهور عن السلف، كما قال ابن القيم ﵀ في بيان موقف السلف من البدع التي ظهرت في زمانهم: "فصاح بهم من أدركهم من الصحابة، وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرأوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة وهو أكثر من أن يذكر هاهنا" (١). ونقل ابن العربي عن ابن خويز منداد المالكي: "من خاض في آيات اللَّه تركت مجالسته، وهجر مؤمنا كان أم كافرا، قال: وكذلك منع أصحابنا. . . مجالسة الكفار وأهل البدع، وألا تعتقد مودتهم ولا يسمع كلامهم ولا مناظرتهم"، وقد ذكر البربهاري ﵀ بعض ما يصيب المسلم من مجالسة المبتدع فقال: "أدنى ما كان يصيب الرجل من مجالستهم: أن يشك في دينه، أو يتابعهم، أو يرى رأيهم على الحق، ولا يدري أنهم على حق أو على باطل، فصار شاكا فهلك" (٢). كما أن من مقاصد النهي عن مجالستهم ولو كان العبد قادرا على

стр. 210

مناقشتهم ورد باطلهم، محاصرة بدعتهم وعدم نشرها، قال شيخ الإسلام: "يوجد في كلام كثير منهم -أي السلف- من النهي عن مجالسة أهل البدع، ومناظرتهم ومخاطبتهم، والأمر بهجرانهم، وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم؛ فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون، وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته، فإنه يجب منعه من ذلك فإذا هُجر وعُزِّر. . . أو قُتِل، كان ذلك هو المصلحة" (١).

стр. 211

المسألة السادسة: الآثار الواردة في حكم مغفرة ذنوبهم في شعبان . ٧٩ - حدثنا إبراهيم قال: نا ابن المبارك قال: أنا الحجاج، عن مكحول، عن كثير بن مرّة (١) قال: "يغفر اللَّه فيه (أي: شهر شعبان) من الذنوب إلا لمشرك أو مشاحن، قال عبد اللَّه: سمعت الأوزاعي يفسر المشاحن فقال: "كل صاحب بدعة فارق عليها أمّته" (٢). التحليل والتعليق تضمن أثر الأوزاعي ﵀ بيان خطورة البدع وأن أهلها مستثنون

стр. 212

من بعض الفضل الذي يناله المؤمنون في الدنيا، وفسّر المشاحن الذي يستثني من المغفرة في شهر شعبان، بأنه المبتدع الفارق للجماعة، وقد بيّن الإمام أحمد وجه ذلك بقوله: "المراد بالمشاحن في حديث عائشة: أهل البدع، لأنهم يشاحنون أهل السنة ويعادونهم" (١)، ولا جرم أن هذا حال أهل البدع فإنهم يدخلون دخولا أوليا في المشاحن؛ كما تقدم ذكر بعض صفاتهم من كونهم أصحاب خصومات في الدين، وصعافقة وغير ذلك من الصفات السيئة التي يشملها لفظ المشاحن واللَّه أعلم.

стр. 213

المسألة السابعة: الآثار الواردة في حكم قتلهم . ٨٠ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرنا قيس بن الربيع قال: أخبرنا أبو حصين، عن قبيصة قال: "أتي عليّ بزنادقة فقتلهم، ثم حفر لهم حفرتين فأحرقهم فيها، فقال قبيصة شعرا: لِتَرمِ بي الحوادث حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما حُشَّتَا حطبا ونارا ... فذاك الغيّ نقدا غير دين" (١). التحليل والتعليق تضمن أثر قبيصة جواز قتل أصحاب البدع لبدعتهم، وتعزير المبتدع بالقتل أمر مشهور وسنة متبعة من أئمة الإسلام، فكم إمام عزّر مبتدعا زنديقا وعُدّ ذلك من حسناته، قال شيخ الإسلام عن خالد بن عبد اللَّه القسري وهو قاتل الجعد بن درهم يوم الأضحى: "على رؤوس من حضره من المسلمين، لم يعبه به عائب، ولم يطعن عليه طاعن، بل استحسنوا ذلك من فعلم وصوبوه" (٢)، "الداعي إلى البدعة مستحق العقوبة باتفاق المسلمين، وعقوبته تكون تارة بالقتل، وتارة بما دونه، كما

стр. 214

قتل السلف جهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري وغيرهم" (١). ومسألة قتل المبتدع فيها تفصيل طويل في كتب الفقه، وذلك أنها من باب التعزير ولهذا ينظر إلى حال البدعة وحال المبتدع، هل هي مكفرة أو مفسقة؟ ، وهل يستتاب صاحبها أم لا، وهل يقتل حدا أم كفرا، قال شيخ الإسلام: "قتل هؤلاء له مأخذان؛ أحدهما: كون ذلك كفرا، كقتل المرتد، أو جحودا أو تغليظا، وهذا المعنى يعم الداعي إليها وغير الداعي، وإذا كفروا فيكون قتلهم من باب قتل المرتد، والمأخذ الثاني: لما في الدعاء إلى البدعة من إفساد دين الناس، ولهذا كان أصل الإمام أحمد وغيره من فقهاء الحديث وعلمائهم، يفرقون بين الداعي إلى البدعة وغير الداعي، في رد الشهادة، وترك الرواية عنه، والصلاة خلفه، في الكتب الستة ومسند أحمد الرواية عن مثل عمرو بن عبيد ونحوه، ولم يترك عن القدرية الذين ليسوا بدعاة، وعلى هذا المأخذ فقتلهم من باب قتل المفسدين المحاربين؛ لأن المحاربة باللسان كالمحاربة باليد وهجره ولهذا ترك" (٢). وقد لخّص الإمام الشاطبي ﵀ أحكام المبتدعة تلخيصا دقيقا حمع فيه كل أنواع العقوبات التي تنزل بهم، مع بيان حال البدعة والمبتدع المستحق لذلك على وجه الإجمال فقال: "إن القيام عليهم

стр. 215

بالتثريب، أو التنكيل، أو الطرد، أو الإبعاد، أو الإنكار، هو بحسب حال البدعة في نفسها: من كونها عظيمة المفسدة في الدين، أم لا، وكون صاحبها مشتهرًا بها أو لا، وداعيًا إليها أو لا، ومستطيرًا بالأتباع وخارجًا عن الناس أو لا، وكونه عاملًا بها على جهة الجهل أو لا. وكل من هذه الأقسام له حكم اجتهادي يخصه؛ إذ لم يات في الشرع في البدعة حد لا يزاد عليه ولا ينقص منه، كما جاء في كثير من المعاصي، كالسرقة، والحرابة، والقتل، والقذف، والجراح، والخمر وغير ذلك. لا جرم أن المجتهدين من الأمة نظروا فيها بحسب النوازل، وحكموا باجتهاد الرأي، تفريعًا على ما تقدم لهم في بعضها من النص، كما جاء في الخوارج من الأثر بقتلهم، إما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁ في صبيغ العراقي. فخرج من مجموع ما تكلم فيه العلماء أنواع. إحداهما: الإرشاد والتعليم وإقامة الحجة، كمسألة ابن عباس ﵁ حين ذهب إلى الخوارج فكلمهم حتى رجع منهم ألفان أو ثلاثة آلاف. والثاني: الهجران، وترك لكلام والسلام، حسبما تقدم عن جملة من السلف في هجرانهم لمن تلبس ببدعة، وما جاء عن عمر ﵁ من قصة صبيغ العراقي. والثالث: كما غرب عمر صبيغًا، ويجري مجراه السجن وهو: الرابع: كما سجنوا الحلاج قبل قتله سنين عديدة.
следующие страницы →