← Акыда

Акыда · id 151178

الآثار المروية عن أئمة السلف في العقيدة من خلال كتب ابن أبي الدنيا

حميد بن أحمد نعيجات

Полный текст (1 390 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثالثا: الآثار الواردة في أن اللَّه وصفه بالإحسان . ١٠٦ - نا أحمد بن محمد بن أبي بكر المقدمي (١)، ذكر محمد بن عمرو، ذكر عبيدة بن بكار بن النضر بن عبيد الأزدي، ذكر محمد بن جابر قال: سمعت محمد بن المنكدر في قول اللَّه تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (٢) قال: "هل جزاء من أنعمت عليه بالإسلام إلا الجنة، هل جزاء من قال: لا إله إلا اللَّه إلا الجنة" (٣). ١٠٧ - نا علي بن الجعد قال: سمعت مقاتل بن سليمان (٤) يقول في قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ (٥) قال: "هل جزاء

стр. 247

من قال: لا إله إلا اللَّه إلا الجنة" (١). رابعا: الآثار الواردة في أنه مكفر للذنوب . ١٠٨ - حدثنا محمد بن بشير، حدثنا عبد الرحمن بن جرير (٢) قال: سمعت أبا حازم (٣) يقول: "عند تصحيح الضمائر اغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته الفتوح" (٤). ١٠٩ - ذكر الحسين بن عبد الرحمن، نا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: "أبطأ عن علي بن الحسين (٥) أخ له كان يأنس به، فسأله عن إبطائه، فأخبر أنه مشغول بموت ابن له كان من المسرفين على نفسه، فقال له علي ابن الحسين: "إن من وراء ابنك ثلاث خلال: أما أولها: فشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وأما الثانية: فشفاعة رسول اللَّه ﷺ ، وأما الثالثة: فرحمة اللَّه

стр. 248

عَزَّ وَجَلَّ التي وسعت كل شيء" (١). خامسا: الآثار الواردة في أنه مطهر من الشرك والذنوب . ١١٠ - حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا سفيان بن سعيد، عن حبيب ابن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة (٢) قال: "من وضع وجهه للَّه فقد برئ من الشرك" (٣). ١١١ - حدثني علي بن نصر بن بجير، عن شيخ من قريش قال: قال الحسن: "السجود يذهب بالكبر، والتوحيد يذهب بالرياء" (٤). ١١٢ - حدثني بشر بن معاذ العقدي، حدثني محمد بن عبد اللَّه القرشي، حدثني أبي قال: قال يونس بن عبيد: "لا كبر مع السجود، ولا نفاق مع التوحيد" (٥).

стр. 249

سادسا: الآثار الواردة في أنه عُدَّة أصحاب الكبائر . ١١٣ - ذكر أزهر بن مروان الرقاشي، نا شملة بن هزال (١) أبو الحتروش البختري قال: "سمعت الحسن في جنازة فيها الفرزدق (٢) والقوم حافين بالفتى يتذاكرون الموت فقال الحسن: يا أبا فراس ما أعددت لهذا اليوم، قال: لا واللَّه ما أعددت له إلا شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة، فقال الحسن: أثبت عليها وأبشر، ونحو هذا، وفي غير حديث قال: فقال الحسن: نعمت العدة، نعمت العدة" (٣).

стр. 250

١١٤ - حدثني أبي، عن الأصمعي، عن أبيه، عن لبطة بن الفرزدق (١) قال: "رأيت أبي في النوم فقال: أي بني نفعتني الكلمة التي راجعت بها الحسن عند القبر" (٢). ١١٥ - حدثني محمد بن عباد بن موسى العكلي قال: حدثني أبي، ثنا سفيان بن حسين قال: "ماتت نوّارة بنت أعين بن ضبيعة النجاشي امرأة الفرزدق، فخرج الحسن في جنازتها، فلما سوّي عليها التراب قام الفرزدق فأنشأ يقول:

стр. 251

أخاف وراء القبر إن لم تعافني ... أشدّ من القبر التهابا وأضيقا إذا جاءني يوم القيامة قائد عنيف ... وسواق يسوق الفرزدقا لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القيادة أزرقا قال: وكان واللَّه يبكي الناس يومئذ، قال: فقال الحسن: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: أنت خير الناس، وأنا شر الناس، قال: لست بخير الناس، ولا أنت بشر الناس، قال: ما أعددت لذلك اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ سبعين سنة، قال الحسن: خذها من غير فقيه (١) " (٢). ١١٦ - حدثنا أزهر بن مروان الرقاشي، ثنا شملة بن هزال قال: سمعت الحسن في جنازة فيها الفرزق والقوم حافّين بالقبر يتذاكرون الموت، فقال الحسن: "يا أبا فراس ما أعددت لذلك اليوم؟ قال: شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة، فقال الحسن: اثبت عليها وأبشر، قال أبو محمد: وزاد بعض أصحابنا إن الفرزدق قال: فذكر الثلاثة الأبيات، قال: فبكى الحسن" (٣). ١١٧ - ذكر محمد بن الحسين، ذكر عبد اللَّه بن محمد القرشي، نا عمرو بن الزبير قال: "مات سلمة بن عباد بن منصور (٤) قال: فاجتمعنا

стр. 252

عند أبيه قال: وحزن عليه أبوه حزنا شديدا فقال له أصحابه: يا أبا سلمة إن كنت حريا أن لا يظهر منك هذا الجزع، فقال: إني واللَّه ما أبكي على ألفه، ولا على فراقه، ولكنه مات على حال كنت أحب أن يموت على حال أحسن منها، قال: فلما وضعه في قبره قال: أما واللَّه يا بني لقد صرت إلى أرحم الراحمين، قال: فاجتمعنا عنده من الغد، قال له رجل: يا أبا سلمة أُريت سلمة البارحة فيما يرى النائم فقلت له: ما صنعت؟ قال: غفر لي، فقلت: بماذا؟ قال: مررت بمؤذّن آل فلان يوما وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فتشهدت معه، فكأنه خفف عنه حزنه" (١). سابعا: الآثار الواردة في أنه أعظم ما حورب به إبليس . ١١٨ - حدثنا داود بن عمرو، حدثنا عباد بن العوام، أنبأنا حصين قال: سمعت مجاهدا (٢) يقول: "قلَّ ما ذَكَر الشيطان قوم إلا حضرهم، فإذا

стр. 253

سمع أحدا يلعنه قال: لقد لَعَنتَ مُلَعَّنًا، ولا شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا اللَّه" (١). ثامنا: الآثار الواردة في الجزاء العظيم الذي أُعَدَّ لصاحبه . ١١٩ - حدثني محمد بن المغيرة التميمي قال: وجدت في كتاب جدي علي بن طالب بن يزيد الحنفي، ثنا الثمالي (٢): "أن رجلا خرج بالمدينة يتنزّه، فإذا بصوت من قبر ينادي شعرا: هذا أبونا قد أتانا زائرا ... أحبب به زورا إلينا باكرا وخير ميّت ضمن المقابر ... جُدَّ إلينا يا عبيد سائرا قد وحّد اللَّه زمانا صابرا ... عُوِّض من توحيده أساورا في جنّة الفردوس نزلا فاخرًا فقلت: لا أبرح اليوم حتى أعلم ما هذا الصوت الذي سمعت، ومن هذا الميّت، فجيء يحنازة رجل، فسألتهم عنه، فقيل لي: هذا رجل من الأنصار من بني سلمة، وهذا ابنه عبيد، وهذه ابنته عبيدة، فدفنوه بينهما،

стр. 254

فانصرفوا" (١). ١٢٠ - حدثني محمد بن المثنى قال: ومن كتاب جدي: ثنا الكلبي: "أن رجلا مات بالمدينة فَوَلِهَ (٢) به أبوه وَلَهًا شديدا، وإن أباه أري في منامه أن ائت قبر ابنك فودّعه، فخرج يمشي حتى أتى قبره، وهو رجل لا يقول الشعر، فألقي على لسانه أن قال: يا صاحب القبر الذي قد استوى ... هجت لي حزنا على طول البلى حزنا طويلا يأتي ما انقضى ... مر غصص الموت وغم قد برى وضغطة القبر التي فيها الأذى إن الرجل انصرف فنودي من خلفه: اسمع أحدثك بأمر قد أصابنا ... بخبر أوضح من ضوء الضحى عن غصص الموت وهم قد جلى ... وفرج نفسه بعد الرضى للقول بالتوحيد فيما قد خلا ... أثبت من ذاك جزيلا وعى جنان فردوس رضى للفتى ... يدعو فيها بائعها بما اشتهى ثم إن الصوت خمد وانصرف الرجل فما خطر له ابنه على باله حتى مات" (٣).

стр. 255

١٢١ - نا أبو جعفر محمد بن حميد الصفار، نا جعفر بن سليمان الضبعي، نا عبد اللَّه بن المبارك، عن شريك بن عبد اللَّه، عن هلال بن عبد اللَّه بن حكيم، عن ابن مسعود قال: "يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأظمأ ما كانوا قط، وأنصب ما كانوا قط، فمن كسا للَّه كساه اللَّه، ومن أطعم للَّه أطعمه اللَّه، ومن سقى للَّه سقاه اللَّه، ومن عمل للَّه أغناه اللَّه" (١). تاسعا: الآثار الواردة في أنه جالب لمحبة الناس للعبد، ودافع لبغضهم . ١٢٢ - حدثنا داود بن عمرو الضبي قال: حدثنا أبو شهاب، عن ليث، عن محمد بن واسع قال: "إذا أقبل العبد إلى اللَّه أقبل اللَّه بقلوب العباد إليه" (٢).

стр. 256

١٢٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا الحسين بن عليّ الجعفي، عن معقل بن عبيد اللَّه الجزري (١) قال: "كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض: أنه من أصلح سريرته أصلح اللَّه علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين اللَّه كفاه اللَّه ما بينه وبين الناس، ومن اهتمّ بأمر آخرته كفاه اللَّه أمر دنياه" (٢).

стр. 257

١٢٤ - نا يحيى بن سليمان المحاربي، نا مسعر بن كدام، حدثني عون ابن عبد اللَّه قال: نا ابن عتبة (١) قال: "كانوا يتواصون فيما بينهم بثلاثة أحرف، يكتب بها بعضهم إلى بعض: "من عمل للَّه كفاه اللَّه الناس، ومن عمل لآخرته كفاه اللَّه دنياه، ومن أصلح سريرته أصلح اللَّه له علانيته" (٢). ١٢٥ - حدثني أبو مسلم عبد الرحمن بن يونس قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش قال: سمعت إبراهيم يقول: "إن الرجل ليعمل العمل الحسن في أعين الناس، أو العمل لا يريد به وجه اللَّه، فيقع له المقت والعيب عند الناس حتى يكون عيبا، وإنه ليعمل العمل أو الأمر يكرهه الناس، يريد به وجه اللَّه فيقع له المقة (٣) والحسن عند الناس" (٤).

стр. 258

عاشرا: الآثار الواردة في أنه سبب إجابة الدعاء . ١٢٦ - حدثني أبو خزيمة قال: حدثني يونس بن محمد المكّي قال: قال فضيل بن عياض لرجل: "لأعلّمنّك كلمة هي خير من الدنيا وما فيها، واللَّه لئن علم اللَّه منك إخراج الآدميين من قلبك حتى لا يكون في قلبك مكان لغيره، لم تسأله شيئا إلا أعطاك" (١). ١٢٧ - نا ابن أبي مريم عن محمد بن سلام الجمحي قال: جاء رجل إلى الربيع بن عبد الرحمن (٢) فسأله أن يكلم الأمير في حاجة له، فبكى الربيع ثم قال: "أي أخي، اقصد إلى اللَّه في أمرك تجده سريعا قريبا، فإني ما ظاهرت أحدا في أمر أريده إلا اللَّه، فأجده كريما قريبا لمن قصده وأراده وتوكّل عليه" (٣). ١٢٨ - حدثني أحمد بن إبراهيم، قال: حدثني سهل بن محمود، عن عبد اللَّه بن إدريس (٤) قال: "لو أن رجلا انقطع إلى رجل لعرف ذلك له،

стр. 259

فكيف بمن له السماوات والأرضون" (١). ١٢٩ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني إسماعيل بن زياد، قال: "قدم علينا عبد العزيز بن سليمان (٢) عبّادان في بعض قدماته فأتيناه نسلّم عليه فقال لنا: صَفُّوا للمنعم قلوبكم يكفكم المؤن عند همّكم، قال: ثم قال: أرأيت لو خدمت مخلوقا فأطلت خدمته، ألم يكن يرعى لخدمتك حرمة، فكيف بمن ينعم عليك، وأنت تسيء إلى نفسك، تتقلب في نعمه، وتتعرض لغضبه، هيهات همّتك همّة البطالين، ليس لهذا خلقتم، ولا بهذا أمرتم، الكيس الكيس رحمكم للَّه تعالى" (٣). حادي عشر: الآثار الواردة في مشروعية تلقين الميت كلمة التوحيد . ١٣٠ - حدثني محمد قال: حدثنا يحيى بن بسطام قال: حدثنا جعفر

стр. 260

ابن سليمان قال: سمعت شميط بن عجلان قال: "لما نزل بأبي الدرداء (١) الموت جزع جزعا شديدا، فقالت له أم الدرداء: يا أبا الدرداء لم تكن تخبرنا أنك تحب الموت، قال: بلى وعزّة ربي، ولكن نفسي لما استيقنت الموت كرهته، قال: ثم بكى فقال: هذه آخر ساعاتي من الدنيا، لقِّنوني لا إله إلا اللَّه، فلم يزل يردّدها حتى مات" (٢). ١٣١ - حدثنا علي بن الجعد قال: أخبرني عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول قال: قال عمر بن الخطاب: "احضروا موتاكم وذكِّروهم؛ فإنهم يرون ما لا ترون، ولقِّنوهم شهادة أن لا إله إلا اللَّه" (٣).

стр. 261

١٣٢ - حدثني محمد قال: حدثنا فهد بن حيان قال: حدثنا حفص ابن عبد الملك قال: سمعت أنس بن سيرين يقول: "شهدت أنس بن مالك وحضره الموت، فجعل يقول: لقِّنوني لا إله إلا اللَّه، فلم يزل يقولها حتى قبض ﵀" (١). ١٣٣ - حدثني محمد قال: حدثنا داود بن المحبر قال: حدثنا صالح المرّي قال: سمعت أبا عمران الجوني يقول: "أوصاني أبو الجلد (٢) أن ألقنه لا إله إلا اللَّه، فكنت عند رأسه وقد أخذه كرب الموت، فجعلت أقول: يا أبا الجلد قل لا إله إلا اللَّه، فقال: لا إله إلا اللَّه، بها أرجو نجاة نفسي، لا إله إلا اللَّه، ثم قبض" (٣). ١٣٤ - حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون قال: حدثني أبي، عن زيد بن أسلم قال: قال عثمان بن

стр. 262

عفان (١): "إذا احتضر الميت فلقنّوه لا إله إلا اللَّه؛ فإنه ما من عبد يُختم له بها عند موته إلا كانت زاده إلى الجنة" (٢). ثاني عشر: الآثار الواردة في أنها شعار الناس إذا خرجوا من قبورهم . ١٣٥ - دثنا هارون بن سفيان، دثنا ابن فضيل (٣)، عن النضر بن عربي (٤) قال: "بلغني أن الناس إذا خرجوا من قبورهم كان شعارهم لا إله إلا اللَّه، وكانت أول كلمة تغنى بها برهم وفاجرهم: ربنا ارحمنا" (٥).

стр. 263

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان فضل التوحيد، وعظيم منزلة شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وقد تنوعت دلالتها على ذلك، حتى انتظمت تحت أنواع من النصوص كل نوع تحته مجموعة غير يسيرة من الآثار، وهى فضائل كثيرة لا يمكن استقصاؤها (١)، وإنما الغرض التنبيه بتنويعها على أهمية ما دلت عليه وفضله، كما قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ "ليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة، والفضائل المتنوعة مثل التوحيد؛ فإن خير الدنيا والآخرة من ثمرات هذا التوحيد وفضائله" (٢). فتفاضل الأعمال يكون بحسب التوحيد الذي في القلب، قال ابن القيم: "الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة، والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى لتكون صورة العملين واحدة وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا اللَّه تعالى" (٣). وهو أعظم نِعَمِ اللَّه على العبد قال ابن القيم: "ما مُنِح العبد منحة أفضل من منحة القول الثابت، ويجد أهل القول الثابت ثمرته أحوج ما

стр. 264

يكونون إليه في قبورهم ويوم معادهم" (١). وقد وصفه اللَّه بالإحسان كما فسر ابن المنكدر ومقاتل الآية (٢)، ورتب عليه الجنة والجزاء من جنس العمل و"أعظم الإحسان الإيمان، والتوحيد، والإنابة إلى اللَّه، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد اللَّه كأنه يراه إجلالا ومهابة وحياء ومحبة وخشية. . . فإن اللَّه إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به" (٣). وهو كذلك مكفر للذنوب كما في أثر أبي حازم أن الذنوب تغفر عند تصحيح الضمائر، وهذه الفضيلة هي من بعض فضائله وآثاره (٤)، وقد ترجم لها الإمام محمد بن عبد الوهاب في كتابه التوحيد بقوله: "باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب"، ولا شك أن التوحيد من جملة الأسباب لمغفرة الذنوب عموما، لكن في تكفيره كل الذنوب تفصيل ذكره ابن رجب الحنبلي فقال: "السبب الثالث من أسباب المغفرة: التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة. . . فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض -وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا- لقيه اللَّه بقرابها مغفرة، لكن هذا مع

стр. 265

مشيئة اللَّه ؛ فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها، ثم يدخل الجنة. . . فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه للَّه فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية" (١). كما أنه مطهر من الذنوب أيضًا بمعنى أن من حقق التوحيد فقد برئ من أنواع المخالفات وهي الشرك والمعاصي والبدع، كالشرك والنفاق والرياء التي وردت في الآثار السابقة، ولا شك أن التوحيد يقاوم المخالفات ويذهبها بحسبه، وفي تمام النص السابق لابن رجب يقول: "فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى اللَّه محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية ورجاء وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها، ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات. . . فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات". وهو عُدَّةٌ لأهل الكبائر فقد تواترت النصوص على خروج أهل الكبائر من النار، وعدم خلودهم فيها، وهم تحت المشيئة إما أن لا يدخلوها أصلا وإن

стр. 266

دخلوها لم يخلدوا فيها، وسيأتي بيان ذلك في الأسماء والأحكام. وهو أيضًا أعظم ما حورب به إبليس كما في توجيه مجاهد لمن لعن إبليس بأنه لا شيء أقطع لظهره من لا إله إلا اللَّه، قال شيخ الإسلام: "أهل الإخلاص والإيمان لا سلطان له عليهم، ولهذا يهربون من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة، ويهربون من قراءة آية الكرسي، وآخر سورة البقرة، وغير ذلك من قوارع القرآن. . . والكهانة كانت ظاهرة كثيرة بأرض العرب، فلما ظهر التوحيد هربت الشياطين، وبطلت أو قَلَّت ثم إنها تظهر في المواضع التي يختفي فيها أثر التوحيد" (١)، قال ابن القيم: "التوحيد حصن اللَّه الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين" (٢). ولذلك كان أجره عظيما في الآخرة حيث يجزى به العبد أحسن الجزاء كما في سبق في ثالثا، بل حتى في الدنيا كما جاء في أثر ابن واسع من إقبال القلوب عليه، بل الأمر أعم من ذلك كما قال ابن سعدي: "ومن فضائل التوحيد أن اللَّه تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال" (٣). وهو كذلك من أعظم أسباب استجابة الدعاء كما في أثر الربيع

стр. 267

والفضيل وابن إدريس وعبد العزيز بن سليمان، وقد قال شيخ الإسلام: "لو سأل اللَّه بإيمانه بمحمد، ومحبته له، وطاعته له واتباعه، لكان قد سأله بسبب عظيم، يقتضى إجابة الدعاء، بل هذا أعظم الأسباب والوسائل والنبي بيَّن أن شفاعته في الآخرة تنفع أهل التوحيد لا أهل الشرك" (١). ومن هنا كان آخر ما يقوله العبد في الدنيا ويلقن به من أشرف على الموت، هو لا إله إلا اللَّه، كما ورد في النصوص الدالة على التلقين والحث على أن تكون آخر كلمة يقولها المسلم وبيان الأجر العظيم على ذلك. أما أثر النضر بن عربي من كون كلمة التوحيد شعار من يبعث من قبره، فهو وإن كان فيه فضل هذه الكلمة لكنه بلاغ ولم أجد ما يعضده، إلا في حديث ضعيف لم يثبت (٢)، وبقية الفضائل كما قال الشيخ ابن سعدي -بعد تعداد لبعض فضائل التوحيد-: "وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة" (٣) واللَّه أعلم.

стр. 268

المطلب الثاني: الآثار الواردة في الإخلاص وصلاح العمل . أولا: الآثار الواردة في الإخلاص وأهميته . ١٣٦ - حدثني محمد بن العباس، نا محمد بن عمر بن الكميت الكلاعي، نا أبو إسحاق المقري قال: كان ابن الحنفية (١) يقول: "إني واصف لك أخا لي كان أعظم الناس في عيني، وكان الذي عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يضع فيها ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم على الأمر إلا بنيّة" (٢). ١٣٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل قال: ثنا سفيان، عن هلال الوزان، قثنا عبد اللَّه بن عكيم قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول إذا دخل شهر رمضان: ". . . ليتق أحدكم أن يقول: أصوم إن صام فلان، وأقوم إن قام فلان، من صام أو قام فليجعل ذلك للَّه. . . " (٣).

стр. 269

١٣٨ - حدثني محمد بن بشير، ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن أبيه (١) قال: "أدركتهم يجتهدون في الأعمال، فإذا بلغوها ألقي عليهم الهم والحزن، لا يدرون قبلت منهم أو ردّت عليهم" (٢). ١٣٩ - حدثني محمد بن الحسن، حدثني محمد (٣) بن مالك بن ضيغم، حدثني مولانا أبو أيوب (٤) قال: قال لي أبو مالك (٥) يوما: "يا أبا أيوب، احذر نفسك على نفسك؛ أني رأيت هموم المؤمنين في الدنيا لا تنقضي، وأيم اللَّه لئن لم تأت الآخرة والمؤمن بالسرور، لقد اجتمع عليه الأمران: هم الدنيا وشقاء الآخرة، قال: قلت: بأبي أنت وأمي، وكيف لا تأتيته الآخرة بالسرور؟ وهو ينصب للَّه في دار الدنيا ويدأب؟ قال: يا أبا أيوب،

стр. 270

فكيف بالقبول؟ وكيف بالسلامة؟ قال: ثم قال: كم من رجل يرى أنه قد أصلح شأنه، قد أصلح همته، قد أصلح عمله، يجمع ذلك يوم القيامة ثم يضرب به على وجهه" (١). ١٤٠ - حدثني علي بن أبي مريم، عن محمد بن نعيم الموصلي، عن المعافى قال: سمعت سفيان الثوري يقول: "لوددت أن كلَّ حديث في صدري نُسخ من صدري، فقلت يا أبا عبد اللَّه، هذا العلم الصحيح، وهذه السنة الواضحة، تتمنّى أن ينسخ من صدرك؟ قال: اسكت، أتريد أن أوقف يوم القيامة حتى أسأل عن كل مجلس جلسته، وعن كل حديث حدثته: أي شيء أردت به؟ " (٢).

стр. 271

١٤١ - حدثني أحمد بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن كردوس، حدثنا مخلد بن الحسين، عن أبي بكر بن الفضل قال: سمعت أيوب (١) يقول: "ما صدق اللَّه عبدٌ إلا سرّه أن لا يشعر بمكانه" (٢). ١٤٢ - حدثنا محمد بن علي بن الحسن، عن إبراهيم بن الأشعث، عن فضيل بن عياض قال: سمعته يقول: "خير العمل أخفاه، أمنعه من الشيطان، وأبعده من الرياء" (٣). ١٤٣ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم قال: "كان أبو وائل (٤) إذا خلا بكى، فسمعته يقول: رب ارحمني،

стр. 272

رب اعف عني، رب إن تعف عني تعف طَوْلًا (١) من قِبَلِك، وإن تعذبني تعذبني غير ظالم ولا مسبوق، قال: ثم يجيش بالبكاء كأشدّ نشيج الثكلى، ولو جعلت له الدنيا على أن يبكي، وأحد يراه، لم يفعل" (٢). ١٤٤ - حدثنا أبو محمد القاسم بن هشام السمسار، حدثنا الحسن ابن قتيبة، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن عليّ قال: قال عليّ بن أبي طالب: "من كان ظاهره أرجح من باطنه خفّ ميزانه يوم القيامة، ومن كان باطنه خير من ظاهره ثقل ميزانه يوم القيامة" (٣). ١٤٥ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني المحاربي، عن سفيان، عن زبيد (٤) قال: "من كانت سريرته أفضل من علانيته فذلك الفضل،

стр. 273

ومن كانت سريرته مثل علانيته فذلك النَّصَف (١)، ومن كانت سريرته دون علانيته فذلك الجور" (٢). ١٤٦ - حدثنا أبو جعفر الكندي، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي واقد، عن أبيه قال: قال عليّ بن أبي طالب: "كونوا لقبول العمل أشدَّ هما منكم بالعمل، ألم تسمعوا اللَّه يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) " (٤). ١٤٧ - حدثنا محمد بن يزيد قال: حدثنا إسحاق بن سليمان، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس (٥) قال: "علامة الدين الإخلاص للَّه،

стр. 274

وعلامة العلم خشية اللَّه" (١). ١٤٨ - حدثني سفيان بن وكيع، حدثنا ابن عيينة، عن عطاء بن السائب قال: بلغني أن عليّ بن أبي طالب قال: "العمل الصالح: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا اللَّه" (٢). ١٤٩ - حدثني يعقوب بن إسماعيل، أخبرنا حبّان بن موسى، أخبرنا عبد اللَّه بن المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، حدثني ابن غُزيّة، عن حمزة من بعض ولد ابن مسعود (٣) قال: "طوبى لمن أخلص عبادته ودعاءه للَّه، ولم يُشغل قلبَه ما تراه عيناه، ولم ينسه ذكرَه ما تسمع أذناه، ولم يحزن نفسَه ما أُعطِي غيرُه" (٤). ١٥٠ - حدثنا ابن جميل، أنا عبد اللَّه، نا حيوة بن شريح، أخبرني

стр. 275

عقيل، عن ابن شهاب: أن أم سلمة (١) زوج النبي ﷺ قالت: "إني لأهدي الهدية على ثلاث، هدية مكافأة؛ فإنا لا نحب أن يفضلنا أحد، ومن أهدى بقدر ما يجد فقد كافأ، وهدية أريد بها وجه اللَّه ، لا أريد بها جزاءً ولا شكورا، وهدية أريد بها اتقاءً؛ فإني لا أحب أن يقال فيَّ إلا خير" (٢). ١٥١ - حدثني محمد بن الحسين، قال: أنشدني إبراهيم بن داود بن شداد (٣) قوله: المرء يزري بِلُبِّه طمعه ... والدهر قَدَرٌ كثيرةٌ خِدعه والناس إخوانُ كلّ ذي نشد ... قد خاب عبدٌ إليهم ضرعه والمرء إن كان عاقلا ورعا ... أخرسه عن عيوبهم ورعه

стр. 276

كما المريض السقيم يشغله ... عن وجع الناس كلهم وجعه (١) ١٥٢ - حدثنا أبو عبد اللَّه العجلي حسين بن علي، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا يزيد بن سنان عن من حدثه قال: قال عمر بن الخطاب لجلسائه: "ما الذي نقيم به وجوهنا عند اللَّه يوم القيامة؟ فقال بعض القوم: الصلاة، فقال عمر: قد يصلي البر والفاجر، قالوا: الصيام، قال عمر: قد يصوم البر والفاجر، قالوا: الصدقة، قال عمر: قد يتصدق البر والفاجر، قالوا: الحج، قال عمر: قد يحج البر والفاجر، قال عمر: الذي نقيم به وجوهنا عند اللَّه أداء ما افترض علينا، وتحريم ما حرم علينا، وحسن النية فيما عند اللَّه" (٢). ١٥٣ - حدثنا أبو كريب، حدثنا خالد بن حيان، حدثنا عيسى بن كثير الأسدي الرَّقِّي قال: مشيت مع ميمون بن مهران (٣)، حتى أتى باب داره، ومعه ابنه عمرو، فلما أردت الانصراف قال له عمرو: يا أبت ألا

стр. 277

تعرض عليه العشاء؟ قال: "ليس ذلك من نيتي" (١). ١٥٤ - حدثني علي بن أبي مريم، عن الحميدي قال: سمعت سفيان قال: قال الأعمش (٢): "لقد أدركت قوما لو لم يتركوا الكذب إلا حياء لتركوه" (٣).

стр. 278

١٥٥ - حدثنا هارون بن سفيان، حدثنا عبد اللَّه بن صالح العجلي قال: سمعت ابن السَّمَّاك (١) يقول: "ما أراني أُوجَر على تركي الكذب؛ لأني إنما أدعه أَنَفَةً" (٢).

стр. 279

١٥٦ - نا إسحاق بن إسماعيل، نا جرير، عن ليث، عن أبي العالية (١) قال: اجتمع إليّ أصحاب محمد فقالوا: "يا أبا العالية لا تعمل عملا تريد به غير اللَّه فيجعل اللَّه ثوابك على ما أردت، قال: واجتمع إلى أصحاب محمد فقالوا: يا أبا العالية لا تتكِّلنَّ على غير اللَّه فيكلك اللَّه إلى من اتَّكلتَ عليه" (٢). ثانيا: الآثار الواردة في صلاح العمل . ١٥٧ - حدثنا محمد بن علي بن شقيق، حدثنا إبراهيم بن الأشعث،

стр. 280

عن فضيل بن عياض: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١) قال: "أخلصه وأصوبه، قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا، والخالص: إذا كان للَّه، والصواب: إذا كان على السنة" (٢). ١٥٨ - حدثنا داود بن محمد: أنه سمع أبا عبد (٣) النِّباحي (٤) يقول: "خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة اللَّه، ومعرفةُ الحق، وإخلاص العمل للَّه، والعمل على السنة، وأكل الحلال، فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل؛ وذلك أنك إذا عرفت اللَّه ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإذا عرفت الحق ولم تعرف اللَّه لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت اللَّه وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمّت الأربعة

стр. 281

ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (١) " (٢). ١٥٩ - حدثنا أحمد بن جميل المروزي، أنبأنا عبد اللَّه بن المبارك، أنبأنا سفيان، عن أبي حيان، عن أبي الزِّنباع، عن أبي الدهقان قال: صحب الأحنفَ بن قيس (٣) ﵀ رجلٌ فقال: ألا تميل فنحملك ونفعل؟ قال: لعلك من العَرَّاضين؟ قال: وما العَرَّاضون؟ قال: الذين يحبون أن يحمدوا ولا يفعلوا، قال: يا أبا بحر ما عرَّضت عليك حتى قال: "يا ابن أخي إذا عرض لك الحق فاقصد له، والْهُ عما سواه" (٤).

стр. 282

التحليل والتعليق تضمنت الآثار السابقة بيان أهمية أمرين اثنين هما شرطا قبول العمل، وهما تحقيق شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه، فإن الآثار السابقة تفيد أهمية الإخلاص في العبادة وهو الشطر الأول من الشهادة، وأهمية الاتباع في صلاح العمل وهو الشطر الثاني منها، وحرص السلف على ذلك، وعلى هذا مدار الإسلام كما قال شيخ الإسلام: "الإسلام مبني على أصلين: أن لا تعبد إلا اللَّه، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع؛ فالنصارى خرجوا عن الأصلين، وكذلك المبتدعون من هذه الأمة من الرافضة وغيرهم" (١)، وقال: "وهو حقيقة قول: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه؛ فإن الإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة، ومحبة وتعظيما، وخوفا ورجاء، وإجلالا وإكراما، وهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا اللَّه، ولا يدعى إلا اللَّه، ولا يخاف إلا اللَّه، ولا يطاع إلا اللَّه، والرسول هو المبلغ عن اللَّه طاعته، وأمره ونهيه، وتحليله وتحريمه، فهو واسطة بين اللَّه وبين

стр. 283

خلقه في تبليغ أمره وفيه ووعده ووعيده" (١). ولذلك حرص السلف كما ورد في الآثار السابقة على جعل الأعمال كلها خالصة للَّه مرادا بها وجهه، ولا يقدمون على عمل حتى يستحضروا النية فيه، ومن هنا كان همهم شديدا لقبول أعمالهم، ولما كان ظهور العمل مظنة الرياء حرصوا على إخفائه، وفضلوا عمل السر على عمل العلانية، واهتموا بإصلاح البواطن والسرائر؛ لأن ذلك يثمر صلاح الظاهر والعلنية، ويرجح الميزان يوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "من صلح قلبه صلح جسده قطعا بخلاف العكس" (٢)، حتى إن بعض الأعمال التي يتركونها أنفة وحياء يخافون من عدم قبولها؛ لكان الإخلاص وأهميته، ويتركون أعمالا أخرى حتى يستحضروا النية فيها، ولا يفعلونها لمجرد جريان العادة، قال شيخ الإسلام: "العمل المجرد عن النية لا يثاب عليه؛ فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص للَّه لم يقبل منه" (٣). ثم الآثار التي وردت في أهمية التابعة مع الإخلاص فيها بيان واضح أن هذين الأمرين لا بد من اجتماعهما ولا يستغنى بأحدهما عن الآخر، فإن أثر الفضيل المشهور في بيان اشتراط الاتباع والإخلاص في العمل،

стр. 284

وأثر النباحي في بيان ما يرتفع به العمل إلى اللَّه، وأنه إذا اختل شرط الإخلاص أو المتابعة، لم يرتفع العمل، وقد بيّن ابن القيم ﵀ التلازم الوارد بين كلمة التوحيد والأعمال الصالحة وارتفاعها إلى اللَّه ومن ثَمَّ قبولها فقال: "الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا اللَّه، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي للَّه ثمرة هذا الكلمة. . . وهذه الكلمة الطيبة تثمر كثيرا طيبا كلما يقارنه عمل صالح فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١)، فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها كل وقت عملا صالحا" (٢).

стр. 285

المطلب الثالث: الآثار الواردة في الدعاء . إن الدعاء من أهم مباحث التوحيد، كيف لا وقد حصر النبي ﷺ العبادة فيه فقال: "الدعاء هو العبادة"، وقال اللَّه ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ (١) فسماه عبادة (٢)، ولما كان هذا شأن الدعاء فقد وردت عدة آثار في كتب ابن أبي الدنيا تتحدث عن مسألة من المسائل المتعلقة به، وقد قسمتها في العناصر التالية: أولا: الآثار الواردة في أسباب الإجابة . ١٦٠ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عمار بن عثمان الحلبي، حدثنا سرّار العنزي قال: سمعت عبد الواحد بن زيد (٣) قال: "الإجابة مقرونة بالإخلاص، لا فرقة بينهما" (٤). ١٦١ - حدثنا خالد بن خداش، حدثنا مهدي بن ميمون، عن غيلان
следующие страницы →